← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 20983

الإشارة في أصول الفقه - ت فركوس

أبو الوليد الباجي

Полный текст (379 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

* أما أولاده الذين عاشوا بعد وفاته، فمن أشهرهم: أحمد بن أبي الوليد سليمان الباجي. وكنيته: أبو القاسم. وهو أحد العلماء البارزين، برع في علم الأصول والكلام حتى أذن له والده في إصلاح كتبه الأصولية. وقد تفقه أبو القاسم على أبيه، وخلَفه في حلقته بعد وفاته، وجمع ديوانه، وصلَّى عليه يوم وفاته. وقد كان ديِّنًا ورعًا زاهدًا في الدنيا، تخلى عن تركة أبيه وهي كثيرة لقبوله جوائز السلطان، وارتحل إلى المشرق لطلب العلم، ودخل بغداد والبصرة، واستقر بعدها في بعض جزائر اليمن، ثم قضى مناسك الحج، وعند عودته مات بجدَّة سنة ٤٩٣ هـ. لأبي القاسم أحمد بن سليمان مؤلفات حسنة تدل على حِذْقِه وذكائه فمنها: (العقيدة في المذاهب السديدة) و (معيار النظر) و (سرُّ النظر) و (البرهان في أنَّ أول الواجبات: الإيمان) ورسالة سماها (الاستعداد للخلاص من الميعاد) (١)، وله نظم وأدب، فمن رقيق شعره ما أنشد لنفسه يقول: إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ... فَاتْرُكِ الْمَيْلَ إلَيْهِ مَنْ بِأَمْرٍ يَتَعَنَّى ... يَحْسَبُ النَّاسَ عَلَيْهِ (٢) - وله ابنة نجيبة (٣) زوَّجها للحافظ المحدث الفقيه أبي العباس أحمد بن عبد الملك بن موسى بن عبد الملك بن أبي حمزة المُرْسِي الأندلسي - أحد طلبة الباجي - المتوفى سنة ٥٣٣ هـ (٤).

стр. 37

المبحث الثالث نشأة أبي الوليد الباجي ووفاته نتناول نشأة الباجي في المطلب الأول، ونخصص المطلب الثاني لوفاته. المطلب الأول نشأة أبي الوليد الباجي نشأ أبو الوليد الباجي وسط أسرة عربية أصيلة، حيث أن مردَّ نسَبه من جهة أبيه وأمه إلى قبيلة: (تُجيب) العربية المشرَّفة بثناء الرسول عليها (١). واتَّسمت هذه الأسرة بالعلم والنباهة (٢) فكان لبعض أفرادها مساهمة فعالة في الحياة العلمية، فضلًا عما اتصفوا به من مكارم الأخلاق وعرفوا بالتقوى والورع وحسن التديُّن والزهد. فلم يكن في إخوته إلا مشهور بالحج والجهاد، والصلاح والعفاف، وأمِّه وجِهَتِها إلا مشهود له بالعلم والذكاء والفطنة. وفي كَنَف هذه البيئة العلمية، وتحت الرعاية الأسروية الداخلية، نال أبو الوليد الباجي حظه من التربية الحسنة والأخلاق العالية، وأخذ تعليمه الأوَّلي في سن مبكرة جدًّا، ساعده ذلك على تنمية قدراته الذهنية ومواهبه الفكرية، الأمر الذي فسح أمامه آفاقًا واسعة تبشِّر بغدٍ مشرق بالعلم والمعرفة.

стр. 38

وقد سادت - في عصره وضمن محيط مجتمعه بالأندلس - موجة علمية عالية تقوم على التنافس الجاد في مختلف العلوم وشتى الفنون وسائر المعارف، وفي هذا الجوِّ العلمي العام ترعرع أبو الوليد الباجي وكلُّه إرادة جدِّية، وحزم أكيد، يساعده ذكاؤه الوقاد وتعليمه الأولي، ويدفعه حرصٌ شديدٌ، ورغبةٌ مُلحَّةٌ صادقة في طلب العلم واكتسابه، والتبحُّر في أنواع المعارف المختلفة، متبعًا في ذلك هدي العلماء العاملين، ومقتديًا بهم سلوكًا وأخلاقًا. المطلب الثاني وفاة أبي الوليد الباجي بعد أن قضى أبو الوليد الباجي حياة جهادية من أجل تحصيل العلم ونشره تعليمًا وتأليفًا ومناظرة، والسعي إلى دعوة حكام الأقطار الأندلسية للالتفاف حول المرابطين لنصرة الإسلام ونبذ أحقادهم وجمع كلمة المسلمين ضد عدوهم المشترك ألفنسو السادس الذي كان يتربص بالإسلام والمسلمين الدوائر، انتهى به السعي والمطاف بمدينة (الْمَرِيَّة) (١) () حيث أدركته المنيَّةُ ليلة الخميس - بين العشائين - في التاسع عشر من رجب (٢) سنة ٤٧٤ هـ.

стр. 39

وصلى عليه يوم الخميس - بعد العصر - ابنه أبو القاسم، ودفن على ضفة البحر بالرباط. ﵀ وغفر لنا وله. وتاريخ وفاته المتقدم مثبت لدى جمهور المترجمين والمؤرخين باتفاق (١) ونازع فيه آخرون منهم: - ابن الأثير الذي انفرد بالقول إلى أن أبا الوليد الباجي توفي في حدود سنة ثمانين وأربعمائة (٢). - وياقوت الحموي وابن فرحون اللذان ذهبا إلى أنه توفي سنة ٤٩٤ هـ (٣). وعليه فالمسألة على ثلاثة (٤) أقوال أرجحها - في تقديري - ما استقر عليه الجمهور هو أن سنة وفاته: ٤٧٤ هـ، وذلك للأسباب التالية:

стр. 40

١ - لأن ورود تاريخ وفاته محددًا بالشهر واليوم والساعة يدل على قول الجمهور تأسيسًا على أن: من حفظ حجة على من لم يحفظ، فضلًا عن أن هذا التاريخ مستمد من أبي عليِّ الجيَّاني نفسه وهو أحد تلاميذه (١). ٢ - ولأن جمهور المؤرخين وجلَّ المترجمين على إثبات هذا التاريخ وصحته. ٣ - ولأنه يستبعد أن تكون سنة وفاته في أحد القولين الآخرين، لأن المصادر التاريخية تشير إلى أن الباجي كان سفيرًا بين رؤساء الأندلس يسعى إلى توحيد صفهم ولمِّ شملهم وجمع كلمتهم مع المرابطين ضد عدوهم ألفنسو السادس للذود عن حياض الإسلام وثغوره، وقد توفي الباجي ﵀ قبل تمام سعيه وتحقيق غرضه وإكمال غايته (٢). ولا يساورنا شك أن انتصار المسلمين في معركة (الزلاقة) (٣) الشهيرة قد وقع في رجب سنة ٤٧٩ هـ، فلو كانت سنة وفاته على ما قرروه لشهد النصر المؤزر ولأدرك بغيته من خلال مساعيه الوحدوية. قال الحجوي: (وفي سنة ٤٩٤ كان ابن تاشفين استأصل

стр. 41

جل رؤساء الأندلس كما يعلم من مراجعة التاريخ) (١). ٤ - وعلى القولين الآخرين يحتمل حدوث تحريف غير مقصود للاشتباه الحاصل بين الأربِع والسبعين والأربع والتسعين، كما يحتمل اشتباه وفاة أبي الوليد بوفاة ابنه أبي القاسم المتوفى سنة ٤٩٣ هـ. ***

стр. 42

الفصل الثاني حياة أبي الوليد الباجي العلمية المبحث الأول: مساعي أبي الوليد الباجي العلمية. المبحث الثاني: شخصية أبي الوليد الباجي ونشاطه العام. المحبث الثالث: آثار أبى الوليد الباجى العلمية.

стр. 43

الفصل الثاني حياة أبي الوليد الباجي العلمية سنتناول في هذا الفصل جوانب من حياة أبي الوليد الباجي العلمية والأدبية التي سلكها، مبرزين شخصيته كأديب وشاعر وقاضي، ثم نختم هذا الفصل بآثاره ومخلفاته العلمية من كتب ورسائل ومسائل علمية. لذلك نتعرض لمساعي أبي الوليد الباجي العلمية في المبحث الأول، ونخصص المبحث الثاني لشخصيته ونشاطه العام، ونؤخر آثاره العلمية إلى المبحث الثالث. ***

стр. 44

المبحث الأول مساعي أبي الوليد الباجي العلمية وفي هذا المبحث نذكر المراحل التعليمية الأساسية التي قطعها أبو الوليد الباجي في طلبه للعلوم وسعيه في التحصيل في مطلب أوَّلٍ، ثم نذكر ترجمة موجزة لطائفة من أهم شيوخه وأقرانه وتلاميذه في مطلب ثانٍ. المطلب الأول المراحل التعليمية لأبي الوليد الباجي توجه أبو الوليد الباجي برغبة أكيدة إلى طلب العلم، وعمل على تحصيل مدارك المعرفة بشتى الوسائل والطرق بالتدريج، فأخذ من علماء بلده بالأندلس غربًا، ومن علماء الحجاز والعراق شرقًا، بصبر عريض واجتهاد دؤوب وهمة عالية. وتأسيسًا على تدرجه في التحصيل سنتناول مراحله التعليمية الداخلية بالأندلس في الفرع الأول، ثم مراحله التعليمية بالمشرق في الفرع الثاني. الفرع الأول: المراحل التعليمية الداخلية: يمكن تقسيم مراحل أبي الوليد الباجي التعليمية التي قضاها داخل الأندلس إلى مرحلتين:

стр. 45

المرحلة الأولى: تعليمه العائلي. المرحلة الثانية: تعليمه بالأندلس. - أما المرحلة الأولى فقد تقدم الكلام عن أن أبي الوليد الباجي نشأ بين أحضان أسرة عربية أصيلة، اتسمت بالعلم والنباهة وفي ذلك الجوِّ العلمي العالي نال أبو الوليد الباجي حظه من التعليم الأوَّلي في سن مبكرة جدًا مؤسسًا بذلك أرضية مبدئية تمهيدًا لدراساته العلمية التحصيلية المنتظرة. - أما تعليم أبي الوليد الباجي بالأندلس فقد بدأت هذه المرحلة الدراسية على يد فطاحل العلماء وفحولهم، فاهتم في أوائل دراسته بالأدب وفنونه حتى برع فيه نظمًا ونثرًا من غير إهمال للعلوم الأخرى. قال ابن بسام في الذخيرة: (نشأ أبو الوليد هذا وهمته في العلم تأخذ بأعنان السماء، ومكانه من النثر والنظم يسامي مناط الجوزاء، وبدأ في الأدب فبرز في ميادينه، واستظهر أكثر دواوينه، وحمل لواء منثوره وموزونه) (١). ففي قرطبة أخذ عن خاله أبي شاكر عبد الواحد (٢) العربية وغيرها، وأخذ علوم اللغة والنحو والحديث عن المحدث اللغوي يونس بن مغيث (٣)، وأخذ علوم القرآن والقراءات عن الإمام المقرئ الكبير أبي محمد مكي بن أبي طالب (٤). - وبطَرْطُوسِة (٥) أخذ عن أبي سعيد الجعفري (٦) وأجاز الباجي

стр. 46

في ناسخ القرآن ومنسوخه، وكتاب (العالم والمتعلم في معاني القرآن)، و (إعراب القرآن) لأبي جعفر النحاس. (١). - وبِطُلَيْطِلَة (٢) أخذ الفقه عن العالم الفقيه خلف بن أحمد الرهوني المعروف بابن الرحوي (٣) من كبار العلماء في الرواية والإفتاء. - وبسرقسطة أخذ الفقه والحديث عن أبي عبد الله محمد ابن إسماعيل بن فُورْتش القاضي (٤). - وبوشْقَة (٥) روى عن القاضي عيسى بن خلف بن عيسى المعروف بابن أبي درهم (٦) بكثير من روياته.

стр. 47

الفرع الثاني: المراحل التعليمية الخارجية: فبعد أن استوعب أبو الوليد الباجي علوم الأندلس، ونبغ في فنون متعددة في سن الفتوة وهو ابن الثالثة والعشرين من عمره فإنه - بالرغم من الفوضى السياسية التي عمت ربوع الأندلس وانتشرت في عهد ملوك الطوائف - فقد وجد في نفسه عزمًا قويًا، ورغبة ملحة في المزيد من طلب العلوم فقرر الرحيل صوب المشرق الإسلامي سنة ٤٢٦ هـ (١). وفي أثناء سفره تعرَّف على أحوال الأدب في الأقطار الإسلامية التي مرَّ بها ومدى ميول الناس إلى الأدب وكثرة اشتغالهم به نظمًا ونثرًا، وقتئذٍ عقد العزم على الانقطاع لطلب العلوم الشرعية لقلة من يجيدها من العلماء. وفي هذا المضمون يقول ابن بسام: ( ... ولم تزل أقطار تلك الآفاق تواصله، وعجائب الشام والعراق تغازله حتى أجاب، وشدَّ الركاب، وودَّع الأوطان والأحباب فرحل سنة ست وعشرين، فما حلَّ بلدًا إلا وجده ملآن بذكره، نشوان من قهوتَيْ نظمه ونثره، ومال إلى علم الديانة، وقد كان قبل رحلته تولى إلى ظله، ودخل في جملة أهله، فمشى بمقياس، وبنى على أساس) (٢). وكان أول منازله الحجاز: ففي مكَّة لزم أبو الوليد الباجي العالم المتبحر أبا ذر الهروي (٣) ملازمة الظل، ومكث عنده ثلاث سنوات (٤) درس عنه الفقه المالكي والحديث (٥) وعلومه

стр. 48

وفي أثناء إقامته بمكَّة حج فيها أربع حجج وسمع من شيوخ الحرم منهم: أبو بكر المُطَّوَّعِيُّ، وأبو بكر محمد بن سعيد بن سَحْنَوْيه الإسفرائني، وأبو عبد الله محمد بن علي بن أحمد بن محمود الورَّاق، وأبو القاسم عبد الرحمن بن مُحْرِزٍ، وأبو محمد عبد الله بن سعيد بن أرباح الأموي الأندلسي (١) وغيرهم (٢). ومن الحجاز اتجه صوب العراق وهو لا يزال متعطشًا إلى المزيد من العلوم، ولتحقيق رغبته استأجر نفسه أيام إقامته ببغداد لحراسة الدروب فكان ينفق ما يعطى له من أجر على معاشه دون أن تفوته مجالسة العلماء، ويستعين بضوء الدروب ليلًا ليطالع ما حصله من العلم فيراجعه (٣). ومن أشهر شيوخه ببغداد: - القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري الشافعي المتوفى سنة (٤٥٠ هـ) (٤). - الأصولي الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي الشافعي المتوفى سنة (٤٧٦ هـ) (٥). - الفقيه المالكي أبو الفضل محمد بن عمروس المتوفى سنة (٤٥٢ هـ) (٦). - الإمام الحنفي أبو عبد الله الحسين الصَّيمري المتوفى سنة (٤٣٦ هـ) (٧).

стр. 49

- الفقية المالكي المحدث أبو عبد الله محمد بن علي الصُّوري المتوفى سنة (٤٤١) (١). - الإمام الحنفي أبو عبد الله محمد بن علي الدامغاني المتوفى سنة (٤٧٨ هـ) (٢). - الفقيه الحنبلي أبو إسحاق إبراهيم بن عمر البغدادي البرمكي المتوفى سنة (٤٤٥ هـ) (٣). - الحافظ أبو طالب محمد بن علي بن الفتح العُشاريُّ المتوفى سنة (٤٥١ هـ) (٤). - الفقيه المالكي أبو الحسن علي بن محمد بن الحسن الحربي المعروف بابن قُشَيْش النحوي المتوفى سنة (٤٣٧ هـ) (٥). - المحدث أبو بكر محمد بن المؤمل بن الصقر الوراق المعروف بغلام الأبهري المتوفى سنة (٤٣٤ هـ) (٦).

стр. 50

- المحدث أبو الحسن أحمد بن محمد بن أحمد بن منصور العتيقي المتوفى سنة (٤٤١) (١). - المحدث أبو طالب محمد بن محمد بن إبراهيم بن غَيْلان المتوفى سنة (٤٤٠ هـ) (٢). - المحدث أبو الفرج (٣) الحسين بن علي بن عبيد الله الطناجيري المتوفى سنة (٤٣٩ هـ) (٤). - الفقيه الشافعي أبو طالب عمر بن إبراهيم بن سعيد المعروف بابن حمامة المتوفى سنة (٤٣٤ هـ) (٥). - المحدث أبو منصور محمد بن محمد بن عثمان المعروف بابن السواق المتوفى سنة (٤٤٠ هـ) (٦).

стр. 51

- الحافظ أبو الجيب عبد الغفار بن عبد الواحد بن محمد الأرموي (١) المتوفى سنة (٤٣٣ هـ) (٢). - المحدث أبو الحسن محمد بن عبد الواحد بن محمد بن جعفر المعروف بابن زوج الحرة المتوفى سنة (٤٤٢ هـ) (٣). - القاضي أبو القاسم عليّ بن المُحَسِّن بن علي التَّنُوخي (٤) المتوفى سنة (٤٤٧ هـ) (٥). هذا، وقد أخذ أبو الوليد الباجي عن جملة من علماء آخرين غير من تقدَّم ذكرهم، وهم كثيرون على مختلف المذاهب كأبي رومة وأبي على العطار وغيرهما (٦).

стр. 52

ثم دخل الشام، وفي دمشق مكث بها ثلاثة أعوام أخذ عن جملة من كبار العلماء منهم: - أبو الحسن عليّ بن موسى الدمشقي المعروف بابن السمسار المتوفى سنة (٤٣٣ هـ) (١). - أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد العزيز بن الطُّبَيز بن السراج الحلبي المتوفى سنة (٤٣١ هـ) (٢). - أبو محمد السَّكن بن جُمَيع المتوفى سنة (٤٣٧ هـ) (٣). - أبو الحسن (٤) محمد بن عوف بن أحمد المُزَنِيُّ المتوفى سنة (٤٣١ هـ) (٥) وغيرهم. ورحل إلى المَوْصِل (٦)، وبها أقام عامًا كاملًا يدرس العقليات على الإمام

стр. 53

الأصولي الكبير أبي جعفر محمد بن أحمد بن محمد السِّمْنَانيِّ (١). فضلًا عن دراسته عليه الفقه والأصول والكلام والأدب (٢)، وقد أعجب أبو الوليد الباجي به كثيرًا حتى أنه مدحه بقصيدة شعرية (٣). ودخل مصر وبها سمع من أبي محمد بن الوليد وغيره (٤). هكذا قضى أيامه الدراسية مقيمًا بالمشرق نحو ثلاث عشرة سنة من المثابرة في الطلب والاجتهاد في التحصيل والحرص على ذلك، لا يهاب في سبيل تحقيق رغبته حرَّ الصيف ولا بردَ الشتاء (٥). فلما حقق رغبته وأشبع حاجته وقضى رغبته، وبرع في القرآن والحديث وعلومهما، والفقه وأصوله، والعربية وقواعدها، وعلم الكلام ومضايقه، والعقليات وتوابعها، وجد في نفسه حنين الديار وأحس بالشوق للأهل والأحباب، فقرَّر

стр. 54

العودة إلى الأندلس بعد بلوغه ذروة المجد العلمي والسمو الفكري، فصار - بعد ذلك - عَلَمًا من أعلام الشريعة الغراء. المطلب الثاني شيوخ أبي الوليد الباجي وأقرانه وتلاميذه سنتناول في هذا المطلب التعريف بطائفة من أهم شيوخ أبي الوليد الباجي التي أثرت على شخصيته وكان لها مفعولًا في تكوينه العلمي وسلوكه الخلقي في الفرع الأول، ثم نأتي إلى أقرانه الذين كان لهم نصيب في تكوين شخصيته العلمية من خلال المناظرات العلمية والسياق والتنافس في البحث والتحصيل والتأليف والتدوين، ثم إلى تلاميذ الباجي الذين أثَّر في تكوينهم العلمي والتربوي وكان له نشر علمه بواسطتهم وذلك في الفرع الثاني. الفرع الأول شيوخ أبي الوليد الباجي أخذ أبو الوليد الباجي العلم عن عدد كبير من علماء زمانه، وقد تقدم ذكر معظمهم، وسنتعرض إلى جملة من العلماء المشهورين من أساتذته الأندلسيين والمشارقة بترجمة موجزة، مبينين مدى تأثيرهم على شخصيته وتكويه العلمي والتربوي. وعليه نقتصر بذكر شيوخه بالأندلس على الآتي: - خاله أبو شاكر عبد الواحد المتوفى سنة ٤٥٦ هـ. - المحدث أبو الوليد ابن الصفار المتوفى سنة ٤٢٩ هـ. - أبو محمد مكي بن أبي طالب المتوفى سنة ٤٣٧ هـ. - أبو بكر خلف بن أحمد الرحوي المتوفى سنة ٤٢٠ هـ.

стр. 55

أما من شيوخه المشارقة فنقتصر على الآتي: - أبو ذر عبد بن أحمد الهروي المتوفى سنة ٤٣٤ هـ. - أبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي المتوفى سنة ٤٧٦ هـ. - أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري المتوفى سنة ٤٥٠ هـ. - أبو عبد الله الحسين بن علي الصَّيْمَرِيُّ المتوفى سنة ٤٣٦ هـ. - أبو عبد الله محمد بن علي الدَّامغاني المتوفى سنة ٤٧٨ هـ. - أبو الفضل محمد بن عبيد الله بن عمروس المتوفى سنة ٤٥٢ هـ. - أبو عبد الله محمد بن علي الصوري المتوفى سنة ٤٤١ هـ. - أبو جعفر محمد بن أحمد السِّمْنَانيُّ المتوفى سنة ٤٤٤ هـ. الفقرة الأولى: أهم شيوخ أبي الوليد الباجي بالأندلس: من شيوخ أبي الوليد الباجي الذين كان لهم الفضل في تكوينه علميًا وتربويًا بالأندلس: * خاله أبو شاكر ابن القبري المتوفى سنة ٤٥٦ هـ: هو أبو شاكر عبد الواحد بن محمد بن موهب التجيبي المعروف بابن القبري القرطبي. ولد سنة ٣٧٧ هـ وسمع من أبيه ومن أبي محمد الأصيلي وأبي حفص بن نابل وأبي عمر بن الحباب، وتفرد في وقته بالإجازة من الفقيه أبي محمد بن أبي زيد، وله إجازة أيضًا من أبي الحسن القابسي. أخذ عنه ابن أخته أبو الوليد الباجي علومًا متنوعة وعنه أبو علي الجياني، وأصبغ بن سهل، وغيرهم. وقد كان أبو شاكر عالمًا بالحديث والفقه والنظر والجدل والكلام على مذهب أهل السنة، عالمًا بالعربية، خطيبًا مفوهًا حاذقًا، وله شعر رائق (١).

стр. 56

ولما انتشرت الفتنة في قرطبة، خرج منها إلى (الشاطبة) (١) وتولى فيها القضاء ورفع المظالم، وبـ (بلنسية) (٢) تولى الخطبة والصلاة. وبقي على هذه الحال حتى توفي بشاطبة سنة ٤٥٦ هـ ودفن بمدينة بلنسية (٣). * أبو الوليد ابن الصفار المتوفى ٤٢٩ هـ: هو أبو الوليد يونس بن عبد الله بن مغيث المعروف بابن الصفار القرطبي. ولد سنة ٣٣٨ هـ ونشأ في طلب العلم، سمع من ابن ثابت وزكريا بن بطال وابن أبي زمنين، وابن أبي العرب وغيرهم. كان ابن الصفار متفننًا في علوم شتى، برع في الحديث ومروياته فكان شيخ الأندلس أعلاهم سندًا وأوسعهم جمعًا للحديث، وكان رجلًا صالحًا يميل إلى العبادة والنسك، متقدمًا بين الفقهاء ومقدمًا في علم اللسان والأدب. تولى في دولة بني عامر قضاء الجماعة بقرطبة، فكان خاتمة قضاء بني أمية

стр. 57

في الفتنة، كما تولى الصلاة والخطبة والتدريس بجامع قرطبة وفيه أخذ عنه القاضي أبو الوليد الباجي، وقال عنه: (مشهور بالعلم). من مؤلفاته: كتاب الموعب في تفسير الموطأ، وجمع مسائل بين ندب، وأكثر مؤلفاته في أخبار الزهاد وأرباب الرقائق. توفي سنة ٤٢٩ هـ عن إحدى وتسعين سنة (١). * أبو محمد مكي بن أبي طالب المتوفى سنة ٤٣٧ هـ: هو أبو محمد مكي بن أبي طالب حمُّوش (٢) بن محمد بن مختار القيسي ولد بالقيروان (٣) سنة ٣٥٥ هـ، وبها أخذ عن أبي محمد بن أبي زيد، وأبي الحسن القابسي، وأبي عبد الله الفراء اللغوي. ثم توجه صوب مصر سنة ٣٧٧ هـ فلقي أبا الطيب عبد المنعم بن عبيدة بن غَلْبُون الحلبي وولده طاهرًا فأخذ عنه علم القراءات، وأخذ عن ابن عدي عبد العزيز قراءة ورش، وسمع من أبي بكر محمد بن علي الأدْفَوي، ثم رجع إلى القيروان سنة ٣٨٢ هـ وبقي بها إلى سنة ٣٨٧ هـ.

стр. 58

وفي تلك السنة سافر إلى الحجاز وبقي بمكة أربعة أعوام وحج فيها أربع حجج متتالية وفيها سمع من أبي القاسم عبيد الله السقطي، وأحمد بن فراس، وأبي الحسن المُطَّوَّعِيِّ وغيرهم، ثم انصرف إلى القيروان سنة ٣٩٢ هـ. وفي سنة ٣٩٣ هـ سافر إلى الأندلس ودخل قرطبة أيام المظفر بن أبي عامر، وقد تنبه لمكانته القاضي أبو العباس أحمد بن محمد بن ذكوان فأجلسه في المسجد الجامع لنشر علمه بين الناس، ومن ذلك المسجد أخذ عنه أبو الوليد الباجي. كان أبو محمد من أوعية العلم لم يدع علمًا إلا تبحَّر فيه، فكان إمامًا علامة محققًا عارفًا حافظًا لكثير من العلوم مع الدين والسكينة والفهم. له مؤلفات عديدة منها: الإبانة عن معاني القراءات (١)، التبصرة في القراءات السبع (٢)، الرعاية لتجويد القراءة وتحقيق لفظ التلاوة (٣)، الكشف عن وجوه القراءات السبع (٤) وغيرها. توفي في ثاني محرم سنة ٤٣٧ هـ (٥).

стр. 59

* أبو بكر الرحوي المتوفى سنة ٤٢٠ هـ: هو أبو بكر خَلَف بن أحمد بن خلف الأنصاري يعرف بالرحوي الطليطلي الأندلسي. سافر إلى المشرق وروى عن: أبي محمد بن أبي زيد بالقيروان، وحدث عنه بكتبه، سمع منه أبو الوليد الباجي وحدث عنه أبو مطرف بن سلمة وأبو القاسم الطرابلسي، وأبو جعفر بن مغيث، وتفقه به الطليطليون. كان فقيهًا عالمًا، عارفًا بالأحكام والمسائل، ورعًا فاضلًا كثير الصدقة والصوم، دعي إلى قضاء طليطلة فأبى وامتنع. توفي سنة ٤٢٠ هـ (١). *** الفقرة الثانية: أهم شيوخ الباجي بالمشرق: من أهم شيوخ أبي الوليد الباجي الذين كان لهم الفضل في تكونه علميًا وتربويًا بالمشرق: * أبو ذر الهروي المتوفى سنة ٤٣٤ هـ: هو أبو ذر عبد (٢) بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن غُفير (٣) بن محمد الأنصاري الخراساني الهَرَوِيُّ (٤) المالكيُّ، يعرف ببلده بابن السَّمَّاك.

стр. 60

أخذ العلم عن كبار علماء الإسلام في مختلف الأقطار والأمصار، ففي هراة أخذ عن أبي الفضل محمد بن عبد الله خَمَيْرُويه، وبشير بن محمد المزني وغيرهم وفي البصرة أخذ عن أبي بكر هلال بن محمد بن محمد، وشَيْبَان بن محمد الضُّبَيْعِيُّ وغيرهما، وفي بغداد أخذ عن أبي الحسن الدارقطني وأبي بكر الباقلاني وأبي بكر بن فورك وطنهم، وفي دمشق أخذ عن عبد الوهاب الكلابي وغيره، وفي مصر عن أبي مسلم الكاتب وطبقته، وفي سَرْخَس عن زاهر بن أحمد الفقيه وفي بَلْخ عن أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد المُسْتَمْلِيِّ، وفي مكة أخذ عن أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الدَّيْنوَريِّ. ثم استقر بمكة مجاورًا للحرم وتزوج من العرب، وصار شيخ الحرم في عصره بلا منازع وإمامًا حافظًا ثقة ثبتًا ديِّنًا ضابطًا متقنًا، واسع الرواية سمع منه كثير من العلماء وخاصة المغاربة منهم. وكان أبو ذر على مذهب مالك، أخذ المذهب والكلام على رأي الأشعري (١) عن الباقلاني، وبمكة لازمه أبو الوليد الباجي وقام بخدمته، وسافر معه لأهله بسروات بني شبابة، ودرس عنه فقه مالك وسمع منه الحديث حيث روى عنه صحيح البخاري بإسناده. له مؤلفات نافعة عديدة منها: (دلائل النبوة) و (مسانيد الموطأ) و (مستدرك على الصحيحين) و (السنة) و (المناسك) وغيرها.

стр. 61

توفي أبو ذر الهروي بمكة سنة ٤٣٤ هـ (١). * أبو إسحاق الشيرازي (المتوفى سنة ٤٧٦ هـ): هو أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف بن عبد الله الملقب بجمال الدين الشيرازي. ولد بفيروزآباد (٢) سنة ٣٧٣ هـ، ونشأ بها وانتقل إلى شيراز (٣) وتفقه على: أبي عبد الله البيضاوي، وعبد الوهاب بن رامين بشيراز، وأخذ بالبصرة عن الخَرزي، وانتقل بعدها إلى بغداد سنة ٤١٥ هـ، ولازم أبا الطيب الطبري واشتهر به، وصار من أصحابه المقربين، وكان يعيد درسه ويخلفه في مجلسه، وسمع الحديث من أبي بكر البرقاني، وأبي علي بن شاذان وغيرهما، وقرأ الأصول على أبي حاتم القزويني وغيره. ومازال في الاجتهاد والكد والطلب حتى ذاع صيته في البلدان وصار أنظر أهل زمانه.

стр. 62

وكان أبو إسحاق الشيرازي عالمًا فقيهًا، أصوليًا متكلمًا، زاهدًا ورعًا تقيًا صالحًا، تولى التدريس بمسجد بغداد، وحدث عنه خلق كثير منهم. أبو الوليد الباجي وانتفع به كثيرًا. وللشيرازي مؤلفات علمية قيمة عديدة منها: (المهذَّب في فقه الإمام الشافعي) (١) و (شرح اللمع) (٢) و (التبصرة) (٣) في أصول الفقه، و (المعونة في الجدل) (٤) و (طبقات الفقهاء) (٥) وغيرها من الكتب النافعة. وفي سنة ٤٥٩ هـ انتقل إلى المدرسة النظامية، وبقي ينشر العلم ويوجِّه الطلاب حتى توفي سنة ٤٧٦ هـ (٦).

стр. 63

* أبو الطيب الطبري (المتوفى سنة ٤٥٠ هـ): هو أبو الطيب طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر الطبري الشافعي. ولد سنة ٣٤٨ هـ بآمل عاصمة طَبَرِستَان (١). أخذ العلم من علماء بلده، فسمع بجرجان من: أبي أحمد الغِطْريف، وانتقل إلى نيسابور وتفقه عن أبي الحسن الماسَرْجِي، ومنها إلى بغداد وأخذ عن الدارقطني، وموسى بن عرفة، وعلي بن عمر السُّكَّري، والمعافي الجريري. ولا يزال يدأب في الطلب ويكد ويجتهد حتى انتشر صيته فملأ اسمه الأقطار، واستوطن بغداد وبها أخذ عنه أبو إسحاق الشيرازي، وأبو الوليد الباجي والخطيب البغدادي وغيرهم. كان أبو الطيب عالمًا متبحرًا، عارفًا بالأصول والفروع، متمكَنًا من علوم الوسائل والمقاصد، دينًا ورعًا ومحققًا من كبار أئمة المذهب الشافعي في عصره، ولي قضاء بربع الكَرْخ بعد وفاة القاضي الصَّيْمَري. له شرح على مختصر المزني ومؤلفات في الأصول والجدل والخلاف، توفي سنة ٤٥٠ هـ (٢).

стр. 64

* أبو عبد الله الصَّيْمَرِيُّ (المتوفى سنة ٤٣٦ هـ): هو أبو عبد الله، الحسين بن عليّ بن محمد بن جعفر القاضي الصَّيْمَرِىُّ (١). ولد سنة ٣٥١ هـ، وسكن بغداد، وتلقى العلم من علماء عصره منهم: هلال بن محمد، وأبو بكر محمد بن أحمد الجرجرائي المفيد، وأبو حفص عمر بن أحمد المعروف بان شاهين، وأبو زكريا يحيى إسماعيل الحربي وأبي الحسن الدارقطني وطبقتهم. كان الصيمري وافر العقل، جيد النظر حسن العبادة، إليه انتهت رئاسة الأحناف في الفقه والحديث، وقد أخذ عنه الدامغاني والخطيب البغدادي وأبو الوليد الباجي وآخرون. ولي قضاء المدائن في أول الأمر، ثم ولي القضاء بربع الكرخ، واستمر على هذه الحال حتى توفي سنة ٤٣٦ هـ (٢). * أبو عبد الله الدَّامَعَانيُّ (المتوفى سنة ٤٧٨ هـ): هو أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد بن حسن بن عبد الوهاب بن حسويه الدامغانيُّ.

стр. 65

ولد بالدامغان (١) سنة ٣٩٨ هـ، تفقه ببلده على أبي صالح الفقيه، ثم انتقل إلى نيسابور (٢) وصحب فيها أبا العلاء صاعد بن محمد ثم ورد بغداد فأخذ عن أبي الحسين أحمد بن محمد الدوري البغدادي الحنفي، وسمع من أبي عبد الله الصيمري ومحمد بن علي الصوري وطبقتهم. قضى أبو عبد الله الدامغاني عمره مواظبًا على طلب العلم حتى أصبح من الأئمة الأعلام في المذهب الحنفي ومفتي العراق، وأحد حذاق المناظرين من أقران الشيخ إسحاق الشيرازي. وكان ذا جلالة وحشمة، حسن المعاني في الدين والعلم. درس عليه أبو الوليد الباجي ببغداد، وحدث عنه عبد الوهاب الأنماطي، وعلي بن طِرَاد الزَّيْنَبي، والحسن المَقْدِسي وغيرهم. ولي القضاء بعد أبي عبد الله بن ماكولا سنة ٤٤٤٧ هـ، وله خمسون سنة، وفي أولاده أئمة وقضاة. وفي رجب سنة ٤٧٨ هـ توفي أبو عبد الله وصلى عليه ابنه القاضي أبو الحسن (٣).

стр. 66

* أبو عبد الله الصُّورريُّ (المتوفى سنة ٤٤١ هـ). هو أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الله بن محمد بن رحيم (١) الشاميُّ الساحليُّ الصوريُّ (٢). ولد سنة ٣٧٦ هـ، وسمع عن محمد بن أحمد بن جميع الصيداوي، وأبو عبد الله بن أبي كامل الأَطْرَابُلُسي، وعبد الغني بن سعيد المصري، وغيرهم، ثم قدم بغداد وسمع من أبي الحسن بن مَخْلَد، وأحمد بن طلحة المُنَقِّي، وأبي علي بن شاذان وغيرهم. حدث عنه أبو عبد الله الدامغاني، وأبو الوليد الباجي، ولازمه ثلاثة أعوام وانتفع به كثيرًا، وحدت عنه آخرون. كان أبو عبد الله الصوري عالمًا بارزًا، عالمًا متفننًا يعرف من كلِّ علم، حافظًا محدثًا قال عنه الخطيب: (وكان من أحرص الناس على الحديث وأكثرهم كَتْبًا له، وأحسهم معرفة به، لم يَقْدم علينا من الغرباء الذين لقيتهم أفهم منه بعلم الحديث) (٣)، ومع ذلك كان يتجنب الخوض في الفتوى كما صرح بذلك الباجي (٤). له تآليف كثيرة ومتنوعة (٥).

стр. 67

وشعر رائق (١)، توفي ببغداد سنة ٤٤١ هـ (٢). * أبو الفضل بن عمروس (المتوفى سنة ٤٥٢ هـ): هو أبو الفضل محمد بن عبد الله (٣) بن أحمد بن محمد بن عمروس البزار البغدادي. ولد في رجب سنة ٣٧٢ هـ، ودرس على القاضي أبي الحسن بن القصار، والقاضي عبد الوهاب بن نصر، وحمل عنهما كتهما، وحمل كتب أبي محمد ابن أبي زيد عنه إجازة، وسمع من أبي القاسم بن جباية وأبي طاهر المخلص وأبي القاسم الصيدلاني وابن شاهين وكتب عنه. وحدث عنه أبو بكر الخطيب وأبي الوليد الباجي وقال: فقيه صالح. كان ابن عمروس فقيهًا أصوليًا، ثقة ديِّنًا، انتهت إليه الفتوى في الفقه بمذهب مالك ببغداد.

стр. 68

له مقدمة حسنة في أصول الفقه وتعليق جيِّد في الخلاف توفي في أول محرم من سنة ٤٥٢ هـ (١). * أبو جعفر السِّمْنَانيُّ (المتوفى سنة ٤٤٤ هـ): هو أبو جعفر محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمود السمناني القاضي ولد سنة ٣٦١ هـ بسمنان (٢) ونسب إليها. سمع السمناني من: نصر المَرْجي، وعلي بن عمر الحربي، وأبي الحسن الدارقطني وطبقتهم. ولازم ابنَ الباقلاني حتى تمكَّن من علم الكلام وبرع فيه. وأخذ عنه الخطيب البغدادي وأبو الوليد الباجي وغيرهما. وكان السمنانيُّ فقيهًا على مذهب أبي حنيفة، متكلمًا على مذهب الأشعري، أصوليًا نظارًا، سكن بغداد، وولي القضاء بالموصل وبها أخذ الباجي عنه العقليات والأصول وتأثر به كثيرًا ومدحه بقصائد (٣). له مؤلفات في الفقه والأصول. توفي سنة ٤٤٤ هـ (٤).

стр. 69

الفرع الثاني أقران أبي الوليد الباجي وتلاميذه سنتناول بإيجاز طائفة من أقران الباجي من أهل العلم الذين كانوا يتنافسون معه في البحث والتحصيل والتأليف والمناظرة في الفقرة الأولى، ونخصص الفقرة الثانية لأهم تلاميذه الذين تأثروا به ونشروا علمه. الفقرة الأولى: أقران أبي الوليد الباجي: سنتعرض إلى بعض معاصري أبي الوليد الباجي من أقطاب العلم ونجوم المعرفة بالأندلس والمشرق، ونكتفي بترجمة موجزة لابن حزم الظاهري وابن عبد البر من الأندلسيين، وأبي بكر الخطيب البغدادي من المشارقة. * أبو محمد ابن حزم الظاهري (المتوفى سنة: ٤٥٦ هـ): هو أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب الفارسيُّ الأصل الأندلسي. ولد أبو محمد بقرطبة سنة ٣٨٤ هـ، ونشأ تنشئة صالحة تحت رعاية والده الذي كان وزيرًا للمنصور بن أبي عامر، فنال حظه - وهو صغير - من العلم والمعرفة فدرس الأدب نظمًا ونثرًا، وتلقى العلوم على أكابر العلماء بقرطبة منهم: يحيى بن مسعود، وصاحب قاسم بن اصبغ، ويونس بن عبد الله بن مغيث وغيرهم ولم تكن له رحلة إلى المشرق بل أخذ علومه من الأندلس. تفقه ابن حزم على المذهب الشافعي وانتقل إلى مذهب أهل الظاهر وكان ابن حزم قمة في علوم الإسلام، يجيد النقل ومتبحِّر فيه، ويحسن النظم والنثر وينهض بعلوم جمة، فكان فقيهًا مفسرًا، محدثًا أصوليًا، متكلمًا منطقيًا طبيبًا أديبًا، شاعرًا مؤرخًا، عاملًا بعلمه زاهدًا في الدنيا.

стр. 70

ورغم بروزه العلمي وتفوقه، فقد كان شديد النقد للعلماء والتشنيع بالأئمة وكان لسانه في نقدهم حادًّا قويًّا حتى قيل: (إن لسان ابن حزم وسيف الحجاج بن يوسف شقيقان). وعند عودة أبي الوليد الباجي إلى الأندلس انتدبه العلماء لمناظرة ابن حزم في ظاهريات أشاعها بالأندلس وحماها بقوة البيان وحدة اللسان، وجرت بينهما مجالس بميورقة سنة ٤٣٩ هـ ومناظرات دوَّن الباجي بعضها في كتابه (فرق الفقهاء) (١). ولابن حزم مؤلفات علمية عديدة نافعة وقيمة في مختلف العلوم والفنون منها: (الإحكام لأصول الأحكام) (٢) (المحلى في شرح المحلى بالحجج والآثار) (٣) (الفصل في الملل والنحل) (٤) (مراتب الإجماع) (٥) (جمهرة أنساب العرب) (٦) (رسالة في الطب النبوي) وغيرها من المصنفات. توفي ابن حزم سنة ٤٥٦ هـ (٧).

стр. 71

* ابن عبد البرِّ النَّمَرِيُّ (المتوفى سنة: ٤٦٣ هـ): هو أبو عمر، يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمريُّ الأندلسي. ولد ابن عبد البر بقرطبة سنة ٣٦٨ هـ، وتلقى العلم من كبار علماء عصره في مختلف مدن الأندلس، سمع من سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، وعبد الرحمن بن عبد الله بن خالد الوهراني، وأحمد بن قاسم البراز وغيرهم من فحول العلماء. وما زال ابن عبد البر في طلب العلوم يجتهد حتى صار شيخ علماء الأندلس وكبير محدثيها في وقته وأحفظ من كان فيها للسنة. هكذا فاق من تقدمه وانتشر صيته في البلدان ورحل إليه من كل مكان. قال الباجي: (لم يكن بالأندلس مثل أبي عمر بن عبد البر في الحديث، وهو أحفظ أهل المغرب) (١). حدث عنه: أبو محمد بن حزم، وأبو العباس بن دِلْهاث الدِّلالي، والحافظ أبو علي الغساني وغيرهم، وعند عودة أبي الوليد الباجي من المشرق روى كل واحد منهما عن الآخر (٢). ولابن عبد البر آثار علمية نافعة منها:

стр. 72

(التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد) (١) و (جامع بيان العلم وفضله) (٢) و (الاستيعاب في معرفة الأصحاب) (٣) و (الدُّرر في اختصارُ المغازي والسير) (٤). هكذا بقي في التدريس والتأليف والتدوين حتى توفي بشاطبة سنة ٤٦٣ هـ بعد أن طال عمره وعلا سنده (٥). * أبو بكر الخطيب البغدادي (المتوفى سنة ٤٦٣ هـ): هو أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي البغدادي. ولد سنة ٣٩٢ هـ ونشأ في بيئة دينية صالحة في قرية درزيجان بالعراق، وبدأ رحلته العلمية وهو صغير السن فسمع وهو ابن عشر سنة ورحل إلى البصرة. ثم إلى نيسابور ثم إلى الشام فمكَّة وغيرها من البلدان. فتلقى العلم من فحول علماء عصره منهم: أبو الطيب الطبري وأبو إسحاق الشيرازي وأبو الحسين.

стр. 73

المحاملي وأبو نصر بن الصباغ وأبو عبد الله الصوري وأبو جعفر السمناني وغيرهم. واستمر أبو بكر الخطيب في الطلب حتى عظم زاده فجمع المجد العلمي وبلغ ذروة السمو الفكري فكان متفوقًا في الحديث وعلومه حفظًا وإتقانًا وضبطًا، فضلًا عن كونه فقيهًا محققًا، ومؤرخًا ثقة وأديبًا بارعًا. قال عنه الذهبي: (كتب الكثير، وتقدم في هذا الشأن، وبَذَّ الأقران، وجمع وصنف وصحح، وعلَّل وجرَّح، وعدَّل وأرخ وأوضح، وصار أحفظ أهل عصره على الإطلاق) (١). وقد لقي أبو الوليد الباجي أبا بكر الخطيب وروى كل منهما عن صاحبه وللخطيب البغدادي ثروة من المؤلفات تدل على غزارة علمه وتفوقه منها: (الكفاية في علم الرواية) (٢) و (الفقيه والمتفقه) (٣) و (اقتضاء العلم العمل) (٤) و (تاريخ بغداد) (٥) وغيرها من التصانيف النافعة. توفي ببغداد سنة ٤٦٣ هـ (٦). ***

стр. 74

الفقرة الثانية: تلاميذ أبي الوليد الباجي: كانت الحلقات التي يلقيها أبو الوليد الباجي تستوعب عددًا كبيرًا من طلاب العلم فهي من أكبر حلقات الاستماع في الأندلس فضلًا عن تنقلات الباجي المتعددة عبر حواضر الأندلس وبين الأمصار، سهلت للعديد من الطلاب الذين لم تسمح لهم ظروف التنقل من الأخذ والرواية عنه من التحديث والمذاكرة. ولا يسعنا في هذه الفقرة إلا الإشارة - صورة موجزة - إلى أهم تلاميذه الذين تفقهوا بمصاحبته وانتفعوا بعلمه وتأثروا به. فمن هؤلاء: * ابنه أبو القاسم أحمد بن سليمان بن سعد بن أيوب بن وارث التجيبي (المتوفى سنة ٤٩٣ هـ) (١). * أبو علي الحسين بن أحمد الغساني (٢)، (٣) الجياني (٤) الأندلسي: ولد سنة ٤٢٧ هـ وكانت دراسته على شيوخ الأندلس، فأخد عن أبي الوليد الباجي وابن عبد البر وابن الحذاء وأبي عبد الله بن عتاب.

стр. 75

وعنه حدث القاضي عياض وأجازه، وأبو عبد الله بن فرحون، وأبو الحسن بن هذيل وغيرهم. كان الجياني بارعًا في الحديث حتى صار إمام عصره إتقانًا وضبطًا، وكان له معرفة باللغة والإعراب والشعر والأنساب. فمن مؤلفاته: (وتقييد المهمل وتمييز المشكل) وهو كتاب ما ائتلف خطه واختلف لفظه من أسماء رجال الصحيحين، وكتاب في أسماء رجال سنن أبي داود وكتاب في أسماء رجال سنن النسائي وغيرها من التصانيف. توفي الغساني سنة ٤٩٨ هـ) (١). * أبو علي حسين بن محمد بن فيَّرة بن سكرة الصَّدَفي (٢) السرقسطيُّ (٣)، المعروف بابن سكرة: ولد سنة ٤٥٢ هـ وأخذ عن أبي الوليد الباجي بسرقسطة وأبي محمد بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل، وأخذ عن شيخ المحدثين ببلنسية أبي العباس العذري، وبالمَرِيَّة من أبي عبد الله محمد بن سعدون القروي، وله رحلة إلى المشرق. أخذ العلم من كبار مشايخ مكة وبغداد ومصر وغيرها.
следующие страницы →