← Адаб

Адаб · id 20986

البرهان في وجوه البيان

أبو الحسين الكاتب

Полный текст (316 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

بنا حاجة إلى ذكر ما يقوله الحساب في الحساب في ذلك، وأما [المربع] المعين فإن استخراج تكسيره بضرب أحد قطريه في نصف الآخر، فما اجتمع من ذلك فهو تكسيره، وأما الشبيه بالمعين، فيقطع مثلثات ومربعات، وتمسح كل قطعة منها على حسابها وتجمع. وأما المثلث فهو ثلاثة أصناف مثلث متساوي الأضلاع، ومثلث متساوي الضلعين، وهذا على صنفين أحدهما قائم الساقي، والآخر منفرج الزاوية، ومثلث مختلف الأضلاع. فأما المثلث إذا تساوت أضلاعه أو تساوت اثنتان منها، فإن عموده مضروباً في نصف القاعدة تكسير، وذلك مثل مثلث عموده عشرة أذرع، ونصف قاعدته خمس أذرع، فإن تكسيره خمسون ذراعاً، فأما استخراج ذراع العمود من قبل الضلع، فإنه أن نضرب الضلع في نفسه، ونقص منه نصف القاعدة مضروباً في نفسه، وتأخذ جذر ما بقي فهو العمود، وإن أردت استخراج الضلع من قبل العمود ضربت العمود في نفسه، ونصف القاعدة في نفسها وجمعتهما وأخذت جذرهما، فهو الضلع. وإن أردت استخراج نصف القاعدة ضربت الضلع في نفسه، ونقصت من ذلك العمود مضروباً في نفسه، وأخذت جذر ما بقي فهو نصف القاعدة، ومثال

стр. 247

ذلك مثلث كل واحد من ضلعيه عشرة، وقاعدته اثنا عشر، إذا أردنا أن نستخرج عموده ضربنا نصف القاعدة في نفسها فكانت ستاً وثلاثين، ونقصناها من الضلع مضروباً في نفسه وهو مائة فبقي أربعة وستون وجذره ثمانية وهو العمود، وإذا ضربنا العمود وهو ثمانية في نفسه كان أربعة وستين، وضربنا نصف القاعدة في نفسها كانت ستاً وثلاثين، فإذا جمعناهما كانا مائة، وجذر مائة عشرة، وهو الضلع، وإذا ضربنا العمود في نفسه كان أربعاً وستين وضربت الضلع في نفسه كان مائة، وحططت الأربع والستين من المائة كان ما تبقى ستاً وثلاثين، وجذره ست، وذلك نصف القاعدة، فهذا ما في المثلث المتساوي الأضلاع، وذي الضلعين المتساويين، فإذا اختلفت أضلاع المثلث، فإن باب مساحته أن تجمع الأضلاع الثلاث، ونأخذ نصف ما يجتمع معك من ذلك فتحفظه، ثم تنظر ما بين كل واحد من الأضلاع وبين هذا النصف فتضرب بعضه في بعض، ثم في هذا النصف تأخذ جذر جميع ذلك فهو تكسير المثلث، ومثال ما قلناه مثلث أحد أضلاعه خمس عشرة ذراعاً، والأخرى أربع عشرة والأخرى ثلاث عشرة، بابه أن تجمع الخمس عشرة والأربع عشرة والثلاث عشرة فيكون ذلك اثنين وأربعين، وتأخذ نصف ذلك فيكون إحدى وعشرين، ثم تنظر كم بين الخمس عشرة والإحدى والعشرين، فتكون ستاً، وكم بينها وبين الأربع عشرة فيكون سبعاً، وكم بينها وبين الثلاث عشرة فيكون ثمانية، فتضرب ستاً في سبع فيكون اثنين وأربعين، ثم في ثمان فيكون ثلاثمائة وستاً وثلاثين، ثم تضرب ذلك في إحدى وعشرين فيكون ثمانية

стр. 248

آلاف وستاً وخمسين ذراعاً، فنجذر ذلك وهو أربع وثمانون ذراعاً تكسير المثلث. وأما المدور فإن استخراج تكسيره بضرب قطره في مثله، وإسقاط سبع ما يجتمع معك، فنصف سبعه، وذلك مثل مدور قطره أربع عشرية ذراعاً، فإنك تضرب أربع عشرة في مثلها فيكون مائة وستاً وتسعين ذراعاً ويكفي من ذلك سبعة ونصف سبعة ومبلغه اثنان وأربعون ذراعاً فنبقي مائة وأربع وخمسون ذراعاً، وهو تكسير المدور [وإن عرفت تكسير المدور] ولم تعرف القطر وأردت أن تستخرجه من التكسير فاضرب التكسير في أربعة عشر واقسمه على أحد عشر، فما خرج فخذ جذره فهو القطر. وإن أردت معرفة المدور ضربت القطر في ثلاثة وسبع فما اجتمع فهو المدور. ويحتاج كاتب العامل مع هذا أن يكون مشفقاً محترساً من حيل الزارعين والعاملين، فهما بوجوه سرقاتهم وحيلهم في تلف الغلة ومغالطاتهم في إقطاع المساحة، عالماً بأحكام المظالم والتحييل وغيرهما، مما يرفد به أصحاب الخراج والمقاسمة حتى لا يجري عليه غبن منهم، ولا يتم عليه صاحبه حيلة من جهتهم. كاتب الجيش: وأما كاتب الجيش فإنه يحتاج مع العلم بالحساب وضبطه إلى أن يعرف الأطماع وأوقاتها والحلي وأحكام أخذها. والأرزاق وما يتوفر منها:

стр. 249

والطمع: هو الوقت الذي يستحق فيه الجاري، والحلية هي وصف الرجل الذي يفصل به بينه وبين غيره ممن يوافق اسمه اسمه، والأصل في أرزاق الجند والمقاتلة المساواة بينهم، وكذلك قسم رسول الله ﷺ ووضع الديوان عمر، وفضل بعض الناس على بعض ولم يخالفه في ذلك أحد بعده غير أمير المؤمنين ﵇ فإنه رد الأمر إلى ما كان عليه في أيام النبي ﷺ فنقم في ذلك عليه من خالف عليه، ثم رجع الناس بعد مضيه إلى سنة عمر - رضوان الله عليهما - وكان الجند فيما تقدم يفضلون في الأرزاق وشهورهم واحدة، وكانت استحقاقاتهم تتوافى في وقت واحد، فمتى تأخذ عنهم ما لهم اجتمعت كلمتهم على الطلب، ولقي معاملهم ملأ من الشغب، فلما تقلد شيخنا أبو القاسم عبيد الله بن سليمان ﵀ [وزارة] المعتضد بالله لطف لتفرقة أرزاقهم، والمخالفة بين أوقات استحقاقاتهم، بأن زاد من أخر رزقه بمقدار الزيادة في الأيام واقتصر، بمن قدم رزقه على ما لا يقصر عن مئونته، فسلم بذلك من شغبهم، وذمهم، وجمع ما صنع ترفيه نفسه وسلطانه، لأن معظم الأموال والأرزاق الوافرة إذا تأخرت إلى أمد بعيد يحمل في مثلها أموال النواحي، ويلحق فيها الغلات درت الأرزاق، وقل الخلاف وتفرقت مع ذلك كلمة الجند باختلاف أوقات أطماعهم، ولم يكن

стр. 250

لمن لم يجب له رزق أن يشغب مع من وجب رزقه، ولا أن يطالب بما لم يستحقه، وإذا تفرقت الكلمة وتشتت الجماعة انكسرت الشوكة، وقلت المئونة، وجعل أقرب الأطماع النوبة، وهي في المشاهرة في كل ثلاثين يوماً أرزاق الحشم، وهي في كل أربعين يوماً، ثم أرزاق المماليك من الخدم والغلمان الحجرية ومن جرى مجراهم في كل شهر ثم أرزاق المختارين في كل خمسة وسبعين يوماً، ثم التسعينية وأرزاقهم في كل تسعين يوماً، ثم الأحرار العظم في كل مائة وخمسية أيام، ثم الأحرار الحليين في كل مائة وعشرين يوماً، ثم الموسابادية وأصحاب الرقاب في كل مائة وثمانين يوماً، يجري الأمر على هذا، وعلى انتخاب الأولياء، واختيارهم ومطالبتهم بالعرض في السلاح التام وعلى الخيل الفرهة ووسمها عليهم لئلا تكون عارية أو كراء، وكتب اسم السلطان [و] ولي عهده على المجان والترسة والامتحان لهم فيما يعالجونه من السلاح، فمن كان في المحنة مرضياً وكانت أداته كاملة، وفرسه فارها وبزته جميلة على مقدار رزقه أمضى أمره إلا حلق على اسمه، ووفر رزقه، فلم يزل الأمر جارياً على

стр. 251

ذلك لا تخالف فيه هذه الأوضاع والسنن إلى أن وقع التخليط، ونضبت الذمامات وأثبت، الجند بالرشى واستعملوا للهوى لا للكفاية والغناء وصاروا يبايعون الأسماء على نقبائهم بيعاً ظاهراً مكشوفاً، ففسدت طبقات الأولياء، ودخل فيهم من لم يحمل السلاح، ولم يشهد الحروب ساعة قط. وكانت نتيجة هذا الإهمال، وثمرة هذه الأفعال، أن خرج السلطان في جيشه على أحسن زينة، لقتال غلام من غلمانه، فقتل وحده من بين أهل عسكره، وتفرق عنه الباقون، ورجعوا موفورين. ومن ترك سياسة رعيته وأولائه بما يوجبه الرأي كان يمثل ما جرى عليه جديراً وبه حقيقاً. وأما التحلية فأولها أن يذكر اسم الرجل في يمنة الورقة، وينسب إلى بلده أو ولائه، فيقال: فلان الرومي، أو فلان المقتدري، أو ما أشبه ذلك ثم يذكر جارية تحت اسمه، ويفصل فصل يسير، ثم يكتب عن يسرة الورقة بعد ذلك الفصل سنه، شاب أو كهل أو مراهق، هذا ما أخذ الناس فيه - والذي كان عليه في القديم كثير من الناس - الآن، فأن يذكر اسم الرجل وولائه وحليته في يمنة الورقة، وجاريه في يسرتها، ولا يذكر في الحلية في الجيش شيخ ولا صبي، فإن كانا ممن يحلى قيل للشيخ كهل مجتمع، وقيل للصبي غلام أمرد، وإنما أسقط ذكر الشيخ والصبي من ديوان الجيش لضعفهما، والطمع الذي يلحق أمثالهما، ثم يذكر قده، فإن كان طويلاً قيل ربعة إلى الطول، وإن كان قصيراً قيل ربعة إلى القصر، وإن كان ربعة قيل مربوع، وإنما لم يقل طويل وقصير على الإطلاق، لأن الطول والقصر من باب المضاف، والطويل إنما يكون طويلاً بالإضافة إلى من هو أقصر

стр. 252

منه، وكل طويل فهو قصير إذا أضيف إلى من هو أطول منه، وكان قولهم ربعة وإلى الطول أو إلى القصر أحوط في تصحيح المعنى، ثم يذكر لونه، فيقال أسود أو آدم، أو أحمر تعلوه حمرة إذا كان أشقر أو أبيض، ولا يقولون أبيض ولا أشقر، لأن البياض والشقرة مما كانت العرب يعبر [به] بعضها بعضا، وتسميهم العبيد والحمران، وبني حمراء العجان وصهب السبال، وتهجين من كان منهم؛ ثم يذكر الجبهة بأوصافها من ضيق أو رحب، وإن كان أجلح أو أصلع أو ذا فروة أو أغم ذكر ذلك، وإن كان في جبهته غضون ذكرت، ثم يذكر الحاجبان بما فيهما من قرن أوبلج، ثم العينان بما فيهما من كحل أوزرقة أو شهل أو حوص أوحور [أو] جحوظ، أو غثور أو حول أو بياض، ثم الأنف بما فيه من قنى أو فطس أو ورود أرنبة أو انتشار مناخر،

стр. 253

ثم الأسنان بما فيهما من درد أو شفا أو فلج أوقلح أو انقلاع بعضها، أوسواد بعض. فإن ذكر الشامات والخيلان وآثار الحديد والفروح، وغير ذلك مما في البدن ويدين وغيرهما فلا بأس، والأعمدة من هذه الحلي ما لا يتغير مثل الفطس والزرقة، والطول والقصر وأشباه ذلك، فإن اقتصر مقتصر عليها أجزأت وأغنت إن شاء الله. وإذا استحق الجند أخرج الكاتب الجرائد باستحقاقهم، فذكر الطمع في وسط الرقعة فقال في وسطها: المختارين والمماليك أو غيرهم، ثم قال في سفلها الأيمن: فلان الفلاني، وجعل جارية تحته، ثم ذكر حليته في الشق الأيسر بعد فصل يسير، إلى آخر الورقة، أو جعل اسمه وحليته يمنة الورقة وجاريه يسرتها، وإن كان الرجل المذكور قائداً. أو أميراً لم يذكر حلبته، واقتصر على اسمه، وذكر جاريه لأنه ربما يحلى من لا يعرف، ومن يخشى أن تقع حلية في اسمه، أو يدخل دخيل مكانه، فأما من عرف باسمه وعينه ونسبه فلا حاجة بالكاتب إلى تحليته. ثم يذكر عددهم، ومبلغ جاريهم في آخر الجريدة، ويكتب إلى الخازن. يحمل مالهم إلى مجلس العطاء، ويخرج الجرائد بالأسماء، والحلي ومبلغ الجاري إلى المنتفعين مع المال، فيتولد عرضهم، ويقبض عن صحت حليته منهم، ورفع الحساب بما ينفقونه

стр. 254

وذكر ما يوفرونه من جاري من لم يصح عرضه من البدلاء والدخلاء والأموات والغياب إلى ديوان الجيش، ورفع الحجج إلى الخزان بما يحملونه إليهم. هذا جملة ما يحتاج إليه كاتب الجيش، وهو آخر ما يحتاج إلى ذكره في أمر كاتب العقد. كاتب الحكم: وأما كاتب الحكم: فهو كاتب الحكام، وليس شيء من أمور الدين وأعمال السلاطين هو أعظم خطراً ولا أجل قدراً، ولا أبقى على الأيام أثراً من الحكم، وكيف لا يكون كذلك وهو خلافة النبوة، وأمر الله في الفروج والدماء والأموال، الباقي على تصرف الأحوال والأزمان، ولذلك جعل الله تعالى الحكومة إلى العدل دون غيرهم، فقال - جل من قائل -: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وجعل الشهادة أيضاً في العدول، فقال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ وأعلمنا أنه إنما يوفق من الحكام من حسنت نيته، وكان الصلاح طويته فقال : ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾، وأمور الأحكام من ملة الإسلام الجارية على أربعة أوجه: أحدها وهو أعظمها حكم القضاء، ثم حكم المظالم، ثم حكم الديوان، وهو حكم الخراج، ثم حكم الشرطة، والذي يعم جميع هؤلاء أنهم لا يستحقون تقلد شيء من هذه الأحكام إلا بأن يكونوا عدولاً في أنفسهم، عالمين بما توجبه مراتب أعمالهم، غير متعدين لرسوم أحكامهم، يرحمون المظلوم، ويخشنون على الظالم، ويؤثرون الحق، ولا يميلون مع الهوى، ولا يشرهون إلى حطام الدنيا ثم على القاضي أن

стр. 255

يختار لنفسه كاتباً يكون مثله، يقاربه في النزاهة والأمانة، والعفة والعدالة والعلم بالحلال والحرام، والسنن والأحكام، وما توجبه أقسام الكلام، ودليل على أنه يشترط عدالة الكاتب - قوله تعالى -: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ ووجه الدليل أنه لا يكتب بالعدل، لأن الفاسق متهم، ويحمله فسقه على خلاف المصلحة والعدل المأمور به، فوجب أن يكون كما ذكرناه، وإذا كان كذلك فترد إليه كتب الشروط والإقرارات والمحاضر والسجلات، ويجعله مؤتمناً على خزن ذلك وحفظه. ولإخراج ما يحتاج إليه في وقت الحاجة إلى إخراج. وقد ذكر الناس في كتاب الشروط والمحاضر والسجلات ما يغني من نظر فيه، إلا أننا لا نحب أن كتابنا [يخلو] من مثال لكل ما نذكره، لتكون معانيه كاملة فيما قصد له؛ فجملة الشروط أن يذكر المشترط والمشترط عليه ويعرفهما بأسمائهما وأنسابهما وبتجارتهما إن كانا تاجرين أو بضاعتهما إن كانا صانعين، أو أجناسهما أو أسماء بلدانهما، أو أنسابهما في العرب أو العجم، ثم يذكر الشيء الذي يجمع الشرط فيه، فإن كان بيعاً ذكرت البيع ووصفته وحددت المبيع إن كان مم يحدد كالأرضين والدور، أو يجنسه ووصفت عينه، إن كان مما لا يحد كالرقيق والدواب وعروض التجارات، ثم تذكر الثمن ومبلغه وتصف بعده ووزنه، ثم يذكر التقابض منهما والتفرق بعد الرضا، ثم يضمن البائع الدرك للمشتري، وإن كان إجارة ذكرت الإجارة ومدتها، والشيء الذي استؤجر ونعته، وحددت ما يحدد منه، وصفت ما لا يحدد، وذكرت مدة الإجارة، وجعلتها على شهور العرب

стр. 256

دون غيرها، وذكرت مال الإجارة، وأوقات وجوبه، وذكرت قبض المستأجر ما استأجر ورضاه به، وتفرقهما بعد الرضا، وإن كان فيما استؤجر نخل أوشجر استثنيت بذلك، وبمواضعه من الأرض من الإجارة، وجعلته في آخر الكتاب معاملة ومساقاة بجزء من الثمر، فإنه لا يجوز في الأحكام غير ذلك، وضمنت المؤجر الدرك المستأجر. وإن كان صلحاً ذكرت الشيء الذي صولح عليه: وإن كان براءة وصفت ما تبرئ من، وإن كانت البراءة بعرض ذكرت العرض، وإن كان إقراراً ذكرت مبلغه، وهل هو حال أو مؤجل، وإن كان مؤجلاً ذكرت أجله، ووقت حلوله، وحددت ذلك بشهور العرب، وإن كان وكالة سميت الوكيل ونسبته، وذكرت ما وكل فيه من خصومة ومنازعة وقبض أو صلح، أو قسمة أو بيع أو شراء أو غير ذلك من الأشياء التي تقع الوكالة في مثلها، وقررت الوكيل بالقبول؛ وإن كان رهناً ذكرت أولاً الدين في صدر الكتاب، ووقت، محله ثم ذكرت قسمته ووصفته وحددته وحددت ما يحدد منه، ثم قررت المرتهن بقبض ذلك، وإن وكله في بيعه عند المحل ذكرت الوكالة بذلك بعد فراغك من أمر الدين والرهن، وإن كانت وصية قررت الموصي بعد تسميتك إياه في صدر الوصية، بشرائع الإسلام، ثم ذكرت أنه أوصى بكذا وكذا. وبدأت بالدين وقررته بمبلغه، ثم ذكرت الوصية بعد الدين فيما يوصى به، وليس له أن يوصي في أكثر من ثلث ماله، ثم سبلت

стр. 257

ذلك في الوجوه التي نذكرها، ثم ذكرت الموصى إليه، وسميته وقررته بالقبول إن كان حاضراً، وإن كان غائباً فلا بأس، وهو بالخيار إن شاء قبل وإن شاء لم يقبل، ثم يؤرخ جميع هذه الكتب بالشهر والسنة اللذين أتت فيهما من شهور العرب وسنى الهجرة، ثم توقع الشهادة على المشترطين والمشترط عليهم، وتقريرهم بأن ما عقدوه على أنفسهم في صحة منهم وجواز أمر، وأنهم قد أقروا به طوعاً بعد تفهمهومعرفته ما فيه. وأما المحاضر فإن الكاتب يكتب إذا حضر عند القاضي رجلان، فادعى أحدهما على صاحبه حقاً فأقر له به: حضرة القاضي ويذكر اسمه ونسبه في ويم كذا من شهر كذا في سنة كذا، فلان بن فلان، وفلان بن فلان، فعرفهما بأسمائهما ونسبهما، وإن لم يكن يعرفهما بأسمائهما ونسبهما قال رجل: ذكر أنه فلان بن فلان، ويصفه ويحليه، ورجل ذكر أن اسمه فلان بن فلان، ويصفه ويحليه أيضاً، فادعى فلان أو الذي ذكر أنه فلان، أو على الذي ذكر أنه فلان كذا وكذا، فأقر له بذلك؛ وإن كانت وكالة قال: قد ذكر أنه وكل فلان بن فلان، ويذكر ما وكله به، ويقول حضر فلان بن فلان فقبل ذلك منه، وتولاه له فإن أحضر المدعي كتاباً يريد أن يثبته بحق أو يبيع غير ذلك قال: وأحضر معه كتاباً ادعى فيه على فلان بن فلان أو الذي ذكر أنه فلان بن فلان ما فيه نسخته، وينسخ الكتاب ثم يقول: وأحضر معه من الشهود فلان بن فلان، وفلان بن فلان، وادعى شهادتهما قبل تضمنه الكتاب الذي أحضره، فسألهما القاضي عما عندهما، وأشهدهما على نفسه في صحة منهما، وجواز أمر مما سمى ووصف فيه فقيل القاضي شهادتهما بذلك وأمضاها؛ وإن أراد القاضي أن يسجل بذلك، وليس يجوز أن يسجل إلا على من عرفه فليذكر في

стр. 258

صدر الكتاب، إشهاد القاضي ويسميه وينسبه في مجلس حكمه وقضائه، وهو يلي القضاء لعبد الله فلان بن فلان، ويذكر لقبه، والناحية التي استقضاه عليها، ويذكر حضور من حضره، ونسخة الكتاب الذي ادعى عنده بما فيه، ويذكر بعد ذلك شهادة الشاهدين ولا يسميهما، بل يقول: رجلان عرفهما القاضي بما قبل معه شهادتهما، ثم يقول: فأنفذ القاضي الحكم بما ثبت عنده من إقرار فلان بن فلان بجميع ما سمي، ووصف في الكتاب المنسوخ في صدر هذا الكتاب بشهادة الشاهدين المذكورين فيه، وحكم به وأمضاه، بعد أن سأله فلان بن فلان ذلك، وقد جعل القاضي فلان بن فلان كل ذي حجة على حجته، ثم يشهد على نفسه بإنفاذ ذلك، ويؤرخ الكتاب بالوقت الذي يسجل فيه [فهذه] جملة في الشروط مقنعة. وإذا أضاف إليها علم الكاتب باختلاف الفقهاء والعلماء حتى يحتاط على ألفاظه، ويخرجها من الخلاف إلى الإجماع، فيحوطها من تأول يبطلها، وذلك مثل قولهم، لا شرط فيه ولا خيار، وقوله: وتفرقا جميعاً بعد عقد البيع بينهما عن تراض بذلك، وقوله: وتخابرا فيما وقع عليه عقد هذا البيع فثبتا على إمضائه؛ وإنما ذلك لما قد روي في باب الخيار من الاختلاف، وأنه قد جاء البيع صفقة أو خياراً، وجاء أن الخيار إلى ثلاث، وجاء البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فقوله: لا شرط فيه ولا خيار يوجب الصفقة؛ وقوله: وتختاج بعد عقد هذا البيع فبما وقعت عليه عقدة هذا البيع، فثبتا على إمضائه يزيل الخيار في ترك الثلاث، وقوله: وتفرقا بعد عقده هذا البيع عن تراض منهما يزيل هذا التأويل في قوله: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فتكرار هذه الألفاظ قد أخرج البيع عن شروط الخيار كلها، وأوجب صحته، وكان مع

стр. 259

علمه بمذاهب الفقهاء وخلافهم عالماً بوجوه الكلام، مميزاً لما تحتمله الألفاظ الخواص والعوام، حتى يأتي في لفظه، ويعلم قوله بحراسة الشروط من الاشتباه في المعاني والاشتراك فيها، وذلك مثل استعمال كثير من أصحاب الشروط في موضع ذكر التسليم قولهم: بغير دافع ولا مانع، وظنهم أن غير لما كانت جحداً في بعض أحوالها أنها تقوم مقام لا، وليس الأمر كذلك، لأن لا حرف جحد، ولا يجوز أن ينصرف في معناه في هذا الموضع إلى معنى آخر، وغير قد تكون بمعنى الكثرة، فيقال: لقيت فلاناً غير مرة وجاءني غير واحد من أصحابنا، بمعنى لقيته أكثر من مرة، وجاءني أكثر أصحابنا، فإذا قلت: بغير دافع جاز أن يحتمل معنى القول أنك [تريد] أكثر من دافع، وإذا قلت: بلا دافع [لم يجز] شيئاً من ذلك، فإذا فهم هذا الاشتراك والاشتباه، [وأخرج لفظه عن التأويل والاشتباه] وأخرج لفظه عن التأويل والاحتمال، مع إخراجه إياه عن الحادث الذي يوجبه الفقه كان بالكفاية موصوفاً، وبالحذق في صناعته معروفاً، إن شاء الله تعالى. كاتب صاحب المظالم: وأما كاتب صاحب المظالم فهو مثل كاتب القاضي في جميع أوصافه وعمله بواجب الكلام وممتنعه ومحتمله، ومعرفة الشروط وما يوجبه الحكم فيها، غير أنه لا يحتاج إلى الكتب والشهادات لأنه لا يحكم بشيء يسجل به، وإنما إليه أن يخرج الأيدي الغاصبة، ويثبت الأيدي المالكة، ويلزم الناس الحقوق بالخبر الشائع والشهرة والاستفاضة وشهادة صلحاء المجاورين، وأهل الخير من المستوردين، وليس إليه تعديل شاهد،

стр. 260

ومتى تكافأت الشهادات عنده ممن هذه سبيله في الستر والخبرة، وتوازنت الاستفاضة والشهرة، حتى لا يوجد في أحدهما من القوة على صاحبه، ومشابهة الحق في بعض أحواله، ما يجوز له أن يغلب على الخير ويحكم به، وأعجزه مع ذلك أن يوقع بين الخصوم في منازعتهم صلحاً يرضون به ردهم إلى القاضي ليقطع بينهم المحادثة باليمين التي جعلت عوضاً من البينة، فليس بين كاتب صاحب المظالم، وبين كاتب القاضي كبيير فرق يذكر فنستقصيه. كاتب الديوان: وأما كاتب الديوان فيحتاج مع ما قدمنا من الأوصاف أن يكون جيد الفهم، صحيح الذهن، عارفاً بأحكام الديوان، غير جاهل مع ذلك بأحكام الديوان، غير جاهل مع ذلك بأحكام ذلك الحكام، ويكون مع هذا قد عرف أصول الأموال التي تحمل إلى بيت المال وأقسام وجوهها، وكيف كان السبب فيها، وأحكام الأرضين في وظائفها وأملاك أهلها، وما يجوز للإمام أن يقطعه منها ووجه تفرقة الأموال وسبيلها، وما يجوز في جميع ذلك مما لا يجوز، ونحن نذكر باباً باباً من ذلك بأخصر ما أمكننا فيه إن شاء الله. وجه الأموال: وجوه الأموال ثلاثة: فيء، وصدقة، وغنيمة، أما الفيء فمعناه ما رجع على المسلمين نفعه، وهو مأخوذ من فاء يفيء، بالعشي إذا رجع،

стр. 261

ومنه قول الله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ وهو ينقسم أقساماً كثيرة، فمنه ما أفاء الله على المسلمين من أموال المشركين مما يوجب في مدنهم بعد فتحها، فقسم بين المسلمين، فليس فيه خمس وذلك مثل كنز النخيرجان الذي وجد بعد فتح الأهواز وما يجري مجراه، ومنه ما أفاء الله سبحانه على رسله ﷺ من أهل المدن والقرى التي أجلاهم الرعب، فلم يقاتلوا، ولم يوجب عليهم بخيل ولا ركاب، فذلك لا يخمس ويفرق بين المسلمين كما ذكر الله - سبحانه - في سورة الحشر. ومنه الأرضون التي صالح أهلها عليها بشيء يؤدونه في كل سنة، فذلك أيضاً فيء لا يخمس. ومنها الأرضون التي فتحت عنوة، وأقرت في أيدي أهلها، وجعلوا عمالاً للمسلمين بها، وضرب عليهم فيها الخراج، كما فعل عمر ﵁ بالسواد، فذلك فيء لا يخمس. ومنه جزية رءوس أهل الذمة، وما يؤخذ من نصارى بني تغلب عوضاً عن الجزية. وأما الصدقة فليست تلزم عند الشيعة إلا في سبعة أصناف: العين، والورق، والبر، والشعير، والتمر، والزبيب، والمواشي السائمة. وأما غيرهم فنحن نذكر قوله.

стр. 262

ومما يلحق بذلك الركاز وهو ما وجد من دفائن الجاهلية، وفيه الخمس وقاس أهل العراق المعادن عليه، وقال أهل الحجاز منها الصدقة معجلة. فأما الغوص، وسيب البحر فلا زكاة فيه على مذهب أكثر الفقهاء، ومنهم من يقيسه بالركاز، فالصدقة إذن ضربان: زكاة وخمس، والزكاة تجب في كل سنة إذا حال عليها الحول على المال، فإن كان ورقاً كان في كل مائتي درهم خمسة دراهم، وما زاد فبحساب ذلك، فإن كان عيناً ففي كل عشرين ديناراً نصف دينار، وما زاد فبحساب ذلك، وما نقص عن هذين العددين فلا شيء فيه، وليس عند الشيعة في المائتين إذا زادت زيادة على الخمسة الدراهم حتى تبلغ مائتين وأربعين درهماً، فيكون فيها ستة دراهم، وكذلك ما زاد في كل أربعين درهماً درهم، وما نقص عن ذلك فلا شيء فيه، وهو بمنزلة الأشناق والأوقاص وليس عندهم في الزيادة في العشرين ديناراً شيء حتى تبلغ ثلاثين دينار، فيكون فيها نصف وربع، وما زاد فبحساب ذلك، وما لا يجب الزيادة فيه ربع دينار فليس يلزم فيه شيء. والتجارة فيها الصدقة بحساب ثمنها إذا كانت مما تجب فيه الزيادة، فإن بقيت سنين في يد صاحبها، فقد اختلف الناس في ذلك، فقال قوم:

стр. 263

يزكيها لما مضى عليها من السنين، وقال قائلون: ليس عليه غير زكاة واحدة وهي المعمول عليه، وليس على الحلي زكاة إلا عند الشافعي وأهل الحجاز، ولا على المواشي العاملة غير السائمة، ولا على الخيل ولا على الحمير صدقة، وإنما الصدقة في الشاء والإبل، والبقر السائمة. وفي كل خمس من الإبل شاة، ثم ما زاد على ذلك ففي كل خمس شاة إلى خمس وعشرين، فإذا صارت ستاً وعشرين ففيها بنت مخاض، فإن لم توجد فابن لبون ذكر إلى خمس وثلاثين، فإذا بلغت ستاً وثلاثين ففيها بنت لبون إلى خمس وأربعين، فإذا بلغت ستاً وأربعين ففيها حقه إلى ستين، فإذا بلغت إحدى وستين ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإذا زادت واحدة ففيها بنتاً لبون إلى تسعين، فإذا زادت ففيها حقتان إلى مائة وعشرين، فإذا زادت ففيها جذعتان، ثم بحساب ذلك في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، وفي كل ستين جذعة ومن الفقهاء من يستأنف الفريضة بعد المائة والعشرين فيجعل في كل خمسين شاة إلى آخر الفرائض، وليس بين الأشناق صدقة، وهو ما بين الفريضتين في الإبل وواحدها شنق. وأما البقر ففي كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة، وما زاد فبحساب ذلك، والوقص في البقر مثل الشنق في الإبل، وهو ما بين الفريضتين. وأما الغم فليس فيما دون الأربعين صدقة، فإذا صارت أربعين ففيها شاة حتى تبلغ مائة وإحدى وعشرين، فإذا بلغتها ففيها شاتان إلى مائتي شاة وشاة، فإذا بلغتها ففيها ثلاث شياه، ثم ليس في زيادتها شيء حتى تبلغ أربعمائة، فإذا بلغتها ففيها أربع شياه، وما زاد بعد ذلك ففي كل مائة شاة شاة.

стр. 264

فأما زكاة الأقوات فإن الفقهاء يقولون إن كل ما افتاته الناس من البر والشعير والذرة والحمص والعدس واللوبيا والدخن، وما أشبهه مما يؤكل ويعتمد في القوت عليه من الحبوب، أو يدخر من الثمار الجافة مما هو قوت كالتمر والزبيب ففي كل خمسة أوسق منه العشر، وفيما سقته السماء أو شرب بعلا أي بعرقه، وما سقى بالناضح والدولاب ففيه نصف العشر. والوسق ستون صاعاً، والصاع عند أهل الحجاز خمسة أرطال وثلث بالعراقي، وعند أهل العراق ثمانية أرطال، وعند الشيعة تسعة أرطال، وقد ذكرنا قول الشيعة فيما يلزمه الزكاة عندهم من ذلك. وما كان من الأبازير مثل الشونيز، والسمسم، والخردل، ومن الفواكه مثل العنب والتين، والغبيراء، والعناب، والنبق، والفستق، والجوز فلا صدقة فيه. ومن الزكاة زكاة الفطر، وهي واجبة على كل مسلم من ذكر أو أنثى ممن قدر على أدائها، فمن كان حراً بالغاً فعليه أن يؤديها عن نفسه، ومن كان عبداً أو طفلاً أداها عنه مالكه أو وليه، وهي صاع من كل طعام يكون قوتاً للإنسان على مذهب أهل الحجاز والشيعة، أما أهل العراق فيخرجون في ذلك نصف صاع حنطة أو صاعاً، من شعير أو وبر، أو زبيب، ومن لم يجد فأدى ثمن ذلك على أعدل قيمة، أو أخرج خبزاً

стр. 265

أو غير ذلك أجزاء على مذهب العراقيين والشيعة، ولم تجز عنه على مذهب أهل الحجاز. فأما الغنيمة فهو ما غنمه المسلمون من عسكر المشركين، ففي ذلك الخمس؛ تجمع الغنائم فتقسم أخماساً، فيأخذ للسلطان الخمس فيفرقه أخماساً على ما رتبه الله في سورة الأنفال فيجعل سهم الله والرسول للإمام، وأربعة أخماس، الخمس الباقية لذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، ويجعل باقي الغنائم لمن شهد الحرب فيقسم بينهم فيعطي الفارس سهمين، والراجل سهماً على مذهب الحجازيين والشيعة، ويدفع على مذهب أهل العراق إلى الفارس سهم وسهمان لفرسه وإلى الراجل سهم. حكم الأرض فيما يجنى منها: أما من افتتح من الأرضين عنوة، فالإمام فيها مخير إن شاء قسمها بين أهلها المستحقين لها، وأخذ الخمس منها فقسمه على أهله، كما فعل رسول الله ﷺ في بني النضير، فإذا فعل ذلك صارت أرض عشر، وملكها أهلها، وكان ما يؤدون عنها صدقة، وإن شاء أن يقرها في أيدي أهلها بخراج يضربه عليهم، أو مقاسمة، أو معاملة إن كانت نخلاً وشجراً، ويكون ذلك فيئاً يقسمه على أهل الفيء مع ما يقبضه من جزية رءوس أهل الذمة فعل ذلك، وقد أقر عمر - رضوان الله عليه - بمشورة من

стр. 266

الصحابة الخراج في أيدي أهله، وضرب عليهم الخراج لكل جريب درهم وقفيز، وأحسب ذلك قد كان رسماً في أيام الإمام، فأقره عمر لأن زهيراً وكان جاهلياً يقول: (فتغلل لكم مالا تُغِلّ لأهلها ... قرىً بالعراق من قفيزٍ ودرهمِ) وجعل على أهل الذمة الجزية طبقات، وإنما كانت تؤخذ منهم في أيام النبي ﷺ لكل حالم دينار قيمته من المعافر، فجعل هو الطبقة العليا أربعة دنانير، والوسطى دينارين، والسفلى ديناراً واحداً. وللإمام أن يزيد في الخراج والجزية، ويقبض منها على حسب ما يراه أعمر للبلاد، وأرفق بالعباد، وهذا مذهب أكثر الفقهاء. وأصل أراضي العنوة للمسلمين مشاع بينهم، وإنما يتبايع الناس فيها السكنى، وقيمة الأبنية والنخل والشجر وغير ذلك. فأما الأرض التي صالح عليها أهلها بشيء معلوم يؤدونه في كل سنة فهو على ما صولحوا عليه، ولا يزاد فيه عليهم ولا ينقصون منه، وعلى

стр. 267

الإمام أن يفرض ذلك على سائر الأرض، [ولا] يعدل بين عامرها وغامرها فيخفف عن الغامر ويزيد على العامر، ويتفقد ذلك في كل مدة من الأزمان، فقد يعمر الغامر، ويخرب العامر، فيرد فضل ذلك على بعض، حتى لا تضعف أحوال بعض رعيته، وهذا هو أصل القوانين في أرض الصلح، وهذه الأرضون لأهلها، يتبايعونها ويملكونها وإنما عليهم فيها وظيفة الفائين. وأما الأرض التي أسلم أهلها عليها مثل مخاليف اليمن والطائف ففيها الصدقة، وكذلك المدن التي اختطها المسلمون مثل البصرة، وما شاكلها من جميع ذلك الصدقة من العشر ونف العشر كما ذكرنا [وهي]، ملك لأهلها؛ وقد اختلف الناس فيها إذا ملكها الذمي بعد المسلم، فقال قوم: عليه فيها العشر، لأن الحق إنما يجب على الأرض. وقال آخرون: بل عليه الخراج لأن الحق عليه في أرضه، وإنما وجب على المسلم الصدقة لأنها ممن يجري عليه حكم الشريعة، وأما ما جلا أهله عند فلم يوجف عليه بخيل ولا ركاب فالإمام أيضاً مخير فيه، إن شاء قسمه على سائر المسلمين، وإن شاء أقره وجعل غلته مقومة عليهم.

стр. 268

وقد فعل النبي ﷺ في خيبر - مثل ذلك. وأما الصوافي التي كانت للملوك الكفار هي للأمام يقطع منها ذوي البلاء وأولى العناء، ويستعين بلغتها في نوائب المسلمين، ويصرفها في مصالحهم، وقد اقطعت الأئمة مما جرى في هذا المجرى أشياء، وعلى المقطع لها فيها الصدقة، فأما ما خرج من هذا من أراضي العنوة أو الصلح أو العشر، أو ما لا يملكه الإمام؛ فإنما هو لجماعة المسلمين أو لأهله من أهل الذمة، وأهل العهد فلا يجوز إقطاعه. وأما الأرض الموات، وهي التي لا مالك لها فهي لمن أحياها واستخرج لها شرباً، وعليه فيها إن كان مسلماً الصدقة، وإن كان ذمياً، الخراج؛ ويجوز أن يقطع الإمام من أرض الموات قبل أن تحيا ما شاء لأنها لا ملك عليها لأحد، وكذلك أرض الجوامد والمعادن والقبوض والآجام والجزائر وما أشبه ذلك. وأما نصارى

стр. 269

بني تغلب فإن عمر ﵁ أعفاهم من الجزية، وضاعف عليهم الصدقة لأنه خشي مع أنفتهم من الصغر وإعطاء الجزية أن يصيروا إلى أرض العدو فيزيدوا في شوكته. وكان أمير المؤمنين ﵇ يقول: إن في فيهم رأياً لو فرغت لهم. فأما الوجوه التي تصرف فيها هذه الأموال، فإن الفيء لأهل هذه الآيات: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ إلى آخر الآية، ثم فسر أنها في كل زمان، ولكل قرن فقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ إلى آخر الآية فنص بهذه الآية، على المهاجرين فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ﴾ إلى آخر الآية، فنص بهذه الآية على الأنصار، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى آخر الآية فنص بها على كل من أتى بعدهم من المهاجرين، فليس أحد من المسلمين إلا وله في الفيء حق، ولم يزل مال الفيء في أيام الصحابة رضوان الله عليهم يحمل، فيقسم على المقاتلة والذرية والصغير والكبير، ويرضخ منه للعبيد وضربهم، ولا يجمع منه شيء إلا أن خولف ذلك

стр. 270

وجعل مال الفيء لأرزاق الجند، وجعل ما فضل عن ذلك مجموعاً في بيت مال المسلمين للحوادث والنوائب، فمال الفيء الآن في هذا الوقت لأرزاق الأئمة وأعوانهم وحلفائهم وحكامهم وعمالهم وللمقاتلة، ومن يجري مجراهم من سائر ولاة أمورهم وأموالهم، والفتوق التي تتفتق عنهم، فأما الصدقات فهي لأهل السهمان الثمانية التي نص عليها فقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ والفقير: الذي ليس له مادة وله قوت، والمسكين: الذي ليس له قوت؛ والعامل عليها: هو المتولي لجبايتها، والمؤلفة قلوبهم: هو المستمال إلى الإسلام الذي كفت أو خفيت عاديته وشره من وجوه المشركين والمنافقين وأهل الخلاف. وقد ذكر قوم أن ذلك قد سقط وزال لظهور الإسلام؛ وقال آخرون إنه قائم ثابت، وأن للإمام أن يعطي من يريد تألفه من مال الصدقات ما رأى بغير ألا يتجاوز الثمن، وفي الرقاب: في فك الرقاب من الأسر؛ والغارمين: المغرقين بالدين إذا لم يستدينوه في معصية، أو كانوا قد حملوا حمالات في الدماء، واحتاجوا منها إلى أخذ الصدقة، وفي سبيل الله:

стр. 271

كل ما أريد به وجه الله من سائر وجوه البر؛ وابن السبيل: كل منقطع في بلد غربة فهو ابن سبيل، فهذه وجوه الصدقات التي يصرف ما لها فيها وليس لأهل الرسول ﷺ فيها شيء، لأن رسول الله ﷺ حرم ذلك عليهم، إذ كانت الصدقة أوساخ الناس، فنزههم عنها. وأما الغنائم فإنها لمن ذكره الله في سورة الأنفال حيث يقول: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فتقسم الغنائم على خمسة أسهم: فيجعل أربعة منها لمن شهد الحرب من المسلمين، ثم يقسم الخمس خمس أخماس، فيجعل سهم الله لذوي الأمر للقائم بأمل الله بعد النبي ﷺ ثم يقسم أربعة أخماس الخمس بين ذوي القربى والمساكين وابن السبيل: وذوو القربى بنو هاشم، وبنو المطلب دون غيرهم من سائر بني بطون عبد مناف. وقد زعم قوم أن الخمس يقسم على ستة أسهم، فيكون سهم لله مفرداً عن سهم رسوله، ويكونان لذي الأمر، وهذا قول شاذ. وذكر آخرون أن سهم ذوي القربى قد سقط، وما ذلك بعجب من زعمهم، وكيف يسقط من بين سائر السهام، وأي آية نسخته، أم أي سنة أسقطته، وكيف يحرمونه وإنما جعل عوضاً لهم مما نزهوا عنه من مال الصدقات، والله المستعان. فهذه وجوه جبايات الأموال ووجوه تفرقها.

стр. 272

أحكام الخراج: فأما أحكام الخراج فكثيرة لا يحتمل كتابنا هذا استيعابها ولا فرق ينها وبين سائر الأحكام إلا فيما نحن ذاكروه، وهو أن صاحب الديوان يحكم بالخطوط التي يجدها في ديوانه ويلزم من أسندت إليه بها الأموال إذا عرفت، والحكام لا يفعلون ذلك؛ ويمضي ضمان الثمار والغلات وأبواب المال، وسائر وجوه الجبايات، وذلك لا يمضيه الفقهاء والحكام، لأن تضمين الغلة قبل أن تحصد هي المخابرة التي نهى عنها، وبيع الثمار، قبل أن يبدو صلاحها هو بيع الغرر، وبيع ما ليس عندك، وقد نهى النبي ﷺ عنهما وحرمها. وأبواب المال من الجوالي وغيرها أيضاً باطل، لأن الجوالي مال على رقاب بأعيانها تجب في أوقاتها على أعيانها ومتى مات الواحد قبل محل ما عليه أو أسلم بظل ما عليه. ووجوه الجبايات من الأسواق والعراص والطواحين، وعلى الأنهار التي ينفرد بملكها إنسان من المسلمين دون سائرهم باطل أيضاً عند الحكام، وجميع ذلك جائز عند الكتاب، وعلى مذهب أحكام الخراج، والمتألهة من الكتاب يجلعون مكان تضمين الثمار المساقاة، ومكان تضمين الغلات تضمين الأرض، وكانوا يتأولون في ضمان الأرحاء أن ماءها ماء الخراج

стр. 273

فيجعلون الجباية خراجاً، وكذلك في الأسواق فإنهم كانوا يجعلون الهدية فيما لما كانت مشتركة بين سائر المسلمين كإخراج الذي منفعته لسائر المسلمين، وكذلك في سائر ما يحملون به من الأحكام المخالفة لأحكام الفقهاء وأصحاب المظالم، وإنما اختاروا أن يؤرخوا ضماناتهم بسنى الخراج لأنها أبداً على حال واحدة، ولا ت دور فتصير شهور الشتاء فيها صيفاً، والصيف شتاء، لأنها جارية على حساب الشمس. فأما سنو العرب فإنها تدور للفصل الذي بين السنة الهلالية والسنة الشمسية، فتصير شهور الشتاء في بعضها صيفاً، والصيف شتاء، والربيع خريفاً، والخريف ربيعاً، فسنة الخراج أصح عندهم في أوقات الخراج وإدراك الغلات، وبلوغ الثمرات، ووجوب أموال الضمانات، ولذا استعمل متألهة الكتاب الاحتياطات في ضماناتهم بذكر سنة الخراج، وأن يقولوا بعد ذلك: ويوافق ذلك في شهور العرب شهر كذا من سنة كذا، فيكون ذلك ماضياً على حكم أصحاب الدواوين والقضاة، وإنما كان أصحاب الدواوين يفعلون هذا في الأوقات التي كان العدل فيها فائضاً، والجور مستقبحاً، فأما الآن فقد سهل الأمر في ذلك، وألف الجور والظلم حتى ما يحتاج متأول منهم إلى تأول والله المستعان. صاحب الشرطة: فأما صاحب الشرطة فينبغي أن يعلم أن صاحبه إنما نصب لشيئين

стр. 274

أحدهم معونة الحكام، وأصحاب المظالم والدواوين في حبس من أمروه بحبسه، وإطلاق من رأوا إطلاقه، وإشخاص من كاتبوه بإشخاصه، إخراج الأيدي أو إقرارها، والشد عليها ولذلك جعل له اسم المعونة؛ والآخر النظر في أمور الجنايات، وإقامة الحدود والعقوبات، والتفحص عن أهل الريب والعناد، والعبث والفساد، وقمعهم والأخذ على أيدي اللصوص والسرّاق، والمقامرين والفساق، وتعزيز من وجب تعزيزه منهم، وإقامة الحد على من استحق الحد منهم، وإنما اشتق له اسم الشرطة من زيه، لأن من زي أصحاب الشرطة نصب الأعلام على مجالس الشرطة، والأشرطة. الأعلام، ومنه قيل: أشراط الساعة أي أعلامها ودلائلها، فلما دل صاحب الشرطة على نفسه بالأعلام التي نصبها على موضع قعوده سمي بذلك. وشرطة الخميس الذين كانوا مع أمير المؤمنين ﵇ من هذا اشتق لهم اسمهم، لأن الجيش الخميس، ولما شهروا أنفسهم من بين سائر الجيش بالتبع له، وبالقتال معه، وصاروا أعلاماً في ذلك قيل شرطة الخميس. فينبغي لهذا الكاتب أن يجعل له مع المعرفة بأحكام الله في الحدود الويات والخراج والجبايات الرقة على المستورين وذوي الهيئات، والحرص على سير المسلمين من أهل المروءات، فقد جاء: أقيلوا ذوي العثرات عثراتهم، وأن يكون العفو أحب إليه من العقوبة ما لم تقم بينة على حد، فقد جاء: "ادرأوا الحدود بالشبهات، فأما إذا قامت بينة على وجوب حد فينبغي أن يحرص على إقامته، وألا تأخذه

стр. 275

رأفة لصاحبه، ولا تعطله رقة على مرتكبه، فإنه ليس بأرحم من الله بعباده، ولا أولى بالتفضل عليهم، ولو علم الله - سبحانه - أن الصلاح في تعطيل الحدود ورحمة أهلها لما أمرنا بإقامتها، ولا قال: ﴿وَلا تَاخُذْكُمْ بِهِمَا رَافَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾، ولا قال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ ولا تحمله القسوة على أصحاب الحدود أو غيرهم من المفسدين على أن يزيد في حدودهم، أو يتعدى بهم أمر الله فيهم، فإن الله سبحانه يقول: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ وحسب الإنسان أن يقف حيث وقف به حكم الله، فلو علم الله أن الزيادة في العقوبة على ما حد هو أروع لأهل المعاصي لزاد فيها. وأقل الحد حد السكران، وهو أربعون جلدة، ثم إن عمر ﵁ جعله، ثمانين، وعليه الناس في هذا الوقت، والسكران هو الذي لا يضبط نفسه ولا يحصل شيئاً من فعله وقوله؛ ثم حد القاذف وهو ثمانون، وإنما يجب على من قذف حراً أو حرين مسلمين، فإن قذف عبداً أو أمة أو مشركاً لم يكن عليه حد؛ ثم حد الزاني والزانية، وهو - إن كانا بكرين - جلد مائة وتغريب عام، وإن كانا ثيبين فجلد مائة، والرجم على قول أهل العراق، والرجم وحده على قول أهل الحجاز والشيعة. والبكر من الرجال الذي لا زوجة له، ومن النساء التي لا زوج لها، والثيب من الرجال من كانت له زوجة مسلمة، والثيب من كان لها زوج حر مسلم. ثم حد السارق وهو القطع ليده اليمنى إذا سرق من حرز وبلغت

стр. 276

قيمة ما سرق ربع دينار فصاعداً على قول أهل الحجاز والشيعة، وعشرة دراهم على قول أهل العراق. والقطع من الرسغ على قول الفقهاء جميعاً، ومن أصول الأصابع على قول الشيعة، وليس على مختلس ولا خائن قطع، وإذا قطع الرجل ثم سرق قطعت رجله اليسرى، فإن سرق لم يقطع على قول الشيعة وبعض الفقهاء، وخلد في الحبس، وقال آخرون تقطع يده اليسرى ثم رجله اليمنى. ثم حد القاتل عمداً وهو القتل إذا طلب أولياء المقتول القود، فإن عفوا وقبلوا الدية فذلك، ومن لا ولي له فللإمام إن شاء قتل وإن شاء أخذ الدية وعفا. وحد الجارح أو القاطع بعض أعضاء الإنسان عمداً القصاص، العين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن، والجروح قصاص، كما قالله الله . ولا يجب الحد إلا بإقرار أو بينة، ولا يقبل إقرار الزاني على نفسه حتى يشهد أربع شهادات، وكل من أقر على نفسه بما يوجب حداً، وكان صحيح العقل قبل إقراره، وأقيم الحد عليه، فإن رجع وأكذب نفسه قبل أن يقام الحد عليه درئ الحد عنه، وإن قامت بينة بشهادة شاهدين في سائر الحدود، وبشهادة أربعة في الزنى أقيم الحد على من تقوم البينة عليه، فإن رجع بعض الشهود أو تتعتع وتوقف درئت الحدود، لأنا أمرنا أن ندرأها بالشبهات، فهذه جوامع ما في الحدود. فأما الجنايات فهي تنقسم قسمين: عمداً وخطأ، وقد ذكرنا ما في العمد بما أغنى عن إعادته، وأما الخطأ فينقسم قسمين: خطأ محض، وخطأ شبيه بالعمد؛ فأما الخطأ المحض فهو أن يرمي غرضاً فيصيب إنساناً

стр. 277

أو طائراً فيقتل رجلاً، فهذا خطأ محض. فأما الخطأ شبه العمد فأن يقصد الرجل بالرمية وبالضربة اللتين ليس مثلهما يقتل فيموت، فذلك الخطأ الذي يشبه العمد، وفيه وفي العمد إذا عفي عن القود مائة من الإبل أثلاث: ثلاثون حقه، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة وتسمى هذه الدية المغلظة. وعلى القاتل خطأ بعد الدية الكفاءة، تحرير رقبة مؤمنة، أو صيام شهرين متتابعين. وفي المحض مائة من الإبل أخماساً: فعشرون منها حقاق وعشرون جذاع، وعشرون بنات مخاض، وعشرون بنات لبون وعشرون بنو لبون. وديات النساء على النصف من ديات الرجال، وديات أهل الكتاب على الثلث من ديات المسلمين، ودية المجوس، وعابد الوثن ثلثا عشر الدية، والدية على أهل العين ألف دينار، وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم عند قوم، وعند قوم آخرين اثنا عشر ألف درهم، وفي الرقيق قيمتهم. ولا يقتل مؤمن بكافر، ولا حر بعبد، ولا والد بولد، ويقتل الذكر بالأنثى في قول جميع الفقهاء، إلا الشيعة فإنهم يأخذون نصف الدية من أولياء المرأة، ثم يقتل الرجل، وقولهم في ذلك أقيس، وإن كانوا لا يلون القياس. وكل شيء في بدن الإنسان منه واحد كالأنف والذكر وما أشبه ذلك ففيه إذا جنى عليه بصلمه الدية كاملة، وكل ما كان أكثر من واحد فبحساب ذلك، ففي فرد العين نصف الدية، وفي الأذن الواحدة نصف الدية، ومن أبطل على الإنسان نظره، أو سمعه، أو لسانه كان في ذلك الدية وإلا فبحساب ما يسمع في الحروف أو يبينها بلسانه، أو بحساب ما ينظر. والأصابع والأسنان بحسابها، فيكون في كل واحد من الأصابع خمس من

стр. 278

الإبل، وفي كل واجد من الأسنان ثلاث من الإبل، وبعض الفقهاء يجعل في أصابع اليدين الدية كاملة، وفي أصابع الرجلين الدية كاملة، ويحسب على ذلك، فيكون له بكل إصبع عشر من الإبل. والشيعة تجعل الدية في الأصابع والأسنان على قدر المنفعة فيفضلون بعض ذلك على بعض، وهو في كتب الديات المنصفة للملكي ولحسين بن سعيد، وغيرهما مبين، وكل ما تعمده صاحبه من ذلك ففيه القصاص، والحد فيما يجب فيه الحد، وعلى صاحب الشرطة أن ينهيه إلى الإمام فإذا أمره أن يقيد أو يقتص فعل ذ لك، وتجري الحق في القصاص وتحريره من الخطأ فيه وسير الجراح بالأميال وغيرها حتى يوقع القصاص على حقيقته، أو على غاية ما يمكنه من الاجتهاد في إصابته وكل ما لا دية فيه من خدش وشجة وغير موضحة ففيه حكومة، والشجاج التي لا دية فيها وهي دون الموضحة: الدامية، والباضعة، والخارصة، والدامغة. والتي فيها الدية. والموضحة وفيها خمس من الإبل، والهاشمة. والمأمومة وهي التي تبلغ إلى أم الدماغ، والجائفة ثلث الدية في كل واحدة منها.

стр. 279

أقل من الحد على مذهب أكثر الفقهاء، وقال مالك: ذلك إلى الإمام إن شاء زاد في الحد، وإن شاء نقصه، هذا ما فيه الحدود والديات والقصاص في الجنايات. وينبغي لصاحب الشرطة أن يرسم بكل ربع من أرباع عمله صاحباً له، عفيف الطعمة، عارفاً بأحكام الشرطة، ويقرن به عارضاً يكتب قصص المرفوعين إليه، وفي أي شيء رفعوا وأي صاحب مسلحة رفعهم، ويعمل ما يجتمع من هذه القصص التي يرفعها عراض الأرباع إليه في كل يوم جامعاً يعرضه على من فوقه من أمير أو إمام، فيوقع تحت ذكر كل رجل فيما يراه في أمره من تأديب أو حبس أو إطلاق أو إقامة حد إن كان الموقع إماماً، وأن ينسخ هذه الجوامع والقصص والتوقيعات وما يخرج بها من الإمام من إقامة حد، أو إيقاع قصاص في ديوان الشرطة، وكذلك ما يخرج من صلح بين المترافعين، ومبارأة من مطالبة، فإن الذي يثبت من ذلك في مجلس الشرطة نظير ما يثبت من المحاضر، ونسخ السجلات في ديوان الحكم. وليس ينبغي لصاحب الشرطة أن يقدم بالتعزيز إلا على من عرف بالريب وألف منه العبث، وكان قد عرف غير مرة في مثل ما اتهم به فأما المقامر والشاطر والمؤاجر ومن يجري مجراهم من نباذ وخمار وقواد فيعزرون ويؤدبون وينهون عن المعاودة، فإن عاودوا حبسوا، وإذا تابوا وضمنوا ألا يعودوا أطلقوا ولا ينبغي له أن يحبس أحداً بقذف ودعوى

стр. 280

إلا إذا كان ظنيناً في خيرته متهماً عند أهل الخبرة، فهذه جمل ما يحتاج صاحب الشرطة وكاتبه إلى استعماله في عملها. كاتب التدبير: وأما كاتب التدبير فهو ويزر السلطان، وأخص أصحابه به، ولولا الرعية لم يكن سلطان ولولا العامة لم تعرف الخاصة، ومنزلة السلطان من رعيته كمنزلة الروح من جسدها الذي لا حياة له إلا بها، ومنزلة الرعية منه كمنزلة الجسد الذي لا يظهر للروح عمل إلا فيه، فحاجة الرعية إلى صلاح سلطانها كحاجة الجسم إلى بقاء روحه، وحاجة السلطان إلى إصلاح رعيته كحاجة الروح إلى صحة جسدها، والدين والسلطان مربوطان كل واحد منهما بصاحبه، فلولا ما أمر به الدين من طاعة السلطان لكان أمره واهياً، ولولا ما عليه السلطان من أخذ الناس بشرائع الدين لكان الدين متروكاً، فمتى دخل الدين خلل وهي من السلطان بقدره، ومتى عرض من السلطان وهن ضاع من الدين بحسبه، وكذلك قال أردشير في عهده: اعلموا أن الملك والدين أخوان توأمان لا بقاء لاحدهما إلا بصاحبه، فالدين أس والملك حارس إلى آخر الكلام. وليس يكون السلطان عزيزاً إلا بالأعوان، ولا تستقيم طاعة الأعوان إلا بالكفاية، وإلا كانوا مسلطين أو مسخرين، والضرر بهذين الصنفين أكثر من النفع، ولا يتهيأ أن يكفوا إلا بالأموال، ولا تكثر الأموال وترخوا إلا بعمارة البلدان ولا تعمر البلدان إلا بالعدل، ولا يكون العدل تاماً حتى تكون نية السلطان في صلاح رعيته كنيته في صلاح جسده، بل يكون في بعض أحواله مؤثراً لصلاحها على صلاحه، فقد قال أردشير. "وقد كان من الملوك قبلها: من كان صحة ملكه أحب إليه من صحة جسده، "ومن أولى ما ينظر السلطان فيه اختيار الوزير الصالح

стр. 281

فإن أعماله واسعة، وأشغاله كثيرة، ومتى أراد مباشرة جميعها بنفسه أوضاع أكثرها، فقد قيل: إذا ألزم الراعي نفسه مباشرة ما ينبغي أن يفرضه إلى الكفاءة، وفوض ما ينبغي أن يباشره بنفسه إلى غيره ضاع أمره، والسلطان يزيد برأي وزيره استبصاراً كما يزيد المصباح بالدهن ضياء، وإنما يظفر للسلطان من الراحة واللذة والأمن والاستبانة بمقدار ما يظفر به من الوزير الصالح، ولو لم يكن في البيان عن الحاجة إلى الوزير الصالح إلا قول موسى ﵇ وهو نبي، ويكلمه الله وحيه، ولو استغنى أحد عمن يؤازره لا يستغني هو لموضعه من ربه: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾. وليس ينبغي للسلطان أن يختار من الوزراء إلا الذي يجمع مع الصلاح أدباً وحكمه، ومع العقل تجربة وحنكة ومن يجري على عرق في الخير معروف، وديدن في ذلك من آبائه مألوف، وأن يكون من بيت رياسة، فإن ذلك مما يعنيه على صحة السياسة، لأن العروق عليها ينبت الشجر، وقل أصل طاب إلا طاب فرعه. فإن اتفق له من يجمع الفهم والدراية بنفسه، وينزع إلى رياسة في أصله، فقد تم له ما يريده، وإلا طلب من يجتمع له العقل والدراية، ولا عليه ألا يكون من أصل شريف، ونسب معروف، فإنه قد يكون الإنسان بفضله نسباً لمن بعده من أهله، ويكون آخر شين أصله فضيحة لمن ساد من أهله، وأن يكون من ذوي المودة للسلطان والاعتقاد لولايته، ومن لا يذيع له سراً، ولا يحابي في رأي يراه صواباً له أحداً، فإذا وجد ذلك فوض إليه، واعتمد عليه. وينبغي للوزير أن يعلم أن الله -

стр. 282

قد أعطاه منزلة لم يعطها أحداً بعد السلطان غيره، فيقابل نعمة الله عنده في ذلك بما يستحقه من الشكر عليها، وتأدية الأمانة فيها إلى أهلها، فإنه يجمع بذلك الفوز عند الله ، والذكر الجميل في العاقبة، وإن كان ممن [لا] يعتقد إمامة من سلطانه، ويرى أنه غاصب على ما في يده، فليس اعتقاده ذلك مما يطلق له غشه، ولا يرخص له في ترك نصحه لأحوال منها: أنه قد قبل نعمته، وشاركه في أمره فوجب عليه المكافأة على النعمة، وأن يعلم أن وزره في معاونته، والدخول معه فيما غضب عليه، أعظم من الوزر في تأدية الأمانة إليه؛ ومنها أن الله قد أمر بتأدية الأمانات إلى أهلها أمراً عاماً، لا يجوز تخصيصه إلا ببيان منه. وقد روي عن الصادقين ﵈ ما يدل على أن الأمر بذلك عام، وهو قولهم: أدوا الأمانة ولو إلى قتلة أولاد الأنبياء؛ ومنها أنه لا بد للناس مع فقد أئمة العدل من السلطان، لأنهم لو فقدوا السلطان مع عدم الأئمة لأكل بعضهم بعضاً، لكن مثل السلطان وإن جار، كمثل المطر الدائم الري، وإن كان يضر بالأبنية، ويقطع المسافر وذا الحاجة، فما ينفع الله به من إخراج الثمرات، والزيادة في الأقوات أكثر. وقد روي عن أمير المؤمنين ﵇ أنه قال في حديث طويل، ولابد من إمارة برة أو فاجرة"، قيل له: هذه البرة قد عرفناها، فما الفاجرة؟ قال: "يقال بها العدو، ويجبى بها الفيء، ويؤخذ بها على يد الظالم" في قول كثير قبل ذلك وبعده. ثم إن الوزير محتاج إلى معاملة طبقات من الناس، فمنهم سلطانه، ومنهم حكامه، ومنهم جنده، ومنهم عماله، ومنهم خاصته،

стр. 283

ومنهم رعيته، وأوصاف بعض هؤلاء تخالف أوصاف بعض، ولكل طبقة معاملة غير معاملة الطبقة الأخرى. معاملة الوزير لسلطانه: أولى ما ينبغي أن يعامل به السلطان توقيره وتعظيمه، والشكر له على ما رفعه إليه بالنصيحة له، والتقرب إلى قلبه بكل ما يجد السبيل إليه، مما لا يثلم ديناً، ولا يسقط مروءة، والصبر على ملازمته، والاجتهاد في خدمته، ثم عليه إذا رآه قد أراد أمراً وأمر به وكان صواباً أن يشجعه عليه، ويزينه له، ويبصره بما فيه من الذكر الجميل، والقول الجزيل حتى يزيد علماً بصواب رأيه، وسروراً بما وفق له، وإذا رآه قد أراد أمراً أو أمر به، وكان خطأ عنده بصّره ما في عواقبه من الشين، وما في تركه من الزين، ويبين له الخطأ فيه بأبهى خطاب وأرفقه، فكما أنه ليس له أن يكتمه النصيحة، وإن خالف هواه، فكذلك ليس له أن يخرج كلامه في ذلك مخرج التأديب له، والتقويم، فإن الوزير العاقل لو شاء أن يبصر بسلطانه جميع عيوبه بالأمثال التي يضربها، والعيوب التي يذكرها من غيره حتى يعرف عيبه بعيب غيره، لفعل، وقد قيل: من كتب السلطان نصحه والأطباء مرضه، والإخوان سره، خان نفسه وروي عن رسول الله ﷺ وقوله أحق بالتقدمة: "إنما الدين النصيحة لله ولرسوله ولذوي الأمر وكافة المسلمين". معاملة حكامه: وأما معاملته ح كامه. فأول ذلك أن يختار منهم ذوي العلم والسنن

стр. 284

والفرائض والأمر والنهي والحظر والإباحة، وأولى المعرفة بدقائق الأحكام وأصول الحلال ولا حرام، والعلم بما توجبه أقسام الكلام، وينتخب ممن هذا وصفه من هو معروف بالستر والصيانة، والعدل والديانة، فيذكره لسلطانه، ويشير عليه باستكفائه الحكم بين رعيته، ثم يعهد إليه من السلطان بألا يحتج عن الناس، وأن يكون مجلسه متوسطاً لمصره، وأن يعدل بين الخصمين إذا حضراه في نظره إليهما، وخطابه لهما في مجلسهما، ولا يقلقن أحدهما حجته، وألا يفتى في علمه، وأن يتجنب القضاء في الأوقات التي يتغير فيها طبعه بغضب أو هوى أو جوع أو عطش أو نعاس أو شبق، وألا يعجل الحكم في الشيء حتى يتبين الحق فيه، فإذا أتاه ما يتشبه الحكم فيه عليه، شاور الفقهاء فيه، وأخذ بآرائهم، ولم يستغن برأيه عنهم، وإن لم يجد عندهم في ذلك ما يقنعه، ويليق بالحق والصواب عنده أنهاه إلى السلطان، وأخذ فيه برأيه، وإن جعل في العهد آيات من كتاب الله في الأمر بالعدل، والزجر عن الجور كان ذلك أحسن وأوكد إن شاء الله. ثم ينبغي أن يعلم الحكام منه شدة في ذات الله ، وحرصاً على إقامة الحق، وإنصاف المظلوم، وظلفاً عن أموال الناس، وأن يوقر في نفوسهم أن المحمود منهم عنده من ظهرت عفته، وطابت طعمته، وحسنت سيرته، وثبتت أمانته ونزاهته، وبرئ من معاملة الهوى، وترك الرشى ثم إن ظهر أن أحداً من حكامه على طبقاتهم التي صنفناها من القضاء وأصحاب المظالم، وكتاب الدواوين، وأصحاب الشرط جار حكم، أو مال مع خصم، أو خرج مما جعل إليه، أو تعداه إلى غيره نكل به وجعله أدباً لغيره، وعظة لمن بعده

стр. 285

ثم لم يستعن به في شيء من أمره، فإذا فعل ذلك أوشك أن تستقيم طرائقهم وتصلح خلائقهم، ولا يميل بهم الشر إلى إسقاط أنفسهم. معاملة الجند: وأما معاملته الجند فينبغي أن يختار منهم ذوي البطش والقوة، والحيلة والحنكة، ممن قد عرف الحرب وجربها، ومارسها وصُلي بها ممن يحسن حمل السلاح ويعمل به، ويضع الإقدام موضعه، والانحياز موضعه، ولا يجمع به الغضب والبسالة إلى التهور في الهلكة، ولا يحمله حب الحياة على الفرار، والرضا بما يورث العار، فإذا ظفر بمن هذه صفته تمسك به، وقدمه على غيره من جنده، وإن ظفر بمن له الجلد والقوة، ولم تكن له الحنكة والتجربة، قارن به ذوي الحنكة وأمره أن يطيعهم، ويتصرف في أمرهم، فإن أمير المؤمنين ﵇ قال: "موقف الشيخ في الحرب أعجب إلي من مشهد الغلام". وإن ظفر بذي الحنكة والتجربة والرأي والمكيدة، وكان عادماً للجلد، جعل بين يديه من هذا الصنف من يتدبر بتدبيره، ويتصرف على إرادته، لتجتمع له الحالان من جماعة إن عدمها من واحد. ثم ينبغي له أن يجمل الغرض في سياستهم، أن يجتمع له في صدورهم المحبة والهيبة، وأن يكون بعضهم في موافقة بعض، والتآلف معه كأعضاء الجسم في تآلفهم وتعاونهم، وأن يتفقد من أمورهم ما يعود عليهم بفضله، ويكفون به مئونة أنفسهم، ومن يلزمهم أمره، وأن يزيد ذا البلاء منهم، والطاعة في مرتبته ومنفعته، ليستدام بذلك ما حمد منه، وارتضى من فعله، وينافسه من لا له فيما يرى من الزيادة والمنفعة
следующие страницы →