Полный текст (316 стр.). Показаны 281–316 · переход к 286.
стр. 281
فإن أعماله واسعة، وأشغاله كثيرة، ومتى أراد مباشرة جميعها بنفسه أوضاع أكثرها، فقد قيل: إذا ألزم الراعي نفسه مباشرة ما ينبغي أن يفرضه إلى الكفاءة، وفوض ما ينبغي أن يباشره بنفسه إلى غيره ضاع أمره، والسلطان يزيد برأي وزيره استبصاراً كما يزيد المصباح بالدهن ضياء، وإنما يظفر للسلطان من الراحة واللذة والأمن والاستبانة بمقدار ما يظفر به من الوزير الصالح، ولو لم يكن في البيان عن الحاجة إلى الوزير الصالح إلا قول موسى ﵇ وهو نبي، ويكلمه الله وحيه، ولو استغنى أحد عمن يؤازره لا يستغني هو لموضعه من ربه: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾. وليس ينبغي للسلطان أن يختار من الوزراء إلا الذي يجمع مع الصلاح أدباً وحكمه، ومع العقل تجربة وحنكة ومن يجري على عرق في الخير معروف، وديدن في ذلك من آبائه مألوف، وأن يكون من بيت رياسة، فإن ذلك مما يعنيه على صحة السياسة، لأن العروق عليها ينبت الشجر، وقل أصل طاب إلا طاب فرعه. فإن اتفق له من يجمع الفهم والدراية بنفسه، وينزع إلى رياسة في أصله، فقد تم له ما يريده، وإلا طلب من يجتمع له العقل والدراية، ولا عليه ألا يكون من أصل شريف، ونسب معروف، فإنه قد يكون الإنسان بفضله نسباً لمن بعده من أهله، ويكون آخر شين أصله فضيحة لمن ساد من أهله، وأن يكون من ذوي المودة للسلطان والاعتقاد لولايته، ومن لا يذيع له سراً، ولا يحابي في رأي يراه صواباً له أحداً، فإذا وجد ذلك فوض إليه، واعتمد عليه. وينبغي للوزير أن يعلم أن الله -
стр. 282
قد أعطاه منزلة لم يعطها أحداً بعد السلطان غيره، فيقابل نعمة الله عنده في ذلك بما يستحقه من الشكر عليها، وتأدية الأمانة فيها إلى أهلها، فإنه يجمع بذلك الفوز عند الله ، والذكر الجميل في العاقبة، وإن كان ممن [لا] يعتقد إمامة من سلطانه، ويرى أنه غاصب على ما في يده، فليس اعتقاده ذلك مما يطلق له غشه، ولا يرخص له في ترك نصحه لأحوال منها:
أنه قد قبل نعمته، وشاركه في أمره فوجب عليه المكافأة على النعمة، وأن يعلم أن وزره في معاونته، والدخول معه فيما غضب عليه، أعظم من الوزر في تأدية الأمانة إليه؛ ومنها أن الله قد أمر بتأدية الأمانات إلى أهلها أمراً عاماً، لا يجوز تخصيصه إلا ببيان منه. وقد روي عن الصادقين ﵈ ما يدل على أن الأمر بذلك عام، وهو قولهم: أدوا الأمانة ولو إلى قتلة أولاد الأنبياء؛ ومنها أنه لا بد للناس مع فقد أئمة العدل من السلطان، لأنهم لو فقدوا السلطان مع عدم الأئمة لأكل بعضهم بعضاً، لكن مثل السلطان وإن جار، كمثل المطر الدائم الري، وإن كان يضر بالأبنية، ويقطع المسافر وذا الحاجة، فما ينفع الله به من إخراج الثمرات، والزيادة في الأقوات أكثر. وقد روي عن أمير المؤمنين ﵇ أنه قال في حديث طويل، ولابد من إمارة برة أو فاجرة"، قيل له: هذه البرة قد عرفناها، فما الفاجرة؟ قال: "يقال بها العدو، ويجبى بها الفيء، ويؤخذ بها على يد الظالم" في قول كثير قبل ذلك وبعده. ثم إن الوزير محتاج إلى معاملة طبقات من الناس، فمنهم سلطانه، ومنهم حكامه، ومنهم جنده، ومنهم عماله، ومنهم خاصته،
стр. 283
ومنهم رعيته، وأوصاف بعض هؤلاء تخالف أوصاف بعض، ولكل طبقة معاملة غير معاملة الطبقة الأخرى.
معاملة الوزير لسلطانه:
أولى ما ينبغي أن يعامل به السلطان توقيره وتعظيمه، والشكر له على ما رفعه إليه بالنصيحة له، والتقرب إلى قلبه بكل ما يجد السبيل إليه، مما لا يثلم ديناً، ولا يسقط مروءة، والصبر على ملازمته، والاجتهاد في خدمته، ثم عليه إذا رآه قد أراد أمراً وأمر به وكان صواباً أن يشجعه عليه، ويزينه له، ويبصره بما فيه من الذكر الجميل، والقول الجزيل حتى يزيد علماً بصواب رأيه، وسروراً بما وفق له، وإذا رآه قد أراد أمراً أو أمر به، وكان خطأ عنده بصّره ما في عواقبه من الشين، وما في تركه من الزين، ويبين له الخطأ فيه بأبهى خطاب وأرفقه، فكما أنه ليس له أن يكتمه النصيحة، وإن خالف هواه، فكذلك ليس له أن يخرج كلامه في ذلك مخرج التأديب له، والتقويم، فإن الوزير العاقل لو شاء أن يبصر بسلطانه جميع عيوبه بالأمثال التي يضربها، والعيوب التي يذكرها من غيره حتى يعرف عيبه بعيب غيره، لفعل، وقد قيل:
من كتب السلطان نصحه والأطباء مرضه، والإخوان سره، خان نفسه وروي عن رسول الله ﷺ وقوله أحق بالتقدمة: "إنما الدين النصيحة لله ولرسوله ولذوي الأمر وكافة المسلمين".
معاملة حكامه:
وأما معاملته ح كامه. فأول ذلك أن يختار منهم ذوي العلم والسنن
стр. 284
والفرائض والأمر والنهي والحظر والإباحة، وأولى المعرفة بدقائق الأحكام وأصول الحلال ولا حرام، والعلم بما توجبه أقسام الكلام، وينتخب ممن هذا وصفه من هو معروف بالستر والصيانة، والعدل والديانة، فيذكره لسلطانه، ويشير عليه باستكفائه الحكم بين رعيته، ثم يعهد إليه من السلطان بألا يحتج عن الناس، وأن يكون مجلسه متوسطاً لمصره، وأن يعدل بين الخصمين إذا حضراه في نظره إليهما، وخطابه لهما في مجلسهما، ولا يقلقن أحدهما حجته، وألا يفتى في علمه، وأن يتجنب القضاء في الأوقات التي يتغير فيها طبعه بغضب أو هوى أو جوع أو عطش أو نعاس أو شبق، وألا يعجل الحكم في الشيء حتى يتبين الحق فيه، فإذا أتاه ما يتشبه الحكم فيه عليه، شاور الفقهاء فيه، وأخذ بآرائهم، ولم يستغن برأيه عنهم، وإن لم يجد عندهم في ذلك ما يقنعه، ويليق بالحق والصواب عنده أنهاه إلى السلطان، وأخذ فيه برأيه، وإن جعل في العهد آيات من كتاب الله في الأمر بالعدل، والزجر عن الجور كان ذلك أحسن وأوكد إن شاء الله. ثم ينبغي أن يعلم الحكام منه شدة في ذات الله ، وحرصاً على إقامة الحق، وإنصاف المظلوم، وظلفاً عن أموال الناس، وأن يوقر في نفوسهم أن المحمود منهم عنده من ظهرت عفته، وطابت طعمته، وحسنت سيرته، وثبتت أمانته ونزاهته، وبرئ من معاملة الهوى، وترك الرشى ثم إن ظهر أن أحداً من حكامه على طبقاتهم التي صنفناها من القضاء وأصحاب المظالم، وكتاب الدواوين، وأصحاب الشرط جار حكم، أو مال مع خصم، أو خرج مما جعل إليه، أو تعداه إلى غيره نكل به وجعله أدباً لغيره، وعظة لمن بعده
стр. 285
ثم لم يستعن به في شيء من أمره، فإذا فعل ذلك أوشك أن تستقيم طرائقهم وتصلح خلائقهم، ولا يميل بهم الشر إلى إسقاط أنفسهم.
معاملة الجند:
وأما معاملته الجند فينبغي أن يختار منهم ذوي البطش والقوة، والحيلة والحنكة، ممن قد عرف الحرب وجربها، ومارسها وصُلي بها ممن يحسن حمل السلاح ويعمل به، ويضع الإقدام موضعه، والانحياز موضعه، ولا يجمع به الغضب والبسالة إلى التهور في الهلكة، ولا يحمله حب الحياة على الفرار، والرضا بما يورث العار، فإذا ظفر بمن هذه صفته تمسك به، وقدمه على غيره من جنده، وإن ظفر بمن له الجلد والقوة، ولم تكن له الحنكة والتجربة، قارن به ذوي الحنكة وأمره أن يطيعهم، ويتصرف في أمرهم، فإن أمير المؤمنين ﵇ قال: "موقف الشيخ في الحرب أعجب إلي من مشهد الغلام". وإن ظفر بذي الحنكة والتجربة والرأي والمكيدة، وكان عادماً للجلد، جعل بين يديه من هذا الصنف من يتدبر بتدبيره، ويتصرف على إرادته، لتجتمع له الحالان من جماعة إن عدمها من واحد. ثم ينبغي له أن يجمل الغرض في سياستهم، أن يجتمع له في صدورهم المحبة والهيبة، وأن يكون بعضهم في موافقة بعض، والتآلف معه كأعضاء الجسم في تآلفهم وتعاونهم، وأن يتفقد من أمورهم ما يعود عليهم بفضله، ويكفون به مئونة أنفسهم، ومن يلزمهم أمره، وأن يزيد ذا البلاء منهم، والطاعة في مرتبته ومنفعته، ليستدام بذلك ما حمد منه، وارتضى من فعله، وينافسه من لا له فيما يرى من الزيادة والمنفعة
стр. 286
فيباريه في إبلائه، ويسابقه إلى رضا سلطانه، ومتى أساء واحد منهم أو قصر تلقاه بالاستيعاب الرقيق، والاستصلاح الجميل من غير اعتبار ألته، ولا كف لغامض عورته، فإنه لا يصلحهم من لا يغضى عن فلتات زللهم، من حيث لا يملي لهم، ويزاد في احتمالهم، فيعود بذلك بتمرنهم على الخطأ، وتجرئتهم على ركوب الهوى، ولا يستفرغ وسعهم حتى لا يكون لهم جمام يمترى به نشاطهم، فيكل بذلك حدهم، ولا يزيد عليهم في ذلك حتى يصير فراغاًَ يدعوهم في ذلك إلى استعمال ما فيتنهم ويفسدهم، وألا يؤخر عنهم أطماعهم في وقت حلولهم ليقطع بذلك عذرهم، ويستقيم به أمرهم، وأن يقبض أيديهم عن ظلم الرعية وأخذ أموالها، والتنزل عليها، والتعرض لأولادها وحرمها، ويعرفهم إنما أقيموا لحماية الناس من مثل هذه الأحوال.
ثم متى ظهر أن أحدهم قد قارف شيئاً من ذلك، أو فعله أحسن تأديبه ليرتدع به غيره، ثم ليكن أول تدبره في حروبه حروبه كتمان سره وتحصينه من سائر أهل عسكره، حتى لا يقف له عدوه على خبر، [وعليه] بإذكاء العيون والجواسيس على عدوه، حتى لا يخفى عليه أثر، ثم ليجعل الحذر رأس مكيدته، ولا يغتر بضعف من عدوه، فإن صرعات الاغترار لا تستقال، وليستعد له بأكثر من قدره، فإنه إن لقيه صغيراً
стр. 287
وقد أعد له كثيراً لم يضره ذلك، وإن وقع الأمر بضد ذلك فلا خفاء بما يلحقه منه. ولينتهز الفرصة إذا أمكنته، فإنها تمر مر السحاب، كما قال أمير المؤمنين ﵇: "قلّ من ضيع فرصة قد أمكنته وأخرها حتى تفوته، فظفر بمثلها"، واعلم أن التأني عند إمكان الفرصة يعود من الضرر بمثل ما تعود به العجلة قبل إمكانها، وليأخذ بالأناة ما استقامت، ولا يعجل بمناجزة العدو ما وجد إلى الحيلة سبيلا، فإن أهنأ الظفر ما كان بالمخاتلة دون المخاطرة، وأحزم الناس من لم يلتمس من عدوه القتال، وهو يجد إلى غيره سبيلا، وقد قيل: إذا كان وزير السلطان من يأمره بالمحاربة فيما يقدر فيه على حاجته بالمسالمة، فهو أشد عداوة له من عدوه. ولا ينبغي أن يضجر بمطاولة عدوه، والإبطاء عن لقائه، حتى تمكنه الفرصة، وتبدو له العورة، وليكن الظفر بالطاعة أحب إليه من الظفر بالغلبة، فإن في ذلك وفور أصاحبه وسلامة دينه، وإذا ظهر على عدون، وضع أوزار الغضب عنهم، مع أوزار الحرب، وتبدل بالقسوة رحمة، فإنهم يصيرون حينئذ رعية بعد أن كانوا مقاومين. ولا يقاتل عدوه إلا بعد (الإعذار) إليه، وإقامة الحجة عليه، وتبصيره الخطأ فيما ركبه، فإن قبل وأناب سر برجوعه، وتقبل ذلك منه، وإن أبى وأصر وأقام على الشقاق حاربه؛ فإن كان العدو من المشركين فالسنة في قتاله بعد الدعاء والإعذار ألا يقبل منهم غير الإسلام، فإن اسلم وإلا قوتل حتى يقتل أو يظفر به، فإذا ظفر به كان الإمام بالخيار
стр. 288
في أمره إن أحب قتل، وإن أحب فادى، وإن أحب منّ، وكل ذلك قد فعله رسول الله ﷺ وكانت نساؤهم وذراريهم رقيقاً للمسلمين. وإن كان العدو من أهل الكتاب لم يقبل منه غير الإسلام، فإن أبى طلبت منه الجزية عن يد وهو صاغر؛ فإن أباها قوتل حتى يقتل أو يظفر به، ومن أسر منهم وسبى من حرمهم وذراريهم فسبيلهم سبيل من قبلهم.
وإن كان من المتلصصة، وقطاع الطريق ومن جرى مجراهم من المحاربين على غير تأويل، فالسنة في قتالهم بعد الوعظ والزجر أن يقاتلوا حتى يقتلوا أو يظفر بهم، فإن تابوا من قبل أن يقدر عليهم عفا عنهم، وإن لم يفعلوا حتى ظفر بيهم لم تقبل توبتهم، وكان الإمام مخيراً في قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو قلتهم، أو صلبهم، أو نفيهم من الأرض، وهو على قول كثير من المفسرين تخليدهم في الحبوس. وليس للمسلمين أن يسترقوا ذراريهم، ولا أن ينكحوا نساءهم، لأن الشهادة وظاهر الملة تجمعنا وإياهم.
وإن كان من البغاة والمتأولين على الأئمة وعظوا، فإن فاءوا قبل منهم، وإن لم يقبلوا الوعظ استأنى بهم حتى يبدأوا بالقتال، ويجاهروا بالخلاف وحمل السلاح، فإذا فعلوا ذلك وبدروا بالقتال قوتلوا حتى يكفوا عن بغيهم، ومن أسر منهم أطلق، ولم يتبع منهم مدبر، ولم يجهز على جريح.
стр. 289
وليكن الوزير في حروبه على غاية الأكماش، والإقبال على النظر في وجوه الحيل والتدبير اللذين يصرف بهما عن نفسه ورعيته المعرة، ويوقع بهما على عدوه المضرة، وترك التشاغل عن ذلك بلذة أو بنوم، فليس أخو الحرب بالنؤوم ولا السئوم، وإنما يضيع في هذا الباب إذا أضاع الحزم فيه لنفسه وخاصته، وسائر من تحت يده، فهذه جملة ما ينبغي للوزير أن يسوس بها جنده، ويجري عليها أمره في حربه.
معاملة الوزير للأعوان والعمال:
وأما معاملته الأعوان والعمال فأول ذلك أن يختارهم في أماناتهم وثقتهم وعملهم بما يسند إليهم، ودربهم فيه حتى يكونوا أفضل من ييسره الوقت إليه من نظرائهم، وألا يؤثر بالعمل من وجب حقه وتأكده حرمته إذا لم يكن منه كفاية من عمله، بل يسع هذا الصنع من الناس ماله، فيقضي به حقوقهم عنه، ولا يضيع أمر سلطانه بأن يسندها إلى من لا يضطلع، وليكن من يختاره من الكفاة ذوي النزاهة والطب دون ذوي الشره والنطف وليكن باختيارهم أعنى منهم بجمعهم، فإن زجاء الأعمال ليس بكثرة الأعوان، ولكن بصالحي الإخوان، وليس ما ينفع بالأعوان حتى يكونوا لمن هم معه وأدين، وعلى نصيحته مثابرين، ولا ينتفع بالمحبة والنصيحة
стр. 290
إلا مع الرأي والعفة. وأعمال السلطان كثيرة، ومن يحتاجون إليه فيها من العمال كثير، ومن يجمع لهم كل ما يحتاجون إليه قليل. والوجه الذي يستقيم به تدبير الوزير في أمرهم أن يعرف ما عند كل واحد منهم من الرأي والغناء والأمانة، وما فيه من العيوب، ثم بوجه لكل عمل من أعماله من قد عرف أن له من الرأي والقوة ما يحتاج إليه في ذلك العمل، وأن ما فيه من العيب لا يضر به وأن يتفقد أمورهم بعد ذلك حتى لا يخفى عليه إحسان محسن، ولا إساءة مسيء، ثم عليه ألا يدع محسناً بغير وثاب، ولا مسيئاً بغير تأديب وعقاب، فإنه إن ضيع ذلك منهم تهاون المحسن واجترأ المسيء، وفسدت الأمور؛ وأن يتهم بعضهم على بعض، ويعرف مخرج النصيحة من مخرج السعاية، فقد تتشابه مخارجها على من لم يلطف ليتميز ما بينهما، ومتى وجد بعض أصحابه طريقاً إلى إهلاك بعض أو تهجينه أو تغطية محاسنه لم يأل في ذلك جهداً، إما للبغي والحسد، وإما للمنافسة في المحل، وليعلم عماله منه أن الخير لا يصاب من جهته إلا بالمعونة على الخير، وأن الشر لا يلحقهم من جهته إلا بالمعونة على الشر، فإنهم إذا علموا ذلك منه وافقوه عليه، وتصنعوا به له، والمتصنع خير من أنت واجده بعد الموافق ثم ليعلم أنه ليس من أحد خلا من العيوب ولا من الفضائل، بل في كل واحد من الآخرين جميعاً منافسون له فلا يطرح ذا العيب الواحد حتى لا يستعين به، ولا يخشى ذا الفضلة حتى يركن إليه، بل يتوفى عيب هذا، ويستمتع بما فيه من الفضائل، ويستمتع بفضل هذا ويتقي
стр. 291
ما فيه من العيوب، وليعلم أن كثيراً من الأعوان والعمال ربما تجمعوا عند السلطان لجمع المال وتوفيره، وركبوا في ذلك ظلم أهل الخراج فبالإغضاء لهم، والإحسان إليهم، والعدل عليهم يتوفر ماله، وبالتقصي عليم، والظلم لهم يكن ذهابه، فمن تزين عند سلطانه بما يخرب به مملكته ويفسد من أجله سلطانه، ويقرب إليه بعاجل يفسد به الآجل، فإن عقوبته الإبارة به، وقد كانت الأكاسرة تقتل أمثال هؤلاء، وتقطع أيديهم وأرجلهم، وتمثل بهم، وكان المأمون يقول: ما استغزر الفيء بمثل العدل، ولا استنزر بمثل الجور فمن وجد من عماله قد أتى من ذلك ما وصفناه، فإنما أتى بما يعود بالضرر على الكافة، وتنتقض به عرا المملكة، فليبالغ في عقوبته وتأديبه، ومن رآه مستقصياً لحقوق عمله من غير إضراب رعيته ولا تحيف لمن تحت يده، مؤثراً للعدل، عاملاً بما يعود بالعمارة وصلاح الأحوال، ورفاهة العيش، فليعلم إنما حلب حلباً للسلطان شطره، وعمل بما يعود عليه في سلطانه نفعه، فليحسن إليه، وليتبين جميل أثره عليه، فهذه جملة ما ينبغي للوزير أن يسوس به عماله.
فأما نظره في أمور الأموال، فهو أن يطالب منها بالواجب دون ما لا يجب، وألا يرهق الرعية في المطالبة بها بل يتحلبها، وقبل ميسورهم فيها، فإن ذلك أردم للأحوال، وأرجى للأموال، فقد نرى الحالب إذا ألح في الحلب انقطع اللبن، وإذا ترفق لم
стр. 292
يزدد الضرع مع الحلب إلى غزارة. وإذا صار المال إليه أحسن تقديره وابتدأ بإزاحة علل السلطان في نفقاته ومئونته، وجميع مصالحه، ثم ثنى بالأعمال (بين) الجند والحكام والكتاب والعمال وسائر الأولياء على طبقاتهم ومراتبهم فأزاح عللهم، ووقاهم حقوقهم، ثم قبض لنفسه، ولمن في جملته ما رسمه سلطانه له، ثم جعل ما يفضل من ذلك عدة لفتق ينفتق على المملكة من عدو محتاج إلى محاربته، أو فتق تدعو الضرورة إلى سده، أو بلد يطيف به العدو فيحتاج إلى تحصينه، أو ما أشبه ذلك.
الصدقة:
وأما الصدقة فأربعة أخماس: الخمس في الغنائم، فلا تقع في يده على شيء منها إلى ريثما يصرفه إلى أهله، ويفرقه في سبيله، وليجعل ما ينفقه أقل مما يجتنيه، فإنه متى كانت نفقة الإنسان أكثر من دخله عد فقيراً، والسلطان من أحوج الناس إلى ضبط ماله، وتقدير ما فيده وينفقه، فقد تكون الرعية بلا مال، ولا يكون السلطان بلا مال، وجماع أمر المال أربعة أشياء وهو:
فائدته من أجمل وجوهه، ثم حفظه، ثم تثميره، ثم إنفاقه فيما يعود بعاجل النفع وآجله، فمن أضاع شيئاً من هذه الاربعة الوجوه لم يستقم له أمر ماله، إن هعو لم يفد لم يكن له مال، وإن أفاد من الجهات المذمومة لم يكن ما يعتقده عوضاً من سوء الثناء وغليظ الجزاء، وإن أفاده من الجهات المحمودة، ثم لم يحفظ ما يفيده أو شك أن يبقى
стр. 293
بغير مال، وإن حفظه ولم يثمره لم تمنعه قلة النفقة والتقتير فيها من سرعة الفساد، كالكحل الذي إنما يستعمل منه مثل الغبار وهو مع ذلك سريع فناؤه لبثه، وإن هو أفاد وحفظوا ثمر ولم ينفق كان الفقير الذي لا مال له، إذ ليس يصل إليه من نفع ماله شيء في عاجله ولا آجله، ولم يمنع ذلك ماله من أن يفارقه، ويذهب عنه كالماء الذي يجتمع من مسيل الأودية والأشجار، فإذا لم يكن له مغيض يخرج منه بمقدار ما ينبغي تحلب وسال من جوانبه، وربما انبثق منه البثق العظيم، فذهب الماء ضياعا.
والذي به فائدة السلطان عمارة البلاد، وغزو الأمم المخالفة، فإن بعمارة البلاد يكثر الفيء، وبالغز وتكثر الغنائم. وأما الوجوه المحمودة فهي لزوم العدل في جميع ذلك، وشريعة الدين. وأما التقدير في النفقة فأن يكون الإنفاق دون الفائدة، فهذا أصل ما يتوفر به مال السلطان ويستقيم عليه حاله إذا ساس به الوزير أمره.
معاملة الوزير لخاصته:
وأما معاملته لخاصته، فإن خاصة الوزير أربعة، وهم: صاحب سره ومشورته، وصاحب خبره، وكتابه، وحاجبه. أما صاحب السر والمشورة فينبغي أن يكون أوثق أصحابه في نفسه، وأشدهم مشاركة له، وصحبته لا تقتصر منه على المحبة والمشاركة حتى يكون ممن يجمع معها رأياً وجودة معرفة، واجتهاداً في النصيحة. فقد قيل: شاور نصيحاً أو عاقلاً،
стр. 294
وأنا اقول: ولا تشاور إلا من جمع النصيحة والعقل، فإن نصيحة من لا عقل له غير نافعة، وعقل من لا نصيحة له ربما أوقع في ورطة. وقال بعضهم: لا تشاور أحداً في شيء له خيره وعيله شره، فإنه ربما أذهله الخوف أو الطمع من تصفح ما تسبق إليه النفس، ولكن شاور فارغاً عاقلاً محباً للصواب معنياً به، لا يبالي إن كان ذلك لك أو عليك، فرد هذا القول أحمد بن الطيب وقال: "هذا عندي فاسد، لأن مشاور العاقل المحب إذا كان شريكاً في الأمر أحرى بالصواب، ولأن الحاجة تبعث الحيلة، وليشاور فيما يحتاج إلى المشاورة فيه ذا الرأي والنصيحة من ثقاته وبطانته، ولا يضره أن يعم المشورة فيما لا يبالي بإظهاره من أراد أن يخلطه بثقاته، ويعرفه أنه قد جعله في منزلة من يستشيره ويستنصحه ويعمل برأيه، فأما ما تكره إذاعته فالتذكره عند الضرورة إلى المشورة فيه للبطانة واللموثوق بها دون غيرها، ولكن ذكره له بالنظائر والأشباه، لا بالتصريح والإفصاح وكانوا يكرهون أن يشاوروا في الحروب خوفاً من ظهور السر أو بدو العورة، ولذلك قيل: ما استطعت أن نحترس في الحرب بكتمان سرك ممن تقاتل فافعل.
إذاعة السر:
واعلم أن إذاعة السر من وجوه: منها المستشار، ومنها وضع الثقة في غير موضعها، ومنها الاستهانة بمن يحضر السر من صغار الخدم، ومن لا يؤبه له من العجم، ومنها لحن القول، ومنها الفراسة، ومنها تعقيب
стр. 295
مخارج الأمر والنظر فيه، فليحترس الوزير من ذلك أجمع، يستقم له أمره، ويتكلم عليه سره. وإن ظهر من مشير على أنه لم ينصح له فلا يكشفه عن مذهبه، فإنما هو أحد رجلين: إما رجل تعمد الغش، فذلك أهل لأن تسقط منزلته، ولا تستعتب فيما أتاه، لأنه إنما يستعتب من يراد إصلاحه، وإما رجل اجتهد فأخطأ، فليس ينبغي أن يعنف على خطأ لم يعتمده؛ وهذا من أوصاف المستشار، والمشورة مع ما تقدم كاف.
صاحب الخبر:
وأما صاحب الخبر فينبغي أن يكون من أصح عماله ديانة، وأكملهم أمانة، وأظهرهم صيانة، لأنه مأمون على الدماء والأموال، وهو عين الوزير التي ينظر بها في رعيته، ورائده في مصالح من تحت يده، فليس ينبغي أن يتقدمه أحد في الصدق والثقة والأمانة غير القضاة ومن جرى ومن جرى مجراهم، ومتى نصب الوزير لرفع الأخبار من يخالف هذه الصفة فقد غش نفسه، وأضاع الحزم في سياسته، وخان الأمانة في رعيته. وعلى الوزير أن يوسع على صاحب الخبر في رزقه، ويشتري بذلك دينه وأمانته، ويعلمه أنه إنما فعل ذلك به من بين نظرائه لئلا تشره نفسه إلى أموال الرعية، ولا يحتاج إلى استئكالهم أو التكسب منها، ثم يعلم أنه متى ظهر على أنه ولد خيراً في خاصي أو عامي، وكذب فيه لانحرافه عن إنسان، أو هواه فيه، أو لغرض يفيده بما يأتيه، وأتى من عقوبته ونيله بالمكروه في نشره ما يؤدب به أمثاله من أهل طبقته، ليتفقد أحواله، ويفحص في السر والعلانية عنه، فمتى وجده قد أتى شيئاً مما نهاه عنه، وزجره عن فعله حقق له ما يواعده به.
стр. 296
وأما الكاتب فينبغي أن يكون مقبول الصورة، حسن الأدب، خفيف الظل، مفتنا فيما رسمناه من أبواب الكتابة، لحاجة الوزير إلى ملابسة جميع هذه الأبواب، والنظر فيها والاستعانة بالكاتب الذي بين يديه في جميعها، فإنما يظفر الوزير من الراحة بمقدار ما عند كاتبه من الكفاية، كما أن السلطان إنما يظفر من الراحة بمقدار ما عند وزيره منها، وعلى الكاتب الصبر على الملازمة والاجتهاد في النصيحة، والوفاء للوزير في حال الدولة والنكبة، والمواساة له بنفسه في حال اليسرة والعسرة، والرخاء والشدة، وكتمان أسراره وطي أخباره، ويزين أموره بكل ما يجد السبيل إليه، ومتى ظفر الناس بعيب من عيوب صاحبه اجتهد في ستر ذلك وتغطيته، والتأول فيه حتى يخرجه من العيب فيه، كما يحكى عن بعضهم وقد قال [له] بعض رسل الملوك إني رأيت في مذهبكم مساكين يشكون الجوع، ويسألون الناس في الطريق، فقد كان ينبغي لملككم أن يغنيهم عن ذلك، فقال له: إن ملكنا لرأفته برعيته ومحته لمنافعهم أغنى في رعيته قوماً في أموالهم حقوق لله لا يستحقون من الله التواب في الآخرة إلا بإخراجها، فلو أغنى المساكين لما وجد الأغنياء الذين في أموالهم الحقوق من يدفعون ذلك إليه، فكان يوابهم يبطل، فترك ملكنا هؤلاء المساكين على أحوالهم إنما هو لهذا المعنى، ولتعرض الأغنياء للثواب بمواساتهم، فتأول لملكه فيما عابه به رسول عدوه تأولاً حسناً أخرجه من العيب به، فلذلك ينبغي أن
стр. 297
يكون كاتب الوزير له فيما يجمل به أمله، ويزيل به عيباً إن لحقه.
وليس الكاتب أن يوقع توقيعاً، ولا أن يكتب كتاباً عن الوزير إلا بعد إذنه واستطلاع رأيه، إلا أن يكون قد فوض ذلك إليه، وأمره أن يوقع ويكتب عنه بما يراه. وعلى الوزير إذا فعل الكاتب جميع ما ذكرناه، ولزم ما وصفناه يكفيه مئونته، ويزيد على الكفاية بالإحسان إليه، والإفضال عليه، فإن الله يقول: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ والحسنى المكافأة، والزيادة، هي الزيادة على الاستحقاق في المجازاة.
الحاجب:
وأما الحاجب فهو المؤتمن على الأعراض، وأداء الأمانة في الأعراض، أوجب منها في الأموال، لأن الأموال وقاية للأغراض، ولهذا نرى الأحرار يرضون بذهاب أموالهم، ويأنفون من أن ينالوا بضرر في أعراضهم. فكذلك ينبغي للوزير أن يجعل حاجبه من صح عقله وغريزته، وحسن خلقه ولانت كلمته، وأن يخظر استعمال المجازاة في الإذن عليه، أو الحجبة عنه، ويعرفه أنه قد ائتمنه على أعراض من يغشاه، وإنما أعراضهم أقدارهم، ويأمره أن يفرها عليهم، ويوفيهم حقوقهم، ولا يتجاوز بامرئ فوق حده، ولا ينقصه عن قدره، وأن يتوقى الجور في ذلك، فإنه متى رفع إنساناً فوق قدره وضع نظيره وظلم من فوقه، لأنه [إن] لم يرفع نظيره كما رفعه فقد وضع منه، وألحق من فوقه بمن لا يلحقه فقد ظلمه، ومتى وضع إنساناً دون قدره فقد ظلمه ووضع منه، ورفع نظرائه عليه؛ وأن يتلقى من يحجبه عنه بالعذر الموجب ذلك بالبشاشة واللطافة وإظهار الود، حتى يكون
стр. 298
انصرافه مع حسن لقاء الحاجب يقوم مقام وصوله وقضاء حوائجه، ثم متى وقف على أن حاجبه قد خالف وصيته، أو تعدى ما رسمه له، أو استعمل في إيصال الناس إليه أو حجبهم عنه ما يستعمله الناس في هذا الدهر من التقدمة من كرمهم ونفعهم، وتأخير من قبض يده عنهم ومنعهم أدبه وصرفه عن حجبته. فهذه جملة ما ينبغي للوزير أن يسوس بها خاصته.
معاملة الرعية:
وأما معاملته للرعية، فأصل ما تساس به الرعية العدل، وقد قيل: خير السلاطين أعدلهم على الرعية، وخير الرعية أصلحها على عدل السلطان. فإذا عدل الوزير فيهم، وقام بالقسط في كافتهم، فليجمع إلى عدله رأفة عليهم، وعفواً عن جاهلهم، وتبصيراً له، وشدة على مفسدهم وتقويماً له، وأن يخلط أمر اللين بالشدة، والرأفة بالغلظة، ليستقيم على كل واحد منهما من لا يستقيم إلا بذلك، فيصلح على الرأفة والرقة واللين أهل الحياء والفضل والدين، ويصلح على القسوة والغلظة والإبعاد أهل الجهل والشر والفساد. وقد قال صاحب المنطق: "الرياسة لا تقوم إلا بطريقين مختلفين، وذلك أن سفل الناس إنما يذعنون للسلطان بالخوف، فلابد من الشدة عليهم، وأما الأفاضل فيذعنون بالمحبة والرضا، فقد يحتاج السلطان إلى الرفق بهم حتى
стр. 299
يجتمع له الناس طوعاً وكرهاً، وبهذا الأدب أدب الله سبحانه نبيه ﷺ وبهذه السياسة أمره بأن يسوس أمته فقال: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾. وينبغي للوزير أن يكون أشد الناس على الظالم من رعيته، وإن كبر عنده وخص بسلطانه حتى يقمعه، ويأخذ الحق منه، وألطفهم بالمظلوم منها، وإن صغر محله وخمل ذكره حتى ينصفه ويأخذ له بحقه. ومتى وجد الرعية على سبيل تحزب وتلفف وتجمع فرقهم وشردهم، ولم يدعهم وذلك في أمرهم، فإذا رآهم ينظرون في أمر الدين مع نقص عقولهم وبعد إقامتهم [نهاهم عنه]، ورضاهم مع ذلك عن أنفسهم. وإعجابهم برأيهم سبب لكل شر، وداعية إلى كف فساد وضر، ومتى حضروا لشهادة تبرعاً من غير أن يستدعوا، أو نصبوا أنفسهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير أن يأذن لهم في ذلك سلطانهم، وتشاغلوا بذلك من مهنهم وأسواقهم وتجاراتهم ورأوا الترؤس، ورفع من أرادوا، وحط من أرادوا نكّل بهم، وبولغ في معاتبتهم، ولم يرقهم السلطان ووزيره على ذلك من رأيهم وفعلهم، فقد روي عن أمير المؤمنين ﵇ أنه استعاذ بالله من شرهم، فقال: "أعوذ بالله من قوم إذا اجتمعوا لم
стр. 300
يملكوا وإذا تفرقوا لم يعرفوا. وقال واصل بن عطاء: "ما اجتمعت العامة إلا ضرت، ولا تفرقت إلا نفعت" قيل: قد عرفنا مضرة اجتماعهم، فما منفعة افتراقهم؟ ! فقال: يرجع الطيان إلى تطيينه والحائك إلى حياكته، والفلاح إلى فلاحته فيكون ذلك مرفق المسلمين، ولهذا كانت الأكابر تمتحن العامة، من وجدته فارغاً أكسبته شغلاً، وجعلت له عملاً، لأن الفراغ مبعثة الفكر الرديئة، والهمم المنكرة، وفي العمل زوال هذه الفكر والشغل عنها ورفاهة العيش وحسن الحال، فالمكتسب الذي يستفاد بالعمل، وكان عمر بن عبد العزيز إذا نظر إلى الطغام والحشو من العوام قال: قبح الله هذه الوجوه التي لا ترى إلا عند كل شر. وتمثل المنصور وقد رأى جماعة منهم، وقد قفوا للنظر إليه في بعض أيام ركوبه فقال:
(كما قال الحمار لسهم رامٍ ... لقد جمعت من شتى لأمرٍ
(حديدة صيقل في عود نبعٍ ... ومتن خلالة وجناح نسرِ)
ثم أمر بتفريقهم فتفرقوا. وقال الكندي بغض العامة للسلطان كبغض الصبيان للمعلم، فليس ينبغي أن يجازيهم على ذلك بالبغض لهم، ولكن بالتأديب
стр. 301
والتقويم فإنهم إذا تقوموا عرفوا فضل ما أريد بهم، كما أن الصبي إذا كبر وعقل عرف فضل الأدب.
وينبغي للوزير أن يتفقد رعيته، وينزل كل أحد منزلته، فإنما يستخرج ما عند الرعية ولاتها، وما في الدين علماؤه، وما عند الجنود قادتها. وليوسع على الكريم منهم، وليضيق على اللئيم، ويسقط رتبته، فإن الكريم إذا احتاج خيف ضره، واللئيم إذا شبع ظهر شره، وقد قال أردشير: "إن العاقل المحروم يسل عليكم لسانه، وهو أقطع سيفيه، وإن أشد ما ضركم به من لسانه ما صرف القول فيه والحيلة إلى الدين، فكان بالدين يحتج، وله فيما يظهر بغضب، فيكون للدين بكاؤه، وإليه دعاؤه، وهو أحدج التابعين والمصدقين والمناصحين منكم لأن بغضة الناس وموكلة بالملوك ومحبتهم ورأفتهم موكلتان بالضعفاء، ثم قال:
"وقد كان من قبلنا يحتالون للطعانين على الملوك بالدين فيسمونهم المبتدعة، فيكون الدين هو الذي يفلهم، ويربح الملك منهم، ولا ينبغي للملك أن يعترف للعباد والنساك بأنه [ليس أعرف] بالدين ولا أحدب عليه ولا أشد تقصياً له منه، وألا يدعهم من الأمر والنهي في نسكهم ودينهم، فإن خروج النساك من أمر الملوك ونهيه عيب عليه وثلمة في سلطانه. وينبغي للوزير أن يأمر الرعية بعد منعه إياهم من الاختلاف في الدين
стр. 302
والتعصب والتلفف بإجماع الكلمة واتفاق النية، والائتلاف فيما بينهم، فبذلك أمر الله حيث يقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ وحيث يقول: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ وقد قالت القدماء: بالجماعة تمام أمر الدنيا، وعليها مدار الغلبة، ومن دواعيها وتوابعها الأمن والسلام، ومن توابع الفرقة الخوف والهلكة والفتنة، فما مثل الفرقة إلا مثل الموت المفرق بين الروح والجسد، ولا مثل الألفة إلا مثل الحياة الجامعة لهما، المظهرة لأفعالهما ومنافعهما، ألا ترى أن الشعرات المتفرقة تكون في نهاية الضعف والدقة، فإذا قتلت كان منها الحبال التي تصوع بها الجواميس والفيلة؛ وإنا لنجد الدواب والطير قد كاست وأبصرت الصلاح في الجماعة، فهي تألفها وتنفر من الوحدة وتهرب عنها، وكفى بالإنسان فندا وجهلاً أن يقصر فهمهم عما أبصرته النملة، وفهمته النحلة، وما أشبهها.
والجماعة لا تكون إلا برئيس جامع لها، وإلا قل لبث اجتماعها وتفرقت كلمة أهلها ولا رياسة إلا بطاعة، ولا طاعة إلا لشريعة، ومتى خالف الذي يأخذ الناس بالشرع شريعته كان المأخوذون بها إلى الخلاف لها أسرع وليعلم الوزير أن التودد من الذليل يعد ملقاً، والتودد من العزيز يعد تواضعاً ونبلاً، فيتودد إلى العامة ينل بذلك محبتهم، وشرف الذكر فيهم ولا يقتصر على التودد إليهم دون إيداع الهيبة صدورهم، وغلا لم يكن للتودد موقع عندهم، فإنه إذا ساس
стр. 303
رعيته هذه السياسة صحت له عليهم الرياسة، وصلحت أخلاقهم، واستقامت طاعتهم، وأقبلوا على منافعهم، وتركوا ما لا عائدة فيه عليهم، ولا فائدة في استعماله لهم، وانتفعوا وانتفع بهم إن شاء الله. فهذه أبواب الكتابة الظاهرة.
فأما الكتابة الباطنة: فإن القول لما كان فيه ما يحتاج الإنسان إلى ستره وكتمانه، ورمزه لنوع من أنواع الرأي في استعمال ذلك، ووجه من وجوه المصلحة المقصودة فيه، حتى لا يقفع عليه إلا من وثق به، وسكنت النفس إليه، وجعلت الترجمة والتعمية في الكتاب بدلاً من اللحن والرمز والإشارة، وسائر ما ينبغي به القول، فعمي وترجم به الكتاب ما أريد ستره وكتمه، كما رمز وعمي من القول ما أريد ستره.
وقد قلنا: إن الكتابة تتغير في كل مكان، يتغير أوضاع أهلها، وحروفها المستعملة كثيراً في اللسان العربي تسعة وعشرون حرفاً، منها ثمانية وعشرون حرفاً لها صورة معلومة غير الألف، فإنها لما كانت ساكنة أبداً، وكان لا يوصل إلى النطق بساكن وصلت باللام لتكون حركة اللام مفتاحاً للنطق بها، فجعلت "لام ألف" فأما الألف التي في أول حروف المعجم فليست ألفاً على الحقيقة، وإنما هي همزة تسمى الألف الحقيقية على الاستعارة.
وقد تقع في لغات العرب التي يستعملها بعضهم حروف لا صورة لها مثل همزة بين بين، والألف الممالة إلى الياء، والألف المفخمة بالواو، والشين التي كالجيم، والصاد التي كالزاي، والجيم التي كالكاف، وكان من الواجب أن يفرد كل حرف من حروف المعجم بصورة، لكنهم استثقلوا ذلك، فجمعوا حروفاً كثيرة، وحرفين بصورة واحدة كالباء
стр. 304
التي صورتها وصورة التاء والثاء واحدة، وكالسين التي صورتها صورة الشين واحدة، وكذلك سائر الحروف المشتركة الصورة فصلوا بينها بالنقط، وكان ذلك أخف عليهم، فصارت الصور ثماني عشرة صورة لتسعة وعشرين حرفاً، فمن الناس من قد جعل النغمة والتعمية على عدد الحروف، ومنهم من قد جعلها على عدد الصور، ومنهم من قد زاد في ذلك ونقص، وأنا أذكر من وجوه الحيلة في استخراجه ما يحضرني إن شاء الله.
فأقول: إن كل قول مترجم أو معمىّ: فإما أن يكون شعراً منظوماً، أو كلاماً منثوراً، وإن التعمية غير الترجمة، والترجمة ما ترجم به عن شكل الحرف، إما بشكل حرف آخر غيره يبدل منه، أو بصورة تخترع له ليست من صور الحروف، فأما ما ترجم بحرف مثله فهو كوضعنا العين مكان الجيم، والألف مكان الواو، وقد استعمل ذلك في الترجمة البسطامية، وهما مسهورتان، وقد يكون هذا النوع من الترجمة في بعض الحروف، وقد يكون في سائرها فأما ما ترجم عنه بصورة مخترعة له فهو كثير من الترجمة، ولكل إنسان أن يخترع منه ما أحب، ومنه ترجمة لآل مقلة، ولأبي الحسن علي بن خلف بن طباب ﵀.
стр. 305
فأما التعمية فهي تنقسم ثلاثة أقسام: أحدها التعمية بالمعاني المشتقة، كتعميتنا الطاء باسم الطير، والواو باسم الوحش، والعين باسم العطر، وهذه التعمية بالأجناس؛ وغما أن يوضع لكل حرف اسم من أسماء الناس أو الوحش أو الطير، كتصيير هم النون فتخة، واجيم بطة، والكاف رمان، والصاد رند وأشباه ذلك، والأولى أغلق من هذه. والثاني من وجوه التعمية أن تعمي الكلمة بتغيير مراتب حروفها، فتجعل آخرها أولها وأولها آخرها، وترتيب سائر حروفها على هذا الترتيب مثل تصييرنا الهاء أول اسم الله والألف آخرها، والصورة "هللا"، وهذه التعمية التي يتغير مراتب الحروف تنقسم أقساماً: منها ما ذكرناه، ومنها أن يجعل أول حرف من الكلمة في أول السطر، وثانيها في آخر السطر وثالثها يلي أولها في أول السطر، ورابعها إلى جانب ثانيها في آخر السطر، وكذلك إلى أن تلتقي الحروف في وسط السطر؛ وإما أن تجعل آخر حرف من الكلمة تالياً لأولها، ثم تجعل ثاني الكلمة تالياً لهما، والذي قبل آخرها تالياً للثالث، وكذلك إلى آخر التعمية، وقد يسلك هذا المسلك في التعمية لمن يترجم عن ذلك إما بإبدال الحروف، وإما بإخراج الصور فيكون أغلق، وربما جعلت مراتب الحروف على غير هذا على حسب ما يتفق للإنسان.
والوجه الثالث من وجوه التعمية بالزيادة والنقصان، اما الزيادة فأن تزاد حروف إغفال بين الحروف المعماة، أو المترجمة لا تحتسب بها،
стр. 306
يراد بذلك أن يشكل المستخرج كزيادتنا [تاء] بعد ميم محمد، وكافاً بعد حائه، وجيماً بعد ميمه، وصاداً بعد داله، فتصير صورته متحكمجدص، وربما فعل هذا وترجم عنه بنوع من نوعي الترجمة، ويجعل لكل حرف من حروف المعجم صورة مفردة، ولا يقتصر بها على الاشتراك الذي يحصل في صورة المشتركات منها.
وأما النقصان فأن يجعل للحروف المقترنة مثل مع، وعن، ومن، وما، وهل، وأشباه ذلك صورة مفردة، فيجعل بكل حرفين منها حرف واحد، وأن يجعل لاسم الله صورة واحدة، ولا يجعل لكل حرف من ذلك صورة ليعمي بذلك على من يريد استخراج الكلام، إذ كان أكثر ما يتضح من الكلام إنما هو بأمثال هذا، وأن يجعل للحروف التي تشترك في الصورة شكلاً واحداً، كالجيم والحاء والخاء، والعين والغين وأشباه ذلك. وصورة التعمية أكثر من أن تحصي، لأنها بالوضع والاصطلاح، وليست بالطبع، ووجوه الوضع والاصطلاحات ليست مما تحصر فيها الصنعة الطبيعية، بل هي بلا نهاية. ومما يحتال به في استخراج المعمى والمترجم إذا طال أن يعد كل ما فيه من كل صورة من صورة الحروف، أو نوع من أنواع ما يترجم به منها، تكتب كل واحد من ذلك على عدده الأول فالأول حتى تأتي على آخره، فإن كانت الأشكال في تسعة وعشرين، فقد جعل لكل حرف صورة وإن كانت أكثر يزيد فيها أغفال، وإن كانت أقل وكانت زائدة على ثمان عشرة، فقد جعل للحرفين منها وللثلاثة صورة واحدة، وإن
стр. 307
كانت ثمان عشرة بلا زيادة فقد جعل لكل الحروف المشتركة في الصورة صورة واحدة مشتركة بينها على ما وضعت عليه حروف المعجم، ثم ينظر إلى أكثر حروفها، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، فتقضي على كل واحدة من الجمل مما سنذكره منها وهدته التجربة، وهو أن أكثرها وقوعاً في هذا المسلك الألف، ثم اللام، ثم الميم، ثم الياء، ثم الواو، ثم الباء، ثم النون، ثم الراء، ثم العين، ثم الفاء والكاف، فهما لشيء واحد، ثم الدال، ثم الفاء، ثم النون، ثم القاف، ثم الحاء، ثم الجيم، ثم الذال، ثم الصاد، ثم الشين، ثم الضاد، ثم الخاء، ثم الزاي، ثم الطاء، ثم العين، ثم الظاء.
وهذا النوع يصدق فيما طال من المعمى أو المترجم لتكون الحروف فيه ووقوع جميعها في نظمه. فأما السطر والسطران ونحوهما فلا يصدق هذا فيه وإذا كان ذلك فينبغي أن يستعمل في استنباطه حيلة أخرى، وهي أن تعرف ما يأتلف من الحروف في اللسان العربي، وما لا يأتلف، فإذا وقع الظن على حرفين نظرت هل هما مما يأتلف أم لا، فإن كانا مما يأتلف طلبت كل واحد منها في موضع آخر، ونظرت أيضاً هل هي مما يقترن أو لا يقترن، ثم [إن وضح] ذلك فافعل حتى تظهر لك الألفاظ بحقائقها. ومما يستشهد به أيضاً في هذا النوع الحروف التي يكثر اقترانها في هذا اللسان مثل من، ومع، وعن، وما، وفي، والألف، واللام، فإن صورها تأتي معاً في مواضع كثيرة، فيدل ذلك على استنباط الحروف بعد الأصلين اللذين قدمناهما، ومما يعين على الاستدلال
стр. 308
على هذه الحروف إذا طلبت، وهي على صورها، أو أفرد كل اثنين منها بصورة، معرفة ما يقع منها في هذا اللسان أكثر، وما يقع منها فيه أقل، فأكثرها، ما فيه لا، ثم من، ثم إن، ثم ما، ثم في، ثم لم، ثم عن، ثم هو، ثم هم، ثم إذ، ثم ثم، ثم هي، ثم أو، ثم لو، ثم بل، ثم هل، ثم كل، ثم أي، ثم لن، ثم كم، ثم مع، وأم، وذي، ثم ذا، ثم لي وذو، ورب، ثم مذ، وهن، فهذه مراتب الحروف المقترنة، في الأعداد.
ومما يستدل به على استخراج المعمى أيضاً التدلالاً قوياً فواتح الكتب (بسم الله الرحمن الرحيم) وكالتحميد والتمجيد في أوائل الكتب وكالصدور التي قد كثر استعمالها من أهل الدهر مثل أطال الله بقاءك، ويا سيدي أطال الله بقائك، وأطال الله بقاء الوزير، وأطال الله بقاء سيدنا الأمير، ومن عبد الله أبي فلان لعبد الله أبي فلان، وأما بعد في أوائل الكتب، وأشباه هذا. وإذا اتفقت الشهادات ووجدتها في التكرار تصح فاقض باليقين فيها، فإن هذا من جنس ما يستخرج الحق فيه بالظنون مما قدمنا ذكره في أول الكتاب.
فأما الحروف التي تقترن وتأتلف في هذه اللغة مع كل حرف فهي حروف المد واللين، وهي الواو والألف والياء.
مخارج الحروف:
ثم إن مخارج الحروف ثلاثة عشر مخرجاً: أولها من بين الشفتين مخرج الواو والباء والميم والفاء، وهي حروف الشفة، ومن طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا مخرج الثاء والظاء والذال، وهي حروف النفث،
стр. 309
وأدخل من ذلك قليلاً بإطباق اللسان على أصول الثنايا مخرج التاء والدال والطاء، وهي حروف الإطباق، وأدخل من ذلك قليلاً إلى ظهر اللسان مخرج الصاد والسين والزاي، وهي حروف الصفير، ومن طرف اللسان مخرج الراء والنون واللام، ومن أحد جانبي اللسان مخرج الضاد، ومن الناس من يخرجها من الشق الأيمن، ومنهم من يخرجها من الأيسر، وفيما بين وسط اللسان وجانبه يخرج الياء والجيم والشين، وفوق ذلك إلى اصل اللسان مخرج الكاف، وفوقه من أصل اللسان القاف. ثم حروف الحلق من ثلاثة مخارج: أولها مما يلي الفم مخرج الخاء والغين، ومن وسطه مخرج العين والحاء، ومن أقصاه مما يلي الصدر الهمزة والألف، وهي أدخلها إلى الصدر، ومن الخياشيم مخرج النون الخفيفة، فكلما تقارب مخرج الحرفين كانا أثقل على اللسان منهما إذا تباعدا. ومن شأن العرب استعمال ما خف وتجنب ما ثقل، ولذلك لا يكادون يجمعون بين حرفين من مخرج واحد، أو مخرجين متساويين، وإذا اجتمعا أدغموا أحدهما في الآخر، والأصل في الإدغام أنه إذا اجتمع حرفان من مخرج واحد أو على صورة واحدة وسبق أحدهما بالسكون وكانا متجاورين أدغمت أحدهما في الآخر لا غير، وذلك مثل قوله: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ وقوله: ﴿عَصَوْا وَكَانُوا﴾، وإن كانا في كلمة واحدة لم يجز غير الإدغام نحو قوله: ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾، وإذا سكن الثاني لم يجز الإدغام نحو قوله: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ﴾ ومثله مددت ورددت وكللت. وإذا اجتمع حرفان متجاوران من مخرج واحد، أو على صورة واحدة وهما مترحكان كنت بالخيار إن شئت
стр. 310
أظهرت وإن شئت أدغمت، كقولك ضرب بكر عمراً، أو ضرب بكر (وكقوله: "الذي جعل لكم" و"جعل لكم").
فإن كان الحرفان من كلمة واحدة، وهما متحركان نظرت لما كان من ذلك في الاسم فأظهرته، نحو العدد والمدد، وكقوله: ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾، وإذا كان من فعل أدغمت نحو: مدَّ، وردَّ، ولا نقل مدد وردد، وذلك لخفة الأسماء وثقل الأفعال، فكذلك حكم اللام والراء لأنهما من مخرج واحد في الإدغام، وحكم الدال والسين في قوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ لتقارب مخارج الحرفين. فحروف الحلق لا تأتلف ولا تقترن الهمزة والألف منها، لأنهما من حروف الزوائد، وإحداهما من حروف المد واللين، فهما يجتمعان مع سائر الحروف، ولا يجمعون بين القاف والكاف في أصل بناء كلمة، فإن كانت الكاف زائدة التشبيه جاز ذلك فقالوا: كقولك ليس هذا مقارنة، وإنما هي مجاورة، وأما الجيم والشين والضاد فلأن بعضها أطول مدى في المخرج من بعض، وأن مراتب بعضها دون مراتب بعض في مخرجها تقارنت في بعض أحوالها، فقارنت الجيم الضاد بتقديم الضاد في الضجيع ولم تقارنها بالتأخير، وقارنت الشين الجيم بالتقديم، والتأخير، فقيل جش وشج، ولم تقارن الضاد الشين بتقديم ولا تأخير لتقارب مخرجهما.
وأما حروف الصفير فإن بعضها لا يقارن بعضاً، وحروف النفث لا يقارن بعضها بعضاً. وأما حروف الانطباق فتقارن، لأن مخارجها وإن كانت متساوية فإنها متباينة، وأكثر العرب تدغم ما يتقارن منها، فيقال في متطهر مطهر، وفي عنيت عنت، قال الله ﴿إِنَّ اللَّهَ
стр. 311
يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ وقال: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾. [أما] الحروف التي تخرج من طرف اللسان فليس يكادون يجمعون اثنين منها إلا أدغموا أحدهما في الآخر، كقولهم: الرحمن والنجوى، فإذا تأخرت اللام فربما أظهروا الحرفين، وربما اكتفوا من الحرف المتقدم وأسقطوه فقالوا في [بني] الحارث بالحارس، وفي من الأشياء ملأشياء. وحروف الشفة يأتلف بعضها مع بعض لخفتها، وقلة الكلفة على اللسان فيها. فهذه جمل القول في مخارج الحروف وما يأتلف من حروف كل مخرج وما لا يأتلف، فأما استيعاب جمعيها فيطول فإذا بدأت بالتاء من حروف المعجم فأضفها إلى سائر الحروف بالتقديم والتأخير، ثم ما بعدها على الترتيب، تبين لك ما يأتلف منها وما لا يأتلف، وغنينا عن الإطالة بذكره إن شاء الله.
وإذا وجدت التعمية أو الترجمة حروفاً موصولة فاعلم أنها بإبدال الحروف، فإن وجدت أكثر كلماتها الموصولة على ثلاث أحرف وأربعة أحرف، ووجدت في الإفراد فيها ما تجاوز الأربعة فاعلم أنه لم يزد فيها حرف إعفال، وإن وجدت أكثر ما فيها من الكلمة يتجاوز الأربعة وزيد على الستة والثمانية، فاعلم أنه قد زيد فيها حروف إغفال، لأنا قدمنا أن
стр. 312
أكثر ما يجيء من الأسماء السالمة على خمسة أحرف، وأن أكثر ما يجيء من الأفعال على أربعة، وأن ما زاد على ذلك فقد لحقته الزيادة، وبينا وجوهه. فإذا صحت لك الحروف وقامت في نفسك، ولم يصح لك نظمها علمت أن ترتيب الحروف في تلك التعمية قد غيرت، واستعملت التقديم والتأخير والقلب والإبدال أبداً حتى يصح لك، وهذا أتعب باب في التعمية.
ثم اعلم أن أسهل كلام العرب وأكثر ما تستعمله من الحروف ما كان بطرف اللسان أو الشفتين، وليس يكاد يكون اسماً أو فعلاً مبنيين من أربعة أحرف فما زاد إلا وفيه أحد هذه الحروف أو اثنان منها إلا الشاذ كإسحاق، وعلم هذا دليل عظيم على استنباط المعمي والمترجم إذا كان لكل كلمة منه فصل، فإذا امتحنت فصول الكلمات وقست بعضها إلى بعض وقلت: إن بعض هذه الحروف فيها أو جميعها إذا [كانت] أكثر الكلام نظرت أكثرها فيها فهو أكثر في اللسان العربي كما ذكرنا، ثم الذي يليه في الكثرة، ثم الذين يليه، حتى يؤتى على آخره، فهذا [ما] جاء في المنثور من الكلام.
فأما الشعر فاستخراجه أيسر، وذلك لأن الشعر موزون مقفى، فوزنه وقافيته يعينان على استخراجه، وطريق ذلك أن تنظر إلى حرف القافية أين هو من التعمية والترجمة، ثم تعد الحروف من أول البيت إلى آخره، فإن كان من أربعة عشر حرفاً ونحوها وما فوقها ودونها، فهو من الأرجاز، وقصير الشعر، وإن كان فيما بين ذلك فهو من متوسطه، وإن رأيت حرف القافية يلي بيت العدد بتقديم أو تأخير من حيث
стр. 313
لا يبعد فالبيت مصرع. فإن وجدت بيتاً أنقص من بيت في عدد حروفه فلا يغلطنك، والعم أنه ربما لحقه الخرم والزحاف، وهما نقص في حروف الشعر، وربما كان في الكلام الحرف الممدود أو المشدد، وكل واحد منهما في الشعر حرفان، وهو في الكتابة واحد، فلهذا ربما نقص بيت عن بيت في عدد حروفه، ثم أعدد الحرف إن كانت الكلمات مفصولة واعرضها على الأوراق، فإذا وافقها استنبطت الحروف بالحيل التي قدمناها. فإذا خرج من ذلك ما يتفق أن يكون كلاماً موزوناً مقفى، وعاد مثله من الحروف في الأبيات فانتظم: ولم يختلف فقد أصبت استخراجه.
وأوزان العروض السالمة ثمانية، منها خماسيان وستة سباعية، فالخماسيان فعولن، وفاعلن، والستة السباعية: مفاعلين، ومستفعلن، وفاعلانن، ومفاعلنن ومفاعلن، ومفعولانن، فإذا وقفت على وزن بيت وأردت أن تدري من أي نوع من العروض فانظر فإن كان أوله فعولن أو مواحفة، فهو من الطويل أو من المتقارب، وإن أردت أن تعلم من أيهما فهو فانظر ما يلي فعولن، فإن كان فعولن أو مزاحفة فهو من المتقارب، وإن كان مفاعلين أو مزاحفة فهو من الطويل، وليس في العروض بيت أوله فاعلن. وإن كان أوله مفاعيلن أو مزاحفة فهو من الهزج (أو المضارع، فإن أردت أن تعلم من أيهما هو فانظر إلى ما بعده، فإن وليه مفاعلين أو مزاحفة فهو من الهزج)، وإن وليه فاعلاتن أو مزاحفة فهو من المضارع، وربما كان مزاحف الوافر مفاعيلن، ومحنة ذلك أن تنظر فإن رأيت الأوزان كلها مفاعيلن، ولم يكن في نصف البيت فعولن فهو من الهزج، وإن كان
стр. 314
فيها مفاعيلن أو في نصف البيت فعولن فهو من الوافر. وإن كان أول البيت مستفعلن أو مزاحفة فهو من البسيط، أو الرجز، أو السريع، أو المنسرح أو المجتث، فإن أردت أن تعلم أيها هو فانظر إلى ما يليه، فإن كان فاعلن أو مزاحفه فهو من البسيط، فإن وليه مستفعلن أو مزاحفة فهو من الرجز أو السريع، إلا أن ثالث السريع فاعلن، وثالث الرجز مستفعلن، وإن وليه مفعولات أو مزاحفة فهو من المنسرح، وإن وليه فاعلانن أو مزاحفة فهو من المجتث. وإن كان أول البيت فاعلاتن أو مزاحفة فهو من المديد أو الرمل أو الخفيف، أو المقتضب، فإن أردت أن تعلم من أيها هو فانظر إلى ما يليه فإن كان فاعلن أو مزاحفة فهو من المديد، وإن كان الذي يليه فاعلاتن أو مزاحفة فهو من الرمل، وإن كان الذي يليه مستفعلن أو مزاحفة فهو من الخفيف، وإن كان الذي يليه مفتعلن فهو من المقتضب. وإن كان أول البيت مفاعلتن أو مزاحفة فهو من الوافر. وإن كان أول البيت متفاعلن أو مزاحفة فهو من الكامل. فهذه جمل وإشارات فدل ذا القريحة ممن تخرج بالعروض ونظر فيها وبغيته في معنى ما أوردنا الدلالة عليه من استخراج المعمي في الشعر إن شاء الله. وقد اشتهر في أيدي الناس بيت قد جمعت فيه حروف المعجم وهو هذا:
(قد ضج زَحْرٌ وشَكَا بثه ... مذ سخطت غصن على الأنط)
استعملوا التعمية فيه، فإذا أرادوا الألف: قالوا الحرف الرابع من الرابع، وإذا أراجوا الحاء قالوا: الحرف الثاني من الثالث، وإذا أرادوا
стр. 315
الميم قالوا: الحرف الأول من السادس، وإذا أرادوا الدال قالوا: الثاني من الأول، وكذلك ما يريدونه من الحروف. وكل أحد يقدر على أن يقول مثله ويصيره وسما بينه وبين من يكاتبه، إلا أني ذكرت هذا البيت لشهرته وكثرة استعمال أهل هذا الزمان له في التعمية، فهذه أبواب في استخراج المترجم والمعمى تدل وترشد، وفيها كفاية وغنى لمن أنعم النظر، وأعمل الفكر، ونثبت وتصبر، وقد تتفتح للإنسان إذا داوم على هذا الباب وشغل به طرق، وتسنح له سبل لم نذكرها، ولعلها لا نخطر لاه ببال تدله على ما يحتاج إليه، وتسهل ذلك عليه، إلا أن ذلك بعد لزوم ما نهجناه له، وأرشدناه إلى مسلكه إن شاء الله.
وقد انتهينا إلى الغرض فيما أردنا أن نتكلم فيه من أقسام البيان، وتوهمنا أن قد سلكنا من الإطالة له بعض ما لعله يظن بنا مخالفة لما وعدنا به في أول كتابنا من الإيجاز، ولم نأت في كل فصل إلا بأقل ما يمكن أن تؤتى به. وإذا نظرت في كل باب منه وجدتنا قد اختصرناه، وإنما طال الكتاب لكثرة فنون القول وأقسامه، واختلاف معاني البيان وأحكامه، لأنا لم نحب أن نحل بشيء منه حتى ندل عليه، ونشير إليه، ونحن نحمد الله من قبل كل شيء وبعده، ونسأله أن يصلي على محمد وجميع رسله وأهل بيوتات المرسلين، وعلى جميع المؤمنين والمسلمين، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يقينا شر أنفسنا، وسيئات أعمالنا وأن يصلح لنا سائر أمورنا وأحوالنا إنه سميع الدعاء فعال لما يشاء.
وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وعليه نعتمد وبه نستعين.
стр. 316
تم كتاب البرهان في وجوه البيان والمنة لله والعزة لله رب العالمين، وافق الفراغ من نساخته يوم الجمعة أول شهر ربيع الأول من شهور سنة سبع وسبعين وستمائة، بخط العبد الفقير إلى الله سبحانه، المقر بذنبه، الراجي رحمة ربه، المستغفر من ذنبه، إبراهيم بن سليمان بن عبد ربه، عفا الله عنه وعن مالكه وعن والديهم، وعن الناظر فيه بعين الصلاح، وعن جميع المسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.