Полный текст (316 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ وقال: ﴿وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ﴾.
وإنما فعلت العلماء ذلك لأن الخبر في نفسه إذا كان ممكناً فهو محتاج إلى ما يدل على صحته، والمثل مقرون بالحجة، ألا ترى أن الله لو قال لعباده: إني لا أشرك أحداً من خلائقي في ملكي لكان ذلك قولاً محتاجاَ إلى أن يدل على العلة فيه، ووجه الحكمة في استعماله فلما قال: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ كانت الحجة من تعارفهم مقرونة بما أراد أن يخبرهم به من أنه لا شريك له في ملكه من خلقه، لأنهم عالمون بأنهم لا يقرون أحداً من عبيدهم على أن يكون فيما ملكوه مثلهم بل يأنفون من ذلك ويدفعونه، فالله أولى بأن يتعالى عز ذلك. وكذلك جعلت القدماء أكثر آدابها، وما دونته من علومها بالأمثال والقصص عن الأمم، ونطقت ببعضه
стр. 72
على ألسن الطير والوحش، وإنما أرادوا بذلك أن يجعلوا الأخبار مقرونة بذكر عواقبها، والمقدمات مضمومة [إلى] نتائجها، وتصريف القول في ذلك حتى يتبين لسامعيه ما آلت إليه أحوال أهليها عند لزومهم الآداب أو تصنيعهم إياها، ولهذا بعينه قص الله علينا أقاصيص من تقدمنا ممن عصاه، وآثر هواه، فخسر دينه ودنياه، ومن اتبع رضاه، فجعل الخير والحسنى عقباه، وصير الجنة مثواه ومأواه، وقال في ذلك: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
اللغز:
وأما اللغز: فإنه من لغز اليربوع إذا حفر لنفسه مستقيماً ثم أخذ بمنة ويسره ليخفي بذلك على طالبه، وهو قول استعمل فيه اللفظ المتشابه طلباً للمعاياة والمحاجته والفائدة في ذلك في العلوم الدنيوية رياضة الذكر في تصحيح المعاني وإخراجها من المناقضة والفساد إلى معنى الصواب والحق، وقدح الفطنة في ذلك واستنجاد الرأي باستخراجه، وذلك مثل قول الشاعر:
(رب ثور رأيت في جحر نمل ... ونهار في ليلة ظلماء)
стр. 73
فالثور هنا القطعة من الأقط، والنهار فرخ الحباري، فإذا استخرج هذا صح المعنى، وإذا حمل على ظاهر لفظه كان محالاً، وكذلك قول الآخر:
(فأصبحت والليل مستغلس ... وأصبحت والأرض بحر طمى)
فأصبحت: أشعلت المصباح ولو حمل على الصبح لنا في القول ومسد، والفائدة في استعمال ذلك في الدين المعارضة التي ذكرناها وقلنا: إن للإنسان استعمالها عند التقية. حتى يخرج بهذا الكلام عن الكذب باشتراك الاسم ومن هذه الأسماء المشتركة المحنون الذي به الخبل، والمجنون الذي قد جنه الليل، والنبيذ الذي يشرب، والنبيذ؛ الصبي المنوذ، والعلي: المرتفع والعلي: الفرس الشديد؛ والجرح: المصدر من الجراح، والجرح: الكسب، والطعن بالرمح، والطعن في العرض، والبطن: ضد الظهر، والبطن من العرب؛ والفخذ العضو، والفخذ من القبيلة؛ والبعل: الزوج، والبعل: النخل الذي يشرب ماء السماء؛ (واليد الجارحة] واليد النعمة، واليد القدرة وأشباه هذا كثير، وقد جمعه أهل اللغة. وممن جوزه وجمع أكثره ابن دريد في كتاب "الملاحن"، فإن أردته فاطلبه منه إن شاء الله.
стр. 74
الحذف:
وأما الحذف: فإن العرب تستعمله للإيجاز والاختصار والاكتفاء بيسير القول إذا كان المخاطب عالماً برمادها فيه، وذلك كقوله : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ وسكت عن تمام الكلام لعلم المخاطب به، وكان تقدير ذلك: وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم استكبروا وعتوا وتمادوا، وكذلك قوله: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ حذف ما بعده لعلم المخاطب به، وإن كان تقديره: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لعد بكم [بما فعلتم].
من ذلك قول الشاعر:
(أجدك [لو] شيء أتانا رسوله ... سواك، ولكن لم نجد لك مدفعاً)
أراد لدفعناك، ولكن لم نجدلك مدفعاً، فحذف اكتفاء لعلم المخاطب بما أراده، ومثله قوله:
(فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى ... بنا بطن حقف ذي قفاف عقنقل)
стр. 75
[وهذا كثير في كلام العرب، وإذا مر بك عرفته إن شاء الله]
الصرف:
وأما الصرف: فإنهم يصرفون القول من المخاطب إلى الغائب، ومن الواحد إلى الجماعة، كقوله: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾.
وكقول الشاعر:
(وتلك التي لا وصل إلا وصالها ... ولا صرم إلا ما صرمت يضبر)
وقال آخر:
(يا لهف نفسي كان جده خالد ... وبياض وجهك للتراب الأعفر)
المبالغة:
وأما المبالغة: فإن من شأن العرب أن تبالغ في الوصف والذم، كما أن من شأنها أن تختصر وتوجز، وذلك لتوسعها في الكلام واقتدارها عليه، ولكل من ذلك موضع يستعمل فيه، وسيمر بك في مواضعه إذا صرنا إلى ذكره إن شاء الله.
стр. 76
والمبالغة تنقسم قسمين:
أحدهما في اللفظ، والآخر في المعنى، فأما المبالغة في اللفظ فتجرى مجرى التأكيد، كقولنا: رأيت زيداً نفسه، وهذا هو الحق بعينه، فتؤكد زيداً بالنفس والحق بالعين، وإن كان قولك: هذا زيد وهذا هو الحق قد أغناك عن ذكر النفس والعين، ولكن ذلك مبالغة في البيان.
ومنه قول الشاعر:
(ألا حبذا هند، وأرض بها هند ... وهند أتى من دونها النأي والبعد)
(فذكر البعد بعد النأي - وهما شيء واحد - تأكيداً ومبالغة).
وأما المبالغة في المعنى: فإخراج الشيء أبلغ غايات معانيه، كقوله : ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ ولربما قالوا بأنه قد أقتر فقتر علينا، فبالغ الله في تقبيح قولهم وإخراجه على غاية الذم.
ومن المبالغة في المعنى قول الشاعر:
(وفيهن ملهى للطيف ومنظر ... أنيق لعين الناظر المتوسم)
فلم يرض من أن يكون فيهن ملهى، وإن كان ذلك مدحاً لهن حتى قال: اللطيف، لأن اللطيف لا يلهو إلا بفائق، وقال: ومنظر أنبق، وهذا في الوصف
стр. 77
مخبر، فلم يكتف به حتى قال: "لعين الناظر المتوسم"، لأن الناظر إذا كرر نظره وتوسم تبينت له العيوب عند توسمه وتكراره ونظره، ولذلك قال الشاعر:
(يزيدك وجهها حسناً ... إذا ما زدتها نظراً)
ومن هذا قول الشاعر أيضاً:
(فلما صرح الشر ... فأمسى وهو عريان)
(مشينا مشية الليث ... غدا والليث غضبان)
فلم يرض بتصريح الشر حتى عراه من سائر ما يستره، ولم يرض بمشية الليث حتى جعله غضبان وأشباه هذا كثير في القرآن والشعر.
القطع والعطف والتقديم والتأخير:
وأما القطع والعطف (والتقديم والتأخير) فو واضح لمن أراد أن يعرفه، وهو في القرآن كثير، ومنه - مما قطع الكلام فيه وأخذ في فن آخر من القول ثم عطف بتمام القول الأول عليه - قوله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ﴾ إلى آخر الآية] ومثله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ
стр. 78
وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ ثم قطع وأخذ في كلام آخر فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ ثم رجع إلى الكلام الأول فقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ومثل ذلك ما حكاه عن لقمان في وصيته لابنه إذ قال له: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ثم قطع وأخذ في آخر فقال: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ثم رجع إلى تمام القول في وصية لقمان فقال: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَاتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ إلى آخر الآيات.
وأما التقديم والتأخير فكقوله : ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [أراد ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزاما].
стр. 79
وكقوله ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ أراد ما لا يملك لهم رزقاً من السموات والأرض لا يستطيعون شيئاً وفيما ذكرنا دليل على ما لم نذكره إن شاء الله.
الاختراع:
وأما الاختراع: فهو ما اخترعت له العرب اسماً فيما لم تكن تعرفه، فمنه ما سموه من عندهم كتسميتهم الباب في المساحة باباً، والجريب جريباً، والعشير عشيراً، ومنه ما عربته وكان أصل اسمه أعجمياً كالقسطاس المأخوذ من لسان الروم، والشطرنج المأخوذ من لسان الفرس والسجيل أيضاً المأخوذ من كلام الفرس، وكل من استخرج علماً، واستنبط شيئاً، وأراد أن يضع له اسماً من عنده، ويواطئ من يخرجه إليه عليه فله أن يفعل ذلك، ومن هذا الجنس اخترع النحويون اسم الحال والزمان والمصدر والتمييز والتبرئة، وأخرج الخليل ألقاب العروض، فسمى بعض ذلك الطويل، وبعضه المديد وبعضه الهزج، وبعضه الزجر وقد ذكر أرسطا طاليس ذلك وقال: إنه مطلق لكل أحد احتاج إلى تسمية شيء ليعرف به أن يسميه بما شاء من الأسماء، وهذا الباب مما يشترك العرب وغيرهم فيه، وليس مما ينفردون به.
стр. 80
باب
تأليف العبارة
اعلم أن سائر العبارة في لسان العرب إما أن يكون منظوماً أو منثوراً، والمنظوم هو الشعر، والمنثور هو الكلام، فالشعر ينقسم أقساماً: منها القصيد وهي أحسنها وأشبهها بمذاهب الشعراء، ومنها الرجز وهو أخفها؛ والراجز الساقي الذي يسقي الماء، وكان الأصل في الأراجيز أن يجريها الساقي على دلوه إذا أمدها، ثم أحدث الشعراء فيه فلحق بالقصيد ومنها المسمط: وهو أن يأتي الشاعر بخمسة أبيات على قافية، ثم يأتي ببيت على خلاف تلك القافية، ثم يأتي بخمسة أبيات على قافية أخرى، ثم يعود فيأتي على قافية البيت [الأول] وكذلك إلى آخر الشعر. ومنها المزدوج: وهو ما أتى على قافيتين فافيتين إلى آخر القصيد، وأكثر ما يأتي وزنه على وزن الرجز.
وفي الشعر والنثر جميعاً نقع البلاغة أو العي، والإيجاز أو الإسهاب، إلا أن البلاغة والإيجاز إذا وقعا في الشعر والقول قضى الشاعر بالفلج، والعي والإسهاب، وإذا وقعا في الشعر والقول كان الشاعر أعذر، وكان العذر عن المتكلم أضيق، وذلك لأن الشعر محصور بالوزن، محصور بالقافية، فالكلام يضيق على صاحبه، والنثر مطلق غير محصور، فهو يتسع لقائله.
стр. 81
فما تساوى القول والشعر فيه من هذا الفن، فحكم الشاعر فيه بالفضل قول بعضهم في بعض كتب الفتوح "فكانت معاقله تعقله، وما يحرزه يبرزه".
وقال الشاعر:
(وإن يبن حيطاناً عليه فإنما ... أولئك عقلاته لا معاقله)
وقيل لبعضهم، وقد أطال الوقوف في الشمس على باب بعض الولاة: (لقد أطلت الوقوف في الشمس) فقال: الظل أريد لا وقال الشاعر:
(نقول سليمي لو أقمت سررتنا ... ولم تدر أني للمقام أطوف)
وأشباه هذا كثير
فأما عذرهم الشاعر في التقصير واغتفارهم [له] العيوب، فقد جوزوا له من قصر الممدود، وحذف الحركة، وتخفيف الهمزة، وصرف ما لا ينصرف، ما لم يجيزه المتكلم، فأجازوا له في الوزن استعمال للزحاف والمخرم في القافية والإكفاء والإقواء
стр. 82
والسناد والإيطاء، والتضمين، وكل ذلك عيوب وهي على من استعمل البديهة وقال الشعر على الهاجس والسجية أقل عيباً منها على من استعمل الروية والتفكير، وكرر النظر والتدبير؛ وقد ذكر الخليل وغيره في أوزان الشعر وقوافيه ما يغني من نظر فيه، ويغنينا عن تكلف شرح ذلك إذ كنا نرى أن تكلف ما قد فرغ منه عناء لا فائدة فيه، إلا أنا نذكر جملة من ذلك في باب استخراج المعمى تدعو الضرورات إلى ذكر ما فيه إن شاء الله.
معنى البلاغة:
وقد ذكر الناس البلاغة ووصفوها بأوصاف لم تشتمل على حدها، وذكر الجاحظ كثيراً مما وصفت به، وكل وصف منها يقصر عن الإحاطة بحدها؛ وحدها عندنا: "القول المحيط بالمعنى المقصود، مع اختيار الكلام، وحسن النظام، وفصاحة اللسان، وإنما أضيف إلى الإحاطة بالمعنى اختيار الكلام، لأن المامي قد يحيط قوله بمعناه الذي يريده، إلا أنه بكلام مرذول من كلام أمثاله، فلا يكون موصوفاً بالبلاغة، وزدنا فصاحة اللسان لان الأعجمي واللحان قد يبلغات مرادهما بقولهما فلا يكونان موصوفين بالبلاغة، وزدنا حسن النظام لأنه قد يتكلم الفصيح بالكلام الحسن الآتي على المعنى، ولا يحسن ترتيب ألفاظه، ويصير كل واحد
стр. 83
مع ما يشاكله، ولا يقع ذلك موقعه؛ فمما أتى في نهاية النظم قول أمير المؤمنين ﵇ في بعض خطبه: "أين من سعى واجتهد، وجمع وعدد، وزخرف ونجد، وبنى وشيد"؟ فاتبع كل حرف بما هو من جنسه، وما يحسن معه نظمه، ولم يقل: أين من سعى ونجد، وزخرف وشيد، وبنى وعدد؟ ولو قال ذلك لكان كلاماً مفهوماً مستقيما، وكان مع ذلك فاسد النظم، قبيح التأليف.
معنى الشعر:
والشاعر من شعر يشعر فهو شاعر، والمصدر [الشعر] ولا يستحق الشاعر هذا الاسم حتى يأتي بما لا يشعر به غيره، وإذا كان إنما يستحق اسم الشاعر لما ذكرنا فكل من كان خارجاً عن هذا الوصف فليس بشاعر، وإن أتى بكلام موزون مقفى؛ وقد كره قوم قول الشعر واستماعه، وإنما الشعر كلام موزون، فما جاز في الكلام جاز فيه، وما لم يجز في ذلك لم يجز فيه، وقد سمع رسول الله ﷺ الشعر واستنشده وأناب عليه، وأنشد في مسجده على منبره، وقال لحسان: "اهج قريشاً ومعك روح القدس" وقال: إن من الشعر لحكماً". ومما احتج به من كرهه ما روى عن رسول الله ﷺ من قوله: "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعراً"، وما روي
стр. 84
عنه في شأن امرئ القيس وقوله: "ذلك رجل مذكور في الدنيا منسي في الآخرة، ويأتي يوم القيامة ومعه لواء الشعراء حتى يقودهم النار". وهذا القول منه ﵇ خاص في كفار الشعراء، والدليل على ذلك إجماع الأمة على أن حسان بن ثابت، وكعب بن زهير، وغيرهما من شعراء المؤمنين الذين كادوا يناضلون عن رسول الله ﷺ بأشعارهم، ويجاهدون معه بألسنتهم وأيديهم، خارجون عن جملة من يرد النار مع امرئ القيس، وقد وصف رسول الله ﷺ حسان بن ثابت بذلك فقال: "جاهد معي بيده ولسانه"، وأقعد كعب ابن زهير على منبره فأنشد:
(بانت سعاد فقلبي اليوم متبول)
حتى إذا بلغ إلى قوله:
(إن الرسول لنور يستضاء به ... وصارم من سيوف الله مسلول)
أومأ إلى الناس باستماع قوله. وقد قلنا: إن كل مهمل من الأخبار إذا كان في الأمر الممكن فهو خاص، وهذا في الممكن فهو خاص، ويزيد ما قلناه وضوحاً قول الله ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ* أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ* وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ﴾ ثم بين مراده، وأنه خاص في الكفار منهم ومن تعدى الحق وفسق فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا
стр. 85
وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ وأما قوله: "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً [حتى يريه] خير من أن يمتلئ شعراً" فإن المعقول من معنى الامتلاء أن يشعل المالئ للشيء جميع أجزائه حتى لا يكون فضل لغيره، وإذا كان هذا هكذا فإنما أراد النبي ﷺ بهذا القول من امتلأ جوفه من الشعر، حتى لا يكون فيه موضع للذكر ولا لحفظ القرآن، ولا لعلم الشرائع والأحكام، والسنة في الحلال والحرام، وهذا ظاهر لمن تدبره، ويزيده وضوحاً ما روى عنه ﵇ من أنه سمع قوماً يقولون: فلان علامة، فقال: وما هو علامة؟ فقيل: يعلم أيام العرب وأشعارها، وأنسابها ووقائعها فقال: ذلك علم لا ينفع من علمه ولا يضر من جهله، إنما العلم آية محكمة، أو فريضة عادلة أو سنة قائمة، [وما خلاهن فهو فضل] ولم يزل الشعر ديوان العرب في الجاهلية لأنهم كانوا أميين [ولم تكن الكتابة فيهم] إلا أهل الحيرة ومن تعلم منهم، فإنما حفظت مآثرها وأخبر آبائها، وما مضى من أيامها [ومذكور أحسابها] ووقائعها، ومستحسن أفعالها ومكارمها بالشعر، [الذي قيل فيها، ونقلته الرواة عن شعرائها]، ولولا الشعر ما عرف جود حاتم طيء، وكعب بن مامة، وهرم بن ستان، وأولاد جفنة، لكن
стр. 86
الذي قيل فيهم من الشعر أشاد بذكرهم، وبين عن فخرهم؛ فقال الفرزدق في حاتم:
(على ساعة لو أن القوم حاتماً ... على جوه ضنت بها نفس حاتم)
وقال زهير في هرم:
(من يلق يوما على علاته هرما ... يلق السماحة منه والندى خلقا)
(لو نال حي من الدنيا بمكرمة ... أفق السماء لنالت كفه الأنقا)
وقال آخر:
(فما كعب بن ملعة وابن سعدي ... بأجود منك يا عمر الجواد)
إلى غير ذلك مما قيد على الأبطال ذكر شجاعتهم، وشهر في الناس ذكرهم، وعرفنا به غناءهم في مواقفهم وآثارهم في وقائعهم، فقال عنترة:
(ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها ... قول الفوارس وبك عنتر أقدم)
وقال آخر:
(وفككنا غل امرئ القيس عنه ... بعد ما طال حبسه والعناء)
стр. 87
وقال آخر:
(أليسوا بالألي قسطوا قديماً ... على النعمان وابتدروا السطاعا)
(وهم وردوا الكلاب على تميم ... بجيش يبلع الناس ابتلاعا)
وقد ذكر أرسطاطاليس الشعر في "كتاب الجدل"، فجعله حجة مقنعة إذا كان قديماً، واحتج في كثير من كتب السياسة بقول أوميروس شاعر اليونانيين؛ وقول رسول الله ﷺ أحق بالتقدمة وأولى بالأتباع، وقد قال: إن من الشعر لحكما، وروى عن بعض السلف: أعربوا القرآن والتمسوا عربيته في الشعر". وقيل: "حسبك من الأدب أن تروي الشاهد والمثل". وقال معاوية لابنه: "يا بي إرو الشعر، وتخلق به، ولقد هممت يوم صفين بالفرار مرات فما ردفي عن ذلك غلا قول ابن الإطنابة:
(أبت لي همتي وأبي علائي ... وكسبي الحمد بالثمن الربيح)
(وإجشامي على المكروه نفعي ... وضربي هامة البطل المشيح)
стр. 88
(وقولي كلما جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي)
(لأدفع عن مكارم صالحات ... وأحمي بعد [عن] عرض صحيح)
وقال عبد الملك بن مروان لمؤدب ولده في وصيته إياه: "وعلمهم الشعر يحمدوا به".
وللشعراء فنون من الشعر كثيرة يجمعها في الأصل أصناف أربعة، وهي: المديح، والهجاء، والحكمة، واللهو، ثم يتفرع عن كل صنف من ذلك فنون، فيكون من المديح: المرائي، والافتخار، والشكر، واللطف في المسألة، وغير ذلك مما اشبهه، وقارب معناه معناه؛ ويكون من الهجاء: الذم، والعتب، والاستبطاء، والتأنيب، وما أشبه ذلك وجانسه؛ ويكون من الحكمة: الأمثال، والتزهيد، والمواعظ، وما شاكل ذلك، وكان من نوعه؛ ويكون من اللهو: الغزل، والطرد، وصفة الخمر والمجون، وما أشبه ذلك [وقاربه]. فما أجمعوا على استحسانه من المديح قوله:
стр. 89
(على مكثريهم حق من يعتريهم ... وعند المقلين السماحة والبذل)
وقول الآخر:
(يجود بالنفس إن ضمن الجواد بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجود)
ومن المرائي قول الخنساء:
(ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقلت نفسي)
(وما يبكون مثل أخي وسكن ... أعزى النفس عنه بالتأسي)
وفي الشكر قوله:
(لأشكرنك معروفا هممت به ... إن اهتمامك بالمعروف معروف)
(فلا ألومك إن لم يمضه قدر ... فالشيء بالقدر المحتوم مصروف)
وفي الافتخار قوله:
(أخذنا بآفاق السماء عليكم ... لنا قمراها والنجوم الطوالع)
وفي الهجاء قوله:
(فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كسبا بلغت ولا كلابا)
стр. 90
وفي الاستبطاء قوله:
(كلانا غني عن أخيه حياته ... ونحن إذا متنا اشد تفانيا)
وفي الحكمة قوله:
(ستبدى لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود)
وفي الزهد قوله:
(إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق)
وفي الوعظ قوله:
(وما الناس إلا هالك وابن هالك ... وذو نسب في الهالكين عريق)
وفي اللهو والمبادرة به قوله:
(كم من مؤخر لذة قد أمكنت ... لغد وليس له غد بموات)
وفي الغزل قوله:
(وما ذرفت عيناك إلا لتضر بي ... بسهميك في أعشار قلب مقتل)
وفي الطرد قوله:
(فعادى عداء بين ثور ونعجة ... داركاً ولم ينضج بماء فيغل)
وفي الخمر قوله:
(لا يسكن الليل حيث حلت ... فدهر شرابها نهار)
стр. 91
ما يحتاج إليه الشاعر:
ويحتاج الشاعر إلى تعلم العروض، ليكون معياراً له على قوله، وميزاناً على ظنه؛ والنحو ليصلح به من لسانه، ويقيم به إعرابه، والنسب وأيام الناس، ليستعين بذلك على معرفة المناقب والمثالب، فيذكرهما فيمن قصده بمدح أو ذم، وأن يروى الشعر ليعرف مسالك الشعراء ومذاهبهم وتصرفهم فيحتذي مناهجهم، ويسلك سبيلهم، فإذا لم يجتمع له هذا فليس ينبغي أن يتعرض لقول الشعر، فإنه ما أقام على الإمساك معذور، فمتى تعرض لما يظهر فيه عيبه وخطؤه كان مذموماً، وقد قال الشاعر:
(الشعر صعب وطويل سلمه ... إذا ارتقى في الذي لا يعلمه)
(زلت به إلى الحضيض قدمه ... يريد أن يعربه فيعجمه)
[فإذا كملت هذه الأدوات ورأى من طبعه] انقياداً لقول الشعر وسماحة به قاله وتكلفه، وإلا لم يكره عليه نفسه، فالقليل مما تسمح به النفس، ويأتي به الطبع خير من الكثير [الذي] يحمل فيه عليها، وإن أعين مع هذا بأن يكون في شرف من قومه، ومحل من أهل
стр. 92
دهره، كان قليل ما يأتي به من الصواب كثيراً، وكثيره جليلاً خطيراً، ولذلك قال الشاعر:
(وخير الشعر أكرمه رجالا ... وشر الشعر ما قال العبيد)
وقال على بن الجهم في قريب من هذا المعنى:
(وما أنا ممن سار بالشعر ذكره ... ولكن أشعاري يسير بها ذكري)
(ولا كل من قاد الجياد يسوقها ... ولا كل من أجرى يقال له مجرى)
والذي يسمى به الشعر فائقاً، ويكون إذا اجتمع فيه مستحسناً رائقاً: صحة المقابلة، وحسن النظم، وجزالة اللفظ، واعتدال الوزن، وإصابة التشبيه، وجودة التفصيل، وقلة التكليف، والمشاكلة في المطابقة، وأضداد هذه كلها معيبة تمجها الآذان، وتخرج عن وصف البيان.
فأما صحة المقابلة فمثل قول الشاع:
(أميل مع الذمام على ابن أمي ... وأحمل الصديق على الشقيق)
(وأفرق بين معروفي ومني ... وأجمع بين مالي والحقوق)
стр. 93
فأحسن القسمة في المقابلة، ومال مع ما ينبغي أن بمال معه، وحمل على ما يحسن الحمل عليه، وفرق بين ما ينبغي أن يفرقه، وجمع بين ما ينبغي أن يجمعه وأساء الآخر المقابلة حيث يقول:
(أموت إذا ما صد عني بوجهه ... ويفرح قلبي حين برجع الموصل)
فجعل حذا الموت فرح القلب، وحذاء الصد بوجهه الوصل وهذه مقابلة قبيحة، ولو قال:
(أموت إذا ما صد عني بوجهه ... وأحيا إذا مل الصدود وأقبلا)
فجعل حذاء الموت الحياة، وحذاء الصد بالوجه الإقبال، لكان مصيباً.
وأما حسن النظم فكقوله:
(متاركة اللثيم بلا جواب ... أشد على اللثيم من الجواب)
وكقوله:
(يا أيها المتحلي غير شيمته ... إن التخلق يأتي دونه الخلق)
فهذا نظم حسن جميل، له رونق غير محيل، فاما [قول الشاعر]:
стр. 94
(أم سلام أثيبي عاشقاً ... يعم الله يقينا ربه)
(إنكم في عينه من عيشة ... فاعلميه يا سليمي حسبه)
قبيح النظم بادي العوار، ظاهر الاضطراب، مختلف غير مؤتلف. وأما جزالة اللفظ فكقوله:
(وعلى عدوك يا ابن عم محمد ... رصدان ضوء الشمس والإظلام)
(فإذا تنبه رعته وإذا غفا ... سلت عليه سيوفك الأحلام)
فأما سخافة اللفظ، وركاكته فمثل قول الآخر:
(أيا عتب سيدني أمالك دين ... حتى متى قلبي لديك رهين)
(فأنا الصبور لكل ما حملتني ... وأنا الشقي البائس المسكين)
وأما اعتدال الوزن فكقوله:
(إنما الذلفاء همي ... فليدعني من يلوم)
(أحسن الناس جميعاً ... حين تمشي أو تقوم)
(أصل الحل لترضى ... وهي للجبل صروم)
فهذا الشعر ليس فيه معنى فائق، ولا مثل سابق، ولا تشبيه مستحسن،
стр. 95
ولا غزل مستطرف، إلا أن الاعتدال قد كساه جمالاً، وصير له في القلوب جلالاً؛ فإذا جئت إلى قول امرئ القيس:
(وتعرف فيه من أبيه شمائلا ... ومن خاله، ومن يزيد ومن حجر)
(سماحة ذا، وبر ذا ووفاء دا ... وفائل ذا إذا صحا وإذا سكر)
وجدته قد أتى من الوصف بما لم يأت به أحد، ومدح أربعة في بيت، وجمع لو أحد فضائل الأربعة في بيت آخر، وجعل ما مدحه به سجية له: في صحوة وفي سكره، ففاق في هذه الأحوال كل شاعر، إلا أن اضطراب وزنه، وكثرة الزحاف فيه، قد بهر جاء، وعن حد القبول قد أخرجاه.
وأما الإصابة في التشبيه فكقول الشاعر:
(فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتاى عنك واسع)
وكقول الآخر:
(كأن مثار النقع فوق رؤسهم ... وأسيافنا ليل تهاوت كواكبه)
ومما سلك شاعره فيه سبيل التشبيه فأساء ولم يحسن، قوله:
(خطاطيف حجن في حبال متينة ... نمد بها أيد إليك نوازع)
стр. 96
وكقول الآخر:
(ألا إنما ليلى عصا خيزرانة ... إذا لمسوها بالأكف تلين)
وأما سهولة القول، وقلة التكلف فكقول الشاعر:
(خير المذاهب في الحاجات أنجحها ... وأضيق الأمر أدناه من المرج)
فهذا اللفظ سهل قريب، قد جرى صاحبه فيه على سجيته وعادته، فإذا جئت إلى قول الآخر:
(وما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه)
وجدته قد تكلف تكلفا غير خفي على سامعه، فالقلوب له آبية والآذان عنه نابية.
وأما جودة التفصيل فكقوله:
(بيض مفارقنا، تغلي مراجلنا ... نأسو بأموالنا آثار أيديقا)
وكقول الآخر:
(بيضاء في دعج، صفراء في نعج ... كأنها فضة قد مسها ذهب)
وأما المطابقة والمشاكلة فكقول الشاعر:
(نعرض الطعان إذا التقينا ... وجوها لا تعرض للسباب)
стр. 97
وقول الآخر (في أحمد بن الخطيب):
(سموه أحمد فالإسلام يحمده ... والدهر كاسم أبيه ممرع خصب)
ومما ينبغي للشاعر أن يلزمه فيما يقوله من الشعر ألا يخرج في وصف أحد ممن يرغب إلي أو يرهب منه، أو يهجوه أو يمدحه أو يغازله [أو يهازله] عن المعنى الذي يليق به ويشاكله، فلا يمدح الكاتب بالشجاعة، ولا الفقيه بالكتابة، ولا الأمير بغير حسن السياسة، ولا يخاطب النساء بغير مخاطبتهن، ولكن يمدح كل أحد بصناعته، وبما فيه من فضيلته، ويهجوه برذيلته، ومذموم خليقته، ويغازل النساء بما يحسن من وصفهن، ومداعبتهن، والشكوى إليهن، فإن في مفارقته هذه السبيل التي نهجناها، وسلوكه غير هذه الطريق وضعا الأشياء في غير مواضعها، [وإذا وضعت الأشياء في غير مواضعها] قصرت عن بلوغ أقصى مواقعها، ولذلك قال الأمين لأبي نواس إذا قلت في الخصيب:
(إذا لم تزر أرض الخصيب وكابنا ... فأي فتى بعد الخصيب تزور)
فماذا أبقيت لي؟ قال: قولي يا أمير المؤمنين:
(إذا نحن أثنينا عليك بصالح ... فأنت كما تثني وفوق الذي تثني)
(وإن جرت الألفاظ يوماً بمدحة ... لغيرك إنساناً فأنت الذي تعني)
ولقد لعمر - أحسن الأمير السؤال ووضعه موضعه، وأحسن أبو نواس الاعتذار وتلافي ما فرط منه.
стр. 98
ومما وضع [في] غير موضعه فعيب، وإن كان في معناه جيداً قوله:
فقلت لها يا عز كل مصيبة ... وإذا وطنت يوماً لها النفس ذلت
فقالوا: لو قال هذا في الزهد كان من أشعر القول:
وكذلك قول الآخر:
(يمشين رهواً فلا الأعجاز خاذلة ... ولا الصدور على الأعجاز تتكل)
فقالوا: لو وصف بهذا النساء لكان من أحسن الوصف، وأغزل الشعر.
ومما ينبغي له أيضاً أن يجتهد فيه: أن يكون معنى كل بيت ولفظه متساويين حتى يتم المعنى بتمام اللفظ، كما قال الشاعر:
(ولا يواتيك فيما ناب من خلق ... إلا أخو ثقة فانظر بمن نثق)
فهذا بيت قد تم معناه بتمام لفظه من غير حشو، وكذلك قوله:
(وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخر عنه ولا متقدم)
(أجد الملامة في هواك لذيذة ... كلفاً بذكرك فليلمني اللوم)
فأما إذا تم المعنى قبل تمام البيت، فالشاعر حينئذ محتاج إلى حشو البيت بما لا فائدة فيه من اللفظ، وذلك مثل قول الشاعر:
(وقد أروح إلى الحانوت يتبعني ... شاو مثل شلول شلشل شول)
стр. 99
وإن تم لفظ البيت قبل أن يتم معناه احتاج إلى أن يضمن البيت الثاني تمام المعنى كما قال الشاعر:
(وجناح مقصوص نحيف ريشه ... ريب الزمان تحيف المقراض)
فهذا لا يقوم بنفسه، ولا يبين عن معنى ما أريد به حتى يأتي معناه في البيت الثاني وهو:
(فنعشته ووصلت ريش جناحه ... وجبرته يا جابر المنهاض)
وجميعاً معيبان، فينبغي أن يجنبهما ما وجد السبيل إلى ذلك.
واعلم أن الشاعر إذا أتى بالمعنى الذي يريده، أو المعنيين في بيت واحد كان في ذلك أشعر منه إذا أتى بذلك في بيتين، وكذلك إذا أتى شاعران بذلك، فالذي يجمع المعنيين في بيت أشعر من الذي يجمعهما في بيتين، ولذلك فضل قول امرئ القيس:
(كأن قلوب الطير رطباً ويابساً ... لدى وكرها العناب والحشف البالي)
على قوله:
(كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب)
لأنه جمع في البيت الأول وصف شيئين [لشيئين]، وإنما وصف في هذا شيئاً بشيء.
وللشاعر أن يقتصد في الوصف أو التشبيه أو المدح أو الذم، وله أن يبالغ، وله أن يسرف حتى يناسب قوله المحال ويضاهيه، وليس المستحسن السرف والكذب والإحالة في شيء من فنون القول إلا في الشعر.
стр. 100
وقد ذكر أرسطاطاليس الشعر فوصفه بأن الكذب فيه أكثر من الصدق، وذكر أن ذلك جائز في الصياغة الشعرية، فمما اقتصد الشاعر فيه قوله:
(يخزك من شهد الوقيعة أنني ... أغشى الوعي وأعف عند المغنم)
ومما بالغ فيه قوله:
(يطعنهم ما ارتموا حق إذا طعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضربوا اعتنقا)
فجعل له غايتهم في كل من الأحوال مع البسلة والشجاعة فضلاً ومبالغة، ومما أصرف فيه الشاعر حتى أخرجه إلى الكذب والمحال، وهو مع ذلك مستحسن [قوله]:
(وثفت بحبل من حبال محمد ... أمنت به من طارق الحدثان)
(فلو تسأل الأيام ما اسمي مادرت ... وأين مكاني ما عرفن مكاني؟ ! )
(تغطيت من دهري بظل جفاحه .. فعيني ترى دهري وليس يراني)
ومما يزيد في حسن الشعر، ويمكن له حلاوة في الصدر: حسن الإنشاد وحلاوة النغمة، وأن يكون الشاعر قد عمد إلى معاني شعره فجعلها فيما يشا كلها من اللفظ فلا يكسو المعاني الجدية ألفاظاً عزليةفيسخفها، ولا يكسو المعاني الهزلية ألفاظاً جدية فيستوخمها سامعها، ولكن يعطي كل شيء من ذلك حقه، ويضعه موضعه، ويتمثل في ذلك ما وصف به الشاعر بعض الحذاق بترتيب الكلام فقال:
(أخو الجد إن جاددت أرضاك جده ... وذو باطل إن شئت أرضاك باطله)
وألا يجعل شعره كله جداً فيشتقل، إذ كانت النفوس ربما ملت الحق فاستثقلته
стр. 101
واحتاجت إلى أن تمتري نشاطها وتبقى جمامها بشيء من الهزل، وألا يجعل شعره كله هزلاً فيكسد عند ذوي العقول، ولكن يخلط جداً بهزل، ويستعمل كلاً في موضعه وعند أهله، ومن ينفق عليه. وممن عرف هذا المعنى في الشعر فأخذ فيه، وابر فيما أتى منه على من تقدمه (بيتاً) من يقول:
(أنت أمرؤ أوليتني نعماً ... أوهت قوى شكري فقد ضعفا)
(لا تحدثن إلى عارفة ... متى أقوم بشكر ما سلفا)
ويقول:
(تنازع الأحمدان الشبه فاشتبها ... خلقا وخلقا كما قد الشر أكان)
(شبهان لا فرق في المعقول بينهما ... معناهما واحد والعدة اثنان)
حتى يقول:
(عتقت في الدن حتى ... هي في رقة ديني)
وبقول:
(اطلبي لي مواجرا ... واذهبي أنت قحبي)
(لست ما عشت مدخلا ... أصبعي حجر عقرب)
فاجبتباه العلماء لما جد فيه، قال أبو عبيدة أو غيره لولا ما أخذ فيه
стр. 102
أبو نواس من الآفات لاحتجنا بشعره. واجتباه الخلفاه وأهل المجانة لما هزل فيه.
فأما وضع المعاني مواضعها التي تليق بها فكقول امرئ القيس؛ في عنفوان أمره وجدة ملكه:
(فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال)
(ولكنما أسعى لمجد مؤثل ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي)
فوضع طلب الرفعة وسمو المنزل موضعه إذ كان ملكاً، لأن ذلك يليق بالملوك، ثم وضع القناعة في موضعها لما زال عنه ملكه فصار كواحد من رعيته، لأن ذلك أولى بمن هذه منزلته فقال:
(إذا ما لم تكن إبل فمعزي ... كأن قرون جلتها عصى)
(إذا ما قام حلبها أرنت ... كأن الحي بينهم نعي)
(فتملأ بيتنا اقطا وسمناه ... وحسبك من غني شبع وري)
ويتبع لمن كان قوله للشعر تكسبا لا تأدبا أن يحمل إلى كل سوق ما ينفق فيها، ويخاطب كل مقصود بالشعر على مقدار فهمه، فإنما ربما قيل الشعر الجيد فيمن لا يفهمه فلا يحسن موقعه منه، وربما قيل الشعر الداعر لهذه الطبقة فكثرت فائدة قائله لفهمهم إياه، ولهذا المعنى قال رسول الله ﷺ في حديث يرويه عنه الشيعة:
إنا أمرنا - معاشر الأنبياء - أن نكلم الناس على مقادير عقولهم, وقال الشاعر:
стр. 103
(وأنزلني طول النوى دار غربة ... إذا شئت لاقيت الذي لا أشاكله)
(فجاهلته حتى يقال سجية ... ولو كان ذا عقل لكنت أعاقله)
فهذا ما حضرنا في أقسام الشعر المنظوم وهو مقنع إن شاء الله
النثر:
فأما المنثور فليس يخلو من أن يكون خطابة، أو ترسلا، أو احتجاجاً، أو حديثاً، ولكل واحد من هذه الوجوه موضع يستعمل فيه.
فالخطب تستعمل في إصلاح ذات البين، وإطفاء نار الحرب، وحمالة الدماء، والتشييد للملك، والتأكيد للعهد، وفي عقد الإملاك، وفي الدعاء إلى الله ، وفي الإشادة بالمناقب، ولكل ما أريد ذكره ونشره وشهرته في الناس.
والترسل في أنواع من هذا، وفي الاحتجاج على من زاغ من أهل الأطراف، وذكر الفتوح، وفي الاعتذارات والمعاتبات، وغير ذلك مما يجري في الرسائل والمكاتبات.
والبلاغة في الجميع واحدة، والعي فيه قريب من قريب؛ إلا أن الخطابة لما كانت مسموعة من قائلها، ومأخوذة من لفظ مؤلفها، وكان الناس جميعاً يرمقونه ويتصفحون وجهه، كان الخطأ فيها غير مأمون، والحصر عند القيام بها مخوفاً محذوراً.
стр. 104
فأما الرسائل فالإنسان في فسحة من تمكينها، وتكرر النظر فيها، وإصلاح خلل إن وقع في شيء منها، ثم هي نافذة على يد الرسول، أو في طي الكتاب، فقد كفى صاحبها المقام الذي ذكرناه، والخطر الذي وصناه، فلهذا صار الخطيب إذا ساوى المترسل في البلاغة كان له الفضل عليه، كما كان الفضل الشاعر إذا ساوي المتكلم في تجويد المعاني، وبلاغة اللسان، وقد كان الفضل للشاعر إذا ساوى المتكلم في تجويد المعاني، وبلاغة اللسان، وقد قال عبد الله بن الأهتم: إني لست أعجب من رجل تكلم بين قوم فأخطأ في كلامه، أو قصر عن حجته، لأن ذا الحجا قد تناله الخجلة، ويدركه الحصرن ويعزب عليه القول، ولكن العجب ممن أخذ دواة وقرطاساً، وخلا بفكره وعقله، كيف يعزب عنه باب من أبواب الكلام يريده، أو وجه من وجوه المطالب يؤمه؟ !
وقد ذكرنا المطالب التي يصير بها الشعر حسناً، وبالجودة موصوفاً، والمعاني التي يصير بها قبيحاً مرذولاً.
وقلنا: إن الشعر كلام مؤلف، فما حسن منه فهو في الكلام حسن، وما قبح منه فهو في الكلام قبيح، وكل ما ذكرناه هناك من أوصاف جيد الشعر فاستعمله في الخطابة والترسل، وكل ما قلناه من معاتبة فتجنبه ها هنا. ثم إنه يخص الخطابة والترسل أشياء نحن نذكرها، ونبتدئ باستقامة الخطابة والترسل من اللغة فنقول:
إن الخطابة مأخوذة من خطبت أخطب خطابة: كما يقال؛ كتببت أكتب كتابة، واشتق ذلك من الخطب وهو الأمر الجليل، لأنه إنما يقال بالخطب في الأمور التي تجل وتعظم، والاسم منها خاطب مثل راحم، فإذا جعل وصفا لازماً قيل خطيب كما قيل في راحم رحيم، وجعل رحيم أبلغ في
стр. 105
الوصف، وأبين في الرحمة، وكذلك لا يسمى خطيباً إلا من غلب ذلك على وصفه، وصار صناعة له.
والخطبة الواحدة من المصدر كالقومة من القيام، والضربة من الضرب [والخطبة الكلام المخطوب به]، فإذا جمعتها قلت خطب مثل جمعة [وجمع] والخطبة اسم المخطوبة، وجمعها خطب مثل كسرة وكسر فأما المخاطبة فيقال منها: خاطبت أخاطب مخاطبة، والاسم الخطاب، مثل قاتلته أقاتله مقاتلة، والاسم القتال.
والترسل من ترسلت أنرسل ترسلا، وأنا مترسل، كما يقال: توقفت بهم أتوقف توقفا وأنا متوقف، ولا يقال ذلك إلا فيمن تكرر فعله في الرسائل، كما لا يقال تكسر إلا فيمن تردد عليه اسم الفعل في الكسر. ويقال لمن فعل ذلك مرة واحدة أرسل يرسل إرسالا وهو مرسل، والاسم الرسالة، أو راسل يراسل مراسلة وهو مراسل، وذلك إذا كان هو ومن يراسله قد اشتركا في المراسلة؛ وأصل الاشتقاق في ذلك أنه كلام يراسل به من بعيد فاشتق له اسم الترسل، والرسالة من ذلك.
والخطابة والخطاب اشتقا من الخطب والمخاطبة لأنهما
стр. 106
مسموعان، فمن أوصاف الخطابة أن تفتتح [الخطبة] بالتحميد والتمجيد، وتوشح بالقرآن وبالسائر من الأمثال، فإن ذلك مما يزين الخطب عند مستمعيها وتعظم به الفائدة فيها، ولذلك كانوا يسمون كل خطبة لا يذكر الله في اولها البتراء؛ وكل خطبة لا توشح بالقرآن ولا بالأمثال الشوهاء. ولا يتمثل في الخطب الطوال التي يقام بها في المحافل بشيء من الشعر، فإن أحب أن يستعمل [ذلك] في الخطب القصار وفي المواعظ والرسائل فليفعل، إلا أن تكون الرسالة إلى خليفة فإن محله يرتفع عن التمثل بالشعر في كتاب إليه، ولا باس بذلك في غيرها من الرسائل، وأن يكون الخطيب أو المترسل عارفاً بمواقع القول وأوقاته واحتمال المخاطبين له، فلا يستعمل الإيجاز في موضع الإطالة فيقصر عن بلوغ الإرادة، ولا الإطالة في موضع الإيجاز فيتجاوز في مقدار الحاجة إلى الإضجار والملالة، ولا يستعمل ألفاظ الخاصة في مخاطبة العامة، ولا كلام الملوك مع السوقة، بل يعطي كل قوم من القول بمقدارهم، ويزنهم بوزنهم، فقد قيل: "لكل مقام مقال".
وإذا رأى من القوم إقبالاً عليه، وإنصاتاً لقوله فأحب أن يزيدهم زادهم على مقدار احتمالهم ونشاطهم، وإذا تبين منه إعراضاً عنه وتثاقلاً عن استماع قوله خفف عنهم، فقد قيل: من لم ينشط لكلامك فارفع عنه مثوبة الاستماع منك. وليس يكون الخطيب موصوفاً بالبلاغة
стр. 107
ولا منعوتاً بالخطابة إلا بوضع هذه الأشياء موضعها، وأن يكون على الإيجاز -إذا شرع فيه - نادراً، وبالإطالة -إذا احتاج إليها - ماهراً، فقد وصف بعضهم بالبلاغة بما قلناه، وقد سئل عنها: هي الاكتفاء في مقامات الإيجاز بالإشارة، والاقتدار في مواطن الإطالة على الغزارة، وقال الشاعر في هذا المعنى:
(يرمون بالخطب الطوال وتارة ... وحي الملاحظ خيفة الرقباء)
وقال جعفر بن يحيى: "إذا كان الإكثار أبلغ، كان الإيجاز تقصيراً، وإذا كان الإيجاز كافياً كان الإكثار هذراً"، فين ما يحمد من الإيجاز وما يحتاج إليه من الإكثار.
فأما المواضع التي ينبغي أن يستعمل كل واحد منهما فيه، فإن الإيجاز ينبغي أن يستعمل في مخاطبة الخاصة، وذوي الإفهام الثاقبة الذين يجتزئون بيسير القول من كثيره، وبمجمله عن تفسيره، وفي المواعظ والسنن والوصايا التي يراد حفظها ونقلها، ولذلك لا ترى في الحديث عن الرسول ﵇ والأئمة ﵈ شيئاً يطول، وإنما يأتي على غاية الاختصار والاقتصار، وفي الجوامع التي تعرض على الرؤساء فيقفون على معانيها، ولا يشغلون بالإكثار فيها.
وأما الإطالة ففي مخاطبة العوام، ومن ليس من ذوي الإفهام، ومن لا يكتفي من القول بيسيره، ولا يتفتق ذهنه إلا بتكريره، وإيضاح تفسيره، ولهذا استعمل الله في مواضع من كتابه
стр. 108
تكرير القصص، وتصريف القول ليفهم من يبعد فهمه، ويعلم من قصر علمه، واستعمل في مواضع أخر الإيجاز والاختصار لذوي العقول والأبصار، فما روي من الخطب القصيرة، والرسائل الموجزة والألفاظ المختصرة وما نحن ذاكرو بعضه ليدل على سائره. فمن ذلك خطبة تروى عن النبي ﷺ وهي أن قال بعد حمد الله والثناء عليه:
"أيها الناس، كأن الموت في الدنيا على غيرنا كتب، وكأن الحق بها على غينا وجب، وكأن الذي يشبع من الأموات سفر عما قليل إلينا راجعون، بنوئهم أجداثهم، ونأكل تراثهم، كأنا مخلدون بعدهم، قد نسينا كل واعظة، وأمناً كل جائحة، طوبى لمن شغله عيبه من عيوب الناس، وأنفق من مال اكتسبه من غير معصية، وجالس اهل الذلة والمسكنة، وخالط أهل الفقه والحكمة، طوبى لمن أذل نفسه، وحسنت خليفته، وصحت سريرته، وعزل -عن الناس شره، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله، ووسعته السنة، ولم يعدها إلى البدعة".
خطبة أخرى له ﵇ حمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أيها الناس إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإن لكم نهاية فقفوا عند نهايتكم، إن المؤمن بين غايتين: بين أجل قد قضى لا يدري ما الله صانع فيه، وبين أجل قد بقى ما يدري ما الله قاض فيه، فليأخذ
стр. 109
[كل] امرئ من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الكبر، ومن الحياة قبل الممات، فو الذي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب، وما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار".
خطبة قس بن ساعدة التي رواها عنه النبي ﷺ ذكر [النبي] ﷺ أنه رآه بسوق عكاظ على جمل أحمر، وهو يقول:
"أيها الناس اجتمعوا، ثم اسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات قات، وكل ما هو آت آت. يا معشر إياد أين ثمود وعاد؟ ! وأين الآباء والأجداد؟ ! وأين المعروف الذي لم يشكر؟ ! وأين الظلم الذي لم ينكر؟ ! ، أقسم قس قسماً [حقاً] أن لله ديناً هو أرضى عنده من دينكم. ثم أنشد شعراً فهل فيكم من يحفظه، فقال بعضهم هو أبو بكر - رضوان الله عليه - أنا أحفظه، فقال: هاته فأنشد:
(في الذاهبين الأواليـ .... ن من القرون لنا بصائر)
(لما رأيت موارداً ... للموت ليس لها مصادر)
(ورأيت قومي نحوها ... يمضي الأكابر فالأكابر)
(لا يرجع الماضي ولا ... يبقى من الباقين غابر)
(أيقنت أني لا محا ... لة حيث صار القوم صائر)
стр. 110
ومن كلام أمير المؤمنين ﵇ في الحكمة، وألفاظه القصار المتخبة.
"المره مخبوه تحت لسانه، قيمة كل امرئ ما يحسن، اعرف الحق تعرف أهله. العلم ضالة المؤمن، أغنى الناس العقل وأفقر الناس الحمق، والدنيا دار ممر إلى دار مقر، والناس فيها رجلان: رجل ابتاع نفسه فأعتقها، ورجل باع نفسه فأوبقها، إذا قدرت على عدوك فاجعل الصفح عنه شكراً للقدرة عليه. والصبر مطية لا تكبو، وسيف لا ينبو. عمرت البلاد بحب الأوطان. كفران النعمة لؤم. وصحبة الأحمق شؤم، إتباع الهوى يصد عن الهدى، الحجر الغصب في الدار رهن بخرابها. ما ظفر من ظفر الاثم به. الغالب بالشر مغلوب".
ومن كلام غيره ﵇[من الظفر] تعجيل اليأس من الممتنع، من لم يعرف شر ما يولي لم يعرف خبر ما يعلي، الكريم للكريم محل، الموت في قوة وعزة خير من الحياة في ذل وعجز، لا زوال للنعمة مع الشكر، ولإبقاء لها مع الكفر، شفيع المذنب إقراره، وتوبته اعتذاره، عجب الرجل بنفسه أحد حساد عقله، لمنع الناس من عرضك بما ينكرونه من فعلك، من أمل أحد أهابه، ومن قصر عن شيء عابه، جهل المرء بقدر إهلاك منه لنفسه، الصبر حيلة من لا حيلة له، حسبك من شر سماعه، استر عورة أخيك لما يعرفه فيك، من خف على عدون ثقل على صديقه، من أسرع إلى الناس بما يكرهون رموه بما يعلمون".
следующие страницы →