← Тараджим

Тараджим · id 20989

العقد الثمين فى تاريخ البلد الأمين

التقي الفاسي

Полный текст (2 722 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الشرقى. وكبس أرضها بالحجارة التى فضلت من أحجارها، وباقيها على بناء ابن الزبير رضى الله عنهما. وقد صنعت فيها أمور بعد ابن الزبير والحجاج. فمن ذلك: عمارة فى الجزء الذى بناه الحجاج، لانفتاحه. وهذا لم يذكره الأزرقى. وذكره الخزاعى. ومن ذلك: عمارة رخام غير مرة فى سنة إحدى ـ أو اثنتين ـ وأربعين ومائتين. وفى عشر الخمسين وخمسمائة ـ فى غالب الظن ـ من قبل الجواد الأصبهانى وزير صاحب الموصل. وفى سنة تسع وعشرين وستمائة ـ فى غالب الظن ـ من قبل المستنصر العباسى. وفى سنة ثمانين وستمائة: من قبل الملك المظفر صاحب اليمن. وفيما بعد ذلك وقبله. ومن ذلك: عمارة فى سطحها بعد سنة مائتين. ذكر ذلك الأزرقى. ومن ذلك: عمارة سقفها والدرجة التى بباطنها فى سنة اثنتين وأربعين خمسمائة. ومن ذلك: مواضع فى سقفها فى رمضان فى سنة أربع عشرة وثمانمائة. ومن ذلك: فى آخر سنة خمس وعشرين وثمانمائة: إصلاح رخام كثير بجوفها، وإصلاح الروازن بسطحها، ورخامة تلى ميزابها، لتخرب ما تحتها. والأخشاب التى بسطحها المعدة لشد كسوة الكعبة، قلعت لتخربها وعوضت بخشب غيرها، وأحكم وضعها بسطحها. ومن ذلك: فى صفر سنة ست وعشرين ثمانمائة: إصلاح رخام كثير بأرض الكعبة بين جانبها الغربى وأساطينها، وفى جدرانها، وإقامة الأسطوانة التى تلى باب الكعبة لميلها، وأحكمت فى موضعها وتنقلها. ومن ذلك: عتبة الباب السفلى لرثاثتها، وجعل عوضها عتبة قطعة ساج فى سنة إحدى وأربعين ومائتين، أو فى التى بعدها، ثم غير ذلك بعتبة حجر منحوت. وهى الآن على ذلك، وما علمت متى جرى ذلك. ومن ذلك: أسطوانة فيها؛ لأن الفاكهى قال: حدثنى أبو على الحسن بن مكرم، قال: حدثنا عبد الله بن بكر، قال: حدثنى أبو بكر بن خبيب، قال: جاورت بمكة،

стр. 212

فغابت أسطوانة من أساطين البيت. فأخرجت، وجئ بأخرى ليدخلوها مكانها، وطالت عن الوضع، فأدركهم الليل، والكعبة لا تفتح ليلا، فتركوها مائلة ليعودوا من غد فيصلحوها. فجاءوا من غد فأصابوها أقوم من القدح. انتهى. وهذا غريب، وفيه للبيت كرامة. ومن ذلك: ميزاب عمله رامشت، وصل به خادمه مثقال فى سنة تسع وثلاثين وخمسمائة. وميزاب عمله المقتفى العباسى. وركب فى الكعبة بعد قلع ميزاب رامشت، فى سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، أو فى التى بعدها. وميزاب عمله الناصر العباسى، وهو الآن فى الكعبة، وظاهره فيما يبدو للناس محلى بفضة، وأحدث عهد حلى فيه: سنة إحدى وثمانين وسبعمائة. ومن ذلك: باب عمله الجواد الوزير فى سنة خمسين وخمسمائة، وركب فيها سنة إحدى وخمسين، وكتب عليه اسم المقتفى، وحلاه حلية حسنة. وكلام ابن الأثير يوهم: أن المقتفى عمل للكعبة بابا، وما عمله إلا الجواد. والله أعلم. وباب عمله الملك المظفر صاحب اليمن، وكانت عليه صفائح فضة زنتها ستون رطلا، فأخذها السدنة. وباب عمله الناصر محمد بن قلاوون صاحب مصر من السنط الأحمر، وحلاه بخمسة وثلاثين ألف درهم وثلاثمائة درهم، وركب فى الكعبة فى ثامن عشرى ذى القعدة سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة. وباب عمله ابنه الملك الناصر حسن فى سنة إحدى وستين وسبعمائة، وركب عليها فى التاريخ المذكور. فهو فيها إلى الآن. واسم مولانا السلطان الملك الأشرف برسباى، صاحب الديار المصرية والشامية والحرمين الشريفين ـ زاده الله نصرا وتأييدا ـ مكتوب بحائط الكعبة اليمانى بسبب ما أنفق فى سلطنته من العمارة فى الكعبة الشريفة. واسم الأشرف شعبان بن حسين صاحب مصر مكتوب فى إحدى جانبى باب الكعبة فى الفيارين، لتحليته فى زمنه.

стр. 213

واسم الملك المؤيد صاحب مصر ـ أبى النصر شيخ ـ مكتوب فى أحد فيارين الباب، لتحليته فى زمنه. وفى باب الكعبة مكتوب اسم الملك الناصر محمد بن قلاوون. وفى مفتاحها مكتوب اسم الملك المظفر صاحب اليمن. هذا ما علمته ما عمل فى الكعبة بعد ابن الزبير والحجاج. ولا أعلم أن أحدا غير بناءهما. ونختم هذا الباب بفائدة تتعلق بباب الكعبة. وهى: أنه اختلف فى أول من بوب الكعبة؛ فقيل: أنوش بن شيث بن آدم ﵈، وقيل: تبّع الثالث، الذى كساها ونحر لها، وقيل: جرهم بوبته. والله تعالى أعلم. * * *

стр. 214

الباب الثامن فى صفة الكعبة المعظمة، وذرعها، وشاذروانها، وحليتها، ومعاليقها، وكسوتها، وطيبها، وخدامها، وأسمائها، وهدم الحبشى لها، ووقت فتحها فى الجاهلية والإسلام. وبيان جهة المصلين إلى الكعبة من سائر الآفاق، ومعرفة أدلة القبلة بالآفاق ال مشار إليها (١). أما صفة الكعبة: فإن أرضها مرخمة برخام ملون، وكذلك جدرانها. وأول من رخم ذلك: الوليد بن عبد الملك بن مروان، فيما ذكر الأزرقى، نقلا عن ابن جريج، ثم غير ما توهن منه بعد ذلك مرات. وفيها ثلاث دعائم من ساج على ثلاثة كراسى، وفوقها ثلاث كراسى، وعلى هذه الكراسى ثلاث جوايز من ساج، ولها سقفان بينهما فرجة، وفى السقف أربعة روازن للضوء نافذة إلى أسفلها. وفى ركنها الشامى: درجة يصعد منها إلى سطحها، وعدد درجها: ثمان وثلاثون درجة. وسقفها الأعلى مما يلى السماء: مرخم برخام أبيض، وكان طلى بالنورة فى سنة إحدى وثمانين وسبعمائة، ثم كشط ذلك فى سنة إحدى وثمانمائة. وبطرف سطحها إفريز مبنى بحجارة، ويتصل بهذا الإفريز أخشاب فيها حلق من حديد تربط فيها كسوة الكعبة. وبابها من ظاهر مصفح بصفائح فضة مموهة بالذهب، وكذلك فيارين الباب وعتبته العليا مطلية بفضة. وأما أذرع الكعبة (٢): فقد ذكره الأزرقى، وابن جماعة. وحررت أنا ذلك أيضا. فكان من سقفها الأسفل إلى أرضها: سبعة عشر ذراعا ـ

стр. 215

بتقديم السين ـ ونصف ذراع إلا قيراطا فى الجهة الشرقية، وكذلك باقى الجهات، إلا أن الجهة الشامية: تنقص عن الشرقية نصفا إلا قيراطا، والجهة الغربية تنقص عن الشرقية: قيراطين، واليمانية تزيد على الشرقية: ثمن ذراع. وعرض الجهة الشرقية ـ على التقريب ـ ثمانية عشر ذراعا وسدس. والجهة الشامية على ـ التقريب أيضا ـ أربعة عشر ذراعا إلا قيراطين. والجهة الغربية: ثمانية عشر ذراعا وثلث ذراع. واليمانية أربعة عشر ذراعا وثلثا ذراع. وطول فتحة الباب من داخله مع الفيارين: ستة أذرع. وطوله من خارجه بغير الفيارين: ستة أذرع إلا ربع. وذرع فتحة الباب من داخل الكعبة ـ مع الفيارين ـ ثلاثة أذرع وثلث إلا قيراط. وطول كل من فردتى الباب: ستة أذرع إلا ثمن، وعرض كل منها ذراعان إلا ثلث. وأما ذرع الكعبة (١) من خارجها: فإن من أعلى الشاخص فى سطحها فى الجهة الشرقية إلى أرض المطاف: ثلاثة وعشرين ذراعا وثمن ذراع. وكذلك الجهة اليمانية، والجهة الغربية، إلا أن الغربية تنقص ثمن ذراع. وأما الجهة الشامية: فتنقص عن الشرقية واليمانية ربع ذراع. وعرض الجهة الشرقية: أحد وعشرون ذراعا وثلث. وكذلك الغربية بزيادة ثلث. وأما الشامية: فعرضها ثمانية عشر ذراعا إلا ربع ذراع. وكذلك اليمانية بزيادة نصف إلا قيراطين. ومن عتبة باب الكعبة إلى أرض الشاذروان صحتها: ثلاثة أذرع ونصف، وارتفاع الشاذروان تحتها: ربع ذراع وقيراط. والذراع الذى حررنا به: هو ذراع الحديد المستعمل فى القماش بالقاهرة. وكذلك ما حرر به ابن جماعة، وبين ما ذكره وذكرناه اختلاف، بيناه فى أصله.

стр. 216

والذراع الذى حرر به الأزرقى: ذراع اليد. وأما شاذروان الكعبة (١): فهو الأحجار الملاصقة بها التى فوقها مسنم مرخم فى الجانب الشرقى والغربى واليمانى. وفى الجانب الشرقى: حجارة لا بناء عليها، هى شاذروان. وأما الأحجار التى تلى جدار الكعبة الشامى: فليست شاذروانا؛ لكون موضعها من البيت، بلا ريب. والشاذروان: هو ما نقصته قريش من عرض أساس جدار البيت حين ظهر على الأرض، كما هو عادة الأبنية. أشار إلى ذلك الشيخ أبو حامد الإسفراينى، وغيره من أئمة الشافعية. وأما حكمه: فإن طواف من كان لشيء من بدنه: فهو غير صحيح على مذهب الشافعى رضى الله عنه. وصرح بذلك ابن شاس، وابن الحاجب، وشارحه خليل. وللميدة صاحب الشامل وغيرهم من متأخرى المالكية. وأنكر ذلك بعض متأخريهم، ولم يثبته فى المذهب. ويصح طواف من لم يخير منه فى طوافه عند الحنفية والحنابلة. والله أعلم. وطول الشاذروان فى السماء: ستة عشر إصبعا، وعرضه: ذراع. ذكره الأزرقى. وقد نقص عرضه فى بعض الجهات عما ذكره الأزرقى. فأفتى عالم الحجاز المحب الطبرى بإيجاب إعادة مقداره على ما ذكره الأزرقى. وأما حلية الكعبة المعظمة: فأول من حلاها فى الجاهلية ـ على ما قيل ـ عبد المطلب جد النبى ﷺ . وأما فى الإسلام، فقيل: الوليد بن عبد الملك. وقيل: أبوه. وقيل: ابن الزبير رضى الله عنهما. والله أعلم.

стр. 217

وحلاها الأمين العباسى، وحلاها المتوكل العباسى. هذا ما ذكره الأزرقى من حلية الكعبة. وحلاها بعده المعتضد العباسى فى سنة إحدى وثمانين ومائتين. وأمر المقتدر العباسى ـ فى سنة عشر وثلاثمائة ـ والوزير الجواد، فى سنة تسع وأربعين وخمسمائة، وحلاها الملك المجاهد صاحب اليمن. وأما معاليق الكعبة ، وما أهدى لها فى معنى الحلية: فذكر الأزرقى منها جانبا ذكرناه فى أصله، مع أشياء لم يذكرها الأزرقى، بعضها كان فى عصره، وأكثر ذلك بعده، ونشير هنا بشيء منه. فمما أهدى لها فى عصر الأزرقى، ولم يذكره: قفل فيه ألف دينار، أهداه المعتصم العباسى فى سنة تسع عشرة ومائتين على ما ذكره الفاكهى. ومن ذلك: طوق ذهب فيه مائة مثقال مكلل بالزمرد والياقوت والماسب، وياقوتة خضراء وزنها أربعة وعشرون مثقالا، بعث بذلك ملك من ملوك السند لما أسلم فى سنة تسع وخمسين ومائتين. ومن ذلك: حلقتان من ذهب مرصعتان باللؤلؤ والبلخش، كل حلقة وزنها ألف مثقال، وفى كل حلقة ستة لؤلؤات فاخرات، وفيها ست قطع بلخش فاخر. بعث بذلك الوزير على شاه وزير السلطان أبى سعيد بن خربندا ملك التتار، فى موسم سنة ثمان عشرة وسبعمائة. وكان أمير الركب المصرى عارض فى تعليق ذلك، فلوطف حتى أذن فى تعليقهما، ثم أزيلا بعد قليل. ومن ذلك ـ على ما ذكره بعض فقهاء مكة ـ: أربعة قناديل، كل قنديل منها قدر الدورق بمكة، اثنان ذهب واثنان فضة. بعث بذلك السلطان شيخ أوس صاحب بغداد. وعلق ذلك فى الكعبة، ثم أخذ عن قريب. وكان إرساله بذلك فى أثناء عشر السبعين وسبعمائة، على مقتضى ما أخبرنى به الفقيه المذكور. وقد أهدى لها من هذا المعنى بعد ذلك أشياء. وبالجملة: فلا يجوز أخذ شيء من حلية الكعبة، لا للحاجة، ولا للتبرك؛ لأن ما جعل لها وسبل لها تجرى مجرى الأوقاف، ولا يجوز تغييرها عن وجهها.

стр. 218

أشار إلى ذلك المحب الطبرى فى كتابه «القرى (١)» قال: وفيه تعظيم للإسلام وترهيب على العدو (٢). انتهى. وأما كسوة الكعبة (٣): فإنها كسيت فى الجاهلية والإسلام أنواعا من الكسى وذكر الأزرقى من ذلك جانبا ذكرناه فى أصله. وقد كساها قبل الإسلام جماعة، ولم يذكرهم الأزرقى. وذكرنا ذلك فى أصله. وكسيت الكعبة ـ بعد الأزرقى ـ أنواعا من الكسى. فمن ذلك: الديباج الأبيض الخراسانى، والديباج الأحمر الخراسانى، على ما ذكر صاحب العقد. ومن ذلك: الديباج الأبيض، فى ز من الحاكم العبيدى، وحفيده المستنصر، كساها ذلك فى ز من المستنصر الصليحى صاحب اليمن ومكة. وكسيت فى سنة ست وستين وأربعمائة الديباج الأصفر، وهذه الكسوة عملها السلطان محمود بن سبكتكين، صاحب الهند. ثم ظفر بها نظام الملك وزير السلطان ملك شاه السلجوقى، فأنفذها إلى مكة وجعلت فوق كسوة كساها لها فى هذه السنة أبو النصر الأسترابادى. وكانت كسوته بيضاء من عمل الهند. وكسيت فى خلافة الناصر العباس كسوة خضراء وسوداء. واستمرت تكسى السواد حتى الآن، وفيها طراز أصفر، وكان قبل ذلك أبيض. وقد أحدث: فى كسوة الكعبة من الجانب الشرقى جامات منقوشة بالحرير الأبيض فى سنة عشر وثمانمائة. ثم ترك ذلك فى سنة خمس عشرة وثمانمائة، وثلاث سنين بعدها متوالية بعدها. ثم أعيدت الجامات البيض فى سنة تسع عشرة وثمانمائة، وفى خمس سنين متوالية بعدها.

стр. 219

ثم ترك ذلك فى سنة خمس وعشرين وثمانمائة. وكسيت ثيابا من القطن مصبوغة بالسواد؛ لأنها عريت من ريح عاصفة هاجت بمكة فى سنة ثلاث وأربعين وستمائة. وقيل: فى سنة أربع وأربعين. ولم يكن عند شيخ الحرم ـ العفيف منصور بن منعة البغدادى ـ شيء يقوم بكسوتها، فاقترض ثلاثمائة دينار واشترى بها ثيابا بيضاء وصبغها بالسواد، وكب عليها الطرز العتيقة. وممن كساها: رامشت صاحب الرباط بمكة فى سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة. كساها من الحبرات وغيرها، وقومت كسوته بثمانية عشر ألف دينار مصرية، على ما ذكر ابن الزبير. وقيل: بأربعة آلاف. وأول من كساها: من الملوك ـ بعد انقضاء الخلافة من بغداد ـ: المظفر يوسف صاحب اليمن فى سنة تسع وخمسين وستمائة. وأول من كساها من ملوك الترك بمصر: الملك الظاهر بيبرس فى سنة إحدى وستين وستمائة. وكان المظفر يكسوها معه، ومع من عاصره من ملوك مصر، وربما انفرد بذلك. ثم انفرد ملوك مصر بكسوتها بعد المظفر ـ فيما أحسبه ـ وإلى تاريخه. وكسوتها ـ فى تاريخه، وفيما قبله من نيف وسبعين سنة ـ من وقف وقفه صاحب مصر الصالح إسماعيل بن الناصر محمد بن قلاوون على كسوة الكعبة فى كل سنة، والحجرة النبوية والمنبر النبوى فى كل خمسين سنة مرة. وكساها أخوة الناصر حسن، وكانت تصل إلى الأرض والباقى منها نحو نصفها الأعلى، وهى كسوة حسنة، وهى حرير مذهب. وكان ذلك فى سنة إحدى وستين وسبعمائة. وكان قبلها فى جوفها كسوة للمظفر ـ صاحب اليمن ـ فيما بلغنى. وقد أزيلت كسوة الكعبة بجوفها التى عملها الناصر حسن، وعوضت بكسوة حرير أحمر أنفذها مولانا السلطان الملك الأشرف برسباى صاحب مصر والشام ـ نصره الله ـ

стр. 220

على يد المقر الأشرف الكريمى الزينى عبد الباسط، ناظر الجيوش المنصورة بالمماليك الشريفة. أجزل الله علينا أفضاله، وبلغه آماله فى سنة ست وعشرين وثمانمائة. وجعلت فى جوف الكعبة فى موسم هذه السنة. وللعلماء من الشافعية وغيرهم خلاف فى جواز بيع كسوة الكعبة. وذكر الحافظ صلاح الدين العلائى فى قواعده: أنه لا يتردد فى جواز ذلك. وأما طيب الكعبة: فروينا عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: طيبوا البيت، فإن ذلك من تطهيره. وروينا عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: «طيبوا البيت، فإن ذلك من تطهيره» (١) وروينا عنها أنها قالت: «لأن أطيب الكعبة أحب إلىّ من أهدى لها ذهبا وفضة». ولا يجوز أخذ شيء من طيب الكعبة، لا للتبرك ولا لغيره. نص عليه النووى. وأما خدام الكعبة: فإن معاوية بن أبى سفيان رضى الله عنه أخدمها عبيدا ثم أتبعت ذلك الولاة بعده. وأما أسماء الكعبة: فالكعبة، وبكة ـ بالباء ـ والبيت الحرام، والبيت العتيق، وقادس، ونادر، والقرية القديمة. وهذه الأسماء الثلاثة الأخيرة مذكورة فى تاريخ الأزرقى. ومن أسمائها: البنية. ذكره القاضى عياض فى المشارق. وأما هدم الحبشى للكعبة: فروينا فى ذلك حديثا عن النبى ﷺ من رواية أبى هريرة رضى الله عنه فى الصحيحين ـ وحدثنا من رواية ابن عباس رضى الله عنهما فى صحيح البخارى، وتخريبه لها يكون بعد رفع القرآن على ما ذكر السهيلى. وذلك بعد موت عيسىعليه السلام. وقيل: فى زمن عيسى. والله أعلم. وأما وقت فتح الكعبة فى الجاهلية: فيوم الاثنين والخميس والجمعة. وأما فى الإسلام: فيوم الجمعة، وكانت تفتح يوم الاثنين. وفعل ذلك فى عصرنا فى رمضان وشوال وذى القعدة من سنة إحدى وثمانمائة.

стр. 221

وتفتح فى أوقات أخر من كل سنة. منها: فى بكرة الثانى عشر من ربيع الأول، وفى بكرة تاسع عشرين رجب الفرد لغسلها. وتفتح فى سادس عشرى ذى القعدة لغسلها. وفى بعض أيام المواسم فى الثمان من ذى الحجة وفى لياليها. وفتحها فى التاريخ لأجل البر المأخوذ ممن يدخلها من الحجاج، وهو لا يحل إلا بطيب نفس ممن يدفعه. وذكر المحب الطبرى: أنه لا يحل منع أحد من دخول البيت. وأما بيان جهة المصلين إلى الكعبة من سائر الآفاق ، ومعرفة أدلة القبلة بالآفاق المشار إليها: فأخبرنى به خالى قاضى الحرمين محب الدين النويرى رحمه الله تعالى ـ سماعا ـ عن القاضى عز الدين بن جماعة ـ سماعا ـ أنه نقل ذلك من خط والده القاضى بدر الدين فى الدائرة التى ذكر فيها صفة الكعبة، وما يحتاج إلى معرفة تصويره وأن والده قال: إنه كتبها فى شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وستين وستمائة. وذكرنا كلامه فى أصله بزيادة فوائد. * * *

стр. 222

الباب التاسع فى بيان مصلى النبى ﷺ فى الكعبة المعظمة، وقدر صلاته فيها ووقتها ، ومن رواها من الصحابة، ومن نفاها منهم رضى الله عنهم أجمعين، وترجيح رواية من أثبتها على رواية من نفاها، وما قيل من الجمع بين ذلك (١). وعدد دخوله ﷺ الكعبة بعد هجرته إلى المدينة، وأول وقت دخلها فيه بعد هجرته ﷺ (٢). أما موضع صلاته فى الكعبة: فقد بينه ابن عمر رضى الله عنهما؛ لأن فى البخارى من رواية موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر رضى الله عنهما ـ «أنه كان إذا دخل الكعبة مشى قبل وجهه حتى يدخل، ويجعل الباب قبل الظهر، يمشى حتى يكون بينه وبين الجدار الذى قبل وجهه قريبا من ثلاثة أذرع، فيصلى، يتوخى المكان الذى أخبره بلال رضى الله عنه: أن رسول الله ﷺ صلى فيه». وروينا فى الأزرقى: أن معاوية رضى الله عنه «سأل ابن عمر رضى الله عنهما عن مصلى النبى ﷺ فى الكعبة؟ فقال: بين العمودين المقدمين، اجعل بينك وبين الجدار ذراعين، أو ثلاثة». وأما قدر صلاته هذه: فركعتان، كما فى كتاب الصلاة من صحيح البخارى، من حديث مجاهد عن ابن عمر رضى الله عنهما. وأما من روى صلاة النبى ﷺ فى الكعبة ـ يوم فتح مكة ـ من الصحابة: فبلال، وشيبة بن عثمان الحجبى، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس ـ ولا يصح عنه ـ وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن صفوان القرشى، وعثمان بن طلحة الحجبى، وعمر بن الخطاب، وأبو هريرة ـ وإسناد حديثه ضعيف ـ وعائشة، رضى الله عنهم أجمعين. وأما الذين نفوها: فأسامة بن زيد، والفضل بن العباس، وأخوه عبد الله، رضى الله عنهم. وأما ترجيح رواية من أثبت صلاة النبى ﷺ فى الكعبة على رواية من نفاها؛ فلإثباته ما نفاه غيره. وفى مثل هذا يؤخذ بقول المثبت.

стр. 223

وقد أشار إلى الترجيح بذلك جماعة، منهم: النووى، ﵏. وأقرب ما قيل فى الجمع بين الاختلاف فى إثبات صلاة النبى ﷺ فى الكعبة ونفيها، أن النبى ﷺ صلى فى الكعبة لما غاب عنه أسامة من الكعبة لأمر ندبه إليه، وهو: أن يأتى بما يمحو به الصور التى كانت فى الكعبة؛ لأن فى مسند الطيالسى ـ من حديث أسامة ابن زيد ـ: أنه «أتى النبى ﷺ بدلو من ماء، فجعل يمحو به الصور» وإسناد الطيالسى فيه تقوم به الحجة، فلذلك كان هذا الوجه أقرب ما قيل فى الجمع بين هذا الاختلاف. ويجمع أيضا بين حديث بلال والفضل بمثل هذا الجمع؛ لأن النبى ﷺ بعث الفضل ـ بعد دخوله معه إلى الكعبة ـ ليأتيه بما يطمس به الصور التى فى الكعبة على ما قيل. فصلى النبى ﷺ فى غيبته. وهذا رويناه فى تاريخ الأزرقى عن عبد المجيد بن أبى رواد عن الزهرى. وحديث بلال أرجح من حديث عبد الله بن عباس رضى الله عنهما؛ لأن بلالا رضى الله عنه شهد صلاة النبى ﷺ فى الكعبة، وابن عباس رضى الله عنهما لم يشهدها، وإنما اعتمد فى نفيها على أخيه، وأسامة رضى الله عنهما. والله أعلم. وأما عدد دخوله ﷺ إلى الكعبة بعد هجرته: فروينا فيه أخبارا يتحصل من مجموعها دخوله إليها أربع مرات يوم فتح مكة. وهذا لا ريب فى صحته. وفى ثانية، كما هو مقتضى حديث ابن عمر رضى الله عنهما، وحديث أسامة رضى الله عنه، الذى جمع به ابن ماجة. وفى حجه الوداع، كما هو مقتضى حديث عائشة رضى الله عنها. وسيأتى ذكره قريبا فى أول الباب الذى بعده. وفى عمرة القضية، كما يقتضيه كلام المحب الطبرى. وفى صحة ذلك نظر. وأما أول وقت دخل فيه النبى ﷺ الكعبة بعد هجرته: فيوم فتح مكة. وقد نقل الأزرقى عن جده عن سفيان بن عيينة عن غير واحد من أهل العلم، سمع منهم: يذكرون «أن رسول الله ﷺ إنما دخل الكعبة مرة واحدة عام الفتح، ثم حج ولم يدخلها». انتهى. وهذا يدل على أنه لم يدخل فى ثانى الفتح، ولا فى حجة الوداع. والله أعلم. * * *

стр. 224

الباب العاشر فى ثواب دخول الكعبة المعظمة، وفيما جاء من الأخبار الموهمة لعدم استحباب ذلك، وفيما يطلب فيها من الأمور التى صنعها فيها النبى ﷺ ، وذكر الصلاة فيها وآداب دخولها (١). وأما ثواب دخولها: فروينا فيه من حديث ابن عباس رضى الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : «من دخل البيت وصلى فيه، دخل فى حسنة وخرج من سيئة مغفور له». أخرجه الطبرانى. وروى الفاكهى من حديث ابن عمر رضى الله عنهما: «من دخله ـ يعنى البيت ـ فصلى فيه، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه». وقد اتفق الأئمة على استحباب دخولها. واستحسن مالك كثرة دخولها. وأما ما ورد موهما بخلاف ذلك: فحديث عائشة رضى الله عنها قالت: «خرج النبى ﷺ من عندى، وهو قرير العين، طيب النفس، فرجع إلىّ وهو حزين، فقلت له. فقال: إنى دخلت الكعبة، وودت أنى لم أكن فعلت. إنى أخاف أن أكون أتعبت أمتى من بعدى». أخرجه الترمذى، والحاكم فى مستدركه من حديث إسماعيل بن عبد الله بن عبد الملك بن أبى الصغير المكى، عن ابن أبى مليكة عن عائشة رضى الله عنها. وإسماعيل: وهاه ابن مهدى، وذلك يقتضى توهين حديثه. والله أعلم. وقال المحب الطبرى ـ بعد إخراجه لهذا الحديث ـ: وقد استدل بهذا الحديث من كره دخول البيت، ولا دلالة فيه، بل نقول: دخوله ﷺ دليل على الاستحباب، وتمنيه عدم الدخول: قد علله بالمشقة على أمته، وذلك لا يرفع حكم الاستحباب. انتهى. وأما ما يطلب فى الكعبة من الأمور التى صنعها النبى ﷺ : فحمد الله، والثناء عليه، والدعاء والذكر. وغير ذلك مما ذكرناه فى أصله. وأما حكم الصلاة فى الكعبة: فإن النافلة فيها مستحبة عند المالكية، وجمهور

стр. 225

العلماء، وخالف فى ذلك بعض العلماء، فقال: لا يصح فيها فرض ولا نفل. وهذا ضعيف. والله أعلم. ويستثنى من النوافل فيها ـ على مقتضى مشهور مذهب مالك ﵀ النفل المؤكد: كالعيدين، والوتر، وركعتى الفجر، والطواف الواجب، فإن ذلك لا يصح فيها. وأما الفرض: فمشهور المذهب عدم صحته فيها، وهو الأصح من مذهب الحنابلة. ويصح على مذهب أبى حنيفة والشافعى. وسطحها فى الفرض كجوفها، على مقتضى ما سبق من مذهب الأئمة الأربعة، إلا أن صحة الصلاة فى سطحها ـ على مذهب الشافعى ـ مشروطة بأن يكون بين يدى المصلى شاخص من نفس الكعبة قدر ثلثى ذراع تقريبا على الصحيح. والشاخص الآن بسطحها يزيد على ثلثى ذراع؛ لأنه فى الجهة الشرقية ذراع إلا ثمن، والشامية ذراع وثمن، وفى الغربية ذراع، واليمانية ثلثا ذراع. وأما آداب دخولها: فالاغتسال، ونزع الخف والنعل، وأن لا يرفع بصره إلى السقف، وأن لا يزاحم زحمة يتأذى بها، أو يؤذى غيره، وأن لا يكلم أحدا إلا لضرورة، أو أمر بمعروف، أو نهى عن منكر، وأن يلزم قلبه الخشوع، وأن يلزم قلبه الخشوع والخضوع، وعينيه الدموع إن استطاع ذلك، وإلا حاول درهما. ذكر ذلك المحب الطبرى: والنساء يساوين الرجال فى دخولها من غير خلاف فيما أعلم. * * *

стр. 226

الباب الحادى عشر فى ذكر شيء من فضائل الكعبة، وفضائل ركنيها: الحجر الأسود واليمانى (١). فأما فضل الكعبة: فكثير ثابت فى القرآن العظيم، وفى السنة الشريفة، ولم نورده إلا للتبرك. قال الله تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) [آل عمران: ٩٦، ٩٧]. وأما الأحاديث: فروينا عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما: أن رسول اللهصلى الله عليه وسلم قال: «إن هذا البيت دعامة الإسلام، ومن خرج يؤم هذا البيت ـ من حاج أو معتمر ـ كان مضمونا على الله عزوجل، إن قبضه، أن يدخله الجنة، وإن رده، أن يرده بأجر وغنيمة». أخرجه الأزرقى بإسناد صالح. وأما فضل الحجر الأسود: فكثير؛ لأنا روينا عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الحجر والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة، طمس الله نورهما، ولولا أن طمس نورهما لأضاءا ما بين المشرق والمغرب».أخرجه ابن حبان فى صحيحه، والترمذى (٢). وقال: غريب. وذكر إمام المقام، وخطيب المسجد الحرام، سليمان بن خليل: أنه رأى فيه ـ يعنى: الحجر الأسود ـ ثلاث مواضع بيض نقية، ثم قال: إنى أتلمح تلك النقط، فإذا هى كل وقت فى نقص. انتهى.

стр. 227

وبه الآن فى الجهة التى تلى باب الكعبة فى أعلاها نقطة بيضاء مثل حبة سمسة، على ما أخبرنى به ثلاثة نفر يعتمد عليهم من أصحابنا الفقهاء. وكان إخبارهم لى بذلك فى العشر الأخير من جمادى الأولى سنة ثمان عشرة وثمانمائة. وفى هذا التاريخ شاهدوا ذلك على ما ذكرا. ومن فضائله: «أنه يشهد يوم القيامة لمن استلمه بحق». كذا رويناه من حديث ابن عباس رضى الله عنهما مرفوعا فى الترمذى. وله فضائل أخر. وأما الركن اليمانى: فمن فضائله: ما رويناه عن ابن عمر رضى الله عنهما «أنه كان يزاحم على الركنين، فقيل له فى ذلك، فقال: إنه أفضل، فإنى سمعت رسول اللهصلى الله عليه وسلم يقول: «إن مسحهما كفارة للخطايا». أخرجه الترمذى (١). وروينا عن ابن عمر رضى الله عنهما: أن النبى ﷺ قال: «مسح الحجر الأسود، والركن اليمانى: يحط الخطايا حطّا». أخرجه ابن حبان. وهذا فى حق الرجال. وأما النساء: فلا يستحب ذلك لهن إلا فى خلوة. ويكره لهن مزاحمة الرجال على ذلك. * * *

стр. 228

الباب الثانى عشر فى فضائل الأعمال المتعلقة بالكعبة، كالطواف بها، والنظر إليها، والحج والعمرة، وغير ذلك (١). أما فضل الطواف من غير تقييد بزمن: فروينا من حديث أنس رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال لأنصارى سأله عن الطواف بالبيت: «وأما طوافك بالبيت، فإنك لا تضع قدما ولا ترفعها إلا كتب الله عزوجل لك بها حسنة، ومحا عنك بها خطيئة، ورفعك بها درجة، وأما ركعتيك بعد الطواف: فكعتق رقبة، وأما طوافك بعد ذلك: فإنك تطوف ولا ذنب عليك». أخرجه ابن حبان فى صحيحه مطولا. وروينا فى الطبرانى من حديث ابن عباس رضى الله عنهما مرفوعا: «من طاف بالبيت خمسين أسبوعا: خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه». وهو فى الترمذى إلا أنه قال: «مرة» بدل «أسبوع». والمراد بذلك: وجوده فى صحيفة حسناته، لا الإتيان به فى وقت واحد. نص على ذلك المحب الطبرى فى «القرى» (٢). وللعلماء خلاف فى الطواف، والصلاة بمكة: أيهما أفضل؟ . وفى المسألة قول ثالث: أن الطواف للغرباء أفضل، لعدم تأتيه لهم، والصلاة لأهل مكة أفضل، لتمكنهم من الأمرين. ويدل لفضل الطواف على الصلاة (٣) حديث ابن عباس رضى الله عنهما فى تنزل الرحمات؛ لأن فيه: «للطائفين ستين، وللمصلين أربعين». وقد ذكر دلالته على ذلك المحب الطبرى. وأفاد فيما ذكر. والله أعلم. واختلف أيضا فى الطواف والعمرة: أيها أفضل؟ . وللمحب الطبرى فى ذلك تأليف، سماه «عواطف النظرة فى تفضيل الطواف على العمرة». وذكر ما يوافق ذلك فى كتابه «القرى».

стр. 229

وافقه على ذلك القاضى عز الدين بن جماعة، والشيخ أبو أمامة بن النقاش، فيما بلغنى عنه. وقال بتفضيل العمرة الشيخ عبد الله اليافعى (١) شيخ مكة، وشيخنا شيخ الإسلام سراج الدين البلقينى (٢) وغيرهما. والله أعلم. وجاء فى الطائفين: ما رويناه عن عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى يباهى بالطائفين». وأخرجه الآجرى فى ثمانيته. وأما ثواب النظر إلى الكعبة: ففيه عشرون رحمة، كما فى حديث ابن عباس رضى الله عنهما. وفيه ما رويناه عن سعيد بن المسيب قال: «من نظر إلى الكعبة إيمانا وتصديقا خرج من الخطايا كيوم ولدته أمه». وهذا فى الأزرقى. وفيه غير ذلك. وأما ثواب الحج والعمرة: ففيه ما رويناه عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبىصلى الله عليه وسلم قال: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة». متفق عليه (٣). وروينا من حديث عمرو بن العاص رضى الله عنه عن النبى ﷺ قال: «إن الحج يهدم ما قبله». أخرجه مسلم (٤). وفى المعنى أحاديث أخر. * * *

стр. 230

الباب الثالث عشر فى الآيات المتعلقة بالكعبة المعظمة (١) للكعبة آيات بينات: منها: بقاء بنائها الموجود الآن. وهو يقتضى أنه لا يبقى هذه المدة، على ما بلغنى عن بعض مهندسى عصرنا. قال: وإنما بقاؤها آية من آيات الله. انتهى. ولعمرى إنه لصادق، فإن من المعلوم ضرورة: أن الريح والمطر إذا تواليا أياما على بناء يخرب. ومن المعلوم ضرورة: أن الكعبة المعظمة ما زالت الرياح العاصفة والأمطار الكثيرة المهولة تتوالى عليها منذ بنيت وإلى تاريخه. وذلك سبعمائة سنة ونيف وخمسون سنة. ولم يحدث فيها ـ بحمد الله ـ تغير أدى إلى خللها. ومن آياتها: حفظها ممن أرادها بسوء، وهلاك من أرادها بذلك، كما جرى لتبع والهذليين، وأصحاب الفيل. أما قصة تبع (٢): فإنه لما أقبل من المدينة حسن له نفر من هذيل هدم الكعبة، وأن يبنى عنده بيتا يصرف إليه الحج، فعزم على ذلك، فدقت بهم دوابهم، وغشيتهم ظلمة شديدة وريح. ثم رجع عن عزمه ونوى تعظيم الكعبة فانحلت عنهم الظلمة، وسكنت الريح وانطلقت بهم دوابهم، وأمر بضرب رقاب الهذليين فضربت، وسار إلى مكة، فأقام بها أياما ينحر كل يوم مائة بدنة للصدقة، وكسى البيت الحرام أنواعا من الكسوة. وهذا الخبر فى الأزرقى مطولا. وفى رواية: أنه لما أصغى لقول الهذليين بات صحيحا، فأصبح وقد سالت عيناه فلما نوى كرامة البيت وأهله رجعت عيناه، فارتد بصيرا. وهذا الخبر فى الفاكهى. وقيل: أصابه غير ذلك.

стр. 231

وأما أصحاب الفيل (١): فإن أبرهة بن الصباح الأشرم ـ ملك اليمن من قبل النجاشى ـ سار إلى مكة يريد تخريب الكعبة؛ لأن رجلا من العرب بال فى كنيسة بناها أبرهة بصنعاء، وكان يعظمها، ويريد أن يصرف الحج إليها، وساق معه الفيل. فلما بلغ المغمّس عبّأ جيشه، وقدّم الفيل، فكانوا إذا وجهوه إلى الحرم برك ولم يبرح. وإذا وجهوه إلى اليمن ـ أو إلى غيره من الجهات ـ هرول. فأرسل الله تعالى طيرا سوداء ـ وقيل: خضراء، وقيل: بيضاء ـ مع كل طائر حجر فى منقاره وحجران فى رجليه، أكثر من العدسة وأصغر من الحمصة. فكان يقع على رأس الرجل فيخرج من دبره، ففروا، وهلكوا فى كل طريق، وتساقطت أنامل أبرهة، وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه، وانفلت وزيره أبو مكسوم وطائر يحلق فوقه حتى بلغ النجاشى، فقص عليه القصة. فلما أتمها وقع عليه الحجر، فخر ميتا بين يديه. وخبر أصحاب الفيل أطول من هذا. وهذا ملخص منه. * * *

стр. 232

الباب الرابع عشر فى ذكر شيء من أخبار الحجر الأسود (١) روينا فى تاريخ الأزرقى عن ابن إسحاق وغيره: أن الله عزوجل استودع الركن أبا قبيس حين غرق الأرض ز من نوح ﵇، وقال: «إذا رأيت خليلى يبنى بيتى فأخرجه له». فلما بنى الخليل البيت جاءه جبريل ﵇ بالحجر الأسود، فوضعه موضعه من البيت. انتهى. وقيل: إن إلياس بن مضر أول من وضع الحجر للناس بعد الغرق. ذكره الزبير بن بكار. وهذا مخالف لما سبق. ولما خرجت جرهم من مكة، خرج عمرو بن الحارث بن مضاضة بغزالى الكعبة وبحجر الركن، فدفنهما فى زمزم. وفى بعض الأخبار: أن جرهما لما خرجت دفنت الحجر بأسفل مكة، وأن قصى بن كلاب بحث عنه حتى أظهره للناس. وفى بعض الأخبار: أن بنى إياد دفنوه لما خرجوا من مكة. هذا ما علمت من خبره فى الجاهلية. وأما خبره فى الإسلام: فإنه أزيل من موضعه اثنتين وعشرين سنة، إلا أربعة أيام. والمزيل له القرامطة، وشد بالفضة لتصدعه. وكان تصدعه ثلاث مرات. الأولى: من الحريق الذى أصابه فى ز من ابن الزبير، وانشطبت منه شطبة فشدت بالفضة. ثم تغيرت هذه الفضة، فأحكمت فى سنة تسع وثمانين ومائة. والمرة الثانية: أن بعض القرامطة ضرب الحجر الأسود بدبوس فتكسر، ثم قلع يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة خلت من ذى الحجة سنة سبع عشرة وثلاثمائة بأمر أبى طاهر

стр. 233

القرمطى. وذهب به معه إلى هجر. فأقام عند القرامطة إلى أن رده فى يوم الثلاثاء يوم النحر من سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة. وكان الذى وضعه فى الكعبة ـ بعد رده ـ شبر بن الحسن القرمطى، وشده الصائغ بجص أحضره شبر. وكان على الحجر ـ حين أحضر فى هذا التاريخ ـ ضبات فضة قد عملت من طوله وعرضه، تضبط شقوقا حدثت عليه بعد انقلاعه. ثم قلع فى سنة أربعين وثلاثمائة، وعمل له طوق محكم من فضة ليشده. والمرة الثالثة: أن بعض الملاحدة أيضا: ضرب الحجر الأسود ثلاث ضربات بدبوس، فتنجش، وتساقطت منه شظايا، ثم أصلح ما تشعث منه وطلى. وكانت هذه الحادثة فى يوم النفر الأول سنة ثلاث عشرة وأربعمائة. وقيل: سنة أربع عشرة. والله أعلم. ومن آيات الحجر الأسود: بقاؤه مع ما عرض له من الذهاب غير مرة، وغير ذلك. وقد ذكرناه فى أصله. * * *

стр. 234

الباب الخامس عشر فى الملتزم، والمستجاب، والحطيم، وما جاء فى ذلك من استجابة الدعاء فى هذه المواضع، وغيرها من الأماكن بمكة المشرفة وحرمها (١). أما الملتزم: فهو ما بين الباب ـ باب الكعبة ـ والحجر الأسود، على ما روينا عن ابن عباس رضى الله عنهما. وروينا عنه حديثا مرفوعا مسلسلا فى استجابة الدعاء فيه. وجرب ذلك من زمنه إلى عصرنا. وأما المستجاب: فهو ما بين الركن اليمانى والباب المسدود فى دبر الكعبة. وروينا فى استجابة الدعاء فيه خبرا فى مجابى الدعوة لابن أبى الدنيا. وأما الحطيم: فهو ما بين الحجر الأسود ومقام إبراهيم وزمزم. والحجر، بسكون الجيم. وقيل: إن «الحطيم» هو الموضع الذى فيه الميزاب. وهذا فى كتب الحنفية. وعليه فيكون «الحطيم» الحجر ـ بسكون الجيم ـ وقيل فيه غير ذلك. وسمى «الحطيم» لأن الناس كانوا يحطمون هنالك بالأيمان؛ فقل من دعى هنالك على ظالم إلا هلك، وقل من حلف هنالك آثما إلا عجلت له العقوبة. وقيل: فى سبب تسميته بالحطيم غير ذلك. وأما بقية المواضع التى يستجاب فيها الدعاء: فكثير منها مذكور فى رسالة الحسن البصرى؛ لأن فيها أن الدعاء يستجاب فى خمسة عشر موضعا. أولها: عند الملتزم، وتحت الميزاب، وعند الركن اليمانى، وعلى الصفا وعلى المروة، وبين الصفا والمروة، وبين الركن والمقام، وفى جوف الكعبة، وبمنى، وبجمع، وبعرفات، وعند الجمرات الثلاث، هكذا وجدت فى نسختى من هذه الرسالة. وهى تقتضى أن تكون المواضع أربعة عشر. والظاهر: أنه سقط منها موضع، لعله أن يكون خلف المقام.

стр. 235

ويحتمل أن يكون فى الطواف؛ لأنه روى عن الحسن البصرى رحمه الله تعالى (١): أن الحجر الأسود يستجاب عنده الدعاء، فتصير المواضع ستة عشر. انتهى. وذكر شيخنا القاضى مجد الدين الشيرازى مواضع أخر بمكة وحرمها وقربه يستجاب فيها الدعاء. وذكرنا ذلك فى أصله. وبينا ما فى ذلك من الوهم والإجمال. ومن المواضع التى يرجى فيها استجابة الدعاء فى المسجد الحرام: باب بنى شيبة، وباب إبراهيم، وباب النبى ﷺ . وهو باب المسجد الذى يعرف الآن بباب الجنائز. * * *

стр. 236

الباب السادس عشر فى ذكر شيء من أخبار المقام، مقام الخليل ﵇ (١) هذا المقام: هو الحجر الذى وقف عليه الخليل لما بنى الكعبة. وقيل: لما أذن بالحج. وقيل: لما غسلت زوجة ابنه إسماعيل رأسه. وقال القاضى عز الدين بن جماعة ـ فيما أخبرنى به عنه خالى ـ: مقدار ارتفاعه من الأرض نصف ذراع وربع ذراع. قال: وأعلى المقام مربع من كل جهة نصف ذراع وربع ذراع. وموضع عرض القدمين: ملبس بفضة، وعمقه من فوق الفضة سبع قراريط. انتهى. والذراع المشار إليه ذراع الحديد. وأول ما حلى المقام: فى خلافة المهدى، فى سنة إحدى وستين ومائة، ثم فى خلافة المتوكل فى مصدر الحاج سنة ست وثلاثين ومائتين. وفى خلافة المهدى سنة ست وخمسين ومائتين، وكان قد توهن فى هذه السنة كثيرا. فأحكم الطاقة فى المقام الآن فى قبة من حديد ثابت فيها، والقبة ثابتة فى الأرض، وهى قائمة على أربعة شبابيك من حديد، وفوق الشبابيك قبة من خشب مبنى فوقها، ويتصل بهذه القبة ساباط يصلى فيه الإمام الشافعى. وظاهره ـ كظاهر القبة ـ مبنى بحجارة منورة، وباطنه وباطن القبة ـ فيما يبدو للناس ـ من خزف بالذهب. وأحدث عهد صنع فيه ذلك سنة عشر وثمانمائة. وموضع المقام اليوم: هو موضعه فى الجاهلية، وفى عهد النبى ﷺ وأبى بكر وعمر رضى الله عنهما، إلا أن السيل ذهب به فى خلافة عمر رضى الله عنه. فجعل فى وجه الكعبة، حتى قدم عمر رضى الله عنه، فرده بمحضر الناس. ذكر ذلك الأزرقى عن ابن أبى مليكة، وذكر عن عمرو بن دينار عن ابن عيينة ما يوافقه.

стр. 237

وذكر الفاكهى أخبارا تدل على أن المقام كان عند الكعبة. وفى بعضها ما يشعر بتقريب بيان موضعه عند الكعبة. وصرح ابن سراقة بموضعه عند الكعبة. وهو على مقتضى ما ذكر: يكون على ذراعين وثلثى ذراع بالحديد من طرف الحفرة المرخمة عند الكعبة إلى جهة الحجر، بسكون الجيم. وعلى مقتضى الخبر الذى ذكره الفاكهى: يكون موضع المقام عند الكعبة فى مقدار نصف الحفرة المذكورة التى تلى الحجر ـ بسكون الجيم ـ والله أعلم بالصواب. وذكر ابن سراقة: أن مقدار ما بين موضع المقام الآن ووجه الكعبة عشرون ذراعا، وذلك غير مستقيم؛ لأن من وسط جدر الكعبة الشرقى إلى وسط الصندوق، الذى المقام فى جوفه ـ المقابل لوجه الكعبة ـ اثنين وعشرين ذراعا إلا ربع ذراع بالحديد. وهو أزيد من ذراع اليد الذى ذكره ابن سراقة، بثمن ذراع. وللمقام فضائل سبق ذكرها فى فضل البيت، وفضل الحجر الأسود، فى الباب الحادى عشر. وروينا عن مجاهد، قال. «يأتى الركن والمقام يوم القيامة كل واحد منهما مثل أبى قبيس يشهدان لمن وافاهما بالموافاة». أخرجه الأزرقى. والله أعلم. * * *

стр. 238

الباب السابع عشر فى ذكر شيء من أخبار الحجر المكرم ـ حجر إسماعيل ﵇ وفيه بيان المواضع التى صلى فيها النبى ﷺ حول الكعبة (١). روينا فى تاريخ الأزرقى عن أبى إسحاق قال: وجعل إبراهيم الحجر ـ أى: جنب البيت ـ عريشا من أراك تقتحمه العنز. وكان زريبا لغنم إسماعيل. انتهى. وقد تقدم فى خبر عمارة الكعبة: أن قريشا أدخلت فى الحجر منها أذرعا لقصر النفقة الحلال التى أعدوها لعمارتها، وأن ابن الزبير أدخل ذلك فيها. وأن الحجاج أخرج ذلك منها، ورده إلى ما كان عليه فى عهد قريش والنبى ﷺ . واستمر ذلك إلى الآن، فصار بعض الحجر من الكعبة وبعضه ليس منها. وقد اختلفت الروايات عن عائشة رضى الله تعالى عنها فى مقدار ما فى الحجر من الكعبة. ففى رواية: قريب من تسعة أذرع. وفى رواية: ستة أذرع أو نحوها. وفى رواية: ستة أذرع. وفى رواية: خمسة أذرع. وفى رواية: أربعة أذرع. وهذه الرواية الأخيرة فى كتاب الفاكهى بإسناد فيه من لم أعرفه. وما عدا ذلك من الروايات صحيح الإسناد. واختلاف الروايات عن عائشة رضى الله عنها فى قدر ما فى الحجر من الكعبة لا يقتضى ترك العمل بما روى عنها من أن بعض الحجر من البيت، وإنما يقتضى أن يعمل فى مقدار ما فى الحجر من الكعبة بأكثر الروايات فى ذلك. والله أعلم. وقد جزم بصحة طواف من طاف فى الحجر خارجا عن ستة أذرع من البيت إمام الحرمين والده الشيخ أبو محمد الجوينى والبغوى.

стр. 239

وذكر الرافعى: أن هذا المذهب هو الصحيح. وقال به اللخمى من المالكية. وجزم به الشيخ خليل الجندى المالكى فى مختصره الذى صنفه لبيان ما به الفتوى، والله أعلم. والحجر: هو ما بين الركن الشامى الذى يقال له: العراقى، والركن الغربى، وهو عرضه فى مرخمة لها جدار منقوش على نصف دائرة. وقد ذكرنا ذرعه من داخله وخارجه، وشيء من خبر عمارته فى أصل هذا الكتاب. وجاء فى فضله وفضل الصلاة فيه والدعاء فيه أخبار. منها: ما رواه الفاكهى بسنده عن على رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال لأبى هريرة: «يا أبا هريرة، إن على باب الحجر ملكا يقول لمن دخل فصلى ركعتين: مغفورا لك ما مضى، فاستأنف العمل، وعلى باب الحجر الآخر ملك منذ خلق الله الدنيا إلى يوم يرفع البيت يقول لمن صلى وخرج: مرحوما إن كنت من أمة محمد ﷺ تقيا». انتهى. وروينا عن ابن عباس رضى الله عنهما: «صلوا فى مصلى الأخيار» وسئل عن ذلك، فقال: «تحت الميزاب». أخرجه الأزرقى. وحكم الصلاة فيها فى الحجر من الكعبة: حكم الصلاة فيها، لكون ذلك منها، فلا يصح فيه على مشهور مذهب مالك فرض ولا نفل مؤكد. والله أعلم. وروينا عن عطاء، قال: من قام تحت ميزاب الكعبة فدعا: استجيب له. وخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. وروينا عنه: من قام تحت مثعب الكعبة، يعنى ميزابها، أخرجه الأزرقى. وروى عن عثمان رضى الله عنه: أنه وقف تحت الميزاب يدعو، وقال: مازلت قائما على باب الجنة. وفى الحجر قبر إسماعيل ﵇ مع أمه هاجر. وقيل: إنه فى الحطيم. والله أعلم. وينبغى توقى النوم فيه والاحتراز من بدعتين أحدثهما الناس لا أصل لهما على ما ذكر ابن جماعة. إحداهما: فى وقوفهم فى فتحتى الحجر للصلاة والسلام على النبى ﷺ . والأخرى: استقبالهم جهة النبى ﷺ فى فتحتى الحجر للدعاء واستدبارهم للقبلة.

стр. 240

والمعروف فى آداب الدعاء: استقبالها. هذا معنى كلامه. قال: والله يوفقنا لاجتناب البدعة وإتباع السنة بمنه وكرمه. وأما المواضع التى صلى فيها النبى ﷺ حول الكعبة: فذكرها المحب الطبرى فى كتابه «القرى» بدلالتها. ونشير هنا لشيء من ذلك. الموضع الأول: خلف مقام إبراهيم ﵇. الثانى: تلقاء الحجر الأسود على حاشية المطاف. الثالث: قريب من الركن الشامى مما يلى الحجر، بسكون الجيم. الرابع: عند باب الكعبة. الخامس: تلقاء الركن الذى يلى الحجر من جهة المغرب جانحا إلى جهة المغرب قليلا، بحيث يكون باب المسجد ـ الذى يقال له اليوم باب العمرة ـ خلف ظهره. السادس: فى وجه الكعبة. السابع: بين الركنين اليمانيين. الثامن: الحجر. واستدل المحب الطبرى للمصلى الثالث، بحديث عبد الله بن السائب رضى الله عنه. واستدل للسادس بحديث لأسامة بن زيد رضى الله عنهما. والمصلى الذى ذكره ابن السائب، والذى ذكره أسامة: واحد ـ فيما أحسب ـ لأنهما فى وجه الكعبة، فيما بين الباب والحجر ـ بسكون الجيم ـ وقد أوضحنا ذلك فى أصله. والله أعلم. وأما الحفرة المرخمة فى وجه الكعبة: فقد سبق فى الباب الذى قبله ما يقتضى أن نصفها الذى يلى الحجر ـ بسكون الجيم ـ موضع المقام عند البيت. ويقال: إنها الموضع الذى صلى فيه جبريل ﵇ بالنبى ﷺ لما فرضت الصلاة. واستبعد ذلك القاضى عز الدين بن جماعة. ويقال: إنها موضع مصلى آدم ﵇. ذكر ذلك الآقشهرى ﵀ عن شيخه الشيخ رضى الدين الطبرى إمام المقام.

стр. 241

وسبق فى الباب الثامن: أن النبى ﷺ صلى بين الركنين اليمانيين، وهو موضع الرخامة فى وسط هذا الجانب المكتوب فيها «عمارة المنصور لاجين» للمطاف. وهذا لا يفهم مما ذكره المحب الطبرى فى هذا المصلى. * * *

стр. 242

الباب الثامن عشر فى ذكر شيء من أخبار توسعة المسجد الحرام وعمارته وذرعه (١) أما خبر توسعة المسجد الحرام: فإن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، أول من وسعه بدور اشتراها ودور هدمها على من أبى البيع وترك ثمنها لأربابها فى خزانة الكعبة. وكان فعله لذلك فى سنة سبع عشرة، وكذلك فعل عثمان رضى الله عنه. وكان فعله لذلك فى سنة ستة وعشرين من الهجرة. وسعه عبد الله بن الزبير رضى الله عنهما من جانبه الشرقى والشامى واليمانى. ثم وسعه المنصور العباسى من جانبه الشامى، ومن جانبه الغربى. وكان ما زاده مثل ما كان من قبل. وكان ابتداء عمله فى المحرم سنة سبع وثلاثين ومائة، والفراغ منه فى ذى الحجة سنة أربعين. ثم وسعه المهدى بن المنصور من أعلاه ومن الجانب اليمانى، ومن الجانب الغربى حتى صار على ما هو عليه اليوم خلا الزيادتين، فإنهما أحدثتا بعده. وكانت توسعته له فى نوبتين: الأولى: فى سنة إحدى وستين ومائة. والثانية: فى سنة سبع وستين. وليس لأحد من الأثر فى النفقة فى عمارته مثل ما للمهدى، فا لله يثبته. واسمه إلى الآن فى سقف المسجد الحرام قريبا من منارة الميل. ومن عمره من غير توسعة عبد الملك بن مروان، رفع جدرانه وسقفه بالساج. وعمره ابنه الوليد، وسقفه بالساج المزخرف، وأزره من داخله بالرخام. وذكر السهيلى فى خبر عمارته ما يستغرب؛ لأنه قال: فلما كان ابن الزبير، زاد فى إتقانه لا فى سعته.

стр. 243

والمستغرب من هذا كون ابن الزبير لم يوسع المسجد الحرام. ومما زيد فى المسجد الحرام بعد المهدى زيادة دار الندوة، وبالجانب الشمالى، والزيادة المعروفة بزيادة باب إبراهيم بالجانب الغربى. وكان إنشاء زيادة دار الندوة فى زمن المعتضد العباسى. وكان ابتداء الكتابة إليه فيها فى سنة إحدى وثمانين ومائتين، والفراغ منها فى سنة أربع وثمانين فيما أظن. وكان أبوابها إلى المسجد الكبير على غير صفتها اليوم، ثم عملت على الصفة التى عليها اليوم فى سنة ست وثلاثمائة. وكان عمل زيادة باب إبراهيم فى سنة ست وسبع وثلاثمائة. ووقع فى المسجد الحرام بعد الأزرقى عمارات كبيرة جدا. وقد ذكرنا من ذلك طرف فى أصله وعمر منه فى عصرنا جانب كبير. وسبب ذلك أن فى ليلة السبت الثامن والعشرين من شوال سنة اثنتين وثمانمائة ظهرت نار من رباط رامشت، فتعلقت بسقف المسجد الحرام، وعمت بالحريق الجانب الغربى، ونقص الرواقين المقدمين من الجانب الشامى إلى محاذاة باب دار العجلة لما فى ذلك من السقوف والأساطين، وصارت قطعا، ثم عمر ذلك كما كان فى مدة يسيرة على يد الأمير بيستى المالكى الظاهرى. وكان ابتداء العمارة فى ذلك بعد الحج من سنة ثلاث وثمانمائة. وفرغ منه فى شعبان سنة أربع وثمانمائة إلا سقف ذلك، فإنه لم يعمل إلا فى سنة سبع وثمانمائة لتعذر خشب الساج ولما لم يحصل سقف بخشب العرعر ولتكسر أساطين الرخام عمل عرضها أساطين من حجارة منحوتة واستحسنت. وعمرت بعد ذلك أماكن بالمسجد الحرام، وسقوفه. فمن ذلك: فى سنة خمس عشرة وثمانمائة عقدان يليان سطح المسجد قبالة المدرسة البجالية، وأماكن فى سقفه. ومن ذلك: فى سنة خمس وعشرين وثمانمائة باب الجنائز على صفته اليوم لانهدام بعضه قبل ذلك، فهدم ما بقى منه. والحاجز الذى بين البابين مع ما انهدام من جدر المسجد الحرام المتصل بهذا الباب، وإلى منتهى رباط المراغى بهذا الجانب وهو الشرقى.

стр. 244

وعمر ذلك واستحسنت عمارته. وكتب فيه اسم مولانا السلطان الملك الأشرف بر سباى صاحب مصر والشام. زاده الله نصرا وتأييدا وخلد ملكه. وعمر من هذا الجانب أماكن بين باب على والعباس. وفى باب العباس وعند المدرسة الأفضلية. وعمر فى سنة ست وعشرين وثمانمائة عدة عقود بالرواق المقدم من الجانب الشرقى. وفى المؤخر، وهى: سبعة فى المؤخر، وسبعة فى المقدم، وثمانية فى الذى يلى المقدم، وثلاثة فى الذى يليه. وهى تلى المؤخر. وعمر ما تحتها من الأساطين لخللها حتى أحكم ذلك. وعمر سقوف المسجد الحرام ما كان متخربا، ونور سطحه أو أكثره. وعملت أبواب المسجد الحرام حديد، منها: بابان فى باب الجنائز، وثلاثة فى باب العباس، وثلاثة فى باب على، والباب الأوسط من باب الصفا وباب العجلة، وباب زيادة دار الندوة المنفرد، وأصلح غير ذلك من باقى الأبواب. ومن المعمور فى هذه السنة عقدان عند باب الجنائز. وكل ذلك مع ما ذكر من عمارة الكعبة المعظمة على يد الأمير سيف الدين مقبل القريرى المكى الأشرفى، أثابه الله تعالى. وفى سنة ثلاثين وثمانمائة عمرت عدة عقود بالجانب الشمالى، مما يلى صحن المسجد، وهى ثمانية: ستة تلى الاسطوانة الحمراء إلى صوب باب العمرة، واثنان يليانها إلى صوب باب بنى شيبة. وفرغ من ذلك فى شعبان من السنة المذكورة. وأما ذرع المسجد الحرام غير الزيادتين: فذكره الأزرقى باعتبار ذرع اليد. وحررت أنا ذلك بذراع الحديد، ومنه يظهر تحريره بذراع اليد لما سبق بيانه. فكان طوله من جدره الغربى إلى جدره الشرقى المقابل له ثلاثمائة ذراع وستة وخمسين ذراعا وثمن ذراع بالحديد. ويكون ذلك بذراع اليد أربعمائة ذراع وسبعة أذرع. وذلك من وسط جدره الغربى الذى هو جدر رباط الخوزى إلى وسط جدره الشرقى عند باب الجنائز يمر به فى الحجر ملاصقا لجدر الكعبة الشامى. وكان عرضه من جدره الشامى إلى جدره اليمانى مائتى ذراع وستة وستين ذراعا بذراع الحديد.

стр. 245

يكون ذلك بذراع اليد ثلاثمائة ذراع وأربعة أذرع. وذلك من وسط جدره القديم عند العقود إلى وسط جدره اليمانى فيما بين الصفا وباب أجياد تمر به فيما بين مقام إبراهيم والكعبة، وهو إلى المقام أقرب. حرر لى ذلك من أعتمد عليهم من أصحابنا. أثابهم الله تعالى. وذرع المسجد الحرام الآن مكسرا مائة ألف ذراع وعشرون ألف ذراع. هكذا قال الأزرقى. وأما ذرع زيادة دار الندوة: فهو أربعة وسبعون ذراعا ـ بتقديم السين ـ إلا ربع ذراع بالحديد. وذلك من جدر المسجد الكبير إلى الجدر المقابل له الشامى منها. وعنده باب مغارتها هذا ذرعها طولا. وأما ذرعها عرضا، فسبعون ذراعا ـ بتقديم السين ـ ونصف ذراع. وذلك من وسط جدرها الشرقى إلى وسط جدرها الغربى. وأما زيادة باب إبراهيم: فذرعها طولا تسعة وخمسون ذراعا إلا سدس. وذلك من الأساطين التى فى وزان جدر المسجد الكبير إلى العتبة التى فى باب هذه الزيادة. وأما ذرعها عرضا: فاثنان وخمسون ذراعا وربع ذراع. وذلك من جدر حائط رباط الخوزى إلى جدر رباط رامشت. وذكرنا فى أصله ذرع صحن هاتين الزيادتين طولا وعرضا. وحرر ذلك بحضورى. * * *

стр. 246

الباب التاسع عشر فى عدد أساطين المسجد الحرام وصفتها، وعدد عقودها وشرفاته، وقناديله وأبوابه وأسمائها ومنايره، وفيما صنع لمصلحته، أو لنفع الناس فيه، وفيما فيه الآن من المقامات، وكيفية صلاة الأئمة بها وحكمها (١). وأما عدد أساطين المسجد الحرام وغير ما فى الزيادتين ـ فأربعمائة أسطوانة وتسعة وستون أسطوانة فى جوانبه الأربع، وعلى أبوابه من داخله وخارجه تسعة وعشرون أسطوانة. فيصير الجميع أربعمائة اسطوانة وستة وتسعين أسطوانة، بتقديم التاء. وهذه الأساطين رخام إلا مائة وتسعة وعشرون أسطوانة، فهى حجارة منحوتة، إلا ثلاثة أساطين، فهى آجر مجصص، وفى صحن المسجد حول المطاف أساطين، وهى اثنان وثلاثون أسطوانة. وأما عدد أساطين زيادة دار الندوة، فستة ستون أسطوانة حجارة منحوتة. وأما عدد أساطين زيادة باب إبراهيم: فسبعة وعشرون أسطوانة حجارة منحوتة. وأما عدد طاقات المسجد الحرام التى بجوانبه الأربعة غير الزيادتين، فأربعمائة طاقة وأربعة وثمانون طاقا. وأما عدد طاقات زيادة دار الندوة: فثمانية وستون طاقا. وأما عدد طاقات زيادة باب إبراهيم: فستة وثلاثون طاقا، والطاقات هى العقود التى على الأساطين. وأما عدد شرفاته التى تلى بطن المسجد: فأربعمائة وثلاثة عشر شرفة، وسبعة أنصاف شرافات. وأما عدد الشرفات التى بزيادة دار الندوة: فاثنان وسبعون شرافة. وأما عدد الشرفات التى بزيادة باب إبراهيم: فبضع وأربعون شرافة. وأما عدد قناديله الآن المرتبة فيها غالبا ـ فثلاثة وتسعون قنديلا ـ بتقديم التاء ـ وهى نحو الخمس من عدد قناديله التى ذكرها الأزرقى.

стр. 247

وأما عدد أبوابه: فتسعة عشر ـ بتقديد التاء ـ تفتح على ثمانية وثلاثين طاقا. وأما أسماؤها الآن: فذكرناها فى أصله، وفى أصل هذا الكتاب زيادة بيان فيما يتعلق بالصلاة على الموتى فى المسجد الحرام، وفى الخروج بهم منه. وأما عدد منايره: فخمس: أربع فى جوانبه الأربع، والخامسة: بزيادة دار الندوة. وبزيادة باب إبراهيم منارة مهدوم أعلاها: وقد أشار إليها ابن جبير. وأشار إلى منارة أخرى كانت على باب الصفا، ولا أثر لها الآن. وأما ما صنع فى المسجد الحرام لمصلحته: فقبة كبيرة بين زمزم وسقاية العباس رضى الله عنه، وكانت موجودة فى القرن الرابع على مقتضى ما ذكر ابن عبد ربه فى العقد. ومزولة بصحن المسجد يعرف بها الوقت: عملها الوزير الجواد، وتسمى ميزان الشمس. ومنابر للخطبة. وقد ذكرنا منها جملة فى أصله. وأول من خطب على منبر بمكة معاوية رضى الله عنه. والمنبر الذى يخطب عليه الآن بمكة أنفذه الملك المؤيد أبو النصر صاحب مصر فى موسم سنة ثمان عشرة وثمانمائة مع درجة الكعبة الموجودة الآن. وأما المقامات التى هى الآن بالمسجد الحرام: فأربعة. وهى أسطوانتان من حجارة عليهما عقد مشرف من أعلاها، وفيه خشبة معترضة فيها خطاطيف للقناديل، إلا مقام الخليل: فإنه أربعة أساطين عليها سقف مدهون مزخرف. وكان عمله على هذه الصفة فى آخر سنة إحدى وثمانمائة، وكمل فى أول التى تليها، وكان عمل المقامات الأخرى على ما ذكر فى سنة سبع وثمانمائة رغبة فى بقائها. وما ذكر من صفاتها الآن هى غير صفاتها السابقة. وقد أفتى جماعة من العلماء من المذاهب الأربعة. منهم: شيخنا شيخ الإسلام سراج الدين البلقينى، وابنه مولانا شيخ الإسلام قاضى القضاة جلال الدين: بوجوب هدم مقام الحنفية المشار إليه لما فيه من الحدث وغير ذلك، ورسم ولى الأمر بهدمه، ثم ترك لمعارضة حصلت فى ذلك. ومقام الشافعى: يلى مقام إبراهيم.

стр. 248

ومقام الحنفى: يلى الحجر بسكون الجيم. ومقام المالكى: يلى دبر الكعبة. ومقام الحنبلى: يلى الحجر الأسود. وفى أصل هذا الكتاب ذرع ما بين كل مقام والكعبة. وأما كيفية صلاة الأئمة بها: فإن الشافعى يصلى أولا، ثم الحنفى، ثم المالكى، ثم الحنبلى. وتقدم الحنفى على المالكى: حدث بعد التسعين وسبعمائة، إلا صلاة المغرب فإنهم يصلونها مجتمعين. وقد انفرد الشافعى بصلاة المغرب فى أيام الموسم من سنة إحدى عشرة وثمانمائة إلى موسم سنة عشر (١) وثمانمائة. وأما حكم صلاة الأئمة ما عدا الشافعى على الترتيب الذى يفعلونه، فإن ذلك لا يجوز على ما أفتى به أبو القاسم عبد الرحمن بن الحسين بن الجباب المالكى. وله فى ذلك تأليف حسن، وأفتى بجواز ذلك شداد بن المقدم، وعبد السلام بن عتيق، وأبو الطاهر بن عوف الزهرى، وهم من فقهاء المالكية بالإسكندرية. ورد عليهم ابن الجباب ذلك فى تأليفه. ونقل ما يوافق فتواه عن جماعة من الشافعية والحنفية والمالكية. وفى أصل هذا الكتاب زيادة فوائد فى هذا المعنى. * * *

стр. 249

الباب العشرون فى ذكر شيء من خبر زمزم وسقاية العباس رضى الله عنه (١) أما زمزم فإن أول من أظهرها الأمين جبريل ﵇ سقيا لإسماعيل ﵇ عند ما ظمى، ولو لم تحوض عليه أم إسماعيل كانت عينا تجرى على ما فى البخارى. وذكر الفاكهى أن الخليل ﵇ حضر زمزم بعد جبريل ﵇ ثم غلبه عليها ذو الفرس وقد غيبت بعد ذلك زمزم لاندراس موضعها، ثم منحها الله تعالى عبد المطلب جد النبىصلى الله عليه وسلم لكرامته، فحفرها بعد أن أعلمت له فى المنام بعلامات استبان له بها موضعها. فلم تزل ظاهرة حتى الآن، وعولجت فى الإسلام غير مرة. وذلك مذكور فى أصله. وزمزم الآن فى بيت مربع فى جدرانه تسعة أحواض يملأ من زمزم المتوضئ منها. وأعلا البيت مسقوف ما خلا الموضع الذى يحاذى البئر. وهذه الصفة تخالف الصفة التى ذكرها الأزرقى فى صفة موضع زمزم. وفى سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة هدمت ظلة المؤذنين التى فوق البيت الذى فيه زمزم لإفساد الأرضة لها، وسلخ من هذا البيت الجدران الغربى والشامى من أعلاها إلى أسفلها، وبنى ذلك بنورة وحجارة منحوتة وغيرها. وسلخ من أعلا جدر هذا البيت الشرقى إلى عتبة الباب العليا فى هذا الجدر. وبنى ذلك من آجر ونورة، وأخرجوا من سقف هذا البيت الخشب المتخرب وأبدلوه بغيره، وبنوا فوق هذا الجدار أسطوانتين من آخر ونورة، لشد الدرابزين فى ذلك، وأصلحوا جميع سقف هذا البيت بالنورة والآجر، وجعلوا له درابزين من خشب مخروط نظيف بجوانبه خلا اليمانى. وجعلوا فوق بئر زمزم شباكا من حديد، ولم يكن قبله هناك شباك من حديد وبنوا خمسة أساطين دقيقة من آجر بالنورة: ثلاثة فى الجدار الذى بالكعبة، وواحدة فى الشامى، وواحدة فى اليمانى، وجعلوا بين هاتين الأسطوانتين أسطوانة من خشب، وأخشابا بين هذين الأساطين، وسقفا من خشب مدهون ساترا لما بين هذه الأساطين

стр. 250

الست، يكون ظلة للمؤذنين، خلا بعض ما بين الأسطوانة الوسطى والخشب، فجعلوا فيه قبة من خشب مدهونة وطلوها من أعلاها بالجبس، وجعلوا فوق السقف المدهون سقفا آخر ودكوه بالآجر والنورة، ورفرفا من خشب مدهون نظيف بجوانب هذا السقف، وأحكمو شده وشد السقف والقبة بالمسامير والكلاليب الحديد. وجعلوا درابزين من خشب نظيف بجوانب هذا البيت خلا اليمانى، ودرابزين آخر نظيف بجانبى ظلة المؤذنين اليمانى والشرقى. ولم يكن فى هذين الجانبين درابزين قبل ذلك. وأوسعوا فى الأحواض التى فى الجدارين الغربى والشامى من داخل بئر زمزم، وأوسعوا فى الدرجة التى يصعد منها إلى سقف بيت زمزم فاستحسنت، وكذا ظلة المؤذنين، وكذا ما عمل فى سطح هذا البيت وجدرانه. وفرغ من ذلك فى أثناء رجب سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة. والمتولى لهذه العمارة الجناب العالى العلائى خواجا شيخ على الكيلانى نزيل مكة المشرفة. زاده الله رفعة وتوفيقا. وكان إلى جانب هذا الموضع خلوة فيها بركة تملّأ من ماء زمزم، ويشرب منها من دخل إلى الخلوة. وكان لها باب إلى جهة الصفا، ثم سد وجعل فى موضع الخلوة بركة مقبوة. وفى جدرها الذى يلى الصفا زبازيب يتوضأ منها الناس على أحجار نصبت عند الزبازيب، وفوق البركة المقبوة خلوة فيها شباك إلى الكعبة، وشباك إلى جهة الصفا، وطابق صغير إلى البركة. وكان عمل ذلك على هذه الصفة فى سنة سبع وثمانمائة. ثم هدم ذلك حتى بلغ الأرض فى العشر الأول من ذى الحجة سنة سبع عشرة وثمانمائة لما قيل: إن بعض الجهلة يستنجى هنالك. وعمّر عوض ذلك سبيل للسلطان الملك المؤيد أبى النصر شيخ، ينتفع الناس بالشرب منه. وجاءت عمارته حسنة. وفرغ منها فى رجب سنة ثمان عشرة وثمانمائة. وابتدئ فى عمله بإثر سفر الحاج. وفى موضع هذه الخلوة: كان مجلس عبد الله بن عباس رضى الله عنهما، على مقتضى ما ذكر الأزرقى والفاكهى.
следующие страницы →