Полный текст (316 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
البرهان في وجوه البيان
تأليف/
أبي الحسين إسحاق بن إبراهيم بن سليمان بن وهب الكاتب
تحقيق/
حفني محمد شريف
مكتبة الشباب
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
رب يسر برحمتك
إن أولى ما افتتح به اللبيب كتابه، وابتدأ به الأديب خطابه، ما افتتح الله به القرآن، وجعله آخر دعوى أهل الإيمان، والحمد لله شكراً، واعترافاً بمنته، وصلى الله على محمد وعترته، والأوصياء من ذريته.
أما بعد فإنك كنت ذكرت لي وقوفك على كتاب الجاحظ الذي سماه كتاب البيان والتبيين، وإنك وجدته إنما ذكر فيه أخباراً منتخلة وخطباً منتخبة، ولم يأت فيه وظائف البيان، ولا أتى على أقسامه في هذا اللسان، فكان عند ما وقفت عليه، غير مستحق لهذا الاسم الذي نسب إليه، وسألتني أن أذكر جملاً من أقسام البيان آتية على أكثر أصوله، محبطة بجماهير فصوله، يعرف بها المبتدى معانيه، ويستغنى بهذا الناظر فيه، وأن أختصر ذلك لئلا يطول به الكتاب، فقد قيل: إن الإطالة، أكثر أسباب الملالة، فتثاقلت عن إجابتك إلى ما سألت لما
стр. 3
حذرت منه الحكماء، ونهت عنه العلماء، من التعرض لوضع الكتب، إذ كانت نتائج اللب، وكان المتجاسر على تأليفها إنما يبدي صفحة عقله، ويبين عن مقدار علمه أو جهله، ثم رأيت حق الصديق عند العلماء فوق حق الشقيق، ووجدتهم يجعلون الإخوان من عدد الزمان، فقال سيدنا ﵇ المرء كثير بأخيه، وسئل بعضهم، قيل له: أيما أحب إليك أخوك أم صديقك؟ قال: إنما أحب أخي إذا كان صديقاً. وقال بعضهم: الإخاء الصادق أقرب من النسب الشابك. وقال بعض الفلاسفة: الأصدقاء نفس واحدة في أجساد متفرقة، وقال مولانا ﵇: ثلاثة لا يعرفون إلا في ثلاثة مواطن: لا يعرف الشجاع إلا عند الحرب، ولا يعرف الحليم إلا عند الغضب، ولا يعرف الصديق إلا عند الحاجة إليه، فلما تذكرت ذلك وتدبرته، تحملت لك تأليف ما أحببته ورسمته، على علم مني بأن كتابي لابد أن يقع في يد أحد رجلين: إما عاقل يعلم أن الصواب قدصي، والحق إرادتي، وأن نية الرجل أولى به من عمله فيتغمد سهواً إن وقع من، ويغتفر زللا صدر عني، ويعود بفضل حلمه على زللي، ويصلح بعلمه خطئي، فقد وجب ذلك عليه لي، لاعترافي قبل اقترافي، وإقراري بالتقصير الذي ركب في جبلة مثلي، وإما جاهر أحب الأشياء إليه عيب ذوي الأدب، والتسرع إلى تهجينهم، وذكر مساوئهم، وذلك لمنافرته إياهم، وبعد شكله من أشكالهم، ومن أراد عيباً وجده، ومن فحص عن عثرة لم
стр. 4
يعدمها، وكان يقال: من حسد إنساناً اغتابه، ومن قصر عن شيء عابه، ولذلك قيل: من جهل شيئاً عاداه، وقال مولانا ﵇: عداوة الجاهل للعلم على قدر انتفاعه به، قال الشاعر.
(وأطوع ما علِمت بظهر غيْب ... إلى ذكر العيوب ذَوُو العيوب)
فمن كانت هذه حاله كان اللبيب حقيقاً بترك الحفل به، وترك الاكتراث له.
وقد ذكرت في كتابي هذا جملاً من أقسام البيان، وفقرا من آداب حكماء أهل هذا اللسان؛ لم نسق المتقدمين إليها، ولكني شرحت في بعض قولي ما أجملوه، واختصرت في بعض ذلك ما أطالوه، وأوضحت في كثير منه ما أوعروه، وجمعت في مواضع منه ما فرقوه، ليخف بالاختصار حفظه، ويقرب بالجمع والإيضاح فهمه. وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
وأما بعد: فإن الله خلق الإنسان وفضله على سائر الحيوان، ونطق بذلك القرآن فقال عز من قائل: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا﴾ وإنما فضله على سائر جنسه بالعقل الذي به فرق بين الخير
стр. 5
والشر، والنفع والضر، وأدرك به علم ما غاب عنه وبعد منه. والدليل على أن الله إنما فضل الإنسان بالعقل دون غيره أنه لم يخاطب إلا من صح عقله، واعتدل تمييزه، ولا جعل الثواب والعقاب إلا لهم، ووضع التكليف عن غيرهم من الأطفال الذين لم يكمل تمييزهم والمجانين الفاقدين لعقولهم والعقل حجة الله سبحانه على خلقه، والدليل لهم إلى معرفته، والسبيل إلى نبل رحمته، وقد أتت الرواية بأن الله لما خلق العقل استنطقه ثم قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر فقال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحب إلي منك، ولا أكملتك إلا فيمن أحب؛ أما إني إياك آمر، وإياك أنهى، وإياك أعاقب وأثيب، وبك آخذ وبك أعطي. وروي عن أبي عبد الله ﵇ أنه قال لهشام: يا هشام إن لله سبحانه حجتين: حجة ظاهرة، وحجة باطنة، فأما الظاهرة فالرسل، وأما الباطنة بالعقل؛ وعنه ﵇ أنه قال "حجة الله على العباد النبي، والحجة فيما بين العباد وبين الله العقل. ولولا العقل الذي بان به ذو التمييز من ذي الجهل لما كان بين الإنسان وبين سائر الحيوان فرق في تولد ولا نمو، ولا حركة ولا هدو، ولاأكل ولا شرب، لأن سائر البهائم شركاؤه في ذلك، فبالعقل إذاً تنال الفضيلة وهو عند الله جل وعز أقرب وسيلة.
стр. 6
[والعقل] ينقسم قسمين: موهوب ومكسوب، فالموهوب ما جعله الله في جبلة خلقه، وهو الذي ذكره في كتابه حيث يقول: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وقد فضل الله في هذه الموهبة بعض خلقه على بعض على مقدار علمه فيهم، كما فضل بعضهم على بعض في سائر أخلاقهم وأفعالهم، وقال: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ وإنما فعل الله ذلك للمصلحة لهم، ونحن نبين وجه الصلاح في ذلك فيما يستأنف من كتابنا هذا إذا صرنا إليه.
والمكسوب ما أفاده الإنسان بالتجربة والعمر، والأدب والنظر، وهو الذي ندب الله إليه فقال: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ وجعل من أعطاه العقل الغريزي فأهمله، وترك شحذه بالأدب والتفكير والتمييز والتدبر، كالأنعام، وعرفنا أن مصيرهم [عز من قائل] فقال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَانَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا
стр. 7
مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾، إلا أن العقل الموهوب أصل والمكسوب فرع، والأشياء بأصولها، فإذا صح الأصل صح الفرع، وإذا فسد فسد، وقد شبه بعض القدماء العقل الغريزي بالبدن، وشبه المكتسب بالغذاء، فكما أن الغذاء لا يستحيل إلا بالأبدان المحيلة له، ولا ينفع إلا بحصوله فيها، فكذلك العقل المستفاد بالأدب لا يتم إلا بالعقل الغريزي، فكما أن البدن إذا عدم الغذاء لم يكن له بقاء، فكذلك العقل الغريزي إذا عدم الأدب، فإذا صح العقل الموهوب كان بمنزلة البدن الصحيح الذي يستمرئ الغذاء، وينتفع به، وإذا فسد كان بمنزلة البدن المريض الذي لا يشتهي الغذاء، وإن حمل إليه منه ما لا يدعوه طبعه إليه كان زائداً في مرضه، واستحال الداء الذي هو غالب، ولذلك، قيل: إن الأدب يذهب عن العقل السكر ويزيد الأحمق سكراً، وقال الله : ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ فأحمد الناس (عند الله وعند الحكماء أصحهم عقلاً، وأكثرهم علماً وأدباً، وقد قال الله : ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾. وقال: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ
стр. 8
يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ وقال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ وأخبر بعاقبة من أهمل نفسه وضيع عقله ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ فمن لم يتفكر قلبه، وينظر بعقله لم ينتفع بهذا الجوهر الشريف الذي وهبه الله له، وإلى التفكر ندب الله عباده، وبالاعتبار أمرهم فقال ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ وقال: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ وقال: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ وقال: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ وقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ وروي: فكرة ساعة خبر من عبادة سنة، وروي عن الصادق ﵇ في كلام له: ولكل شيء دليل، ودليل العقل الفكر، ودليل الفكر الصمت؛ [فبالفكر] والاعتبار، يتقي الزلل والعثار، وبالتجارب تعرف العواقب، وتدفع النوائب؛ فإذا تفكر الإنسان وقدر ونظر واعتبر وقاس ما يدله عليه فكره بما جربه هو ومن قبله تبين له ما يريد أن يتبينه، وظهر له معناه وحقيقته" وقد ذكر الله البيان فمدحه، وامتدح بأنه علمه عباده
стр. 9
فقال: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾، وجعل كتابه تبياناً لكل شيء [وجعله قرآناً]، وجعل رسله مبينين لخلصه فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ وقال: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ وقال: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ﴾.
ذكر وجوه البيان
البيان على أربعة أوجه. فمنه بيان الأشياء بذواتها، وإن لم تبن بلغاتها؛ ومنه البيان الذي يحصل في القلب عند إعمال الفكر واللب، ومنه البيان باللسان [ومنه البيان بالكتاب] الذي يبلغ من بعد وغاب.
فالأشياء تتبين للناظر المتوسط، والعاقل المتبين بذواتها، وبعجيب تركيب الله فيها، وآثار صنعته في ظاهرها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾، وقال: ﴿وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، ولذلك قال بعضهم: قل للأرض من شق أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك، فإن أجابتك حواراً، وإلا أجابتك اعتباراً، فهي وإن كانت صامتة في أنفسها، فهي ناطقة بظواهر أحوالها، وعلى هذا النحو استنطقت العرب الربع، وخاطبت الطلل، ونطقت عنه بالجواب، على سبيل الاستعارة في الخطاب؛ وقال الله في هذا المعنى:
стр. 10
﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾
وقال الشاعر:
(يا ربع بسرة بالجناب تكلم ... وأبن لنا خبرا ولا تستعجم)
(مالى رأيتك بعد أهلك موحشا ... خلقا كحوض الباقر المهدم)
فاستنطق ما لا ينطق بلسانه [لأنه أحواله مظهرة لبيانه]، وقال آخر فأجاب عن صامت غير مجيب لما ظهر من حاله للقلوب:
(فأجهشت للتوباد حين رأيته ... وهلل للرحمن حين رآني)
فقلت له: (أين الذين عهدتهم ... حواليك في عيش وخير زمان؟ ! )
فقال: (مضوا واستودعوني ديارهم ... ومن ذا الذي يبقى على الحدثان).
وإنما تعتبر هذه الأشياء لمن اعتبر بها، وتتبين لمن طلب البيان منها، ولذلك جعل الله الآية فيها لمن توسم وتفكر، وعقل وتذكر، فقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾
стр. 11
و ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فهذا وجه بيان الأشياء بذواتها لمن اعتبرها وطلب البيان منها، فإذا حصل هذا البيان للمتفكر صارعا لما بمعاني الأشياء، وكان ما يعتقد من ذلك بياناً ثانياً غير ذلك البيان، وخص باسم الاعتقاد، ولما كان ما يعتقده الإنسان من هذا البيان، ويحصل في نفسه منه غير متعد له إلى غيره وكان الله قد أراد أن يتمم منه فضيلة الإنسان خلق له اللسان، وأنطقه بالبيان، فخبر به عما في نفسه من الحكمة التي أفادها، والمعرفة التي اكتسبها، فصار ذلك بياناً ثالثاً أوضح مما تقدمه، وأعم نفعاً لأن الإنسان يشترك فيه مع غيره، والذي قبله إنما ينفرد به وحده، إلا أن البيانين الأولين بالطبع، فهما لا يتغيران وهذا البيان والبيان الآتي بعده بالوضع فهما يتغيران بتغير اللغات، ويتباينان بتباين الاصطلاحات. ألا ترى أن الشمس واحدة في ذاتها، وكذلك هي في اعتقاد العربي والعجمي، فإذا صرت إلى اسمها وجدته في كل لسان من الألسن بخلاف ما هو في غيره، وكذلك الكتاب، فإن الصور والحروف تتغير فيه بتغير لغات أصحابه، وإن كانت الأشياء غير متغيرة بتغير الألسن المترجمة عنها.
ولشرف البيان وفضيلة اللسان قال أمير المؤمنين ﵇: المرء مخبوء تحت لسانه [فإذا تكلم ظهر] وهذا من أشرف الكلام وأحسنه، وأكثره معنى وأخصره، لأنك لا تعرف الرجل حق معرفته إلا إذا خاطبته وسمعت منطقه، ولذلك قال بعضهم. وقد سئل في كم تعرف الرجل؟ قال: إن سكت ففي يوم، وإن نطق ففي ساعة. وقال بعض الحكماء: إن
стр. 12
الله سبحانه أعلى درجة اللسان على سائر الجوارج فأنطقه بتوحيده، وقال الشاعر:
(وهذا اللسان بريد الفؤاد ... يدل الرجال على عقله)
وقال آخر:
(وكائن ترى من معجب لك صامت ... زيادته أو نقصه في التكلم)
فاللسان ترجمان اللب، وبريد القلب، والمبين عن الاعتقاد بالصحة أو الفساد، كما قال الشاعر:
(إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا)
وفيه الجمال، كما قال الله : ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ وكما قال النبي ﷺ وقد سأله العباس فقال: فيم الجمال يا رسول الله؟ فقال: في اللسان، إلا أنه لما كان النقض للناس شاملاً، والجهل في أكثرهم فاشياً، وكان كثير منهم يسرع إلى القول في غير موضعه، ويعجب بما ليس بمعجب من منطقه، احتاطت العلماء على الدهماء بأن أمورهم بالصمت، ومدحوه عندهم، وأعلموهم بأن الخطأ في السكوت أيسر من الخطأ في القول، وقالوا: عثرة اللسان لا تستقال.
وقال الشاعر:
(وجر اللسان كجرح اليد)
стр. 13
وقال آخر:
(يموت الفتى من عثرة بلسانه ... وليس يموت المرء من عثرة الرجل)
وعرفوهم أن الفائدة في الصمت لصاحبه، والفائدة في النطق لغيره، وقال بعضهم وقد سئل عن لزومه للصمت فقال: أسكت لأسلم، وأنصت لأعلم، وقيل: الصمت حكمة وقليل فاعله، وقال أمير المؤمنين ﵇: من كثر كلامه كثر سقطه، وقال النبي ﷺ وهل يكب الناس على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم؟ ! وقال بعض الفلاسفة لرجل سمعه يكثر الكلام: أيا هذا أتصف أذنيك هم لسانك، فإنما جعل لك أذنان ولسان واحد لتسمع أكثر مما تتكلم، وقال الشاعر.
(وفي الصمت ستر للغبي، وإنما ... صحيفة أب المرء أن يتكلما)
وكل هذا إنما أرادوا به حجز اللسان عن الكلام فيما لا يعلمون، والتسرع إلى إطلاق ما لا يحصلون، وكما أن الصمت في أوقاته، وعند الاستغناء عنه حسن، فإن الكلام في أوقاته وعند الحاجة إليه أحسن، وقد روى عن مولانا على بن الحسين ﵇ قول، انتظم معنى ما أرادته
стр. 14
العلماء في النطق بأخصر قول وأشبه بكلام أمثاله ﵇ فقال: السكوت عمالا لا يعنيك أمثل من الكلام فيه، والكلام فيما يعنيك خير من السكوت [عنه]، وحسب الأديب أن يستشعر هذا القول، فإنه يهجم به على محاسن الأمرين إن شاء الله، وقد يصمت الإنسان ويستعمل الكتمان لمخافة، أو رقبة أو بإسرار عداوة، أو بغضة، فيظهر في لحظاته وحركاته ما يبين عن ضميره، ويبدى مكنونه مثل ما يظهر الدمع عند فقد الأحبة، ومن تغير النظر عند معاينة أهل العداوة، ولذلك قال الشاعر:
(إذا لقيناهم نمت عيونهم ... والعين تظهر ما في القلب أو تصف)
وقال آخر:
(إذا ما حضرنا والرقيب بمجلس ... ترانا سكوتا والهوى يتكلم)
وهذا من بيان الأشياء بذواتها، وهو من الباب الأول
ثم إن الله لما علم أن بيان الأشياء مقصور على الشاهد دون الغائب، وعلى الحاضر دون الغابر، وأراد تعالى أن يعم بالنفع في البيان جميع أصناف العباد، وسائر آفاق البلاد، وأن يساوي فيه بين الماضين من خلقه والآتين، والأولين والآخرين؛ ألهم عبادة تصوير كلامهم بحروف اصطلحوا عليها، فخلدوا بذلك علومهم لمن بعدهم، وعبروا به عن ألفاظهم، ونالوا ما بعد عنهم، وكملت بذلك نعمة الله عليهم
стр. 15
وبلغوا الغاية التي قصدها في إفهامهم، وإيجاب الحجة عليهم، ولولا الكتاب الذي قيد على الناس أخبار الماضين لم تجب حجة الأنبياء على من أتى بعدهم، ولا كان النقل يصح عنهم، ولذلك صارت الأمم التي ليس لها كتاب قليلة العلوم والآداب، وقد امتدح الله تعلم الكتاب في كتابه، [ومن احتجاجه على الناس به] وبين احتجاجه على الناس به، فقال: ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ*اقْرَا وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ وقال: ﴿أَوَلَمْ تَاتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى﴾ وقال: ﴿اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
وكل هذه الأقسام التي ذكرناها من البيان لا تخلو من أن تكون ظاهرة جلية، أو باطنة خفية، وذلك لما دبره الله في هذا من الحكمة والدلالة، لأنه جعل بعض خلائقه محتاجاً إلى البعض، فالظاهر محتاج إلى الباطن، لأنه معنى له، والباطن محتاج إلى الظاهر لأنه دليل عليه، فكذلك سائر مصنوعات الله محتاج بعضها إلى بعض ليعلم الإنسان أنه ليس يستغنى شيء بنفسه، ويقوم بذاته غير الله ، وكل ما سواه فإنما هو بغيره، ولو جعل الله ﵎ الأشياء كلها ظاهرة لتساوي الناس في العلم، ولم يتفاضلوا فيه، وفي تساوى الناس - حتى لا يكون فيهم [رؤساء] متبعون، وأتباع مطيعون - بوارهم؛ وقد قيل: لا يزال الناس بخير ما تباينوا فإذا تساووا هلكوا
стр. 16
وعلى ما قلناه دبّرهم - سبحانه -، فقال في كتابه: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ﴾ إلى آخر الآيات، فجعل علم آدم بما أظهره له وأخفاه عن ملائكته دليلاً على فضله ورياسته، وأنه المستحق من بينهم ما أفضى به إليه من خلافته، لأن من حكمه ألا يسوي بين العالم وغيره، ولو سوى بين الملائكة وبينه في علم ما علمه إياه لم يكن هناك تفاضل يوجب له المنزلة التي جعلها له، ولو جعل - تقدست أسماؤه - الأسماء كلها خفية لم يكن إلى علم شيء سبيل، ولتساوى الناس في الجهل [لكنه] بحكمته ومتقن صنعه جعل بعضها ظاهراً مستغنياً بظهره عن طلبه، وبعضها باطناً يحتاج إلى إظهاره والفحص عنه، وجعل الظاهر دليلاً على الباطن وسلماً إليه، ولم يقنع من عباده بعلم الظاهر من الأشياء التي يعرفوا معانيه، وباطن تأويله، وذم من اقتصر على علم ظاهر الأمور دون بواطنها، وفي العلم عنهم فقال: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ وشبه من حمل التوراة حمل حفظ لظاهرها من غير تدبر لمعانيها بالحمار، فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ وقال في ذم قوم: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَاتِهِمْ تَاوِيلُهُ﴾ وقال: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَاوِيلِ الأَحَادِيثِ﴾ وقال الرسول ﷺ "نية المؤمن خير من عمله" والنية باطنة، والعمل ظاهر، ولذلك لم يقنع بعلم الباطن،
стр. 17
والعمل به دون الظاهر فقال: (إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن) وأعلمنا أن بالظاهر تقوم الحجة فقال: ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾، وقال رسول الله ﷺ "الإيمان عقد بالقلب، وقول باللسان وعمل بالأركان"، وقال "ليس الدين بالتجلي ولا بتمني ولكنه ما وقر في النفوس، وصدقته الأعمال" وذلك لأن النية مغيبة عنا، وليس يعلمها إلا الله وصاحبها، وإنما يستدل عليها بالقول والعمل، ألا ترى أن الإنسان إنما تعرف حكمته الباطنة بما يظهر لنا من صحة قوله وإتقان عمله، وبين في العقل أنه لما كان الظاهر سبباً إلى الباطن، وعلة لنيله والوصول إليه وجب أن يكون معلقاً به، وغير منفصل عنه، وأن يكون ما يدرك من فضيلة العلم منسوباً إليهما لاشتراكهما في إيضاحه، فإن لعلة بالمعلول تدرك، والمعلول بالعلة يوجد، وأن لا يكون الأمر كما ظن قوم أرذلوا علم الظاهر وتركوا العمل به، وهم مع ذلك مقرون بأنه لا يصلون إلى علم الباطن، والإيضاح عن حقيقته إلا به، فجعلوا ما لا تدرك الحاجة إلا به غير محتاج إليه، وهذا هو المحال البين، ولو كان الأمر كما ظنوا لبطلت حقوق الناس، وتعطلت تجاراتهم، وفسدت معاملاتهم، وسقطت أخبارهم، لأنهم إنما يعملون في جميع ذلك على الظاهر دون الباطن، ووضوح هذا يغني عن الإطالة فيه.
стр. 18
باب
البيان الأول وهو الاعتبار
قد قلنا: إن الأشياء تبين بذواتها لمن تبين، وتعبر بمعانيها لمن اعتبر، وإن بعض بيانها ظاهر، وبعضه باطن، ونحن نذكر ذلك ونشرحه فنقول: إن الظاهر من ذلك ما أدرك بالحس كتبيننا حرارة النار، وبرودة الثلج على الملاقاة لهما، أو ما أدرك بنظره العقل التي تتساوى العقول فيها مثل تبيننا أن الزوج خلاف الفرد، وأن الكل أكثر من الجزء والباطن ما غاب عن الحس، واختلفت العقول في إ ثباته، فالظاهر مستغن بظهوره عن الاستدلال عليه والاجتماع عليه لأنه لا خلاف له، والباطن هو المحتاج إلى أن يستدل عليه بضروب الاستدلال، ويعتبر بوجوه المقاييس والأشكال. والطريق إلى علم باطن الأشياء في ذواتها والوقوف على أحكامها ومعانيها من جهتين هما: القياس، والخبر، وحجتنا في القياس (أن الله قال: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ وذلك الأمثال التي جاءت في كتابه كمثل كذا وكذا في مواضع كثيرة، وذلك كله تشبيه وقياس. وأيضاً فقد قاس) في كتابه فقال لمن حرم وحلل وهو جاحد للرسل الذي يأتون بالتحليل والتحريم: ﴿أَمْ كُنتُمْ
стр. 19
شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾ وقال: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ فلما لم يمكنهم أن يدعوا أن الله سبحانه شافههم بذلك، وكان في قولهم واعتقادهم إبطال الرسل الذين يؤدون عن الله أمره، تبين لهم أن الذي شرعوه لأنفسهم ضلال وبهتان من غير حجة ولا سلطان، فقال لهم بعد أن تبين ذلك لهم: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ومن الحديث ما حدثه زبيد، الأيامي يرفعه قال: قال رسول الله ﷺ "كل قوم على بينة من أمرهم ومفلحة عند أنفسهم يردون على من سواهم" والحق في ذلك يعرف بالمقايسة عند ذوي الألباب وأما الخبر فحجتنا فيه من الكتاب قول الله : ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾، ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ ولم يكن ليأمر بمسألتهم إذا لم يعلم، إلا وأخبارهم تفيدنا علماً وتزيل عنا شكاً.
ومن الأثر قول رسول الله ﷺ : "نضّر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها فأداها" وقوله: "ليبلغ الشاهد منكم الغائب"، ولم يأمر بذلك إلا وإبلاغ الشاهد الغائب يوجب الحجة، واستماع الغائب من الشاهد يكسب علماً وفائدة.
стр. 20
ذكر القياس
والقياس في اللغة التمثيل، والتشبيه، وهما يقعان بين الأشياء في بعض معانيها لا في سائرها، لأنه ليس يجوز أن يشبه شيء شيئاً في جميع صفاته فيكون غ يره، والتشبيه في الأشياء لا يخلو من أن يكون تشبيهاً في حد أو وصف، أو اسم، فالشبه في الحد هو الذي يحكم لشبهه بمثل حكمه إذا وجد فيه فيكون ذلك قياساً صادقاً وبرهاناً واضحاً، والشبه في الوصف هو الذي يحكم لشبهه به فيكون في بعض الأشياء صادقاً، وفي بعضها يكون كاذباً.
والشبه في الاسم غير محكوم فيه بشيء إلا أن يكون الاسم مشتقاً من وصف؛ ونحن نمثل ذلك فنقول: إن حلول الحركة في المتحرك لما كانت حداً له، وجب أن يكون كل ما حلت فيه الحركة متحركاً، وهذا حق لا نطعن فيه. فأما السواد الذي هو من أوصاف الحبشي فليس حيث وجدناه حكمنا لحامله بأنه حبشي، ومتى قلنا ذلك كنا مبطلين، ولكنا إذا قلنا: إن بعض من يوصف بالسواد حبشي صدقنا، وأما زيد الذي هو من الأسماء فليس بموجب أن يكون بينه وبين غيره ممن اتفق هذا الاسم له مماثلة ولا مشابهة إلا أن يكون الاسم مشتقاً من وصف فيلحق الوصف ما شاركه من ذلك الاشتقاق ما يلحقه، مثل الأبيض الذي يسمى به كل (ما كان البياض فيه) لأنه مشتق منه. والاشتباه في الأسماء لا يوافق بين معانيها إذا اختلفت ذواتها، فإن الهوى الواقع على هوى
стр. 21
النفس مخالف للهواء الذي بين السماء والأرض وإن اتفقنا في الاسم، وكذلك اختلاف الأسماء إذا اتفقت المعاني لا يوجب اختلافاً في المعاني كالنأي والبعد، وكلاهما واقع على معنى واحد، فمن أراد أن يحكم الأمر في القياس فليصحح الكلام، ويتفقد أمر الحد والوصف ويتأمل ذلك تأملاً شافياً حتى لا يجعل الوصف الذي يوجب الحكم الجزئي في موضع الحد الذي يوجب الحكم الكلي، وأن يتثبت في القضاء ولا يعجل في الحكم فإن العجل موكل به الزلل، وقد قالت القدماء: إن أحد أسباب الخطأ في القضية، قصر مدة الروية، وأكثر من غلط في القياس إنما غلط في سوء التمثيل، ومسامحة النفس في ترك التحصيل، والمبادرة في الحكم بغير روية ولا فكر.
وليس يجب القياس إلا عن قول يتقدم فيكون القياس نتيجة كقولنا: إذا كان الحي حساساً متحركاً فالإنسان حي، وربما كان ذلك في اللسان العربي مقدمة أو مقدمتين، أو أكثر على [قدر] ما يتجه من إفهام المخاطب. فأما أصحاب المنطق فيقولون: إنه لا يجب قياس إلا عن مقدمتين لإحداهما بالأخرى تعلق، والقول على الحقيقية كما قالوا، وإنما يكتفى في لسان العرب بمقدمة واحدة على التوسع وعلم المخاطب.
والنتائج ثلاث: إحداها ما صدر عن قول مسلم في العقل لا خلاف فيه، فتكون النتيجة عنه برهاناً كقولنا: إذا كان الزوج ما ركب من عددين متساويين فالأربعة زوج، والأخرى ما صدر عن قول مشهور إلا أنه مختلف فيه، فتكون النتيجة عنه إقناعاً كقولنا: إذا كان حق الباري
стр. 22
- واجباً علينا، لأنه على لوجودنا، فقد وجب حق الوالد أيضاً وصحة هذه النتيجة إنما تقع بالاحتجاج لمقدمتها حتى يعرف بها من لا يعرف ثم تصح. والثالثة ما صدر عن قول كاذب وضع المغالطة، كقولنا: إن اللصوص يخرجون بالليل [للسرقة] ففلان سارق لأنه خرج بالليل، وهذا باطل، لأن السارق ليس هو سارق من أجل خروجه بالليل، وإلا فكل من خرج بالليل فهو سارق.
والحد مأخوذ من أصل الشيء الذي منه كونه، وفصله الذي به بتفصل من غيره، فإن حد الحي هو الجسم الحساس المتحرك، فالجسم أصله، والحساس والمتحرك فصلاه اللذان ينفصل بهما من غيره من الأجسام التي لا تتحرك ولا تحس، وكذلك حد الديار فإنه مأخوذ من المدينة والمحلة اللتين هي منهما، ومن الجهات التي تنفصل بها من غيرها، وليس يتجه الحكم في سائر المذاهب على شيء غير محدود، ولا منفصل؛ ألا ترى أنه متى شهد شاهدان على رجل بحق عند قاض احتيج إلى أن يشهد الشهود جنسه الذي هو أصله وبعينه واسمه اللذين هما فصلاه اللذان يتفصل بهما من غيره، فإن عرفوا ذلك وشهدوا به، وإلا لم يمض القاضي حكماً عليه، وكذلك الحق في نفسه فإنه يحتاج إلى أن يذكر أصله من الورق أو الذهب، وفصله من النقد والوزن فيقال: ورقاً أو عيناً وزن سبعة مثاقيل، فإذا فعل ذلك كان الحكم ماضياً بيقين من القاضي أنه قد أصاب الحكم فيما
стр. 23
أمر به.
وأما الوصف فهو ذكر بعض الأشياء التي تخص الشيء وليست ثابتة على حد كما يقال في الدار: إنها الواسعة، أو الضيقة أو المبنية بالجص أو الآجر كما يقال في الرجل الطويل الأسمر الأقنى، وكل هذه أوصاف لا تأتي على الحد بل يشرك الموصوف بها غيره فيها، ومثل ذلك التحلية التي تستعملها الكتاب والحكام فيمن لم يعرفوه باسمه وعينه ونسبه، فيكون من الاحتياط إذا لم يجدوا سبيلاً إلى غير ذلك.
وأما الاسم فليس يقع به حكم البتة إلا أن يكون مشتقاً من وصف كالأبيض، فإنا نسمي بهذا الاسم كل من غلب البياض على لونه، والاشتقاق والوصف يعمل فيهما على الأغلب والأكثر، ألا ترى أن الزنجي حامل البياض في ثغره وفي بياض عينه، وأن الرومي حامل السواد في حدقتيه وشعره، فلا يسمى الزنجي أبيض بما فيه من البياض، ولا الرومي أسود بما فيه من السواد، لكن يسميان بالأغلب على ألوانهما، وإن دعت ضرورة إلى ذكر ما في الأسود من البياض، أو في الأبيض من السواد لم يطلق ذلك لهما حتى ينسب إلى العضو الحامل له، فيقال: الأبيض الثغر، والأسود الشعر.
واعلم أن القول المنفي ليس بموجب حكماً غير حكم النفي، وليس يحصل منه تشبيه ولا تمثيل يقع بهما قياس، وذلك كقولنا: زيد غير قائم، وعمرو غير قائم؛ فقد نفينا عنهما جميعاً القيام ولم نثبت لهما اجتماعاً في معنى آخر،
стр. 24
لأنه قد يجوز أن يكون أحدهما قاعداً والآخر نائماً وكلاهما غير القيام، وكذلك إذا نفينا عن جسمين البياض، فلم نثبت لهما اجتماعاً في لون آخر من الحمرة أو الصفرة أو السواد، ولو شهد شاهدان عند حاكم بأن فلاناً لم يبع ضيعته من فلان لم يكن ذلك بموجب الا يكون فلان ملكها عليه، لأن للملك وجوهاً أخرى غير المبيع، ولذلك قالت القدماء: إن صفات الباري إنما ينبغي أن تكون بالسلب، يعنون النفي، لأنه لا يحصل في النفي ما يقع به تشبيه.
واعلم أن كل مطلوب فإما أن يكون موجوداً أو غير موجود، وأن الموجود إما أن يكون موجوداً بالحس كالمبصرات والمذوقات والأجسام والأشكال وما أشبه ذلك، وإما أن يكون موجوداً بالعقل كوجودنا ما غاب عنا، وكوجودنا الجوهر والباري ، وإنما وجودنا بالعقل من الأشياء الغائبة التي لا تحس في ذواتها فإنما تتلقط مبادئ المعرفة بها من الحس فيعرف الجوهر من الأعراض المحمولة فيه كما يعرف ذو اللون باللون، وذو العدد بالعدد، وكما يعرف البارئ بموضوعاته وآثار فعله، وأن ما يظهر من ذلك عند التأمل له دليل على أن الأشياء لم تكن بالاتفاق، وأنها من قصد حكيم دبرها، وأحكم صنعه منها، ودلالة الشيء [على غيره] تكون بأحد أربعة أشياء.
إما بالمشاركة [وقد ذكرنا جملاً منها] وإما بالمضادة، فإن الضد يكسب
стр. 25
معرفة الضد، فإنا إذا عرفنا الحياة، وعلمنا أنها بالحس والحركة [وعرفنا ضدها الذي هو الموت وأنه بعدم الحس والحركة]، وإذا انتفى الحكم في أحد الضدين وجب في الآخر ضرورة إذا كان الضدان لا واسطة لهما كالموت والحياة، والحركة والسكون، والضياء والظلام، فأما إذا كان بينهما واسعة فليس الأمر كذلك، وذلك كالسواد والبياض اللذين بينهما الحمرة والصفرة والخضرة، وكالقيام والقعود اللذين بينهما الاضطجاع والركوع والسجود، فنحن نعرف بالسواد الذي هو البياض، وبالقيام ضده الذي هو القعود، وإن نفينا السواد عن شيء لم يجب له البياض ضرورة كما كنا إذا نفينا عن الشيء الحياة وجب له الموت ضرورة، لأن الحياة والموت لا واسطة بينهما، وهذه أضداد لها واسطة.
وإما العرض كما يعرف الجسم بالطول والعرض والسمك، وإما بالفعل كما يدل الولد على الوالد، وكما يدل الباب على النجارة.
والمعقول من الموجودات التي لا تحس لا يحد، لأن الحد مأخوذ من الأصل والفصل كما قلنا، والأشياء المعقولة التي لا تقع تحت الحس ليست لها مادة تكون أصلاً لها، ولا تنفصل أيضاً عن غيرها من المعقولات انفصالاً طبيعياً فيستعمل ذلك في حدها فإنما تعرف بأسمائها، وتوصف بأوصاف غير محيطة بحدودها فيقال [في] الجوهر: إنه الذي يحمل
стр. 26
المتضادات في أنواعه من غير تبدل يلحقه في ذاته، ويقال في البارئ إنه القديم الذي هو علة لمصنوعاته وأشباه هذا، ألا ترى أن موسى ﵇ لما سأله فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ولما قال: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ فوصفه بأفعاله ولم يحده لامتناع الحد في ذاته.
والأشياء التي يقع الوصف بها تسعة أشياء: وهي أعراض كلها، منها الحال كقولك: زيد ظريف، ومنها العدد كقولنا: المال درهمان، ومنها المكان كقولنا: زيد خلفك، ومنها الزمان كقولك: جاءني زيد أمس، ومنها الإضافة كقولنا: هذا ابن زيد، ومنها القنية كقولنا: هذا مالك وغلامك ومنها النصبة كقولنا: زيد مضطجح وقاعد، ومنها الفاعل كقولنا: زيد يضرب ومنها المنفعل كقولنا: زيد مضروب، ولا يكون وصف بغير هذه الوجوه التسعة. والحال قد تكون لازمة، فتسمى هيئة كبياض القطن وسواد الفحم، وتكون غير لازمة فتختص باسم العرض كصفرة الوجل، وحمرة الخجل.
والعدد منه منفصل ومنه متصل؛ فالمتصل ما كان له واسطة تجمع بين طرفيه، وكان متصلاً بالمادة كالدرهم والدرهمين، وكالأشكال والأماكن؛ والمنفصل ما انفصل من المادة، ولم تكن له واسطة تجمع بين طرفيه، كالواحد والاثنين، وكالزمان الذي هو حركة الفلك المنفردة، والإضافة نسبة شيء إلى شيء يدور كل واحد منهما إلى
стр. 27
صاحبه، فإن الصديق، صديق صديقه، والجار جار جاره، والقنية وهي الملك وهي تشبه المضاف من جهة الإضافة، إلا أنها تخالفه بأنها لا تدور على الشيء، فإنا إن قلنا في المال إنه مال زيد، فليس يجوز أن نقول. في زيد: إنه زيد المال، كما قلنا في المضاف، وضد القنية العدم، وليس يستحق المعدم اسم العدم إلا بعد استحقاقه اسم القنية لأنا لا نسمي الطفل فقيراً، ولا جرو الكلب أعمى لأن الطفل لم يستحق بعد أن يملك شيئاً يعدمه، وكذلك جرو الكلب لم يستحق أن يكون بصيراً فيعمى.
والنصبة: تشارك الحال، وهي انتصاب الجسم، وما يشاهد عليه من قيام أو قعود وانحراف إلى بعض الجهات المحيطة به، وهي ست جهات، وهي فوق، وتحت، وأمام، وخلف، ويمين، وشمال.
والفاعل: هو الموقع فعله بغيره، وفعله ربما كان باقي الأثر كأثر النجار في السرير، أو غير باقي الأثر، كضرب زيد عمراً.
والمنفعل: هو القابل لوقوع فعل الفاعل [به] وتأثيره فيه، وقد يفعل الشيء بطبعه، ويفعل باختياره. فالفاعل بالطبع لا يمتنع من الفعل في كل أوقاته، وعلى كل أحواله، كالنار التي تحرق كل شيء ما لاقاها في سائر الأوقات، وعلى كل الأحوال.
والفاعل بالاختيار: هو الذي يفعل الشيء إذا أراد فعله، ويمتنع منه إذا أراد الامتناع منه، كالكاتب الذي متى شاء كتب، ومتى شاء أمسك عن الكتابة، ويقال في المختار، إذا أمسك عن الفعل وهو قادر عليه متى هم به: فاعل بالاستطاعة وبالقوة، كالكاتب الذي يسمى بهذا الاسم،
стр. 28
وإن كان ممسكاً عن الكتابة، لأنه مستطيع لها متى هم بها، فإذا فعل الكتابة كان كاتباً بالفعل.
أنواع البحث والسؤال:
وأنواع البحث والسؤال تسعة أنواع:
فأولها: البحث عن الوجود بهل تقول: هل كان كذا أو كذا؟ فيقال: نعم أو لا.
والثاني: البحث عن أنواع الموجودات بما؛ تقول: ما الإنسان؟ فيقال: الحي الناطق، وما رأيك في كذا؟ فيقال: رأيي الفلاني.
والثالث: البحث عن الفصل بين الموجودات بأي، تقول: أي الأشكال المربع؟ فيقال: [هو] الذي يحيط به أربعة خطوط.
والرابع: البحث عن أحوال الموجودات بكيف، تقول: كيف الإنسان؟ فيقال: منتصب القامة.
والخامس: البحث عن عدد الموجودات بكم، تقول: كم مالك؟ فيقال: عشرون درهماً.
والسادس: البحث عن زمن الموجودات بمتى، تقول: متى كان هذا؟ فيقال: في زمن الرشيد.
والسابع: البحث عن مكان الموجودات بأين تقول: أين زيد؟ فيقال: في الدار.
стр. 29
والثامن: البحث عن أشخاص الموجودات بمن يقال: من خرج؟ فيقال: زيد، ومن لا تستعمل إلا في المسألة عمن يميز ويعقل.
والتاسع: البحث عن علل الموجودات بلم، وليس يقع الجدال والحجة إلا في العلة ولا يجب الحق والباطل إلا فيها، ونحن نذكر اعتبار العلل، والواجب منها والفاسد إذا صرنا إلى ذكر الجدل في كتابنا هذا إن شاء الله.
فهذه جمل في وجوه الاستدلال والقياس تدل ذا اللب على ما يحتاج إليه، ومن أراد استيعاب ذلك نظر في الكتب الموضوعة في المنطق فإنها جعلت عياراً على العقل ومقومة لما يخشى ذَلَلُه، كما جعل البركار لتقويم الدائرة، والمسطرة لتقويم الخط، وجعل الميزان مثالاً للقياس والموازنة بين المتشابهين، لئلا تقع المجازفة والبخس في الحقوق، وليكون الإنسان على يقين من الإصابة في ذلك، وقد أتى المتقدمون في جميع هذه الأحوال بما فيه كفاية لمن فهم إن شاء الله.
الخبر:
وأما الخبر فمنه يقين، ومنه تصديق.
فاليقين: منقسم ثلاثة أقسام:
أحدها خبر الاستفاضة والتواتر الذي يأتي على ألسن الجماعة المتباينة
стр. 30
هممهم وإرادتهم وبلدانهم، ولا يجوز أن يتلاقوا فيه ويتواطئوا عليه، فذلك يقين يلزم العقل الإقرار بصحة، وبهذا النوع من الأخبار ألزمنا الله حجج الأنبياء ﵈ ونحن لم نشاهدهم [ولم نر آياتهم] ولم نسمع احتجاجهم على قولهم، وذلك من تسخير الله الناس حتى تقوم الحجة، وإلا فكل أحد من الناس يجوز عليه الكذب، فإذا تواترت أخبارهم كان ذلك زائداً حقاً، لما قدمناه، وليس التواتر فعلهم، فيجوز أن يفعلوا ضده، وإنما هو شاهد لصدقهم ودليل عليه، والدليل غير المدلول عليه، فقولهم: محتمل الصدق والكذب لأنه فعلهم، وهم ممكنون مختارون، والتواتر والاستفاضة معنى آخر ليس من فعلهم ولا من اختيارهم، وهو دليل الصدق إذا وجد، وليس هذا في أخبار العدول دون الفساق، ولا المؤمنين دون الكفار، لكنه في أخبار الجماعة كلها، ولو كان لا يقبل من التواتر إلا ما أتى به أهل الإيمان لم يكن لأحد من المخالفين علوم ينقلونها، ولا أخبار يرثونها، وقد تكلمنا في هذا الباب في كتابي "الحجة، والإيضاح" بما أغنى عن إعادته، وليس يخالفنا فيه أحد من أهل ملتنا، [وأكثر المخالفين لنا] محتاج إلى زيادة في الشرح له، والاحتجاج فيه.
والثاني خبر الرسل ﵈ ومن جرى مجراهم من الأئمة الذين قد قامت البراهين والحج من العقل عند ذوي العقول على
стр. 31
صدقهم وعصمتهم، وظهور المعجزات التي لا يجوز أن تكون بنوع من الحيل، وليس في طبع البشر الإتيان بمثلها على أيديهم، فدلت من ليس علم المعقولات والتميز بين المتشابهات من شأنه، على أن هذه الأشياء إنما جرت على أيديهم ليعلم أنهم عن الله نطقوا، وعليه في إخبارهم عنه قد صدقوا، فتعم الحجة بهم الغافل والجاهل، والمميز والعاقل، فلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، ولو لم تكن أخبارهم حجة توجب في عقل من شاهد الأنبياء والأئمة، أو نقلت إليه أخبارهم نقلاً يوجب الحجة تصديقها لما قال : ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ولما أمرهم الله بطاعتهم فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ لأن الله لا يأمر بطاعة من يعلم أنه يعصيه، أو يكذب عليه. وقد ذكرنا هذا الباب في كتاب "الإيضاح" بما أغنى عن إعادته والإطالة فيه.
والثالث: ما تواترت أخبار الخاصة به مما لم يشهده العامة فإن تواترهم في ذلك نظير تواتر العامة، وقد بين الله تعالى لزوم ذلك، ووجوب التصديق به فقال: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ فجعل علم العلماء - وهم الخاصة به - حجة على العامة.
وأما خبر التصديق فهو الخبر الذي يأتي به الرجل والرجلان [والأكثر] فيما لا يوصل إلى معرفته من القياس والتواتر، ولا أخبار
стр. 32
المعصومين ولا يعلم إلا من جهة الآحاد، وذلك مثل الفتيا في حوادث الدين التي ابتلى بها قوم دون آخرين، فسألوا عنها فخبروا بالواجب فيها، فنقلوا ذلك ولم يعرفه غيرهم، وليس يقع ذلك في أصول الدين التي يتساوى الناس فيها وفي فرضها، والناس محتاجون إلى الأخذ بهذه الأخبار في معاملاتهم ومتاجراتهم ومكاتباتهم، فإن ذلك أجمع مما لا يقوم البرهان على صدق المخبر به من عل ولا تواتر ولا خبر معصوم؛ وإنما يعمل في جميعه على خبر من حسن الظن به، ولم يعرف بفسق، ولم يظهر منه كذب.
وقد أبى قبول خبر الواحد قوم من أهل الملة مع إقرارهم بأن النبي ﷺ وآله قد بلغ من نأى عنه بالواحد من أصحابه والاثنين، وبلغ النساء المخدرات اللواتي ليس من شأنهن البروز بما ألزمهم إياه من قبول أخبار أزواجهن، آبائهن وأبنائهن وكل هؤلاء آحاد، وقد استقصينا الكلام في هذا في كتاب "الحجة".
وقد استنبط علم باطن الأشياء بوجه ثالث، وهو الظن والتخمين فيما لا يوصل إليه بقياس، ولا يأتي فيه خبر، وفي الظن حق وباطل.
ولذلك قال الله : ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ وقال في مواضع أخر. فأخرجه مخرج اليقين: ﴿وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلا إِلَيْهِ﴾ وقوله في سورة الكهف: ﴿فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾، وذلك يقين منهم وظن كل امرئ على مقدار
стр. 33
علمه وعقله، فإن من كان عقله صحيحاً، وكان تمييزه معتدلاً، وعلمه ثابتاً، وسلم من متابعة الهوى فيما يواقع الظن فيه فقد صدق ظنه، وقد قيل: ظن الرجل قطعة من عقله، وقيل: إذا ازدحمت الظنون على سر أظهرته، وقال أردشير: "الظنون مفاتيح اليقين"، وقال الشاعر:
(الألمْيَعِيّ الذي يظن بك الظن ... كأنْ قد رأي وقد سَمضا)
وقال آخر:
(تناصَرَت الظنون عليك عِندي ... وبعضُ الظن كالعلم اليَقينِ)
وقد حكم عمر بن الخطاب - رضوان الله عليه - في القوم الذين قاسمهم أموالهم بهذا النحو، فإنه قاسمهم على الظن فيهم، ولو قد تبين خيانتهم أموال المسلمين لما وسعه أن يأخذ بعض ذلك، ويدع عليهم بعضه، لكنه لما ظهر له منهم ما يوجب التهمة، ولم يقو في نفسه قوة اليقين قاسمهم.
ومن الظن العيافة والقيافة والزجر والكهانة، واستخراج المعمى، والمترجم من الكتب، فكل ذلك إنما ابتداؤه الظن والتطير؛ فمرة يجعلون الغراب دليلاً على الغربة، والبان على البين، والقضب على قضب النوى، فيزجرون على الأسماء واشتقاقها دون
стр. 34
المعاني، كما قال الشاعر:
(رأيت غراباً ساقطاً فوق قَضْبَةٍ ... من القَضْب لم يَنبت لها ورق خضر)
فقلت:
(غرابُ لاغترابٍ، وقَضْبَةٌ ... لقضب النوى، هذي العيِافةُ والزَّجرُ)
ومرة يزجرون على الأحوال فيكرهون الأعضب والأعور والناقص الخلق لما فيهم من التقصير عن التمام، ويكرهون الشيخ لإدبار عمره والأحدب لظهور عاهته، كما قال الشاعر:
(ولم أغدُ في أمر أُؤمّلُ نجحَه ... فقابلني إلا غُرابٌ وأرنبُ)
(فإن كان من إنسٍ فلا شك كافرٌ ... وإلا فشيخٌ أعوَرُ العَينِ أحدبُ)
وإنما يتشاءمون بالأرنب لقصر يديه فكأنه إذا مد يديه إلى شيء يريد نيله فقابله أرنب - وهو قصير اليد - فقد بين له أن يده تقصر عن نيل ما أراده، ومد إليه يده، وقد روي أن رسول الله ﷺ سمع بعض القافة وقد رأى رِجل أسامة بن زيد ورِجل أبيه - يقول: هذه أقدام بعضها من بعض فسرّ بذلك. وحكم أهل الحجاز بقول القافة في الولد ابن الأمة إذا جحده أبوه، أو شك فيه.
فإذا أردت أن يصدق ظنك فيما تطلبه بالظن مما لا تصل إلى معرفته بقياس ولا خبر فأقم الشيء الذي يقع ظنك إلى سائر أقسامه في العقل، وأعط
стр. 35
كل قسم حقه من التأمل، فإذا اتجه لك أن الحق في بعض تلك الأقسام على أكبر الظن، وأغلب الرأي جزمت عليه وأوقعت الوهم على صحته، وذلك مثل أن تظن بإنسان عداوة لك، ولا يتبين ذلك في تغيير وجهه لك، ولا نبو طرفه عنك، ولا في شيء مما يظهر في فعله بك فتحظر الأشياء التي توقع العداوة بين المتعادلين، وهي الشركة والمناسبة والمنازعة، والميراث والجواز والصناعة، والمنزلة والمشارعة، والخلاف في الديانة، والحقد و؟ ؟ ؟ ؟ ، والإساءة المقدمة، وما أشبه ذلك من الوجوه الموجبة للعدالة، وثم ننظر فإن اجتمعت بينكما تلك الأحوال أو أكثرها أوقعت وهمك على أنه لك عدو، وكان قوة التوهم منك في ذلك على حسب كثرة ما يجتمع بينكما من الأحوال الموجبة للعداوة، فتجنبه وعامله معاملة العدو الذي قد بان أمره وإن وجدته ينفرد ببعضها استبريت صحة الظن، بأن تنظر هل جمعكما بعض ما يوجب اللطف والمودة، ويزيل ثلبة تلك الخلة، من موافقة في مذهب، أو إحسان متقدم، أو غير ذلك، ثم وازنت بين الخلال الموجبة للعداوة، والخلال الموجبة للصداقة، وكنت في حيز الأقوى من الصنفين. وإن لم تجد بينكما ما يوجب العداوة أزلت عن قلبك باب الظنة، وكنت على ما لم تزل عليه لصاحبك من الثقة.
стр. 36
وقد استخرج أمير المؤمنين ﵇ أشياء من الأحكام لما عدم البينات فيها، وتجاهل أهل الدعوى ولزموا الإنكار بهذا النوع من الاستخراج، فمن ذلك أنه لما أتى بامرأتين وصبي، وادعت كل واحدة منهما أن الصبي ابنهما أعمل فكره وظنه، فعلم أن من شأن الوالدة الرقة على الولد، والمحبة لدفع الآفة عنه فقال قنبر: خذ السيف واقطع الولد نصفين، وادفع إلى كل واحدة منهما نصفه، فلما سمعت الوا لدة بذلك أدركها الإشفاق فقالت: أنا أسمح بحصتي لصابحتي، فعلم أنه ابنها فسلمه إليها. وكذلك فعل بالرجلين اللذين ادعى كل واحد منهما أن الآخر عبده، فإنه علم ما يتداخل النفس من الجزع عند معاينة الموت، وأن تلك الحال تذهب عن لزوم الدعوى، وتشغل عن طلب الحجة، فقد مهما ومد أعناقهما، وقال لبعض أصحابه: اضرب عنق العبد، فثنى العبد عنقه حذراً من السيف، فظهر، بذلك أنه العبد دون الآخر، فسلمه إلى صاحبه.
وكل هذه الأحوال التي عددناها إنما تقع أوائلها بالظن، فإن شهد لها ما يخرجها إلى اليقين صارت يقيناً، وإلا كانت تهمة وظَنة وإثماً، ألا ترى أنك تظن بالترجمة أنها حروف فإذا أردتها في سائر المواضع التي تثبت صورها فيها، وامتحنتها فوجدتها مصدقة لظنك، حكمت بصحتها، وإذا خالفت علمت أن ظنك لم يقع موقعه، فأوقعته على غير تلك الحروف إلى أن يصح.
ويشهد لما قلناه - من أن الظن إذا لم يشهد له ما يقويه ويحققه، فليس ينبغي أن نلتفت إليه - قول رسول الله ﷺ : "ثلاث
стр. 37
لا يسلم منهن أحد: الطّيرة، والظن، والحسد. قيل. فما المخرج منهن يا رسول الله؟ قال: إذا تطيّرت فلا ترجع، وإذا ظننت فلا تحقق، وإذا حسدت فلا تبغ".
وقد حصل الآن لنا من علوم ما تبين عنه الأشياء بذواتها "يقين": وهو ما تعترف العقول بصحته، ويلزمها الإقرار به؛ و"تصديق"، وهو ما تقتنع النفوس به، وإن كان من الممكن أن يقع غيره أوكد من موقعه؛ "وظن" قد احتيط فيه حتى وقع موقع اليقين عند مستعمله.
وقد شبهت القدماء اليقين من هذه العلوم بحكم القاضي، والتصديق بحكم صاحب المظالم، والظن بحكم صاحب الشرطة، وطلبوا في الأشياء اليقين؛ فإذا وجدوه تركوا غيره، فإذا عدموه طلبوا الإقناع الذي يقع به التصديق، فإن وجدوه أخذوا به، وإن لم يجدوه أعملوا الظن حتى يستخرجوا به علم ما يحتاجون إليه. وكذلك الحقوق إنما تطلب من الحكام بالبينات العادلة، والشهادات القاطعة فيما يحضره العدول، فإن كان الحق مما لم يشهده العدول، وطلب من أصحاب المظالم الكشف ومسألة أهل الخبرة من المشهورين، والمجاورين؛ فإن كان مما لم يشهده أحد وآخر سراً طلب من صاحب الشرطة فيوقع الظن على أهل التهمة ومن قدر جرت عادته بالريبة، فيبسط عليهم، ويحتال في تقريرهم إلى أن يظهر ما عندهم؛ وقد يجوز أن يكون فيمن توقع التهمة عليه من هو برئ
стр. 38
إلا أنه لا يتوصل إلى استخراج الحقوق من اللصوص وأشباههم إلا بمثل هذه الحال، ولو طلب في ذلك البينة من العدول المرضيين، أو أخبار المستوردين من المجاورين ما تهيأ استخراج سرقة أبداً، فليس في هذه الأحكام الثلاثة، إذا خرج كل واحد منها من معدنه وجرى على ترتيب ما وضع له ما ينسب إلى ظلم وجور، ولكن إن اختلفت مواقعها ومخارجها فقضى القاضي بالكشف والمسألة، وقضى صاحب المظالم بالظن والتهمة، وقضى صاحب الشرطة بالعدول والبينة، نسب كل واحد منهم إلى الجور لعدوله عما توجبه رتبته، وخروجه عن الرسم الذي رسم له، وكما لا يستغني بواحد من هؤلاء الحكام الثلاثة عن باقيهم، فكذلك لا يستغني في استخراج بواطن العلوم بواحد من هذه الوجوه التي ذكرناها عن سائرها، وهذا فيما أوردنا ذكره من الاعتبار مقنع إن شاء الله.
стр. 39
باب
البيان الثاني
وهو الاعتقاد
قد قلنا: إن الأشياء إذا تبينت بذواتها للعقول، وترجمت عن معانيها للقلوب، صار ما ينكشف المتبين من حقيقتها معرفة وعلماً مركوزين في نفسه. وهذا البيان على ثلاثة أضرب: فمنه حق لا شبهة فيه، ومنه علم مشتبه يحتاج إلى تقويته بالاحتجاج [فيه]، ومنه باطل لا شك فيه.
فأما الحق الذي لا شبهة فيه، فهو علم اليقين، واليقين ما ظهر عن مقدمات قطعية، كظهور الحرارة للمتطبب عند توقد اللون، وسرعة النبض، واحمرار اللون؛ أو عن مقدمات ظاهرة في العقل، كظهور تساوي الأشياء إذا كانت متساوية لشيء واحد، وكظهور زيادة الكل على الجزء؛ أو عن مقدمات خلقية مسلمة بين جميع الناس كظهور قبح الظلم، وكل خبر أني على التواتر من العامة أو التواتر من الخاصة، أو سمع من الأنبياء والأئمة، وكل هذا يوجب العلم، ومن شك في شيء منه كان آثماً، ولذلك صار من شك في الباري كان كافراً لأن نتيجة المعرفة به عن مقدمات ظاهرة للعقل. وكذلك من شك فيما تواترت به الرواية أو تضمنه الكتاب الذي نقله من تجب بنقله الحجة.
فأما المشتبه فيهو الذي يحتاج إلى التثبت فيه، وإقامة الحجة على
стр. 40
صحته، فكل نتيجة ظهرت عن مقدمات غير قطعية، ولا ظاهرة العقل بأنفسها، ولا مسلمة عند جميع الناس، بل تكون مسلمّة عند أكثرهم، ويظهر للعقل تغيرها فتغير الفحص عنها، والاستدلال عليها؛ وذلك كرأي كل قوم في مذاهبهم، وما يحتجون به لتصحيح اعتقاداتهم ونحلهم، وكل خبر أتى به الآحاد والجماعات التي لا يبلغ خبرهم أن يكون متواتراً، بل يجوز على مثلهم - في العادة - الاجتماع عن الكذب والاتفاق عليه، إذا كانوا عدولاً، ولم يخالف قولهم ما جرى به العرف والعادة، وذلك مثل روايات كل قوم فيما اعتقدوه، وأخبارهم عن أهل العدالة عندهم فيما اجتنبوه، وكل ظن قويت شواهده، وكان الاحتياط في الرأي والدين تغليبه، وكل هذه الأمور التي عددناها فإنما يأتي العلم بها على طريق التصديق لا على اليقين، والحجة على معنى الإقناع لا البرهان، وهي توجب العمل ولا توجب العلم، وليس على من شك فيها إثم ولا لوم، وذلك كالحكم بالشاهدين وتصديقهما في الحقوق، وإن كنا لا نعلم حقيقة قولهما، ولا تشهد بصحته عينهما، لأنهما قد يجوز أن يكونا كاذبين إلا أن علينا العمل بما شهدا به إذا كانا عدلين مرضيين، وكذلك ما أتانا من الأخبار في الأحداث التي تنقض الوضوء من الدم السائل، والقهقهة في قول العراقيين، والملامسة للذكر في قول أهل الحجاز، فإن ذلك كله يوجب العمل على من صحت عنده عدالة المخبر له، وليس يوجب العلم، ولا يكون من شك في ذلك وجحده آثماً.
وأما الظن فإنه إذا قويت شواهده، وعضده من الرأي ما يوجبه، فإنما يجب العمل عليه، ولا يجب العلم بحقيقته، والفرق بينه وبين ما نحن فيه يأتي من الإخبار عن الآحاد، ومن القياس المقنع أن ذلك مقبول
следующие страницы →