← Тараджим

Тараджим · id 20989

العقد الثمين فى تاريخ البلد الأمين

التقي الفاسي

Полный текст (2 722 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

العلم. وكان من أوعية العلم، على ما قال أحمد بن حنبل. وإذا كان ذلك كذلك اتجه ذكر خزاعة وكنانة فى أهل مكة، كما اتجه ذكر قريش فيهم. وهذا ـ الذى ذكره ابن جريج ـ نقله عنه الأزرقى فى الترجمة التى ترجم عليها بقوله: «ما جاء فى الكعبة، ومتى كانوا يفتحونها» لأنه نقل عن ابن جريج خبرا طويلا فى خبر الحمس. قال فيه «والحمس: أهل مكة: قريش، وكنانة، وخزاعة، ومن دان بدينهم ممن ولدوا، ومن حلفائهم. وإن كان من ساكنى الحل». انتهى. ووجه دلالة ذلك على ما ذكرناه ـ من أن خزاعة وكنانة من أهل مكة ـ: أن كلام ابن جريج يقتضى: أن الحمس من أهل مكة وغيرهم. وفسر «الحمس» من أهل مكة بقوله: «قريش، وكنانة، وخزاعة» وفسر «الحمس» من غير أهل مكة بقوله: «ومن دان بدينهم ـ إلى آخره» وهذا الذى ذكره ابن جريج ـ من أن خزاعة وكنانة من أهل مكة ـ صحيح، يدل لذلك: ما ذكرناه من مشاركتهم لقريش فى دارهم. والله أعلم. ونشير: إلى الكتب التى نظرتها لأجل هذا الكتاب. فمن ذلك: كتاب «السيرة» لمحمد بن إسحاق. «تهذيب ابن هشام». وروايته عن زياد البكائى عنه. أخبرنى به: البدر محمد بن محمد بن قوام البالسى، وأم أحمد فاطمة بنت القاضى عز الدين محمد أحمد بن المنجا التنوخى ـ قراءة عليهما، وأنا أسمع ـ بدمشق فى الرحلة الثانية. قال الأول: أخبرنا به الملك أسد الدين عبد القادر بن عبد العزيز بن الملك المعظم عيسى بن العادل أبى بكر بن أيوب، سماعا لجميعه. وقالت المرأة: أخبرنا به محمد بن أحمد بن أبى الهيجاء، المعروف بابن الزراد قالا: أخبرنا به محمد بن إسماعيل المقدسى خطيب مردان، قال: أخبرنا به صنيعة الملك هبة الله ابن يحيى بن على بن حيدرة سماعا، قال: أخبرنا به أبو محمد عبد الله بن رفاعة السعدى الفرضى. وأخبرتنى به ـ أعلى من هذا ـ أم أحمد بنت المنجا المذكورة ـ سماعا ـ عن القاضى تقى الدين سليمان بن حمزة، ويحيى بن محمد بن سعد، وأبى القاسم بن عساكر ـ وتفردت عن القاضى ـ قالوا: أنبأنا به أبو صادق الحسن بن يحيى بن صباح المخزومى ـ إجازة ـ عن ابن رفاعة ـ إجازة ـ قال: أخبرنا به القاضى أبو الحسن على بن الحسن الخلعى، قال: أخبرنا به أبو محمد عبد الرحمن بن عمر بن النحاس البزاز، قال: أخبرنا به

стр. 177

أبو محمد عبد الله بن جعفر بن الورد بن زنجويه البغدادى، قال: حدثنا به أبو سعيد عبد الرحيم بن عبد الله بن البرقى، قال: حدثنا به أبو محمد عبد الملك بن هشام النحوى، قال: حدثنا به زياد بن عبد الله البكائى، عن محمد بن إسحاق ـ فذكره. ومن ذلك: شرح هذا الكتاب، المسمى «بالروض الأنف» لأبى القاسم عبد الرحمن ابن عبد الله بن أحمد، المعروف بالسهيلى. أخبرنى به: الإمامان ـ أبو أحمد إبراهيم بن محمد بن عبد الرحيم، وأبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد ـ المصريان، عن يونس بن إبراهيم العسقلانى، عن عبد المنعم بن رضوان، المعروف بابن مناد، عن مؤلفه ـ فذكره. ومن ذلك: كتاب «النسب» للزبير بن بكار قاضى مكة. أنبأنى به أبو بكر محمد بن عبد الله الحافظ وغيره عن الحافظ أبى الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المزى ـ إجازة، إن لم يكن سماعا ـ قال: أخبرتنا به زينب بنت مكى، قالت: أخبرنا به عمر بن محمد ابن طبرزد البغدادى، قال: أخبرنا به على بن طراد الزينبى عن أبى جعفر بن المسلمة، قال: أخبرنا به أبو طاهر محمد بن عبد الرحمن المخلص، قال: أخبرنا به أحمد بن سليمان ابن موسى، قال: أخبرنا به مؤلفه الزبير بن بكار ـ فذكره. ومن ذلك: «أخبار مكة» لأبى عبد الله محمد بن إسحاق بن العباس المكى، المعروف بالفاكهى، وما أكثر فوائده. أخبرنى به جمع من الشيوخ، منهم: الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد التنوخى ـ إذنا مشافهة ـ عن أبى العباس أحمد بن أبى طالب الصالحى أنبأنا أبو الفضل جعفر بن على الهمدانى عن أبى محمد عبد الله بن عبد الرحمن العثمانى، أنبأنا عبد الله بن محمد بن محمد الباهلى، عن الحافظ أبى على الحسين بن محمد الجيانى أنبأنا به الحكم بن محمد الجذامى، عن أبى القاسم بن أبى غالب البزار، أبنأنا به أبو الحسن الأنصارى عن مؤلفه: الإمام أبى عبد الله محمد بن إسحاق بن العباس الفاكهى ـ فذكره. ومن ذلك «أخبار مكة» لأبى الوليد محمد بن عبد الله بن أحمد الأزرقى المكى أخبرنى به: أبو المعالى الصوفى ـ بقراءتى عليه ـ عن يحيى بن المصرى عن ابن الجميزى وابن رواح، عن الحافظ السلفى، قال: أخبرنا به ابن الطيورى، قال: أخبرنا به العشارى، قال: أخبرنا به ابن أبى موسى الهاشمى، قال: أخبرنا به إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمى، قال: أخبرنا به مؤلفه الأزرقى ـ فذكره. ومن ذلك: كتاب «الاستيعاب فى معرفة الأصحاب» لأبى عمر يوسف بن عبد البر

стр. 178

النمرى. أخبرنى به أبو العباس أحمد بن على بن محمد بن عبد الحق الحنفى ـ قراءة عليه، وأنا أسمع ـ من أول الكتاب إلى قوله: من اسمه عمر. وإجازة لباقيه. قال: أخبرنا به الإمام أبو عبد الله محمد بن جابر الودياشى أنبأنى ـ سماعا فى الثالثة، وإجازة منه ـ قال: أخبرنا به القاضى أبو العباس أحمد بن محمد بن حسن بن الغماز ـ سماعا لجميعه، خلا من أوله إلى قوله: حرف الحاء، فإجازة ـ قال: أخبرنا به الحافظ أبو الربيع سليمان ابن موسى الكلاعى، قال: أخبرنا به الفقيه أبو محمد عبد الله بن أحمد بن جهور القيسى ـ وأنا أسمع ـ عن أبى على الحسين بن محمد بن أحمد الغسانى: قال: قرأته على مؤلفه. قال الحافظ أبو الربيع: وأجازنيه أبو عبد الله محمد بن سعيد بن زرقون عن أبى عمران موسى بن أبى تليد عن مؤلفه. ومن ذلك: كتاب «تهذيب الكمال» للحافظ المعتمد أبى الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المزى. أنبأنى به: الحافظ شمس الدين محمد بن عبد الله بن أحمد الصالحى فى أذنة، قال: أخبرنا به مؤلفه الحافظ المزى ـ فذكره. ومن ذلك: «مختصره» لصاحبنا الحافظ الناقد أبى الفضل أحمد بن على بن حجر الشافعى. تغمده الله تعالى برحمته. وقد أحسن فى اختصاره، وزاد فيه فوائد كثيرة. ولم أقف إلا على بعضه. ومن ذلك: كتاب «الميزان» للحافظ الذهبى، و «مختصر تاريخ دمشق» له، و «مختصر تهذيب الكمال» له، و «طبقات الحفاظ» له، و «وطبقات القراء» له، و «تاريخ الإسلام» له، و «العبر» له، و «معجمه» و «ذيل سير النبلاء» له. وغير ذلك من تآليفه. أخبرنى بذلك عنه: جماعة من شيوخى. ومن ذلك: «تهذيب الأسماء واللغات» للنووى. أخبرنى به: إبراهيم بن أحمد البعلى عن على بن إبراهيم بن العطار عن النووى. ومن ذلك: أكثر «تاريخ بغداد» للخطيب. أخبرنى به: أحمد بن عمر البغدادى سماعا ـ من أوله إلى ترجمة ابن أبى ذئب، وإجازة لباقيه ـ عن الحافظ أبى الحجاج المزى ـ إجازة إن لم يكن سماعا ـ قال: أخبرنا به يوسف بن يعقوب بن المجاور، قال: أخبرنا به أبو اليمن زيد بن الحسن الكندى، قال: أخبرنا به أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز ـ سماعا، سوى الجزء السادس والثلاثين، فأخبرنا به محمد بن أحمد بن صرماء ـ قال: أخبرنا به مؤلفه. قال القزاز: سماعا. وقال ابن صرما: إجازة.

стр. 179

ومن ذلك: أكثر «ذيل تاريخ بغداد» لأبى سعد بن السمعانى. وفى كتاب «الأنساب» له، و «معجمه». أخبرنى بذلك: أبو هريرة عبد الرحمن بن الحافظ الذهبى ـ إذنا ـ عن القاضى تقى الدين سليمان بن حمزة المقدسى عن عيسى بن عبد العزيز اللخمى الحافظ عن أبى سعد السمعانى. ومن ذلك: «ذيل تاريخ بغداد» للحافظ أبى عبد الله محمد بن سعيد بن الدبيثى. أخبرنى به: أبو هريرة بن الذهبى ـ إذنا ـ عن القاضى تقى الدين سليمان بن حمزة عن ابن الدبيثى. ومن ذلك: «ذيل تاريخ بغداد» لأبى الحسن محمد بن أحمد بن عمر القطيعى. ومن ذلك: أكثر «ذيل تاريخ بغداد» للحافظ محب الدين محمد بن محمود بن النجار. أنبأنى بهما: إبراهيم بن محمد الصوفى وآخرون عن أبى العباس أحمد بن أبى طالب الصالحى، عن القطيعى وابن النجار. ومن ذلك: «ذيل تاريخ بغداد» للحافظ تقى الدين بن رافع، و «معجمه» و «وفياته».أخبرنى بذلك عنه: جماعة من شيوخنا، منهم: الحافظ صدر الدين أبو الربيع سليمان ابن يوسف المقدسى. ومن ذلك: «تاريخ إربل». أنبأنى به: أبو هريرة عبد الرحمن بن الذهبى عن أبى نصر محمد بن محمد الشيرازى عن مؤلفه ابن المستوفى. ومن ذلك: أكثر «تاريخ مصر» للحافظ قطب الدين الحلبى. أنبأنى به: أبو العباس أحمد بن حسن الشاهد عنه، إجازة إن لم يكن سماعا. ومن ذلك: بعض «تاريخ دمشق» لأبى القاسم بن عساكر. أنبأنى به: أبو هريرة بن الذهبى عن أبى نصر بن الشيرازى، عن جده القاضى أبى نصر محمد بن هبة الله بن الشيرازى، عن أبى القاسم بن عساكر مؤلفه. ومن ذلك: «الكامل» لابن الأثير. و «اللباب» له فى الأنساب، و «أسد الغابة» له. أخبرنى بذلك: أبو هريرة بن الذهبى، وآخرون ـ إذنا ـ عن أبى نصر بن الشيرازى، عن العلامة عز الدين أبى الحسن على بن محمد المعروف بابن الأثير المؤلف. ومن ذلك: كتاب «مرآة الزمان» لأبى المظفر يوسف بن قزغلى، سبط الحافظ أبى الفرج بن الجوزى.

стр. 180

أنبأنى به: محمد بن أبى هريرة بن الذهبى، وآخرون، عن أبى بكر بن محمد بن أحمد السلمى، عن أبى المظفر المؤلف ـ فذكره. ومن ذلك: «ذيل مرآة الزمان» للإمام قطب الدين موسى بن محمد بن أحمد اليونينى. أنبأنى به: الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد البعلى، وآخرون، إذنا عنه إجازة. ومن ذلك: «الروضتين فى أخبار الدولتين، النورية والصلاحية» وذيلهما لأبى شامة. أخبرنى به المشايخ: محمد بن محمد بن عبد الله، وإبراهيم بن أبى بكر بن عمر، ومحمد بن محمد بن داود الصالحيون ـ إذنا ـ عن الحافظ شرف الدين أبى محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطى. أنبأنا به: مؤلفه العلامة شهاب الدين أبو شامة عبد الرحمن بن إسماعيل ابن إبراهيم بن عثمان المقدسى الدمشقى ـ فذكره. ومن ذلك: «ذيل المنتظم». أنبأنى به: جمع عن المحدث أبى الثناء محمود بن خليفة المنبجى. أنبأنا به مؤلفه الإمام عز الدين أبو بكر محفوظ بن معتوق بن البزورى ـ فذكره. ومن ذلك: «تاريخ ابن خلكان القاضى». أخبرنى به: الكمال أحمد بن على بن محمد بن عبد الحق الدمشقى الحنفى، عن الحافظين: جمال الدين يوسف بن عبد الرحمن القضاعى، وعلم الدين القاسم بن محمد الإشبيلى، قالا: أنبأنا به مؤلفه القاضى شمس الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبى بكر بن خلكان الإربلى ـ فذكره. ومن ذلك: تاريخ البرزالى، المسمى «بالمكتفى» الذى ذيل به على تاريخ أبى شامة ومعجمه، وغير ذلك من تعاليقه المفيدة. أخبرنى بذلك: جماعة من شيوخنا، منهم: أبو حفص عمر بن محمد بن أحمد الصالحى. عنه إجازة. ومن ذلك: «تاريخ الشيخ شمس الدين محمد بن إبراهيم، المعروف بابن الجزرى» أخبرنى به عنه. ومن ذلك: «أعوان النصر وأعيان العصر» للإمام صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدى. ومن ذلك: أكثر «تاريخ الصلاح» محمد بن شاكر الكتبى. ومن ذلك: «تاريخ الشيخ عماد الدين بن كثير». أخبرنى به عنه غير واحد من شيوخى.

стр. 181

ومن ذلك: كثير من تاريخ الأمير بيبرس الدوادار الناصرى. ومن ذلك: كثير من تاريخ الشيخ شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب النويرى. ومن ذلك: مختصر تاريخ هذا النويرى. ومن ذلك: تاريخ الملك المؤيد صاحب حماة. ومن ذلك: «معجم السفر» للسلفى. أنبأنى به: أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد التنوخى، عن أبى الحسن على بن يحيى الشاطبى، أنبأنا أبو عمرو عثمان بن على بن عبد الوهاب بن خطيب القرافة ـ سماعا ـ عن مؤلفه الحافظ أبى طاهر أحمد بن محمد ابن أحمد السلفى ـ فذكره. ومن ذلك: «معجم الحافظ عز الدين بن الحاجب الأمينى». أنبأنى به: على بن محمد الخطيب عن القاضى تقى الدين سليمان بن حمزة عنه. ومن ذلك: «معجم الحافظ زكى الدين المنذرى» و «التكملة» له. أنبأنى بذلك عبد الرحمن بن أحمد الشافعى وغيره عن على بن عمر الصوفى، ويوسف بن عمر الختنى إذنا عنه. ومن ذلك: «معجم الحافظ ابن مسدى». أنبأنى به: أحمد بن محمد الطبرى عن الإمام أبى إسحاق إبراهيم بن محمد الشافعى عن ابن مسدى. ومن ذلك: «معجم الإمام علاء الدين على بن إبراهيم بن داود بن العطار». تخريج الذهبى له. أنبأنى به عنه جماعة من شيوخنا. ومن ذلك: «مشيخة الحافظ رشيد الدين» أبى الحسين يحيى بن على القرشى المعروف بابن العطار. أنبأنى بها: شيخنا أبو الفضل الحافظ وغيره، عن أبى شاهد الجيش وغيره عن الرشيد العطار ـ فذكرها. ومن ذلك: «وفيات شيخنا الحافظ العراقى» التى ذيل بها على «العبر» للذهبى. أنبأنا بها إجازة. ومن ذلك: «تاريخ الحافظ شيخنا أبى زرعة» أحمد بن شيخنا الحافظ العراقى أنبأنى به إجازة. وهو فى معنى «الذيل» على وفيات أبيه. وأوله سنة اثنتين وستين وسبعمائة، وآخر ما رأيته منه: سنة ثلاث وتسعين. وكتب سنين بعد ذلك لم أقف على كلها.

стр. 182

ومن ذلك: أكثر «وفيات» شيخنا مفتى الشام شهاب الدين أحمد بن حجى بن الحسبانى. أنبأنى بها إجازة. ومن ذلك: «وفيات» الشيخ محيى الدين عبد القادر الحنفى، و «طبقات الحنفية» له. ومن ذلك: «طبقات الحنفية» لشيخنا القاضى مجد الدين الشيرازى. أنبأنى بها إجازة. ومن ذلك: «وفيات ابن قانع» و «وفيات ابن زبر» و «وفيان الأكفانى» و «وفيات ابن المفضل المقدسى» و «وفيات الشريف أبى القاسم الحسينى» التى ذيل بها على «وفيات» شيخه الحافظ زكى الدين المنذرى المسماة «بالتكملة» التى ذيل بها المنذرى على «وفيات» شيخه الحافظ ابن المفضل و «وفيات ابن أيبك الدمياطى» ووفيات أخر. ومن ذلك: «تاريخ شيخنا العدل ناصر الدين بن الفرات» فى مجلدات كثيرة. وتاريخ «الصارم إبراهيم المعروف» بابن دقماق. وغير ذلك كثيرا من كتب التاريخ وغيرها. ومنه «رحلة ابن جبير». * * * ولنذكر من كتابنا «شفاء الغرام» ما أشرنا إلى أن نذكره هنا، فنقول: الحمد لله الذى جعل لمكة فى الفضل مزايا، وخصها ببيته الذى هو قبلة للبرايا، وبحجه الذنب مغفور، وبالطواف به تكثر الأجور. أحمده على ما منّ به من النزول فى حماه، وأسأله دوام ذلك مدة المحياة. وأشهد أن لا إله إلا الله الذى منح شارب ماء زمزم نبيل المنى، وأشهد أن نبينا محمدا، أفضل من حج ورمى الجمار بمنى، صلى الله وسلم عليه ما وقف واقف بعرفات والمشعر، ورضى الله عن آله وأصحابه ما سعى ساع بين الصفا والمروة، وبين الميلين الأخضرين أحضر. أما بعد: فهذا ما وعدت بذكره فى كتابى «العقد الثمين، فى تاريخ البلد الأمين» من أخبار مكة المشرفة، وحكم بيع دورها، وإجارتها، وأسمائها، وحرمها، وحدوده، وشيء مما يختص بذلك من المسائل، وفضل الحرم ومكة، والصلاة فيها على غيرها، وغير ذلك من فضلها، وحكم المجاورة بها، وفضل الموت فيها، وفضل أهلها. وفضل جدة، والطائف، وغير ذلك من خبرهما. وأخبار الكعبة المعظمة وفضلها. وفضل الحجر الأسود، والركن اليمانى، وفضل الأعمال المتعلقة بالكعبة، وخبر الحجر الأسود،

стр. 183

والحجر ـ بسكون الجيم ـ ومقام الخليل ﵇، والأماكن التى صلى النبى ﷺ فيها حول الكعبة، والأماكن التى يستجاب الدعاء فيها بمكة، وحرمها. وخبر المسجد الحرام وزمزم، وسقاية العباس رضى الله عنه، والأماكن المباركة بمكة وحرمها، والأماكن التى تتعلق بها المناسك، وما علمته من المآثر بمكة، وحرمها. وأخبار جاهلية وإسلامية، لها تعلق بالحجاج، وغير ذلك. وما علمته من ولاة مكة فى الإسلام على سبيل الإجمال. وهذا الأمر لم أر من عنى بجمعه قبلى. وجميع ذلك ملخص من تأليفى «شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام» وجعلته أربعين بابا كأصله، وسميته «الزهور المقتطفة من تاريخ مكة المشرفة». * * *

стр. 184

الباب الأول فى ذكر مكة المشرفة ، وحكم بيع دورها وإجارتها (١) مكة المشرفة: بلدة مستطيلة كبيرة، تسع من الخلائق ما لا يحصيهم إلا الله تعالى، فى بطن واد مقدس، والجبال محدقة بها كالسور لها. ولها ـ مع ذلك ـ ثلاثة أسوار: سور فى جهة المشرق، يعرف بسور باب المعلاة؛ لأنه فى أعلاها، وسور فى جهة المغرب والمدينة النبوية، يعرف بسور باب الشبيكة، وسور فى جهة اليمن، ويعرف بسور باب اليمن وباب الماجن. وكان جدر هذا السور وجدر سور باب المعلاة: غير كاملين بالبناء، وكانا قصيرين عن القامة، فعمرا حتى زادا على القامة، وتكمل بناؤهما إلا موضعا فى سور باب المعلاة؛ لأن ما تحته مهواة. وهذه العمارة فى النصف الثانى من سنة ست عشرة وثمانمائة، من قبل السيد حسن ابن عجلان، بعد أن هجم مكة ـ فى غيبته عنها ـ ابن أخيه السيد رميثة بن محمد بن عجلان فى جمادى الآخرة من السنة المذكورة. ثم أخربت من سور باب المعلاة مواضع، وأحرق بابه؛ لفتنة كانت بين أميريها المذكورين، فى خامس عشرين من شوال سنة تسع عشرة وثمانمائة. ثم أعيد بناء ما تخرب، وعمل باب حديد، وذلك فى شوال وذى القعدة من السنة المذكورة. ثم خرب جانب من سور باب المعلاة بين البابين اللذين فى السور المذكور، ثم جانب من سور باب الماجن، من سيل كان بمكة فى سنة سبع وعشرين وثمانمائة. وعمر ذلك كله فى أوائل سنة ثمان وعشرين وثمانمائة. وكان الخراب فى سور باب المعلاة فى آخر سنة خمس وعشرين وثمانمائة من سيل. ذرع مكة من باب المعلاة إلى باب الماجن: أربعة آلاف ذراع وأربعمائة ذراع واثنان

стр. 185

وسبعون ذراعا ـ بتقديم السين ـ بذراع اليد، وذلك على خط الردم والمسعى وسوق العلافة. ومن باب المعلاة إلى الشبيكة: مثل ذلك، بزيادة مائتى ذراع وعشرين ذراعا باليد، وذلك فى الطريق المشار إليها، إلا أنه يعدل منها إلى الشبيكة من الزقاق المعروف بابن عرفة. ومن الجبال المحدقة بمكة: أخشباها، وهما: أبو قبيس (١)، والأحمر المقابل له، على ما ذكر الأزرقى والفاكهى. وقيل: أبو قبيس وقعيقعان (٢). ذكر ذلك ياقوت. وعرف أبو قبيس بالأخشب الشرقى، وقعيقعان بالغربى، و «الأخشب» الجبل الغليظ. وفى تسمية أبى قبيس أقوال (٣). أحدها: أنه يسمى برجل من إياد. وذكر الوراق: أنه يقال له: أبو قابوس، وشيخ الجبال. انتهى. و«أبو قبيس» اسم لحصن بحلب قبالة شيزر (٤)، على ما ذكر ياقوت.

стр. 186

و «قعيقعان» اسم لمواضع ذكرها ياقوت (١)، ولموضعين لم يذكرهما. أحدهما: بلية من عمل الطائف. والآخر: باليمن. وسيأتى إن شاء الله تعالى شيء فى سبب تسميته بقعيقعان. وبمكة أبنية كثيرة، وعين جارية، وآبار غالبها مسبل، وبرك مسبّلة، وحمامان. وكان بها ستة عشر حماما، على ما ذكر الفاكهى. وبعض الدور التى بمكة: علامة لحد المعلاة والمسفلة؛ لأن دار الخيزران ـ عند الصفا ـ علامة لحد المعلاة من شق مكة الأيمن، ودار العجلة: علامة لحد المعلاة من شق مكة الأيسر. وذكر الفاكهى خبرا يقتضى بفضل المعلاة على المسفلة. وذكر الفاكهى شيئا مفيدا فى مخاليف مكة؛ لأنه قال: فآخر أعمالها ـ مما يلى طريق المدينة ـ موضع يقال له: جنابذ بن صفى فيما بين عسفان ومر. وذلك على يوم وبعض يوم. وآخر أعمالها ـ مما يلى طريق الجادة فى طريق العراق ـ العمير، وهو قريب من ذات عرق، وذلك على يوم وبعض يوم. وآخر أعمالها ـ مما يلى اليمن على طريق تهامة اليوم ـ موضع يقال له: ضنكان (٢).

стр. 187

وذلك على عشرة أيام من مكة. وقد كان آخر أعمالها فيما مضى: بلاد عكّ. وآخر أعمالها ـ مما يلى اليمن فى طريق نجد، وطريق صنعاء ـ موضع يقال له «نجران» على عشرين يوما من مكة. انتهى. وذكر ابن خرداذبة فى «مخاليف مكة» ما يوافق ما ذكره الفاكهى. وصرح فيهما بما لم يصرح به الفاكهى. وليس كل ما ذكراه معدودا اليوم فى أعمال مكة؛ لأن كثيرا من ذلك ليس لأمير مكة الآن فيه كلام. وأبعد مكان عن مكة لأميرها الآن فيه كلام «الحسنة» (١) وهى بلدة بينها وبين «قنونا» (٢) يوم، وبين «حلى» (٣) يومان. وكلامه فيها باعتبار أن له على مزارعها كل سنة مائة غرارة مكية فيما قيل. وله أيضا رسم على أهل «ذوقة» والواديين، و «الليث». وأبعد مكان ـ بعد هذه الأماكن عن مكة لأميرها فيه كلام الآن ـ وادى الطائف ووادى «ليّة» (٤). ولأمير مكة فيهما من الكلمة والعادة على أهلها أكثر مما له فى الأماكن السابق ذكرها. ولقاضى مكة نواب بوادى الطائف، و «لية». ومن أعمال مكة فى صوب الطائف: وادى نخلة الشامية، واليمانية. ونخلة على ليلة من مكة.

стр. 188

وأبعد مكان عن مكة فى صوب المدينة لأمير مكة الآن فيه كلام كثير: وادى «الهدة» (١) ـ هدة بنى جابر ـ وهى على مرحلة من «مرّ الظهران» (٢) ومر الظهران على مرحلة من مكة. وهو والهدة معدودان من أعمالها. وولاة مكة الآن يأخذون ما يغرق فى البحر فيما بين جدة ورابغ (٣)، ويرون أن ذلك يدخل فى عملهم. و«جدة» من أعمال مكة فى تاريخه وفيما قبله. وهى على مرحلتين من مكة. وليس كل ما ذكره ابن خرداذبة والفاكهى فى مخاليف مكة: داخلا فى الحجاز، الذى هو: مكة، والمدينة، واليمامة، ومخاليفها. وقد عرّف الحجاز بذلك الإمام الشافعى ـ رضى الله عنه ـ وغيره. وقيل: فى الحجاز غير ذلك. وسمى حجازا لحجزه بين تهامة ونجد. وقيل: فيه غير ذلك (٤). والله أعلم.

стр. 189

ذكر حكم بيع دور مكة وإجارتها (١)

стр. 190

_________ ـ وحكى عن عبد الله بن عمر، عن أبيه: أنه نهى أن تغلق أبواب دور مكة، فنهى من لا باب لداره أن يتخذ لها بابا، ومن لداره باب أن يغلقه، وهذا فى أيام الموسم. قال المجوزون للبيع والإجارة: الدليل على جواز ذلك، كتاب الله وسنة رسوله، وعمل أصحابه وخلفائه الراشدين. قال الله تعالى: (لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ) [الحشر: ٨]. وقال: (فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ) [آل عمران: ١٩٥]. وقال: (إِنَّما يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ) [الممتحنة: ٩] فأضاف الدور إليهم، وهذه إضافة تمليك. وقال النبى ﷺ ، وقد قيل له: أين تنزل غدا بدارك بمكة؟ فقال: «وهل ترك لنا عقيل من رباع» (١)، ولم يقل: إنه لا دار لى، بل أقرهم على الإضافة، وأخبر أن عقيلا استولى عليها ولم ينزعها من يده، وإضافة دورهم إليهم فى الأحاديث أكثر من أن تذكر، كدار أم هانئ، ودار خديجة، ودار أبى أحمد بن جحش وغيرها، وكانوا يتوارثونها كما يتوارثون المنقول، ولهذا قال النبى ﷺ : «وهل ترك لنا عقيل من منزل»، وكان عقيل هو ورث دور أبى طالب، فإنه كان كافرا، ولم يرثه على رضى الله عنه، لاختلاف الدين بينهما، فاستولى عقيل على الدور. ولم يزالوا قبل الهجرة وبعدها، بل قبل المبعث وبعده، من مات، ورث ورثته داره إلى الآن. وقد باع صفوان بن أمية دارا لعمر بن الخطاب ـ رضى الله عنه ـ بأربعة آلاف درهم، فاتخذها سجنا، وإذا جاز البيع، والميراث، فالإجارة أجوز وأجوز، فهذا موقف أقدام الفريقين كما ترى، وحججهم فى القوة والظهور لا تدفع، وحجج الله وبيناته لا يبطل بعضها بعضا بل يصدق بعضها بعضا، ويجب العمل بموجبها كلها، والواجب اتباع الحق أين كان. فالصواب القول بموجب الأدلة من الجانبين، وأن الدور تملك، وتوهب، وتورث، وتباع، ويكون نقل الملك فى البناء لا فى الأرض والعرصة، فلو زال بناؤه، لم يكن له أن يبيع الأرض، وله أن يبنيها ويعيدها كما كانت، وهو أحق بها يسكنها ويسكن فيها من شاء، وليس له أن يعاوض على منفعة السكنى بعقد الإجارة، فإن هذه المنفعة إنما يستحق أن يقدم فيها على غيره، ويختص بها لسبقه وحاجته، فإذا استغنى عنها، لم يكن له أن يعاوض عليها، كالجلوس فى الرحاب، والطرق الواسعة، والإقامة على المعادن وغيرها من المنافع والأعيان المشتركة التى من سبق إليها، فهو أحق بها ما دام ينتفع، فإذا استغنى، لم يكن له أن يعاوض، وقد صرح أرباب هذا القول بأن البيع ونقل الملك فى رباعها إنما يقع على البناء لا على الأرض، فذكره أصحاب أبى حنيفة. فإن قيل: فقد منعتم الإجارة، وجوزتم البيع، فهل لهذا نظير فى الشريعة، والمعهود فى الشريعة أن الإجارة أوسع من البيع، فقد يمتنع البيع، وتجوز الإجارة، كالوقف والحر، فأما العكس، فلا عهد لنا به؟ . قيل: كلّ واحد من البيع والإجارة عقد مستقل غير مستلزم للآخر فى جوازه وامتناعه، وموردهما مختلف، وأحكامهما مختلفة، وإنما جاز البيع، لأنه وارد على المحل الذى كان البائع ـ

стр. 191

اختلف فى ذلك قول مالك. فروى عنه: أنه كره بيعها وكراء دورها، فإن بيعت أو أكريت: لم يفسخ. وروى عنه منع ذلك. وليس سبب الخلاف عند المالكية: الخلاف فى مكة: هل فتحت عنوة، أو صلحا؟ لأنهم لم يختلفوا فى أنها فتحت عنوة. وإنما سبب الخلاف عندهم فى ذلك: الخلاف فى مكة: هل منّ النبى ﷺ بها على

стр. 192

أهلها، فلم تقسم، ولا سبى أهلها، لما عظّم الله من حرمتها، أو أقرت للمسلمين؟ أشار إلى ذلك ابن رشد. وعلى الأول: ينبنى جواز بيع دورها وإجارتها، وينبنى منع ذلك على القول بأنها أقرت للمسلمين. وفى هذا القول نظر. فقد بيعت دور مكة فى عهد النبى ﷺ ، وعمر وعثمان رضى الله عنهما، وبأمرهما اشتريت دور مكة لتوسعة المسجد الحرام، وكذلك فعل ابن الزبير رضى الله عنهما. وفعل ذلك غير واحد من الصحابة رضى الله عنهم. وهم أعرف الناس بما يصلح فى مكة. وهذا مذكور فى تاريخ الأزرقى، ما عدا بيعها فى زمن النبى ﷺ فإن ذلك مذكور فى كتاب الفاكهى عن عبد الرحمن بن مهدى. ولا يعارض هذا حديث علقمة بن نضلة الكنانى ـ وقيل الكندى ـ «كانت الدور والمساكن على عهد النبى ﷺ ، وأبى بكر، وعمر، وعثمان رضى الله عنهم ـ لا تكرى ولا تباع، ولا تدعى إلا السوائب، من احتاج سكن، ومن استغنى أسكن». وهذا لفظ الأزرقى. وفى ابن ماجة معناه (١). لأن حاصل حديث علقمة: شهادة على النفى. وفى مثل هذا يقدم المثبت. والله أعلم. واختلف الحنفية فى جواز بيع دور مكة، فاختار الصاحبان ـ أبو يوسف ومحمد بن الحسن ـ جواز ذلك. وعلى قولهما الفتوى، فيما ذكر الصدر الشهيد، ومقتضى قولهما بجواز البيع، جواز الكراء. والله أعلم. واختلف رأى الإمام أحمد رضى الله عنه فى ذلك. فعنه روايتان فى جواز بيع دور مكة وإجارتها. ورجح كلا منهما مرجح من أتباعه المتأخرين. ولم يختلف مذهب الشافعى رضى الله عنه فى جواز بيع دور مكة وكرائها؛ لأنها عنده فتحت صلحا. وقال بعضهم عنه: فتحت بأمان، وهو فى معنى الصلح.

стр. 193

وقال الماوردى، من أئمة الشافعية: عندى أن أسفلها دخله خالد بن الوليد رضى الله عنه عنوة، وأعلاها فتح صلحا. قال النووى: والصحيح الأول. يعنى أنها فتحت صلحا كلها. وفى صحته نظر؛ لأن الفتح صلحا إنما يكون بالتزام أهل البلد المفتتحة ترك القتال. والواقع من أهل مكة عند فتحها خلاف ذلك؛ لأن فى مسلم من حديث أبى هريرة رضى الله عنه حديثا فى فتح مكة. قال فيه: «ووبّشت قريش أوباشا لها وأتباعا، فقالوا: نقدم هؤلاء. فإن كان لهم شيء كنا معهم، وإن أصيبوا أعطينا الذى سئلنا» (١).

стр. 194

وفيه ما يقتضى أمر النبى ﷺ بقتالهم ووقوع القتل. وذلك: ينافى الصلح. وفيه دليل على أن فتح مكة عنوة. والله أعلم. ومن الأخبار الدالة على أن فتح مكة عنوة: قوله ﷺ فى خطبته بمكة يوم فتحها: «يا معشر قريش، ما ترون أنى فاعل بكم؟ قالوا: خيرا، أخ كريم، وابن أخ كريم. قالصلى الله عليه وسلم: اذهبوا، فأنتم الطلقاء» (١) وهذه الخطبة فى سيرة ابن إسحاق، تهذيب ابن هشام (٢). قال ابن الأثير فى النهاية، فى حديث حنين: «خرج إليها ومعها الطلقاء الذين خلّى عنهم يوم فتح مكة، أطلقهم ولم يسترقهم» إلى آخر كلامه.

стр. 195

وإذا كان هذا معنى الطلقاء، فخطاب النبى ﷺ لقريش ـ هذا الخطاب ـ يقتضى أنهم كانوا حين خوطبوا بذلك فى الأسر، المقتضى للاسترقاق، لولا أن النبىصلى الله عليه وسلم تفضل عليهم بالإطلاق، ولولا ذلك لم يكن لاستعلامه قريشا عما يتوقعونه منه محل، كما لا محل لخطاب قريش بذلك بعد تأمينهم. ويبعد الانفصال عن هذا الدليل بجواب شاف، إلا أن يقال: إنه مرسل. وفى أصل هذا الكتاب ـ فيما يتعلق بفتح مكة ـ فوائد أخر، مع بيان النظر فيما أجاب به النووى ﵀ عن الأحاديث المقتضية لفتح مكة عنوة. وفيما ذكره حجة للإمام الشافعى رضى الله عنه فى فتح مكة صلحا، وفى أن دورها مملوكة لأهلها. والله أعلم بالصواب. وهذا من النووى: تأييد لقول الشافعى رضى الله عنه: أن مكة فتحت صلحا. وفى شرح مسلم للقاضى عياض، والمازرى: ما يقتضى أنه انفرد بذلك. ولم ينفرد به، لموافقة مجاهد وغيره له على ذلك، على ما وجدت بخط سليمان بن خليل إمام المقام الشريف بمكة فى حاشية فى المهذب. نقلها عن الشامل، ولم يقل فيها «لابن الصباغ» وهو له. والله أعلم. * * *

стр. 196

الباب الثانى فى أسماء مكة المشرفة (١) لمكة المشرفة: أسماء كثيرة. بعضها مأخوذ من القرآن العظيم (٢). وذلك: ثمانية «مكة» بالميم، و «بكة» بالباء، و «أم القرى» و «القرية» و «البلد» و «البلد الأمين» و «البلدة» و «معاد». ومواضعها من القرآن العظيم ظاهرة. وقد جمع شيخنا القاضى مجد الدين الشيرازى قاضى اليمن: فى أسماء مكة أكثر مما جمعه غيره. وذكرنا ذلك فى أصله، وقد أغرب فى كثير مما ذكر. وفاته مع ذلك أسماء أخر. منها: «برة». ذكره سليمان بن خليل. ومنها: «بساق». ذكره ابن رشيق فى العمدة فى الأدب. ومنها: «البيت العتيق». ذكره الأزرقى. ومنها: «الرأس». ذكره السهيلى وغيره. ومنها: «القادسية». ذكره ابن جماعة فى منسكه، ولم يعزه. ومنها: «المسجد الحرام». ومنها: «المعطشة». ذكرهما ابن خليل. ومنها: «المكتان». ذكره القيراطى فى ديوانه، وذكر السهيلى ما يشهد له فى غير موضع. ومنها: «النابية» بالنون والباء. ذكره الشيخ عماد الدين ابن كثير فى تفسيره.

стр. 197

ومنها: «أم روح». ذكره ابن الأثير فى كتابه المرصع. ومنها: «أم الرحمن». ومنها: «أم كوتى». ذكرهما عبد الله بن عبد الملك المرجانى فى تاريخه للمدينة النبوية. وعزا الأول لابن العزى، وقال فيه ـ بعد ذكره لأسماء مكة ـ ومن الخواص، قيل: إذا كتب بالدم على الجبين «مكة وسط الدنيا، والله رءوف بالعباد» انقطع الدم. انتهى. وقد اختلف فى «مكة» و «بكة» هل هما بمعنيين، أو بمعنى واحد؟ واختلف القائلون بالأول. فقيل: بكة ـ بالباء ـ موضع البيت ـ وبالميم ـ القرية. وقيل: بالباء موضع البيت، وبالميم: الحرم كله. وقيل: غير ذلك (١). * * *

стр. 198

الباب الثالث فى ذكر حرم مكة (١) وسبب تحريمه ، وتحديده، وعلاماته، وحدوده، وما يتعلق بذلك من ضبط ألفاظ فى حدوده، ومعانى بعض أسمائها. حرم مكة: ما أحاط بها، وأطاف بها من جوانبها، جعل الله تعالى حكمه حكمها فى الحرمة؛ تشريفا لها. أشار إلى ذلك الماوردى، وابن خليل، والنووى. وسبب تحريمه ـ على ما قيل ـ: أن آدم ﵇ خاف على نفسه حين أهبط إلى الأرض، فبعث الله تعالى ملائكة لحراسته، فوقفت فى مواضع أنصاب الحرم من كل جانب. فصار ما بين آدم وموقف الملائكة حرما، وغير ذلك فى سبب تحريمه. وللحرم علامات بينة، وهى أنصاب مبنية من جميع جوانبه، إلا من جهة الجعرانة، وجدة، فلا بناء فيهما. والخليل ﵇ أول من نصبها، بدلالة جبريل ﵇، ثم قصى بن كلاب، ثم نصبتها قريش، بعد أن نزعتها قبل هجرة النبى ﷺ . وأمر ﵊ بنصبها عام الفتح، ثم عمر، ثم عثمان، ثم معاوية، رضى الله عنهم، ثم عبد الملك بن مروان. هذا ما ذكره الأزرقى فيمن نصبها. وقيل: إن إسماعيل نصبها. وقيل: إن عدنان بن أدد أو من نصبها، ونصبها المهدى العباسى. وفى خلافة الراضى العباسى: عمر العلمان الكبيران، اللذان فى جهة التّنعيم بالأرض لا بالجبل، وذلك: فى سنة خمس وعشرين وثلاثمائة. وفى سنة ست عشرة وستمائة: عمر العلمان ـ اللذان هما حد الحرم من جهة عرفة، من قبل المظفر ـ صاحب إربل. وعمرا فى سنة ثلاث وثمانين وستمائة من قبل المظفر صاحب اليمن.

стр. 199

وجميع حدود الحرم مختلف فيها؛ لأن فى حده من جهة الطائف على طريق عرفة من بطن «نمرة» أربعة أقوال: نحو ثمانية عشر ميلا، على ما ذكر أبو الوليد الباجى المالكىرحمه الله تعالى. وأحد عشر ميلا على ما ذكره الأزرقى، والفاكهى، وابن خرداذبة الخراسانى فى كتابه «المسالك والممالك». وتسعة أميال ـ بتقديم التاء ـ ذكره ابن أبى زيد فى النوادر. وسبعة ـ بتقديم السين ـ ذكره الماوردى، والشيخ أبو إسحاق الشيرازى، والنووى. وفيما قالوا: نظر قوى. يقتضى بعد استقامة قولهم، كما سيأتى بيانه إن شاء الله تعالى. وذكر النووى: أن الأزرقى تفرد بما قاله فى ذلك. ولم يتفرد به؛ لموافقة الفاكهى، وابن خرداذبة له عليه. ولا أعلم له فى ذلك مخالفا قبل من ذكرنا. والله أعلم. وفى حده من جهة العراق: أربعة أقوال: سبعة أميال ـ بتقديم السين ـ وثمانية، وعشرة، وستة. وفى حده من جهة الجعرانة (١): قولان: تسعة ـ بتقديم التاء ـ وبريد. وفى حده من جهة التنعيم (٢) أربعة أقوال: ثلاثة، ونحو أربعة، وأربعة، وخمسة. وفى حده من جهة جدة قولان: عشرة، ونحو ثمانية عشر، على ما ذكره الباجى.

стр. 200

وفى حده من جهة اليمن قولان: سبعة ـ بتقديم السين ـ وستة، على ما وجدت بخط المحب الطبرى فى كتابه «القرى» رأيته فى غير نسخة منه. ووقع لبعض الحنفية فى حدود الحرم ما يستغرب جدّا وذلك مذكور فى أصله. وقد اعتبرت: مقدار الحرم من جهاته المعروفة بحبل مقدر على ذراع اليد. وهو المعتبر فى مسافة القصر، على ما ذكره المحب الطبرى، فنذكر ذلك. وهو: أن من جدر باب المسجد الحرام ـ المعروف بباب بنى شيبة ـ إلى العلمين اللذين هما علامة حد الحرم فى جهة عرفة: سبعة ـ بتقديم السين ـ وثلاثين ألف ذراع ومائتى ذراع وعشرة أذرع وسبعى ذراع باليد. ومن عتبة باب المعلاة إلى العلمين المشار إليهما خمسة وثلاثون ألف ذراع وثلاثة وثمانون ذراعا وثلاثة أسباع ذراع بذراع اليد. وأما حد الحرم من جهة العراق: فإن من جدر باب بنى شيبة إلى العلمين اللذين بجادة طريق وادى نخلة: سبعة وعشرون ألف ذراع ومائة ذراع واثنين وخمسين ذراعا باليد. ومن عتبة باب المعلاة إلى العلمين المشار إليهما: خمسة وعشرون ألف ذراع وخمسة وعشرون ذراعا باليد. وأما حد الحرم من جهة التنعيم: فإن من جدر باب المسجد الحرام ـ المعروف بباب العمرة ـ إلى أعلام الحرم فى هذه الجهة التى بالأرض، لا التى بالجبل: اثنى عشر ألف ذراع وأربعمائة ذراع وعشرين ذراعا باليد. ومن عتبة باب الشبيكة إلى الأعلام المشار إليها: عشرة آلاف ذراع وثمانمائة ذراع واثنا عشر ذراعا. وأما حد الحرم من جهة اليمن: فإنه من جدر باب المسجد الحرام ـ المعروف بباب إبراهيم ـ إلى علامة حد الحرم فى جهة اليمن: أربعة وعشرين ألف ذراع وخمسمائة ذراع وتسعة أذرع ـ بتقديم التاء ـ وأربعة أسباع ذراع. ومن عتبة باب الماجن إلى حد الحرم فى هذه الجهة: اثنان وعشرون ألف ذراع وثمانمائة ذراع وستة وسبعون ذراعا ـ بتقديم السين ـ وأربعة أسباع ذراع. وقال ابن خرداذبة: طول الحرم حول مكة ـ كما يدور ـ سبعة وثلاثون ميلا. وهى التى تدور بأنصاب الحرم. انتهى. وهى فائدة حسنة، إن صحت. والله تعالى أعلم.

стр. 201

و «نفار» المذكورة فى حد الحرم من جهة التنعيم: بنون وفاء وألف وراء مهملة. ووقع فى حد الحرم من جهة العراق «خل» بخاء معجمة. وقال النووى: فيه «جل» بجيم. ولعله تصحيف. ووقع فى حد الحرم «لبر» وهى بكسر اللام وإسكان الباء الموحدة وضبطها ابن خليل بفتح اللام والباء. * * *

стр. 202

الباب الرابع فى ذكر شيء من الأحاديث والآثار الدالة على حرمة «مكة» وحرمها، وشيء من الأحكام المختصة بذلك (١). وذكر شيء مما ورد فى تعظيم الناس بمكة وحرمها. وفى تعظيم الذنب فى ذلك، وفى فضل الحرم (٢). روينا عن مجاهد قال: «إن هذا الحرم حرم، حدّاه من السموات والأرضين السبع» أخرجه الأزرقى. وروينا من حديث ابن عباس، وأبى هريرة، وأبى شريح الخزاعى رضى الله عنهم عن النبى ﷺ أحاديث تقتضى «أن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، وأنه لا يحل اختلاء خلاها، ولا عضد شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا تلتقط لقطتها إلا لمعرف». وهذه الأمور مما اختصت بها مكة. إلا أن الصحيح من مذهب مالك ﵀: أن لقطة مكة كغيرها. وإليه ذهب أبو حنيفة وأحمد رحمهما الله. ومن تنفير صيد مكة: أن يصاح عليه، فينفر. قاله المحب الطبرى. ونقل عن عكرمة أنه قال لرجل: «أتدرى ما تنفير صيدها؟ هو أن تنحيه من الظل، وتنزل مكانه». انتهى. وإذا امتنع تنفير صيدها فيمتنع اصطياده من باب أولى. والمدينة النبوية تشارك مكة فى تحريم صيدها، ولكن لا جزاء فى صيد المدينة على مشهور المذهب. وأما مكة فلا خلاف فى وجوب الجزاء فى صيدها، فتمتاز بذلك، وبما سبق. وبأن صلاة العيد تقام بمكة فى المسجد الحرام، وفى غيرها تقام فى الصحراء.

стр. 203

وبأن الإنسان يؤاخذ بهمه بالسيئة فيها، وإن كان نائيا عنها، كما هو مقتضى حديث ابن مسعود رضى الله عنه فى مسند ابن حنبل وغيره. وأشار إلى ذلك ابن أبى حاتم وغيره. وتمتاز عند الشافعى وطائفة من العلماء: بتضاعف الصلاة فيها على غيرها. وبعدم كراهية صلاة النافلة فيها فى وقت الكراهة وغير ذلك. ومما تمتاز به: تضاعف السيئة بها، عند مجاهد وابن حنبل. والصحيح: خلافه. ولمكة أحكام أخر تخصها، وأحكام أخر تشاركها فيها المدينة. وقد استوفينا ذلك كله فى أصله. وحرم مكة فيما ذكر مساو لها، ويستثنى من نباته: الإذخر والسنا، والإذخر فى الحديث، والسنا مقيس عليه، للحاجة إليه فى الدواء. نص عليه فى المدونة والموازية. ويستثنى من عصد شجر الحرم: العصا والعصاوين. فإن مالكا أرخص فى ذلك. وأما تعظيم الناس لمكة وحرمها: ففى الأزرقى من ذلك أخبار. منها: أن الرجل كان يلقى قاتل أبيه وأخيه فى الكعبة، أو فى الحرم، فى الشهر الحرام، فلا يعرض له. ومنها: أن احتكار الطعام بها للبيع إلحاد. وهذا يروى عن عمر وابنه رضى الله عنهما. ومنها: ما يروى عن عمر رضى الله عنه «لأن أخطئ سبعين خطيئة بركبة أحب إلىّ من أن أخطئ خطيئة واحدة بمكة». ومنها: أن الشيخ أبا عمرو الزجاجى أحد كبار مشايخ الصوفية أقام بمكة أربعين سنة لم يبل ولم يتغوط فى الحرم. وجاء فى النجاة من الذنوب بالالتجاء إلى الحرم حديث لجابر فى نجاة أبى رغال والد ثقيف، مما أصاب قوم ثمود بعقرهم الناقة، فلما خرج من الحرم أصيب. وهذا الحديث فى مسلم وغيره. * * *

стр. 204

الباب الخامس فى الأحاديث الدالة على أن مكة المشرفة أفضل من غيرها من البلاد، وأن الصلاة فيها أفضل من غيرها، وغير ذلك من فضلها (١). أما الأخبار الواردة فى تفضيل مكة: فإن منها ما روينا عن عبد الله بن عدى بن الحمراء رضى الله عنه أنه سمع رسول الله ﷺ وهو على راحلته بالحزورة بمكة ـ يقول لمكة: «والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أنى أخرجت منك ما خرجت». أخرجه الترمذى، وصححه (٢). وأخرجه ابن حبان فى صحيحه. وروينا نحوه من حديث أبى هريرة، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو ابن العاص رضى الله عنهم. فأما حديث أبى هريرة: ففى سنن النسائى، وأنكر صحته مولانا شيخ الإسلام قاضى القضاة شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن حجر، وبرهن على ذلك. وذكرنا برهانه فى الأصل. وحديث ابن عباس رضى الله عنهما: فى الترمذى، وقال: حسن صحيح غريب. وحديث عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما: فى كتاب الفاكهى بإسناد فيه من لم أعرفه. و «الحزورة» مخففة على وزن قسورة. وأما الأحاديث الواردة فى تفضيل الصلاة فى المسجد الحرام على غيره من المساجد:

стр. 205

فعدة أحاديث، ومن أصحها: حديثان: حديث جابر بن عبد الله الأنصارى، وحديث عبد الله بن الزبير رضى الله عنهم. وحديث جابر فى ابن ماجة بإسناد صحيح (١). وفى مسند أحمد (٢). وحديث ابن الزبير فى مسند الطيالسى، وفيه: «أن الصلاة فى المسجد الحرام تفضل على الصلاة فى غيره بمائة ألف» وفى بعض طرقه: «تفضل بمائة صلاة» وفى بعضها «بألف صلاة». وحديث جابر: كحديث ابن الزبير الذى فى الطيالسى. وحديث ابن الزبير: فى صحيح ابن حبان. وصححه ابن عبد البر. وقال: إنه الحجة عند التنازع. وقد حسب النقاش المفسر فضل الصلاة فى المسجد الحرام: عمر خمس وخمسين سنة وستة أشهر وعشرين ليلة، وصلاة يوم وليلة ـ وهى خمس صلوات فى المسجد الحرام ـ عمر مائتى سنة وسبع وسبعين سنة وتسعة أشهر وعشر ليال. انتهى. وهذا الفضل يعم الفرض والنفل بمكة، كما هو مذهب الشافعى. ويختص بالفرض على مشهور المذهب. ولا يسقط هذا التضاعف شيئا من الفوائت، كما يتخيله كثير من الجهال، نبه على ذلك النووى. وللعلماء خلاف فى المسجد الحرام: هل المراد به مسجد الجماعة الذى يحرم على الجنب الإقامة فيه، أو المراد به الحرم كله، أو الكعبة؟ . ذكر هذه الأقوال المحب الطبرى.

стр. 206

وجاء حديث فى تفضيل الصوم بمكة على غيرها من البلاد. رويناه فى سنن ابن ماجة وغيرها بإسناد غير ثابت من حديث ابن عباس رضى الله عنهما (١). ورويناه من حديثه عن النبى ﷺ قال: «من حج من مكة ماشيا حتى يرجع إليها كتب الله له بكل خطوة سبعمائة حسنة من حسنات الحرم». فقال بعضهم لابن عباس: «وما حسنات الحرم؟ قال: كل حسنة بمائة ألف حسنة» أخرجه الحاكم. وصحح إسناده. وروينا عن الحسن البصرى: أنه قال: «صوم يوم بمكة بمائة ألف يوم، وصدقة درهم بمائة ألف، وكل حسنة بمائة ألف». انتهى. وقال المحب الطبرى: إن فيما تقدم من أحاديث مضاعفة الصلاة والصوم بمكة دليلا على اطراد التضعيف فى جميع الحسنات، إلحاقا بهما، قال: ويؤيد ذلك قول الحسن. انتهى. * * *

стр. 207

الباب السادس فى المجاورة بمكة، والموت فيها، وشيء من فضل أهلها، وفضل جدة ساحل مكة، وشيء من خبرها، وفضل الطائف وشيء من خبره (١). اختلف العلماء فى استحباب المجاورة بمكة. فذهب إلى استحبابها الشافعى، وأحمد، وأبو يوسف ومحمد بن الحسن، صاحبا أبى حنيفة، وابن القاسم صاحب مالك، فيما نقله عنه ابن الحاج، وذهب أبو حنيفة إلى عدم استحبابها. وفهم ذلك ابن رشد من كلام وقع لمالك، وذلك لخوف الملل، وقلة الاحترام لمداومة الأنس بالمكان، وخوف ارتكاب ذنب هنالك. وذكر النووى فى الإيضاح: أن المختار استحباب المجاورة بمكة. انتهى. وأما الموت بمكة: فروى من حديث ابن عمر رضى الله عنهما، قال: قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: «من مات بمكة فكأنما مات فى سماء الدنيا». وإسناده ضعيف. وروى عن النبى ﷺ مرسلا ـ أنه قال: «من مات بمكة بعثه الله فى الآمنين يوم القيامة». وسيأتى شيء من فضل مقبرة المعلاة عند ذكرها. وأما فضل أهل مكة: فروينا من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «بعث رسول الله ﷺ عتّاب بن أسيد على مكة، فقال له: هل تدرى إلى من أبعثك؟ أبعثك إلى أهل الله». أخرجه الزبير بن بكار فى كتاب النسب، والفاكهى. ورواه الأزرقى مرسلا. وزاد فيه: «فاستوص بهم خيرا» يقولها ثلاثا. ووجدت بخط بعض أصحابنا ـ فيما نقله من خط الشيخ أبى العباس الميورقى ـ وزاد: «إن سفهاء مكة حشو الجنة». واتفق بين عالمين فى الحرم منازعة فى تأويل الحديث وسنده، فأصبح الذى طعن فى الحديث ومعناه: قد طعن أنفه واعوج. وقيل له: إى والله، سفهاء مكة من أهل الجنة، سفهاء مكة من أهل الجنة، سفهاء مكة من أهل الجنة. فأدركه روع، وخرج إلى الذى

стр. 208

كان يكابره فى الحديث من علماء عصره، وأقر على نفسه بالكلام فيما لا يعنيه، وفيما لم يحط به خبرا. انتهى. وأما فضل جدة: فيروى عن النبى ﷺ أنه قال: «مكة رباط، وجدة جهاد». إسناده ضعيف. وعن عباد بن كثير: أنه قال: «إن الصلاة فيها بسبعة عشر ألف ألف صلاة، والدرهم فيها بمائة ألف درهم، وأعمالها بقدر ذلك، يغفر للناظر فيها مد بصره مما يلى البحر». ذكرهما الفاكهى بسنده. وذكر عن ابن عباس رضى الله عنهما: «إن فيها قبر حواء». ونقل ابن جبير: أن بجدة موضعا يقال: إنه الموضع الذى نزلت فيه حواء. وأما فضل الطائف: فروينا عن الزبير بن العوام رضى الله عنه: أن رسول اللهصلى الله عليه وسلم قال: «إن صيد وج وعضاهه حرم محرم». أخرجه أحمد وأبو داود. وإسناده ضعيف على ما قال النواوى (١). ونقل عن الحازمى أن «وجا» اسم لحصون الطائف. وقيل: لواحد منها. انتهى. ومذهب الشافعى رحمه الله تعالى: تحريم صيد «وج» ونفى الضمان فيه. ولا أعلم فى تحريمه نصا فى المذهب. والله تعالى أعلم. * * *

стр. 209

الباب السابع فى أخبار عمارة الكعبة المعظمة (١) بنيت الكعبة المعظمة مرات. وفى عدد بنائها خلاف (٢). ويتحصل من مجموع ما قيل فى ذلك: أنها بنيت عشر مرات. منها: بناء الملائكة. ومنها: بناء آدم. ومنها: بناء أولاده. ومنها: بناء الخليل. على جميعهم السلام. ومنها: بناء العمالقة. ومنها: بناء جرهم. ومنها: بناء قصى بن كلاب. ومنها: بناء قريش. ومنها: بناء عبد الله بن الزبير رضى الله عنهما. ومنها: بناء الحجاج بن يوسف الثقفى. وفى إطلاق العبارة بأنه بنى الكعبة تجوز؛ لأنه ما بنى إلا بعضها. ولولا أن السهيلى والنواوى ذكرا ذلك لما ذكرته. وجميع ما ذكرناه من بناء الكعبة ذكره الأزرقى، إلا بناء قصى، فإنه لم يذكره. وذكره الزبير بن بكار فى موضعين من كتابه، والفاكهى، وابن عابد وغيرهم. وهو أول من سقفها. وقريش أول من رفع بابها ليدخلوا من شاءوا، ويمنعوا من شاءوا.

стр. 210

وابن الزبير رضى الله عنهما أول من جعل لها بابين. وبناؤه لها ثابت. وكذلك بناء قريش والخليل. وما عدا ذلك غير ثابت، لضعف سند الأخبار الواردة به. وكلام السهيلى يقتضى: أن شيث بن آدم أول من بناها. وفى الأزرقى: ما يدل لتقدم بناء آدم على بناء الملائكة. وسبب بناء ابن الزبير: أنها أصابها حريق من جهة فى المسجد أيام حصره الحصين ابن نمير السكونى لمعاندته الخليفة يزيد بن معاوية، وما أصابها من حجر المنجنيق الذى كان يرمى به الحصين ابن الزبير فى حال حصره، فإنه كان يصيب الكعبة، وذلك فى أوائل سنة أربع وستين من الهجرة. فلما أدبر الحصين بن نمير من مكة راجعا إلى الشام ـ فى ربيع الآخر من هذه السنة، بعد أن بلغه موت يزيد ـ استشار ابن الزبير الناس فى هدم الكعبة وبنائها، فأشار بذلك قوم، وكرهه آخرون، منهم: ابن عباس رضى الله عنهما. فلما اجتمع له ما يحتاج إليه من آلات العمارة: هدمها وبناها على أساس إبراهيمعليه السلام؛ لأنه أدخل فيها ما كانت قريش أخرجته منها فى الحجر، بعد أن كشف عن أساس إبراهيم حتى ظهر له، وأوقف عليه الناس، وجعل لها بابين متقابلين لاصقين بالأرض، أحدهما: شرقى، والآخر: غربى. واعتمد فى ذلك وفى إدخاله فيها ما أخرجته منها قريش: على حديث يقتضى ذلك، أخبرته به خالته أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها عن النبىصلى الله عليه وسلم. وزاد فى طولها تسعة أذرع. هذا هو المشهور فيما زاد. وقيل: زاد فيه عشرا. وهذا فى مسلم عن عطاء. وعبد الله بن الزبير رضى الله عنهما هو الذى وضع الحجر الأسود فى الكعبة، لما بنيت فى زمنه. وقيل: وضعه ابنه عباد. وقيل: ابنه حمزة. وقيل: الحجبة مع ابنه حمزة. والله أعلم. والذى بناه الحجاج فى الكعبة: هو الجدر الذى يلى الحجر، بسكون الجيم. والباب الذى صنعه ابن الزبير رضى الله عنهما: فى دبر الكعبة، وما تحت عتبة الباب

стр. 211

الشرقى. وكبس أرضها بالحجارة التى فضلت من أحجارها، وباقيها على بناء ابن الزبير رضى الله عنهما. وقد صنعت فيها أمور بعد ابن الزبير والحجاج. فمن ذلك: عمارة فى الجزء الذى بناه الحجاج، لانفتاحه. وهذا لم يذكره الأزرقى. وذكره الخزاعى. ومن ذلك: عمارة رخام غير مرة فى سنة إحدى ـ أو اثنتين ـ وأربعين ومائتين. وفى عشر الخمسين وخمسمائة ـ فى غالب الظن ـ من قبل الجواد الأصبهانى وزير صاحب الموصل. وفى سنة تسع وعشرين وستمائة ـ فى غالب الظن ـ من قبل المستنصر العباسى. وفى سنة ثمانين وستمائة: من قبل الملك المظفر صاحب اليمن. وفيما بعد ذلك وقبله. ومن ذلك: عمارة فى سطحها بعد سنة مائتين. ذكر ذلك الأزرقى. ومن ذلك: عمارة سقفها والدرجة التى بباطنها فى سنة اثنتين وأربعين خمسمائة. ومن ذلك: مواضع فى سقفها فى رمضان فى سنة أربع عشرة وثمانمائة. ومن ذلك: فى آخر سنة خمس وعشرين وثمانمائة: إصلاح رخام كثير بجوفها، وإصلاح الروازن بسطحها، ورخامة تلى ميزابها، لتخرب ما تحتها. والأخشاب التى بسطحها المعدة لشد كسوة الكعبة، قلعت لتخربها وعوضت بخشب غيرها، وأحكم وضعها بسطحها. ومن ذلك: فى صفر سنة ست وعشرين ثمانمائة: إصلاح رخام كثير بأرض الكعبة بين جانبها الغربى وأساطينها، وفى جدرانها، وإقامة الأسطوانة التى تلى باب الكعبة لميلها، وأحكمت فى موضعها وتنقلها. ومن ذلك: عتبة الباب السفلى لرثاثتها، وجعل عوضها عتبة قطعة ساج فى سنة إحدى وأربعين ومائتين، أو فى التى بعدها، ثم غير ذلك بعتبة حجر منحوت. وهى الآن على ذلك، وما علمت متى جرى ذلك. ومن ذلك: أسطوانة فيها؛ لأن الفاكهى قال: حدثنى أبو على الحسن بن مكرم، قال: حدثنا عبد الله بن بكر، قال: حدثنى أبو بكر بن خبيب، قال: جاورت بمكة،

стр. 212

فغابت أسطوانة من أساطين البيت. فأخرجت، وجئ بأخرى ليدخلوها مكانها، وطالت عن الوضع، فأدركهم الليل، والكعبة لا تفتح ليلا، فتركوها مائلة ليعودوا من غد فيصلحوها. فجاءوا من غد فأصابوها أقوم من القدح. انتهى. وهذا غريب، وفيه للبيت كرامة. ومن ذلك: ميزاب عمله رامشت، وصل به خادمه مثقال فى سنة تسع وثلاثين وخمسمائة. وميزاب عمله المقتفى العباسى. وركب فى الكعبة بعد قلع ميزاب رامشت، فى سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، أو فى التى بعدها. وميزاب عمله الناصر العباسى، وهو الآن فى الكعبة، وظاهره فيما يبدو للناس محلى بفضة، وأحدث عهد حلى فيه: سنة إحدى وثمانين وسبعمائة. ومن ذلك: باب عمله الجواد الوزير فى سنة خمسين وخمسمائة، وركب فيها سنة إحدى وخمسين، وكتب عليه اسم المقتفى، وحلاه حلية حسنة. وكلام ابن الأثير يوهم: أن المقتفى عمل للكعبة بابا، وما عمله إلا الجواد. والله أعلم. وباب عمله الملك المظفر صاحب اليمن، وكانت عليه صفائح فضة زنتها ستون رطلا، فأخذها السدنة. وباب عمله الناصر محمد بن قلاوون صاحب مصر من السنط الأحمر، وحلاه بخمسة وثلاثين ألف درهم وثلاثمائة درهم، وركب فى الكعبة فى ثامن عشرى ذى القعدة سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة. وباب عمله ابنه الملك الناصر حسن فى سنة إحدى وستين وسبعمائة، وركب عليها فى التاريخ المذكور. فهو فيها إلى الآن. واسم مولانا السلطان الملك الأشرف برسباى، صاحب الديار المصرية والشامية والحرمين الشريفين ـ زاده الله نصرا وتأييدا ـ مكتوب بحائط الكعبة اليمانى بسبب ما أنفق فى سلطنته من العمارة فى الكعبة الشريفة. واسم الأشرف شعبان بن حسين صاحب مصر مكتوب فى إحدى جانبى باب الكعبة فى الفيارين، لتحليته فى زمنه.

стр. 213

واسم الملك المؤيد صاحب مصر ـ أبى النصر شيخ ـ مكتوب فى أحد فيارين الباب، لتحليته فى زمنه. وفى باب الكعبة مكتوب اسم الملك الناصر محمد بن قلاوون. وفى مفتاحها مكتوب اسم الملك المظفر صاحب اليمن. هذا ما علمته ما عمل فى الكعبة بعد ابن الزبير والحجاج. ولا أعلم أن أحدا غير بناءهما. ونختم هذا الباب بفائدة تتعلق بباب الكعبة. وهى: أنه اختلف فى أول من بوب الكعبة؛ فقيل: أنوش بن شيث بن آدم ﵈، وقيل: تبّع الثالث، الذى كساها ونحر لها، وقيل: جرهم بوبته. والله تعالى أعلم. * * *

стр. 214

الباب الثامن فى صفة الكعبة المعظمة، وذرعها، وشاذروانها، وحليتها، ومعاليقها، وكسوتها، وطيبها، وخدامها، وأسمائها، وهدم الحبشى لها، ووقت فتحها فى الجاهلية والإسلام. وبيان جهة المصلين إلى الكعبة من سائر الآفاق، ومعرفة أدلة القبلة بالآفاق ال مشار إليها (١). أما صفة الكعبة: فإن أرضها مرخمة برخام ملون، وكذلك جدرانها. وأول من رخم ذلك: الوليد بن عبد الملك بن مروان، فيما ذكر الأزرقى، نقلا عن ابن جريج، ثم غير ما توهن منه بعد ذلك مرات. وفيها ثلاث دعائم من ساج على ثلاثة كراسى، وفوقها ثلاث كراسى، وعلى هذه الكراسى ثلاث جوايز من ساج، ولها سقفان بينهما فرجة، وفى السقف أربعة روازن للضوء نافذة إلى أسفلها. وفى ركنها الشامى: درجة يصعد منها إلى سطحها، وعدد درجها: ثمان وثلاثون درجة. وسقفها الأعلى مما يلى السماء: مرخم برخام أبيض، وكان طلى بالنورة فى سنة إحدى وثمانين وسبعمائة، ثم كشط ذلك فى سنة إحدى وثمانمائة. وبطرف سطحها إفريز مبنى بحجارة، ويتصل بهذا الإفريز أخشاب فيها حلق من حديد تربط فيها كسوة الكعبة. وبابها من ظاهر مصفح بصفائح فضة مموهة بالذهب، وكذلك فيارين الباب وعتبته العليا مطلية بفضة. وأما أذرع الكعبة (٢): فقد ذكره الأزرقى، وابن جماعة. وحررت أنا ذلك أيضا. فكان من سقفها الأسفل إلى أرضها: سبعة عشر ذراعا ـ

стр. 215

بتقديم السين ـ ونصف ذراع إلا قيراطا فى الجهة الشرقية، وكذلك باقى الجهات، إلا أن الجهة الشامية: تنقص عن الشرقية نصفا إلا قيراطا، والجهة الغربية تنقص عن الشرقية: قيراطين، واليمانية تزيد على الشرقية: ثمن ذراع. وعرض الجهة الشرقية ـ على التقريب ـ ثمانية عشر ذراعا وسدس. والجهة الشامية على ـ التقريب أيضا ـ أربعة عشر ذراعا إلا قيراطين. والجهة الغربية: ثمانية عشر ذراعا وثلث ذراع. واليمانية أربعة عشر ذراعا وثلثا ذراع. وطول فتحة الباب من داخله مع الفيارين: ستة أذرع. وطوله من خارجه بغير الفيارين: ستة أذرع إلا ربع. وذرع فتحة الباب من داخل الكعبة ـ مع الفيارين ـ ثلاثة أذرع وثلث إلا قيراط. وطول كل من فردتى الباب: ستة أذرع إلا ثمن، وعرض كل منها ذراعان إلا ثلث. وأما ذرع الكعبة (١) من خارجها: فإن من أعلى الشاخص فى سطحها فى الجهة الشرقية إلى أرض المطاف: ثلاثة وعشرين ذراعا وثمن ذراع. وكذلك الجهة اليمانية، والجهة الغربية، إلا أن الغربية تنقص ثمن ذراع. وأما الجهة الشامية: فتنقص عن الشرقية واليمانية ربع ذراع. وعرض الجهة الشرقية: أحد وعشرون ذراعا وثلث. وكذلك الغربية بزيادة ثلث. وأما الشامية: فعرضها ثمانية عشر ذراعا إلا ربع ذراع. وكذلك اليمانية بزيادة نصف إلا قيراطين. ومن عتبة باب الكعبة إلى أرض الشاذروان صحتها: ثلاثة أذرع ونصف، وارتفاع الشاذروان تحتها: ربع ذراع وقيراط. والذراع الذى حررنا به: هو ذراع الحديد المستعمل فى القماش بالقاهرة. وكذلك ما حرر به ابن جماعة، وبين ما ذكره وذكرناه اختلاف، بيناه فى أصله.
следующие страницы →