← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 20983

الإشارة في أصول الفقه - ت فركوس

أبو الوليد الباجي

Полный текст (379 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

بَابُ الْكَلَامِ في مَعْقُولِ الْأَصْلِ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ أَدِلَّةَ الشَّرْعِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَصْلٌ، وَمَعْقُولُ أَصْلٍ، وَاسْتِصْحَابُ حَالٍ، وَقَدْ مَرَّ الْكَلَامُ (١) في الْأَصْلِ وَالْكَلَامُ هَا هُنَا (٢) في مَعْقُولِ الْأَصْلِ وَهُوَ يَنْقَسِمُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ (٣): لَحْنُ الْخِطَابِ، وَفَحْوَى الْخِطَابِ، وَالْحَصْرُ، وَمَعْنَى الْخِطَابِ (٤). فَأَمَّا لَحْنُ الْخِطَابِ (٥): .....................

стр. 282

فَهُوَ الضَّمِيرُ الَّذِي لَا يَتِمُّ الْكَلَامُ إِلَّا بِهِ (١). مَأْخُوذٌ مِنَ اللَّحْنِ: وَهُوَ مَا يَبْدُو في عَرْضِ الْكَلَامِ مِنْ مَعْنَاهُ (٢)، نَحْوَ (٣) قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٤) مَعْنَاهُ: فَأَفْطَرَ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرٍ (٥). فَهَذَا حُجَّةٌ يَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْهَا وَالْعَمَلُ بِهَا (٦). وَقَدْ يَلْحَقُ بِذَلِكَ مَا لَيْسَ مِنْهُ، وَهُوَ ادِّعَاءُ ضَمِيرٍ يَتِمُّ الْكَلَامُ دُونَهُ (٧)، نَحْوُ اسْتِدْلَالِنَا عَلَى أَنَّ الْعَظْمَ تَحُلُّهُ (٨) الْحَيَاةُ بِقَوْلِهِ (٩) تَعَالَى: ﴿قَالَ مَنْ

стр. 283

يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (١)، * فَيَقُولُ الْحَنَفيُّ الْمُرَادُ بِذَلِكَ * (٢) مَنْ يُحْيِي أَصْحَابَ الْعِظَامِ، فَمِثْلُ هَذَا لَا يَجُوزُ فيهِ تَقْدِيرُ مُضْمَرٍ إِلَّا بِدَلِيلِ اسْتِقْلَالِ الْكَلَامِ دُونَهُ (٣). فَصْلٌ وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي فَهُوَ (٤) فَحْوَى الْخِطَابِ (٥) وَهُوَ (٦): مَا يُفْهَمُ مِنْ

стр. 284

نَفْسِ الْخِطَابِ مِنْ قَصْدِ الْمُتَكَلِّمِ بِعُرْفِ (١) اللُّغَةِ (٢) نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ (٣) فَهَذَا يُفْهَمُ مِنْهُ (٤) مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ (٥) الْمَنْعُ مِنَ الضَّرْبِ وَالشَّتْمِ، وَيَجْرِي مَجْرَى النَّصِّ عَلَى ذَلِكَ في وُجُوبِ (٦) الْعَمَلِ بِهِ وَالْمَصِيرِ إِلَيْهِ (٧).

стр. 285

فَصْلٌ وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّالِثُ فَهُوَ (١) الْحَصْرُ، وَلَهُ (٢) لَفْظٌ وَاحِدٌ وَهُوَ (إِنَمَا) (٣)، وَذَلِكَ نَحْوُ (٤) قَوْلِهِ ﷺ : (إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) (٥)، فَظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْمُعَتَّقِ (٦) لَا وَلَاءَ لَهُ. وَقَدْ (٧) يَرِدُ مِثْلُ هَذَا اللَّفْظِ لِتَحْقِيقِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ لَا لِنَفْيِ

стр. 286

مَا سِوَاهُ (١) نَحْوُ قَوْلِكَ (٢): (إِنَّمَا الْكَرِيمُ يُوسُفُ، وَإِنَّمَا الشُّجَاعَ عَنْتَرَةُ (٣)) وَلَمْ تَرِدْ نَفْيَ الْكَرَمِ عَنْ غَيْرِ يُوسُفَ، وَلَا نَفْيَ الشَّجَاعَةِ عَنْ غَيْرِ (٤) عَنْتَرَةَ (٥)، وَإِنَّمَا أَرَدَ (٦) إِثْبَاتَ ذَلِكَ لِيُوسُفَ ﵇ وَأَنْ يَجْعَلَ لَهُ مَزِيَّةً في الْكَرَمِ عَلَى غَيْرِهِ (٧) إِلَّا أَنَّ الظَّاهِرَ مَا بَدَأْنَا بِهِ أَوَّلًا فَلَا يُعَدَلُ عَنْهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ (٨).

стр. 287

فَصْلٌ وَمِمَّا يَلْحَقُ بِذَلِكَ وَيَقْرُبُ مِنْهُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ دَلِيلُ الْخِطَابِ (١) وَهُوَ: أَنْ يُعَلَّقَ الْحُكْمُ عَلَى مَعْنَى في بَعْضِ الْجِنْسِ فَيَقْتَضِي ذَلِكَ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ نَفْيَ ذَلِكَ الْحُكْمِ عَمَّا (٢) لَمْ يَكُنْ بِهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ (٣)، نَحْو قَوْلِهِ ﷺ : (في سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ) (٤)، فَيَقْتَضِي ذَلِكَ نَفْيَ الزَّكَاةِ في غَيْرِ السَّائِمَةِ، فَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الاسْتِدْلَالِ يُسَمَّى (٥) عِنْدَ أَهْلِ النَّظَرِ دَلِيلُ الْخِطَابِ. وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى الْقَوْلِ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابِ الشَّافِعِي. * وَمَنَعَ مِنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابِ الشَّافِعِي * (٦) وَأَبِيَّ حَنِيفَةَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ (٧).

стр. 288

لِأَنَّ (١) تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِصِفَةٍ في بَعْضِ الْجِنْسِ يُفيدُ تَعْلِيقَ ذَلِكَ الْحُكْمِ بِمَا (٢) وُجِدَتْ فيهِ تِلْكَ الصِّفَةُ خَاصَّةً وَيَبْقَى (٣) الْبَاقِي في حُكْمِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ يُطْلَبُ دَلِيلُ حُكْمِهِ في الشَّرْعِ * وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَى الْبُخَارِيُّ (٤)

стр. 289

عَنْ (١) الشَّيْبَانِيِّ (٢) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى (٣) قَالَ: (نَهَى ..............

стр. 290

النَّبِيُّ ﷺ عَنْه الْجَرِّ (١) الْأَخْضَرِ (٢) قُلْتُ (٣): أَنَشْرَبُ في الْأَبْيَضِ؟ قَالَ: لَا) (٤) فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ أَنَّهُ نَصَّ عَلَى الْجَرِّ (٥) الْأَخْضَرِ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ حُكْمَ الْأَبْيَضِ حُكْمُهُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ، وَلَوْ جَازَ التَّعَلُّقَ (٦) بِدَلِيلِ الْخِطَابِ لَوَجَبَ أَنْ يَحْكُمَ لَهُ بِالْمُخَالَفَةِ وَأَنْ لَا يُعَلِّقَ الْحُكْمَ بِالْجَرِّ الْأَخْضَرِ خَاصَّةً * (٧).

стр. 291

بَابُ أَحْكَامِ الْقِيَاسِ وَأَمَّا الضَّرْبُ الرَّابِعُ مِنْ مَعْقُولِ الْأَصْلِ فَهُوَ مَعْنَى الْخِطَابِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ. وَحَدُّهُ: حَمْلُ أَحَدِ الْمَعْلُومَيْنَ عَلَى الْآخَرِ في إِثْبَاتِ حُكْمٍ أَوْ إِسْقَاطِهِ بِأَمْرٍ جَامِعٍ بَيْنَهُمَا (١).

стр. 292

وَهُوَ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ (١). وَقَالَ دَاوُدُ (٢): (يَجُوزُ التَّعَبُّدُ بِهِ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ إِلَّا أَنَّ الشَّرْعَ مَنَعَ مِنْهُ (٣).

стр. 293

وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ جَمَاعَةُ أَهْلِ الْعَلَمِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (١)، وَالاعْتِبَارُ في اللُّغَةِ (٢): هُوَ تَمْثِيلُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ (٣) وَإِجْرَاءُ حُكْمِهِ عَلَيْهِ (٤)، وَلِذَلِكَ (٥) يُقَالُ: عَبَّرَتُ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ (٦)، أَيْ (٧) قَايِسْتُهَا بِمَقَادِيرِهَا مِنَ الْأَوْزَانِ (٨)، وَيُقَالُ لِمُفَسِّرِ الرُّؤْيَا: مُعَبِّرٌ، وَعَبَّرَتُ (٩) الرُّؤْيَا أَيْ حَكَمَتُ لَهَا بِحُكْم مَا يُمَاثِلُهَا (١٠)، وَقِسْتُهَا بِمَا يُشَاكِلُهَا، وَعَبَّرْتُ (١١) عَنْ كَلَامِ فُلَانٍ (١٢) ..................

стр. 294

إِذَا جِئْتُ بِأَلْفَاظٍ (١) تُطَابِقُ مَعَانِيهِ وَتَمَاثُلُهَا (٢)، وَتُقَاسُ بِهَا دَلِيلٌ ثَانٍ (٣). وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا فَرَّطْنَا في الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٤)، وَنَحْنُ نَجِدُ أَحْكَامًا كَثِيرَةً (٥) لَيْسَ لَهَا ذِكْرٌ في الْقُرْآنِ وَلَا في سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ ، مِثْلُ: رَجُلٍ لَهُ دِينَارٌ وَقَعَ (٦) في مَحْبَرَةٍ لِغَيْرِهِ (٧) فَلَمْ يَسْتَطِعْ عَلَى (٨) إِخْرَاجِهِ، وَمْثْلُ: ثَوْبٍ أَبْيَضٍ بِرَحْلِ رَجُلٍ (٩) وَقَعَ في قِدْرٍ لِصَبَّاغٍ (١٠) فَكَمُلَ صَبْغُهُ وَحَسُنَ، وَغَيْرُ ذَلِكَ. فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْآيَةِ أَنَّهُ نَصٌّ عَلَى حُكْمِ كُلِّ حَادِثَةٍ (١١) في الْقُرْآنِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ نَصٌّ فيهِ (١٢) عَلَى بَعْضِ الْأَحْكَامِ وَأَحَالَ (١٣) عَلَى سَائِرِ الْأَدِلَّةِ

стр. 295

فيهِ، فَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يُنَصَّ في الْقُرْآنِ عَلَى جَمِيعِهَا، فَمِنْ الْأَدِلَّةِ الَّتِي أَحَالَ عَلَى الْأَحْكَامِ بِهَا (١) (الْقِيَاسُ) لِأَنَّنَا (٢) نَجِدُ أَحْكَامًا كَثِيرَةً (٣) لَا طَرِيقَ إِلَى إِثْبَاتِهَا (٤) إِلَّا بِالْقِيَاسِ (٥) وَالرَّأْيِ كَالْأَحْكَامِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا (٦) وَمَا شَاكَلَهَا. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ قَوْلُهُ ﵇ لِعُمْرَ حِينَ سَأَلَهُ عَنِ الْقُبْلَةِ للصَّائِمِ (٧): (أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ هَلْ كَانَ عَلَيَّ مِنْ جُنَاحٍ؟ قَالَ: لَا، قَالَ فَفيمَ (٨) إِذًا؟ ) (٩)، وَقَوْلُهُ لِلْخَثْعَمِيَّةِ (١٠): (أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى

стр. 296

أَبِيكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ (١)؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى) (٢)، وَقَوْلُهُ لِلَّذِي أَنْكَرَ لَوْنَ ابْنِهِ (٣): (هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَمَا أَلْوَانُهَا؟ قَالَ: حُمُرٌ، قَالَ: هَلْ فيهَا مِنْ أَوْرَقَ (٤)؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَنَّى تَرَى ذَلِكَ؟ ، قَالَ: عِرْقٌ نَزَعَهَ (٥)،

стр. 297

قَالَ: فَلَعَلَّ هَذَا عِرْقٌ نَزَعَهُ) (١)، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُحْصَى كَثْرَةً. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ عِلْمُنَا بِأَنَّ الصَّحَابَةَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ اخْتَلَفَوا (٢) في مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ جَرَتْ بَيْنَهُمْ (٣) فيهَا مُنَاظَرَاتٌ (٤) كَثِيرَةٌ (٥) وَمُنَازَعَاتٌ مَشْهُورَةٌ (٦) وَمُرَاجَعَاتٌ (٧) كَثِيرَةٌ كَاخْتِلَافِهِمْ في تَوْرِيثِ الْجَدِّ مَعَ الْأِخْوَةِ (٨)، وَاخْتِلَافِهِمْ في الْحَرَامِ (٩) وَالْعَوْلِ (١٠) (١١)، ..........................

стр. 298

وَالظِّهَارُ (١)، فَلَا يَخْلُو ذَلِكَ مِنْ (٢) ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: - إِمَّا أَنْ يَكُونَ في هَذِهِ الْأَحْكَامِ الْمُخْتَلِفِ فيهَا نَصٌّ لَا يَحْتَمِلُ (٣) التَّأْوِيلَ. - أَوْ ظَاهِرٌ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ. - أَوْ (٤) لَا يَرِدُ (٥) ذِكْرٌ لِحُكْمِهَا (٦) جُمْلَةً. وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ فيهَا نَصٌ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ (٧)، * أَوْ ظَاهِرٌ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ أَوْ لَا يَرِدُ ذِكْرٌ لِحُكْمِهَا جُمْلَةً. وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ فيهَا نَصٌّ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ * (٨)، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ

стр. 299

لَسَارَعَ (١) الْمُخَالِفُ (٢) إِلَيْهِ الْمُوَافِقُ لَهُ (٣)، وَانْقَطَعَ (٤) الْخِلَافُ، وَثَبَتَ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْحَقِّ، وَيسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ (٥) فيهَا نَصٌّ فَيَذْهَبَ (٦) عَنْ جَمِيعِهِمْ، لِأَنَّ ذَلكَ إِجْمَاعٌ مِنْهُمْ عَلَى الْخَطَإِ وَلَا يَجُوزُ هَذَا (٧)، وَلَوْ جَازَ ذَلكَ لَجَازَ أَيْضًا أَنْ تَذْهَبَ عَلَيْهِمْ شَرَائِعٌ وَصَلَوَاتٌ وَصِيَامٌ وَعِبَادَاتٌ قَدْ نَصَّ عَلَيْهَا صَاحِبُ الشَّرْعِ، وَهَذَا بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلمِينَ (٨)، وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ في ذَلِكَ دَلِيلٌ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ (٩)، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلكَ لَوَجَبَ بُمِسْتَقَرِّ (١٠) الْعَادَةِ أَنْ يَنْزَعَ كُلُّ مُخَالِفٍ إِلَى الظَّاهِرِ الذِي تَعَلَّقَ (١١) بِهِ، وَيُبَيِّنَ (١٢) احْتِجَاجَهُ مِنهُ، وَلَا يَحْتَجَّ بِالرَّأْيِ وَالْقيَاسِ، لِأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ وَالْمُحْتَجَّ إنَّمَا يَحْتَجُّ بِمَا ثَبَتَ عِندَهُ بِهِ الْحُكْمَ وَلَا يَعْدِلُ عِنْدَ الْمُنَاظَرَةِ (١٣) وَقَصْدِ إِثْباتِ الْحَقِّ إلَى مَا لَيْسَ (١٤) بِدَلِيلٍ (١٥) وَلَا حُجَّةٍ عِنْدَهُ وَلَا (١٦) عِنْدَ خَصْمِهِ. وَلَمَّا رَأَيْنَا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ احْتَجَّ

стр. 300

في ذَلِكَ بِالرَّأْيِ والْقِيَاسِ دُونَ مُنْكِرٍ وَلَا مُخَالِفٍ عَلِمْنَا إِجْمَاعَهَمْ عَلَى الْقَوْلِ بِصِحَّةِ الْقِيَاسِ وَالرَّأْيِ. * وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ وَالرَّأْيِ * (١). كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى إمَامَةِ أَبِي بَكْرٍ بِالْقِيَاسِ وَالرَّأْيِ (٢)، وَإجْمَاعِهِمْ عَلَى إمَامَةِ عُثْمَانَ (٣)، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ، وَمِنْ ذَلِكَ خَبَرُ عُمَرَ بْنِ اْلَخَطَّابِ ﵁ إِذْ خَرَجَ (٤) إلَى الشَّامِ بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا بَلَغَ (٥) سَرْغَ (٦)، بَلَغَهُ أَنَّ الْوَبَاءَ وَقَعَ (٧) بِالشَّامِ (٨)، فَاسْتَشَارَ الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ فَاخْتَلَفُوا عَلَيْه، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَهُ (٩): (أَرَى أَنْ

стр. 301

لَا نَفِرَّ (١) مِنْ قَدَرِ اللَّهِ)، * وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: (لَا تَقْدِمْ بِبَقِيَّةِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْوَبَاءِ) * (٢)، ثُمَّ دَعَا الْأَنْصَارَ فَاخْتَلَفُوا كَاخْتِلَافِ الْمُهَاجِرِينَ قَبْلَهُمْ، ثُمَّ دَعَا مَنْ حَضَرَ (٣) مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجرَةِ الْفَتْحِ فَلَمْ يَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ وَأَمَرُوهُ بِالرُّجُوعِ وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ (٤) ذَكَرَ في ذَلِكَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَلَا حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، بَلْ أَشَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِرَأْيِهِ وَبِمَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَيْهِ (٥)، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ فِعْلَهُ (٦) وَقَالَ (٧) عُمَرُ: (إِنِّي مُصْبِحٌ عَلَى (٨) ظَهْرٍ (٩)، فَاصْبِحُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ (١٠): (أَفِرَارًا (١١) مِنْ قَدَرِ اللَّهِ؟ ) قَالَ لَهُ عُمَرُ: (لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا،

стр. 302

أَبَا عُبَيْدَةَ (١)! ! نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَتْ لِرَجُلٍ إِبِلٌ في وَادٍ لَهُ عُدْوَتَانِ إِحْدَاهُمَا خَصْبَةٌ (٢) وَالْأُخْرَى جَذْبَةٌ، أَلَيْسَ إِنْ رَعَى الجَذْبَةَ رَعَاهَا بِقَدَرِ اللَّهِ (٣)، وَإِنْ رَعَى الْخَصْبَةَ (٤) رَعَاهَا بِقَدَرِ اللَّهِ) (٥). فَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ أَبُو عُبَيْدَةَ بِالرَّأْيِ وَجَاوَبَهُ عُمَرُ بِالرَّأْيِ، وَلَمْ يَحْتَجْ (٦) أَحَدُهُمَا في ذَلِكَ بِكِتَابٍ وَلَا بِسُنَّةٍ وَلَا إِجْمَاعٍ: ثُمَّ شَاعَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ وَذَاعَتْ، وَلَمْ يَكُنْ في الْمُسْلِمِينَ مَنْ أَنْكَرَ عَلَى أَحَدِهِمُ الْقَوْلَ بِالرَّأْيِ، وَمَا أَعْلَمُ أَنَّ مَسْأَلَةً يُدَّعَى الْإِجْمَاعُ فيهَا (٧) أَثْبَتُ في حُكْمِ الْإِجْمَاعِ (٨) مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. فَصْلٌ إِذَا (٩) ثَبَتَ أَنَّ الْقِيَاسَ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ تُثْبَتَ بِهِ الْحُدُودُ وَالْكَفَّارَاتُ وَالْمُقَدَّرَاتُ وَالْأَبْدَالُ (١٠).

стр. 303

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: (لَا يَجُوزُ أَنْ يُثْبَتَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ (١) بِالْقِيَاسِ). وَمَا قَالَهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ في الْأَمْرِ بِالاعْتِبَارِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخَصَّ إِلَّا بِدَلِيلٍ (٢). فَصْلٌ الْعِلَّةُ الْوَاقِفَةُ (٣) (٤) عِنْدَنَا صَحِيحَةٌ نَحْوُ عِلَّةِ مَنْعِ التَّفَاضُلِ في الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمِ لِأَنَّهَا أُصُولُ الْأَثْمَانِ وَقِيَمُ الْمُتْلَفَاتِ.

стр. 304

وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: (لَيْسَتْ بِصَحِيحَةٍ). وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ الْقِيَاسَ أَمَارَةٌ شَرْعِيَّةٌ فَجَازَ أَنْ تَكُونَ خَاصَّةً وَعَامَّةً كَالْخَبَرِ (١).

стр. 305

فَصْلٌ ذَكَرَ مُحَمَّدُ (١) بْنُ خُوَيْزَ مِنْدَاد (٢) أَنَّ مَعْنَى الاسْتِحْسَانِ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ ﵀ هُوَ الْقَوْلُ (٣) بِأَقْوَى الدَّلِيلَيْنِ (٤)، مِثْلَ تَخْصِيصِ بَيْعِ الْعَرَايَا (٥) مِنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِخرِصِهَا (٦) لِلسُّنَّةِ الْوَارِدَةِ (٧) في

стр. 306

ذَلِكَ (١)، وَذَلِكَ (٢) لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَرِدْ شَرْعٌ (٣) في إِبَاحَةِ بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا لَمَا جَازَ لِأَنَّهُ مِنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ (٤)، وَهَذَا الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ (٥) هُوَ الدَّلِيلُ وَإِنْ (٦) سَمَّاهُ اسْتِحْسَانًا عَلَى مَعْنَى الْمُوَاضَعَةِ، وَلَا يُمْتَنَعُ ذَلِكَ في حَقِّ (٧) أَهْلِ كُلِّ صِنَاعَةٍ (٨). * وَالاسْتِحْسَانُ الَّذِي يَخْتَلِفُ أَهْلُ الْأُصُولِ في إِثْبَاتِهِ هُوَ اخْتِيَارُ الْقَوْلِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ وَلَا تَقْلِيدٍ. وَذَهَبَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ (٩) مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ (١٠) إِلَى إِثْبَاتِهِ. وَمَنَعَ مِنْهُ شُيُوخُنَا الْعِرَاقِيُّونَ وَالشَّافِعِيُّ (١١). وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذِهِ مُعَارَضَةٌ لِلْقِيَاسِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، فَوَجَبَ أَنْ

стр. 307

يَبْطُلَ أَصْلُ ذَلِكَ إِنْ (١) عُورِضَ بِمُجَرَّدِ الْهَوَى (٢) * (٣). فَصْلٌ مَذْهَبُ (٤) مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى الْمَنْعُ (٥) مِنْ الذَّرَائِعَ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي ظَاهِرُهَا الْإِبَاحَةُ، وَيُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى فِعْلِ (٦) الْمَحْظُورٍ، وَذَلِكَ نَحْوُ (٧): أَنْ يَبِيعَ السِّلْعَةَ بِمِائَةٍ إِلَى أَجْلٍ ثُمَّ يَشْتَرِيهَا بِخَمْسِينَ نَقْدًا لِيَتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إِلَى

стр. 308

بَيْعِ خَمْسِينَ مِثْقَالًا نَقْدًا بِمِائَةٍ إِلَى أَجْلٍ (١). وَأَبَاحَ الذَّرَائِعَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ (٢). وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ) (٣) فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّهُ تَعَالَى حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الاصْطِيَادَ يَوْمَ السَّبْتِ (٤) وَأَبَاحَهُ سَائِرَ الْأَيَّامِ، فَكَانَتِ الْحِيتَانُ تَأْتِيهِمْ يَوْمَ السَّبْتِ، وَتَغِيبُ عَنْهُمْ في سَائِرِ الْأَيَّامِ، فَكَانُوا يَحْظُرُونَ عَلَيْهَا إِذاَ جَاءَتْ

стр. 309

يَوْمَ السَّبْتِ، وَيَسُدُّونَ عَلَيْهَا الْمَسَالِكِ، وَيَقُولُونَ: (إِنَّمَا مُنِعْنَا مِنَ الاصْطِيَادِ يَوْمَ السَّبْتِ فَقَطْ، وَإِنَّمَا نَفْعَلُ الاصْطِيَادَ في سَائِرِ الْأَيَّامِ) (١) وَهَذِهِ صُورَةُ الذَّرَائِعَ. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ * قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢)، فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْ هَذَا أَنَّهُ (٣) مَنَعَ جَمِيعَ (٤) الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَقُولُوا: (رَاعَنَا) لِمَا كَانَ الْيَهُودُ يَتَوَصَّلُونَ بِذَلِكَ إِلَى سَبِّ (٥) النَّبِيِّ ﷺ ، فَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنْ كَانُوا لَا يَقْصِدُونَ بِهِ مَا مُنِعَ مِنْ أَجْلِهِ (٦). وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ * (٧) أَيْضًا مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهَ وَعَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: (الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ)، ثُمَّ قَالَ: (احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ) (٨)، لِمَا رَأَى مِنْ

стр. 310

شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ (١)) (٢). * وَأَيْضًا (٣) فَإِنَّ (٤) ذَلِكَ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ * (٥) عُمَرَ ﵁ قَالَ (٦): (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قُبِضَ وَلَمْ يُفَسِّرْ لَنَا الرِّبَا فَاتْرُكُوا (٧)

стр. 311

الرِّبَا (١) وَالرِّيبَةَ) (٢). وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ لَمَّا اشْتَرَى زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ (٣) جارِيَةً (٤) مِنْ أُمِّ وَلَدِهِ بِثَمَانِمِائَةٍ إِلَى الْعَطَاءِ، وَبَاعِهَا مِنْهَا (٥) بِسِتِّمِئَةٍ نَقْدًا: (أَبْلِغِي زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ أَنَّهُ أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ (٦) اللَّهِ ﷺ إِنْ لَمْ يَتُبْ) (٧).

стр. 312

* وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَمَّا سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى: (دَرَاهِمٌ بِدَرَاهِمَ وَالطَّعَامُ مُرْجَأٌ (١)) * (٢). فَصْلٌ يَصِحُّ الاسْتِدْلَالُ بِالْعَكْسِ (٣).

стр. 313

وَقَالَ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَائِينِيُّ (١): (لَا يَجُوزُ). وَالدَّلِيلُ عَلَى قَوْلِنَا: أَنَّ الْمُعَلِّلَ إِذَا قَالَ: (لَا تَحُلُّ الشَّعْرَ الرُّوحُ، لِأَنَّهُ لَوْ حَلَّتْهُ (٢) لَمَا (٣) جَازَ أَخْذُهُ مِنْ الْحَيَوَانِ حَالِ الْحَيَاةِ * مَعَ السَّلَامَةِ، وَلَمَّا جَازَ أَخْذُهُ مِنْهُ حَالَ الْحَيَاةِ * (٤) عَلِمْنَا أَنَّ الرُّوحَ لَا تَحُلُّهُ كَالرِّيشِ). فَهَذَا اسْتِدْلَالٌ صَحِيحٌ، لِأَنَّهُ لَوْ حَلَّتِ الْحَيَاةُ الشَّعْرَ وَجَازَ أَخْذُهُ مِنَ الْحَيَوَانِ حَالَ الْحَيَاةِ لَانْتَقَضَتِ الْعِلَّةُ (٥).

стр. 314

فَصْلٌ لَا يَجُوزُ الاسْتِدْلَالُ بِالْقَرَائِنِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَقَالَ أَبُو (١) مُحَمَّدٍ ابْنُ نَصْرٍ (٢): (يَجُوزُ ذَلِكَ) وَبِهِ قَالَ الْمُزَنِيُّ (٣) (٤) (٥). وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ اللَّفْظَيْنِ الْمُقْتَرِنَيْنِ لَهُ حُكْمُ نَفْسِهِ (٦)، وَيَصِحُّ أَنْ يُفْرَدَ بِحُكْمٍ دُونَ مَا قَارَنَهُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا إِلَّا بِدَلِيلٍ كَمَا لَوْ وَرَدَا مُفْتَرِقَيْنِ (٧).

стр. 315

بَابُ حُكْمِ اسْتِصْحَابِ الْحَالِ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ أَدِلَّةَ الشَّرْعِ ثَلَاثَةِ (١) أَضْرُبٍ (٢): أَصْلٌ، وَمَعْقُولُ أَصْلٍ، وَاسْتِصْحَابِ حَالٍ. وَقَدْ مَرَّ الْكَلَامُ في الْأَصْلِ وَمَعْقُولُ الْأَصْلِ، وَالْكَلَامُ هَا هُنَا (٣) على (٤) اسْتِصْحَابِ الْحَالِ، وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ (٥):

стр. 316

أَحَدُهُمَا: اسْتِصْحَابُ حَالِ الْعَقْلِ (١)، وَذَلِكَ إِذَا ادَّعَى في الْمَسْأَلَةِ (٢) أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ حُكْمًا شَرْعِيًّا، وَادَّعَى الْآخَرُ الْبَقَاءَ عَلَى حُكْمِ الْعَقْلِ، وَذَلِكَ مِثْلُ: أَنْ يُسْأَلَ الْمَالِكِيُّ عَنْ وُجُوبِ (٣) الْوِتْرِ، فَيَقُولُ: (الْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ وَطَرِيقُ اشْتِغَالِهَا الشَّرْعُ، فَمَنْ ادَّعَى شَرْعًا يُوجِبُ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ). وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ صَحِيحَةٌ مِنَ الاسْتِدْلَالِ (٤). وَالثَّانِي: اسْتِصْحَابُ حَالِ الْإِجْمَاعِ، وَذَلِكَ مِثْلُ: اسْتِدْلَالِ دَاوُدَ (٥)

стр. 317

عَلَى أَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ يَجُوزُ بَيْعُهَا (١)، لِأَنَّا (٢) قَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى جَوَازِ بَيْعِهَا قَبْلَ الْحَمْلِ، فَمَنْ ادَّعَى الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ الْحَمْلِ (٣) فَعَلَيْهِ الدَّلِيلِ (٤)، وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ مِنَ الاسْتِدْلَالِ، لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَتَنَاوَلُ مَوْضِعَ الْخِلَافِ وَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ مَوْضِعَ الاتِّفَاقِ، وَمَا كَانَ حُجَّةً فَلَا يَصِحُّ الاحْتِجَاجُ بِهِ في الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يُوجَدُ فيهِ كَأَلْفَاظِ (٥) صَاحِبِ الشَّرْعِ إِذَا تَنَاوَلَتْ (٦) مَوْضِعًا خَاصًا (٧) لَمْ يَجُزْ الاحْتِجَاجُ بِهَا في الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا تَتَنَاوَلُهُ (٨).

стр. 318

فَصْلٌ إِذَا (١) ثَبَتَ ذَلِكَ فَلَيْسَ في الْعَقْلِ حَظْرٌ وَلَا إِبَاحَةٌ، وَإِنَّمَا تُثْبِتُ الْإِبَاحَةُ (٢) أَوْ التَّحْرِيمُ بِالشَّرْعِ، وَالْبَارِي تَعَالَى يُحَلِّلُ مَا يَشَاءُ وَيُحَرِّمُ مَا يَشَاءُ، هَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الأَبْهِرِيُّ (٣): (الْأَشْيَاءُ في الْأَصْلِ (٤) عَلَى الْحَظْرِ). وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ الْمَالِكِيُّ (٥): (الْأَشْيَاءُ في الْأَصْلِ (٦) عَلَى الْإِبَاحَةِ). وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْعَقْلُ يُوجِبُ إِبَاحَةَ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَعْيَانِ أَوْ حَظْرَهُ لَاسْتَحَالَ أَنْ يَنْقُلَهُ الشَّرْعُ عَمَّا يَقْتَضِيهِ في الْعَقْلِ

стр. 319

* لِاسْتِحَالَةِ وُرُودِ الشَّرْعِ بِمَا (١) يُنَافي الْعَقْلَ * (٢)، كَمَا يَسْتَحِيلُ أَنْ يَرِدَ بِنَفْيِ أَنَّ الْاثْنَيْنِ أَكْثَرُ مِنَ الْوَاحِدِ (٣). فَصْلٌ مَنِ ادَّعَى نَفْيَ (٤) حُكْمٍ وَجَبَ عَلَيْهِ (٥) الدَّلِيلُ كَمَا يَجِبُ (٦) ذَلِكَ (٧) عَلَى مَنْ أَثْبَتَهُ. وَقَالَ دَاوُد (٨): (لَا دَلِيلَ عَلَى النَّافي) (٩). وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ (١٠) قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ

стр. 320

كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١)﴾ (٢). فَصْلٌ صِفَةُ الْمُجْتَهِدِ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِمَوْضِعِ الْأَدِلَّةِ (٣)، وَمَوَاضِعِهَا مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ. وَيَكُونُ عَارِفًا (٤) بِطَرِيقِ الْإِيجَابِ وَبِطْرِيقِ الْمُوَاضَعَةِ (٥) في اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ. وَيَكُونُ عَالَمًا بِأُصُولِ الدِّيَانَاتِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ.
следующие страницы →