← Адаб

Адаб · id 20986

البرهان في وجوه البيان

أبو الحسين الكاتب

Полный текст (316 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وقد استخرج أمير المؤمنين ﵇ أشياء من الأحكام لما عدم البينات فيها، وتجاهل أهل الدعوى ولزموا الإنكار بهذا النوع من الاستخراج، فمن ذلك أنه لما أتى بامرأتين وصبي، وادعت كل واحدة منهما أن الصبي ابنهما أعمل فكره وظنه، فعلم أن من شأن الوالدة الرقة على الولد، والمحبة لدفع الآفة عنه فقال قنبر: خذ السيف واقطع الولد نصفين، وادفع إلى كل واحدة منهما نصفه، فلما سمعت الوا لدة بذلك أدركها الإشفاق فقالت: أنا أسمح بحصتي لصابحتي، فعلم أنه ابنها فسلمه إليها. وكذلك فعل بالرجلين اللذين ادعى كل واحد منهما أن الآخر عبده، فإنه علم ما يتداخل النفس من الجزع عند معاينة الموت، وأن تلك الحال تذهب عن لزوم الدعوى، وتشغل عن طلب الحجة، فقد مهما ومد أعناقهما، وقال لبعض أصحابه: اضرب عنق العبد، فثنى العبد عنقه حذراً من السيف، فظهر، بذلك أنه العبد دون الآخر، فسلمه إلى صاحبه. وكل هذه الأحوال التي عددناها إنما تقع أوائلها بالظن، فإن شهد لها ما يخرجها إلى اليقين صارت يقيناً، وإلا كانت تهمة وظَنة وإثماً، ألا ترى أنك تظن بالترجمة أنها حروف فإذا أردتها في سائر المواضع التي تثبت صورها فيها، وامتحنتها فوجدتها مصدقة لظنك، حكمت بصحتها، وإذا خالفت علمت أن ظنك لم يقع موقعه، فأوقعته على غير تلك الحروف إلى أن يصح. ويشهد لما قلناه - من أن الظن إذا لم يشهد له ما يقويه ويحققه، فليس ينبغي أن نلتفت إليه - قول رسول الله ﷺ : "ثلاث

стр. 37

لا يسلم منهن أحد: الطّيرة، والظن، والحسد. قيل. فما المخرج منهن يا رسول الله؟ قال: إذا تطيّرت فلا ترجع، وإذا ظننت فلا تحقق، وإذا حسدت فلا تبغ". وقد حصل الآن لنا من علوم ما تبين عنه الأشياء بذواتها "يقين": وهو ما تعترف العقول بصحته، ويلزمها الإقرار به؛ و"تصديق"، وهو ما تقتنع النفوس به، وإن كان من الممكن أن يقع غيره أوكد من موقعه؛ "وظن" قد احتيط فيه حتى وقع موقع اليقين عند مستعمله. وقد شبهت القدماء اليقين من هذه العلوم بحكم القاضي، والتصديق بحكم صاحب المظالم، والظن بحكم صاحب الشرطة، وطلبوا في الأشياء اليقين؛ فإذا وجدوه تركوا غيره، فإذا عدموه طلبوا الإقناع الذي يقع به التصديق، فإن وجدوه أخذوا به، وإن لم يجدوه أعملوا الظن حتى يستخرجوا به علم ما يحتاجون إليه. وكذلك الحقوق إنما تطلب من الحكام بالبينات العادلة، والشهادات القاطعة فيما يحضره العدول، فإن كان الحق مما لم يشهده العدول، وطلب من أصحاب المظالم الكشف ومسألة أهل الخبرة من المشهورين، والمجاورين؛ فإن كان مما لم يشهده أحد وآخر سراً طلب من صاحب الشرطة فيوقع الظن على أهل التهمة ومن قدر جرت عادته بالريبة، فيبسط عليهم، ويحتال في تقريرهم إلى أن يظهر ما عندهم؛ وقد يجوز أن يكون فيمن توقع التهمة عليه من هو برئ

стр. 38

إلا أنه لا يتوصل إلى استخراج الحقوق من اللصوص وأشباههم إلا بمثل هذه الحال، ولو طلب في ذلك البينة من العدول المرضيين، أو أخبار المستوردين من المجاورين ما تهيأ استخراج سرقة أبداً، فليس في هذه الأحكام الثلاثة، إذا خرج كل واحد منها من معدنه وجرى على ترتيب ما وضع له ما ينسب إلى ظلم وجور، ولكن إن اختلفت مواقعها ومخارجها فقضى القاضي بالكشف والمسألة، وقضى صاحب المظالم بالظن والتهمة، وقضى صاحب الشرطة بالعدول والبينة، نسب كل واحد منهم إلى الجور لعدوله عما توجبه رتبته، وخروجه عن الرسم الذي رسم له، وكما لا يستغني بواحد من هؤلاء الحكام الثلاثة عن باقيهم، فكذلك لا يستغني في استخراج بواطن العلوم بواحد من هذه الوجوه التي ذكرناها عن سائرها، وهذا فيما أوردنا ذكره من الاعتبار مقنع إن شاء الله.

стр. 39

باب البيان الثاني وهو الاعتقاد قد قلنا: إن الأشياء إذا تبينت بذواتها للعقول، وترجمت عن معانيها للقلوب، صار ما ينكشف المتبين من حقيقتها معرفة وعلماً مركوزين في نفسه. وهذا البيان على ثلاثة أضرب: فمنه حق لا شبهة فيه، ومنه علم مشتبه يحتاج إلى تقويته بالاحتجاج [فيه]، ومنه باطل لا شك فيه. فأما الحق الذي لا شبهة فيه، فهو علم اليقين، واليقين ما ظهر عن مقدمات قطعية، كظهور الحرارة للمتطبب عند توقد اللون، وسرعة النبض، واحمرار اللون؛ أو عن مقدمات ظاهرة في العقل، كظهور تساوي الأشياء إذا كانت متساوية لشيء واحد، وكظهور زيادة الكل على الجزء؛ أو عن مقدمات خلقية مسلمة بين جميع الناس كظهور قبح الظلم، وكل خبر أني على التواتر من العامة أو التواتر من الخاصة، أو سمع من الأنبياء والأئمة، وكل هذا يوجب العلم، ومن شك في شيء منه كان آثماً، ولذلك صار من شك في الباري كان كافراً لأن نتيجة المعرفة به عن مقدمات ظاهرة للعقل. وكذلك من شك فيما تواترت به الرواية أو تضمنه الكتاب الذي نقله من تجب بنقله الحجة. فأما المشتبه فيهو الذي يحتاج إلى التثبت فيه، وإقامة الحجة على

стр. 40

صحته، فكل نتيجة ظهرت عن مقدمات غير قطعية، ولا ظاهرة العقل بأنفسها، ولا مسلمة عند جميع الناس، بل تكون مسلمّة عند أكثرهم، ويظهر للعقل تغيرها فتغير الفحص عنها، والاستدلال عليها؛ وذلك كرأي كل قوم في مذاهبهم، وما يحتجون به لتصحيح اعتقاداتهم ونحلهم، وكل خبر أتى به الآحاد والجماعات التي لا يبلغ خبرهم أن يكون متواتراً، بل يجوز على مثلهم - في العادة - الاجتماع عن الكذب والاتفاق عليه، إذا كانوا عدولاً، ولم يخالف قولهم ما جرى به العرف والعادة، وذلك مثل روايات كل قوم فيما اعتقدوه، وأخبارهم عن أهل العدالة عندهم فيما اجتنبوه، وكل ظن قويت شواهده، وكان الاحتياط في الرأي والدين تغليبه، وكل هذه الأمور التي عددناها فإنما يأتي العلم بها على طريق التصديق لا على اليقين، والحجة على معنى الإقناع لا البرهان، وهي توجب العمل ولا توجب العلم، وليس على من شك فيها إثم ولا لوم، وذلك كالحكم بالشاهدين وتصديقهما في الحقوق، وإن كنا لا نعلم حقيقة قولهما، ولا تشهد بصحته عينهما، لأنهما قد يجوز أن يكونا كاذبين إلا أن علينا العمل بما شهدا به إذا كانا عدلين مرضيين، وكذلك ما أتانا من الأخبار في الأحداث التي تنقض الوضوء من الدم السائل، والقهقهة في قول العراقيين، والملامسة للذكر في قول أهل الحجاز، فإن ذلك كله يوجب العمل على من صحت عنده عدالة المخبر له، وليس يوجب العلم، ولا يكون من شك في ذلك وجحده آثماً. وأما الظن فإنه إذا قويت شواهده، وعضده من الرأي ما يوجبه، فإنما يجب العمل عليه، ولا يجب العلم بحقيقته، والفرق بينه وبين ما نحن فيه يأتي من الإخبار عن الآحاد، ومن القياس المقنع أن ذلك مقبول

стр. 41

على ظاهره، فإنا نقبل كل آت به، ولا نتهمه بكذب، وكل نتيجة ظهرت عن مقدمة يجوز استعمالها عند أهل النظر، وإن لم يشهد بصحة ذلك، ولسنا نقبل الظن على ظاهره، ولا نعمل عليه إلا إذا شهد له غيره، فهو كخبر الفاسق أو الكافر الذين لا يكذبان ولا يصدقان فيه إلا أن يظهر لسامعهما ما يوجب التصديق أو التكذيب فيعمل عليه. وأما الباطل الذي لا شبهة فيه فما ظهر عن مقدمات كاذبة مخالفة للطبيعة مضادة للعقل، أو جاء في أخبار الكاذبين الذين يخبرون بالمحال، وما يخالف العرف والعادة، وذلك مثل اعتقاد السوفسطائيين أنه لا حقيقة لشيء من الأشياء، وأن الأمور كلها بالظن والحسبان، واعتقادهم حقيقة ما يقولونه دليل على أن للأشياء حقائق في أنفسها، فإنهم مبطلون دعواهم؛ وكإخبار النصارى عن المسيح ﵇ بأنه كان بشراً فصار إلهاً، وكان محدثاً فصار قديماً، وأن الواحد الذي هو جزء للثلاثة ثلاثة من غير تفريق، وأن الثلاثة التي هي كل للواحد واحد من غير جمع [وتركيب]: وإتيانهم في ذلك بالمحال الذي لا يعقل. ولما أن كان الله قد أمرنا أن نعتقد الحق، ونقول به، وألا نعتقد الباطل ولا ندين به، فقال الله ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وقال: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾، وعرفنا زهوق الحق، وخسران أهله، فقال :

стр. 42

﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾، وقال: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ وجب أن يحتاط العاقل لنفسه ودينه، فلا يعتقد إلا حقاً، ولا يكذب إلا بباطل، ولا يقف إلا عند شبهة، حتى لا يكون ممن شهد بما لم يعلم، أو كذب بما لم يحط به علمه. وإذا نظرنا في الثلاثة الأضرب التي قدمنا ذكرها وجدنا من الواجب أن نعتقد صحة جميع ما ذكرنا أنه يقين وحق لا شبهة فيه، ونشهد بصحة ذلك فلا تلجلجنا الشكوك فيه، فإنا متى شككنا في شيء منه أخطأنا وأثمنا. كما قلنا قبل هذا الموضع، وأن ننظر فيما أتى من الصنف الثاني الذي قد وقع الاشتباه فيه، وادعى كل قوم إصابة الحق فيه، فإن كان مما أتى من جهة القياس احتفظنا فيه بتصحيح المقدمات التي انتجته وحراستها من المغالطة التي قدمنا ذكرها، فإذا صحت ميزناها على كلم المقال إن كانت مما يقع لفظه على معان كثيرة، وننظر إلى أي وجه منها هو مراد المتكلم في قوله، فإذا ميزنا ذلك استخرجنا فصولها التي تنفصل بها غيرها، حتى يظهر الحد الذي يفرق بينها وبين ما يباينها، فإذا فعلنا ذلك صححنا التشبيه وألحقنا كل شيء بما يشبهه، فإذا أتينا بذلك على هذا الترتيب والتحصيل صح لنا ما نريد تصحيحه بالقياس إن شاء الله. وإن كان ما أتى من جهة الخبر عن الآحاد والجماعات القليلة العدد احتيط في ذلك أولاً بعرضه على العقول، فإن باينها وضادها فهو باطل، وإن لم

стр. 43

يباينها، وكان مما يجوز في العقل وقوع مثله يتثبت في أمر نقلها حتى لا نؤخذ إلا ممن ظهرت عدالته، ولم يتهم بكذب، ولا وهم في خبره، ولم يكن فيما أخبر به جاراً إلى نفسه، ولا دافعاً عنها، ولم يعارضه خبر مثل خبره يبطل ما أخبر به وبجميع ما ذكرناه قد جاء القرآن، وجرت الأحكام، فقال الله ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، وقال: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، وأجمعت الأمة على ألا تقبل دعوى أحد لنفسه، ولا شهادته فيما جر إليها أو دفع عنها، وعلى أن الأخبار إذا تكافأت بطلت. ثم إن كان الخبر في أمر الدين عرض على كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فإن وجد مخالفاً خلاف مضادة علم أنه ليس من رسول الله ﷺ لأن رسول الله ﷺ لا يضاد كتاب الله وإن كان الخلاف من جهة خصوص وعموم، وناسخ ومنسوخ، ومحكم ومتشابه، ومجمل ومفسر، كان ذلك معمولاً عليه مأخوذاً به على الشرائط التي ذكرناها في كتاب التعبير. وإن لم يوجد لذلك أصل في كتاب الله وكان مما يجوز التعبير به، فليس ينبغي أن يدفع لأن الله قد شرع على لسان رسوله ﷺ شرائع لم يثبتها في كتابه، منها: رجم الزاني المحصن، واليمين مع الشاهد، وتحريم كل ذي ناب ومخلب، وأشباه لذلك، ولذلك قال رسول الله ﷺ : "أوتيت الكتاب ومثله معه"، أي من السنن التي شرعها الله على يده، وقد روى عنه ﷺ أنه قال: "لا ألفين

стр. 44

أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمري فيقول: لا أدري، ما وجدت في كتاب الله عملت به، بل يؤخذ بذلك إذا أتى عن الثقات، وكان مما يجوز أن يتعبد الله عملت به" بل يؤخذ بذلك إذا أتى عن الثقات، وكان مما يجوز أن يتعبد الله به عباده، ولم يضاد العقل والكتاب فإذا أتت أخبار الثقات بالشيء وضده، ولم يكن في نقلة المخبرين من يتهم بقلة ضبط ولا وهم، ولم يكن الخلاف في ذلك من جنس ما قدمنا، إلا أن من رواية الشيعة عن الأئمة ﵈ فقد علم أنهم - صلوات الله عليهم - لا يأمرون بالشيء وضده لأنهم حكماء، والمناقضة عن الحكماء منفية، احتاط العالم بأن سبب الخلاف في ذلك إنما هو خروج الجواب في أحد الحالين على سبيل التقية، والتقية إنما هي فيما خالف فتيا العامة، فلذلك أوصوا ﵈ فيما يؤثر عنهم، ولا يختلف فيه علماؤهم بأن نعمل فيما تضادت به الرواية عنهم بما يخالف فتيا العامة وعملها. وإن نقل إلينا أصحابهم عنهم ﵈ ما لا يعلم مخرجه [وقفنا فيه] ووكلناه إلى عالمه، ولم نعتقد في شيء منه تصديقاً ولا تكذيباً إلى أن يتبين لنا ما يوجب أحدهما فنعتقده، إذ كان اعتقاد الباطل عندنا كدفع الحق، وبذلك أمرونا فقالوا: الأمور ثلاثة، فأمر تبين لك رشده فاتبعه، وأمر تبين لك غية فاجتنبه، وأمر اشتبه عليك فكله إلى عالمه وهذا ما في الاعتقاد [وبالله التوفيق والسداد].

стр. 45

باب البيان الثالث وهو العبارة فأما البيان بالقول، فهو العبارة، وقد قلنا: إنه يختلف باختلاف اللغات وإن كانت الأشياء المبين عنها غير مختلفة في ذواتها، وإن منه ظاهراً وإن، منه باطناً، وأن الظاهر منه غير محتاج إلى تفسيره، وإن الباطن هو المحتاج إلى التفسير، وهو الذي يتوصل إليه بالقياس والنظر والاستدلال والخبر، ونحن نذكر الآن ذلك بشرحه إن شاء الله. فنقول: إن الذي يوصل إلى معرفته من باطن القول بالتمييز والقياس مثل قول الله : ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وهو لم يفوض إليهم أن يعملوا بما أحبوا، ولم يخلهم من الأمر والنهي، ومثله قول الله : ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ فلم يطلق لهم الكفر ولم يحببهم إياه، فهذا وإن كان ظاهره التفويض إليهم فإن باطنه التهديد والوعيد لهم، ويدل على ذلك قوله بعقب هذا: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾. وأما ما يوصل إليه بالخبر فمثل الصلاة التي هي في اللغة: "الدعاء" والصيام الذي هو الإمساك، والكفر الذي هو ستر الشيء، فلولا ما أتانا

стр. 46

من الخبر في شرح مراد الله في الصلاة والصيام، ومعنى الكفر، لما عرفنا باطن ذلك. ولا مراد الله في الصلاة والصيام [ومعنى الكفر، ولما عرفنا باطن ذلك لا مراد الله فيه] ولا كان ظاهر اللغة يدل عليه، بل كنا نسمى كل من دعا مصلياً، وكل من أمسك عن شيء صائماً، وكل من ستر شيئاً كافراً، فلما أتانا الرسول ﷺ بحدود الصلاة والتكبير والركوع والسجود، والتشهد، ومحدود الصيام من ترك الأكل والشرب والنكاح نهاراً، وأن الكافر الذي يجحد الله ورسله، وصلنا إلى علم جميع ذلك بالخبر، ولولاه ما عرفناه. وللغة العربية - التي نزل بها القرآن، وجاء بها عن رسول الله، ﷺ البيان - وجوه وأقسام، ومعان وأحكام متى لم يقف عليها من يريد تفهم معانيها، واستنباط ما يدل عليه لفظهما، لم يبلغ مراده، ولم يصل إلى بغيته. ومنها ما هو عام للسان العرب وغيرهم؛ ومنها ما هو خاص له دون غيره، ويجمع ذلك في الأصل: الخبر والطلب، والخبر: كل قول أفدت به مستمعه ما لم يكن عنده، كقولك: قام زيد، فقد أفدته العلم بقيامه: ومن الخبر ما يبتدئ المخبر به فيخص باسم الخبر، ومنه ما يأتي [به] بعد سؤال فيسمى جواباً، كقولك في جواب من سألك: ما رأيك في كذا؟ فنقول: رأيي كذلك، وهذا يجوز أن يكون [ابتداء منك فيكون] خبراً، فما أتى بعد سؤال كان جواباً كما قلنا. والطلب. كل ما طلبته من غيرك؛ ومنه الاستفهام، والنداء، والدعاء: والتمني، لأن ذلك كله طلب. فإنك إنما تطلب

стр. 47

من الله بدعائك ومسألتك، وتطلب من المنادي الإقبال إليك أو عليك، وتطلب من المستفهم [منه] بذل الفائدة لك. ومن الاستفهام ما يكون سؤالاً عما لا تعمله لتعلمه، فيخص باسم الاستفهام؛ ومنه ما يكون ظاهره الاستفهام ومعناه التوبيخ كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَاتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ ومن السؤال ما هو محصور، ومنه ما هو مفوض، فالمحصور ما حصرت فيه على المجيب أن يجيب إلا ببعض السؤال، كقولك: ألحما أكلت أم خبزاً؟ فقد حصرت عليه أن يجيبك إلا بأحدهما؛ والمفوض كقولك: ما أكلت؟ فله أن يقول ما شاء من المأكولات لأنك قد فوضت الجواب إليه. وليس في فنون القول ما يقع به الصدق والكذب غير الخبر والجواب، إلا أن الصدق والكذب يستعملان في الخبر، ويستعمل مكانهما في الجواب الخطأ والصواب، والمعنى واحد وإن فرق في اللفظ بينهما، وكذلك يستعمل في الاعتقاد في موضع الصدق والكذب الحق والباطل والمعنى قريب من قريب. والخبر منه جزم، ومنه مستثنى، ومنه ذو شرط، فالجزم مثل: زيد قائم، فقد جزمت في خبرك على قيامه، والمستثنى: قام القوم إلا زيداً، فقد استثنيت [زيداً] ممن قام، وذو الشرط: إذا قام زيد صرت إليك، فإنما يجب مصيره إليه إذا قام زيد، فهو متعلق بشرط، وكل واحد من هذه

стр. 48

المعاني إما أن يكون مثبتاً أو منفياً. فالمثبت كقولك: قام زيد، والمنفي: ما قام زيد، والمستثنى من المثبت منفي، ومن المنفي مثبت. وليس يخلو الخبر المثبت أو المنفي من أن يكون واجباً أو ممتنعاً أو ممكناً فالواجب مثل حرارة النار لأنها واجبة في طبعها، والممتنع مثل حرارة الثلج لأن ذلك ممتنع في طبعه، والممكن مثل قام زيد، لأنه قادر عليه جائز أن يقع منه وألا يقع. ثم لا يخلو الخبر بعد هذا كله من أن يكون عما مضى مثل قام زيد، أو عما أنت فيه مثل قولك: قائم زيد، ولا يخلو مع ذلك من أن يكون عاماً كلياً، أو خاصاً جزئياً، أو مهملاً. وكل ما ظهر فيه حرف العموم فهو عام كقولك: كل القوم جاءنا، وجميع المال انفقت، ومنه قوله : ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ فهذا لا يجوز أن يراد به الخصوص لظهور حرف العموم فيه. وكل ما ظهر فيه حرف الخصوص فهو خاص، كقولك: بعض المال قبضت، ومن القوم من جاءنا، ومثل قول الله : ﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا﴾ فهذا لا يجو أن يراد به العموم لظهور حرف الخصوص فيه. وما لم يظهر فيه حرف العموم، ولا حرف الخصوص فهو مهمل، وقد يكون عاماً [وقد] يكون خاصاً، واعتباره أن ينظر فإن كان في الأشياء الواجبة أو الممتنعة فهو عام، وإن كان لفظه واحداً، كقول الله : ﴿بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ لأنه من الواجب أن يكون كل واحد على نفسه بصيرة، وإن كان

стр. 49

في الممكن فهو خاص كقول الله : ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ فهذا خاص وإن كان لفظه على الجماعة، لأن القول ممن قال، والجمع ممن جمع من الأشياء الممكنة، وجائز أن يقع منهم وألا يقع، فهذا أصل يعمل عليه في الخاص والعام والمهمل. ومن البين للعقل أن الأخبار المثبتة الجازمة من الأمر الواجب - ماضيها ومستقبلها وما أنت فيه منها، وعامها وخاصها ومهملها - صدق أجمع، وأن منفيات ذلك كله كذب، وأن مثبتات هذه الأخبار في الأحوال التي قدمنا ذكرها إذا كانت في الممتنع فهي كذب، ومنفياتها صدق، وأن جميع هذه الأخبار في هذه الأحوال إذا جاءت في الأمر الممكن فقد تكون صدقاً وقد تكون كذباً؛ وقد دللنا على جمل ما يعرف به الصدق في ذلك من الكذب، ولم نستقصها لئلا يطول الكتاب بها، وهي في كتب المنطقيين مشروحة، فمن أراد علمها فليطلبها هنالك إن شاء. وأعلم أن من الأخبار أخباراً تقع بها الفائدة ولا يحصل منها قياس يوجب حكماً؛ فمن ذلك الخبر المنفي، فإنه يفيدنا انتفاء الشيء الذي ينفيه ولا يحصل في نفوسنا منه حكم، ذلك مثل قولنا: "زيد غير قائم"، فلم يحصل بهذا القول غير العلم بانتفاء القيام عنه، ثم لسنا ندري على أي حال هو من قعود أو اضطجاع أو سجود. والخبر الذي بشرط لا يحصل في النفس منه حكم، لأنا إذا قلنا: إذا قام زيد

стр. 50

صرت إليك فليس يحصل في نفس المخاطب علم بمصير المخاطب إليه لأنه متعلق بقيام زيد الذي يجوز أن يقع وألا يقع. والكذب إثبات شيء لشيء لا يستحقه [أو نفي شيء عن شيء يستحقه، والصدق ضد ذلك، وهو إثبات شيء لشيء يستحقه، أو نفي شيء عن شيء لا يستحقه]. والخلف في القول إذا كان وعدا دون غيره، وهو أن يعمل خلاف ما وعد فيقال: أخاف فلان وعده ولا يقال: كذب، وقد يخلف الرجل الوعد بفعل ما هو أشرف منه فلا يقال: أخلف وعده، وذلك كرجل وعد رجلا بثوب فأعطاه ألف دينار فقد تفضل عليه، وإن كان قد عمل به خلاف ما وعد، ولا يسمى ذلك مخلفاً لوعده، وبهذا تعلق من أبطل الوعيد، فزعموا أن إنجاز الوعد كرم، وأن إخلاف الوعيد عفو وتفضل، وأنشدوا: (وإني إذا أوعدته أو وعدته ... لأخلف ميعادي، وأنجز موعدي) وعليهم في ذلك كلام لأهل الحق ليس هذا موضعه. والنسخ في الحكم تبدله برفعه، ووضع غيره مكانه؛ وأصله في اللغة وضع الشيء مكان غيره إذا كان يقوم مقامه، [ومنه نسخ الكتاب لأنه وضع غير موضعه، وإقامته مقامه]، ومنه قوله : ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَاتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾، والنسخ لا يكون في الخبر لأن الخبر إذا تبدل عن حاله بطل، وفي بطلان

стр. 51

قول الصادق [وجوب الكذب لا محالة، وليس بجوز الصادق] أن يخبر بخبر فيكون ضده ونقيضه صدقا، إلا أن يكون خبره الأول معلقا بشرط أو استثناء، كما وعد الله سبحانه قول موسى-﵇، دخول الأرض المقدسة إن أطاعوه في دخولها، فلما عصوه حرمها عليهم، فلم يدخلها أحد منهم، وكما أوعد قوم يونس ﵇ العذاب إن لم يتوبوا، فلما تابوا كشف عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا، وإلى هذا المعنى تذهب الشيعة في البداء على قبح هذه اللفظة، وبشاعة موقعها في الأسماع. فأما الخبر إذا لم يكن معلقاً بشرط ولا بشيء مما ذكرنا، فليس يجوز أن يقع غيره [موقعه] فيكون صدقاً، ولذلك قال الله : ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾. والمعارضة في الكلام: المقابلة بين الكلامين المتفاوتين في اللفظ، وأصله من معارضة السلعة بالسلعة في القيمة والمبايعة، وإنما تستعمل المعارضة في التقية وفي مخاطبة من خيف شره، فيرى بظاهر القول، ويتخلص في معناه من الكذب الصراح، وذلك مثل قول بعضهم، وقد سأله بعض أهل الدولة العباسية عن قوله في لبس السواد، فقال: هل النور إلا في السواد؟ ! أو أراد أن نور العين في سوادها، فأرضى السائل

стр. 52

ولم يكذب، وكقول شرمح. وقد خرج من عند عبد الملك في الساعة التي مات فيها، وسئل عن حاله فقال: تركته يأمر وينهى، فلما فحص عن ذلك قال: تركته يأمر بالوصية، وينهي عن النوح، وقد قال رسول الله ﷺ : "رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس". ومن المعارضة قول مؤذن يوسف ﵇: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾، وهم لم يسرقوا الصاع، وإنما عني سرقتهم أياه من أبيه [وإذا كان]، الكذب إنما استقبح في العقل، وخرج عن شريعة العدل، من أجل أنه مخالف لحقيقة الأشياء في أنفسها من غير نفع يقصد به حتى قال رسول الله ﷺ : - "الكذب مجانب للإيمان، "وقال الله : ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ وسمى الكاذبين ظلمة، ولعنهم فقال: ﴿وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ كان الكذب إذا أريد به الصلاح العام والمنفعة الحقيقية مطلقاً، وقد روى: "لا كذب إلا في ثلاثة مواطن: كذب في حرب، وكذب في إصلاح بين الناس، وكذب الرجل لامرأته ليرضيها به"، وقد قال أمير المؤمنين ﵇: - "والكذب كله إثم إلا ما نفعت به مسلماً، أو دفعت به عن دين،

стр. 53

وليس يدخل كذب الإنسان لنفع نفسه، وضر غيره في هذا المعنى، لأن النفع الحقيقي هو [الذي] لا يقع به ضرر على وجه. وقد استعمل الناس أشياء ظاهرها كذب، ولهم فيها معان تخرجها عنه كتسميتهم الصبي بأبي فلان، وهو لم يستحق أن يكون أباً، (ودعي أبو فلان) وربما توفى قبل أن يولد له ولد، وربما ولد له ولد فيسمى ولده بغير ما كنى به فهذا على ظاهره كذب، ولذلك أبته رهبان النصارى وجماعة من أهل الأديان، والذي نقصده، العرب بذلك في الصغير التفاؤل [له] بالحياة، وطول العمر والولد، وتقصد به الكبير وذي الشرف التعظيم له من التسمية باسمه، ولذلك ترى السلطان إذا شرف وزيراً من وزرائه أو ولياً من أوليائه كناه، وقد تجعل العرب للرجل الكنية والكنيتين والثلاث على مقدار جلالته في النفوس، وممن كان له كنى أمير المؤمنين، ﵇، وحمزة، - رضوان الله عليه-، ومن العرب عامر بن الطفيل، وعمرو، بن معد يكرب، وغيرهما، وذلك معروف في أخبارهم ومما استعملت فيه العرب أيضاًَ التفاؤل تسميتهم أبنائهم أسداًَ تفاؤلاًَ بالشجاعة والنجدة والبسالة، وكلباً تفاؤلاً بالحراسة والمحافظة، وأشباه ذلك مما سموا به. ومما قلبوه عن معناه وسموه بضد ما يستحقه على سبيل

стр. 54

التفاؤل "المفازة" وإنما هي مهلكة" "والسليم" الملموع، وإنما هو التآلف. ومما أرادوا به التعظيم لرؤسائهم أيضاً اللقب، كتلقيبهم بذي يزن. ومكلم الذئب، والباقر، والصادق، والرضا، وأشباه ذلك، واللقب يجري على وجهين: أحدهما بالاشتقاق والتمثيل كتلقيبهم الغريض بالغريض لتشبيههم إياه في بياضه بالإغريض وهو الطلع؛ والآخر بالاتفاق كتلقيبهم بالقليزر، والدمحاك، وربما لقبوا الإنسان بغير لسان العرب كتلقيبهم بالإخشيد، وبرجيس. ومما جرى من الألقاب على جهة التعظيم تلقيب الخلفاء أنفسهم، ومن رفعوا منزلتهم من أوليائهم، وذلك مشهور يغني عن تمثيله، ومن اللقب ما جرى على سبيل الذم [كتلقيبهم]: بذنب العذر، ورأس الكلب، وأنف الناقة قبل أن يمدح بنوه بذلك. فهذا، أقسام للعبارة التي يتسارى أهل اللغات في العلم بها. فأما العرب فلهم استعمالات أخر من الاشتقاق، والتشبيه، واللحن والزمر، والوحي، والاستعارة، والأمثال، واللغز، والحذف، والصرف: والمبالغة والقطع [والعطف] والتقديم والتأخير والاختراع، ونحن

стр. 55

نذكرها بوجيز من القول ليعرفها الناظر في هذا الكتاب، ويحيط بأقسام معاني كل منها إن شاء الله. فمن ذلك: الاشتقاق: الاشتقاق، وهو ما اشتق لبعض الأفعال، من بعض، كما يشتق من الزيادة اسم زيد، وزيادة، وأزيد، ومزيد، ويزيد، وهو مأخوذ من شقك الثوب أو الحشبة، فيكون كل جزء منها مناسباًَ لصاحبه في المادة والصورة، وللأسماء والأفعال في اللغة العربية أبنية يحتاج إلى معرفتها في الاشتقاق والتصريف، فمن ذلك الأسماء، وأقل ما جاء منها على حرفين مثل: من، وما، وأشباه ذلك، وليس يجوز أن يكون اسم على أقل من حرفين، لأن المتكلم لا يجوز له أن يبتدئ نطقه إلا متحركاً، ولا أن يقف إلا على ساكن، وصار، أقل الأسماء على حرفين لذلك، ولما أشبه ما كان على هذا المثال حروف المعاني منع من الصرف، وجعل مبنياً، وأصل البناء على السكون إلا ما كان قبل آخره ساكن فيحرك لالتقاء الساكنين. فأما ما بني على الفتح فلخفة الفتح نحو: كيف، وأين، وأما وأما ما بني على الكسر، [فلأن الساكن إذا حرك حرك إلى الكسر] مثل أمس وحذام، وأما ما بني على الضم فما أعرب في بعض الأماكن مثل قبل، وبعد فإنك إذا أعربتهما وإذا أفردتما بنيتهما على الضم فرقاً بينهما وبين ما لا يعرب على حال. وشرح هذا في كتب اللغة وهو

стр. 56

يغنينا عن الإطالة فيه؛ ثم يلي ذلك الثلاثي، وهو ما بني على ثلاثة أحرف، وله عشرة أمثلة: فعل مثل رجل، وفعل مثل جمل، وفعل مثل كتف، وفعل مثل برد، وفعل مثل كبش، وفعل مثل عطر، وفعل مثل عنق، و [فعل مثل عضد] (وفعل مثل عنب)، وفعل مثل صرد، وفعل مثل إبل. ثم يلي ذلك الرباعي وهو على خمسة أبنية: فعلل مثل جلجل، وفعلل مثل جعفر، وفعلل مثل سمسم، وفعلل مثل درهم وفعل مثل قمطر. ثم يلي ذلك، الخماسي وله أربعة أمثلة: - مثل فعلل مثل سفرجل، وفعلل مثل جر دحل، وفعلل مثل جحمرش، وفعلل مثل خزعبل، وسائر الأسماء التي تتجاوز خمسة أحرف فإنها تلحقها زيادات ليست من بناء الاسم مثل عنكبوت وأشباهه. والحروف التي تسمى حروف الزوائد عشرة. وهي الهمزة، واللام، والباء، والواو، والميم، والتاء، والنون، والسين، والألف، والهاء. وليس يأتي من الأفعال السالمة شيء على أقل من ثلاثة أحرف، ولا أكثر من أربعة أحرف إلا ما لحقته الزيادة. والثلاثي، ثلاثة أبنية وهي فعل مثل ضرب، وفعل مثل كرم،

стр. 57

وفَعِل مثل علم؛ فأما فعل لما لم يسم فاعله كضرب فليس بأصل، ولكنه يدخل على، كل بناء. والرباعي السالم له بناء واحد وهو فعلل مثل دحرج. وإذا لحقته الزوائد صارت خمسة عشر بناء. وصار جميعها مع ما لا زيادة فيه من الثلاثي والرباعي تسعة عشر بناء، فمن الأبنية التي تلحقها الزوائد تسعة أبنية، في أولها الهمزة، وهي ألف الوصل، وهي افتعل نحو افتقد واستفعل نحو استخرج، وانفعل نحو انطلق، وافعلل نحو احرنجم، وأفعل نحو أحر، وأفعال نحو احمار، وأفعول نحو أخروط، وأفعوعل نحو اغدودن، وأفعلل نحو افشعر؛ وبناء واحد في أوله ألف القطع نحو أخرج؛ وخمسة لا ألف في أولها: وهي فاعل مثل قاتل، وتفاعل مثل تهالك، وفعل مثل كسر، وتفعل مثل تكسر (وتفعلل مثل تكبر)، وتفعلل مثل تدحرج. ولكل زيادة من هذه الزيادات معنى تحدثه في الفعل إذا دخلته، وذلك مثل قولنا: خرج زيد، فهذا بلا زيادة يدلنا على خروج زيد بإرادته، فإذا قلنا: أخرج زيد عمراً، فزدنا ألف القطع كان المخرج له غيره، وكقولنا: قال زيد خيراً، فإذا بنينا من ذلك فاعل قلنا: قاول زيد عمراً، فصار الفعل من اثنين، فعل كل واحد منهما بصاحبه كفعل صاحبه به، وكقولنا: كسر زيد القدح، فيدل على وقوع الكسر به؛ فإذا قلت: كسر القدح دللت على ترداد الفعل وتكراره، وتقول: اعتل زيد فدل على علته؛ فإذا قلت: تعالل زيد دللت على أنه أظهر علته وليس بعليل، فكذلك كل مثال من هذه الأمثلة

стр. 58

يفيد معنى ليس في الآخر، فإذا أرددت أن تشتق من الانطلاق اسماً للفاعل قلت: منطلق، فإذا أردت أن تشتق منه اسماً للمفعول به قلت: منطلق به، وإن أردت أن تشتق منه فعلاً ماضياً قلت: انطلق، وإن أردت أن تشتق منه فعلاً مستقبلاً قلت: ينطلق، فإذا أردت أن تأمر منه قلت: انطلق، فإذا نهيت عنه قلت: لا تنطلق؛ فهذه أوجه الاشتقاق في الأسماء والأفعال. فأما الأمر فكل فعل كان ثاني مستقبله متحركاً فإنك تسقط علامة الاستقبال منه، وتقر الباقي على بنائه فيكون أمراً مثل، دحرج يدحرج الأمر فيه دحرج؛ وما كان ثاني مسقبله ساكناً فلست تصل إلى النطق به مبتدئاً: فلابد أن تدخل الهمزة لتتوصل بها إلى النطق، وتسمى ألفاً على المجاز لا على الحقيقة، لأن الألف لا تكون إلا ساكنة. فما كان من الرباعي فهي ألف قطع! مثل أخرج يخرج، فيكون الأمر أخرج، وهذه ألف مفتوحة على كل حال، وما كان من ذلك في الثلاثي فه ألف وصل. وحركتها فيما كان ثالثه مضموماً، وفي المستقبل بالضم نحو قولك في أخرج يخرج، وفيما كان [ثالث]، مستقبله مفتوحاً أو مكسوراً بالكسر نحو قولك في ضرب يضرب أضرب وفي نفع ينفع انفع وليس يجيء فعل يفعل إلا فيما كان موضع عين الفعل فيه أو لامه أحد حروف الحلق؛ فأما ما ليس فيه في [هذين الموضعين] حرف من حروف الحلق فإنما يجيء على يفعل بالكسر أو يفعل بالضم إلا أحرفاً،

стр. 59

جئن نوادر منها: أبى يأبى، وركن يركن، وقلى يقلى، وغشى الليل يغشى: إذا أظلم. والمعتل من الأفعال ما كان في موضع الفاء منه أو العين أو اللام حرف من حروف المد واللين، وهي الواو، والألف، والياء، ولها أحكام في التصريف إن أردنا أن نستوعبها طالب ها الكتاب لكننا، نذكر جملاً من ذلك تدل ذا القريحة على ما فيها. المعتل الفاء: ما اعتلت فاؤه - كل واو كانت فاء الفعل وكان الماضي منه على فعل والمستقبل على يفعل فإنها تسقط في المستقبل نحو وعد يعد، ووزن يزن؛ وإن كان مستقبله على يفعل، وماضيه على فعل صحت نحو وضؤ يوضؤ؛ وإن كان [ماضيه] على فعل ومستقبله على يفعل صحت نحو ولع يولع، ووجل يوجل. المعتل العين: ما اعتلت عينه - كل واو تكون عيناً للفعل الذي على فعل فإنها تجعل في الماضي ألفاً لفتحه ما قبلها، وتسكن في المستقبل وتصح، نحو: قال يقول، وعال يعول، وكذلك الياء إذا وقعت هذا الموقع نحو: باع يبيع، وكان يكيل، وتسقط الواو في المفعول منه نحو: مقول، ومكيل، والأصل مكيول ومبيوع [ومقوول] وكل واو وياء تحركتا بأي حركة كانت وقبلهما فتحة فإنهما تقلبان ألفاً نحو طال وقام. وإذا اجتمعت الواو والياء وسيقت الأولى منهما بالسكون قلبت الواو

стр. 60

ياء وأدغمت في الأولى. فما سبقت الياء فيه الواو قولهم: سيد وأصله سيود، ومما سبقت فيه الواو الياء قولهم: لويته لياء، وأصله لؤيا؛ وكل واو وياء وقعتا بعد ألف زائدة جاز أن تبدل همزة نحو قائم وهائم، وكل واو انضمت وهي أول الفعل فهمزها جائز نحو أقتت ووقتت، وأجلت ووجلت. وكل واو انكسرت في أول الحرف فهمزتها جائزة نحو وشاح وإشاح، وإكاف ووكاف. ما اعتلت لامه: كل واو ياء في آخر الفعل سكنتا، وانضم ما قبل الواو وانكسر ما قبل الياء صحتا نحو يغزو ويحصى، فإن كانت في الأسماء وانكسر ما قبلها أسكنت في الخفض والرفع، وفتحت في النصب نحو: قاض، ورأيت قاضياً، فإذا أضيف ذلك أو دخلته الألف واللام صحتا؛ وكل واو في آخر الفعل قبلها ضمة، أو ياء قبلها كسرة، فإنهما تسكنان في الرفع، وتفتحان في النصب، وتحذفان في الجزم نحو زيد يغزو، ولم يغز، [وإن يغزو] وإن كانت في آخره ألف ساكنة أقرت على سكونها في الرفع والنصب، وحذفت في الجزم، نحو زيد يخشى ويسعى ولن يسعى ولم يسع. التشبيه: وأما التشبيه فمن أشرف كلام العرب، وفيه تكون الفطنة والبراعة

стр. 61

عندهم، وكلما كان المشبه منهم في تشبيهه ألطف كان بالشعر أرعف، وكلما كان إلى المعنى أسبق كان بالحذق أليق. والتشبيه ينقسم قسمين: تشبيه الأشياء في ظواهرها وألوانها ومقدارها كما شبهوا اللون بالخمر، والقد بالغصن، وكما شبه الله النساء في ورقة ألوانهن بالياقوت، وفي نقاء أبشارهن بالبيض [قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾] وكما قال الشاعر: (كأن بيض نعام في ملاحفها ... إذا اجتلاهن قيظ ليلة ومد) وقال آخر: (أيا شبه ليلى لا تراعي فإنني ... لك اليوم من بين الوحوش صديق) (فعيناك عيناها وجيدك جيدها ... ولكن عظم الساق منك دقيق) وقال آخر: (وردت اتساقاً والثريا كأنها ... على قمة الرأس ابن ماء محلق) ومنه تشبيه في المعاني كتشبيههم الشجاع بالأسد، والجواد بالبحر، والحسن الوجه بالبدر، وكما شبه الله أعمال الكافرين في تلاشيها مع ضلالتهم أنها حاصلة لهم بالسراب الذي إذا دخله الظمآن الذي قد وعد

стр. 62

نفسه به لم يجده شيئاً، وكما شبه من لا يقنع بالموعظة بالأصم الذي لا يسمع ما يخاطب به، وشبه من ضل عن طريق الهدى بالأعمى الذي لا يبصر ما بين يديه، وفي هذا النوع من التشبيه قال الشاعر: (فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع) وقال غيره: (هو البحر من أي النواحي أتيته ... فلجته المعروف والجود ساحله) (فلو لم يكن في كفه غير نفسه ... لجاد بها فليتق الله سائله) وهذا كثير في القرآن والشعر، وما ذكرنا منه دليل على ما تركنا إن شاء الله. اللحن: وأما اللحن: فهو التعريض بالشيء من غير تصريح، أو الكناية عنه بغيره كما قال الله : ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾، والعرب تفعل ذلك لوجوه [وهي] نستعمله في أوقات ومواطن؛ فمن ذلك ما استعملوه للتعظيم، أو التخفيف، أو للاستحياء، أو للبقيا، أو للإنصاف، أو للاحتراس، فأما ما يستعمل من التعريض

стр. 63

للإعظام، فهو أن يريد [مريد] تعريف ما فوقه قبيحاً إن فعله فيعرض له بذلك من فعل غيره، ويقبح له ما ظهر منه، فيكون قد قبح له ما أنا من غير أن يواجهه به، وفي ذلك يقول الشاعر: (ألا رب من أطنبت في ذم غيره ... لديه على فعل أتاه على عمد) (ليعلم عند الفكر في ذاك أنما ... نصيحته فيما خطبت به تصدى) وأما التعريض للتخفيف: فهو أن يكون لك إلى رجل حاجة فتجيئه مسلماً لا تذكر حاجتك، فيكون ذلك اقتضاء له وتعريضاً بمرادك منه، وفي ذلك يقول الشاعر: (أروح لتسليم عليك وأغتدى ... وحسبك بالتسليم منى تقاضيا) وأما التعريض للاستحياء فكالكتابة عن الحاجة بالنجو والعذرة، والنجو: المكان المرتفع، والعذرات الأفنية، وبالغائط وهو الموضع الواسع، فكنى عن الحاجة بالمواضع التي تقصد لوضعها فيها، وكما كي عن الجماع بالسر، وعن الذكر بالفرج، وإنما الفرج ما بين الرجلين وكما تقول لمن كذب ليس هذا كما يقال. فأما التعريض للبقيا فمثل تعريض الله بأوصاف المنافقين وإمساكه عن تسميتهم إبقاء عليهم وتألفا لهم، ومثل تعريض الشعراء بالديار والمياه والجبال والأشجار بقياء على ألا فهم وصيانة لأسرارهم، وكتماناً لذكرهم، ومنه قول الشاعر:

стр. 64

(أيا أثلات القاع من بطن توضح ... حنيني إلى أفيائكن طويل) ومنه قول الآخر: (ألا يا سيالات الرحائل باللوى ... عليكن من بين السيال سلام) وهذا باب تكثر [فيه] الشواهد من الشعر وغيره، وقد صرح بعض الشعراء عن المراد سنه فقال: (أدور ولولا أن أرى أم جعفر ... بأبياتكم ما درت حيث أدور) وأما التعريض للأنصاف فكقول الله ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾. ومنه قول حسان بن ثابت في مناظرته بعض من هجا رسول الله -صلى اله عليه وسلم-: (أتهجوه ولست له بكفء ... فشر كما لخيركما الفداء) وأما التعريض للاحتراس: فهو ترك مواجهة السفهاء والأنذال بما

стр. 65

يكرهون، وإن كانوا لذلك مستحقين، خوفاً من بوادرهم وتسرعهم، وإدخال ذلك عليهم بالتعريض، والكلام اللين، وفي ذلك يقول الله ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ وقال لموسى وهارون في فرعون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾. الرمز: وأما الرمز: فهو ما أخفى من الكلام، وأصله للصوت الخفي الذي لا يكاد يفهم، وهو الذي عناه الله بقوله: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ وإنما يستعمل المتكلم الرمز فيما يريد طيه عن كافة الناس، والإفضاء به إلى بعضهم فيجعل الكلمة، أو الحرف اسماً من أسماء الطير أو الوحش، أو سائر الأجناس، أو حرفاً من حروف المعجم، ويطلع على ذلك الموضع من يريد إفهامه رمزه، فيكون ذلك قولاً مفهوماً بينهما مرموزاً من غيرهما، وقد أتى في كتب المتقدمين والحكماء والمتفلسفين من الرموز شيء [كثير]، وكان أشدهم استعمالاً للرمز أفلاطون، وفي القرآن من الرموز أشياء عظيمة القدر، جليلة الخطر، قد تضمنت علم ما يكون في هذا الدين من الملوك والممالك، والفتن والجماعات، ومدد كل صنف من ذلك وانقضائه، ورمزت بحروف المعجم وغيرها من الأقسام

стр. 66

كالتين والزيتون، والفجر والعاديات، والعصر، والشمس، وأطلع على علمها الأئمة المستودعون علم القرآن، ولذلك قال أمير المؤمنين ﵇ "ما من مائة تخرج إلى يوم القيامة إلا وأنا أعلم قائدها وباعثها، وأين مستقرها من جنة أو نار؛ وروى عن ابن عباس -[﵁]- أنه سئل عن الم وحسم وطسم، وغير ذلك مما في القرآن من هذه الحروف؛ فقال: ما أنزل الله كتاباً إلا وفيه سر، وهذه أسرار القرآن، وهي حروف الجمل، [ومنها كان علي يعلم حساب الفتن، فهذه الرموز هي أسرار آل محمد، ومن استنبطها من ذوي الأمر وقف عليها، فعلم جليل ما أودعهم اله إياه من الحكمة، وقد ذكرنا مما تأدى إلينا من تفسير ذلك في كتابنا الذي لقبناه بأسرار القرآن" ما أغنى عن إعادته ها هنا، فإن رغبت في النظر فيه فاطلبه تقف عليه إن شاء الله]. الوعي: وأما الوحي فإنه الإبانة عما في النفس بغير المشافهة على ايمعني وقعت من إيماء، وإشارة، ورسالة، وكتابة، ولذلك قال الله -

стр. 67

﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ وهو على وجوه كثيرة فمنه الإشارة كما قال الله : ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾، ومنه الوحي المسموع من الملك كقول الله : ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ ومنه الوحي في المنام، وهو الرؤيا الصحيحة كما قال الله -سبحانه-: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ ولذلك قال رسول الله ﷺ : "للرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءاً من النبوة" ومنه الإلهام كما قال الله : ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ﴾، أي ألهمها، ومن الكتاب، ويقال منه: وحيت الكتاب إذا كتبته، قال الشاعر: (ما هيج الشوق من أطلال [دراسة] ... أضحت قفارا كوحي خطه الواحي) ويقال منه: وحيث أحي كما يقال: رفيت أفي. ومن الوحي الإشارة باليد والغمز بالحاجب، والإيماض بالعين كما قال الشاعر: (وتوحى إليه باللحاظ سلامها ... مخافة واش حاضر ورقيب)

стр. 68

وقال آخر: (أشارت بطرف العين خيفة أهلها ... إشارة محزون ولم تتكلم) (فأيقنت أن الطرف قد قال مرحبا ... وأهلاً وسهلاً بالحبيب المسلم) وقال آخر: (أشارت بأطراف كأن بنانها ... أنابيب در قمعت بعقيق) (وقالت: كلاك الله في كل مشهد ... مكانك في قلبي مكان شقيق) (فهذا ما في الوحي والإشارة). الاستعارة: وأما الاستعارة فإنما احتيج إليها في كلام العرب لأن ألفاظهم أكثر من معانيهم، وليس هذا في لسان غير لسانهم، فهم يعبرون عن المعنى الواحد بعبارات كثيرة، وربما كانت مفردة له، وربما كانت مشتركة بينه وبين غيره، وربما استعملوا بعض ذلك في موضع بعض على التوسع والمجاز، فيقول إذا سأل الرجل شيئاً فبخل به عليه: "لقد بخله فلان، وهو لم يسأله ليبخل، إنما سأله ليعطيه، لكن البخل لما ظهر منه عند مسألته إياه جاز في توسعهم ومجاز قولهم أن ينسب ذلك إليه، ومنه قول الشاعر: فللموت ما تلد الوالدة

стр. 69

والوالدة إنما تطلب الولد ليعيش لا ليموت، لكن لما كان مصيره إلى الموت جاز أن يقال: للموت ولدته، ومثله في القرآن: ﴿وَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا * وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾، وذلك لأنهم كانوا عند تلاوة القرآن قد حجبوا قلوبهم عن فهمه، وصدقوا بأسماعهم عن تدبره، فجاز أن يقال على المجاز والاستعارة: إن الذي تلا ذلك عليهم جعلهم كذلك، والدليل على ما قلنا، وأن حقيقة الأمر أنهم هم الفاعلون دون غيرهم، قول الله، في موضع آخر: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾؛ ومثل الأول قوله: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ لأنه لما غفل عن الذكر كان بمنزلة من غفل عن الكلام فجاز، أن يقال الذي أذكره إنه إغفل قلبه، كما جاز أن يقال الذي يسأل ذلك فيبخل عليه [قد] بخله. ومن الاستعارة ما قدمنا من إنطاق الربع، وكل ما لا ينطق إذا ظهر من حاله ماشا كل النطق. ومما جاء من هذا النوع في القرآن قوله : ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلاتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾

стр. 70

جاز أن تحتمل مزيداً من الكافرين حسن أن يقال: نقول: هل من مزيد؟ وكذلك قوله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ وذلك لما كانتا عن إرادته من غير عصيان له ولا استصعاب عليه جاز أن يقال: إنهما قالتا: أتينا طائعين وكذلك قوله : ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾، لما كانت الإرادة من أسباب الفعل، وكان وقوع الفعل يتلوها، جاز (لما قد كاد يقع وقرب وقوعه) أن يقال أراد أن يقع، ومثل ذلك قول الشاعر: امتلأ الحوض وقال قطني أي لما كان فيه سعة لغير ما قد وقع فيه من الماء، جاز على الاستعارة أن يقال: حسبي، وهذا شائع في اللغة كثير. الأمثال: وأم الأمثال فإن الحكماء والعلماء والأدباء لم يزالوا يضربون الأمثال، ويبنون للناس تصرف الأحوال بالنظائر والأشكال، ويرون هذا النوع من القول أنجح مطلباً، وأقرب مذهباً، ولذلك قال الله :

стр. 71

﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ وقال: ﴿وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ﴾. وإنما فعلت العلماء ذلك لأن الخبر في نفسه إذا كان ممكناً فهو محتاج إلى ما يدل على صحته، والمثل مقرون بالحجة، ألا ترى أن الله لو قال لعباده: إني لا أشرك أحداً من خلائقي في ملكي لكان ذلك قولاً محتاجاَ إلى أن يدل على العلة فيه، ووجه الحكمة في استعماله فلما قال: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ كانت الحجة من تعارفهم مقرونة بما أراد أن يخبرهم به من أنه لا شريك له في ملكه من خلقه، لأنهم عالمون بأنهم لا يقرون أحداً من عبيدهم على أن يكون فيما ملكوه مثلهم بل يأنفون من ذلك ويدفعونه، فالله أولى بأن يتعالى عز ذلك. وكذلك جعلت القدماء أكثر آدابها، وما دونته من علومها بالأمثال والقصص عن الأمم، ونطقت ببعضه

стр. 72

على ألسن الطير والوحش، وإنما أرادوا بذلك أن يجعلوا الأخبار مقرونة بذكر عواقبها، والمقدمات مضمومة [إلى] نتائجها، وتصريف القول في ذلك حتى يتبين لسامعيه ما آلت إليه أحوال أهليها عند لزومهم الآداب أو تصنيعهم إياها، ولهذا بعينه قص الله علينا أقاصيص من تقدمنا ممن عصاه، وآثر هواه، فخسر دينه ودنياه، ومن اتبع رضاه، فجعل الخير والحسنى عقباه، وصير الجنة مثواه ومأواه، وقال في ذلك: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾. اللغز: وأما اللغز: فإنه من لغز اليربوع إذا حفر لنفسه مستقيماً ثم أخذ بمنة ويسره ليخفي بذلك على طالبه، وهو قول استعمل فيه اللفظ المتشابه طلباً للمعاياة والمحاجته والفائدة في ذلك في العلوم الدنيوية رياضة الذكر في تصحيح المعاني وإخراجها من المناقضة والفساد إلى معنى الصواب والحق، وقدح الفطنة في ذلك واستنجاد الرأي باستخراجه، وذلك مثل قول الشاعر: (رب ثور رأيت في جحر نمل ... ونهار في ليلة ظلماء)

стр. 73

فالثور هنا القطعة من الأقط، والنهار فرخ الحباري، فإذا استخرج هذا صح المعنى، وإذا حمل على ظاهر لفظه كان محالاً، وكذلك قول الآخر: (فأصبحت والليل مستغلس ... وأصبحت والأرض بحر طمى) فأصبحت: أشعلت المصباح ولو حمل على الصبح لنا في القول ومسد، والفائدة في استعمال ذلك في الدين المعارضة التي ذكرناها وقلنا: إن للإنسان استعمالها عند التقية. حتى يخرج بهذا الكلام عن الكذب باشتراك الاسم ومن هذه الأسماء المشتركة المحنون الذي به الخبل، والمجنون الذي قد جنه الليل، والنبيذ الذي يشرب، والنبيذ؛ الصبي المنوذ، والعلي: المرتفع والعلي: الفرس الشديد؛ والجرح: المصدر من الجراح، والجرح: الكسب، والطعن بالرمح، والطعن في العرض، والبطن: ضد الظهر، والبطن من العرب؛ والفخذ العضو، والفخذ من القبيلة؛ والبعل: الزوج، والبعل: النخل الذي يشرب ماء السماء؛ (واليد الجارحة] واليد النعمة، واليد القدرة وأشباه هذا كثير، وقد جمعه أهل اللغة. وممن جوزه وجمع أكثره ابن دريد في كتاب "الملاحن"، فإن أردته فاطلبه منه إن شاء الله.

стр. 74

الحذف: وأما الحذف: فإن العرب تستعمله للإيجاز والاختصار والاكتفاء بيسير القول إذا كان المخاطب عالماً برمادها فيه، وذلك كقوله : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ وسكت عن تمام الكلام لعلم المخاطب به، وكان تقدير ذلك: وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم استكبروا وعتوا وتمادوا، وكذلك قوله: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ حذف ما بعده لعلم المخاطب به، وإن كان تقديره: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لعد بكم [بما فعلتم]. من ذلك قول الشاعر: (أجدك [لو] شيء أتانا رسوله ... سواك، ولكن لم نجد لك مدفعاً) أراد لدفعناك، ولكن لم نجدلك مدفعاً، فحذف اكتفاء لعلم المخاطب بما أراده، ومثله قوله: (فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى ... بنا بطن حقف ذي قفاف عقنقل)

стр. 75

[وهذا كثير في كلام العرب، وإذا مر بك عرفته إن شاء الله] الصرف: وأما الصرف: فإنهم يصرفون القول من المخاطب إلى الغائب، ومن الواحد إلى الجماعة، كقوله: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾. وكقول الشاعر: (وتلك التي لا وصل إلا وصالها ... ولا صرم إلا ما صرمت يضبر) وقال آخر: (يا لهف نفسي كان جده خالد ... وبياض وجهك للتراب الأعفر) المبالغة: وأما المبالغة: فإن من شأن العرب أن تبالغ في الوصف والذم، كما أن من شأنها أن تختصر وتوجز، وذلك لتوسعها في الكلام واقتدارها عليه، ولكل من ذلك موضع يستعمل فيه، وسيمر بك في مواضعه إذا صرنا إلى ذكره إن شاء الله.
следующие страницы →