Полный текст (1 246 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
قال المصنف: نحو: لله درك، فإنه لا يفهم منه التعجب إلا بالتقديم، ونحو: سواء علي أقمت أم قعدت؛ إذ لو قدم لأوهم الاستفهام الحقيقي.
فأما تعليله للثاني فحسن، ولا في هذا كون الوهم يندفع بالآخرة؛ لأنهم لم يعتبروا ذلك، ألا تراهم منعوا: رجل في الدار، وإن كان توهم الصفة يندفع بالآخرة، وأوجبوا التقديم! !
وأما لله درك. فقد يقال: إنه كلام جرى مجرى المثل، [فلا يغير] لا أن معنى التعجب إنما يفهم بالتقديم.
«أو» كان «مسندًا دون (أما) إلى (أن) وصلتها» نحو: ﴿وأية لهم أنا حملنا ذريتهم﴾ فلا يجوز: أنك منطلق عندي، وهذا مذهب سيبويه والجمهور، واختلف في تعليل ذلك:
فقيل: لئلا يلتبس (أن) المفتوحة ب (إن) المكسورة، ولم تدفع الفتحة الخفية اللبس، لكون الموقع موقع المكسورة؛ لأن لها صدر الكلام، بخلاف المفتوحة وقيل: لئلا تلتبس ب (أن) التي بمعنى (لعل).
وقل: لئلا يتعرض الأول لدخول النواسخ، ومن جملتها (أن)، فيستثقل
стр. 702
اجتماعهما، وأجاز ذلك الأخفش والفراء وأبو حازم قياسًا على (أن) نحو: ﴿وأن تصوموا خيرا لكم﴾، فلو كانت (أن) والية ل (أما) جاز بلا خلاف كقوله:
عندي اصطبار وأما أنني جزع يوم النوى فلوجد كان يبريني
وذلك لانتفاء المحذور، ضرورة أن الجملة التامة لا تتوسط بين (أما) وفائها كما ستعرفه في حروف الشرط.
«أو» كان مسندًا «إلى مقرون (بإلا) لفظًا» نحو: ما في الدار إلا زيد، «أو معنىً» نحو: إنما في الدار زيد، وقد نبهناك على أن علة ذلك ستأتي إن شاء الله [تعالى] في باب الفاعل أو في باب المستثنى «أو» كان مسندًا «إلى ملتبس بضمير ما التبس بالخبر» مثلوه بقولهم: على التمرة مثلها زبدًا، وبالحديث:
стр. 703
(من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)، وبقول الشاعر:
أهابك إجلالًا وما بك قدرة على ولكن ملء عين حبيبها
فأما التمثيل بالبيت فصحيح، فإن الخبر - وهو ملء عين - أسند إلى المضاف من قوله: (حبيبها)، وهو ملتبس بضمير عائد إلى العين، والعين ملتبسة بالخبر، من حيث هو مضاف إليها.
وأما الأولان فالخبر الكون المطلق المحذوف، ويصح تقديره مؤخرًا على الأصل،
стр. 704
كما يصح اللفظ [به] مؤخرًا كذلك، وكما يذكر مؤخرًا لو كان [كونًا] خاصًا، مثل: على الله عبده متوكل، ولا يصح أن يقال: م بني على التجوز المشهور في تسميتهم الظرف النائب عن الكون المطلق خبرًا، لأنه ذلك غير متأت من جهة أنه قال: [إن] فيلزم على هذا أن الخبر هو (على).
وإنما قال المصنف: (ملتبس)، ولم يقل: (مضاف)؛ ليدخل [نحو]: (ملء عين حبيبها).
وقال: (ما التبس بالخبر)، ولم يقل: (ما أضيف/ إلى الخبر)؛ ليدخل [نحو]: (ملء عين) ونحو: (على التمرة) - على زعمهم - ونحو: من حسن إسلام المرء تركه الفضول.
وحاصل كلامه أن معنا مبتدأ وخبرًا كل منهما ملتبس بشيء، والمبتدأ ملتبس بضمير أو غيره، والخبر ملتبس بصاحب الضمير: إما بإضافة أو غيرها.
«وتقديم المفسر» وحده على المبتدأ «- إن أمكن - مصحح» لتأخير الخبر: إما مع الجواز نحو: زيدًا أجله محرز، أو مع الوجوب نحو: زيدًا أجله أحرز؛
стр. 705
لما علمت من أن الخبر في الصورة الأولى جائزة التأخير؛ إذ هو مثل: زيد قائم، وأنه في الصورة الثانية واجب التأخير، إذ هو مثل: زيد قام، وإنما زادت الصورتان فيما شبهناهما به بأن المبتدأ التبس بضمير ما التبس بالخبر، وأمكن تقديم صاحب الضمير، وكلتا الصورتين جائزة عند البصريين.
«خلافًا للكوفيين» فإنهم منعوهما جميعًا. «إلا هشامًا» فإنه خالفهم في جواز المسألتين جميعًا. «ووافق الكسائي» منهم [البصريين] «في [جواز] نحو: زيدًا أجله محرز» وهي مسألة اسم الفاعل. «لا في نحو: زيدًا أجله أحرز» وهي مسألة الفعل.
وحاصلة أن هشامًا وافق البصريين في مسألتي اسم الفاعل والفعل، وأن الكسائي وافقهم في مسألة اسم الفاعل لا في مسألة الفعل.
وحجة المانعين أنه لا يفصل العامل من معموله بأجنبي، ويرده: ﴿وفي النار هم خلدون﴾.
وأجابوا: بأن الظرف يتوسع فيه. والعجب أن الكوفيين يقولون هذا، وهم
стр. 706
يجيزون: كان طعامك زيد آكلًا أو يأكل.
والجواب: عن الشبهة المذكورة أن نسبة الخبر من المبتدأ نسبة الفعل من الفاعل؛ لأنهما مسند ومسند إليه، ولا يمتنع تقديم المفعول وتأخير الفاعل [عنه]، فكذا لا يمتنع تقديم الخبر وتأخير المبتدأ.
стр. 707
«فصل» يذكر فيه تقسيمات وأحكام تتعلق بالخبر .
«الخبر مفرد» وهو ما لعوامل الأسماء تسلط على لفظه عاريًا من إضافة وشبهها أو ملتبسًا بأحدهما نحو: زيد منطلق، وعمرو قائم أبوه، وذكر المصنف أن قولك: (قائم أبوه) من هذا المثال ونحوه ليس بجملة عند المحققين.
قلت: وقد يقال الخبر في قولك: (زيد منطلق، أو قائم أبوه) ليس هو اسم الفاعل بمفرده، بل المجموع منه ومن مرفوعة هو الخبر سواء كان المرفوع ضميرًا كما في (منطلق)، أو ظاهرًا ملتبسًا بالضمير كما في (قائم أبوه)، وليس لعوامل الأسماء تسلط على المجموع أصلًا، وإنما لها تسلط على جزته الأول فقط فتأمله.
وقد تنبه نجم الدين سعيد لذلك، فقال في شرح الكافية: المفرد ما لعوامل المبتدأ تسلط على كلمة منه، وذلك بأن يكون كلمة واحدة نحو: زيد غلام، أو أكثر نحو: زيد قائم أخوه، ولكن تسلط العوامل على كلمة واحدة، وهي (قائم) من مثالنا. على أن في عبارته - أيضًا - مسامحة.
وقال ابن الحاجب في أماليه: لم يختلفوا [في] أن اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة مع الضمير ليست بجملة لأمرين:
أحدهما: أن الجملة هي التي تستقل بالإفادة، وهذه ليست كذلك.
الثاني: أن وضعها أن تفيد معنىً في ذات تقدم ذكرها، فإذا استعملت، مبتدأ
стр. 708
خرجت عن وضعها؛ ولذلك لما خرج بعضها عن هذا المعنى، وجعل بمعنى الفعل بشرط سبق ما يكون كالعوض عما كان يستحقه من الاعتماد أو كالدال على إخراجه عن وضعه الأصلي، جاز أن يكون مع مرفوعة جملة مثل: أقائم الزيدان؟ ، والذين يخالفون في: زيد ضارب غلامه ويجعلون (ضارب غلامه) جملة [مثل: أقائم الزيدان؟ ] فليسوا مخالفين/ في الذي ذكرناه، بل الخلاف في أنه هل ثبت أن ضارب (غلاماه) مثل: أضارب الزيدان؟ ، فمن جوزه أخرج الصفة عن موضوعها الأصلي، واستعملها استعمال الفعل. انتهى.
«وجملة» ولا إشكال في تعريفها بما يعرف به الكلام إذا جعلت مرادفة له، وأما إذا جعلت أعم - لصدقها دونه على الصلة [مثلا] من قولك: الذي قام أبوه زيد - فيحتاج إلى إفرادها بتعريف.
فقال ابن هشام: هي عبارة عن الفعل وفاعله: كقام زيد، والمبتدأ وخبره: كزيد قائم، وما كان بمنزلة أحدهما، نحو: ضرب اللص، وأقائم الزيدان؟ ، وكان زيد قائمًا، وظننته قائمًا. هذا نصه في مغني اللبيب.
قلت: أما المثال الأول - وهو ضرب اللص، ببناء الفعل للمفعول - فهو منزلة الفعل والفاعل بناء على أن المرفوع فيه نائب عن الفاعل، وأما على رأي من يقول:
стр. 709
هو فاعل اصطلاحًا كالزمخشري، فلا يكون مما نزل منزلته بل هو نفسه.
وأما الثاني - وهو أقائم الزيدان؟ - فهو مما نزل منزلة المبتدأ وخبره، فإن الوصف فيه مبتدأ، لكن مرفوعة ليس خبرًا عنه، وإنما هو بمنزلة الخبر كما أسلفناه عن جماعة.
وأما الرابع - وهو ظنته قائمًا - فإيراده فيما ينزل لمنزلة أحدهما مشكل؛ لأنه على التحقيق جملة فعلية منتظمة من فعل - وهو (ظن) - وفاعل، وهو تاء المتكلم، فليس مما نزل منزلة الفعل والفاعل، ولا منزلة المبتدأ والخبر.
فإن قلت: لعله يشير إلى أنه] مما] نزل منزلة المبتدأ أو الخبر، باعتبار المفعول الأول والثاني، فإنهما مبتدأ وخبر في الأصل، وبعد دخول الناسخ يكونان بمنزلة المبتدأ أو الخبر.
قلت: لو كان كذلك لزم كونهما جملة اسمية، وهو باطل، وإنما هما بعد دخول الناسخ مفردان تسلط عمله في كل منهما، وليس جملة.
ولو قيل: الجملة لفظ يستقل بالإفادة في الحال أو في الأصل لكان حسنًا:
فالأول - نحو: قام زيد، وزيد قائم، فإن كلًا منهما مفيد في الحال.
والثاني - كمدخول حرف الشرط في قولك: إن قام زيد، فإنه مفيد بالنظر إليه قبل دخول العارض، وهو أداة الشرط، وكذا الصلة في قولنا: الذي قام أبوه زيد مستقلة بالإفادة باعتبار النظر إليها قبل الوصل؛ إذ أصله - حينئذ - قام أبوه زيد، وكذا أمثاله مما طرأ عليه ما يمنعه من الاستقلال في الحال.
стр. 710
ويمكن [عند] إرادة زيادة التوضيح أن يقال: الجملة ما انتظم من مبتدأ غير وصف وخبره باقي الحكم أو منسوخه بحرف، أو من مبتدأ وصف مرفوعه، أو من فعل تام ومرفوعه، أو من فعل ناقص ومعموليه وهذا فيه طول، لكن لا بأس به طلبًا لزيادة البيان:
فمثال الأول: زيد قائم.
ومثال الثاني: إن زيدًا فاضل، وما عمرو ذاهبًا، وإنما قيدنا الناسخ بكونه حرفًا احترازًا من نحو: ظننت زيدًا قائمًا.
ومثال الثالث: أقائم الزيدان؟ ، وما مضروب العمران.
ومثال الرابع: قام زيد، وضرب اللص.
ومثال الخامس: كان زيد قائمًا، فكل من الأقسام الثلاثة الأول جملة اسمية، وكل من القسمين الأخيرين جملة فعلية.
وقال ابن قاسم: - تابعًا للمصنف - الجملة ما تضمن جزءين بالإسناد، لعوامل الأسماء تسلط على لفظها أو لفظ أحدهما.
стр. 711
فخرج بذكر الإسناد نحو: صاحب زيد.
١٣٣ وقوله: (لعوامل ا؟ لأسماء) كذا هو/ في النسخة التي رأيتها، والظاهر أنه سقطت منه كلمة (ليس)؛ إذ جملة الخبر من قولك: زيد أبوه قائم لا يتأثر لفظها بدخول (كان) أو (ظن) على نا هي خبر عنه، بل يبقى لفظها بحاله، ويكون العمل في محلها.
وقوله: (أو لفظ أحدهما) مراده به أن يخرج نحو: قائم أبواه، من: زيد قائم أبواه، فإن دخول (كان) - مثلًا - يؤثر في لفظ الأول فقط، ولا يؤثر في الثاني.
ولو اقتصر على قوله: (لفظهما)، لدخل هذا في حد الجملة؛ لأنه إذا لم يتسلط العامل على الثاني صدق [عليه] أنه لم يتسلط عليهما، ولا يخفى فساد هذا التعريف؛ لأنه يلزم عليه أن لا يكون (أبوه قائم) من قولنا: زيد أبوه قائم، جملة؛ لأن لعوامل ا؟ لأسماء تسلطًا على لفظ جزئيها، نحو: ظننت أباه قائمًا، وعلى لفظ أحدهما، نحو: زيد كان أبوه قائمًا، وزيد إن أباه قائم، باعتبار نقله من الرفع إلى النصب، فتأمله.
«والمفرد مشتق» وهو الدال على موصوف مصوغًا من مصدر مستعمل:
стр. 712
كضارب ومضروب وحسن، أو من مصدر مقدر، نحو: ربعة وحزور، من الصفات التي أهملت مصادرها، فيقدر لها مصادر. كذا قال المصنف. «وغيره» أي وغير مشتق، وهو ما عري مما رسم به المشتق: كأسد وحجر: «وكلاهما» أي المشتق وغيره. «مغاير للمبتدأ لفظًا، متحد به معنى» نحو: زيد قائم، وهذا زيد؛ وذلك لأنه حق الخبر أن يكون صادقًا على المبتدأ، على معنى أن ما يقال له المبتدأ، يقال له الخبر، وهو الذي يعبر عنه ب (هو هو)، وهذا يقتضي اتحاد المبتدأ والخبر بحسب الذات، وتغايرهما بحسب المفهوم، فإن تغاير الذات ينافي (هو هو)، واتحاد المفهوم يمنع إسناد أحدهما إلى الآخر، فإن الإسناد نسبة، والنسبة مستدعية للمنتسبين المستلزمين للأبنية المنافية لاتحاد المفهوم.
وحق المبتدأ أن يكون لفظه غير لفظ الخبر، اللهم إلا أن يكون اللفظ مشتركًا بين معنيين، أحدها صادق على الآخر، فيذكر اللفظ مرتين، يجعل في إحداهما مبتدأ، وفي الأخرى خبرًا كما ستراه.
«ومتحد به لفظًا، دال على الشهرة وعدم التغير» كقول رجل من
стр. 713
طيئ: - في المشتق -
خليلي خليلي دون ريب وربما ألان امرؤ قولًا فظن خليلًا
أي: خليلي من لا أشك في صحبته، ولا يتغير في حضوره وغيبته، وكقول أبي النجم: -[في الجامد]-
أنا أبو النجم وشعري شعري.
أي: شعري على ما ثبت في النفوس من جزالته، لم يتغير عن ذلك.
وينبغي أن يزاد: ويكون لكل منهما متعلق مغاير لمتعلق الآخر نحو: ﴿والسابقون السابقون﴾ أي إلى الخيرات، وإلى الجنات.
وقال ابن الحاجب: - في شرح المفصل - إنما جاز (وشعري شعري) على تقدير مضاف، ـ وهو (مثل)، وصح تشبيه الشيء بنفسه باعتبارين، أي وشعري الآن مثل شعري فيما مضى، أي هو المعروف المشهور بالصفات التامة.
«ومغاير له مطلقًا» [أي لفظًا ومعنى]. «دال على التساوي حقيقة» نحو: ﴿وأزواجه أمتهم﴾، أي مساويات لأمهاتهم في التحريم والاحترام
стр. 714
حقيقة. «أو مجازًا» كقوله:
ومجاشع قصب خوت أجوافها لو ينفخون من الخؤورة طاروا
أي: مساوون للقصب الخاوية الأجواف في طيرانها بالنفخ، وهذا التساوي ليس حقيقة وإنما هو مجاز. «أو قائم مقام مضاف» نحو: ﴿هم درجات عند الله﴾، أي ذوو درجات، ونحو: ﴿ولكن البر من أمن﴾ [أي: / بر ١٣٤
стр. 715
من آمن].
وظاهر هذا أن الخبر يتعين أن يكون محل التقدير، وهو حسن؛ لأنه تقدير حيث الحاجة.
وقد قال الزجاج: - في ﴿ولكن البر من أمن﴾ -[بخلاف ذلك، فإنه قدر: ولكن ذا البر.
وقال قطرب: التقدير: بر من آمن] كما يقتضيه قول المصنف، وكلهم قدروا - في ﴿هم درجات﴾ -[هم] [ذوو درجات].
ولا يختص الحكم بالخبر المفرد كما يوهمه كلامه، بل يأتي ذلك في الجار والمجرور [وقد] قال الفارسي: - في ﴿أجعلتم سقاية الحاج﴾ الآية - التقدير أهل سقاية [الحاج]، أو كإيمان من آمن؛ لتشبه ذات بذات، أو حدث بحدث.
وقال بعضهم: - في ﴿والعقبة للتقوى﴾ - إن التقدير لذوي التقوى. وكأن المعنى - أيضًا - على تقدير صفة للمبتدأ، أي والعاقبة الحسنة، أو المحمودة.
«أو مشعر بلزوم حال تلحق العين بالمعنى» نحو: زيد صوم، جعلته إياه مبالغة، وليس بتقدير (ذو). لأنه - حينئذ - يصدق على القليل والكثير، وإنما يقال:
стр. 716
فلان صوم، إذا أدمن الصوم. «والمعنى بالعين» نحو: نهاره صائم وليله قائم.
«مجازًا» راجع إلى مسألتي إلحاق العين بالمعنى، والمعنى بالعين.
«ولا يتحمل غير المشتق ضميرًا» فإذا قلت: هذا أسد - مشيرًا إلى السبع - فأسد اسم جامد لا ضمير فيه. «ما لم يؤول بمشتق» فيتحمل الضمير نحو: زيد أسد، إذا أول بشجاع، ويسند - حينئذ - إلى الظاهر فيرفعه نحو: زيد أسد أبوه، على أن يكون (أبوه) فاعلًا ب (أسد). قاله المصنف. «خلافًا للكسائي» في قوله: إن الجماد يتحمل الضمير مطلقًا: أول بمشتق أو لم يؤول به، فالخلاف راجع إلى قوله: ولا يتحمل غير المشتق ضميرًا. فقط.
قال المصنف: وهذا القول وإن كان مشهور الانتساب إلى الكسائي، دون تقييد، فعندي استبعاد لإطلاقه؛ إذ هوة مجرد عن دليل، والأشبه أن يكون حكم بذلك في جامد عرف لمساه معنى ملازم لا انفكاك عنه: كالإقدام والقوة للأسد، والحمرة والحرارة للنار. وهذا تقييد يرجع بالمسألة إلى الوفاق فإن ما قيد به هو معنى التأويل بالمشتق.
ونقل ابن المصنف هذا القول في شرح الخلاصة عن الكوفيين وسبقه إلى نقل ذلك عنهم صاحب البسيط، وزاد نقله عن الرماني.
قال الرضي: وكأن الكسائي نظر إلى أن معنى (زيد أخوك): متصف بالأخوة،
стр. 717
وهذا زيد [أي] متصف بالزيدية، أو محكوم عليه بكذا؛ وذلك لأن الخبر عرض فيه معنى الإسناد بعد أن لم يكن، فلا بد من رابط، وهو الذي يقدره أهل المنطق بين المبتدأ والخبر.
«ويتحمله المشتق خبرًا» نحو: زيد قائم «أو نعتًا» نحو: رب رجل كريم لقيته. «أو حالًا» نحو: جاء زيد راكبًا. «ما لم يرفع ظاهرًا لفظًا» نحو: الزيدان قائم أبواهما. «أو محلًا» نحو: الكافر مغضوب عليه، فلا يتحمل الضمير حينئذ.
«ويستكن الضمير» فيما ذكر من خبر ونعت وحال. وظاهره إيجاب الاستكنان، فإن قيل: قائم هو، كان توكيدًا، لا فاعلًا، وقد أجاز سيبويه الوجهين معًا في: مررت برجل مكرمك هو. «إن جرى متحمله» وصفًا كان أو فعلًا «على صاحب معناه» نحو: [زيد] هند ضاربته، أو تضربه، أي (هي) في الصورتين.
وإنما حملنا قوله: (متحمله) على ما هو أعم من الصفة والفعل؛ لأنه قد صرح في شرحه بوجوب الإبراز في الفعل عند خوف اللبس نحو: غلام زيد يضربه هو، وهو حسن. وأما قول غيره إنك ترفع اللبس بتكرير الظاهر ففيه وضع الظاهر موضع المضمر في غير موضع التفخيم، وهو ضعيف. قاله ابن قاسم.
وقد يعارض بأن في الإبراز [أيضًا] فصل الضمير مع تأخره عن العامل/ وقوة الطالب. «وإلا» يجر متحمله على صاحب معناه، بل على غيره «يرز» وجوبًا إن
стр. 718
خيف اللبس نحو: زيد عمرو ضاربه هو، باتفاق أهل البلدين. «وقد يستكن» وقد لا يستكن «إن أمن اللبس، وفاقًا للكوفيين» فيجوز - على قولهم في: زيد هند ضاربها هو - كون (هو) فاعلًا، وكونه تأكيدًا، وأما زيد عمرو ضاربه هو، ففاعل لا غير، والبصريون يوجبون الفاعلية فيهما، ويمنعون التأكيد؛ لإيجابهم الإبراز، وتظهر فائدة ذلك في التثنية والجمع، فيقول البصريون: الهندان الزيدان ضاربتهما هما، ويقول الكوفيون: مثل ذلك: إن قدروا الضمير فاعلًا، وإن قدروه توكيدًا قالوا: ضاربتاهما هما، وكذلك الحكم في الجمع، والمسموع من العرب إفراد الوصف إلا على لغة: أكلوني البراغيث.
وقد استدل للكوفيين بما حكاه الفراء عن العرب: كل ذي عين (ناظرة إليك وأجيب: بأن التقدير ألحاظ كل ذي عين)، وحمل عليه - أيضًا - ﴿فظلت أعناقهم لها خاضعين﴾، وتوالت على إقحام الأعناق، أو جعلها جمعًا لعنق، بمعنى جماعة، ومنه قولهم: أتانا عنق من الناس، أي جماعة واستدل لهم - أيضًا - بقول الشاعر:
стр. 719
قومي ذرى المجد بانوها وقد علمت بكنه ذلك عدنان وقحطان
وأجيب: بأن التقدير قومي بانون ذرى المجد بانوها.
ولما رأى المصنف ما في هذه التأويلات من التكلف قال بالمذهب الكوفي، تمسكًا بالظاهر. «والجملة اسمية» نحو: زيد أبوه قائم. «وفعلية» نحو: زيد قام أبوه: وبعض المحققين على أن لا إسناد في الجملة - من حيث هي - إلى زيد، بل القيام - مثلا - في نفسه مسند إلى الأب، ومع تقييده مسند إلى زيد، وأما المجموع المركب من زيد، ومن القيام والنسبة الحكمية بينهما فلم يسند إلى زيد؛ ولذلك يؤولون (زيد قام أبوه) بأنه قائم الأب، وأما قولهم: إن الخبر هو الجملة بأسرها فمن الاتساعات التي لا تلتبس معانيها.
وزاد ابن هشام - في أقسام الجملة - الظرفية، وهي المصدر بظرف أو جار ومجرور نحو: أعندك زيد؟ ، أو أوفي الدار زيد؟ ، إذا قدرت زيدًا فاعلًا بالظرف أو
стр. 720
الجار والمجرور، لا بالاستقرار المحذوف، ولا مبتدأ مخبرًا عنه بهما.
«ولا يمتنع كونها» أي الجملة الواقعة خبر المبتدأ «طلبية» نحو: زيد اضربه، ومنه قول الشاعر:
قلب من عيل صبره كيف يسلو؟ صاليًا نار لوعة وغرام
«خلافًا لابن الأنباري [وبعض الكوفيين]» فإنه ذهب إلى أنه لا يصح الإخبار عن المبتدأ بالجملة الطلبية لأن الخبر ما يحتمل الصدق والكذب.
وينبغي أن يمنع الإنشائية التي ليست بطلبية أيضًا لعين هذه العلة، وهذا غلط نشأ من اشتراك لفظ الخبر بين ما يقابل الإنشاء وبين خبر المبتدأ، ولم يرد النحاة أن خبر المبتدأ يجب أن يكون ثابتًا للمبتدأ، على معنى أنه يجب أن تكون نسبته إليه موقعة موجبة؛ ليتجه أن هذا الوجوب مختص بالكلام الخبري والقضية الموجبة، بل أريد أنه يجب أن تعتبر نسبته إلى المبتدأ سواء كانت مرفوعة أو موضوعة أو مشككًا فيها، فيدخل في ذلك الظرف في نحو: قولك أزيد عندك؟ ؛ إذ تقديره: أزيد حاصل عندك؟ [واعتبار النسبة بالثبوت بينهما مما لا ينبغي أن ينازع فيه، لأن المبتدأ إنما]
стр. 721
ذكر لينسب إليه - بطريق من الطرق - حال من أحواله، ويرتبط به - بوجه من الوجوه - حكم من أحكامه؛ ولهذا فرق بين: ضربت زيدًا، وزيد ضربته، فحكم بأن زيدًا - في الأول مفعول به، وفي الثاني مبتدأ، مع أن فعل الفاعل واقع عليه في ١٣٦ الصورتين، لأنه ذكر في الأول بيانًا لما/ وقع عليه الفعل، وفي الثاني ليسند إليه حال من أحواله وحكم من أحكامه؛ ولذلك صرحوا بأن (زيد أبوه منطلق) معناه زيد منطلق الأب، وعلى هذا فنقول معنى الجملة الإنشائية - طلًا كان أو غيره - وإن كان حاصلًا معها لكنه قائم بالطالب والمنشئ، فإذا قلت: زيد اضربه، فطلب الضرب صفة قائمة بالمتكلم، وليس حالًا من أحوال زيد، إلا باعتبار تعلقه به، أو كونه مقولًا في حقه، واستحقاقه أن يقال فيه، ولابد أن يلاحظ في وقوعه خبرًا - هذه الحيثية، فكأنه قيل: زيد مطلوب ضربه، أو مقول في حقه ذلك، لا على معنى الحكاية بل على معنى أنه يستحق أن يقال فيه، فيستفاد - من لفظ (اضربه) - طلب ضربه، ومن ربطه بالمبتدأ معنى آخر لا يستفاد من قولك: اضرب زيدًا.
وامتناعه من احتمال الصدق والكذب بحسب المعنى الأول لا ينافي احتمالها بحسب المعنى الثاني. هكذا قرر هذا الحل بعض المتأخرين، وهو في غاية الحسن. «ولا» [يمتنع أيضًا كون الجملة الواقعة خبرًا للمبتدأ جملة] «قسيمة، خلافًا لثعلب» فإنه منع نحو: زيد لأكرمنه، وعلل ذلك بعضهم بأن نحو: لأفعلن لا محل له، فإذا بنى على المبتدأ فقيل: زيد ليفعلن، صار له موضع.
стр. 722
قال ابن هشام في المغني: وليس بشيء؛ لأنه إنما منع وقوع الخبر جملة قسمية لا جملة هي جواب القسم، ومراده أن القسم وجوابه لا يكونان خبرًا، إذ لا ينفك إحداهما عن الأخرى، وجملتا القسم والجواب يمكن أن يكون لهما محل كقولك: قال زيد أقسم لأفعلن. انتهى.
قلت: هذا فيه تسليم لصحة ما اعتل به هذا القائل من أن صيرورة ما لا محل له ذا محل باطل، ورده أن كل جملة أخبر بها عن ضمير الشأن لا محل لها قبل الإخبار بها عنه، بوعد الإخبار تصير ذات محل من الإعراب، ألا ترى أن قولك: - ابتداء - زيد قائم، لا محل له من الإعراب، ويصح جعلها خبرًا لضمير الشأن، فتقول: هو زيد قائم، فيصير في محل رفع.
ثم قال ابن هشام: إنما المانع عنده: إما كون جملة القسم لا ضمير فيها، فلا تكون خبرًا، لأن الجملتين هنا ليستا كجملتي الشرط والجزاء؛ لأن الثانية ليست معمولة لشيء من الأولى؛ ولذا منع بعضهم وقوعها صلة. وإما كون جملة القسم إنشائية، والخبر لابد له من احتماله للصدق والكذب. قال: وكل
стр. 723
منها ملغىً:
أما الأول - فلأن بين الجملتين ارتباطًا صارتا به كجملة وإن لم يكن ثم عمل.
وأما الثاني - فلأن احتمال الصدق والكذب [إنما هو] في الخبر القسيم للإنشاء، لا في خبر المبتدأ للاتفاق على أن أصله الإفراد واحتمال الصدق والكذب من صفات الكلام، وعلى [جواز] أين زيد؟ وكيف عمرو؟ .
قال: وزعم ابن مالك، أن السماع ورد بما منعه ثعلب، قال تعالى: ﴿والذين أمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصلحين﴾، ﴿والذين أمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم﴾ ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم﴾.
[ثم] قال: وعندي لما استدل به تأويل لطيف، وهو أن المبتدأ في ذلك
стр. 724
كله ضمن معنى الشرط، وخبره منزل منزلة الجواب، فإذا قدر قبله قسم كان الجواب له، وكان خبر المبتدأ المشبه لجواب الشرط محذوفا للاستغناء بجواب القسم المقدر قبله، ونظيره - في الاستغناء بجواب القسم المقدر قبل الشرط [المجرد من لام التوطئة]- ﴿وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن﴾ التقدير: والله ليمسن لئن لم ينتهوا يمسن. انتهى.
«ولا يلزم تقدير قول قبل الجملة الطلبية، خلافًا لابن السراج» فإذا قلت: / زيد اضربه، فالتقدير عنده: زيد أقول لك اضربه، وذلك القول المقدر هو ١٣٧ الخبر، والجملة الطلبية محكية [به]، فهي في محل نصل على التقدير، أو في محل رفع إن قدرت: زيد يقال لك أو مقول لك اضربه، وإنما التجأ إلى ذلك فرارًا من وقوع ما لا يحتمل الصدق والكذب خبرًا، وقد عرفت جوابه.
стр. 725
«وإن اتحدت» الجملة الواقعة خبرًا «بالمبتدأ» الذي هي خبره «معنى» منصوب على التمييز عن النسبة، والباء للمعية أو الإلصاق، [أي] إن اتحد معنى الجملة مع معنى المبتدأ، واتحد معناها ملتصقًا بالمبتدأ «هي» أي الجملة نحو: هجيرى أبي بكر لا إله إلا الله.
قال ابن قاسم: أي قوله في وقت الهاجرة.
قلت: إنما معناه دأبه وعادته قال في الصحاح: والهجير مثال الفسيق الدأب والعادة. وكذا الهجيرى ولا هجيرى. ومن مثل المسألة قوله -﴾ -: (أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله) «أو بعضها» أي [أو] بعض الجملة نحو: ﴿ولباس التقوى ذلك خير﴾، فجملة الخبر - وهي (ذلك خير) -
стр. 726
ليست متحدة بالمبتدأ الذي هو (لباس التقوى) معنىً، وإنما بعضها هو المتحد به، وهو (ذلك)، وكذا قوله تعالى: ﴿والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلوات إنا لا نضيع أجر المصلين﴾. «أو قام بعضها مقام مضاف إلى العائد» نحو: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن﴾.
قال المصنف: - تبعًا للأخفش والكسائي، ومخالفًا للجمهور - الأصل يتربص، أزواجهم، ثم جيء بالضمير مكان الأزواج؛ لتقدم ذكرهن فامتنع ذكر الضمير؛ لأن النون لا تضاف؛ لكونها ضميرًا، وحصل الربط بالضمير القائم مقام الظاهر المضاف للضمير.
ويعارضه ما وقع له في قوله:
وعزة ممطول معنى غريمها
وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى في باب التنازع.
стр. 727
وخرجت الآية على أن الرابط فيها: إما النون على أن الأصل: وأزواج الذين. وإما ضمير مخفوض بالإضافة حذف هو وما أضيف إليه على [سبيل] التدريج، وتقديرهما: إما قبل (يتربصن)، أي أزواجهم يتربصن. وإما بعده، أي يتربصن بعدهم. «استغنت» جواب (إن) من قوله: (وإن اتحدت)، أي [إن] وجد [أحد] الأمور المذكورة استغنت جملة الخبر «عن» ضمير «عائد» إلى المبتدأ «وإلا» يكن شيء من ذلك، أي [إن] لا تتحد الجملة بالمبتدأ معنى، لا هي ولا بعضها، ولم يقم بعضها مقام مضاف إلى العائد «فلا» تستغني جملة الخبر عن عائد، وهو ضمير يعود إلى المبتدأ.
ثم الأصل في الضمير أن يرجع إلى نفس المخبر عنه نحو: زيد أكرمته، وهذا لا إشكال فيه، ويأتي على وجهين آخرين:
أحدهما: أن يعود، إلى شيء المخبر عنه بعضه وقد تقدم ذكره، كقولك: - وقد ذكرت الأمور - ليس منهيها بآتيك ولا بقاصر عنك مأمورها.
стр. 728
وبيانه أن الضمير في (مأمورها) عائد إلى الأمور التي المنهي بعضها، فلما عاد على العام الذي ذلك الخاص جزء منه كان عائدًا على ذلك الخاص.
والثاني: أن يعود على شيء ملابس للمبتدأ، كقولك: - وقد ذكرت الخيل - ليس ردها بمعروف ولا مستنكر عدها، فإن الضمير - في (عدها) - للخيل لا للرد، ولكن الرد ملابس للخيل، فكأنه لملابسته لها داخل في جملتها، فصار عود الضمير على الخيل كأنه هود على الرد؛ إذ كان بينهما التلابس المذكور، وهذا معنى كلام سيبويه، وقد اعترض عليه من لم يفهم دقيق نظره.
«وقد يحذف» الضمير العائد «إن علم» فلا يحذف من نحو: زيد هو قائم، وإن أجازه بعضهم؛ لأنه حذف/ بلا دليل، ولا من نحو: زيد - ضربته في داره، لما مر ١٣٨ «ونصب بفعل» قال ابن قاسم: [نحو]:
стр. 729
ثلاث لكهن قتلت عندًا.
ومثله غيره بقوله تعالى: ﴿أفحكم الجاهلين يبغون﴾، وفيهما نظر؛ لأن كلًا من المسألتين ستأتي، ولم أتحقق له الآن مثالًا سالمًا من النظر فحرره.
«أو صفة» بالجر عطفًا على فعل، يعني أو نصب بصفة كقوله:
غنى نفس العفاف المغني والخائف الإملاق لا يستغني
ف (غنى نفس) خبر مقدم، خبر مقدم، وما بعده مبتدآن ثانيهما مخبر عنه بهذا الخبر المقدم،
стр. 730
وأولهما مخبر عنه بالمبتدأ الثاني وخبره، والقاعدة أنه إذا وجد مبتدآن متجاوران كان الثاني وخبره خبر الأول، وكذا الأمر هنا، لكن خبر الثاني مقدم في هذا المثال، وفيه نظر من هذه الجهة، إذا فيه فصل بين الخبر المقدم ومبتدئه المؤخر بأجنبي، فينبغي أن يعدل إلى وجه غير هذا، وهو أن يكون كل من الألفاظ الثلاثة في موضعه الأصلي، والمعنى: غنى نفس العفاف هو الذي يغنيه، لا يغنيه شيء غيره، وعليه ف (غنى نفس) مبتدأ أول، و (العفاف) مبتدأ ثان و (المغني) خبر هذا المبتدأ الثاني، والجملة خبر المبتدأ الأول، ولا تقديم ولا تأخير، ولا يضر كون (غنى نفس) نكرة؛ لأنه صالح للابتداء به؛ لأنه مختص بالإضافة، وإنما الممتنع - عند الأخفش - الإخبار عن النكرة المختصة بالمعرفة، لا الإخبار عنها بجملة مصدرة معرفة.
وهذا الوجه هو الذي يبني المصنف عليه؛ لأنه هو الظاهر وعليه يتم الاستشهاد بهذا البيت؛ لأن المعنى: غنى نفس العفاف هو الشيء الذي يغنيه، ففاعل (المغني) ضمير العفاف، وهو عائد إلى الألف واللام كما تقول: زيد الضارب.
وتحقيقه: أن الخبر (أل)، وهي جامدة، فلا ضمير يعود إلى المبتدأ الأول سوى الضمير المنصوب بالوصف، وأما على الوجه الأول فالتقدير: العفاف الذي يغنيه غنى نفس، ففاعل (المغني) (العفاف)، والهاء المحذوفة للرجل الذي وصف ب (المغني)
стр. 731
فلا شاهد فيه إلا على حذف عائد (أل)، على ما فيه من النظر الذي أسلفناه.
«أو جر بحرف تبعيض» كقولهم: السمن منوان بدرهم، أي منه، وكقول الخنساء:
كأن لم يكونوا حمى يتقى إذ الناس إذ ذاك من عز بزا
أي من عز منهم، وفي الأمثال: من عزبز، أي من غلب أخذ السلب.
وقيد بعضهم ذلك بأن لا يؤدي حذف المجرور إلى تهيئة العامل للعمل وقطعه عنه، فلا يجوز: الرغيف أكلت، وأنت تريد (منه)، وقد يؤخذ هذا الشرط من قوله: - أولًا - (إن علم)؛ لأن المجرور هنا لو حذف لم يعلم؛ لجواز تقدير: أكلته، وأكلت منه. «أو» جر بحرف «ظرفية» كقوله:
стр. 732
فيوم علينا ويم لنا ويوم نساء ويوم نسر
أي: نساء فيه ونسر فيه، وكقولهم: [شهر ثرى] وشهر ترى وشهر مرعى، الشاهد في السجعة الثانية، أي: وشهر ترى فيه النبات، وأما الأولى والثالثة فليستا مما نحن فيه. «أو» جر «بمسبوق مماثل لفظًا ومعمولًا» كقوله:
أصح فالذي توصى به أنت مفلح فلاتك إلا في الفلاح منافسا
أي: أنت مفلح به، فحذف العائد المجرور؛ لكونه قد جر بحرف سابق عليه مماثل [للجار] لفظًا ومعمولًا، إذ الحرف الجار فيهما هو الباء والمجرور ضمير غيبة فيهما، فلو جر بحرف غير ذلك امتنع حذفه نحو: زيد مررت به.
«أو» جر «بإضافة اسم فاعل» كقوله:
سبل المعالي بنو الأعلين سالكة والإرث أجدر أن يحظى به الولد/ [أي] سالكتها، وخرج بذلك نحو: زيد قام غلامه.
стр. 733
قال ابن قاسم: وقد صرح بعضهم بأن المجرور بالإضافة لا يجوز حذفه مطلقًا. [قلت]: ووقع لأبي البقاء - في قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وأمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم﴾ - أن (الذين) مبتدأ، [وإن] وما بعدها خبر، والعائد محذوف، أي: لغفور لهم ورحيم بهم. ولم تدخل هذه الصورة تحت واحدة من الصور التي قالها المصنف في المجرور، ولا يخفى أنه خرج بقول المصنف: (إن نصب. أو جر) ما إذا كان العائد مرفوعًا، سواء رفع بفعل نحو: الزيدان قاما أو بغيره نحو: زيد هو القائم، أو زيد القائم هو.
«وقد يحذف» العائد «بإجماع إن مفعولًا به، والمبتدأ (كل)» كقراءة ابن عامر: ﴿وكل وعد الله الحسنى﴾ بالرفع، وكقول أبي النجم
قد أصبحت أم الخيار تدعي علي ذنبا كله لم أصنع
стр. 734
برفع (كل)، وكذا قول الآخر:
ثلاث كلهن قتلت عمدا.
«أو شبهه» أي: والمبتدأ إما (كل) أو شبه (كل) «في العموم والافتقار»، وذلك كل مفتقر من موصول وغيره نحو: أيهم يسألني أعطي، ونحو: رجل يدعو إلى الخير أجيب، أي: أعطيه، وأجيبه، الأول شرط إن جزمت الفعلين أو موصول [كالشرط] إن رفعتهما، والثاني مشبه بالشرط، فيحتاج إلى جملة تكون صفة له ليتم بها معناه، كما يتم بالشرط معنى اسم الشرط، وكما يتم بالصلة الموصول. وقد رأيت نقل المصنف الإجماع في مسألتي (كل) وشبهها:
فأما نقله لذلك في المسألة [الأولى] فقدح فيه بأن مذهب البصريين في ذلك
стр. 735
المنع، ونص ابن عصفور على شذوذ قراءة ابن عامر، [وسلك ابن] [أبي] [الربيع نفي الأدب في ذلك فقال: جاء في الشعر، وفي قليل من الكلام كقراءة ابن عامر]، وأجاز ذلك الكسائي والفراء فيما نقله الصفار عنهما.
وأما نقله لذلك في شبه (كل) فقال أبو حيان: لا أعلم له في ذلك سلفًا «ويضعف» الحذف «إن كان المبتدأ غير ذلك» كقراءة السلمي: ﴿أفحكم الجاهلين يبغون﴾ [بالرفع]، أي يبغونه، وكقول الشاعر:
وخالد يحمد سادتنا بالحق لا يحمد بالباطل
стр. 736
برفع (خالد) و (سادتنا)، أي يحمده سادتنا.
«ولا يختص جوازه بالشعر، خلافًا للكوفيين» وما استشهدنا به حجة عليهم.
«ويغني عن الخبر - باطراد - ظرف» مكاني، نحو: زيد أمامك، أو زماني نحو: القتال غدًا. «أو حرف جر تام» برفع (تام) على الصفة ل (حرف)، واحترز به من الناقص، وهو الذي لا يدل ذكره على متعلقة، نحو: بك، وفيك، وعنك، أي: واثق بك، وراغب فيك، ومعرض عنك. «معمول» أي الظرف أو حرف الجر التام «- في الأجود - لاسم فاعل كون مطلق» نحو: (زيد عندك، وعمرو في الدار، أي: كائن) عندك، وكائن في الدار، ونحوه: حاصل ومستقر، مما لا دلالة له على الكون المقيد، احترازًا مما يدل على المقيد، نحو: زيد في الدار، وتريد (ضارب) مثلًا. قال ابن عقيل: فلا يجوز إذ ذاك، والصواب: فلا يغنى عن [الخبر] الظرف،
стр. 737
وأما جوازه بشرط وجود الدليل فلا يمنعه أحد، ومنه: من لي بفلان، أي: من يتكفل لي به، ويصح - في نحو: ﴿النفس بالنفس﴾ - تقدير: مقتولة، ولكن لا يكون ذلك المحذوف المقيد واجب الحذف، ولا ينتقل الضمير منه إلى الظرف، ولا يسمى حبرًا، ولا محله رفع، ولا يصدق عليه أنه يغني عن الخبر، بدليل صحة الجمع بينهما. «وفاقًا للأخفش تصريحًا، ولسيبويه إيماءً، لا لفعله» كما ذهب إليه الفارسي والزمخشري، قيل: وسيبوبه، ونسبه ابن الحاجب إلى الأكثر. «ولا ١٤٠ للمبتدأ» كما ذهب إليه ابن خروف وابن أبي العافية، ونباه إلى/ سيبوبه، وهو ضعيف، لأنهما - في غير هذا الباب - إما أن يتعلقا بفعل أو شبهه فليكن في باب المبتدأ كذلك.
«ولا للمخالفة» كنا ذهب إليه الكوفيون يعنون أن الخبر - لما كان هو المبتدأ في نحو: زيد قائم، أو كأنه هو في نحو: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ ارتفع ارتفاعه، ولما كان مخالفًا له بحيث لا يطلق اسم الخبر على المبتدأ فلا يقال: - في زيد عندك - إن زيدًا هو عندك خالفه في الإعراب به فيكون العامل عندهم معنويًا، وهو معنى المخالفة التي اتصف الخبر بها، ولا يحتاج إلى تقدير شيء يتعلق به الخبر «خلافًا لزاعمي ذلك» وقد عرفت من المخالف في كل وجه من الوجوه التي حكاها، والمعول عندهم إنما هو على المذهبين الأولين:
أحدهما: أن العامل اسم فاعل كون مطلق.
стр. 738
الثاني: أن العامل فعل كون مطلق]. واختار المصنف الأول لوجوه منها: أن الأصل في الخبر الإفراد، وبهذا احتج ابن السراج وأبو الفتح.
قال الرضي: ولمانع أن يمنع، قالوا: إنما كان أصله الإفراد، لأنه القول المقتضي نسبة أمر إلى آخر، فينبغي أن يكون المنسوب شيئًا واحدًا كالمنسوب إليه، وإلا كانت هناك نسبتان أو أكثر، فيكون خبران أو أكثر، لا خبر واحد، فالتقدير: - في زيد ضرب غلامه - زيد مالك لغلام مضروب له.
والجواب: أم المنسوب يكون شيئًا واحدًا كما قلتم، ولكنه ذو نسبة في نفسه فلا
стр. 739
نقدره بالمفرد، فالمنسوب إلى زيد - في الصورة المذكورة - ضرب غلامه الذي تضمنته الجملة هذا [كله] [كلامه]، وأنت خبير بما أسلفناه عن بعض المحققين، من أنه لا إسناد - في الجملة من حيث هي جملة - إلى المبتدأ، فتذكر.
ومنها: أن الفعل إذا فلابد من تقديره بالوصف؛ ليستدل به على أنه في موضع رفع، واسم الفاعل مستغن عن ذلك.
وهذا - أيضًا يندفع بأن صيرورة الجملة ذات محل من الإعراب لا يدل على كونها بتقدير مفرد يؤخذ منها، بل يكفي في ذلك وقوعها موقع مفرد، وزاد جماعة - في توجيه هذا الرأي - أن تقليل المحذوف أولى.
وتقريره: أنه وقع في عبارة بعضهم أن الظرف في ذلك مقدر بجملة، فظن هؤلاء الجماعة أن المحذوف الذي يقدر، وفاعله المستتر فيه، وذلك جملة.
قال ابن هشام: وليس هذا بشيء، لأن الحق أنا لم نحذف الضمير، بل نقلناه إلى الظرف، فالمحذوف فعل أو وصف، وكلاهما مفرد.
стр. 740
والمختار - عند الأكثرين كما نقله ابن الحاجب - أن العامل المقدر فعل؛ لأن بنا حاجة إلى ذلك المتعلق المحذوف، وإنما يتعلق الظرف باسم الفاعل في نحو: أنا جالس عندك، ومار بزيد؛ لمشابهته للفعل، فإذا احتجنا إلى المتعلق بع فالأصل أولى «وما يعزى» أي نسب «للظرف» والمراد به مما يشمل الجار، والمجرور «من خبرية» أو نعتيه أو حالية أو كونه صلة وكان حقه التنبيه على ذلك «و» من «عمل» في نحو: زيد عندك أبوه، حيث يقال: أبوه فاعل بالظرف «فالأصح» وفاقًا لابن كيسان وظاهر قول السيرافي، وخلافًا للفارسي وتلميذه ابن جني «كونه» أي كون ما يعزي له من ذلك «لعامله» لا له. «وربما اجتمعا» أي الظرف وعامله الذي هو اسم فاعل كون مطلق اجتماعا «لفظًا» أي ملفوظًا [به]، أو ذا لفظ كقوله:
لك العز إن مولاك عز وإن يهن فأنت لدى بحبوحة الهون كائن
قلت: قد يمنع دلالة (كائن) هنا على الكون المطلق المراد به مطلق الحصول والوجود؛ لجواز أن يراد به الثبوت المقتضى للرسوخ/ وعدم التزلزل، وجعل قوم ١٤١
следующие страницы →