← Тараджим

Тараджим · id 20989

العقد الثمين فى تاريخ البلد الأمين

التقي الفاسي

Полный текст (2 722 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

قيل، وهو مع ذلك لا يستطيع شرب الماء، وامتنع من شربه اثنى عشر يوما، يؤتى به إليه ينظره ولا يكاد يسيغه. وفى مرضه هذا: طلق إحدى زوجتيه ثلاثا، قاصدا بذلك حرمانها الميراث من مخلفه، وتخصيص زوجته الأخرى بذلك. وبعد وفاته: ادعى عندى وكيل شرعى لزوجته التى طلقها بما صدر منه. فأجاب وكيل الزوجة الأخرى بإنكار ما ادعاه، وقال: طلقها فى صحته. فشهد عندى جماعة من الفقهاء: بطلاقه لزوجته ثلاثا فى حال مرضه، قاصدا بذلك حرمان المطلقة من الميراث. فحكمت لها بالميراث من مخلفه. ورام وكيل الزوجة الأخرى دفعها عن الميراث بزعمه أن المذكور كان طلق زوجته المشار إليها ثلاثا فى صحته، وأن عنده بذلك بينة. فلم يفده ذلك؛ لأن فى شرح ابن الحاجب الفرعى تحليل الجندى المالكى ما نصه: فرع: قال الباجى: لو مات فشهد الشهود أنه كان طلقها البتة فى صحته، فقد جعله ابن القاسم كالمطلق فى المرض؛ لأن الطلاق إنما يقع يوم الحكم، ولو لم يقع يوم الحكم لكان فيه الحد إذا أقر بالوطء وأنكر الطلاق. وهذا الذى علل به الباجى فى المدونة نحوه. انتهى باختصار. وكانت وفاة المذكور فى أوائل النصف الثانى من يوم الجمعة الرابع والعشرين من جمادى الأولى سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة بمكة المشرفة، ودفن بالمعلاة بكرة يوم السبت. سامحه الله تعالى. ١٣ ـ محمد بن أحمد بن جعفر بن على الديوانى المكى: كان خدم عنان بن مغامس بن رميثة أمير مكة فى ولايته الثانية على مكة. وخدم غيره من أمراء مكة. وبها توفى فى سنة ست وثمانمائة فى غالب الظن، وإلا ففى التى بعدها. ودفن بالمعلاة. * * * من اسمه محمد بن أحمد بن الحسن ١٤ ـ محمد بن أحمد بن الحسن بن عتبة بن إبراهيم بن أبى خداش بن عتبة بن أبى لهب القرشى الهاشمى: هكذا نسبه ابن حزم فى الجمهرة، وقال: ولى الصلاة بمكة. انتهى.

стр. 422

١٥ ـ محمد بن أحمد بن الحسن السجزى، أبو عبد الله المكى المقرى، ويعرف: بجو بكار: روى عن: الحافظ أبى موسى المدينى وغيره. سمع منه: ابن أبى الصيف. وحدث بالحرمين، وجاور بها حتى مات. ذكره ابن الدبيثى فى تاريخ بغداد. فإنه لم يذكر متى كانت وفاته ولا محلها وما عرفت وقتها، إلا أنه كان حيا فى سنة ست وتسعين وخمسمائة؛ لأن سليمان بن خليل العسقلانى قرأ فيها عليه رواية حفص عن عاصم، وأجاز له. كذا ذكر ابن مسدى فى معجم شيوخه. وهو معدود فى مشيخة الحرم بمكة، وبها توفى؛ لأنى وجدت بالمعلاة حجرا ملقى مكتوب فيه: هذا قبر الشيخ الصالح الإمام فخر الدين محمد بن أحمد بن حسين يعرف بجو بكار السجزى رحمه الله تعالى وهو المذكور. وتسمية جده: بحسين فى هذا الحجر تخالف ما ذكرناه أولا، والله أعلم بالصواب. ١٦ ـ محمد بن أحمد بن الحسن بن الزين محمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد القسطلانى المكى، الحنفى، يلقب بالجمال: سمع بمكة: من الشيخ جمال الدين الأميوطى، وعبد الله النشاورى وغير هما. وسمع بمصر: من بعض شيوخنا بالسماع، وبالشام من بعض شيوخنا بالإجازة وأظنه سمع بمكة من عبد الرحمن بن الثعلبى. وله اشتغال بالعلم ونباهة. وكتب بخطه عدة كتب، وكتب الوثائق أيضا. توفى فى حادى عشر ذى الحجة سنة إحدى وثمانمائة بمنى، ودفن بالمعلاة فى صبيحة اليوم الثانى فى مقبرة أسلافه، وقد بلغ الأربعين أو قاربها. ١٧ ـ محمد بن أحمد بن سالم بن ياقوت المكى: المؤذن بالحرم الشريف. سمع من: عيسى الحجى به، والزين الطبرى. ومات فى حياة أبيه فى عشر السبعين وسبعمائة بالقاهرة بالخانقاة الصالحية، سعيد السعداء. سامحه الله تعالى. ١٨ ـ محمد بن أحمد بن أسعد، الإمام أبو عبد الله بن الفراء المعافرى، الأندلسى، الجيانى، المقرئ: أخذ القراءات عن مكى بن أبى طالب، وقرأ عليه جماعة. ومات بمكة سنة تسع وستين

стр. 423

وأربعمائة بعد الحج والمجاورة. ذكره الذهبى فى طبقات القراء وتاريخ الإسلام، ومنها لخصت هذه الترجمة. ١٩ ـ محمد بن أحمد بن سعيد بن فرقد أبو عمرو المخزومى: مؤذن مسجد جدة. عن: عمر بن حفص البصرى. وعنه: ابن الأعرابى فى معجمه. ٢٠ ـ محمد بن أحمد بن أبى سعيد المكى: أظن ظنا غالبا: أن المكى اسم لا صفة. وعليه قد لا تكون الترجمة هذه من شرط كتابنا هذا. فيحرر. الإمام أبو الفرج الأعرجى، شمس الأئمة، الخطيب، الفقيه، الحاسب، المدرس، المفتى، المناظر، الواعظ، الرئيس، المقدم، ذو المحاسن العديدة. وكان شيخ العلماء بخوارزم غير منازع، أكثر من خمسين سنة. وكان مائلا إلى الحديث. سمع من: شيخ القضاة إسماعيل بن البيهقى، ومن الزمخشرى وغيره. وكان ثقة عدلا. مات فى ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، وتزاحموا على سريره، وجاوز الثمانين. نقلت هذه الترجمة هكذا من خط الحافظ الذهبى، فيما انتقاه من المجلد الأول من تاريخ خوارزم للحافظ الرحال محمود بن محمد بن عباس بن أرسلان الخوارزمى. وذكر أنه نحو من ثمان مجلدات كبار. انتهى. ٢١ ـ محمد بن أحمد بن سنان بن عبد الله بن عمر بن مسعود العمرى، المكى: كان من أعيان القواد العمرة. توفى فى آخر سنة أربع، أو فى سنة خمس وثمانين وسبعمائة مقتولا فى الحمام بمكة، قتله بعض الأشراف. ٢٢ ـ محمد بن أحمد بن ظهيرة بن أحمد بن عطية بن ظهيرة القرشى المخزومى، المكى الخطيب كمال الدين أبو الفضل بن قاضى مكة وخطيبها شهاب الدين: ولد فى حادى عشر ربيع الأول سنة ست وخمسين وسبعمائة بمكة.

стр. 424

وسمع بها على الفقيه خليل المالكى: جانبا معينا من آخر الموطأ، رواية يحيى بن يحيى. وعلى القاضى عز الدين بن جماعة: منسكه الكبير على المذاهب الأربعة والأربعين التساعية له، وجزء ابن نجيد، والبردة للبوصيرى عنه إجازة. وعلى ابن جماعة، والقاضى موفق الدين عبد الله الحنبلى: مسند عبد بن حميد بفوت، وعلى محمد بن أحمد بن عبد المعطى: صحيح ابن حبان. وأجاز له من مصر: ابن القطروانى، وابن الرصاص، والجزائرى، وناصر الدين الفارقى، وناصر الدين التونسى، وفتح الدين القلانسى، وآخرون. ومن دمشق: عبد الله ابن قيم الضيائية وآخرون. وحدث بمسموعاته أو أكثرها، وبأشياء كثيرة عن شيوخه بالإجازة. وناب فى الخطابة بمكة عن أبيه، وعن القاضى عز الدين النويرى. وباشر فى الحرم. وأضر بأخرة سنين، وكان دائم الدهر ملازما لبيته، كافيا للناس خيره وشره. وتوفى فى آخر ليلة الأحد خامس صفر سنة تسع وعشرين وثمانمائة بمكة، ودفن بالمعلاة. * * * من اسمه محمد بن أحمد بن عبد الله ٢٣ ـ محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبى بكر بن محمد بن إبراهيم، قاضى مكة، جمال الدين بن الشيخ محب الدين الطبرى المكى الشافعى، يكنى أبا عبد الله، وأبا محمد، وأبا أحمد: ولد يوم السبت سادس صفر سنة ست وثلاثين وستمائة بمكة. وسمع بها من ابن أبى حربى: صحيح البخارى. ومن شعيب الزعفرانى، وابن الحميرى: الأربعين الثقفية، والأربعين البلدانية للنسفى. وعلى ابن الحميرى: معجم الإسماعيلى، وسنن الشافعى رواية المزنى، وغير ذلك. وعلى جماعة. وحدث، أفتى، ودرس. وله تآليف، منها: «التشويق إلى البيت العتيق» فى المناسك، و «نظم كفاية المتحفظ» فى اللغة. وله نظم حسن. وناب فى الحكم بمكة عن قاضيها عمران بن ثابت الفهرى. ثم ولى قضاءها بعد

стр. 425

عمران فى صفر سنة ثلاث وسبعين وستمائة. ثم عزل نفسه سنة خمس وسبعين. ثم جاء أمر الملك المظفر صاحب اليمن بعوده فى سنة ست وسبعين. واستمر حتى مات فى غالب الظن، وولايته لبعض هذه المدة مخففة. وقد أثنى عليه غير واحد، منهم: البرزالى؛ لأنه ترجمه: بالقاضى العلامة. قال: وكان فقيها فاضلا، وله شعر جيد. ومنهم: الحافظ الذهبى؛ لأنه قال: كان متقنا للفقه والعربية. ومنهم: أحمد بن أيبك الدمياطى؛ لأنه قال: كان فاضلا فى علوم وترجح على والده. وذكر أنه توفى فى ذى القعدة سنة أربع وتسعين وستمائة. وهكذا ذكر وفاته البرزالى نقلا عن الشيخ عبد الله بن خليل المكى. وذكر أنه توفى بمكة، وأنه كان قاضيا بها مدة سنين. انتهى. وأرخ وفاته بهذه السنة الذهبى فى العبر، وفى تاريخ الإسلام، إلا أنه قال فى تاريخ الإسلام: مات فى ذى القعدة أو قبلها بعد أبيه بيسير. وقال فيه أيضا: أصابه فالج جده. وجزم فى العبر بوفاته قبل أبيه، وتبعه على ذلك الإسنائى فى طبقاته، وهو وهم منهما؛ لأنى وجدت بخط القاضى نجم الدين بن القاضى جمال الدين الطبرى المذكور كتابا ذكر فيه: أن المظفر صاحب اليمن زاد جده المحب الطبرى والد المذكور فى معلوم التدريس فى المدرسة المنصورية بمكة. ولم يزل ذلك مستمرا إلى أن مات أخذها الولد كذلك. والدلالة من هذا الكلام على أن المذكور توفى بعد أبيه ظاهرة. أنشدنى القاضيان أبو محمد بن أحمد بن عبد العزيز، وأبو العباس أحمد بن أبى عبد الله القرشيان إذنا بخطهما عن القاضى نجم الدين محمد بن القاضى جمال الدين محمد بن الشيخ محب الدين الطبرى، إجازة إن لم يكن سماعا. قال: أنشدنا والدى لنفسه قصيدة نبوية أولها: أنخ أيها الصادى الشديد ظماؤه ... ورد منهلا أحلا من الشهد ماؤه وسل عند باب المصطفى أى حاجة ... أردت وما تهوى فرحب فناؤه ولا تخش إذ أصبحت جارا لمن غدا ... كفيلا بأمن الخائفين التجاؤه ومنها: ليهنك يا قلبى فذا ثمر المنى ... بساحة خير المرسلين اجتناؤه

стр. 426

وبشراك يا من حل فى ذاك الحمى ... وبل غليلا وانجلت بر حاؤه فيا قاصدنه قم أمام ضريحه ... وحسبك فخرا أن حواك إزاؤه وقبل وضع فى الترب خدك خاضعا ... ولذ عائذا واطلب وسل ما تشاؤه ففى ذلك النادى منى كل آمل ... وفيه لمن وافى عليلا شفاؤه لعمرك قد حلت مفاخر أحمد ... ونمت أياديه وعم ثناؤه ولم لا وهذا المجتبى من ذرى العلا ... وبيت لمحض المكرمات بناؤه خلاصة عز من لؤى بن غالب ... وجوهر إفضال تبدّا صفاؤه تغذى لبان المجد طفلا فأصدرت ... موارده ما كان منه ارتواؤه سما فى سموات السمو فأشرقت ... شموس سناه واستبان بهاؤه ٢٤ ـ محمد بن أحمد بن عبد الله بن عبد المعطى بن مكى بن طراد الأنصارى، المكى، جمال الدين، يكنى أبا الفضائل، وأبا عبد الله، المعروف بابن الصفى: ولد فى سادس صفر سنة اثنتين وسبعمائة بمكة. وأجاز له من شيوخها فى سنة ثلاث وسبعمائة: أمين الدين بن القطب القسطلانى، والشرف يحيى بن محمد بن على الطبرى، وتفرد بإجازتهما وغيرهما من شيوخ مكة وغيرها. وسمع بها على الفخر التوزرى: الموطأ، رواية يحيى بن يحيى، ورواية أبى مصعب وصحيح مسلم، وجامع الترمذى، والشمائل له، والملخص للقابسى، والشفا للقاضى عياض، والثقفيات، والخلعيات، والقبلانيات، والقصائد الوترية لابن رشيد عنه، ومشيخة ابن الحميرى، والفوائد المدنية من حديثه عنه. وعلى جده لأمه الصفى الطبرى ـ وبه عرف ـ وأخيه الرضى: صحيح البخارى، وصحيح ابن حبان، خلا من قوله: ذكر البيان بأن عند وقوع الفتن على المرء محبة غيره ما يحبه لنفسه، إلى آخر الكتاب. فعلى الرضى فقط وعليهما: الثقفيات، والسادس، والسابع، والثامن من المحامليات، وثانى حديث سعدان، وجزء سفيان بن عيينة. وراجع الإعراب للنسائى، وفوائد العرائس للنقاش وغير ذلك. وعلى الرضى فقط جامع الترمذى بفوت، وتاريخ مكة للأزرقى وغير ذلك. وعلى أبى عبد الله بن محمد بن على بن قطرال، وأبى عبد الله محمد بن محمد بن حريث: كتاب الشفا للقاضى عياض. وعلى فاطمة وعائشة بنتى القطب القسطلانى: سداسيات الرازى وغير ذلك.

стр. 427

وعلى الرضى على بن بجير الشيبى: فضل رمضان لأبى اليمن بن عساكر، وغير ذلك على جماعة آخرين. وحدث بكثير من مسموعاته. وتفرد منها بأشياء. سمع منه جماعة من شيوخنا، منهم: الحافظان العراقى، والهيثمى، ونور الدين الفوى، وابن شكر، ووالدى، والقاضى جمال الدين بن ظهيرة وجماعة. وكان رجلا صالحا ديّنا. ولزم الشيخ عبد الله اليافعى مدة، وأخذ عنه الفرائض، وبرع فيها. واشتغل بالفقه كثيرا، ولم يتميز فيه. توفى فى تاسع عشر شهر رجب، سنة ست وسبعين وسبعمائة بمكة، ودفن بالمعلاة. ٢٥ ـ محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد القاشانى الفقيه أبو زيد، المروزى، الشافعى: روى عن محمد بن يوسف الفربرى: صحيح البخارى. وحدث عنه بمكة. وجاور بها سبع سنين. وسمع من أصحاب على بن حجر. روى عنه: الدارقطنى وغيره. وأخذ الفقه عن أبى إسحاق المروزى. وعنه أخذ القفال المروزى. قال الخطيب: كان أحد أئمة المسلمين، حافظا لمذهب الشافعى، حسن النظر، مشهورا فى الزهد والورع. توفى يوم الخميس ثالث عشر شهر رجب سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة بمرو، قاله أبو نعيم. ومولده سنة إحدى وثلاثمائة، انتهى. وما ذكرناه من مجاورته بمكة سبع سنين ذكره صاحب المرآة نقلا عن الخطيب البغدادى، ولم أره فى تاريخه. وكذلك ذكره أيضا الإسنائى.

стр. 428

٢٦ ـ محمد بن أحمد بن عبد الرحمن القرشى، العلامة الكبير، شمس الدين، المعروف بابن خطيب بيرود، الدمشقى، الشافعى: ولد سنة إحدى وسبعمائة. سمع على ما ذكر من الحجار ووزيره: صحيح البخارى. وتفقه على فقيه الشام البرهان بن الفركاح وغيره. وأخذ الأصول عن الشيخ شمس الدين الأصبهانى، شارح مختصر ابن الحاجب وكانت له فيه يد طولى مع معرفة جيدة بالفقه والأدب. وأفتى ودرس بمشهد الإمام الشافعى رضى الله عنه، بالقرافة وبالجامع الحاكمى، بعد الشيخ شمس الدين بن اللبان. ثم ترك ذلك للشيخ بهاء الدين أحمد بن الشيخ تقى الدين السبكى. وعوضه عنه أخوه القاضى حسين بن القاضى تقى الدين السبكى بدرس الشامية البرانية ظاهر دمشق. فباشرها مدة سنين، ثم تركها. وتوجه إلى الحجاز فى موسم سنة ستين وسبعمائة. وجاور بمكة نحو ثلاث سنين، على ما أخبرنى به بعض أقاربه. وكان جاور بها قبل ذلك فى سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة. ثم توجه إلى مصر، ثم عاد إلى مكة وجاور بها، ثم عاد إلى مصر، ثم توجه إلى مكة. وقد ولى قضاء المدينة بعد الحكرى، وباشره نحو سنتين ثم عاد إلى مصر بعد الحج من سنة ثمان وستين. وولى بها تدريس مدرسة أم الملك الأشرف صاحب مصر. ثم توجه إلى دمشق فى سنة إحدى وسبعين، وعاد فى آخرها إلى تدريس الشامية البرانية بعد موت القاضى تاج الدين السبكى، واستمرت معه حتى مات. وكان سئل فى تركها لمن فيه أهلية وافرة من جهة العلم على عوض. فتوقف تورعا. وكانت وفاته فى سادس عشر شوال سنة سبع وسبعين وسبعمائة بدمشق، ودفن بباب الصغير. سامحه الله تعالى. ٢٧ ـ محمد بن أحمد بن عبد الرحمن، الدمشقى الأصل، المدنى المولد والدار، الشافعى الإمام، المفنن، أبو الفضائل جمال الدين، المعروف بابن الشامى: سمع بالمدينة من العفيف المطرى، وتخرج به، وبدمشق من عمر بن أميلة. وبمصر من جويرية بنت الهكارى وغيرها. وله عناية بهذا الشأن، وكتب فيه طباقا عديدة.

стр. 429

وأخذ الفقه عن العلامة عماد الدين إسماعيل بن خليفة الجبائى بدمشق، وأذن له فى الإفتاء والتدريس. وكان فاضلا فى فنون، وله خط حسن. وتوفى فى يوم الثلاثاء فى نصف صفر سنة تسع وسبعين بمكة. ودفن بالمعلاة، ولم يكمل الأربعين. ٢٨ ـ محمد بن أحمد بن الوجيه عبد الرحمن بن عبد المعطى بن مكى بن طراد الأنصارى، الخزرجى، المكى، المعروف بالوجيه. وهى شهرة جده: سمع على الشيخ خليل المالكى وغيره بمكة. وتوفى بها فى أوائل شعبان سنة ست وثمانمائة، ودفن بالمعلاة عن أربع وثمانين سنة؛ لأنه ولد فى سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة، على ما أخبرت به عنه، وكان يدعى بآخره سنا أعلا من هذا. والله أعلم. ٢٩ ـ محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن القاسم بن عبد الرحمن بن القاسم بن عبد الله، الهاشمى، العقيلى: قاضى مكة، وخطيبها، وعالمها، كمال الدين أبو الفضل، النويرى، الشافعى. ولد ليلة الأحد مستهل شعبان سنة اثنين وعشرين وسبعمائة بمكة. وسمع بها من جده لأمه القاضى نجم الدين الطبرى: بعض السيرة لابن إسحاق، تهذيب ابن هشام. وأجاز له ومنه القاضى زين الدين الطبرى، وعيسى الحجى، وغيرهما: جامع الترمذى، وعلى الحجى: صحيح البخارى، فى سنة ثلاث وثلاثين. وبالمدينة من الزبير الأسوانى: الشفا للقاضى عياض، وغير ذلك على غيرهم بالحرمين. كما سيأتى فى ترجمة أخيه القاضى نور الدين النويرى. ثم رحل فى طلب العلم. فسمع بدمشق من مسندها أحمد بن على الجزرى: جزء آدم بن أبى إياس، وعلى الحافظ أبى الحجاج المزى: مجلسا من أماليه، فيه حديث «الأعمال بالنيات» (١). ومقطوعان له أحدهما: فى ثواب عيادة المريض. والآخر: فى

стр. 430

مذاكرة العلم. وحدث عنه بصحيح البخارى سماعا، خلا فوتا شملته الإجازة، وعلى القاضى شمس الدين محمد بن أبى بكر النقيب: الأربعين الحديثية، لشيخه شيخ الإسلام محيى الدين النواوى عنه. وتفقه عليه، وعلى قاضى دمشق العلامة تقى الدين على بن الكافى السبكى. وأخذ العلم أيضا عن التاج المراكشى بدمشق. وبمكة عن: الشيخ جمال الدين بن هشام، أخذ عنه العربية. والشيخ ولى الدين المعروف بالمنفلوطى، أخذ عنه فنونا من العلم، وانتفع به فى ذلك كثيرا، وبالتاج المراكشى. وحصل من العلم على أوفر نصيب، رقى به أعلا الذروة، واشتهر ذكره، وبعد صيته، وصار المنظور إليه ببلده، بل بالحجاز كله، ودرس، وأفتى، وناظر، وحدث. وناب فى الحكم عن خاله القاضى شهاب الدين الطبرى. ثم ولى قضاء مكة بعد صرف القاضى تقى الدين الحرازى، فى أثناء سنة ثلاث وستين وسبعمائة. وباشر ذلك من استقبال رمضان هذه السنة، واستمر على ذلك حتى مات. وولى مع ذلك خطابة الحرم ونظره. وكان يعبر عن نظره فيما مضى بمشيخة الحرم وحسبة مكة، وتدريس الثلاثة مدارس التى لملوك اليمن بمكة، وهى المنصورية، والمجاهدية، والأفضلية. وهو أول من درس بالأفضلية، وكان يسكن بها، وإليه نظر هذه المدارس. وولى تدريس درس بشير الحمدار مشافهة منه. ودرس الحديث لوزير بغداد، ودرس

стр. 431

الفقه للملك الأشرف شعبان، صاحب مصر. ولم تجتمع هذه الوظائف لأحد قبله من قضاة مكة، وبعضها لم يكن إلا فى زمنه. واستمر على ولايته لجميع ذلك إلى أن مات، إلا أنه صرف عن المدارس قبيل وفاته، ولم يصل الخبر بذلك إلا بعد مماته. وكان السبب الأعظم فى عزله عن المدارس: أنه منع القاضى زكى الدين الخروبى تاجر الخواص السلطانية بالديار المصرية؛ إذ كان مجاورا بمكة فى سنة خمس وثمانين وسبعمائة من تحصيب المسجد الحرام، وقال له: لا يكون هذا إلا من مال السلطان، يعنى: صاحب مصر. وعارضه أيضا فى غير ذلك من مراده بمكة، فشق ذلك على الخروبى كثيرا وأحب إيذاء المذكور، وما وجد إلى ذلك سبيلا إلا من جهة المدارس بمكة، وأمرها لصاحب اليمن. وكان إذ ذاك الملك الأشرف إسماعيل بن الأفضل عباس بن مجاهد على بن المؤيد داود بن المظفر يوسف بن المنصور عمر بن على بن رسول. وكان للخروبى عند الأشرف مكانة لقيامه بمصالحه فى التجارة وغيرها بمصر. ولما عرف الأشرف رغبته فى ذلك، عزل المذكور عن ذلك. وكان قبل ذلك وشى إليه بعض الناس بهذا القاضى. فما قبل فيه قول الواشى، وكتب إليه بخطه يقول له: أنت على نظرك وتدارسك، لا يقبل فيك نقل ناقل، كيف والقول فيه مكذوب. هذا معنى ما بلغنى من كتابة الأشرف إلى القاضى. وكان يصل إليه من الأشرف صلة طائلة فى موسم كل سنة، بسبب خطبته له بمكة، وقيامه بالهدى عنه بمنى، وهدية يهديها القاضى إليه. وبلغنى: أنه وصل إليه من الأشرف بسبب ذلك فى بعض السنن سبعة وعشرون ألف درهم. وما ظفر بذلك من صاحب اليمن قاض بعده. وغاية ما ظفر به بعضهم نحو ثلث ذلك وأقل. ثم انقطع ذلك مع ما كان يصل لأمير مكة والمؤذنين، وما جرت به العادة من مدة خمس سنين متوالية، أولها: سنة أربع عشرة وثمانمائة، لتغير صاحب اليمن الملك الناصر أحمد بن الأشرف على صاحب مكة.

стр. 432

وكان أميرا بمكة فى عصر عجلان وابنه أحمد يراعيانه كثيرا، لتحققهما أن له عند المصريين قدرا خطيرا وكان يراعيهما فيما ليس فيه ملامة؛ لأنهما سألاه فى الخطبة بمكة لصاحب العراق شيخ أويسى لما وصلهما منه هدية سنية، ففعل ذلك وقتا، ثم ترك ذلك حتى الآن. وكان يقول ولاة الحكم بمكة: أمر أهل الحرم إلىّ، فلا يعرضوا لهم بحكومة، ويكفهم عن ذلك كثيرا. فعز أهل الحرم عند الدولة بذلك. وكان السيد أحمد بن عجلان يتردد إليه كثيرا لما يعرض له من الحوائج عنده، فيجتمعان بأسفل الأفضلية، وربما أمر القاضى باطلاعه إليه إلى مجلسه بوسط الأفضلية، فيفعل ذلك السيد أحمد بن عجلان بمشقة عظيمة لثقله باللحم. وأثر ذلك فى نفسه شيئا مع تأثيره من معارضة القاضى له فى بعض مقاصده، وحمله ما فى نفسه من الأثر على أن مكن بعض الناس من الإساءة بالقول على القاضى بحضرتهما وحضرة ملأ من الناس، فعرف القاضى أن ذلك أمر صنع بليل، وأنه عليه كثير الميل. فألزم نفسه الصبر، ليفوز بما فيه من الأجر، وكان على الأداء صبورا، وعند الناس مشكورا، ولم يكن يطمع بوظيفة القضاء فيما مضى. وبلغنى أنه قال للنجاب حين جاءه مبشرا بذلك: المراد غيرى ـ يعنى الحرازى ـ لأنه ظن أن الذى مع النجاب استمرار الحرازى. فما كان إلا له، وصدق بذلك ما بشره به خطيب دمشق جمال الدين محمود بن جملة؛ لأنه كان قال له فى حياة خاله: بينا أنا بين الركنين خطر لى أنك تكون قاضيا بمكة، فاستبعد ذلك لضعف حاله فلما مات خاله جاءه كتاب المذكور من دمشق يقول له فيه: بلغنا موت القاضى شهاب الدين الطبرى، وصلينا عليه صلاة الغائب، وما كان لك سوف يصلك على ضعفك وإن كرهت، أو قال: وإن عجزت. هذا معنى ما بلغنى من كتابه. وأول ما سعى له فى الخطابة بمكة، وكتب له محضرا ليقف عليه من له الكلام فى الولاية فيعرف أهليته لذلك، وكتب فيه جماعة من جلة علماء الديار المصرية ـ إذ ذاك ـ وهم: الشيخ شهاب الدين أحمد بن النقيب صاحب مختصر الكفاية، والشيخ جمال الدين عبد الرحيم الأسنوى صاحب المهمات وغيرها، والشيخ بهاء الدين بن الشيخ تقى الدين السبكى، وهو المحرك لهذه القضية.

стр. 433

ولما سعى له فى الخطابة عند من له الكلام، قال: إن كان يصلح لجميع الوظائف فيولاها، فعرف بأهليته لذلك، فأشار بولايته لجميع ذلك، فتم ذلك. وكان ذا يد طولى فى فنون من العلوم مع الذكاء المفرط والفصاحة والإجادة فى التدريس والإفتاء والخطبة، ووفور العقل والجلالة عند الخاصة والعامة. ومع ذلك فهو كثير التواضع مع الفقراء وأهل الخير، مكرما لهم. وحصل له بذلك خير كثير ولأولاده. وكان كثير المروءة والمكارم؛ لأنه كان يخدم الأعيان الواردين إلى مكة بما يليق بجلالهم، وربما هادى بعضهم إلى بلده. وكان يديم البر لجماعة من أقاربه وغيرهم من أهل الخير. وكان يقوم بكلفة كثير ممن يسافر معه إلى الطائف وإن كثروا، وتكرر ذلك منه مرات. وقام أيضا عمن سافر معه إلى المدينة النبوية بكثير من الكلف، وآخر قدماته إليها فى موسم سنة ثمانين وسبعمائة، وجاور بها إلى أثناء السنة التى بعدها وخطب فى بعض هذه المدة بالحرم النبوى، وأم الناس به نيابة عن ولده خال قاضى الحرمين محب الدين النويرى. وكان إذ ذاك قاضى المدينة وخطيبها وإمامها، وقل أن اتفق ذلك لغيرهما، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وتيسر لكل منهما ما لم يتيسر للآخر. فما تيسر للأب سعة الرزق عليه بأخرة، بحيث أنه مات ولا دين عليه، وهذه نعمة عظيمة، سيما ببلاد الحجاز، فقل أن اتفق ذلك فيه لرئيس، وخلف تركة غير طائلة، وهو جدى لأمى. توفى يوم الثلاثاء ثالث عشر شهر رجب سنة ست وثمانين وسبعمائة، وهو متوجه من الطائف إلى مكة، فنقل إليها، ودفن بالمعلاة بعد الصلاة عليه بالحرم الشريف. وكان يخيل له: أنه يموت فى مرضه هذا؛ لأن منجما بالشام أخبره بنيله رياسة بلده فنال ما سبق، وبمبلغ سنه. فذكر قوله لما ابتدأ به المرض، وحسب عمره فإذا هو موافق لقول المنجم، فتم عليه الفناء المتحتم. أخبرنى جدى لأمى قاضى القضاة كمال الدين أبو الفضل النويرى إذنا، وأخوه القاضى نور الدين على بن أحمد سماعا غير مرة: أن المعظم عيسى بن المغيث عمر بن العادل أبى بكر بن الكامل محمد بن العادل أبى بكر بن أيوب أخبرهما سماعا بالحرم

стр. 434

الشريف، قال: أخبرتنا السيدة مؤنسة خاتون بنت الملك العادل أبى بكر بن أيوب سماعا، قالت: أخبرتنا أم هانى عفيفة بنت أبى بكر أحمد بن أبى عبد الرحمن بن أبى بكر محمد الأصبهانية إجازة من أصبهان قالت: أخبرتنا أم إبراهيم فاطمة بنت أحمد بن القاسم الجوزدانية، قراءة عليها وأنا أسمع، قالت: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن ربذة التاجر، قال: أخبرنا أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير الطبرانى الحافظ، قال: حدثنا أبو مسلم الكشى قال: حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد عن أيمن ابن نايل عن قدامة بن عبد الله رضى الله عنه، قال: «رأيت رسول الله ﷺ يرمى جمرة العقبة على ناقة صهباء لا ضرب ولا طرد ولا جلد ولا إليك إليك». وبه إلى مؤنسة قالت: وأخبرنا أبو الحسن المؤيد بن محمد بن على الطوسى النيسابورى فى كتابه إلينا من نيسابور، قال: أخبرنا فقيه الحرم الشريف أبو عبد الله محمد بن الفضل بن أحمد بن محمد الصاعدى الفراوى، قراءة عليه وأنا أسمع بنيسابور. وبه إلى مؤنسة قالت: وأخبرنا أبو روح عبد العزيز بن محمد بن أبى الفضل الهروى البزاز فى كتابه إلينا من هراة. قال: أخبرنا أبو القاسم تميم أبى سعيد الجرجانى، قراءة عليه وأنا أسمع بهراة. وبه إلى مؤنسة، قالت: وأخبرتنا أم المؤيد زينب بنت أبى القاسم عبد الرحيم بن الحسن الشعرى الجرجانى فى كتابها إلينا من نيسابور، قالت: أخبرنا أبو محمد إسماعيل ابن أبى القاسم بن أبى بكر بن عبد الرحمن بن القارئ، قراءة عليه وأنا أسمع بنيسابور، قالوا: أخبرنا أبو حفص عمر بن أحمد بن مسرور الزاهد، قال: أخبرنا أبو عمرو إسماعيل بن مجيد بن أحمد السلمى، قال: حدثنا أبو مسلم الكجى، قال: حدثنا أبو عاصم عن أيمن بن نايل عن قدامة بن عبد الله رضى الله عنه، قال: «رأيت رسول الله ﷺ على ناقة صهباء يرمى الجمرة ولا ضرب ولا طرد ولا جلد ولا إليك إليك».

стр. 435

وأخبرنيه بهذا العلو مع الاتصال: أم عيسى مريم بنت أحمد بن محمد الأذرعى بقراءتى عليها بمنزلها ظاهر القاهرة فى الرحلة الأولى: أن أبا الحسن على بن عمر بن أبى بكر الصوفى أخبرها سماعا فى الخامسة وتفردت عنه، قال: أخبرنا العلامة شرف الدين محمد بن عبد الله بن أبى الفضل المرسى، قال: أخبرنا الأشياخ الثلاثة المؤيد بن محمد الطوسى، وأبو روح عبد العزيز محمد الهروى، وأم المؤيد زينب عبد الرحمن الشعرى بسندهم السابق. أخرجه الترمذى فى الحج من جامعه عن أحمد بن منيع عن مروان بن معاوية. وأخرجه النسائى فيه من سننه عن إسحاق بن إبراهيم. وأخرجه ابن ماجة فيه من سننه عن أبى بكر بن أبى شيبة كلاهما عن وكيع كلاهما عن أيمن بن نايل. فوقع لنا عاليا بحمد الله ومنه. أنشدنى جدى لأمى القاضى أبو الفضل النويرى إجازة، وأبو عبد الله محمد بن على البكرى بقراءتى عليه: أن الحافظ أبا الحجاج المزى أنشدهما لنفسه، سماعا لجدى وإجازة للبكرى: من حاز العلم وذاكره ... صلحت دنياه وآخرته فأدم للعلم مذاكرة ... فحياة العلم مذاكرة وأنشدنى المذكوران كما سبق ذكره: أن الحافظ أبا الحجاج المزى أنشدهما لنفسه: إن عاد يوما رجل مسلم ... أخا له فى الله أو زاره فهو جدير عند أهل النهى ... بأن يحط الله أو زاره ٣٠ ـ محمد بن أحمد بن عبد القوى نجم الدين بن ضياء الدين الإسنائى: ذكره الشيخ جمال الدين الإسنائى فى طبقاته، فقال: كان عالما فاضلا فى علوم كثيرة، صالحا، زاهدا، قواما فى الحق. قرأ فى صباه بقوص على قاضيها نور الدين الإسنائى، ثم رحل إلى القاهرة، فلازم الاشتغال (١) بها ملازمة كثيرة شديدة، بحيث كان يبحث فى اليوم والليلة على المشايخ نحو اثنا عشر درسا فى عدة من العلوم، ويحرر فى باقى الليل ما كان قد بحثه فى ذلك اليوم.

стр. 436

وأقام على ذلك مدة، ثم عاد إلى بلده ودرس فيها بالمدرسة الإفرمية المعزية، وبالمدرسة المحدثة، وبجامعها العتيق. وانتصب للاقراء والتصنيف، فانتفع به كثيرون. وصنف تصانيف كثيرة فى علوم متعددة، منها: كتاب جامع الأصول على أبواب الفقه، ثم ترك ذلك. وجاور بمكة ـ شرفها الله تعالى ـ ولزم العبادة، وخشونة العيش، ومجاهدة النفس، ومجالسة أهل القلوب. إلى أن توفى بمنى ليلة الجمعة لإحدى عشرة ليلة خلت من ذى الحجة سنة ثلاث وستين وسبعمائة عن نحو سبعين سنة. ونقل إلى المعلاة وشهد جنازته خلق كثير. انتهى. وذكره الشيخ زين الدين العراقى فى ذيله على ذيل والده على العبر للذهبى. ٣١ ـ محمد بن أحمد بن عثمان بن عجلان ـ بكسر العين ـ القيسى الأشبيلى: ولد سنة ثمان وأربعين وستمائة فى صفر. وأجاز له ـ باستدعاء أبيه ـ مسند تونس أبو الحسين أحمد بن محمد بن السراج، وحدث عنه ببعض الروض الأنف للسهيلى عنه. سمع ذلك منه بمصر الحافظ أبو الفتح بن سيد الناس اليعمرى بقراءته. وحكى عنه: أنه قيد جده عجلان ـ بكسر العين. وذكر ابن سيد الناس أنه توفى سنة أربع وعشرين وسبعمائة بمكة بعد الحج. وذكر القطب الحلبى فى تاريخه: أنه توفى بمكة فى آخر عام أربع وعشرين وسبعمائة أو فى أوائل عام خمسة وعشرين وسبعمائة. ووجدت بخط المحدث جمال الدين إبراهيم بن القطب الحلبى، فى تاريخ أبيه فى ترجمة المذكور: أنه توفى وهو متوجه إلى الحج قريبا من عقبة أيلة (١)، فى سنة أربع وعشرين. ونقل ذلك عن أبى البركات الفاسى. ٣٢ ـ محمد بن أحمد بن عثمان بن عمر التونسى، العلامة، المفنن، البارع، أبو عبد الله، المعروف بالوانوغى: نزيل الحرمين الشريفين. ولد ـ فى غالب ظنى ـ سنة تسع وخمسين وسبعمائة بتونس، ونشأ بها.

стр. 437

وسمع بها من مسندها ومقرئها أبى الحسن بن أبى العباس البطرنى فى خاتمة أصحاب الأستاذ أبى جعفر بن الزبير بالإجازة. وله من البطرنى إجازة بجميع ما يرويه. وسمع من مفتى تونس وعالمها الشيخ أبى عبد الله محمد بن عرفة الورغمى، وأخذ عنه: التفسير والفقه فى التهذيب للبرادعى، وفى مختصرى ابن الجلاب وابن الحاجب، وفى تأليف شيخه ابن عرفة فى الفقه. سمع عليه أكثره، وأخذ عنه: المنطق والأصلين. وأخذ عن القاضى ولى الدين عبد الرحمن بن خلدون، المنطق والأصلين وعلوم الحساب والهندسة. وأخذ عن الشيخ أبى العباس: القضاء، والنحو فى عدة كتب، وأخذه عن غيره. وله بالعلم أتم عناية. وكان ذا معرفة بالتفسير، والأصلين، والمنطق، والعربية، والفرائض، والحساب، والجبر، والمقابلة وأما الفقه: فمعرفته به دون ما سبق. وكان إذا رأى شيئا وعاه وقرره، وإن لم يسبق له به عناية. وكان يعينه على ذلك ما منحه من شدة الذكاء وسرعة الفهم. وكان حسن الإيراد للتدريس والفتوى، وعلى كثير من الكلام يقوى. ويحفظ نكتا ظريفة وأشعارا لطيفة، وينشدها بصوت حسن. وفيه مروءة ولطف فى المعاشرة. وله تأليف على قواعد شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام الشافعى. ذكر أنه زاد عليه فيما أصله فوائد كثيرة، ورد عليه كثيرا مما قاله، وأوقفنى على موضع من ذلك يتعلق بفضل مكة والمدينة، فرأيت فيه ما ينتقد فى مواضع منه، ولا أبعد أن يكون فيه كثير من هذا المعنى. وله سؤالات فى فنون من العلم، تشهد بفضله، وهى عشرون سؤالا بعثها من المدينة يتعرف جواب علماء الديار المصرية عنها، فتصدى للجواب عنها مولانا وشيخنا قاضى القضاة شيخ الإسلام جلال الدين بن مولانا شيخ الإسلام سراج الدين البلقينى، أمتع الله بحياته، ورد عليه كثيرا مما قاله فيها. ووصل ذلك إلى المذكور. فذكر لى أنه رد ما ذكره شيخ الإسلام. وله فتاوى كثيرة متفرقة لم يسدد فى كثير منها لمخالفته فى ذلك المنقول، ومقتضى القواعد.

стр. 438

وقد بينت أشياء من ذلك فى عدة من أجوبته، وما وقف إلا على بعض ذلك. وأجاب عنه بما لا يخلو من نظر، وثم عليه فى بعضها تناقض ظاهر لاختلاف جوابه فى الواقعة الواحدة. ويقال: إنه كان يقصد بذلك مراعاة خواطر السائلين. وهذا مما عيب عليه. وعيب عليه أيضا كثرة إطلاقه للسانه فى أعيان من العلماء. وقد سمعت منه أشياء من ذلك. منها: أنه قال: إن شراح مختصر ابن الحاجب فى الفقه لم يفهموه. وسمعت بعض الناس يذكر له كلاما للشيخ أبى محمد بن أبى حمزة فى الإعراض عن كتاب الزمخشرى فى التفسير والإقبال على تفسير ابن عطية وغيره من علماء السنة. فقال: هذا الكلام ما يسوى حبة. وسألته عن كلام العراقى فى الأصول فلم يحمده. وسمعته كثيرا لا يثبت لشيخه ابن عرفة فى أكثر الفنون كثير معرفة. وكان لتآليف ابن عرفة يعيب. وأكثر ظنى: أنه فى ذلك غير مصيب. ووجدت بخط الوانوغى من الزلل فى حق العلماء أكثر مما سمعت منه. وذلك فى وريقات ذكر فيها اشتغاله بالعلوم لسؤال بعض الناس له عن ذلك. فمما فيها ـ بعد ذكره مختصر ابن الحاجب الفرعى ـ: ولم يوفق أحد من شراحه إلى شرحه كما ينبغى، بل كلها أفسده وأفسد مسائله. وبادر إلى الاعتراض عليه وإلى تخطئته، ولم يقع على الغرض الذى قصده المصنف، ثم قال: وله اصطلاحات وعبارات شرحها الشراح مفرقة، وشرحها بعضهم مجموعة لم يصادفوا فيها المقرر، ولا أصابوا شاكلة الرمى. وقد سمعت قراءة هذا الكتاب على الشيخ ابن عرفة مرارا. وكانت قراءته فيه هينة، وقراءته للمدونة أحسن، وكان مولعا بالرد عليه وعلى شارحه ابن عبد السلام. وسمعت على الشيخ ابن عرفة كتاب مسلم، سماع تفهم وبحث. ولم يكن له اشتغال بعلم الحديث، فلم ينظر فيه نظر المحدث باصطلاح المعروف إنما يتكلم عليه ببعض ما ذكره صاحب الإكمال، وهو أحسن ما عليه. وبعده القرطبى على مختصره. وأما شرح النووى: فقليل الفائدة مع الطول المسئم.

стр. 439

وسمعت ابن عرفة يقول: لقد أتعب الناس فى نسخه، فهلا كتب كراسة فقط بما زاد على القاضى من ضبط الأسماء المشكلة، وكفى الناس المؤنة. وفيه مواضع كنت أنبه عليها وقت القراءة. ثم قرأت مختصر ابن الحاجب فى الأصول على أشياخ، وما رأيت منهم من شق له غبارا، وإنما يقرؤنه بالسلاطة وقوة الجأش. ثم قال: وعلى كثرة شروحاته، فهو محتاج إلى الشرح؛ لأنهم فى مواضع لا يفصحون بشرحها، بل يتركونها كما هى بينهم عموم وخصوص فى تفسير المسائل. وقد تكلمنا على كثير من مسائله المشكلة المهملة عند الشراح. وقد ألف الناس بعده فلم يبلغوا شأوه. ألف البيضاوى: كتاب المنهاج، سلك فيه طريقة الإمام الرازى على عادته. وألف ابن الساعاتى، وتبع فى ذلك طريقة الآمدى، وقصد حل كثير من أسئلة ابن الحاجب والرد عليه فى كثير من الأدلة بزعمه، فلم يصادف الغرض. وأصعب الطرق فى الأصول طريقة الحنفية. قرأت فيه كتاب ابن الساعاتى وأقرأته، وللتفتازانى على كتاب التوضيح لصدر الشريعة كتاب جليل. وإنما أتوا فى طريقهم من النظر فى الألفاظ مجردة عن اعتبار ما سيقت له، ومن عدم مساعدة الطبع والذوق، وليحترز الناظر فى البرهان من زلة ذكرها فى أول كتابه يقول: إنه اجتمع يوما مع ابن سينا، فتكلم معه فى تعليق العلم القديم بالجزئيات، فأورد عليه شبهة عجز عن حلها. فألزمه إنكار ذلك فأنكره، وكتبه هناك. ولعلها دست عليه فى كتابه. وقد اختصره ابن المنير فأبدع. وكذلك يحترز الناظر فى شراح ابن الحاجب، وفى كتب المتأخرين فى علم أصول الدين من زلة أطبقوا عليها لسبب مخالطتهم لكتب الفلاسفة. ومن ذلك كان يقول بعض الأشياخ فيهم: أفراخ الفلاسفة. وقد أوضحت فساد قولهم وزللهم فيما كتبت على المختصر. ثم قال بعد ذكره: قرأته فى علم أصول الدين والمدخل لقراءة هذا العلم عند أشياخنا: كتاب الإرشاد، وليس فيه شفاء العليل. ثم قال ـ بعد ذكره لعلم البيان، وما قرأ فيه ـ: وكان الشيخ أبو حيان على جلالته فى علم العربية ينبو عنه طبعه.

стр. 440

ثم قال ـ بعد ذكره لتلخيص المفتاح ـ: وعليه شروحات كثيرة، منها شرح السبكى وهو اسم شرح بلا مسمى. وفيما كتب المذكور بخطه غير هذا من هذا المعنى. وفيه أسطر مسودة لا يعرف ما فيها. وأخبرنى المكتوب إليه ذلك: أن فى المواضع المسودة كلاما نال فيه كثيرا من شيخه ابن عرفة. وكل ما رأينا من السواد هو عند ذكره ابن عرفة. وذكر لى الشيخ خليل بن هارون الجزائرى نزيل مكة، وهو المكتوب إليه على ما ذكر لى: أنه الذى سود ذلك؛ لأنه لم يستطع أن يرى ذما فى ابن عرفة لجلالة قدره. وليس كل ما نقلناه من خط الوانوغى فى كتبه مجتمعا على ما ذكرناه وإنما أكثره مفرق بخطه، ومراده بالبرهان: البرهان إمام الحرمين، وبالإرشاد: الإرشاد له. ووجدت بخطه على سؤال ذكر لى فيه: أن الشيخ الإمام تقى الدين السبكى يرى أن من يقدمه الأب على ابنه عند غيبة الجد أولى من الحاكم ما نصه بعد رده لكلام السبكى: والحاصل: أن فهم الشيخ مخالف للقواعد، وإطلاقات الأئمة، وتأويل على المذهب، أو مذهب على خلاف القواعد المجمع عليها، فلا يعتمده الحاكم، ولا يراعى ما وافقه من الحكم. والله أعلم. انتهى. فانظر إلى ما فى هذا اللفظ من عدم تحسين الخطاب فى حق الإمام السبكى وإلى ما فيه من التكرار بلا فائدة، أو عدم استقامة قوله، فإنه قال: والحاصل أن فهم الشيخ مخالف للقواعد. ثم قال: أو مذهب على خلاف القواعد المجمع عليها. فإن أراد بقوله: القواعد فى الموضعين: قواعد الشافعية، كان أحد اللفظين تكرار بلا فائدة، وإن أراد بذلك: قواعد الشافعية وغيرهم لم يكن ذلك مستقيما؛ لأن مذهب مالك لا ولاية للجد على ابن ابنه، وسبب تجريه بالولاية عليه لوصيه إن كان وإلا فللحاكم، على الزلل فى حق العلماء، فإنه كان كثير العجب بنفسه؛ بحيث يرى أنه لو لقى مالكا وغيره من الأئمة لحاجهم. وبلغنى عنه أنه كان يقول: لى أن أفتى بالشيء وضده، ولا أسأل عن ذلك، ونحى فى ذلك إلى نيله لرتبة الاجتهاد. ولم يكن لأهل عصره بكثير فضل معترفا، ولا كان فى البحث منصفا لحرصه على ترويج حجته، وإعلاء رتبته.

стр. 441

وكان يسارع إلى دعوى اتفاق أهل مذهبه ولدعوى الإجماع، ولا يخلو فى ذلك من نزاع، ولو أعرض عن جميع هذه الأمور، وعن إدخال نفسه فيما بين الناس من الشرور، وعما ينسب إليه من اتباع الهوى فى الفتن؛ لكان الثناء عليه أكثر وأجمل، ولعل لخدمته للعلم يعفى عنه كل زلل. وقد درس بالحرمين، وأفتى فيهما كثيرا. وكنت أتعرف رأيه فى كثير من مسائل الفقه، لما فى كثير منها من الغموض. وكان يستحسن تقريرى للسؤال عنها، وما أشير إليه من أثناء السؤال من الجواب عنه. وقد سوغ لى الإفتاء والتدريس فى المذهب، ورواية ما له من مروى ومصنف. وكتب لى خطه بذلك، وصورة ما كتبه: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم، يقول كاتبه العبد الفقير إلى ربه، محمد بن أحمد الوانوغى: إنه لما منّ الله سبحانه علىّ بالتردد إلى مكة المشرفة حاجا ومعتمرا ومجاورا، وطلبت الاجتماع بعلمائها وفضلائها وصلحائها وحكامها، كان ممن اجتمعت به وذاكرته وباحثته مرارا عديدة فى مسائل كثيرة من مسائل الفقه وغوامضه، وما يتعلق بها. وتكررت أسئلته عن ذلك كله، وباحثته فيها مرة بعد أخرى، السيد الفقيه الفاضل، الأعدل، الأكمل، الجامع للصفات الكاملة الحسنى، الأصيل، القاضى تقى الدين محمد ابن الشيخ الحسيب، الأصيل شهاب الدين أحمد بن على الفاسى، نفع الله بفوائده وعلومه الجليلة. وقد ورد علينا بالمدينة المشرفة، وحضر معنا درس الفقه والأصول، وأبدى فيه من فوائده ومباحثه الجليلة ما يليق بعلمه وفضله على طريقة أهل الفنون والمباحثة، فرأيته بذلك كله أهلا للتدريس، والفتوى، والحكم، وإفادة الطالبين مع ما جبل عليه من حسن الفهم، وحسن الإيراد، وسعة التأنى فى البحث والمراجعة فيه، فأوجب ذلك كله الإذن له فى التدريس، والفتوى، وإفادة الطلبة وحثه على الاشتغال بذلك كله، والملازمة له؛ لينتفع به الناس عموما وأهل بلده خصوصا، فإنى لم أر فى فقهاء المالكية بالحجاز كله من يقاربه فى جميع ما ذكر ـ نفع الله به ـ ولا فى اتصافه فى العلم، ولا فى الفهم عن الأئمة ـ زاده الله وإيانا فقها وعلما ـ فليتجرد ـ أعزه الله تعالى ـ لذلك، ويأخذ فيه بالحزم، والعزم لمسيس الحاجة فى ذلك، وافتقار الناس إليه زمانا ومكانا. والله سبحانه يسدده، ويوفقه للخير، والفهم، والجد فى العلم بمنه وكرمه.

стр. 442

وقد أجزت له مع ذلك أن يروى عنى جميع ما يصح لى روايته من مروى ومصنف بشرطه. قال: وكتبه العبد المسمى أوله: محمد بن أحمد الوانوغى المالكى، نزيل الحرمين الشريفين بتاريخ ثانى عشر من ذى الحجة الحرام سنة ثلاث عشرة وثمانمائة. انتهى. وكان حوى كتبا كثيرة ودنيا فيها سعة، بالنسبة إلى مثله فأذهبها بتسليفها لمن لا يتيسر منه كثير خلاص لفقره مع معرفته بحاله، ولكن يحمله على ذلك ما يلتزم له به المتسلف من الربح الكثير، وما حصل له من ذلك إلا اليسير. واتفق له فى طلب ذلك ما لا يليق بأهل العلم من كثرة التردد للباعة للمطالبة وإعراض بعضهم عنه فى حال طلبه واتفق ذلك له بالحرمين. وأول قدومه إليها سنة ثمانمائة فحج فيها وعاد إلى مصر، ثم عاد قبيل رمضان من التى بعدها إلى مكة، فجاور وحج فيها. وسار إلى المدينة، وتوصل منها إلى مصر بعد الحاج بمدة، فى أثناء سنة اثنتين وثمانمائة، وحج فيها، ومضى إلى المدينة واستوطنها. وصار يتردد إلى مكة فى كثير من السنين. ثم قدم مكة بأهله فى سنة خمس عشرة، فجاور بها نحو أربعة أشهر قبل الموسم وقبل فيها ما يقبله الحجازيون من الفتوح لضيق حاله. ومضى بعد الحج إلى المدينة وترك أهله بمكة، وصار يتردد إلى المدينة لما يعرض له فيها من الحوائج. وأدركه الأجل بمكة ـ بعد علة طويلة بالإسهال والاستسقاء ـ فى سحر يوم الجمعة تاسع عشر من شهر ربيع الآخر سنة تسع عشرة وثمانمائة. وصلى عليه بالحرم الشريف عند باب الكعبة، وذهب به إلى المعلاة من باب بنى شيبة. ودفن بها قريبا من قبر الشيخ أبى الحسن الشولى فى ضحى اليوم المذكور. سامحه الله تعالى. ووجدت بخطه تنبيهات تتعلق بكتب فى المذهب وغيره. منها: وفى ابتداء قراءتى لعلم النحو ابتدأت قراءة الفقه على الشيخ أبى عبد الله بن عرفة، فقرأت عليه كتاب ابن الجلاب فى أول العام، وكان يكره منا مطالعة شيء من مشروحاته كما كان يكره مطالعة شيء من مشروحات الرسالة عدا شرح القاضى عبد الوهاب.

стр. 443

ويحكى عن الشيخ ابن عبد السلام وغيره من الأشياخ: أنهم لا يعتمدون على شيء من مشروحات الكتابين، ولا على ما ينقلونه، ويقولون: إنه لو لم يثبت عندهم: أن أحدا منهم فى طبقة من يعتمد عليه فى الفهم والنقل. انتهى. وفى هذا نظر بالنسبة إلى بعض شراح الكتابين، فإن الشيخ شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافى، ممن شرح ابن الجلاب، والشيخ تاج الدين عمر بن على الفاكهانى: ممن شرح الرسالة، وهما بالفضل مشهوران، لا سيما القرافى. ولعل شرحاهما لم يبلغا المغرب فى زمن من قال ذلك، وليس على الرسالة أحسن من شرح الفاكهانى وكثرة فوائده، وقل أن لا يعزوها. والله أعلم. ومنها: وكان الشيخ ابن عبد السلام يقول: من لا يختم المدونة فى كل سنة لا تحل له الفتوى منها. ومنها: وكان الشيخ ابن عبد السلام يقول: ينبغى للطالب أن يحترز فى نظر كتاب ابن عطية أكثر من كتاب الزمخشرى، فإن الزمخشرى عدو ظاهر، ينفر الناس من قبول كلامه ببادئ الرأى، فلا يسكن إليه إلا بعد العلم بحاله. وأما ابن عطية: فالنفس سريعة القبول بكلامه ببادئ الرأى، وفيه كثير من تفاسير المعتزلة ينقلها، ويظن أن ليس فيها شيء وتحتها السم القاتل. انتهى. ووجدت بخطه فى سؤال يسأل فيه عما نقله ابن عبد الرفيع عن الشيخين أبى عمران الفاسى، وأبى بكر بن عبد الرحمن من انفساخ الإجازة بالبيع الواقع بعدها فى المستأجر ـ بفتح الجيم ـ وعما فى الجواهر لابن شاس من عدم الفسخ فى ذلك ما نصه: وأما صاحب الجواهر، فالظاهر أن ما لا يقف على نص فيه ويجده منصوصا للشافعية ولا يظهر له مخالفته للمذهب ينقله نصا فى المذهب. والظاهر: أن أمره فى هذه المسألة كذلك؛ لأنه لو وقف على النص فلا يتركه. وأشياخنا ينقلون عن أشياخهم: أنه ينقل عن الشافعية كثيرا، وأنه لا يبلغ رتبة من يعتمد على فهمه فى المذهب وإن عزاه، ويصرحون بمنع الفتيا والحكم منه، وما لا يعزوه أشد فى ذلك، والله أعلم. انتهى.

стр. 444

٣٣ ـ محمد بن أحمد بن عجلان ـ بفتح العين ـ ابن رميثة بن أبى نمى محمد بن أبى سعد حسن بن على بن قتادة بن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم بن عيسى بن حسين بن سليمان بن على بن عبد الله بن محمد بن موسى بن عبد الله بن موسى ابن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب، الحسنى، المكى، يلقب جمال الدين: أمير مكة. ولى إمرة مكة ثمان سنين شريكا لأبيه، غير مائة يوم من آخرها، فإنه استقل بها بعد أبيه. وأول ولايته فى سنة ثمانين وسبعمائة. وكان يصل إليه من صاحب مصر سبب ذلك: تقليد وخلعة فى كل موسم، على ما ذكر لى والدى، وهو المخبر لى بولايته فى سنة ثمانين. ولم يكن لولايته فى حياة أبيه أثر؛ لأن أباه كان يقوم بمصالح العسكر، وهو الذى ينظر فى الأمور إلى أن مات، فعند ذلك نظر فيها ولده مع عمه كبيش وكان لا يفصل أمرا دون كبيش، وإلى كبيش معظم النظر فى الأمور. وبعث محمد ـ بعد موت أبيه ـ إلى الملك الظاهر صاحب مصر كتابا يخبر فيه بموت أبيه، ويسأل استقراره عوضه فى إمرة مكة، ومحضرا فيه خطوط أعيان أهل الحرم بسؤال ولايته. فأجاب السلطان إلى ذلك وبعث إليه تقليدا وخلعة بالولاية مع رسوله عطيفة بن محمد بن عطيفة بن أبى نمى، فبلغ مكة فى آخر شوال سنة ثمان وثمانين وسبعمائة، أو فى أول ذى القعدة منها. وفى ليلة العشرين من شعبان هذه السنة، مات أحمد، فلبس ابنه خلعة الولاية وقرأ تقليده بالإمرة بالحرم الشريف على رءوس الأشهاد. وكان السلطان ولاه ذلك وهو متغير عليه لما بلغه عنه من موافقته على كحل الأشراف الذين مات أبوه، وهم فى سجنه، وهم: عمه محمد بن عجلان، وخالاه: أحمد، وحسن ابنا ثقبة، وابن خاله على بن أحمد بن ثقبة؛ لأن السلطان المذكور كان سأل أباه فى إطلاقهم فامتنع، فأضمر السلطان ولاية عنان بن مغامس بن رميثة لإمرة مكة عوض محمد هذا، وسيره مع الحاج المصرى، ولم يطلعه على ذلك، وأمر أمير

стр. 445

الحاج بعدم الاحتفال به لئلا يشوش من إكرامه محمد بن أحمد فينفر، فيفوت المراد منه. وعرف السلطان الأمير جركس الخليلى أمير أخور المالكى الظاهرى بما فى نفسه فى حق محمد وعنان، وكان من الحجاج فى هذه السنة ـ وهى حجته الأولى وحجته الثانية فى سنة تسعين وسبعمائة ـ فلما وصل إلى مكة خدمه محمد وأمه السيدة فاطمة بنت ثقية كثيرا. وبعثت إليه أمه تسأله عن حال ابنها وعنان، فذكر لها أنه لا يعلم على ابنها سوءا، وربما قيل: إنه حلف لها على ذلك، فانشرح لذلك خاطرها وحسنت لابنها الإقدام على ملاقاة المحمل المصرى لخدمته على عادة أمراء الحجاز، وكان محجما عن ذلك لإشارة كبيش عليه بعدم ملاقاة المحمل، وما زالت به أمه حتى وافقها على مرادها. فخرج فى عسكره إلى أن حضر عند المحمل، فلما أخذ يقبل خف الجمل على العادة، وثب عليه باطنيان فجرحاه جرحات مات بها من فوره. وذلك فى يوم الاثنين مستهل الحجة سنة ثمان وثمانين وسبعمائة، وله نحو عشرين سنة، ونقل إلى المعلاة، ودفن بها بعد الصلاة عليه وغسله وتكفينه. وتوجع الناس عليه كثيرا، سيما أمه. ويقال: إنها كانت دعت عليه بالهلاك بعد أن عرفت بكحل أخويها، ومن ذكر معهما لعظم ألمها لذلك وألم الناس أيضا لكحلهم، فإن صح عنها ذلك، فقد استجيب دعاؤها وما خطر لها ببال قتله. وكان كبيش يتوقع له ذلك، ولذلك نهاه عن ملاقاة المحمل. وكانت أمه لا تظن يصيبه من السوء فى ملاقاة المحمل غير اعتقاله، وغلب على ظنها سلامته لما ذكر لها الخليلى. ويقال: إن الخليلى عوتب على ما ذكره لأمه؛ لأنه ظهر بعد ذلك ما يدل على علمه للسوء فيه، فاعتذر بعدم قدرته على إفشاء السر، وقال: كان ينبغى لهم أن يفطنوا لملازمة جماعتنا لحمل السلاح، وما كان لمحمد فى كحل المذكورين راحة؛ لأنه ابتلى بفقد الحياة، ويستبعد أن يكون للمذكورين على ذلك قدرة إلا أن يشاء الله وكل ما يسدونه إليه من الأذى يسير بالنسبة إلى ما أصابه من البلاء. ويقال: إنه لم يوافق على كحلهم، حتى عظم عليه فى التخويف من شرهم، فما نفعه الحذر من القدر، ولكنه فاز بالشهادة.

стр. 446

ولما قتل أعلنت ولاية عنان بمكة عوض المذكور، ودخل مكة مع الترك، وهم متسلحون حتى انتهوا إلى أجياد، فحاربوا من ثبت لهم من جماعة محمد، ثم ولوا، وترك الترك الحرب مع التيقظ مخافة العدو، وانقطع بقتل محمد ولاية أولاد أحمد. ويقال: إن أحمد بن عجلان، رأى فى المنام أن عنانا جب ذكره. فذكر ذلك أحمد لبعض الناس، فقال له: يقطع عنان ذكر ولدك المذكور، فكان كذلك؛ لأن محمدا قتل ولم يترك ولدا ذكرا، وما ترك أبوه ذكرا غيره. وكان أحمد قد منح ابنه محمدا هذا ثلاثة خيول، أحياها بوادى مر وهى: البثنى، والبحرين، والحميمة. وثبت إقرار أحمد بملك ابنه محمد لذلك عند قاضى مكة محب الدين النويرى بشهادة عمه القاضى نور الدين النويرى على أحمد بن عجلان بذلك، ويمين ابنه محمد على صحة ذلك عند الحجر الأسود. وكان أبوه زوجه على ابنة على بن مبارك بن رميثة بن سعدانة بنت عجلان. واحتفل أحمد بالنفقة فى عرس ولده عليها احتفالا عظيما، ورزق منها بنتا تسمى شمسية، هى الآن زوجة السيد رميثة بن محمد بن عجلان أمير مكة، فى سنة تسع عشرة وثمانمائة. فالله يسدده وإلى الخير يرشده. ٣٤ ـ محمد بن أحمد بن عطية بن ظهيرة بن مرزوق، القرشى، المكى، المخزومى: سمع من: عيسى الحجى، والآقشهرى، والشريف أبى الخير الفارسى، وموسى الزهرانى. وما علمته حدث. وأجاز له من دمشق القاضى سليمان بن حمزة وجماعة. وذكر لى شيخنا أبو حامد بن ظهيرة: أنه توفى فى أواخر ذى الحجة سنة تسع وأربعين وسبعمائة بمكة. ٣٥ ـ محمد بن أحمد بن على بن محمد بن الحسن بن عبد الله بن أحمد بن ميمون ابن راشد القبسى، الشيخ قطب الدين، أبو بكر بن الشيخ أبى العباس القسطلانى، المكى، الشافعى: ولد فى السابع والعشرين من ذى الحجة سنة أربع عشرة وستمائة بمصر. وحمل فى موسم سنة تسع عشرة إلى مكة، فنشأ بها.

стр. 447

وأجاز له من شيوخها: الحافظ أبو الفتح الحصرى، إمام الحنابلة. وسمع بها من: أبى الحسن بن البنا جامع الترمذى، ومن أبى طالب عبد المحسن بن أبى العميد الحقيقى، إمام مقام إبراهيم بمكة أربعين عبد المنعم الفراوى عنه. وعلى الشيخ شهاب الدين السهروردى كتابه: عوارف المعارف فى التصوف ولبس منه خرقة التصوف، وعلى جماعة من شيوخ ولده أبى المعالى، الآتى ذكره بطلبه. ثم رحل فسمع بدمشق من: إسماعيل بن أحمد العراقى، وأحمد بن المفرح بن مسلمة الأموى، وغيرهما. وببغداد فى سنة خمسين وستمائة من: إبراهيم بن أبى بكر الزغبى، وأبى السعادات عبد الله بن عمر البندنيجى، وفضل الله بن عبد الرزاق الجيلى، وموهوب بن أحمد الجواليقى، ويحيى بن قميرة، وغيرهم. وسمع أيضا بالكوفة (١)، ومنيح (٢)، وحران (٣)، وحمص (٤)، والمعرة، ودنيس، والقدس، ومصر، والمدينة، واليمن. وعنى بهذا الشأن، فكان فيه من ذوى الحفظ والإتقان. وقرأ الشيخ قطب الدين القسطلانى ـ على ما ذكر ـ الفقه والتفسير والخلاف، وأنواع العلوم، على: شيخ الحرم نجم الدين بشير بن حامد التبريزى.

стр. 448

ودرس ـ على ما ذكر ـ بمدرسة دار زبيدة بالحرم بحضرة والده. وأفتى فى سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، وأفتى فيما بعد ذلك كثيرا، وحدث بكثير من مسموعاته، وببعض تآليفه. ومن تآليفه شيء يتعلق بتاريخ اليمن، ومختصر فى علم الحديث سماه: «المنهج المبهج عند الاستماع لمن رغب فى علوم الحديث على الاطلاع» ومختصر فى الأسماء المبهمة فى الحديث، و «ارتقاء الرتبة فى اللباس والصحبة»، ومجلس فى فضل رمضان، ومجلس فى فضل ذى القعدة. ومن تآليفه على ما ذكره ابن رشيد الفهرى فى رحلته: كتاب فى المناسك. ذكر أنه وقف عليه، وعقيدة سماها: «لسان البيان عن اعتقاد الجنان» واختصر هذه العقيدة، وحمل الإيجاز فى الإعجاز بنار الحجاز، وفواضل الزمن فى فضائل اليمن، ولعله الذى ذكرناه أولا، ومنهاج النبراس فى فضائل بنى العباس، ورسالة الحمالة جزء، وجلالة الدلالة على إقامة العدالة، وتأنيس النضارة على إقامة الوزارة، وكتاب النصح من موارد المتالف فى الاقتداء والمخالف، ومسألة تكلم فيها على مسألة عز الدين ـ يعنى ابن عبد السلام ـ فى تفضيل الأنبياء. ثم قال: ألفيت أسماء هذه «التصانيف» بخط أبى إسحاق البلقينى. وذكر ابن رشيد أيضا: أن من تصانيف القطب: كتاب «الورد الزائد فى بر الوالدين». وذكر أنه قرأ عليه مختصر العقيدة له، انتهى. وحدث الشيخ قطب الدين القسطلانى قديما. سمع منه فى تسع وأربعين وستمائة بدمشق جماعة كبار من محدثيها إذ ذاك منهم: شقيشقة، والمعين الدمشقى، والزين النابلسى، وغيرهم. وسمع منه: رفيقه الحافظ شرف الدين الدمياطى، والحافظ قطب الدين الحلبى. وقال: كان إماما، عالما محدثا، حافظا، مفتيا، ثقة، حجة، حسن الأخلاق، سخيا، عفيفا، مكرما للواردين عليه، حسن الاستماع لما يقرأ عليه، كثير السعى فى حوائج الناس، وذكر ثناء آخر. وسمع منه أيضا: الحافظ أبو الفتح ابن سيد الناس. وقال فى جواب مسائل، سئل عنها: وأما المسئول عن أحفظ من لقيت، فأولهم فى التقديم، وأولاهم بالتعظيم: الشيخ

стр. 449

الإمام، قدوة الناسكين، عمدة السالكين، قطب الدين بقية العلماء العاملين. وسمع منه غيرهم من الأعيان، وأثنوا عليه كثيرا، وهو حرى بذلك. فقد ذكر جد أبى: الشريف أبى عبد الله الفاسى، أحد تلامذة القطب القسطلانى هذا: أن الشيخ قطب الدين القسطلانى هذا قال: كنت أقرأ على شيخنا أبى عبد الله محمد بن عمر بن يوسف القرطبى بالمدينة النبوية، فجئته يوما وأنا فى وقت خلوة، وأنا يومئذ حديث السن، فخرج إلىّ وقال: من أدبك بهذا الأدب وعاب علىّ؟ فذهبت عنه، وأنا منكسر، فدخلت المسجد، وقعدت عند قبر النبى ﷺ ، فبينا أنا جالس على تلك الحال، وإذا الشيخ ـ رضى الله عنه ـ قد جاءنى وقال: قم. فقد جاء فيك شفيع لا يرد. انتهى. وهذه منقبة عظيمة. وذكر جدى أنه سمعه أيضا يقول: عاهدت الله تعالى أن لا أرد سائلا. انتهى. وهذه خصلة حسنة مستلزمة لمحبته ومدحه. وكان عين لقضاء مكة فى سنة خمس وأربعين وستمائة، فتوقف. وفضائله كثيرة. وتوفى ليلة السبت الثامن والعشرين من المحرم سنة ست وثمانين وستمائة بمنزله بالكاملية، ودفن بالقرافة، وشهد جنازته خلق كثير وضجوا عليه بالبكاء. وكان طلب من مكة بعد موت أخيه التاج القسطلانى لمشيخة دار الحديث الكاملية بالقاهرة، فوليها حتى مات. وقال الأديب ناصر الدين أبو على شاور طرخان الكنانى، المعروف بابن النقيب فى القطب القسطلانى لما توجه إلى القاهرة بعد موت أخيه التاج: استوحشت مكة من قطبها ... واستأنست مصر به والديار شيخ شيوخ الحرم المقتدى برأيه ... عند الأمور الكبار فيا له قطب مدار العلا عليه ... والقطب عليه المدار أنشدنى إبراهيم بن محمد الصوفى بقراءتى عليه بالحرم الشريف سابع عشر رجب سنة خمس وثمانمائة: أن الحافظ قطب الدين عبد الكريم بن عبد النور الحلبى أنشده إذنا وجماعة، قالوا: أنشدنا الشيخ قطب الدين القسطلانى لنفسه إجازة إن لم يكن سماعا فى لزوم ما لا يلزم، وكتب ذلك عنه الحافظ الدمياطى: ألا هل لظل بالأراك معاد ... وهل ذلك العيش الهنى يعاد

стр. 450

وهل زائر الزوراء زائر أبطح ... وخيف منى دار تحل سعاد وهل لطوى والمأزمين ومشعر ... تدان فقد أضنى الفؤاد بعاد وهل مدنف باك تكدر عيشه ... وأقلقه داعى الغرام يعاد وهل ذلك السر الذى كان بيننا ... وما فطن الواشى لذاك يعاد ومن شعره ما رويناه بالإسناد المذكور، وسمعه منه أيضا الدمياطى: أراعك وشك البين أم أنت غافل ... أم القلب فى إثر الظعائن راحل لقد لج هذا الوجد حتى كأنه ... يحاول ثأرا عند من هو قاتل تحيرت حتى لو سئلت عن الهوى ... لفرط الجوى لم أدر ما أنا قائل أجبنا بنا بالجزع عن أيمن الحمى ... ترى هل لما أدرى من الشوق ناقل تمنع من أهوى علىّ بوصله ... فعندى من الوجد المبرح شاغل كتمت هواه برهة فنمت به ... دموع على خدى هوام هوامل رعى الله هاتيك المعاهد كم بها ... عهود بقلب أحرقته البلابل ومن شعره أيضا ما رويناه عنه بالإسناد المذكور: ألا هل عشيات الأراك رواجع ... فتنعم عينا والعيون هواجع ونرفل فى ذيل من القرب سابل ... ويسكن نصب حركته القواطع ونرفع جرم الهجر عنا بوصلها ... عوامل لما أن عداها التقاطع غريب له مذ بان بان برامه ... فؤاد معنى أزعجته المطامع يبيت يناجى النجم والطرف ساهر ... بجنب قريح قد جفته المضاجع له مذ رأى الأحباب سفح مدامع ... وزفرة مصمود وهل ذاك نافع؟ تشاغل دهرا بالحديث يظنه ... يشتت هما وهو للهم جامع ولم يثنه قول الوشاة بأنه ... وإن ظن عاص فهو بالقطع طائع تبدل من مر التصابى حلاوة ... فلذ له ما طال فيه التنازع دعوا العتب فيما قد مضى وتصدقوا ... ببذل الرضى فالعمر لولاه ضائع ومن لى بوصل أرتجيه وإننى ... بطيف خيال فى المنام لقانع أجيروا من الجور المفرق للمنى ... بجمع على مر الدهور يطاوع ومنه بهذا الإسناد: إذا طاب أصل المرء طابت فروعه ... ومن عجب جاءت يد الشوك بالورد وقد يخبث الفرع الذى طاب أصله ... ليظهر صنع الله فى العكس والطرد

стр. 451

ومنه بهذا الإسناد: ألا هل لهجر العامرية إقصار ... فيقضى من الوجد المبرح أوطار ويشفى غليلا من عليل مولّه ... له النجم والجوزاء فى الليل سمار أغار عليه السقم من جنباته ... وأغراه بالأحباب نأى وتذكار ورق له مما يلاقى عذوله ... وأرقه دمع ترقرق مدرار يحن إلى برق الأثير وقلبه ... ويخفق إن ناحت حمام وأطيار عسى ما مضى من خفض عيش على الحمى ... يعود فلى فيه نجوم وأقمار ومنه بهذا الإسناد: حقيق على المشتاق تعفير خده ... بباب الذى يهواه فى السر والجهر وإيثار ما يرضاه فى السخط والرضى ... وإيثار ما يرضيه فى النفع والضر ومنه بهذا الإسناد: علم الحديث مفيد كل مكرمة ... فادأب فديتك يا ذا الجد والأدب واعكف على الدرس ليلا إن أردت علا ... فالعلم يعلى دنى الأصل فى الرتب ومنه بهذا الإسناد: ستأتى من الرب الرحيم لطائف ... توسع ما قد ضاق فى السر والجهر فكن واثقا بالله وارص نواله ... تنل ما تشا من مالك الخلق والأمر ومنه بهذا الإسناد: إذا كان أنسى فى التزامى لخلوتى ... وقلبى عن كل البرية خالى فما ضرنى من كان لى الدهر قاليا ... ولا سرنى من كان فىّ موالى ومنه بهذا الإسناد: لأجهدن على أن لا أرى أحدا ... وأنثنى خاليا عن قرب من بعدا وأعمل الفكر فيما أستفيد به ... يوم النشور غدا عند الإله يدا إنى اعتبرت بنى الدنيا فما ظفرت ... كفى بود امرئ ألقاه معتمدا ولا فى الشدائد أعوان على زمن ... ولا الرخاء أياديهم تمد يدا ومن تصدى إلى إتيان بابهم ... أهين حينا وألفى منهم نكدا

стр. 452

والحر يأنف عن ذل يفيد به ... عزا فكيف بذل قاصرا بدا العز ترك بنى الدنيا بأجمعهم ... لا عن هوان بهم بل ترك من زهدا وقد كتب هذه الأبيات عنه ابن رشيد، وذكرها فى رحلته مع تخميسها للشيخ قطب الدين القسطلانى. وذكر فى رحلته سؤالا سئل عنه الشيخ قطب الدين القسطلانى، وأجاب عنه بجواب مفيد، وقد رأيت أن أذكره لما فى ذلك من الفائدة، كما هو فى رحلة ابن رشيد. قال فى ترجمة الشيخ قطب الدين أبى بكر بن القسطلانى: وحضرت شيخنا الإمام أبى بكر، وقد ورد عليه هذا السؤال، فأجاب عليه، وقرأت عليه السؤال والجواب، وكتبته عنه، وكتب لى خطه عليه، ونص ذلك: ما يقول السادة الفقهاء ـ وفقهم الله لطاعته، وأعانهم على مرضاته ـ فى الدروزة، هل هى مباحة مطلقا أو لا تباح إلا مع الضرورة؟ وهل تباح مع القدرة على الكسب أم لا؟ وهل تباح مع استغراق الزمان فى العلم، ما يعنى به العلم الذى هو فرض عين، وإنما يعنى به العلم الذى هو فرض كفاية أم لا؟ وإذا قلنا بإباحتها، فهل يقتصر على الكفاية؟ أم يجوز الإدخار؟ وهل يجوز فيها أكل الطيبات ولبس الناعم من الثياب؟ أم يجوز فيها الاقتصار على الخشن من الثياب وأكل الخبز الخشكار بلا أدم، أم يجوز معه إدام؟ وهل إذا كان له عائلة ولا يطيقون الفاقة وكسبه ما يفى بأودهم، فهل له أن يدروز بحقهم أو حق من تلزمه نفقتهم؟ أفتونا وأوضحوا إيضاحا شافيا أوضح الله لكم الطريق ورزقكم فيها التوفيق. الجواب: الله الموفق والمعين. أصل السؤال عند الضرورة مشروع، وعند الاستغناء عنه ممنوع، هذا إذا كان يسأل لنفسه، أما من كان يسأل لغيره فيجوز له السؤال، وقد سأل رسول الله ﷺ فى المسجد لغيره. وأما الدروزة فى مصطلح أهل الطريق: فهى لأجل الغير مباحة، بل مندوب إليها مع الغنى والفقر فى الطالب لها تأسيا بفعله ﵇. وأما لنفسه: فإن كان لضرورة، فهى مباحة، وإن كان مع غنى فحرام فى أخذ فرض الزكاة مكروه فى صدقة التطوع.

стр. 453

وأما أخذ صدقة الفرض مع الغنى بالمال أو القوة على الكسب ممن له بالمهنة عادة: فحرام. وأما إذا تعارض الاشتغال بالعبادة مع السؤال، أو الاشتغال بالكسب: فبين أهل الطريق فيه اختلاف. والذى يظهر لى أن عمارة الزمن بالعبادة مع تضييع زمن يسير فى السؤال لتحصيل قيام النية أولى. وأما الاشتغال بعلم فرض الكفاية: فإنه أولى من الاشتغال بالسبب مع الجهل، وإذا أبيح السؤال، وحصل ما يزيد على الكفاية، فإن ادخره لغيره فلا بأس. وأما لنفسه، فحكمه فى طريق القوم: المنع، كان ﵇ لا يدخر شيئا لغد. وأما أكل الطيب، ولبس الناعم: فعند قصده لذلك، فهو ممنوع منه، وإن وقع شيء من ذلك، فإن اختار التقشف وإيثار الغيرية، كان فى حقه أولى، وإن وافق وأخذ بقدر الضرورة، فلا بأس. وله أن يأكل بإدام، وله أن يدروز لعائلته ما يتم به كفايتهم، وكذلك لمن يرد عليه من الفقراء. وحمل الزنبيل له فى الطريق شروط: أحدها: خلوه عن الخط فيه، بل يمتثل ما يؤمر به من المتقدم عليه. وثانيها: إحضار ما طرح فيه بين يدى من أقامه فى تلك الخدمة. وثالثها: وجود الأمانة فيما يحمله إلى الجماعة حتى يأتى به موفرا لا يخرج شيئا منه لا لنفسه ولا لغيره. ورابعها: أن يخرج وهو آيس من تعلق الأمل لجهة معينة، بل يقصد الله تعالى فى تيسير طلبه. وخامسها: إن سأل شخصا معينا فلا يقف عنده بعد رده، إما بإباحة أو منع، ولا يفعل كما يفعل العوام من السؤال، ويقول: عاودوهم، فإن القلوب بيد الله تعالى. وسادسها: إن سأل وهو مار فى طريقه فليأخذ ما يعطاه وهو مقبل، ولا يرجع لمن يريد أن يعطيه شيئا إذا ولى عنه، بل إن أراد المعطى يتبعه حتى يعطيه ذلك القدر، فإن رجع وأخذ منه كان خللا فيما التزمه من طريقه.

стр. 454

وسابعها: أن يقصد بسعيه ذلك: وجه الله وإدخال الراحة والمسرة على قلوب إخوانه. وثامنها: أن يرى لهم الفضل عليه فيما أقاموه فيه، فإنهم اعتقدوا فيه أهلية لما أقاموه فيه. وتاسعها: أن لا يلتفت إذا مشى، بل يجعل نظره إلى أمامه حيث يضع قدمه. وعاشرها: إن اختار أن يذكر عند حمل الزنبيل ذكرا معينا، كقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، شيء لله، أو غيره من الأذكار مع قوله: شيء لله، أو يمشى، وهو ساكت. وصورة المشى فيه كافية فى الطلب، أو يجعل الزنبيل على كتفه ويتمشى، فمن وقع له فيه خاطر أن يسأله سأله، فكل ذلك واسع الاعتبار فيه بالعوائد والنيات. والله الموفق. قال رسول الله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (٥). انتهى السؤال والجواب. وقال ابن رشيد: وكان كثير البدار إلى الفتوى، فكثرت أجوبته. ٣٦ ـ محمد بن أحمد بن على بن عمر الأنصارى، المصرى، شمس الدين، المعروف بابن جن البير: نزيل مكة المشرفة. سمع من: ابن عبد المعطى، وابن حبيب، وغيرهما بمكة. جاور بمكة مدة مستوطنا فيها. وكان يتجر بها، ويتولى صدقة الخبز للأمير جر كس الخليلى وأمثاله على حواصله. وكان بينه وبين الشريف أحمد بن عجلان ـ صاحب مكة المشرفة ـ ملاءمة كثيرة. فلما ولى مكة عنان بن مغامس بعد محمد بن أحمد بن عجلان، نهبت داره بمكة، وخرج هو إلى نخلة، ثم عاد إلى مكة بعد ذلك بأشهر فى السنة التى جرى عليه فيها ما ذكرناه، وهى سنة تسع وثمانين وسبعمائة. وحضر الوقعة التى كانت بأذاخر (١) فى آخر شعبان من هذه السنة بين عنان وآل

стр. 455

عجلان، فلما حصل الظفر فيها لعنان، قبض على المذكور؛ لأنه لم يستطع الهزيمة، وتمت عليه فى هذا اليوم إهانة عظيمة. وتوفى يوم الأحد تاسع عشرين من المحرم سنة خمس وتسعين وسبعمائة بمكة، ودفن بالمعلاة. نقلت نسبة هذا من خط الشيخ نور الدين الفيومى. ٣٧ ـ محمد بن أحمد بن على المكى، المعروف بالغنومى: سمع من الشيخ خليل المالكى. ولم يحدث فيما علمت. وكان نجارا خيرا. توفى فى سنة ست وتسعين وسبعمائة بمكة، ودفن بالمعلاة. ٣٨ ـ محمد بن أحمد بن على بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن على بن عبد الرحمن بن سعيد بن أحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن على بن حمود بن ميمون بن إبراهيم بن على بن عبد الله بن إدريس بن الحسن بن الحسين بن على بن أبى طالب ، يكنى أبا عبد الله، وأبا الطيب ـ وبها اشتهر أخيرا ـ ويلقب تقى الدين الحسينى، الفاسى، المكى، المالكى، قاضى المالكية بمكة، مؤلف هذا الكتاب: ولد فى ليلة الجمعة العشرين من ربيع الأول سنة خمس وسبعين وسبعمائة بمكة. ونقل مع والدته وأخيه نجم الدين بن عبد اللطيف ـ الآتى ذكره ـ إلى المدينة النبوية؛ لأن خالهما قاضى الحرمين محب الدين النويرى كان بها ـ إذا ذاك ـ قاضيا فى سنة تسع وسبعين أو فى سنة ثمانين. وسمع بها المذكور الحديث على أم الحسن فاطمة بنت الشيخ شهاب الدين الحرازى فى سنة ثلاث وثمانين. ومن مسموعه عليها: الثقفيات العشرة. ودرس القرآن العظيم، حتى جود حفظه. ثم قرأ فى سنة سبع وثمانين: الأربعين للنووى، وباب الإشارات معها، ثم كتاب الرسالة لابن أبى زيد المالكى، وأكمل حفظه فى سنة ثمان وثمانين وعرضهما بالمدينة النبوية.

стр. 456

وفى شوال من سنة ثمان وثمانين، انتقل المذكور وأخوه ووالدتهما من المدينة إلى مكة، بعد وصول خالهما إليها قاضيا بها وخطيبا. وقرأ المذكور بها عمدة الأحكام، حتى حفظها وعرضها فى سنة تسع وثمانين. وفيها صلى بالناس التراويح بمقام الحنابلة بالمسجد الحرام. وفيها ابتدأ يدرس مختصر ابن الحاجب الفرعى، وأكمل حفظه فى سنة اثنين وتسعين وسبعمائة. وفيها عرضه، وحبب إليه فيها سماع الحديث النبوى، فسمع بها على المسند أبى إسحاق إبراهيم بن محمد بن صديق الدمشقى، المعروف بابن الرسام: المنتخب من مسند عبد بن حميد، ثم صحيح البخارى، ومسند الدارمى. وعلى القاضى نور الدين على بن أحمد النويرى: الموطا لمالك، رواية يحيى بن يحيى، والشفا للقاضى عياض، وغير ذلك. وسمع فى سنة ثلاث وتسعين، على الشيخ القدوة شهاب الدين بن الناصح القرافى المصرى، لما جاور بمكة: صحيح مسلم، وجامع الترمذى، وسنن أبى داود وغير ذلك على غيره. وفيها أكمل حفظ الألفية فى النحو لابن مالك، وعرضها ودرس حفظا جانبا كبيرا من مختصر ابن الحاجب الأصلى. وفيها قرأ بحثا: الورقات فى أصول الفقه، لإمام الحرمين، على فتح الدين صدقة الترمنتى المصرى. وفيها أو فى التى قبلها: قرأ فى الرسالة تفقها على ابن عم أبيه الشريف عبد الرحمن ابن أبى الخير الفاسى. وحضر دروسه فى ابن الحاجب الفرعى، وابن الجلاب وغير ذلك. وسمع فى سنة أربع وتسعين: على ابن صديق عدة أجزاء وغير ذلك. وفى سنة خمس وتسعين: قرأ فى التنقيح للقرافى بحثا على الشيخ شمس الدين القليوبى، وحضر دروسه فى العربية، وغير ذلك بمكة. وفيها: قرأ على ابن صديق سنن ابن ماجة.

стр. 457

وفى سنة ست وتسعين: سمع على المحدث شمس الدين بن سكر أجزاء كثيرة، وسمع عليه قبل ذلك. وفيها: قرأ سنن النسائى على ابن صديق. وفيها: خرج جزءا حديثيا لشمس الدين بن الحبشى، ثم خرج جزءا آخر لابن سكر فى سنة سبع وتسعين، وخرج قبل ذلك لغيرهما. وفى سنة ست وتسعين: سمع بالمدينة على قاضيها برهان الدين إبراهيم بن فرحون: تاريخ المدينة للمطرى، بسماعه منه، وعلى عبد القادر الحجار المدنى عدة أجزاء. وفيها: سمع وقرأ أكثر مختصر الشيخ خليل الجندى فى الفقه على مذهب مالك ﵀، على تلميذه القاضى زين الدين خلف بن أبى بكر التحريرى المالكى بحثا. وسمع عليه دروسا فى مختصر ابن الحاجب الفرعى، ومنهاج البيضاوى بالحرم النبوى فى مدة أشهر. وفى سنة سبع وتسعين: قرأ على مفتى الحرم وقاضيه جمال الدين أبى حامد محمد بن عبد الله بن ظهيرة، القرشى، الشافعى، أحاديث مشيخة ابن البخارى عن ابن أميلة، وابن أبى عمر عنه، ومعجم ابن جميع عن ابن أميلة والإسكندرى وغير ذلك من الأجزاء العوالى وغيرها، وتبصر بها فى متعلقات الحديث. وفيها رحل وأخوه عبد اللطيف بعد الحج إلى الديار المصرية، وقرأ بها، وأخوه يسمع شيئا كثيرا على: البرهان إبراهيم بن أحمد بن عبد الواحد البعلى، المعروف بالشامى، والزين عبد الرحمن بن أحمد العربى المعروف: بابن الشيخة، وأم عيسى مريم بنت أحمد ابن القاضى شمس الدين محمد بن إبراهيم الأذرعى، وشيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقينى، والإمام سراج الدين عمر بن أبى الحسن الأنصارى، المعروف بابن النحوى، وابن الملقن، والحافظين: زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقى، ونور الدين على بن أبى بكر الهيثمى، وأبى المعالى عبد الله بن عمر الحلاوى، وأحمد بن حسن، المعروف بالسويداوى، وخلق. وقرأ على العراقى شرحه لألفيته فى الحديث، المسماة بالتبصرة، حتى أكمل قراءته بحثا وفهما فى سابع عشر جمادى الآخرة من سنة ثمانمائة. وأذن له الحافظ زين الدين العراقى فى أن يدرس ويفيد فى علم الحديث، وكتب له بذلك خطه.

стр. 458

وفى شعبان سنة ثمان وتسعين، رحل من القاهرة إلى دمشق لسماع الحديث. وفى العشر الأخير من المحرم منها: كان قدومه إلى القاهرة من مكة. وقدم دمشق فى آخر شعبان، وقرأ بها وبصالحيتها وغير ذلك من غوطتها أشياء كثيرة من الكتب والأجزاء على جماعة كثيرين من أصحاب الحجار، وغيره منهم: على ابن محمد بن أبى المجد الدمشقى، قرأ عليه صحيح البخارى بسماعه له على وزيره، ومن كتابه: الإكراه إلى آخره، على الحجار، وغير ذلك من الأجزاء. ومنهم: مسند الدنيا أبو هريرة عبد الرحمن بن الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبى، قرأ عليه بكفر بطنا (١): الأربعين، التى خرجها له أبوه، وعدة أجزاء متصلة بالسماع من حديث أبى الوقت السجزى، والحافظ أبى طاهر السلفى، وأجزاء أخر عالية من حديث غيرهما. فمن ذلك: المائة الشريحية، وجزء بنى الهرثمية، وثانى حديث ابن مسعود لابن صاعد، وأحاديث الترمذى، من ذم الكلام للهروى، والبعث والنشور لابن أبى داود، والثقفيات العشر، وبعض الشيرازيات، وجميع الخلعيات بسماعه لأجزاء منها على يحيى ابن سعد عن ابن صباح، وإجازته لباقيها من ابن سعد عن ابن صباح، وجزء مأمون بن هارون، ومشيخة السهروردى، عن ابن الشيرازى عنه، ومجلس رزق الله التميمى وغير ذلك. ثم توجه إلى القاهرة فى صفر من سنة تسع وتسعين وسبعمائة، وزار المسجد الأقصى، وسمع به على مسنده أبى الخير أحمد بن الحافظ صلاح الدين خليل بن كيكلدى العلائى الأربعين، التى خرجها له المحدث أبو حمزة أنس بن على الأنصارى، والنصف الأول من الجزء الأول الكبير من حديث المخلص بسماعه على الحجار عن القطيعى وغير ذلك، وعلى غيره. وبغزة (٢) على أحمد بن محمد بن عثمان الخليلى: المسلسل بالأولية، وجزء ابن عرفة، والبطاقة، بسماعه لذلك كله على الميدومى.

стр. 459

وقدم القاهرة فى ربيع الأول منها. فسمع بها على: على بن أبى المجد وغيره أشياء كثيرة، منها على ابن أبى المجد: العوارف للسهروردى بإجازته من القاضى سليمان بن حمزة، وأبى نصر بن الشيرازى عنه. وحضر دروس القاضى تاج الدين بهرام بن عبد الله بن عبد العزيز المالكى بالحجازية مدة. وأذن له فى سنة ثمانمائة فى جمادى الآخرة فى الإفتاء والتدريس. وفى هذه السنة: رحل إلى دمشق، وسمع بها أشياء كثيرة من الكتب والأجزاء لم يكن سمعها قبل ذلك، وسمع بها فى هذه الرحلة على شيوخ لم يكن سمع عليهم، منهم: أم القاسم خديجة بنت إبراهيم بن سلطان البعلى، روت له عن القاسم بن عساكر حضورا، وتفردت عنه وغيرها من أصحاب الحجار وغيره. وعاد منها إلى القاهرة فى رمضان من سنة ثمانمائة وحج فيها. وحضر فى سنة إحدى وثمانمائة مجلس الشريف عبد الرحمن الفاسى فى الفقه، وأذن له فى التدريس والإفتاء فى هذه السنة، وقرأ فيها: صحيح البخارى، والموطأ رواية يحيى ابن يحيى، على الإمام برهان الدين إبراهيم بن موسى بن أيوب الإنباسى الشافعى. وقرأ عليه قبل ذلك بزاويته بالمقسم ظاهر القاهرة شيئا من الحديث، ومن منهاج البيضاوى فى الأصول بحثا. وتوجه بعد الحج من سنة إحدى وثمانمائة إلى القاهرة، فوصلها فى العشر الأخير من المحرم سنة اثنتين وثمانمائة. وسمع بها فى هذه السنة: غالب مسند الإمام أحمد بن حنبل بقراءة صاحبه الحافظ الحجة شهاب الدين أحمد بن على بن حجر، على أبى المعالى عبد الله بن عمر الحلاوى، ثم أكمل عليه ما فاته منه، ورحل فى هذه السنة إلى الإسكندرية، ولم يقدر له بها سماع. وكان رحل إليها فى رمضان سنة تسع وتسعين وسبعمائة. وسمع بها على الهزبر رئيس المؤذنين بالجامع الغربى بقراءته: مشيخة الرازى عن ابن المصفى. ورحل أيضا فى سنة اثنين وثمانمائة إلى دمشق، صحبة الحافظ الحجة ابن حجر. فسمع بسرياقوس (٣)، على الإمام صدر الدين الأبشيطى جزء البطاقة.

стр. 460

وبغزة على أحمد بن عثمان الخليلى، السابق ذكره. وبالرملة على المحدث شهاب الدين أحمد بن محمد بن أحمد، المعروف بالمهندس. وبزغلش: المسلسل بالأولية، وما فى مشيخة ابن البخارى من جزء الأنصارى. وعلى المفتى عبد الله بن سلمان المصرى المالكى، المعروف بابن شحادة: حديث ابن ماسى فى جزء الأنصارى، بسماعهما لذلك من الميدومى. ثم سمع بدمشق وصالحيتها: بقراءة ابن حجر، والإمام خليل بن محمد بن محمد الآقفهسى، وبقراءة غيرهما وقراءة نفسه أشياء كثيرة جدا من الكتب والأجزاء والمنتخبات على فاطمة بنت ابن المنجا وغيرها من أصحاب الحجار وغيره. وكان مبدأ ذلك فى رمضان سنة اثنتين وثمانمائة. وفى أوائل المحرم من سنة ثلاث: توجه إلى القاهرة فى صحبة الحافظ ابن حجر وخليل الآقفهسى، ووصلوا إليها فى آخر المحرم فى سنة ثلاث، بعد أن سمع أشياء بنابلس (٤) والقدس وغيره. وسمع بالقاهرة فى سنة ثلاث، وفى سنة أربع، أشياء كثيرة. وفى سنة أربع: أذن له القاضى زين الدين خلف فى الإفتاء والتدريس، وكذلك القاضى تاج الدين بهرام المالكى، بعد قراءته عليه جميع كتابه الفائق المسمى بالشامل، الذى اختصر فيه شرح ابن الحاجب الفرعى، لشيخه الشيخ خليل الجندى المالكى، المسمى بالتوضيح، قراءة تصحيح وبحث لما أشكل. وكتب له بهرام عليه إجازة قال فيها: إنه قرأ عليه كتابه «الشامل» قراءة بحث وتفهم. وقد أفاد فى ذلك أكثر مما استفاد. وقد أذنت له أن يرويه عنى، مع جميع ما ألفته فى الفقه والنحو، والأصول من منظوم ومنثور، وفى الفرائض، والعروض وغير ذلك، وما قرأته على الأشياخ، أو سمعته من حديث وتفسير، وغير ذلك من العلوم، وأجزته بالفتيا والتدريس فى جميع ذلك، لعلمى أنه أهل لذلك، مستحق لأن ينظم فى سلك أهل العلم. انتهى باختصار.
следующие страницы →