← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 20983

الإشارة في أصول الفقه - ت فركوس

أبو الوليد الباجي

Полный текст (379 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

- بِعَدَدٍ (١) مِنْ ذَلِكَ - مِنْ رِوَايَتِي عَنْ فُلَانٍ فَارْوِ ذَلِكَ عَنِّي) (٢). وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ مَنْ كَتَبَ إِلَى غَيْرِهِ: (إِنَّ الْكِتَابَ الْفُلَانِيَّ أَوْ (٣) إِنَّ دِيوَانَ الْمُوَطَّأ وَغَيْرِهِ مِنَ الْكُتُبِ الْمَعْلُومَةِ رَوَيْتُهُ (٤) عَنْ (٥) زَيْدٍ (٦) فَارْوِهِ عَنِّي إِذَا صَحَّ عِنْدَكَ) يَحْتَاجُ في ثَبَاتِ (٧) الْكِتَابِ (٨) عِنْدَهُ (٩) إِلَى نَقْلِ الثِّقَةِ (١٠) ثُمَّ يَحْتَاجُ في تَصْحِيحِ كِتَابِ الْمُوَطَّأ وَالْعِلْمِ بِأَنَّهُ مُمَاثِلٌ لِأَصْلِ الْمُجِيزِ لَهُ (١١) إِلَى نَقْلِ ثِقَةٍ أَيْضًا، فَتَحْصُلُ لَهُ (١٢) الرِّوَايَةُ بَعْدَ ثَبَاتِ ذَلِكَ عِنْدَهُ (١٣) مِنْ طَرِيقَيْنِ.

стр. 247

وَإِذَا قَالَ لَهُ مُشَافَهَةٍ: (مَا صَحَّ عِنْدَكَ مِنْ حَدِيثِي فَارْوِهِ عَنِّي) لَمْ يَحْتَجْ في ذَلِكَ إِلَّا (١) إِلَى إِخْبَارِ ثِقَةٍ، بِأَنَّ (٢) هَذَا الْكِتَابَ رَوَاهُ الْمُجِيزُ لَهُ (٣) عَنْ فُلَانٍ فَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَصِحَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ (٤) إِلَّا مِنْ طَرِيقٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ إِذَا (٥) ثَبَتَ وَتَقَرَّرَ أَنَّ في النَّوْعِ الْأَوَّلِ تَصِحُّ إِجَازَتُهُ فَبِأَنْ تَصِحَّ هَا هُنَا أَوْلَى وَأَحْرَى (٦) (٧). ***

стр. 248

بَابُ أَحْكَامِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ النَّسْخُ: هُوَ إِزَالَةُ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالشَّرْعِ الْمُتَقَدِّمِ بِشَرْعٍ مُتَأَخِّرٍ عَنْهُ عَلَى وَجْهٍ (١) لَوْلَاهُ لَكَانَ ثَابِتًا (٢)، وَذَلِكَ أَنَّ (٣) النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَا حُكْمَيْنِ شَرْعِيَيْنَ (٤)، فَأَمَّا النَّاقِلَ عَنْ حُكْمِ الْعَقْلِ (٥) أَوْ السَّاقِطُ بَعْدَ

стр. 249

ثُبُوتِهِ وَامْتِثَالِ مُوجِبِهِ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى نَسْخًا (١). فَصْلٌ إِذَا (٢) ثَبَتَ ذَلِكَ، فَإِذَا (٣) نَقَصَ بَعْضُ الْجُمْلَةِ أَوْ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِهَا فَقْدَ ذَهَبَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِنَسْخٍ، * وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَأَصْحَابُ الشَّافِعِي * (٤). وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: (هُوَ نَسْخٌ (٥)) (٦).

стр. 250

وَكَذَلِكَ الزِّيَادَةُ في النَّصِّ (١)، قَالَ (٢) أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: (هُوَ نَسْخٌ). * وَقَالَ أَصْحَابُنَا وَأَصْحَابُ الشَّافِعِي: (لَيْسَتْ بِنَسْخٍ) * (٣). وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ (٤) (٥): (إِنْ كَانَ النَّقْصُ مِنَ الْعِبَادَةِ أَوِ الزِّيَادَةُ فيهَا يُغَيِّرُ الْحُكْمَ الْمَزِيدَ فيهِ أَوِ الْمَنْقُوصَ مِنْهُ حَتَّى يَجْعَلَ مَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ (٦) عِبَادَةٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا عِبَادَةً ثَابِتَةً (٧)، وَقُرْبَةً (٨) مُسْتَقِلَّةً، أَوْ يَجْعَلَ (٩) مَا كَانَ عِبَادَةٌ شَرْعِيَّةٌ غَيْرَ شَرْعِيَّةٍ فَهُوَ نَسْخٌ، نَحْوَ أَنْ يُزَادَ في الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ رَكْعَتَانِ، رَكْعَتَانِ أُخْرَيَتَانِ (١٠) فَهَذَا يَكُونُ نَسْخًا لِأَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ الْأَوَّلَتَيْنِ (١١) حِينئِذٍ

стр. 251

لَا تَكُونُ (١) صَلَاةً شَرْعِيَّةً، وَكَذَلِكَ إِذَا وَرَدَ الْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ الرُّبَاعِيَّةِ أَنْ تُصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَإِنَّهُ نَسْخٌ أَيْضًا، لِأَنَّ الْأَرْبَعَ رَكَعَاتٍ حِينَئِذٍ لَا تَكُونُ صَلَاةً. وَأَمَّا إِذَا لَمْ تُغَيِّرْ (٢) الزِّيَادَةُ وَلَا النُّقْصَانُ حُكْمَ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ وَلَا الْمَنْقُوصِ مِنْهُ فَلَيْسَ بِنَسْخٍ، مِثْلَ أَنْ يُؤْمَرَ في حَدِّ شَارِبِ الْخَمْرِ بِأَرْبَعِينَ ثُمَّ يُؤْمَرُ فيهِ (٣) بِثَمَانِينَ، فَإِنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لَا تُبْطِلُ حُكْمَ الْمَزِيدَ عَلَيْهِ، لأَنَّهُ لَوْ ضَرَبَهُ (٤) الْأَرْبَعِينَ بَعْدَ الْأَمْرِ بِالثَّمَانِينَ لَأَجْزَتْ (٥) عَنِ الْأَرْبَعِينَ وَلْيَبْنِ عَلَيْهَا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ (٦) الثَّمَانِينَ، وَالَّذِي أُمَرَ بِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُجْزِيهِ أَنْ يُتِمَّ عَلَيْهَا رَكْعَتَيْنِ حَتَّى يَبْتَدِئَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ أُمِرَ بِجَلْدِ ثَمَانِينَ في الْخَمْرِ ثُمَّ نُقِصَ مِنْهَا فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ نَسْخًا لِجَمِيعِ الْحَدِّ وَإِنَّمَا يَكُونُ نَسْخًا لِلْأَرْبَعِينَ فَقَطْ (٧).

стр. 252

فَصْلٌ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ النَّسْخَ لَا يَدْخُلُ الْأَخْبَارِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: (يَدْخُلُ النَّسْخُ في الْأَخْبَارِ). وَالصَّحِيحُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ نَفْسَ الْخَبَرِ لَا يَدْخُلُهُ النَّسْخُ (١)، لِأَنَّ ذَلِكَ

стр. 253

لَا يَكُونُ نَسْخًا، وَإِنَّمَا يَكُونُ كَذِبًا لَكِنْ إِنْ ثَبَتَ بِالْخَبَرِ حُكْمٌ مِنَ الْأَحْكَامِ جَازَ أَنْ يَدْخُلَهُ النَّسْخُ (١). فَصْلٌ يَجُوزُ نَسْخُ الْعِبَادَةِ بِمِثْلِهَا وَمَا هُوَ أَخَفُّ مِنْهَا (٢) وَأَثْقَلُ وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ

стр. 254

الْفُقَهَاءِ. وَمَنَعَ قَوْمٌ (١) نَسْخَ الْعِبَادَةِ بِمَا هُوَ أَثْقَلُ مِنْهَا. وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ الْبَارِي تَعَالَى قَدْ (٢) أَوْجَبَ عَلَى الْمُكَلَّفينَ مَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ إِيجَابُهُ (٣) وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ مَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ (٤) تَحْرِيمُهُ، وَإِذَا جَازَ أَنْ يَبْتَدِئَ التَّعَبُّدَ (٥) بِمَا هُوَ أَثْقَلُ عَلَيْهِمْ (٦) * مِنْ حُكْمِ الْأَصْلِ جَازَ أَيْضًا أَنْ يَنْسَخَ عَنْهُمْ الْعِبَادَةَ بِمَا هُوَ أَثْقَلُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا (٧) * (٨).

стр. 255

فَصْلٌ إِذَا وَرَدَتِ التِّلَاوَةُ مُتَضَمِّنَةً حُكْمًا وَاجِبًا عَلَيْنَا مِنْ تَحْرِيمٍ أَوْ فَرْضٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَادَاتِ وَأُمِرْنَا (١) بِتِلَاوَتِهَا فَإِنَّ فيهَا حُكْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الْعِبَادَةِ. وَالثَّانِي: مَا أَلْزَمْنَاهُ مِنْ حِفْظِهَا وَتِلَاوَتِهَا (٢)، وَذَلِكَ بِمَثَابَةِ مَا لَوْ تَضَمَّنَ الْخَبَرُ حُكْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: صَوْمٌ (٣)، وَالْآخَرُ: صَلَاةٌ. فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ جَازَ نَسْخُ الْحُكْمِ مَعَ بَقَاءِ (٤) التِّلَاوَةِ * وَجَازَ نَسْخُ التِّلَاوَةِ وَبَقَاءُ الْحُكْمِ (٥).

стр. 256

فَأَمَّا نَسْخُ الْحُكْمِ مَعَ بَقَاءِ التِّلَاوَةِ فَهُوَ * (١) مِثْلُ نَسْخِ حُكْمِ التَّخْيِيرِ (٢) بَيْنَ الصَّوْمِ أَوِ الْفِدْيَةِ لِمَنْ طَاقَ الصَّوْمَ (٣)، وَنَسْخِ الْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ (٤)، وَنَسْخِ تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ عِنْدَ مُنَاجَاةِ الرَّسُولِ ﵇ (٥)،

стр. 257

وَإِنْ بَقِيَتْ التِّلَاوَةُ لِذَلِكَ (١) كُلّهِ. وَأَمَّا بَقَاءُ الْحُكْمِ وَنَسْخُ التِّلَاوَةِ فَمَا تَظَاهَرَتْ (٢) بِهِ الْأَخْبَارُ مِنْ نَسْخِ تِلَاوَةِ آيَةِ (٣) الرَّجْمِ (٤)، وَنَسْخِ خَمْسِ (٥) رَضَعَاتٍ (٦)، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا بَقِيَ حُكْمُهُ بَعْدَ تِلَاوَتِهِ.

стр. 258

فَصْلٌ يَصِحُّ نَسْخُ (١) الْعِبَادَةِ قَبْلَ وَقْتِ الْفِعْلِ وَعَلَى ذَلِكَ (٢) أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ الصَّيْرَفيُّ (٣) وَبَعْضُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ (٤): (لَا يَصِحُّ (٥) نَسْخُ الْعِبَادَةِ قَبْلَ وَقْتِ الْفِعْلِ) (٦).

стр. 259

وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ (١) مَا أُمِرَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ ﵇ مِنْ ذَبْحِ ابْنِهِ (٢) (٣) ثُمَّ نُسِخَ عَنْهُ قَبْلَ فِعْلِهِ، وَأَيْضًا فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ النَّسْخَ إِنَّمَا هُوَ إِزَالَةُ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالشَّرْعِ الْمُتَقَدِّمِ، وَإِذَا خَرَجَ وَقْتُ الْعِبَادَةِ فَلَا يَخْلُو أَنْ (٤) يَكُونَ فَعَلَهَا أَوْ لَمْ يَفْعَلْهَا، فَإِنْ كَانَ فَعَلَهَا فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى النَّسْخِ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ قَدِ امْتَثَلَهُ.

стр. 260

وَإِنْ كَانَ لَمْ يَفْعَلْهَا (١) فَلَا يَصِحُّ النَّسْخُ * أَيْضًا لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ لَهُ (٢): (لَا تَفْعَلْ أَمْسِ كَذَا) لِأَنَّ الْفِعْلَ فيمَا مَضَى غَيْرُ دَاخِلٍ تَحْتَ التَّكْلِيفِ، فِعْلُهُ وَلَا تَرْكُهُ، فَلَا يَصِحُّ النَّسْخُ * (٣) إِلَّا قَبْلَ (٤) انْقِضَاءِ (٥) وَقْتِ الْعِبَادَةِ. وَأَمَّا إِسْقَاطُ (٦) مِثْلِ الْعِبَادَةِ في الْمُسْتَقْبَلِ فَلَيْسَ بِنَسْخِ مَا مَضَى وَقْتُهُ مِنْهَا (٧) لِنَفَسِ الْمَأْمُورِ بِهِ (٨) وَإِنَّمَا هُوَ إِسْقَاطُ لِمِثْلِهِ. فَصْلٌ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ في جَوَازِ نَسْخِ الْقُرْآنِ بِالْقُرْآنِ، وَالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ بِمَثَلِهِ، وَخَبَرِ الْوَاحِدِ بِمِثْلِهِ (٩). وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ (١٠) وَمَنَعَ

стр. 261

مِنْ ذَلِكَ الشَّافِعِي (١) (٢). وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْقُرْآنَ وَالْخَبَرَ الْمُتَوَاتِرَ كِلَاهُمَا (٣) شَرْعٌ مَقْطُوعٌ

стр. 262

بِصِحَّتِهِ فَإِذَا جَازَ (١) أَنْ يُنْسَخَ الْقُرْآنُ بِالْقُرْآنِ جَازَ أَنْ يُنْسَخَ بِالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ، وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (٢) مَنْسُوخٌ بِمَا رُوِيَ عَنْهُ (٣) ﷺ أَنَّهُ قَالَ (٤): (إِنَّ (٥) اللَّهَ قَدْ أَعْطَى (٦) كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ) (٧). فَصْلٌ (٨) يَجُوزُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ نَسْخُ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ. وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ (٩).

стр. 263

وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا وَرَدَ مِنْ الْقُرْآنِ لِصَلَاةِ (١) الْخَوْفِ بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ تَأْخِيرُهَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ (٢) إِلَى أَنْ يَأْمَنَ، وَنَسْخُهُ (٣) التَّوَجُّهَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ (٤) بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٥)، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ (٦) بَعْدَ أَنْ قَرَّرَ النَّبِيُّ ﷺ رَدَّ مَنْ جَاءَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَيْهِمْ (٧). فَصْلٌ (٨) يَجُوزُ نَسْخُ الْقُرْآنِ وَالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ بِخَبَرِ الْآحَادِ.

стр. 264

وَقَدْ مَنَعَتْ مِنْ ذَلِكَ طَائِفَةٌ (١). وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا ظَهَرَ مِنْ تَحَوُّلِ أَهْلِ قُبَاءَ إِلَى الْكَعْبَةِ (٢) بِخَبَرِ الْوَاحِدِ (٣) وَقَدْ (٤) كَانُوا يَعْلَمُونَ اسْتِقْبَالَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ مِنْ دِينِ النَّبِيِّ ﷺ

стр. 265

ضَرُورَةً (١) إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ بَعْدَ زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ (٢). فَأَمَّا الْقِيَاسُ فَلَا يَصِحُّ النَّسْخُ بِهِ جُمْلَةً (٣). فَصْلٌ ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِ (٤) وَالشَّافِعِي إِلَى (٥) أَنَّ شَرِيعَةَ مَنْ قَبْلَنَا لَازِمَةٌ لَنَا إِلَّا مَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى نَسْخِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ (٦) وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا بِالْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ.

стр. 266

وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (١)، فَأُمِرَ بِاتِّبَاعِهِمْ وَأَمَرَ بِاتِّبَاعِهِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَتَفَرَّقُوا فيهِ﴾ (٢)، وَمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا)، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٣)) (٤)، وَإِنَّمَا خُوطِبَ بِذَلِكَ مُوسَى ﵇ فَأَخَذَ بِهِ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ (٥). ***

стр. 267

بَابُ الْإِجْمَاعِ وَأَحْكَامِهِ إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ عَلَى حُكْمِ الْحَادِثَةِ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ فَيَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَى مَا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ وَالْقَطْعُ بِصِحَّتِهِ (١) ....................

стр. 268

خِلَافًا لِلْإِمَامِيَّةِ (١). وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٢). فَتَوَعَّدَ عَلَى اتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ فَكَانَ ذَلِكَ أَمْرًا بِاتِّبَاعِ سَبِيلِهِمْ.

стр. 269

فَصْلٌ فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْأُمَّةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ (١): خَاصَّةٌ وَعَامَّةٌ. فَيَجِبُ اعْتِبَارُ أَقْوَالِ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ فيمَا كُلِّفَتِ (٢) الْخَاصَّةُ وَالْعَامَّةُ (٣) مَعْرِفَةَ الْحُكْمِ فيهِ (٤). فَأَمَّا مَا يَنْفَرِدُ الْحُكَّامُ وَالْفُقَهَاءُ بِمُعَرَّفَتِهِ مِنْ أَحْكَامِ الطَّلَاقِ وَالنِّكَاحِ وَالْبُيُوعِ وَالْعِتْقِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْكِتَابَةِ وَالْجِنَايَاتِ وَالرُّهُونِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي لَا عِلْمَ لِلْعَامَّةِ بِهَا (٥) فَلَا اعْتِبَارَ فيهَا بِخِلَافِ الْعَامَّةِ (٦)، وَبِذَلِكَ قَالَ جُمْهُورُ (٧) الْفُقَهَاءِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ (٨): (يُعْتَبَرُ بِأَقْوَالِ الْعَامَّةِ في ذَلِكَ (٩) كُلّهِ (١٠)).

стр. 270

وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ الْعَامَّةَ يَلْزَمُهُمْ اتِّبَاعُ الْعُلَمَاءِ فيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ لَهُمْ مُخَالَفَتُهُمْ، فَهُمْ (١) في ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الْعَصْرِ الثَّانِي مَعَ مَنْ تَقَدَّمَهُمْ، بَلْ حَالُ أَهْلِ الْعَصْرِ الثَّانِي أَفْضَلُ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعَلَمِ وَالاجْتِهَادِ، ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِأَقْوَالِ (٢) أَهْلِ الْعَصْرِ الثَّانِي مَعَ اتِّفَاقِ أَقْوَالِ (٣) أَهْلِ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ، فَبِأَنْ (٤) لَا يُعْتَبَرُ بِأَقْوَالِ الْعَامَّةِ مَعَ اتِّفَاقِ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ أَوْلَى وَأَحْرَى. فَصْلٌ لَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ إِلَّا بِاتِّفَاقِ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ، فَإِنْ شَذَّ (٥) مِنْهُمْ وَاحِدٌ لَمْ يَنْعَقِدْ إِجْمَاعٌ (٦).

стр. 271

وَذَهَبَ ابْنُ خُوَيْزَ مِنْدَادٍ (١) إِلَى أَنَّ الْوَاحِدَ وَالاثْنَيْنِ (٢) لَا يُعْتَدُّ بِهِمْ. وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٣)، وَقَدْ وُجِدَ الاخْتِلَافُ (٤). فَصْلٌ إِذَا اجْتَمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى حُكْمِ حَادِثَةٍ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ وَحَرُمَتِ الْمُخَالَفَةُ وَلَا يُعْتَبَرُ في ذَلِكَ بِانْقِرَاضِ الْعَصْرِ وَعَلَى هَذَا (٥) أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا

стр. 272

وَغَيْرِهِمْ (١). وَقَالَ أَبُو تَمَّامٍ (٢) (٣) الْبَصَرِيُّ (٤) مِنْ أَصْحَابِنَا وَبَعْضُ (٥) أَصْحَابِ الشَّافِعِي: (لَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ إِلَّا بِانْقِرَاضِ الْعَصْرِ (٦)).

стр. 273

وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ حُجَّةَ الْإِجْمَاعِ لَا يَخْلُو مِنْ (١) أَنْ تُثْبَتَ بِالْإِجْمَاعِ أَوْ بِانْقِرَاضِ الْعَصْرِ (٢) أَوْ بِهِمَا: وَلَا يَجُوزُ أَنَّ تُبْثَتَ بِانْقِرَاضِ الْعَصْرِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقَوْلٍ وَلَا حُجَّةٍ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الاخْتِلَافُ حُجَّةً مَعَ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ وَالاتِّفَاقُ جَمِيعًا (٣) حُجَّةً لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (٤) بِانْفِرَادِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ حُجَّةً فَبِإِضَافَتِهِ إِلَى الْآخَرِ لَا يَصِيرُ حُجَّةً فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الاتِّفَاقُ حُجَّةً (٥) وَذَلِكَ مَوْجُودٌ مَعَ بَقَاءِ الْعَصْرِ. فَصْلٌ إِجْمَاعُ (٦) أَهْلِ كُلِّ عَصْرٍ حُجَّةٌ، هَذَا قَوْلُ جَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ غَيْرَ دَاوُدَ بْنَ عَلِيٍّ الْأَصْبَهَانِيُّ (٧) فَإِنَّهُ قَالَ: (إِجْمَاعُ عَصْرِ الصَّحَابَةِ دُونَ إِجْمَاعِ الْمُؤْمِنِينَ (٨) في سَائِرِ الْإِعْصَارِ). وَدَلِيلُنَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٩). وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ غَيْرَ الصَّحَابَةِ يُشَارِكُ الصَّحَابَةَ في هَذَا الاسْمِ وَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ

стр. 274

لَهُمْ هَذَا الْحُكْمُ إِلَّا (١) أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِصَاصِ الصَّحَابَةِ بِهِ (٢) (٣). فَصْلٌ وَأَمَّا إِجْمَاعُ (٤) أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَقَدْ أَطْلَقَ أَصْحَابُنَا هَذَا اللَّفْظُ، وَإِنَّمَا عَوَّلَ مَالِكٌ ﵀ وَمُحَقِّقُو أَصْحَابِهِ عَلَى الاحْتِجَاجِ بِذَلِكَ (٥) فيمَا (٦) طَرِيقُهُ النَّقْلُ كَمَسْأَلَةِ الْآذَانِ (٧)، وَالصَّاعِ، وَتَرْكِ الْجَهْرِ بِبِسْمِ اللَّهِ (٨) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمُ في الْفَرِيضَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي طَرِيقُهَا النَّقْلُ وَاتَّصَلَ الْعَمَلُ بِهَا في الْمَدِينَةِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَخْفَى مِثْلُهُ، وَنُقِلَ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا، وَإِنَّمَا خُصَّتْ الْمَدِينَةُ بِهَذِهِ الْحُجَّةِ دُونَ * سَائِرِ الْبِلَادِ (٩) لِوُجُودِ ذَلِكَ فيهَا * (١٠) دُونَ

стр. 275

غَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ لِأَنَّهَا كَانَتْ مَوْضِعَ النُّبُوَّةِ وَمُسْتَقَرَّ الصَّحَابَةِ وَالْخِلَافَةِ (١) بَعْدَهُ ﷺ ، وَلَوْ تَهَيَّأَ مِثْلُ (٢) ذَلِكَ في سَائِرِ الْبِلَادِ (٣) لَكَانَ حُكْمُهَا كَذَلِكَ (٤) أَيْضًا (٥) (٦). فَصْلٌ إِذَا قَالَ الصَّحَابِيُّ أَوْ الْإِمَامُ قَوْلًا أَوْ حَكَمَ بِحُكْمٍ وَظَهَرَ ذَلِكَ وَانْتَشَرَ انْتِشَارًا لَا يَخْفَى مِثْلُهُ وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُ مُخَالِفٌ وَلَمْ يُسْمَعْ (٧) لَهُ مُنْكِرٌ فَإِنَّهُ إِجْمَاعٌ وَحُجَّةٌ قَاطِعَةٌ، وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِي. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ (٨) (٩): (لَا يَكُونُ إِجْمَاعًا حَتَّى يُنْقَلَ قَوْلُ كُلِّ

стр. 276

وَاحِدٍ مِنَ (١) الصَّحَابَةِ في ذَلِكَ كُلِّهِمْ (٢)) وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ (٣). وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْمَعَ الْعَدَدُ الْكَثِيرُ وَالْجَمُّ الْغَفيرُ الَّذِي (٤) لَا يَصِحُّ عَلَيْهِمْ التَّوَاطُؤُ وَالتَّشَاغُرُ (٥) قَوْلًا يَعْتَقِدُونَ خَطَأَهُ وَبُطْلَانَهُ ثُمَّ يُمْسِكُ جَمِيعُهُمْ عَنْ إِنْكَارِهِ وَإِظْهَارِ خِلَافِهِ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ (٦) يَتَسَرَّعُ (٧) إِلَى ذَلِكَ وَيُسَابِقُ إِلَيْهِ، فَإِذَا (٨) ظَهَرَ قَوْلٌ وَانْتَشَرَ (٩)، وَبَلَغَ أَقَاصِيَ الْأَرْضِ، وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُ مُخَالِفٌ عُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ السُّكُوتَ رِضىً مِنْهُمْ بِهِ وَإِقْرَارٌ عَلَيْهِ لِمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، وَلَوْ لَمْ (١٠) يَصِحْ إِجْمَاعٌ وَلَا ثَبَتَتْ بِهِ حُجَّةٌ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يُرْوَى الاتِّفَاقُ عَلَى حُكْمِ الْحَادِثَةِ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ (١١) مِنْ أَهْلِ الْعَلَمِ (١٢) في عَصْرِ الْإِجْمَاعِ لَبَطَلَ (١٣) الْإِجْمَاعُ وَبَطُلَ الاحْتِجَاجُ بِهِ

стр. 277

لِاسْتِحَالَةِ وُجُودِ ذَلِكَ في مَسْأَلَةٍ مِنْ مَسَائِلِ الْأُصُولِ أَوْ الْفُرُوعِ كَمَا (١) لَا نَعْلَمُ الْيَوْمَ اتِّفَاقَ عُلَمَاءِ عَصْرِنَا في جَمِيعِ الْآفَاقِ عَلَى حُكْمِ حَادِثَةٍ مِنْ الْحَوَادِثِ بَلْ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ لَا نَعْلَمُ بِوُجُودِهِمْ (٢) في الْعَالَمِ (٣).

стр. 278

فَصْلٌ إِذَا اخْتَلَفَتِ (١) الصَّحَابَةُ في حُكْمٍ عَلَى قَوْلَيْنِ لَمْ يَجُزْ إِحْدَاثُ قَوْلٍ ثَالِثٍ * هَذَا قَوْلُ كَافَّةِ أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابِ الشَّافِعِي. وَقَالَ دَاوُدُ (٢): (يَجُوزُ إِحْدَاثُ قَوْلٍ ثَالِثٍ) * (٣). وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُمْ إِذَا أَجْمَعُوا عَلَى قَوْلَيْنِ فَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَا عَدَا الْقَوْلَيْنِ خَطَأٌ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا في تَعْيِينِ الْحَقِّ في أَحَدِهِمَا وَلَمْ يَخْتَلِفُوا في (٤) أَنَّ مَا عَدَّاهُمَا خَطَأٌ، فَمَنْ قَالَ بِغَيْرِهِمَا فَقَدْ صَوَّبَ مَا أَجْمَعَتْ الصَّحَابَةُ عَلَى أَنَّهُ خَطَأٌ (٥).

стр. 279

فَصْلٌ يَصِحُّ أَنْ يَنْعَقِدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى الحُكْمِ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ في قَوْلِ (١) كَافَّةِ الْفُقَهَاءِ. وَذَهَبَ ابْنُ جَرِيرٍ (٢) الطَّبَرِيُّ (٣) إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ وُجُودُهُ، وَلَوْ وُجِدَ لَكَانَ دَلِيلًا (٤). وَقَالَ دَاوُدُ (٥): (لَا يَصِحُّ ذَلِكَ) وَهَذَا مَبْنِيٌّ عِنْدَهُ عَلَى أَنَّ الْقِيَاسَ لَيْسَ بِدَلِيلٍ (٦)، ...................

стр. 280

وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (١). ***

стр. 281

بَابُ الْكَلَامِ في مَعْقُولِ الْأَصْلِ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ أَدِلَّةَ الشَّرْعِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَصْلٌ، وَمَعْقُولُ أَصْلٍ، وَاسْتِصْحَابُ حَالٍ، وَقَدْ مَرَّ الْكَلَامُ (١) في الْأَصْلِ وَالْكَلَامُ هَا هُنَا (٢) في مَعْقُولِ الْأَصْلِ وَهُوَ يَنْقَسِمُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ (٣): لَحْنُ الْخِطَابِ، وَفَحْوَى الْخِطَابِ، وَالْحَصْرُ، وَمَعْنَى الْخِطَابِ (٤). فَأَمَّا لَحْنُ الْخِطَابِ (٥): .....................

стр. 282

فَهُوَ الضَّمِيرُ الَّذِي لَا يَتِمُّ الْكَلَامُ إِلَّا بِهِ (١). مَأْخُوذٌ مِنَ اللَّحْنِ: وَهُوَ مَا يَبْدُو في عَرْضِ الْكَلَامِ مِنْ مَعْنَاهُ (٢)، نَحْوَ (٣) قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٤) مَعْنَاهُ: فَأَفْطَرَ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرٍ (٥). فَهَذَا حُجَّةٌ يَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْهَا وَالْعَمَلُ بِهَا (٦). وَقَدْ يَلْحَقُ بِذَلِكَ مَا لَيْسَ مِنْهُ، وَهُوَ ادِّعَاءُ ضَمِيرٍ يَتِمُّ الْكَلَامُ دُونَهُ (٧)، نَحْوُ اسْتِدْلَالِنَا عَلَى أَنَّ الْعَظْمَ تَحُلُّهُ (٨) الْحَيَاةُ بِقَوْلِهِ (٩) تَعَالَى: ﴿قَالَ مَنْ

стр. 283

يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (١)، * فَيَقُولُ الْحَنَفيُّ الْمُرَادُ بِذَلِكَ * (٢) مَنْ يُحْيِي أَصْحَابَ الْعِظَامِ، فَمِثْلُ هَذَا لَا يَجُوزُ فيهِ تَقْدِيرُ مُضْمَرٍ إِلَّا بِدَلِيلِ اسْتِقْلَالِ الْكَلَامِ دُونَهُ (٣). فَصْلٌ وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي فَهُوَ (٤) فَحْوَى الْخِطَابِ (٥) وَهُوَ (٦): مَا يُفْهَمُ مِنْ

стр. 284

نَفْسِ الْخِطَابِ مِنْ قَصْدِ الْمُتَكَلِّمِ بِعُرْفِ (١) اللُّغَةِ (٢) نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ (٣) فَهَذَا يُفْهَمُ مِنْهُ (٤) مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ (٥) الْمَنْعُ مِنَ الضَّرْبِ وَالشَّتْمِ، وَيَجْرِي مَجْرَى النَّصِّ عَلَى ذَلِكَ في وُجُوبِ (٦) الْعَمَلِ بِهِ وَالْمَصِيرِ إِلَيْهِ (٧).

стр. 285

فَصْلٌ وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّالِثُ فَهُوَ (١) الْحَصْرُ، وَلَهُ (٢) لَفْظٌ وَاحِدٌ وَهُوَ (إِنَمَا) (٣)، وَذَلِكَ نَحْوُ (٤) قَوْلِهِ ﷺ : (إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) (٥)، فَظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْمُعَتَّقِ (٦) لَا وَلَاءَ لَهُ. وَقَدْ (٧) يَرِدُ مِثْلُ هَذَا اللَّفْظِ لِتَحْقِيقِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ لَا لِنَفْيِ
следующие страницы →