* ابن عبد البرِّ النَّمَرِيُّ (المتوفى سنة: ٤٦٣ هـ):
هو أبو عمر، يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمريُّ الأندلسي.
ولد ابن عبد البر بقرطبة سنة ٣٦٨ هـ، وتلقى العلم من كبار علماء عصره في مختلف مدن الأندلس، سمع من سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، وعبد الرحمن بن عبد الله بن خالد الوهراني، وأحمد بن قاسم البراز وغيرهم من فحول العلماء.
وما زال ابن عبد البر في طلب العلوم يجتهد حتى صار شيخ علماء الأندلس وكبير محدثيها في وقته وأحفظ من كان فيها للسنة. هكذا فاق من تقدمه وانتشر صيته في البلدان ورحل إليه من كل مكان. قال الباجي: (لم يكن بالأندلس مثل أبي عمر بن عبد البر في الحديث، وهو أحفظ أهل المغرب) (١).
حدث عنه: أبو محمد بن حزم، وأبو العباس بن دِلْهاث الدِّلالي، والحافظ أبو علي الغساني وغيرهم، وعند عودة أبي الوليد الباجي من المشرق روى كل
واحد منهما عن الآخر (٢).
ولابن عبد البر آثار علمية نافعة منها:
стр. 72
(التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد) (١) و (جامع بيان العلم وفضله) (٢) و (الاستيعاب في معرفة الأصحاب) (٣) و (الدُّرر في اختصارُ المغازي والسير) (٤).
هكذا بقي في التدريس والتأليف والتدوين حتى توفي بشاطبة سنة ٤٦٣ هـ بعد أن طال عمره وعلا سنده (٥).
* أبو بكر الخطيب البغدادي (المتوفى سنة ٤٦٣ هـ):
هو أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي البغدادي.
ولد سنة ٣٩٢ هـ ونشأ في بيئة دينية صالحة في قرية درزيجان بالعراق، وبدأ رحلته العلمية وهو صغير السن فسمع وهو ابن عشر سنة ورحل إلى البصرة.
ثم إلى نيسابور ثم إلى الشام فمكَّة وغيرها من البلدان. فتلقى العلم من فحول علماء عصره منهم: أبو الطيب الطبري وأبو إسحاق الشيرازي وأبو الحسين.
стр. 73
المحاملي وأبو نصر بن الصباغ وأبو عبد الله الصوري وأبو جعفر السمناني وغيرهم.
واستمر أبو بكر الخطيب في الطلب حتى عظم زاده فجمع المجد العلمي وبلغ ذروة السمو الفكري فكان متفوقًا في الحديث وعلومه حفظًا وإتقانًا وضبطًا، فضلًا عن كونه فقيهًا محققًا، ومؤرخًا ثقة وأديبًا بارعًا. قال عنه الذهبي: (كتب الكثير، وتقدم في هذا الشأن، وبَذَّ الأقران، وجمع وصنف وصحح، وعلَّل وجرَّح، وعدَّل وأرخ وأوضح، وصار أحفظ أهل عصره على الإطلاق) (١).
وقد لقي أبو الوليد الباجي أبا بكر الخطيب وروى كل منهما عن صاحبه وللخطيب البغدادي ثروة من المؤلفات تدل على غزارة علمه وتفوقه منها:
(الكفاية في علم الرواية) (٢) و (الفقيه والمتفقه) (٣) و (اقتضاء العلم العمل) (٤) و (تاريخ بغداد) (٥) وغيرها من التصانيف النافعة.
توفي ببغداد سنة ٤٦٣ هـ (٦).
***
стр. 74
الفقرة الثانية: تلاميذ أبي الوليد الباجي:
كانت الحلقات التي يلقيها أبو الوليد الباجي تستوعب عددًا كبيرًا من طلاب العلم فهي من أكبر حلقات الاستماع في الأندلس فضلًا عن تنقلات الباجي المتعددة عبر حواضر الأندلس وبين الأمصار، سهلت للعديد من الطلاب الذين لم تسمح لهم ظروف التنقل من الأخذ والرواية عنه من التحديث والمذاكرة.
ولا يسعنا في هذه الفقرة إلا الإشارة - صورة موجزة - إلى أهم تلاميذه الذين تفقهوا بمصاحبته وانتفعوا بعلمه وتأثروا به. فمن هؤلاء:
* ابنه أبو القاسم أحمد بن سليمان بن سعد بن أيوب بن وارث التجيبي (المتوفى سنة ٤٩٣ هـ) (١).
* أبو علي الحسين بن أحمد الغساني (٢)، (٣) الجياني (٤) الأندلسي:
ولد سنة ٤٢٧ هـ وكانت دراسته على شيوخ الأندلس، فأخد عن أبي الوليد الباجي وابن عبد البر وابن الحذاء وأبي عبد الله بن عتاب.
стр. 75
وعنه حدث القاضي عياض وأجازه، وأبو عبد الله بن فرحون، وأبو الحسن بن هذيل وغيرهم.
كان الجياني بارعًا في الحديث حتى صار إمام عصره إتقانًا وضبطًا، وكان له معرفة باللغة والإعراب والشعر والأنساب.
فمن مؤلفاته: (وتقييد المهمل وتمييز المشكل) وهو كتاب ما ائتلف خطه واختلف لفظه من أسماء رجال الصحيحين، وكتاب في أسماء رجال سنن أبي داود وكتاب في أسماء رجال سنن النسائي وغيرها من التصانيف. توفي الغساني سنة ٤٩٨ هـ) (١).
* أبو علي حسين بن محمد بن فيَّرة بن سكرة الصَّدَفي (٢) السرقسطيُّ (٣)، المعروف بابن سكرة:
ولد سنة ٤٥٢ هـ وأخذ عن أبي الوليد الباجي بسرقسطة وأبي محمد بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل، وأخذ عن شيخ المحدثين ببلنسية أبي العباس العذري، وبالمَرِيَّة من أبي عبد الله محمد بن سعدون القروي، وله رحلة إلى المشرق. أخذ العلم من كبار مشايخ مكة وبغداد ومصر وغيرها.
стр. 76
كان أبو علي الصدفي أحد العلماء البارزين في زمانه، برع في الحديث وطرقه ورجاله تعديلًا وتجريحًا وكان حافظًا ضابطًا متواضعًا زاهدًا ورعًا. ولي
القضاء بمرسية مكرهًا فترة ثم أعفي منه بعد اختفائه، وجلس للتعليم ونشره ومن تلاميذه الذين رووا عنه: القاضي عياض، وابن صابر، والقاضي محمد بن يحيى الزكوي وغيرهم، خلف أبو علي كتبًا نفيسة، وفي ملحمة قُتَنْدَة (١) استشهد سنة ٥١٤ هـ) (٢).
* أبو بكر محمد بن الوليد بن محمد بن خلف بن سليمان بن أيوب القرشي الفهري الطرطوشي (٣) يعرف في وقته بابن أبي رَنْدَقة (٤):
ولد بطرطوشة سنة ٤٥١ هـ، وبها درس الفرائض والحساب، ثم انتقل إلى إشبيلية فأخذ عن ابن حزم الأدب، وفي سرقسطة تفقه على يد أبي الوليد الباجي وأخذ عنه مسائل الخلاف وسمع منه وأجاز له.
رحل إلى المشرق وبدأ بالحجاز ثم العراق فالشام فمصر ونزل بالإسكدرية وأُخرج منها والتزم الفسطاط مضطهدًا من الحكام.
стр. 77
كان الطرطوشِي عالمًا بالفقه ومسائل الخلاف والأصول والفرائض والأدب، فضلًا عن كونه عاملًا زاهدًا ورعاَّ ديّنًا. وقد أخذ عنه، أبو الطاهر إسماعيل، وأبو بكر بن العربي، وعبد الرحمن الأصيلي والقاضي عياض وغيرهم.
له مؤلفات قيمة منها: (سراج الملوك) (١). (الحوادث والبدع) (٢) و (بر الوالدين) (٣) تعليقه في مسائل الخلاف وأصول الفقه.
توفي بالإسكندرية سنة ٥٢٠ هـ (٤).
* أبو بكر محمد بن حيدرة بن مُفَوَّز بن أحمد بن مفوز المعافري الشاطبي:
ولد سنة ٤٦٣ هـ، وسمع من عمه طاهر بن مفوَّز، وأبي مروان بن السارج، وأبي علي الجياني وخلفه في حلقته، وأجاز له الشيخ أبو عمرو الحذَّاء والقاضي أبو الوليد الباجي.
стр. 78
كان إمامًا عالمًا بالرجال والعلل حافظًا للحديث، فضلًا عن كونه أديبًا شاعرًا فصيحًا ونبيلًا له رد على ابن حزم، توفي سنة ٥٠٥ هـ (١).
* أبو بكر عبد الله بن محمد اليابريُّ الإشبيلي:
روى عن أبي الوليد الباجي، وأبو بكر بن أيوب، وأبو الحزم بن عليم، وابن مزاحم وغيرهم، ورحل للشرق فروى عن أبي بكر محمد بن زيدون.
وأخذ عنه أبو المظفر الشيباني، وأبو محمد العثماني وأبو الحجاج يوسف بن محمد القيرواني، وقرأ عليه الزمخشري بمكة (كتاب سيبويه).
كان إمامًا فقيهًا أصوليًا مفسرًا لغويًا متكلمًا نحويًا، له مؤلفات في الأصول والفقه منها: (شرح صدر رسالة أبي زيد، والمدخل)، و (سيف الإسلام على مذهب مالك الإمام) وردٌّ على ابن حزم.
استوطن مصر مدة وحجَّ ومات بمكة سنة ٥١٨ هـ (٢).
* أبو جعفر أحمد بن عليّ بن غزلون الأموي التطيلي (٣) الأندلسي:
روى عن أبي الوليد الباجي وهو معدود من كبار أصحابه. قال عنه
стр. 79
ابن بشكوال: (كان من أهل الحفظ والمعرفة والذكاء، وقد أخذ عنه أصحابنا، توفي بالعدوة في نحو ٥٢٠ هـ) (١).
* أبو عبد الله محمد بن أبي نصر بن فُتُوح بن عبد الله بن فتوح بن حميد الأزدي الحميدي الأندلسي:
ولد سنة ٤٢٠ هـ، وصاحب ابن حزم وتتلمذ عليه وعلى ابن عبد البر، وأبي الوليد الباجي ثم انتقل سنة ٤٤٨ هـ إلى المشرق واستوطن بغداد.
وأخذ عنه الحافظ أبو عامر العَبْدَري، ومحمد بن طَرْخان التركي، وصدِّيق بن عثمان التبريزي وغيرهم.
كان الحميدي إمامًا قدوة حافظًا محدثًا فقيهًا مؤرخًا، فصيح العبارة، متبحرًا في علم اللغة والأدب، فضلًا عن نزاهته وورعه.
صنَّف عدة كتب منها: كتب الجمع بين الصحيحين البخاري ومسلم، و (جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس) (٢) و (جُمل تايخ الإسلام) و (الذهب المسبوك في وعظ الملوك) وغيرها، وله شعر رصين في المواعظ والأمثال.
توفي سنة ٤٨٨ هـ وصلى عليه أبو بكر الشاشي (٣).
стр. 80
* أبو القاسم خلف بن سليمان بن خلف بن محمد بن فتحون الأُورِيُوليُّ (١) الأندلسي:
روى عن أبيه وأبي الوليد الباجي وأبي الحسن طاهر بن مُفَوَّز وغيرهم.
برع في الفقه وكان أديبًا وشاعرًا فاضلًا ديِّنًا. ولي قضاء (شاطبة) و (دانية) له كتاب في الشروط. وتوفي سنة ٥٠٥ هـ (٢).
* أبو محمد عبد الله بن إبراهيم بن جماح الكتامي السبتي (٣):
رحل إلى المشرق وحج سنة ٤٥٠ هـ، وكان من أهل الحفظ والمعرفة بالفقه وعلم التوحيد والاعتقاد، وكان أبو الوليد الباجي يستخلفه على تدريس،
أصحابه عند السفر. توفي سنة ٤٧٠ هـ (٤).
* أبو القاسم أحمد بن إبراهيم بن محمد المعروف بابن أبي ليلى المرسي (٥) الأندلسي:
ولد سنة ٤٤٩ هـ، وروى عن أبي العباس العذري، وأبي الوليد الباجي، وأبي الوليد هشام بن أحمد بن وضاح المرسي وغيرهم.
كان ابن أبي ليلى بصيرًا بالفتوى والأحكام وله دراية بعقد الشروط، ولي
стр. 81
قضاء (شِلْب) (١) وتوفي - وهو يؤدي مهامه القضائية - فجأة سنة ٥١٤ هـ (٢).
* أبو محمد عبد الله بن محمد بن دري التجيبي المعروف بالرِكْلِي (٣) الأندلسي:
روى عن أبي الوليد الباجي، وأبي مروان بن حيان، وأبي زيد عبد الرحمن بن سهل بن محمد وغيرهم.
كان أديبًا حافظًا متزهدًا قديم الطلب قال ابن بشكوال: (سمع منه أصحابنا ووثقوه وتوفي سنة ٥٠٣ هـ (٤).
* أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أحمد الخُشني (٥) المرسي، المعروف بابن أبي جعفر:
ولد سنة ٤٤٧ هـ وتفقه بقرطبة على أبي جعفر أحمد بن رِزق الفقيه، وسمع من أبي القاسم حاتم بن محمد وأبي الوليد الباجي وأبي عبد الله محمد بن سعدون القروي، وروى بطليطلة عن أبي المطرف عبد الرحمن بن محمد بن سلمة.
стр. 82
سافر إلى المشرق، وأدى فريضة الحج وسمع صحيح مسلم من أبي عبد الله الحسين بن عليّ الطبري.
كان ابن أبي جعفر فقيهًا مالكيًا مقدمًا في عصره، بصيرًا بالفتوى والأحكام حافظًا للحديث عارفًا بالتفسير ديِّنًا سخيًا معظَّمًا عند أهل بلده.
توفي بمَرْسيَّة سنة ٤٢٠ هـ (١).
* أبو عبد الله محمد بن عبد العزيز بن أبي الخير بن علي الأنصاري السرقسطي:
أخذ بقرطبة عن القاضي أبي الوليد الباجي واختص به، وعن القاضي أبي محمد بن فُورْتَش وعن أبي العباس العذري وغيرهم.
كان ابن أبي الخير عالمًا بالأصول والفروع، بصيرًا بالقراءات وطرقها، جميل العشرة كامل المروءة، كثير البرِّ بإخوانه وأصحابه.
أخذ عنه الحافظ أبو علي الغساني، والقاضي أبو عبد الله بن الحاج، وأبو القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال وغيرهم.
توفي سنة ٥١٨ هـ (٢).
* أبو بحر سفيان بن العاص بن أحمد بن العاص بن سفيان بن عسيِّ الأسدي المُرْبيْطَرِيُّ (٣) الأندلسي:
ولد سنة ٤٤٠ هـ وروى عن ابن عبد البر، وأبي العباس بن دِلهاث، وأبي العباس العذري، وأبي الوليد الباجي، ومحمد بن سعدون وغيرهم.
стр. 83
وروى عنه أبو الوليد بن الدباغ، وأبو بكر بن الجد الفقيه، وعبد الحق العبدري، وابن بشكوال وقال: (كان من جلة العلماء وكبار الأدباء، ضابطًا لكتبه، صدوقًا في روايته، حسن الخط، جيد التقييد، من أهل الرواية والدراية، سمع الناس منه كثيرًا) (١).
توفي سنة ٥٢٠ هـ (٢).
* أبو بكر يحيى بن محمد بن دُرَيْد الأسدي، قاضي مدينة بَسْطَة من أعمال جيَّان (٣):
روى عن أبي الوليد الباجي، وكان من أهل المعرفة والتحقيق بالآداب واللغات، ديِّنًا فاضلًا، ومن جملة ما رواه عن أبي الوليد الباجي قراءة عليه كتاب
الجامع الصحيح بسنده إلى الإمام البخاري (٤).
* أبو داود سليمان بن أبي القاسم نجاح مولى صاحب الأندلس المؤيد بالله هشام بن الحكم:
ولد سنة ٤١٣ هـ، لازم أبا عمرو الداني، وأخذ عن أبي عمر بن عبد البر، وابن دِلهاث وأبي شاكر الخطيب، وأبي الوليد الباجي وغيرهم.
وقد وصفه ابن بشكوال بقوله: (كان من أجلة المقربين وعلمائهم وفضلائهم
стр. 84
وخيارهم، عالمًا بالقراءات وطُرقها، حسن الضبط لها، وكان دينًا فاضلًا ثقة فيما رواه) (١).
له مؤلفات كثيرة نافعة منها: (البيان في علوم القرآن) و (التبيين لِهِجاء التنزيل) و (الصلاة الوسطى) و (الاعتماد) وغيرها.
توفي سنة ٤٩٦ هـ (٢).
هذا ولا يخفى أن الذين انتفعوا بعلمه واستفادوا بملازمته من تلاميذه الرواة الدارسين عليه أضعاف ما ذكرنا فما هذا إلا قليل من كثير وغيض من فيض بالمقارنة مع مجالسه العلمية العامرة في مختلف حواضر الأندلس.
***
стр. 85
المبحث الثاني
شخصية أبي الوليد الباجي ونشاطه العام
ابتدأ أبو الوليد الباجي حياته الفكرية بالأدب فبرز في ميادينه، وانتهى تحصيله بعلوم الديانة، كما جعل خاتمة أمره ومنتهى طوافه السفارة السياسية الإصلاحية بين ملوك الطوائف جمعًا لكلمة المسلمين ولمًّا لشملهم وعليه نشرع في دراسة شخصية الباجي الأدبية في المطلب الأول ثم نتعرض إلى نشاطه العام ومساعيه السياسية الإصلاحية في المطلب الثاني.
المطلب الأول
شخصية أبي الوليد الباجي الأدبية
بعد تعرضنا لمساعي أبي الوليد الباجي العلمية ومراحل طلبه للعلم الشرعي، فقد ارتأينا أن نَدَع مجالًا لدراسة شخصية الباجي كأديب شاعر وناثر في
الفرع الأول ثم نتعرف على شهادات فحول العلماء المبيَّنة لمنزلته العلمية والأدبية في الفرع الثاني.
الفرع الأول: شعر أبي الوليد الباجي ونثره:
رغب أبو الوليد الباجي في الشعر والنثر وولع بهما، لذلك اهتم منذ نشأته بقراءة الأدب شعرًا ونثرًا وجعله أحد محاور عنايته، فحفظ دواوين الشعر، وجمع
стр. 86
روايته وفنونه، وساعده في ذلك الرعاية العائلية المحيطة به تحت إشراف خاله وشيخه أبي شاكر (١) أحد الخطباء والشعراء المشهورين بالأندلس فأحسن توجيهه وتعليمه ولا زال كذلك حتى ملك بناصية الشعر وبرع فيه واشتهر في الآفاق منذ شبابه، فكان لا يمر ببلد في رحلته المشرقية إلا ويجد الحديث في نظمه ونثره، حتى احتاج في سفره إلى القصد بشعره (٢). قال ابن بسام: ( ... بدأ في الأدب فبرز في ميادينه، واستظهر أكثر دواوينه، وحمل لواء منثوره وموزونه، وجعل الشعر بضاعته فوصل له الأسبابَ بالأسباب، ونال به مأكل القُحَم الرغاب، حتى جُنَّ الإحسان بذكره وغنَّى الزمان بغرائب شعره، واستغنتْ مصرُ والقيروان بِخَبَرِهِ عن خُبْرِهِ ... فما حلَّ بلدًا إلا وجده ملآن بذكره، نشوانَ من قَهْوَتَيْ نظمه ونثره) (٣).
وشاعرية أبي الوليد الباجي متفق عليها عند علماء التراجم، فقد كان شاعرًا مطبوعًا جيد العبارة، حسن النظم، فشعره هادف يعمل على خدمة أغراض بناءة بمعان في عقود براقة مصروفة عن الإسفاف والهذر، وجملة أبياته وأشعاره تدل على ذوقه الأدبي ونبوغه الشعري، قال ابن خاقان: (وكان له نظم يوقفه على ذاته، ولا يصرفه في رفث القول وبذاذاته) (٤).
وقد جمع ابنه أبو القاسم أحمد شعر أبيه (٥) ولم يصلنا منه سوى ما أوردته الكتب التي تناولت ترجمته، لذلك سنعرض بعض صور شعره الرصين في الفقرة الأولى ونثره الأدبي الرفيع في الفقرة الثانية.
стр. 87
الفقرة الأولى: صور من شعر أبي الوليد الباجي:
سنتناول نموذجًا من شعره الرصين في أغراض شعرية مختلفة التي تنبئ عن خياله الخصب وشاعريته الرقيقة ومعاناته القاسية وتجربته الحية.
فمن ذلك قوله في الزهد:
تَبَلَّغْ إِلَى الدُّنْيَا بِأَيْسَرِ زَادِ ... فَإِنَّكَ عَنْهَا رَاحِلٌ لِمَعَادِ
وغُضَّ عَنِ الدُّنْيَا وزُخْرُفِ أَهْلِهَا ... جُفُونَكَ وَاكْحُلْهَا بِطُولِ سُهَادِ
وجَاهِدْ عَنِ اللَّذَاتِ نَفْسَكَ جَاهِدًا ... فَإِنَّ جِهَادَ النَّفْسِ خَيْرُ جِهَادِ
فَمَا هَذِهِ الدُّنْيَا بِدَارِ إِقَامَةٍ ... فَيُعْتَدَّ مِنْ أَغْرَاضِهَا بِعَتَادِ
وَمَا هِيَ إِلَّا دَارُ لَهْوٍ وفِتْنَةٍ ... وإِنَّ قُصَارَى أَهْلِهَا لِنَفَادِ (١)
***
إِذَا كُنْتُ أَعْلَمُ عِلْمًا يَقِينًا (٢) ... بِأَنَّ جَمِيعَ حَيَاتِي كَسَاعَهْ
فَلِمْ لَا أَكُونُ ضَنِينًا بِهَا ... وَأَجْعَلُهَا (٣) في صَلَاحٍ وطَاعَهْ (٤)
***
وقوله في صفة قلم:
وأَسْمَرُ يَنْطُقُ في مَشْيِهِ ... ويَسْكُتُ مَهْمَا أَمَرَّ القَدَمْ
عَلَى سَاحَةٍ لَيْلُهَا مُشْرِقٌ ... مُنِيرٌ وأَبْيَضُهَا مُدْلَهِمُ
وشَبَّهْتُهَا بِبَيَاضِ المَشِيبِ ... يُخَالِطُ نُورَ سَوَادِ اللَّمَمْ (١)
***
قوله في فساد الطبائع والأخلاق:
مَضَى زَمَنُ المَكَارِمِ والْكِرَامِ ... سَقَاهُ اللهُ مِنْ صَوْبِ الْغَمَامِ
وَكَانَ الْبِرُّ فِعْلًا دُونَ قَوْلٍ ... فَصَارَ الْبِرُّ نُطْقًا بِالكَلَامِ (٢)
***
وللباجي قصائد في الرثاء تعرضنا لها (٣)، وفي أوصاف شتى أخرى.
الفقرة الثانية: صور من نثر أبي الوليد الباجي:
لأبي الوليد الباجي نثر أدبي رفيع يتجلى في مراسلاته ومناظراته ووصياه، وسنختار مجموعة من المقتطفات المأخوذة من رسالته في الرد على الراهب الفرنسي (٤) أولًا، ومن وصيته إلى ولديه ثانيًا:
стр. 92
أولًا: مقتطفات من نثر أبي الوليد الباجي:
من رسالته: (الرد على راهب فرنسا):
منها قوله: ( ... وننذرك فيما لم يبلغك علمه، ولم يتحقق لديك حكمه، ونبالغ في الرفق بك، والتبيين لك، على منهج الخطب والرسائل، لا على طريق البراهين والدلائل، مساعدة لك على مذهبك في كتابك، وموافقة لك في مقصودك، فعسى أن يكون أقرب إلى استحالتك، وأبلغ في معارضتك ومعالجتك) ... ومنه: ( ... وأما من نظر في شيء من أبواب العلم، وأيد باعتبار فهم، فعلامات الحدوث أوضح، ودلائلها أصح، من أن تخفى أو تشكل، أو يمتري في أمرها من له من العلم أدنى محل).
ومنه: ( ... وإن الله تعالى جعل الدنيا دار تكليف، وفتنة ومحنة، ليبلونا أينا أحسن عملًا، وجعل الآخرة دار ثواب وعقاب، ليثيب المؤمنين المحسنين، ويعذب الكافرين المشركين، وجعل من أسباب الفتنة إبليس اللمعين، وبعث النبيين يهدون إلى صراط مستقيم، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، فهدى بالنبيين من شاء بفضله، وخذل بإبليس من شاء بعدله).
ومنه: ( ... فاعتبر أيها الراهب ضعف ما أنت عليه، وفضل ما ندعوك إليه، فعسى أن يوفقك الله ويهديك، فتصير بعلم الله بكونك من جملتنا، وفيئتك إلى علتنا، فقد بلغنا من إرادتك للخير، ورغبتك فيه، وحرصك عليه، ما حرصنا به على إرشادك وهدايتك، ورجونا سرعة انقيادك وإثابتك، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت).
ومنه: (وإن أبيت إلا الاستكبار، والعتو والإصرار، والغلو والإلحاد والطغيان، والعناد والعصيان، فإنك لن تعجز ربك، ولن تنجو من ذنبك، وذنوب من اتبع وضل بك).
ومنه أخيرًا: (والله نسأل أن يهديك، ويهدي بك من قبلك، فتفوز
стр. 93
بأجورهم، وتكون سببًا إلى استنقاذهم، فأنت فيما بلغنا مطاع فيهم، والسلام على من اتبع الهدى).
ثانيًا: مقتطفات من نثر أبي الوليد الباجي:
من وصية لولديه (١):
قال الباجي في وصيته القيمة لولديه عند بلوغهما سن الإدراك والفهم: ( ... والعلم سبيل لا يفضي بصاحبه إلا إلى السعادة، ولا يقصر به عن درجة
الرفعة والكرامة، قليله ينفع، وكثيره يعلي ويرفع، كنز يزكو على كل حال، ويكثر مع الإنفاق ولا يغصبه غاصب، ولا يخاف عليه سارق ولا محارب، فاجتهدا في طلبه، واستعذبا التعب في حفظه، والسهر في درسه، والنصب الطويل في جمعه، وواظبا على تقييده وروايته، ثم انتقلا إلى فهمه ودرايته، وانظرا أي حالة من أحوال طبقات الناس تختاران، ومنزلة أي صنف منهم تؤثران، هل تريان أحدًا أرفع حالًا من العلماء، وأفضل منزلة من الفقهاء؟ يحتاج إليهم الرئيس والمرءوس، ويقتدي بهم الوضيع والنفيس، ويرجع إلى أقوالهم في أمور الدنيا وأحكامها، وصحة عقودها ومبايعاتها، وغير ذلك من تصرفاتها، وإليهم يلجأ في أمور الدين، وما يلزم من صلاة وزكاة وصيام، وحلال وحرام، ثم مع ذلك السلامة من التبعات، والحظوة عند جميع الطبقات.
والعلم ولاية لا يعزل عنها صاحبها، ولا يعرى من جمالها لابسها، وكل ذي ولاية وإن جلت، أو حرمة وإن عظمت، إذ خرج عن ولايته، أو زال عن بلدته، أصبح من جاهه عاريًا، ومن حاله عاطلًا، غير صاحب العلم، فإن جاهه يصحبه حيث سار، ويتقدمه إلى جميع الآفاق والأقطار، ويبقى بعده في سائر الأعصار).
ومنه قوله: ( ... ولا يرغب أحدكما في أن يكون أرفع الناس درجة، وأتمهم جاهًا وأعلاهم منزلة، فإن تلك الحال لا يسلم صاحبها، ودرجة لا يثبت
стр. 94
من احتلها، وأسلم الطبقات الطبقة المتوسطة، لا تهتضم من دعة، ولا ترمق من رفعة، ومن عيب الدرجة العليا أن صاحبها لا يرجو المزيد ولكنه يخاف النقص، والدرجة الوسطى يرجو الازدياد، وبينهما وبين المخاوف حجاب، فاجعلا بين أيديكما درجة يشتغل بها الحسود عنكما، ويرجوها الصديق لكما).
الفرع الثاني: منزلة أبي الوليد الباجي بين علماء عصره:
يعد أبو الوليد الباجي من أقطاب المعرفة، وفحول العلماء، وأعلام الصلاح والتقوى، فكان مثالًا جليًّا للحركة العلمية المزدهرة في عصره، وقد أجمع أهل عصره على جلال قدره علمًا وفطنة ودينًا وفضلًا وخلقًا.
وقد رأينا بيانًا لرقي مرتبة الباجي وإظهارًا لسمو منزلته بين أهل العلم والفضل في القرن الخامس الهجري، الإدلاء بشهادات أطلقها أقرانه وتلاميذه.
وفحول العلماء بالثناء على شخصيته العلمية.
وتتمثل شهادات العلماء فيما يلي:
- قول أبي محمد علي بن حزم الظاهري (١):
(لم يكن لأصحاب المذهب المالكي بعد القاضي عبد الوهاب (٢) مثل أبي الوليد الباجي (٣). (٤)
стр. 95
- ما كتبه الوزير الأديب أبو محمد بن عبد البر (١) عن مجاهد العامري أمير (دانية) إلى المظفّر (بيطليوس) حيث يصفه بقوله:
( ... والفقيه الحافظ أبو الوليد الباجي غَذِيُّ نعمتِك، ونشأةُ دولتك، هو من آحاد عصره في علمه، وأفراد دهره في فهمه، وما حصل أحد من علماء
الأندلس متفقهًا على مثل حَظِّه وقسمه، وقد تقدَّم له بالمشرق صيتٌ وذِكرٌ، وحصل بجزيرتنا ولك فيه جمالٌ وفخرٌ، فإنه إليك تنعطفُ أسبابه، وعليك تلتقي وتلتفُّ آرابه، لكن شددت عليه يدي، وجعلته عَلَمَ بلدي، يُشاوَرُ في الأحكام، ويهتدى إليه في الحلال والحرام، فقد ساهمتك به، وشاركتك فيه، كما تساهمنا وتشاركنا في الأحوال السلطانية، والأمور الدنياوية) (٢).
- ما جاء عن تلميذه القاضي أبي عليّ الصَّدفي (٣) في حق شيخه:
(ما رأيت مثل أبي الوليد الباجي، وما رأيت أحدًا على سمته وهيئته، وتوقير مجلسه، ولما كنت ببغداد قَدِم ولده أبو القاسم أحمد، فسِرتُ معه إلى شيخنا قاضي القضاة الشامي، فقلت له: أدام الله عزك، هذا ابن شيخ الأندلس، فقال: لعله ابن الباجي؟ قلتُ: نعم. فأقبل عليه) (٤). وقال: (هو أحد أئمة المسلمين) (٥).
стр. 96
- وقال عنه الأمير الحافظ أبو نصر بن ماكولا (١) ما يلي:
(وذو الوَزارتين القاضي الإمام أبو الوليد سليمان بن خلف بن أيوب الباجي من باجة الأندلس، متكلم فقيه أديب شاعر، ... ورجع إلى الأندلس فروى، ودرس وألَّف، فقرأت عليه كتاب التمييز لمسلم عن أبي ذر الهروي، وحضرت مجالسه، وكان جليلًا، رفيع القدر والخطر) (٢).
- ما جاء عن أبي بكر بن العربي عند ذكره لقاصمة في حكاية سبب الخبال والفتنة التي انتشرت في ربوع الأندلس من جراء التقليد المطلق وما نتج
عنه من جمود فكري وتعصب مذهبي، حيث يقول:
( ... وكان سبب ذلك أن الفتن لما ضربت رواقها، وتقاتلت العباسية والأموية، وبعدت أقطار الإسلام، وتعذر ضبطها بالنظام، وانتشرت الرعية، نفذ
إلى هذه البلاد بعض الأموية ... فألزموا الناس العمل بمذهب مالك، والقراءة على رواية نافع، ولم يمكنهم من النظر والتخيير في مقتضى الأدلة ... واستمرت القرون على موت العلم وظهور الجهل، فكل من تخصص لم يقدر على أكثر من أن يتعلق ببدعة الظاهر ... ثم حدثت حوادث لم يلقوها في منصوص المالكية فنظروا
стр. 97
فيها بغير علم فتاهوا، وجعل الخلف منهم يتبع السلف، حتى آلت الحال ألا ينظر إلى قول مالك، وكبراء أصحابه، ويقال: قد قال في هذه المسألة أهل
قرطبة، وأهل طلمنكة ... وحدثت قاصمة أخرى تعلم العلم ... ولولا أن طائفة نفرت إلى دار العلم، وجاءت بلباب منه، كالأصيلي والباجي، فرشت من ماء العلم على القلوب المجة، وعطرت أنفاس الأمة الوفرة لكان الدين قد ذهب ... ولكن تدارك الباري بقدرته ضرر هؤلاء بنفع أولائك) (١).
- ووصفه الفتح بن خاقان بقوله:
(بدر العلوم اللائح، وقطرها الغادي الرائح، وثبيرها الذي لا يُزحم، ومنيرها الذي يتجلى به ليلها الأسحم، كان إمام الأندلس الذي تقتبس أنواره، وتنتجع أنجاده وأغواره) (٢).
- وفي وفيات الأعيان قال ابن خلكان:
( ... كان من علماء الأندلس وحفاظها) (٣).
- وقال الضَّبي:
(فقيه محدث، إمام متقدم، مشهور عالم، متكلم) (٤).
- وجاء في ترتيب المدارك وصفًا لمكانة الباجي العلمية، حيث يقول القاضي عياض ما يلي:
(كان أبو الوليد ﵀، فقيهًا نظَّارًا محققًا، راوية محدثًا، يفهم صيغة الحديث ورجاله، متكلمًا أصوليًا، فصيحًا شاعرًا مطبوعًا، حسن التأليف، متقن
المعارف، له في هذه الأنواع تصانيف مشهورة جليلة، ولكن أبلغ ما كان فيها
стр. 98
الفقه وإتقانه، على طريق النظار من البغداديين وحذّاق القرويين، والقيام بالمعنى والتأويل، وكان وقورًا بهيًّا مهيبًا، جيِّد القريحة حسن الشارة) (١).
- منها ما جاء عن الفقيه محمد بن أحمد اللخمي (٢) في معرض تصويب رأي أبي الوليد الباجي في مسألة إجازته الكتابة على النبي الأمي حيث يقول في خطابه:
(ولا يجوز أن يؤذى إمام من أئمة المسلمين، معروف خيره وفضله، وصحة مذهبه، وعلمه بالفقه والكلام) (٣).
المطلب الثاني
النشاط العام لأبي الوليد الباجي
بعد عودة أبي الوليد الباجي من رحلته المشرقية قام بعدَّة أنشطة علمية تمثلت في دروسه العامة وحلقاته التوجيهية الخاصة التي ألقاها في مختلف مدن
وحواضر الأندلس من خلال تنقلاته المتكررة لنشر العلم وبث المعرفة، وقد تعرضنا لصور من هذه الأنشطة عند ذكر تلاميذ الباجي، وهاهنا نحاول التعرف على نشاطه العام وما جرى بينه وبين بعض أقرانه من مناظرات في الفرع الأول، وصلة الحكام به وتوليته للقضاء، والجهود التي استفرغها في سبيل توحيد كلمة ملوك الطوائف ولمِّ شملهم في الفرع الثاني.
стр. 99
الفرع الأول: نشاط أبي الوليد الباجي العام ومناظراته العلمية:
سنتعرض إلى الأعمال الصناعية واليدوية التي مارسها أبو الوليد الباجي ضمن أنشطته العامة في الفقرة الأولى ثم نتناول المناظرات العلمية التي أجراها
بالأندلس بعد ذيوع صيته في الفقرة الثانية.
الفقرة الأولى: نشاط أبي الوليد الباجي العام:
بعد رحلة علمية دامت ثلاث عشرة سنة إلى المشرق، حنت نفس أبي الوليد الباجي للرجوع إلى الأندلس وأهلها، وكان عند دخوله إلى موطنه في حالة مالية ضيِّقة، اضطرته هذه الوضعية الخانقة إلى الكسب من عمل يده، حيث كان يتردد بين حواضر الجهة الشرقية من الأندلس (سرقسطة) و (بلنسية) و (دانية) مشتغلًا بضرب ودق الذهب للغزل والإنزال، وكان يخرج تارة لتلاميذه للقراءة وعليه أثر المطرقة وصدأ العمل (١)، ولذلك لُقِّب ب (الذهبي).
كما أن هذه الحالة اضطرته أيضًا إلى الاشتغال بعقد الوثائق لتحصيل نفقة ما يسد حاجياته، وينهض بتحقيق متطلبات المعيشة، واستمر الوضع على هذه الحال مدة تربو عن سنتين، قضى فيها أيامه وهو يصارع الحياة بحيويَّة قوية ونشاط دؤوب يجمع فيها بين التعليم والعمل إلى أن انتشر علمه، وذاع صيته وعُرف جلاله وقدره، فانتدبه العلماء لمناظرة ابن حزم في ظاهرياته، كما جرت مناظرة أخرى بالأندلس مع بعض علماء عصره في مسألة إجازة الكتابة على رسول الله ﷺ النبي الأميّ.
الفقرة الثانية: مناظرات أبي الوليد الباجي العلمية:
سنقتصر على أهم مناظرات أبي الوليد الباجي بعد عودته من المشرق المتمثلة فيما يلي:
стр. 100
أولًا: مناظرة أبي الولد الباجي لابن حزم الظاهري:
قدم أبو الوليد الباجي إلى موطنه بالأندلس وعنده زاد كافٍ في علم الجدل وآدابه وعلم الشريعة والأصول والعقليات، فضلًا عما كان يتمتع به من قدرات فكرية عالية تؤهله للدخول في مناظرات علمية تكشف للناس الحق وتساعدهم على فهم الحقيقة، وكان الباجي أثناء تنقلاته قد خاض العديد من المجادلات العلمية مع خصوم له سواء في (مرسية) مع أبي حفص عمر بن حسين الهوزني كبير فقهاء إشبيلية (١)، أو (بالدانية) أو (ميورقة) وغيرها من مدن الأندلس، فأقام عليهم الحجة، وأثبت البينة وعزَّزَ الدليل بما حباه الله من إمكانيات فكرية وعلمية تساعده على ذلك، فاكتسب سمعة كبيرة بين العلماء ورجال العلم، الأمر الذي دعاهم إلى الإلحاح عليه لمقابلة أبي محمد ابن حزم (٢) الذي لمع نجمه بالأندلس، عرف فضله وتفوقه العلمي، لما كان يتمتع به من غزارة علم، وقوة ذاكرة، وكثرة إنتاج فكريٍّ في مختلف العلوم والفنون مع تشنيعه على الأئمة وأهل الفضل، فأفرط في القول بظاهر النصوص، وأنكر القياس وتعليل الأحكام وغيرها من ظاهريات أشاعها في ربوع الأندلس، وحصَّنها بقوة بيانه وحماها بحدَّة لسانه، ولم يكن يقوم أحد بمناظرته لجهلهم بعلم الجدل والمناظرة فاستهوى قلوب الناس وأخذ عقولهم، فاغتر بأقواله العامة، وسلَّم الكلام له الخاصة على اعترافهم بتخليطه (٣).
ولما انتدب العلماء أبا الوليد لمناظرته، لبَّى الدعوة وقبلها بعدما عرف من أحواله الكثير، إرادةً منه أن تكون هذه المناظرة سبيلًا لوقف انتشار المذهب الظاهري، ورغبة في ردِّ الاعتبار للأئمة الفضلاء الذين كانوا غَرَضًا للسان ابن حزم.
стр. 101
وهكذا التقى الرجلان بمَيُورْقة (١) سنة ٤٣٩ هـ بحضرة الوالي أبي العباس أحمد بن رشيق الكاتب (٢)، وتحت رعايته جرت بينهما مناظرة في موضوعات متفرقة أصولية بصورة خاصة، تصب في مسألة نفي القياس وإبطال الرأي وتعليل الأحكام وما يترتب عن هذه القضايا من فروع فقهية (٣)، وحسب جمهور المترجمين والمؤرخين أن ابن حزم خرج من هذا المجلس مغلوبًا بالحجج والبراهين التي أقامها الباجي وجادل بها خصمه وظهر تفوقه بارزًا (٤)، وفي هذا السياق يقول القاضي عياض: (فجرت له معه مجالس كانت سبب فضيحة ابن حزم وخروجه من ميورقة، وقد كان رأس أهلها، ثم لم يزل أمره في سفال فيما بعد) (٥)، وكان من نتائج هذه المناظرة مغادرة ابن حزم لميورقة (٦)، وقدوم المعتضد بن عباد على إحراق كتبه بإشبيلية (٧)، وفي هذا المضمون يقول أبو محمد ابن حزم:
دَعُونِيَ مِنْ إِحْرَاقِ رَقٍّ وكَاغِدٍ ... وقُولُوا بِعِلْمٍ كَيْ يَرَى النَّاسُ مَنْ يَدْرِي
فَإِنْ تَحْرِقُوا الْقِرْطَاسَ لَا تَحْرِقُوا الَّذِي ... تَضَمَّنَهُ الْقِرِطَاسُ، بَلْ هُوَ في صَدْرِي
стр. 102
يَسِيرُ مَعِي حَيْثُ اسْتَقَلَّتْ رَكَائِبِي ... ويَنْزِلُ إِنْ أَنْزِلْ ويُدْفَنُ في قَبْرِي (١)
والحقيقة أن هذه المناظرة العلمية على الرغم من فوائدها فإن المؤرخين لم يشيروا إلى الموضوعات والقضايا محل المناقشة، بل أحالوا إلى كتاب (فرق
الفقهاء) لأبي الوليد الباجي الذي لم يصل إلينا لذلك يتعذر الكشف عن وجوه المناظرة والظاهر منها بحجة (٢).
هذا ويستبعد أبو زهرة هزيمة ابن حزم حيث يقول:
(ولقد خرج ابن حزم من ميورقة من غير أن يكون مغلوبًا في حجاج، ولكن لأنه فقد النصير المؤيد، ولم يعد الانتصار للحجة والبراهين، بل صار لمن هو أكثر عددًا وأعز نفرًا.
وقد كان الذي يأخذونه عليه أنه يخالف المذهب المالكي، ويشن عليه الغارة، ويضرب بأقوال جمهور الفقهاء الذين يتخذون الرأي منهاجًا فقهيًّا عرض الحائط في عنف وقوة، لأنه لا يعتمد إلا على النصوص، ويحسب في ظنه أنها وحدها الفقه، ولا فقه غيرها، وأنه ليس للعقل أن يخوض إلا في فهمها، فإن خاض فيما وراءها فإنه لا يمكن أن يكون ما يأتي به من الأحكام الشرعية) (٣).
ويقوِّي ذلك أن بعض صور المناظرة التي يرويها المَقَّرِي، وإن كانت متعلقة بمسائل شخصية، إلا أن الظاهر منها أن ابن حزم ليس بالسهل المغلوب، قال: (ولما ناظر ابن حزم قال له الباجي: أنا أعظم منك همَّة في طلب العلم، لأنك طلبته وأنت معان عليه، تسهر بمشكاة الذهب، وطلبتُه وأنا أسهر بقنديل بائتِ السوقِ، فقال ابن حزم: هذا الكلام عليك لا لك، لأنك إنما طلبتَ العلم
стр. 103
وأنت في تلك الحال رجاء تبديلها بمثل حالي، وأنا طلبته في حين ما تعلمه وما ذكرته، فلم أرجُ به إلا علوّ القدر العلمي في الدنيا والآخرة، فأفحمه) (١).
وحاصل ما سبق أنه يتعذر علينا الحكم بتفوق أحد العَلَمين في مقابلتهما ما دمنا لم نطَّلع على مضمون المناظرة ومحتواها العلمي سوى ما ساقه المؤرخون من نسبة الهزيمة لابن حزم والانتصار للباجي، هذا وبغضِّ النظر عن المتفوق منهما فإن ابن حزم لم يفقد إنصافه اتجاه الباجي، بل نعته بما هو أهله على نحو ما تقدم (٢). قال ابن بسام: (وقد ناظره بميورقة ففلَّ من غَرْبِه، وسبَّب إحراق كتبه، ولكن أبا محمد وإن كان اعتقد خلافه فلم يطَّرح إنصافه، أو حاول الرَّد عليه، فلم ينسب التقصير إليه) (٣).
ثانيًا: مناظرة أبي الوليد الباجي لبعض علماء عصره:
يرجع سبب هذه المناظرة إلى أن أبا الوليد الباجي قرئ عليه - وهو ب (دانية) (٤) - حديث المقاضاة في صلح الحديبية الذي أخرجه البخاري من حديث البراء بن عازب ﵁ قال: (لما اعتمر النبي ﷺ في ذي القعدة، فأبى أهل مكة أن يَدَعوه يدخلُ مكةَ حتى قاضاهم على أن يُقيم بها ثلاثة أيام، فلما كتبوا الكتابَ، كتبوا: هذا ما قاضى عليه محمَّدٌ رسول الله، قالوا: لا نقرُّ لك بهذا، لو نعلمُ أنكَ رسولُ الله ما مَنَعناك شيئًا، ولكن أنتَ محمَّدُ بن عبد الله، فقال: أنا رسولُ الله، وأنا محمد بن عبد الله، ثمَّ قال لعليّ: امحُ رسولَ الله، قال عليّ: لا والله لا أمحوك أبدًا، فأخذ رسولُ الله ﷺ الكتاب - وليس يُحسِنُ يكتب - فكتب: هذا ما قاضى عليه محمدُ بن عبد الله ... ) (٥).
стр. 104
وكان أبو الوليد الباجي يقول بظاهر لفظ الحديث بأنَّ النبي ﷺ كتب بيده: (هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله ... )، الأمر الذي أثار استياء علماء وفقهاء مدينة (دانية) وعلى رأسهم أبو بكر بن الصائغ (١)، فأنكروا إجازته الكتابة على النبي الأمي، وكفَّروه بتكذيب القرآن الكريم، فهوَّلوا أمره، وأخذت هذه المسألة طابع الفتنة، وقبَّحوا عند العامة ما أتى به، ورموه بإرادته التمييز عن غيره قصد الإكرام والعطاء تملُّقًا للولاة والأمراء، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك حيث أجازوا لأنفسهم إطلاق اللمعنة عليه والتَّبرُؤ منه كما يظهر ذلك جليًّا في أشعارهم التي تناولها بعض خطبائهم في الجُمع وفوق المنابر، تشنيعًا به، حيث يقول عبد الله بن هند الشاعر:
بَرِئْتُ مِمَّنْ شَرَى دُنْيَا بِآخِرَةٍ ... وقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ قَدْ كَتَبَا (٢)
وإثر ذلك قام الناس بشكايته إلى أمير دانية، حيث جَمَعَ هذا الأخير في مجلسه الخصم المخالف المشكل من فقهاء إمارته بأبي الوليد الباجي لإقامة مناظرة علمية حول هذا الموضوع ليتبيَّن الأمر ويستظهر الحق ويطلع على أدلة كل فريق فاحتجوا عليه بقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (٣).
على أن النبي ﷺ كان أُمِّيًّا لا يكتب ولا يقرأ ولا يحسب (٤)، إذ لو كان ممن يقرأ كتابًا، ويخط حروفًا لارتاب المبطلون من أهل الكتاب لأن في كتبهم
стр. 105
أنه أميٌّ لا يكتب ولا يقرأ، كما احتجوا عليه بما رواه عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: (إِنا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ) (١)، ووجهه أن المراد أهل الإسلام الذين بحضرته عند تلك المقابلة بما فيهم النبي ﷺ (٢). وعليه فإن أي قول يعارض صريح الآية والحديث يجب تأويل ظاهره، والمتمسك بظاهر النصوص في الرواية معرض للزندقة والتكفير.
واستظهر أبو الوليد الباجي للأمير بقوله: لا منافاة ولا تعارض بين ما ذكره القرآن الكريم وما قررته من إجازة كتابة النبي الأميّ، انطلاقًا من مفهوم الآية السابقة، ذلك لأن الله تعالى نفى عنه التلاوة والكتابة بما قبل نزول القرآن الكريم وتقيَّد النفي بذلك، وأما بعد تحقُّقِ أميَّته، وتقرُّرِ معجزته، وأمن ارتياب أهل الكتاب، فليس فيه ما يحول دون معرفته الكتابة من غير تعليم أو معلِّم، فتصير عند ذلك معجزة ثانية (٣)، فأفحمهم بما كان يتمتع به من معرفة بأحكام الكتاب والسنة، وإنزال الأصول والأدلة منازلها.
وللوقوف على أن الأخذ بظاهر الحديث غير قادح في أمِّيَّة النبي ﷺ ، بل زيادة في معجزاته، استحسن أمير (دانية) إرسال هذه المسألة إلى جماعة من علماء الأمصار ليطلع على رأيهم ويتعرف على المزيد فيها، وذلك تلبية لرغبة أبي الوليد الباجي لاستظهار صدقه وصحة قوله، وجاءت موافقات العلماء لرأي أبي الوليد الباجي وتصويباتهم لنظره وتأويله، كما كانت أجوبتهم تحمل في طياتها ثناء عليه وإقرارًا بفضله وعلمه، فضلًا عن تقريع من لم يَعِ ما ذهب إليه، وتشنيعٍ لخصمه من معاصريه.
стр. 106
ومن نماذج هذه الموافقات والتصويبات ما يأتي:
- ما جاء عن الحسن بن علي التميمي المصري:
(وقفت على ما كتبه الفقيه الأجل شيخنا وكبيرنا الذي نفزع إليه في المشكلات، ونعتمد عليه فيما دهمنا من أمور الناس، ومعرفة توحيد خالقنا وصفاته التي بان بها عن جميع المخلوقات، وأدام الله للمسلمين توفيقه وتسديده، وما منَّ به عليهم منه من البصيرة والهداية من خطأ المخطئين، وعمى العامين، فلو نهضوا نحو الفقيه القاضي ليتعلموا منه أوائل المفترضات ومعرفة خالقهم، وما خص به جميع أهل السنة والإيمان لكان بهم أحرى) (١).
- وقال جعفر بن عبد الجبار:
(وما يستبدع ذلك من مثله لما وهبه الله من الفهم، وكيف لا يكون كذلك، وقد ارتحل إلى العراق، فقرأ على شيوخ أجلة من أئمة السنة) (٢).
- وقال فيه عبد الله بن حسين البصري:
(والفقيه القاضي قد انتشرت إمامته، واشتهرت عدالته، فلو سأل من حاول الرد والتضليل للفقيه القاضي من قدم من شرق وغرب لشهد الكل بإمامته وحفظه للحديث، ومعرفته للصحيح منه والسقيم، وسائر علومه، وأصول الدين وفروعه) (٣).
- وأجاب أبو الفضل جعفر بن نصر البغداديُّ قائلًا:
(ولا يحل لأحد أن يعنفه فيما أتى به، إذ هو إمام في المشرق والمغرب لا سيما بالعراق، وإن أكثر البلاد لمُفْتَقِرَة لعلمه بالصحيح من الحديث والسقيم، فلو نهض كل من ردَّ عليه ليتعلموا منه أوائل المفترضات لكان بهم أحرى،
стр. 107
ويزيلوا عن أنفسهم الحسد والبغي، وإنما يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون) (١).
هذا، وقد كان للباجي فيما ذهب إليه سلف من شيوخه منهم أبو ذر الهروي والسمناني وغيرهم (٢) ممن يقولون بظاهر الحديث ويحتجون بجملة من الأدلة تتمثل فيما يلي:
١ - بما أخرجه ابن أبي شيبة وعمر بن شَبَّة من طريق مجاهد عن عون ابن عبد الله قال: (ما مات رسول الله ﷺ حتى كتب وقرأ). قال مجاهد: (فذكرتُه للشعبي فقال: صدق سمعت من يذكر ذلك) (٣).
٢ - ومن طريق يونس بن ميسرة عن أبي كبشة السلولي عن سهل بن الحنظلية (أن النبي ﷺ أمر معاوية أن يكتب للأقرع وعيينة، فقال عيينة: أتراني أذهب بصحيفة المتلمس؟ فأخذ رسول الله ﷺ الصحيفة، فنظر فيها فقال: (قد كتب لك بما أمر لك)، قال يونس بن ميسرة: (فنرى أن رسول الله ﷺ كتب بعدما أنزل عليه) (٤).
٣ - ورود آثار دالة على معرفته حروف الخط وحسن تصويرها منها:
- قوله ﷺ لكاتبه: (ضع القلم على أذنك، فإنه أذكر لك) (٥).
- وقوله ﷺ لمعاوية: (ألق الدواة، وحرف القلم، وأقم الباء، وفرق السين، ولا تعور الميم) (٦).
стр. 108
- وقوله ﷺ : (لا تمد: بسم الله) (١).
ورغم هذه الأدلة المساقة، فإن مذهب جمهور العلماء والمحدثين القول بالمنع من أن يكون رسول الله ﷺ قد كتب حرفًا واحدًا بيده، بل له ﷺ كتَّاب يكتبون بين يديه الوحي والرسائل إلى الأقاليم، وأجاب الجمهور عن الأحاديث الواردة في المسألة بأنها ضعيفة لا يحتج بها (٢)، وأنه لو كتب بيده لنقل إلينا لأن الدواعي متوفرة على نقله، وأن لفظ (كتب) في حديث المقاضاة مؤول إلى معنى الأمر بالكتابة، وهو في اللغة كثير كقوله: كتب إلى قيصر، وكتب إلى كسرى، وقطع السارق، ورجم ماعزًا، وجلد الشارب، فهو ما يعرف بالإسناد المجازي أو المجاز العقلي. وعلى تقدير حمله على ظاهره فلا يلزم من كتابة اسمه الشريف ذلك اليوم وهو لا يحسن الكتابة أن يصير عالمًا بالكتابة ويخرج عن كونه أمِّيًّا (٣). وفي هذا المضمون يقول الحافظ الذهبي: (يجوز على النبي ﷺ أن يكتب اسمه ليس إلَّا، ولا يخرج بذلك عن كونه أُمِّيًّا، وما من كتب اسمه من الأمراء والولاة إدمانًا للعلامة يعد كاتبًا، فالحكم للغالب لا لما نَدَر، وقد قال ﵇: (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسُب) أي لأن أكثرهم كذلك، وقد كان فيهم الكتبة قليلًا، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ فقوله ﵇: (لا نَحسُب) حق، ومع هذا فكان يعرف السنين والحساب، وقَسْمَ الفَيْءِ، وقِسْمَةَ المواريث بالحساب العربي الفطري لا بحساب القِبط ولا الجَبْر والمُقابلة، بأبي هو ونفسي ﷺ ، وقد كان سيد الأذكياء، ويَبْعُد في العادة أن الذكيَّ يملي الوحي وكُتُبَ الملوك وغير ذلك على كتَّابه، ويرى اسمَه الشريف في خاتِمه، ولا يعرف هيئة ذلك مع الطُّول، ولا يخرج بذلك عن أُميته، وبعض العلماء عدَّ ما كتبه يوم الحُدَيْبِيَة من معجزاته، لكونه لا يعرف الكتابة وكتَبَ، فإن
стр. 109
فإن قيل: لا يجوز عليه الكتابة، فلو كتب لارتاب مبطل ولقال: كان يحسن الخطَّ، ونظر في كتب الأولين: قلنا: ما كتب خطًّا كثيرًا حتى يرتاب به المبطلون، بل قد يقال: لو قال مع طول مدة كتابة الكتاب بين يديه: لا أعرف أن أكتُب اسمي الذي في خاتِمي، لارتاب المبطلون أيضًا، ولقالوا: هو غاية في الذكاء، فكيف لا يعرف ذلك؟ بل عرفه، وقال: لا أعرف. فكان يكون ارتيابهم أكثر وأبلغ في إنكاره) (١).
وفي هذا الصدد، فقد صنَّف القاضي أبو الوليد الباجي رسالة في هذا الموضوع ينتصر فيها لرأيه ويبيِّن وجوه المسألة ويفنِّد أقوال المخالفين له في الرأي الذين رموه بالكفر والزندقة، وسمى هذه الرسالة: (تحقيق المذهب في أن رسول الله قد كتب) (٢).
الفرع الثاني: صلة الحكَّام بأبي الوليد الباجي:
كانت للمناظرات العلمية التي أجراها أبو الوليد الباجي بالأندلس، وظهور تآليفه الأصولية والفقهية، وانتشار علمه وذيوع صيته، فضلًا عن اتصافه بالدِّيانة والتقوى وما يتميز به من صفة خَلقية في هيئته وسمته ووقاره، الأثر البالغ في نفوس الناس، كما كان تكوينه العلمي والأدبي محل ثقتهم، الأمر الذي فسح للحكَّام مجالًا - بعد بروز نجمه - ليتصلوا به ويتقربوا إليه ويطلبوا صحبته، وفي هذا المضمون يقول ابن خاقان:
(فتهادته الدول، وتلقَّته الخيل والخول، وانتقل من محجر إلى ناظر، وتبدَّل من يانع بناضر) (٣).
стр. 110
وقد استعمل في حفظ الأمانات، وولاه عمر بن محمد المتوكل بالله بن الأفطس أماكن متفرقة من الأندلس لأداء مهمة القضاء وفك المنازعات بين الناس، منها (أريولة) وأشباهها من الأماكن التي تصغُر عن قدره ومنزلته (١).
ونتيجة لاحتكاكه بالحكام وتوليته لمنصب القضاء، وقبوله لهداياهم وجوائزهم - وهم له على غاية البرِّ - تحسَّنت حالته، واتسعت ثروته ومات على مال وفير (٢)، ولم يكن ذلك ذريعة للتعلق بالدنيا وزخرفها بل لم يزل زاهدًا ومنقطعًا عن الدنيا متعلقًا بالآخرة، ومن شعره ووصيته لولديه ما يفيد ذلك.
هذا، وقد تسببت علاقته بالحكام في إثارة البغضاء والحقد والحسد، وكثُر القائل فيه، وأصبح عرضة لطعون الطاعنين لتعامله وموالاته للحكام مع ما كان عليه حالهم من شقاق وخلاف. ولا يخفى أن الإمام أبا الوليد الباجي لم يسْعَ للتودد للحكام ولا طلب عطاياهم، ولكنه لما قرَّبوه لم يمتنع لما في ذلك من إمكانية النصح لهم وإرشادهم وجمع كلمتهم، وهو من أهل العلم والأمانة، عليه واجب النصح خاصة والأندلس تعيش أزمات كثيرة وتقلبات سياسية، وقد وصف ابن بسام هذا الجوَّ المفعم بالفتن والاضطرابات السياسية بقوله: (فورد وعشبُ بلادها نابٌ وظفرٌ، وصوبُ عهادِها دمٌ هَدَرٌ، ومالها لا عينٌ ولا أثر، وملوكها أضداد، وأهواءُ أهلِها ضغائنُ وأحقاد، وعزائمهم في الأرض فساد وإفساد) (٣)، فكان أبو الوليد الباجي يعمل بمبدأ لزوم جماعة المسلمين والاعتصام بها، وعدم