Полный текст (2 778 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[مقدمة المؤلف]
الحمد لله الذي ألهج خواطر الشعراء [بالكلام] الموزون، وألهمهم الغوص على درِّه النفيس وجوهره المخزون، وذلَّل لهم زمامه بعد الجماع فانقاد، حتى تملكوا رقَّة بذكاء الفهم والذهن الوقاد؛ فتصرفوا في أنواعه وفنونه، وأظهروا ما كان بديعًا من مكنونه، ومروا الخالص من درره، واستنبطوا النادر من غرره.
فكم ابتكروا من المعاني البليغة التي جلت ودقت، وكسوها الألفاظ الرشيقة التي راقت ورقَّت؛ ما شهد لهم بكمال البراعة، والتبريز في إحكام الصناعة. فلو انتقدت هذه الألفاظ والمعاني، وتأملها الحاذق في صنعة المعاني؛ مع تلك البدائع التي اخترعوها، والمحاسن التي أتوا بها وابتدعوها، لقال مبادراً: هذا هو السحر الحلال، أو الراح الشَّمول شجَّت بالماء الزلال، ويواقيت رصعت في التيجان، وشذور ذهب فصِّلت باللؤلؤ والمرجان؛ ولا بل رياض أنيقة تبهج/٢ أ/ الناظرين ناصع ألوانها، قد تضرجت وجنات شقيقها، وابتسمت ثغور أقحوانها. وزها نرجسها وعرارها، واستنار وردها وبهارها، وأشرق ياسمينها، ولاح نسرينها. ضاحكها الشمس غبَّ بكاء الغمام، فأصبح النَّور بأرجائها مفتَّح الأكمام؛ فإذا نشر النسيم خمائل زهرها وحياها، جاءت بالمسك السحيق من تربها وطيب تضوُّع ريَّاها. وكلما شدت أطيارها وترَّدت ألحانها، رقصت غصونها طربًا وصفَّقت غدرانها.
نحمده على ما أولانا من فرائده الأثيرة، وأجرانا فيه على عوائده الخطيرة، وصلى الله على رسوله الصادق الأمين، سيد الأنبياء الأكرمين؛ الذي أنزل في حقّه في كتابه المبين ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾.
стр. 2
ثم الصلاة على آله مصابيح الظلام، وصحابته نجوم الإسلام، ما نمّقت ثريحه وحبّرت، وأنشأت رويه وعبّرت.
وبعد؛ فإنَّني لمّا قاربت إنهاء كتابي الموسوم "تحفة الوزراء" /٢ ب/ المذيل على كتاب "معجم الشعراء" الذي ألَّفه وجمعه الشيخ أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزباني الكاتب –رحمه الله تعالى- فجاء كامل الوصف في تنقيحه، بديع الصنعة في تحريره وترقيحه؛ أحسن زينة من العرائس، تجلى في الغلائل النفائس.
فأخلدت إلى أن أجمع من الشعراء الذين دخلوا في المائة السابعة وأدركوها، وانخرطوا في سلك فريقها وجاوزوها، ومن وطئ بساطها، وسلك سراطها، على حسب ما صار لدىَّ حصوله، واتفق إلىَّ وقوعه ووصله؛ من شعراء عصري، ومحاسن فضلاء دهري، وأفرد لذلك كتابًا بسيطًا، حاويًا لشوارد كلامهم محيطًا، يشتمل السمين والغيث، والقشيب والرث؛ ليكون أجمل في العيون وأبهى، وأحلى في النفوس وأشهر. لا يملّ من تصفحُّه قاريه، بل يروق له ما اشتملت عليه مطاويه.
فبادرت –بحمد الله وحوله- وفضله السابغ وطوله، ألتقطه من الشفاه، وأتلقفه من الأفواه، وأودعه ما يستحب ذكره، وأسطر في غضونه ما يجب سطره /٣ أ/ من شعراء أهل العصر، إذ هم الجمّ الغفير الذين لا يأتي عليهم الحصر؛ فإن حصرهم بحر لا يدرك قعره، ومتاع لا يسبرّ على الحقيقة سعره.
ثم لا يشقّ هذا الغبار، ويجري في هذا المضمار، ويتمسك بهذه الأسباب،
стр. 3
ويتقمص هذا الجلباب؛ إلاَّ من يجهد نفسه فيه إجهادا، ويبذل لذيذ رقاده سهادًا. ولا يضيق به ذرعا، ويتخذ الصبر له جنّة ودرعا، ويشمّر في الطلب عن ساق جدّه، ويخلق جديد العمر بسعيه وكدّه.
وجعلته له كالذيل، وأجريته في ذلك السيل، [وكلته بذلك الكيل]؛ إذ هو قطرة من حياضه، وزهرة من رياضه.
ثم إنَّني أضيف إليه لمعًا من منثور يروق، وأوشحه بأنموذج من أخبار تشوق؛ مما نتيجته بنات أفكارهم، وضمنته ما يستحسن من نوادرهم واخبارهم، وأذكر من عرف بالكنية دون الاسم، واشتهر بها فصارت له تجري مجرى الاسم العلم، لا يعرف إلاّ بها وذلك كثر في الأسماء.
ثم سقته على حروف المعجم مرتبا؛ ليأتي غريبًا في شأنه مهذّبا، ويكون أسهل/٣ ب/ على محاولة، وأقرب إلى يد متناوله؛ فإنه ترتيب لم أسبق إليه، وتأليف لم يزاحمني أحد عليه.
وتتبعت كل من هو داخل في الشرط الذي شرطته، ومعدود في القبيل الذي أثبتّه، مقتفيًا أثر من تقدّمني في هذا الأسلوب، ومقتديًا بمن هو بهذا الشأن مع العلماء محسوب؛ كالأستاذ السابق، والإمام الحاذق: أبي منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي النيسابوري في كتابه "يتمية الدهر في محاسن شعرء العصر"، وتلاه أبو الحسن على بن الحسن بن أبي الطيب الباخرزي الكاتب
стр. 4
فعمل كتاب "دمية القصر وعصارة أهل العصر" فتبعه أبو المعالي سعد بن علي بن القاسم الحظيري الكتبي فألَّف كتابه "زينة الدهر في لطائف شعراء العصر" فتبع بعده الإمام أبو حامد محمد بن محمد بن حامد الكاتب الأصفهاني، فأنشأ كتابه "خريدة القصر وجريدة العصر"، ثم كتاب "الملح العصرية" تأليف أبي القاسم علي بن جعفر بن علي السعديّ الصقليّ الأديب/٤ أ/ النحوي المعروف بابن القطّاع، وكتاب "الأنموذج في شعراء القيروان" صنّفه
стр. 5
أبو علي الحسن بن رشيق الأزدي المهدوي، ثم كتاب "الحديقة" صنعه في شعراء العصر، الحكيم أبو الصلت أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت المهدوي، ثم كتاب "أسر السرور" تأليف القاضي أبي العلاء محمد بن محمود بن أبي الحسن بن الحسين الغزنوي، في ذكر شعراء أوانه، وكتاب صنعه عمارة بن أبي الحسن علي بن زيدان اليمني في شعراء عصره، وكتاب
стр. 6
"المختار في النظم والنثر لأفاضل أهل العصر" تأليف ابن بشرون الصقلي، وكتاب "وشاح دمية القصر" تأليف القاضي الإمام الأديب أبي الحسن علي بن زيد بن محمد بن الحسين البيهقي. وإلى غير هؤلاء الفضلاء، المبرزين في الآداب النبلاء، ممن لم يقع إلى له تصنيف، ولم أعثر له على جمع وتأليف.
وقد سمت هذا الكتاب بـ:
"قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان"
أعني بذلك زماني، ومن أدركه من الشعراء عياني.
ثم إني أسأل الناظر فيه الصفح عن هفواتي، وأرغب إليه في الستر/٤ ب/ على زلاتي وعثراتي؛ لأنني ألَّفته وأنا كليل الناظر، مشدوه الخاطر. قد أخذ مني الفقر بحقّه، وصيّرني أسيراً في قبضاع ورقّه. والدهر يجرّعني كاسات حتوفه، ويصميني بسهام صروفه.
فلا غرو من ذي قلب محزون، وصدر بالأفكار مشحون؛ أن يصفو أو يزل، أو يخطئ أو يضل. وها أنا لم أصح من بقايا سكره، ولم أزل غارقًا في تيار بحره؛ لا سيما والشيب قد كتب في فوديَّ سطورًا، وبدّل مسك العذار كافورًا. وإلى الله تعالى ألجأ من توارت الهموم، وتتابع الأحزان والغموم، ومنه أستمد المعونة وحسن التوفيق، بأن يهديني إلى أرشد مذهب وأوضح طريق. إنه سميع مجيب الدعاء، وليّ الإجابة جمّ العطاء، وبه المستعان، وعليه التكلان.
стр. 7
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه الثقة
حرف الهمزة
ذكر من اسمه إبراهيم
[١]
إبراهيم بن محمد بن حيدر بن عليِّ، أبو إسحاق الموذنيُّ الخوارزميُّ، المدرّس الحنفيُّ.
كان أعلم أصحاب الإمام أبي حنيفة ﵁ بالفقه في وقته، جليل القدر، كثير المحفوظ، متقنًا في علوم الإسلام والشريعة. وكان إمامًا في الفقه والفرائض وعلم التفسير والحديث والأصولين والكلام؛ وينضاف إلى ذلك معرفته بالنحو واللغة والأدب، مع أخذه بحاشيتي النظم والنثر. وكان له اعتناء بتصانيف أبي القاسم الزمخشري، كثير الميل غليها والتحفظ منها، وله ديوانا خطب وأشعار.
كانت ولادته في شهر ذي الحجة سنة تسع وخمسين وخمسمائة. وكان فقيهًا حنيفًا مدرسًا أديبًا بارعًا؛ له من التصانيف كتاب "ديوان الأنبياء" وكتاب "شرح كليلة ودمنة" بالفارسية، /٦ أ/ وكتاب "الوسائل إلى الرسائل" من نثره، وديوان
стр. 8
شعره بالعربية، وديوان شعره بالفارسية، وكتاب "الخطب في دعوات ختم القرآن"، سمّاها "يتيم اليتيم"، وكتاب "الطرفة في التحفة" بالفارسية رسائل، وكتاب "أسايش نامه" في المواعظ بالفارسية، وكتاب "تعريف شواهد التصريف"، وكتاب "أنموذار نامه" يشتمل على أبيات غريبة شرحها بالفارسية، وكتاب "كفتار نامه" منطق، وكتاب "مرتع الوسائل ومربع الرسائل".
أنشدني أبو حامد سليمان بن جبرائيل بن محمد الإربلي بها، لأبي إسحاق إبراهيم بن محمد يمدح النبي – ﷺ لنفسه: [من البسيط]
سليل عبد مناف من أناف على ... هامات كفر وسيف البغي مسلول
له خصائص من حكم تبرُّ على ... خصائص الرُّسل لا يغتالها غول
وشبِّهت بالنُّجوم الزُّهر صحبته ... فالرُّشد من كلِّهم للخلق مأمول
فمن لهاهم هجان الحقِّ في مرح ... ومن نهاهم هجين الفسق مشكول
فعن مودَّة أهل البيت خالصة ... ربع السَّعادة في الَّارين مأهول
ولِّيت أعمال خيرات أقوم بها ... بأنَّني عن قبيل الرَّفض معزول
/٦ ب/ أوضحت معتقدي في شأن حبِّهم ... والله في ذاك للتوفيق مسؤول
فمن يخالفني فالسيف مخترط ... ومن يحالفني فالسَّيب مبذول
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه يمدح الخطيب برهان الدين محمد بن محمود:
[من الطويل]
لبرهان دين المصطفى الدِّين أجمع ... وإنِّ بني الدُّنيا على ذاك أجمعوا
يقصِّر عن فضوى معاليه قيصر ... ويتبعه في الأمر والنَّهي تبَّع
وبالشَّرق من ذكرى سجاياه محفل ... وبالغرب من عليا عطاياه مجمع
وللعلم في أحكامه الزُّهر معلم ... وللشَّرع في أقلامه الغر مشرع
له قلم في سنِّه منعش الورى ... ولكن إذا أستشرى العدا فيه مصرع
стр. 9
به يستقيم العلم إن سلَّه على ... صحائف شرع الله والجهل يضلع
ففي مشقه رعد السماحة قاصف ... ومن شقِّه برق الفصاحة يلمع
له قصدت مني إليه قصيدة ... غدّا الشِّيخ من أثنائهأ يتضوَّع
فلو قرعت سمع أبن أوس لما أرتضى ... أما أنَّه لولا الخليط المودِّع
وأنشدني، قال: أنشدني إبراهيم بن محمد يمدح شهاب الدين أبا سعيد عمران الخيوقي: [من الطويل]
/٧ أ/ عذريي من ترجيل صدغ مسلسل ... رجال التُّقى تهفو لهذا التسلسل
عذيري من صدغ الغدار الَّذي التوًى ... فألوى بدين الزَّاهد المتبتِّل
يرى في مقامات المناجاة جازعًا ... طلوعًا ومن حسن العزاء بمعزل
بصوب دوموع دونه صوب مزنة ... وغلي فؤاد دونه غلي مرجل
فيا حبة القلبً أصبري صبر مبتلًى ... بغير هوًى فالحب للصَّب مبتلي
وما مغزل فرَّت لغدر وغادرت ... طلاها نحيفًا ي نحافة مغزل
وقد عولت بالكره عن سكناتها ... بهيرًا وتشكو صيد شاك وأعزل
وطارت شعاعًا نفسها إذ تناحت ... شعاع سيوف داسها يد صيقل
وأثَّر فيها ذعر جند مكبِّر ... كما نال منها خوف جيش مهلِّل
شرايين جرحاهم مواًرد قثعمً ... واشلاء قتلاهم موائد جيأل
فمن سمرهم ناصت لطعن معجَّل ... ومن بيضهم باضت لقتل مؤجَّل
بأكثر منِّي لوعة يوم آذتت ... برحل جديليِّ شبيه بأجدل
ومن مديحها:
بمدح شهاب الدِّين أرجم خصمه ... كريم بني الدُّنيا المرجَّى لمعضل
خواطره مالت تحلُّ عويصة ... وآراؤه آلت إلى حلِّ مشكل
/٧ ب/ عديم نظير في المناظرة الَّتي ... لفرسان فقه صعبها لم يذلَّل
стр. 10
وإن أقفل الأشكال باب دقائق ... بفطنته ألغينا مفتاح مقفل
خبير بصير عند كل مباحث ... بإجمال تفصيل وتفصيل مجمل
حوى قصبات السَّبق بالعلم واحتوى ... على آخر بالمكرمات وأوَّل
أتتك ابن عمران قصيدتك الَّتي ... قصت بها أشعار قيس وجرول
فلو قرعت سمع أمرئ القيس لم يقل ... (قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل)
وكتب إلى بعض الأكابر: [من البسيط]
يا بدر دين إله الخلق نفسي من ... حرمان خدمتكم ماتت فمرتعش
من رحمتي اغتدي حيران مرتعشًا ... كأنَّني زئبق في كفِّ مرتعش
[٢]
إبراهيم بن عمر بن محمد بن إبراهيم، أبو إسحاق الحانيَّ العطّار، المعروف بابن رقيقة.
وهو من حيني مدينة من آخر ديار بكر من ثغر الروم.
كان هذا الرجل عطارًا، وله حانوت بمدينة حيني يتعيش في العطر. وكان صاحب ثراء. وكان عزبًا لم يتزوج قطّ.
شاعر متقّن، ومترسّل محسن، له أشعار مجموعة، ورسائل مدونة، وخطب مستجادة. حسن المعرفة بالأدب واللغة، /٨ أ/ له مدائح في الملوك [من] بني أيوب وغيرهم من الأمراء والأشراف.
وهو رجل صالح المروءة، عزيز النفس، سخيُّ الكفِّ، كثير التواضع، [حرّ الطبع، لا يرد سائلاً ولا يحرم وافداً يقصده، على سيرة لم يكن عليها أحد من أبناء زمانه الأسخياء من شرف النفس، وكمال المؤوءة، وسعة الصدر، والانقباض عن الأكابر والرؤساء؛ فإنه كان يرى في نفسه أنه أجل منهم قدراً، وأجل رتبة وفضلاً، ولم يعش ...... الذين كانوا يخالطونه؛ لأن نفسه كانت تترفع عن أن يمدح للاستجداء
стр. 11
والاسترفاد على عادة الشعراء الذين همّهم الدنيا وحطامها.
ومدح الملك الأشرف؛ فلما أنشدت القصيدة بين يديه استحسنها وسيَّر له خلعة سنية، ودنانير لها قيمة؛ فلما وصلت إليه لم يتناولها وردّها عليه، وأنفذ معها طبقًا مملواً من السكر واللوز وما يصلح أن يهدي إلى الملوك .... ] ترفعه نفسه أن يسترفد بالشعر، لا يقبل عليه ثوابًا، ولم يكن من طلاّب الرفد، يرى ذلك من العار والنقص. [وكان مع ذلك قد قرأ أدبًا ونحواً ولغة فيما قرأ، وقال شعراً نادراً، ودونه وكتبه بخطه، يدخل في مجلد، وأنشأ رسائل وجمعها في مجلد. ورأيت كلا الديوانين بالموصل، وهما بخط يده. ونقلت من ديوان أشعاره جملة كافية يعربان عن بلاغة وبيان ...... ].
وكان الناس يقبلون عليه، ويميلون إليه لما كان عليه من السماحة والفضل. ولم يزل بحسن حال ونعمة حتى نفد ما كان بيده ............. فتوجه نحو ميافارقين، فأقام بها إلى أن مات سنة تسع وثلاثين وستمائه –رحمه الله تعالى-.
أنشدني أبو علي الحسن بن حمزة بن حمدون الموصلي، قال: أنشدني إبراهيم ابن عمر لنفسه: [من الطويل]
ومعتدل عن منهج العدل عادل ... من التُّرك مغرى بالتَّجنُّب والتَّرك
تلوح أياة الشمس في صحن خدِّه ... وتظهر في أجفانه آية الفتك
إذا رمت صون الحبِّ صال بهجره ... علي فكان الصول داعية الهتك
يصدُّ فيشكيني دلالا وكلَّما ... شكوت إليه فرط حبيه لا يشكي
جفاني فما دمعي بكيُّ ولا الكرى ... يلمُّ بعيني فهي ساهرة تبكي
فكم منية لي منه عادت منيَّة ... ووعد بوصل شيب بالمين والإفك
ولمَّا حوى رقِّي هواه ابحته ... دمي فنحاه بالإراقة والسَّفك
وما خلت مذ ألقيت في هوَّة الهوى ... بأنَّ الهوى يفضي بقلبي إلى الهلك
стр. 12
بروحي كثير الغدر والظَّلم متبع ... قليل الوفا مرُّ القطيعة والمحك
/٨ ب/ بخيل بريق الثَّغر لم ينور رقَّة ... لنا حل جسم مشبته دقَّة السِّلك
أأرجو فكاكا من هواه وإنَّني ... أسير له في ربقة الرِّقِّ والملك
أحلَّ بقلبي لوعة سحر طرفه ... فواحربا من سحر ناظره التُّركي
إذا ما أنثنى كالغصن عوَّذت قدَّه ... بحاميم والأحزاب والنَّجم والملك
دعا حسنه أهل الضَّلال إلى الهدى ... فأنقذ أهل الِّرك من شرك الشِّلاك
وله من قصيدة وأشندنيها الشيخ الأجل تاج الدين أبو عبد الله محمد بن عمر بن علي بن أحمد بن محمد بن علي بن عمر القرشي العثماني الفارقي المقرئ الفقيه –أسعده الله تعالى- بمحروسة حلب عن قائلها: [من الكامل]
ما لاح بارق متألِّقا ... إلاَّ تذَّكرت الحمى والأبرقا
وسفحت سحب مدامعي أسفًا على ... شمل لنا السَّفح عاد مفرَّقا
يا ساكني أرض الحجاز حجرتم ... طيب الكرى عنِّي قبتُّ مؤرَّقا
وهواكم ما غار مدمع مقلتي ... مذغار حادي عيسكم يوم النَّقا
طلعت طلائع بينكم بطويلع ... وجزعت إذ بالجزع عزَّ الملتقى
تعس الفراق فكم أراق لنا دمًا ... فرقًا وكم من ناظر قد أرَّقا
/٩ أ/ كم خان مغتربًا وشيَّب مفرقًا ... للعاشقين ولم فريًق فرَّقا
ولقد سألت فما حنا بالمنحنى ... حادي الرَّكائب حين ساًق الأينقا
الوى فليت لوى على ذى لوعة ... متشوِّ أودت به أيدي الشَّقا
عجبي لصبٍّ أوثقته صبابة ... يوم التَّفرُّق كيف يطمع في البقا
أم كيف يفرح في اللِّقاء متيَّم ... كلف الفراق به فغادره لقى
أبداً لذكر الهجر يخفق قلبه ... ولطالما رام الوصال فأخفقا
أمسى لنوم جفونه ودموعه ... بعد الأحبَّة مطلقًا ومطلِّقا
وقال من أخرى: [من البسيط]
له على كلفي في الحبِّ أعوان ... عيم وقدُّ كخوط البان فتَّان
стр. 13
ومبسم ريقه السنُّوت خامره ... خمر وطرف كحيل الجفن وسنان
يا للخلائق من يعدو على رشإ ... إخلافه موعدي ظلم وعدوان
محرَّم وصله تيهًا على دنف ... نصيبه منه إخفاق وحرمان
يردي المتيَّم منه حين يعوزه ... عذر له في الهوى صدُّ وهجران
كم رمت صبراً فلم أملكه قد فتنت ... عقلي من الرِّيم أحداق وأجفأن
فتور الحاظه المرضى أحلَّ دمي ... وحلَّ في القلب من جفنيه أحزان
/٩ ب/ إنِّي لأرتاح في تقبيل عارضه ... إذا بدا فوق صحن الخدِّ ريحان
لو كنت ذا نهية تنهي إلى ورعي ... وراع روع لبارى الخلق عصيان
لما نظمت سوى شعر أظلُّ به ... مقرِّطًا ملكًا مدحيه إيمان
أندى ملوك الورى كفّا وأسمحهم ... سمحًا وأعرفهم بالعرف مذ كانوا
وله من أخرى: [من الكامل]
لو كان حسن الصَّبر من أعواني ... ما زادني قلقًا جنون جناني
هيهات لم يطق التَّصبُّر عاشق ... صالت عليه صوارم الأجفان
من كلِّ بيضاء الجبين يزينهأ ... قدُّ يقيم قيامة الإنسان
حوراء حرت بحسنها وصدودها ... من فتكها في القلب حدُّ سنان
وإذا تبدَّى وجهها بانت لنا ... شمس النَّهار على غصون البان
أشبيهة المرَّان لين معاطف ... عطفًا فهجرك والجفا مرَّان
أسرفت في ظلم المحبِّ فأحسني ... ودوام هذا الحسن بالإحسان
ولئن عنوت إلى سواك فلا شفي ... ممَّا يعاني فيك قلبي العاني
وقال: [من الكامل]
ومدلَّل أضحت دلائل حسنه ... كالشمس واضحةً لعين النَّاظر
/١٠ أ/ يسبي القلوب بناظر أجفانه ... مكحولة سحراً ووجه ناضر
ينهى وينهر سائليه تجبُّراً ... ومن البلاء سؤال ناهً ناهر
стр. 14
لم يرع عهد متيَّم في حبِّه ... ذي مدمع كالعهد هام هامر
وقال أيضًا وأوائلها أحرف يوسف: [من الكامل]
يا من تفرَّد بالجمال فماله ... في العالمين مشاكل ومماثل
وأطال مدَّة شقوتي بدلالة ... فله عليَّ شواهد ودلائل
سهري بصدق مودَّتي لك شاهد ... ولطول حزن في هواك مخايل
فتنت شمائلك الورى فاستعبدت ... منها النُّفوس بأسرهن شمائل
وقال أيضا: [من الكامل]
رام التَّكبر في الهوى فتركته ... وسئمته وملكته وهجرته
وجحدته حتَّى كأنِّي لم أكن ... يومًا من الأيَّام قطُّ عرفته
لمَّا أصرَّ على قبيح فعاله ... وأذاع سرّاً صنته وكتمته
ناديت حسن الصَّبر عن فراغ له ... فأجاب حين أجبته فمللته
والله لو أودى الهوى بحشاشتي ... وعدمت فيه تجلُّدي وفقدته
/١٠ ب/ ما بعت عزِّي بالهوان له ولا ... هوَّنت صعب الضَّيم فيه ورمته
وقال أيضًا: [من الطويل]
دعتني إلى التَّرحال عنكم ضرورة ... وفارقتكم رغمًا بقلب مفجَّع
ولو سمحت عيني بدمع تفيضه ... لأرويت تلك التُّرب من فيض أدمعي
وقال: [من الطويل]
إذا صاحب أودعته السرَّ في الرِّضا ... ولم يفضه للنَّاس في حالة السُّخط
فذاك الَّذي لا ينبغي لك أن ترى ... له هاجراً في حالة القرب والشَّحط
وقال: [البسيط]
يا أكرم النَّاس إنسانًا وخير فتًى ... أضحى لعين العلا والمجد إنسانا
أهديت لي الرُّشد مذ أهديت لي كرمًا ... صحيفة صمِّنت حسنًا وإحسانا
وقال: [من الطويل]
стр. 15
يقولون لم لا تشرب الرَّاح إنَّها ... تريح من الحزن المبرِّح والهمِّ
فقلت: ذروا هجر الكلام فإنَّني ... تجنًّبت شرب الإثم خوفًا من الإثم
وله فيما يكتب على قوس: [من الطويل]
عنت لي رماح الخطِّ في كلِّ مأقط ... وفاز بيمن النَّصر والسَّعد حاملي
/١١ أ/ فلم يخط سهمي حين يرميه باسلً ... مقاتل قيل في الحروب مقاتل
وله في ماردين: [من الكامل]
يا ماردين بقيت مونقةً الربى ... وسقى ربوعك صيِّب الأنواء
كم فيك من ساجي اللًّواحظ قدُّه ... يحكي اعتدال الصَّعدة السَّمراء
وقال: [من السريع]
يا قلب قد أضناك فرط الجوى ... إنَّ الجوى يمرض أهل الهوى
هذا ومن تعشقه حاضر ... فكيف إن أقصاه أيدي النَّوى
وقال: [من السريع]
يا ظالمًا في ظلمه ... سخطك داني ورضاك الدَّوا
لامت أو تعشق حتَّى أرى ... جسمك في السُّقم وجسمي سوا
وقال أيضًا: [من الطويل]
إلى م أرضِّية وشيمته السخط ... وأصغي له ودِّي فيجفو ويشتطُّ
وحتَّى م يسطو تائهًا بدلاله ... عليَّ ويذكي لوعتي كلَّما يسطو
غريب المعأني فلًّ غرز تصبُّري ... كثير التَّجنِّي دأبه الجور والسُّخط
يزيد جوًى مسكينه كلَّما بدا ... لناظره من درِّ مبسمه سمط
/١١ ب/ هو البدر في مرط الملاحة طالع ... فواها له بدراً مطالعه المرط
يبلبل بالي كلَّما ماس معجبًا ... محيَّاه والصُّدع المبلبل والقرط
يضمنُّ ولم يسمح بظلم كأنَّه ... لراشفه في لذة الطَّعن إسفنط
стр. 16
أرقُّ له بالرِّقِّ طوعًا فليته ... يرقُّ لصبٍّ لم يرم سلوةً قطُّ
أكلُّ مليح قد حوى الحسن هكذا ... يجور فلا عدل لديه ولا قسط
حرمت المنى من عطفه وحنوِّه ... فوا حربا إذ ليس لي فيهما قسط
ترى حسنه أعطاه بألظلم قطَّه ... فأصبح فعًّالا لما ضمن القطُّ
وحسبك منه كلما جار واعتدى ... يحبُّ ولم يبخس له من هوى قطُّ
إذأ هزَّ خطِّي القوام تثنِّيًا ... فلا عجب والله أن ينجح الخطَّ
وله فيما يكتب على سرج: [من الطويل]
علوت مطا الجرد العتاق فلم يكن ... لأربابها عنِّي غنًي آخر الدَّهر
إذا ما علاني بهمة وأقلَّني ... جواداً فإنِّي حزت فخراً على فخر
وله يمدح: [من الخفيف]
أريحيٌّ من أل أيُّوب بغضي ... كرمًا عن ذوي الذَّنوب العظام
أذعن النَّصر والفلاح بفتحتي ... لمليك طلق المحيَّا همام
/١٢ أ/ وقال يمدح: من [الخفيف]
أيُّها الماجد الجواد صلاح الدِّين نجل الأكابر الكرماء
إن طرا المنع عن لقاك فإنِّي ... كلَّ يوم مجدَّد الإطراء
أوعدتني على خلائقك الغرِّ ... عوادي دهر كثير العداء
قثنائي على خلائقك الغرِّ خليق بصدق دعوى الصَّفاء
ويد العوق إن لوت وجه غشياني فلم تلو عنك وجه ولائي
وله: [من الوافر]
أقاموه ليرقص في نديٍّ ... فصار لحبِّه في القلب وقص
غزال كلَّمة يزداد حسنا ... بدا في صبر من يهواه نقص
стр. 17
[٣]
إبراهيم بن نصر بن عسكر بن نصر بن عسكر بن نصر بن عسكر، أبو إسحاق الخطيب، قاضي السلاَّمية.
وهي قرية مشهورة من قرى الموصل شرقيها وهي عنها بخمسة فراسخ. وكان أبو إسحاق يتولّى بها.
/١٢ ب/ ولد بالسندية، وتفقه ببغداد وسمع بها الحديث من الوزير عون الدين أبي المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة. وأصعد إلى الموصل وسمع بها القاضي تاج الإسلام أبا عبد الله الحسين بن نصر بن خميس الخميسي الموصلي وغيره.
وكان خراً دينًا فقيهًا شافعي المذهب. تولّى قضاء السَّلاَّمية وخطابتها. وتوفي يوم الخميس ثالث ربيع الآخر سنة عشر وستمائة.
أنشدني الصاحب شرف الدين أبو البركات المستوفي –﵀ قال: أنشدني أبو إسحاق لنفسه: [من السريع]
يا طيف من أهوى على نأيه ... كيف تهدَّيت إلى مضجعي
ظللت لا تبعث طيف اللِّوى ... إلاَّ لخدع المقل الهجَّع
ولست بالنَّائم لكنَّني ... غرقت في الفكر فلا تخدع
يا حسن التَّمويه في ناظري ... ويا شهيَّ الزُّور في مسمعي
بيِّن لمولاك إذا جئته ... لعلَّه يرتاح للموجع
ما لاح ملثومك من زفرتي ... وبلَّ مصمومك من أدمعي
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من الطويل]
стр. 18
/١٣ أ/ إذا أنأ أحببت الَّذي هو مبغضي ... وصافيته إنِّي إذاً للئيم
وإن أنأ لم أعرض كما هو معرض ... فما أنا إن عدَّ الكرام كريم
إذا خان من أهوى فكيف أفي له ... وإن حال عن عهدي فكيف أقيم
وأكبر نفسي أن تذلِّ على الهوى ... وتغدو على ما لا تنال تحوم
وأنشدني، قال: أنشدني القاضي لنفسه: [في السريع]
لا تنسبوني يا ثقاتي إلى ... غدر فليس الغدر من شيمتي
أقسمت بالذَّاهب من عيشنا ... وبالمسرَّات الَّتي ولَّت
أنِّي على عهدكم لم أحل ... وعقدة الميثاق ما حلَّت
وأنشدني يوسف بن صنو بن علىّ الإربليُّ، قال: أنشدني أبو إسحاق لنفسه في ذمّ الصوفيه: [من المتقارب]
ألا قل لمكيِّ مقال النَّصوح ... وحقُّ النَّصيحة أن تستمع
متى سمع النَّاس في دينهم ... بأنَّ الغنا سنَّة تتَّبع
وأن يأكل المرء أكل البعير ... ويرقص في الجمع حتَّى يقع
فلو كان طاوي الحشا جائعًا ... لما دار من طرب واستمع
/١٣ ب/ وقالوا: سكرنا بحبِّ الإله ... وما أسكر القومً إلإَّ القصع
كذاك الحمير إذا أخبت ... ينقِّزها ريُّها والشِّبع
وقال أيضًا فيهم: [من المنسرح]
شرُّ الورى يا أخي وأحمقهم ... تراه إن كنت عاقلاً فطنا
من يدَّعي الزُّهد والصَّلاح وقد ... خالف في أمر دينه السُّننا
كلُّ عتلٍّ كأنَّه وعل ... قد عظمت بطنه وقد سمنا
خال من العلم شيخ طائفة ... قد صيَّروه من جهلهم وثنا
دينهم الرَّقص والغناء لقد ... طغوا بهذا وفارقوا ....
ما جعل الله ديننا لعبًا ... أكلاً ورقصًا وصيحة وغنا
стр. 19
وقال أيضًا: [من الطويل]
أقول له صلني فيصرف وجهه ... كأنِّي أدعوه لفعل محرَّم
فإن كان خوف الإثم يكره وصلتي ... فمن أعظم الآثام قتلًه مسلم
وأنشدني الصاحب أبو البركات المستوفي –﵀ قال: أنشدني الخطيب أبو إسحاق إبراهيم في غلام عليه قباء أحمد: [من المنسرح]
/١٤ أ/ يخطر في يلمق كوجنته ... أحمر قان من خالص السَّرق
كأنَّه في أحمراره قمر ... قرفل في حلَّة من الشَّفق
قال القاضي أبو إسحاق إبراهيم بن نصر بن عسكر العراقي –قاضي السلامية من أرض الموصل- في قتل الحسين بن علي- ﵁: [من السريع]
يا يوم عاشوراء أذكرتني ... مصارع الأشراف من هاشم
أبكي ولا لوم على من بكى ... وإنَّما اللَّوم على اللاَّئم
ما من بكى فيك أشدَّ البكا ... وناح بالعاصى ولا الآثم
رزية ما قام في مثلها ... نائحة تندب في مأتم
آل رسول الله خير الورى ... وصفوة الله على العالم
مثل مصابيح الدُّجى عفِّرت ... وجوههم في الرَّهج القاتم
رؤوسهم تحمل فوق القنا ... مظلومة شلَّت يد الظَّالم
ساروا بها يا قبحها فعلة ... مثل مسير الظَّافر الغانم
كأنَّما الزَّهراء ليست لهم ... أمّا ولا الجدُّ أبو القاسم
قل لابن مرجانة لابدَّ أن ... تعضَّ كفَّ الحاسر النَّادم
/١٤ ب/ محمَّد خير بني آدم ... خصمك يا شرَّ بني آدم
يطلب منك الثَّأر في موقف ... ما فيه للظالم من عاصم
وفيه يقتضُّ من المعتدي ... بالنَّار لا بالسَّيف والصَّارم
وقوله في كبر السن: [من الخفيف]
стр. 20
أيُّ عيش يطيب والعمر قد أربى ... على خمسة وسبعين عاما
كيف يلتذُّ في الحياة بعيش ... يتمنَّى لاقيه فيه الحماما
إنَّما العيش بالشَّباب لو اشتدَّ على ... طيبه الزَّمان دواما
نوَّرت فودي السٌّنون فيا ليت ضياء منحن كان ظلاما
ما أرى صحَّتي على كبر السِّنِّ ... أفادت إلاَّ ضنىً وسقاما
فكثيراً أقول: آه إذا رمت نهوضًا لحاجة أو قياما
وإذا ما مشيت [كنت] كأنِّي ... بتُّ أحسو مع الغواة المداما
صحبتني أولاد حام زمانًا ... أحصنوا صحبتي وماتوا كراما
ليتهم عمِّروا وكانوا على الدَّهر لأولاد عمِّهم خدَّاما
أكرم الشَّيب إنَّما تصحب الشَّيب إذا ما رأيته آثاما
/١٥ أ/ ثمَّ من بعده تصير إلى القبر فياليته أطال المقاما
وقال أيضًا: من السريع]
من يتمنَّ العمر فليتَّخذ ... صبراً على فقد أحبَّائه
وله: [من الوافر]
إذا ما جاوز السَّبعين عمري ... بخمس ثمَّ أردفها بخمس
يئست من البقاء وكيف أبقى ... وقد نعيت إلى بذاك نفسي
وقد أيقنت أنِّي عن قريب ... بلا شكًّ أكون رهين رمس
وكيف يلذُّ طعم العيش شيخ ... تصبِّحه المنيَّة أو تمسِّي
فيا ربَّاه جد بالعفو عنِّي ... فقد فرَّطت في يومي وأمسي
стр. 21
[٤]
إبراهيم بن أبي الكرم بن المفرج القاضي، أبو إسحاق القبطي
أصله من القبط ومولده ومنشأه مصر.
اشتغل بالفقه والحديث، وقرأ شيئًا من العربية. وكان شاعراً مترسًلا ذا بلاغة /١٥ ب/ وفهم. وكان من الأسخياء، واسع المروءة، يجود بما تملك يداه. وتقدّم عندً الملوك، وحظي لديهم، وتولّى القضاء بمدينة موش وأعمالها بصعيد مصر الأدنى إلى أن توفي في شوال سنة اثنتين وعشرين وستمائة.
أنشدني القاضي أبو الماثر عبد الصمد بن أحمد بن عبد الله المصري الأنصاري، قال: أنشدني القاضي أبو إسحاق لنفسه: [من الطويل]
لئن كنت عن طرفي بشخصك غائبًا ... فمعناك في قلبي معي لا يفارق
وشوقي لجهدي زائد وتصبِّري ... فقيد وإنِّي في الَّذي قلت صادق
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني القاضي قوله: [من الكامل]
يا عتاتبي ولو انتخيت لعتبه ... كان الأحقَّ بأن يعاتب دائما
والشَّخص ينسى ذنبه متعاميًا ... ويرى على عتب الصَّديق ملازما
[٥]
إبراهيم بن إسماعيل بن محمد بن غازي بن عبد الله الحرّانيُّ، المعروف بابن النقيب.
/١٦ أ/ كان من أهل الأدب والفضل، دمث المعاشرة، حسن المحاضرة. وكان كحَّالا بالمارستان الذي أنشأه مظفر الدين كوكبوري بن علي بكتكين –﵁ ويجتمع عنده الشعراء وأهل الفضل؛ وله طبع في النظم. وكان يحاضر بالحكايات والأشعار. وكان سريع المجون، خفيف الروح. توفي بحرّان سنة اثنتين وعشرين وستمائة.
أنشدني أبو القاسم بن أبي النجيب بن أبي يزيد التبريزي، قال: أنشدني ابن
стр. 22
النقيب لنفسه: [من الكامل]
أشتاقكم فإذا أتى من نحوكم ... آت طفقت إليه أسأل عنكم
فتسرني أخباركم ويسوءني ... إذ لم يكن معه كتاب منكم
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني إبراهيم لنفسه: [من الوافر]
تعلِّلني الأمأني في هواكم ... بلقياكم فأطرب للتلاقي
وأعلم أنها خدع ولكن ... تحقَّق بعض ما أنا منه لاقي
أمرَّر إذ تمرُّ نوىً بفكري ... وأفرق حين أخبر بالفراق
وقوله: [من الوافر]
/١٦ ب/ لعمرك ما جفوتك عن ملال ... ولا أعرضت إلاَّ خوف مقتي
لأنَّ طبائع الإنسان ليستً ... على وفق الإرادة كلَّ وقت
ومن شعره أيضًا قوله: [من الخفيف]
ورخيم الدَّلِّ معتدل القامة كالغصن حنَّ قلبي إليه
اشتهي أن يكون عندي وفي بيتي وبعضي فيه وكلِّي عليه
[٦]
إبراهيم بن عليِّ بن محمد بن أبي الحسن بن زيد، أبو إسحاق بن أبي الحسن البغداديُّ
كانت ولادته بالسِّندية ثامن شعبان سنة ثمان وخمسمائة. وكان والده خطيبها.
وكان أبو إسحاق رجلاً صالحًا دينًا متعبداً من أهل العلم والفضل وحملة القرآن وقرائه. صاحب نظم ونثر، وسمع الحديث، وقرأ على القاضي أبي زكريا يحي بن القاسم التكريتي كتاب "الناسخ والمنسوخ" لأبي القاسم هبة الله بن سلامة المفسّر، وكتاب "إفحام اليهود".
стр. 23
ووعظ تكريت /١٧ أ/ وحضر دروس قاضيها، وتكلّم عنده مراراً؛ وله أشعار حسنة.
أنشدني أبو الفضل العباس بن بزوان الموصلي، قال: أنشدني أبو إسحاق لنفسه من كلمة قالها: [من الطويل]
وقل لبني الإسلام والسنَّة الَّتي ... يضيء بأدنى نورها كلُّ فاحم
ودواي لكم محض ومدحي لفضلكم ... وداد حميم خالص الودِّ سالم
[٧]
إبراهيم بن الحسن بن عليِّ بن محمد بن موسى بن عسكر بن عثمان الحنشند، المعلِّم الشيبانيُّ.
أخبرني أنه ولد بباورد من بلد الزعفران من بطن الجزيرة العمرية، ثم انتقل إلى الموصل، وفتح له مكتبًا يعلِّم الصبيان. مولده سنة ستين وخمسمائة.
من شعره: [من الكامل]
ما بات يلحاني عبيد السَّيِّد ... إلاَّ معاندة لال محمَّد
ما قال: إنَّك رافضيٌّ ملحد ... إلاَّ بلهجة ناصبيًّ ملحد
يا للعجائب والعجائب جمَّة ... مثلي يضلُّ ومصله من يهتدي؟
/١٧ ب/ وأنشدني الخنشند لنفسه باربل يمدح شرف الدين أبا البركات المستوفي –﵀: [من الطويل]
وقالوا: امتدح من ولد موهوب ماجداً ... تحيَّر في أوصافه كلُّ من يقرأ
أبا البركات الأريحيَّ ومن له ... يدلم تخلِّي في خزائنه تبرا
فقلت وقد حيِّرت في كنه وصفه ... بأنِّي لسان أمدح البدر والجرا
стр. 24
[٨]
إبراهيم بن سليمان بن عبد الله، أبو إسحاق التيميُّ الخطيب الصرخديُّ.
كان يتولّى خطابه صرخة، وأنشأ حطبًا. وكان يترسل ترسلاً جيداً. وقرأ على أبي اليمن الكندي، ويقول شعراً يسلك فيه مسلك العرب من فخامة الألفاظ.
مدح الملك العادل وأولاده وأبناء صلاح الدين وجماعة من بني أيوب. وكان شاعراً فصيحًا في الإنشاد. وكان ذا فطرة صحيحة، وطبع سليم من اللحن.
أنشدني الشيخ العالم تاج الدين أبو الثناء محمود بن عابد بن الحسين التميمي الصرخدي /١٨ أ/ بدمشق بالمدرسة المنسوبة إلى الملك العادل محمود بن زنكي –﵀ في شهر ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وستمائة، قال: أنشدني خالي جمال الدين إبراهيم لنفسه –وذكر أنه توفي بصرخد سنة سبع عشرة وستمائة، وبلغ أربعًا وخمسين سنة-: [من الطويل]
غدت والهوى نحو الحجاز يسوقها ... ونشر الخزامي والعرار يشوقها
يسهل منها ذروة الحزن وخدها ... ويطوى بأنفاس الغرام سحيقها
كأنَّ الثريا تنثني في حزامها ... إذا ما الصُّبا بالمسك وافى فتيقها
يشقُّ ذميلاً شقَّه اللُّيل شوقها ... ويعنقها حوذانها وشقيقها
ويجذبها حرُّ الجوى نحو سلعها ... ويشكو هواها بأنها وعقيقها
أعاذلتي كفِّي فيهاتيك دارها ... تلوح وما ذاك الفريق فريقها
معاهد في قلبي لهن معاهد ... وإن أخلفت من ساكنيها بروقها
لهم منزل يرعاه أسود ناظري ... سبوح بمرجان الدُّموع غريقها
стр. 25
يطلُّ دفين الصَّدر شلاُّ لعيسم ... وأين استقلَّت فالفؤاد رفيقها
محجَّبة نجديَّة غضوبة ... بروك إذا قام المطيُّ فنيقها
ترى الشَّمس منها تحت ناصية الدُّجى ... ومأ حان من شمس النَّهار شروقها
/١٨ ب/ وله: [من الكامل]
متهلِّل يصل النَّوال ببشره ... فيظلُّ يهذي منه وجه الطَّارق
كالرَّوض لم يبز ضاحكًا ... حتَّى تبسَّم فيه ثغر البارق
[٩]
إبراهيم بن نصر بن ظافر بن هلال، أبو إسحاق بن أبي الفتح الحمويُّ.
نزيل الديار المصرية.
له: [من البسيط]
إذا زرعت جميلاً فاسقه غدقًا ... من المكارم كي ...... لك الشَّجر
ولا تشبه بمنًّ فالَّذي نقلوا ... من عادة المنِّ أن يؤذى به الثَّمر
وكتب إلى بعض الأصحاب من الصعيد لطول مقامه بها:
[من جزوء الكامل]
من يدَّعي فيَّ الحياة يمين فيما يدَّعيه
أنا ميِّت ودليله ... أن الصَّعيد دفنت فيه
وله: [من مجزوء الرجز]
يا مفتي العصر أما ... تفتون في قضيَّتي
قتلت عمداً خطأ ... وقد وزنت ديتي
وله: [من مجزوء الرمل]
/١٩ أ/ يا زماني كلَّما حاولت أمراً تتمنع
إن تعصَّبت فإنِّي ... باصطباري أتقنَّع
стр. 26
وله: من مخلّع البسيط]
لو أنَّ كتبي بقدر شوقي ... إليك لم تنقطع ورودا
وكان سلطان وجد قلبي ... ينشر في خفقها بنودا
وله: [من المتقارب]
بخدمتكم لم أنل طائلاً ... وميزان نقصي بكم راجح
وللطَّرف من أدمعي نثره ... وللقلب من سعدكم ذابح
وله: [من السريع]
ما يستر المملوك في بعثه ... نزر حقير القدر إلاَّ الرِّضا
وليس في الوقت ولكنُّنه ... من فاته الفرض يؤدِّي قضا
وله: [من مجزوء الكامل]
لمَّا علمت بأنَّ ما ... أهديه نزر القدر تافه
أنفذته وهربت ما ... هذي عديَّة من يواجه
وله /١٩ ب/ من قصيدة مرثية في علم الدين ابن الصاحب بن شكر:
[من مخلّع البسيط]
قلت وقد زرت قبر يحيى ... ذخري ومن كان لي ملاذا
والعين كالعين ذات سحًّ ... ياليتني متّ قبل هذا!
وله: [من المنسرح]
لا تغترر بالذين ........... من قربهم ما لجلدهم دابغ
أقمت فيهم أرجو نوالهم ... خمسين عامًا وما أنا بالغ
[توفي برهان الدين المذكور في ثاني جمادى الأولى سنة ثمان ...... وستمائة –بمصر، ودفن من الغد، ومولده سنة إحدى أو اثنتين وسبعين وخمسمائة].
стр. 27
[١٠]
إبراهيم بن يعقوب، أبو إسحاق الكانمي.
الأديب النحويُّ الشاعر الأسود.
وكانم اسم بلد بلد بنواحي غانة وهي دار ملك السودان الذين بجنوب المغرب.
أخبرني شيخ الشيوخ [عبد الله بن عمر الجويني الدمشقي بها –رحمة الله تعالى-] قال: رأيته وقد قدم إلى مراكش في أيام السيد أبي يوسف يعقوب بن عبد المؤمن. ومدح كبراء الدولة، واختلط بساداتهم، وارتزق وانتفع بجاهاتهم.
وكانت العجمة في لسانه لكنه يعرب عن شعر فصيح، ولفظ /٢٠ أ/ صحيح، ووزن مستقيم، ومعنى قويم. وكان يحفظ الجمل في النحو، وكثيراً من أشعار العرب.
قال: وذكر لي أنه اشتغل في بلد غانة، وتخرج بها مع أنَّها بلد كفر وجهل، وقد تردد إلىّ كثيراً، وذاكرني وجالسني؛ إلاَّ أني لم أجد في تعاليقي حين ألفت هذا المجموع سوى هذا القدر الذي علقته. فمنه قوله يمدح أبا إسحاق إبراهيم بن يعقوب. وكان قد انقطع إليه، ولازمه وحسده قوم من أصحابه على ذلك:
[من البسيط]
ما بعد باب أبي إسحاق منزلة ... يسمو إليها فتى مثلي ولا شرف
أبعد ما بركت عيسي بساحته ... وصرت من بحره اللجِّيِّ أغترف
همُّوا بصرفي وقد أصبحت معرفة ... فكيف ذلك وأسمي ليس ينصرف
يعني إبراهيم.
وقوله يخاطبه على عادتهم في المخاطبة بلفظ الجمع، ويذكر السواد، وأنشده لنفسه: [من الطويل]
стр. 28
سمعت بأن تهدي الطَّرائف نحوكم .... فسقت وليداً شاعراً وهو أعجم
وإنَّ الجياد الشُّقر أسبق خيلكم ... فهاك طمَّرا سابقًا وهو أدهم
/٢٠ ب/ وله يتغزل ..... زوجته التي زوجها به بعض السادة: [من البسيط]
غيرى عليكن يا زهراء يصطبر ... لأنَّ صبري على ذاك الهوى صبر
لوني بلونك من دان إذا أجتمعنا ... كما يزين سواد المقلة الحور
وإن شككت فقيسي قيس تجربة ... ففي أختبارك ما ينسى به الخبر
ولا يسؤك من الأغماد حالكهاً ... إذ كان كامنها الصَّمصامة الذَّكر
وقال: وأنشدني له محمد بن محمد بن خميس: [من البيسط]
وقائل لم لا تهجو، فقلت له ... لأنَّني لا أرى من خاف من هاجي
فليس ذم كرام النَّاس من شيمي ... وليس ذمُّ لئام النَّاس منهاجي
قال: وأنشدني مذاكرة لما دخلت إلى السيد يعقوب بن إبراهيم بن يعقوب، أنشدت: [من الوافر]
أزال حجابه عنِّي وعيني ... تراه من المهابة في حجاب
وقرَّبني تفضله ولكن ... بعدت مهابة عند أقترابي
وأنشدني شيخ الشيوخ، قال: أنشدني /٢١ أ/ الكانمي لنفسه –من أبيات- في السواد: [من البسيط]
بكلِّ لون ينال المرء سؤدده ... مهما تجرَّد من أخلاقه السُّود
[١١]
إبراهيم بن سليمان بن حمزة، أبو إسحاق القرشيُّ الدمشقيُّ الكاتب.
شاعر مجيد حسن الخط والكتابة من أرباب الفضل والتّميز.
стр. 29
أنشدني أبو الفضل [العباس بن بزوان بن طرخان] الموصليّ، قال: أنشدني إبراهيم بن سليمان لنفسه يمدح الملك الأشرف مظفر الدين أبا الفتح موسى بن العادل أبي بكر بن أيوب بن شاذي –رحمه الله تعالى-: [من البسيط]
رام العواذل إصلاحي وما شعروا ... أنَّ الهوى جمرة بالعذل تستعر
باتت تنمِّق لي من زورها عذلاً ... كأنَّه في حواشي مسمعي إبر
وتستقل الَّذي ألقى وقد علمت ... أنَّ الغرام الَّذي استعذبته صبر
يا راقي الدَّمع إنَّ العين في فرق ... يا راقد اللَّيل قد أدوي بي السَّهر
من مسعدي من عذيري من هوى رشًأ ... خاطرت بالنَّفس فيه والهوى خطر
ما كنت أحسب أنًّ الحبَّ يملكني ... وأن ليث الشَّرى يصطاده النَّظر
/٢١ ب/ إن أومض البرق من شرقيِّ كاظمة ... باتت مدامع من عينيك تبتدر
يجدُّ لي خطرات الشَّوق ذكركم ... الله ما تصنع الأشواق والذِّكر
إذا اللَّيالي بما نهواه كافلة ... والعيش رطب وإذ غصن الصِّبا نضر
لياليًا كنَّ عمر الدَّهر فانقرضت ... عنَّا وللهَّو في أبنائه عمر
ويوم لهم ظللنا ساجدين له ........... الكأس لمَّا أذَّن الوتر
ويوم وجد وصلناه بليلته ... يكاد يقبس منه الجمر والشَّرر
حتَّ بدت غرَّة الإصباح تلمع في ... مهلهل النَّسج في أذياله قصر
كأنَّها يد موسى أو تبسُّمه ... أو ضوء غرُّته والنَّقع يعتكر
شاه أرمن بن أبي بكر أعم ملوك الأرض جوداً إذا لم يورق الشَّجر
قالت سليمى وقد جدَّ الرُّحيل بنا ... عنهأ فدمعتها في الخدِّ تنحدر
حتَّى م ترحل أنضاء المطيِّ ولا ... ي، فكُّ غرمك مقرونا به سفر
يا هذه إنَّني آو إلى ملك ... تشاركت في نداه البدو والحضر
ليست لغير النَّدى والباس همَّته ... لله والمجد ما يأتي وما يذر
ترى الوفود إلى أبوابه زمراً ... أمامها زمر وخلفها زمر
حتَّى إذا وردوا ساحاته نزلوا ... بماجد يهب الدُّنيا ويعتذر
стр. 30
/٢٢ أ/ أفعاله غرر في المجد واضحة ... بيض وأيَّامه في دهره غرر
ماضي الشَّباه له يومان يوم ندًى ... ويوم بأس كلا يوميه مشتهر
لو أنَّه رام فوق الشمس منزله ... ما عاق عمَّته عجز ولا خور
لو طاولته يد الأيَّام طاولها ... عبل الذِّراعين ما في باعه قصر
بذَّ الملوك ومأ يألون في طلب ... ففي أعنَّتها عن قصده زور
تكبو السَّوابق في آثار عزمته ... والجدُّ منها وفيها القيق والضمر
جمُّ النَّوال يعمُّ النَّاس نائله ... كفَّاءه تفعل ما لا يفعل المطر
أعطى فلم تخل كف من مواهبه كالبحر يلفظ في اعباره الدُّرر
تبيت أعداؤه منه على حذر ... هيهات ينفع منه الخوف والحذر
في كلِّ ثغر نذوب من وقائعه ... حتَّى اللَّيالي بها من مسِّها أثر
يغدو أمام الخميس المجر يقدمه ... كأنَّه فيه ليث الغابة الهصر
مسدَّد الحزم ماضي العزم يصحبه ... أنَّي سرى أو أقام النَّصر والظَّفر
يا ربَّ حومة حرب قد نقعت بها ... صدى السُّيوف ونار الحرب تستعر
مهما الصَّوافن حيرى والكمأة لقًى ... والمضرفيَّة كلمى والقنا كسر
والنَّقع أسفع والأبطال عابسة ... والبيض ..........................
/٢٢ ب/ وكنت أشجع من يلفى وأكرم من ... يسمى وأفضل من ينمى ويفتخر
يجلو الخطوب إذا أسودَّت غياهبها ... كما يجلي مراد الظُّلمة القمر
يروق رائيه منه منظر حسن ... يلقاه أحسن منه حين يختبر
باتت تمثِّل لي فيك المنى أملاً ... فسرت نحوك لم ينفذ بي الطير
يا دهر ويحك نكِّب عن محاربتي ... إنِّي بني أيُّوب منتصر
الأشرف القمر الملك الَّذي حسدت ... مقامه في السَّماء الأنجم الزُّهر
وزاد فضلاً بني أيُّوب أن كرموا ... في النَّاس أصلاً وطاب الظِّلُّ والثَّمر
عجبت من ظمأ إن جرت بي هممي ... على موارد ماء صفوها كدر
سارت إليك وآمالي أزمَّتها ... يقتادها الجود لا الأرسان والعذر
يحملن كلَّ بديه النَّسج مطَّرد ... يهدي إليك ثناء نشره عطر
كأنَّه روضة جاد الوليُّ بهاً ... حتَّى تأرَّج من أكمامها الزَّهر
стр. 31
لا يضحك الدَّهر يومًا عن بنيه رضًا ... إلاَّ إذا ابتسمت عن مجدك اليِّسر
دأمت بغرَّتك الأيَّام مشرقة ... إنَّ الزَّمان إليك اليوم مفتقر
تطول السننا حتَّ إذا قصرت ... إلى مداك ثناها العيُّ والحصر
مأكلُّ ذي خطر يسمو إلى مدحي ... وهنَّ دونك يا من دونه الخطر
/٢٣ أ/ ألبست كلَّ وليًّ نعمةً غبطت ... وإنَّني بالولاء اليوم مشتهر
يا خير من صدرت عنه الوفود ومن ... يثني الورود على جدواه والصَّدر
لا أسأل الله شيئًا غير مغفرة ... وأن يجيرك من مكروهه القدر
[١٢]
إبراهيم بن دنينير الموصليُّ.
أنشدني القاضي السعيد بهاء الدين أبو محمد الحسن بن إبراهيم الخشاب –أيده الله تعالى- قال: كتب إلى ابن دنينير هذه الأبيات لنفسه: [من البسيط]
أبا محمَّد المرجوَّ نائله ... أصبحت منك على أمن من العدم
قد خالطت منك نعماك الَّتي شملت ... وفرط حبِّك منِّي أعظمي ودمي
فاليوم لا أتخشى وقع حادثه ... من صرف دهري ولا من جور منتقم
لي منك ما لم أزل أزهى به فرحًا ... من احترام وإكرام ومن نعم
أضف إليها قليلاً من مساعدة ... بجاهك العامر الموفي على الهمم
وأكتب كتابًا أفز بالنَّقع منه كما ... تفوز منه بحسن الذِّكر في الأمم
[١٣]
إبراهيم بن عيسى بن درباس /٢٣ ب/ أبو إسحاق المصريُّ المارانيُّ.
كانت ولادته بالقاهرة في شوال سنة إثنتين وسبعين وخمسمائة، ونشأ بمصر.
стр. 32
كان من أهل الحديث الذين رحلوا في طلبه [إلى] البلاد، وكتب منه شيئًا كثيراً، وسمع المشايخ، ولقي العلماء. وكان شافعي المذهب؛ إلاَّ أنه كان يطعن على أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، ويقع فيه. له من أبي طاهر السلفي إجازة معيّنة في شهر ربيع الآخر سنة أربع وسبعين وخمسمائة.
وخبرت أنه دخل بلاد الهند، وسكن مدينة من أعمالها تدعى "نهر وألا"، وحصل لديها رزق واسع وثروة وافرة؛ وهو مقيم بها.
أنشدني الصاحب أبو البركات المستوفي، قال: أنشدني الماراني لنفسه:
[من البسيط]
حكمت يا دهر في أمري بإفراط ... وما عدلت إلى عدل وإقساط
إنِّي وقد طرحت أيدي النَّوى جنفًا ... جسمي بحمص وروحي ثغر دمياط
ومما كتبه إلى القاضي زين الدين ابن الأنصاري، وأنشدنيها الشيخ شمس الدين أبو الطاهر إسماعيل /٢٤ أ/ ابن سودكين بحلب في شهر ربيع الأول سنة أربعين وستمائة، قال: وقد زاره ابن الأنصاري المذكور وولده عشية الجمعة ببستان كمال الدين؛ وتفضل ووعد أن يزوره فيه في الليالي المقمرة من كل شهر ويبيت فيها:
[من البسيط]
أفدي الَّذي زارني من غير موعدة ... فعادلي الرَّوح لمَّا زار والفرح
أكرم به مالكًا أهدى بزورته ... كلَّ السُّرور وزال الغمُّ والتَّرح
فلست أحصي الَّذي أسدى بزورته ... من الجميل وما زالت له المنح
لم أبلغ الفضل من إكرام حضرته ... بما يليق له فأهتاج بي كلح
لولا أعتمادي على علمي مودَّته ... لكنت من خجلي والله أفتضح
أتاحه الله في الإسعأد منزلة ... ينال منها الَّذي يبغى ويقترح
وكتب إلى المذكور يستنجزه ما وعده من الزيارة: [من الطويل]
أيا راكبًا يبغي منازل جيرتي ... ويمَّم في مسراه دار أحبَّتي
ألا حيِّ أهل الحسِّ عنِّي تفضُّلاً ... وعرِّفهم بالله يا سعد قصَّتي
/٢٤ ب/ عساهم إذا أخبرتهم بقضيَّتي ... يغشونني منهم بعطف ورحمة
стр. 33
ألا حيِّ زين الدِّين أوفي تحيَّة ... وبلَّغ جمال الدَّين أيضًا تحيَّتي
وقل لهما إنَّ الوداد بحاله ... وحقِّكما حتَّى أوسَّد حفرتي
ولست بناس فضلكم وجميلكم ... عشيَّة ما كنَّا جميعًا وجمعة
وقد وعد المولى بعود جميله ... وإسعافه في المقمرات بزورة
وقد شخصت منَّا العيون لصوبكم ... تراءى هلال الوصل منكم وحقت
فإن غبتم فالقلب فيكم معذَّب ... وإن عدتم عادت إلى مسرَّتي
فبادر فليس الأنس دونك حاضراً ... وما نزهة إن غبت عنَّا بنزهة
ولا زلت يا مولاي تسدي جميلة ... ولازلت يا مولاي سلك أحبتَّي
وكتب إليه أيضًا: [من الخفيف]
لا تلمني على الولا يا جاري ... أنا عبد لسيِّد الأنصار
هو خلِّي وسيِّدي ونسيبي ... ورفيقي في أشرف الأسفار
وصديقي من مكتبي ثم جاري ... في حقوق تجلُّ عن إحصار
فأجبني يا سيِّدي عن مقالي ... ببلال من بحرك الزَّخَّار
وكتب إلى كمال الدين، وقد بالغ في إحسانه: [من الطويل]
/٢٥ أ/ ملكت كمال الدِّين رقِّي وإنَّني ... لأفخر أن أصبحت أدعى بعبدكا
وما زلت بالإحسان حتًّى ملكتني ... فلا زلت مملوكًا ولا زلت مالكا
رواي هذه الأبيان عن قائلها شمس الدين إسماعيل بن سودكين.
[١٤]
إبراهيم بن محمود بن أحمد بن حمزة بن أبي عليًّ، أبو إسحاق الشيرازيُّ، المعروف بابن الميراثيِّ.
نسبة إلى الميراث.
كانت ولادته ليلة الاثنين سادس صفر سنة تسع وسبعين وخمسمائة. كان فقيهًا عالمًا أصوليًا شاعرًأ؛ وهو من أبناء الرؤساء، وبيتهم أكبر بيت بشيراز.
أنشدني أبو الفتح محمد بن بدل التبريزي –﵀ قال: أنشدني إبراهيم بن محمود الميراثي لنفسه جواب كتاب ورد عليه من بعض أصدقائه: [من الوافر]
стр. 34
أحبُّ إلىَّ من نفس الصَّباح ... وأشهى من ملاقاة الصِّباح
وأطيب رشفة وألذُّ طعمًأ ... من الصَّهباء بالماء القراح
/٢٥ ب/ كلام من نواحيكم أتاني ... ألا يا حبَّذا تلك النَّواحي
ألا أبلغ تحيَّاتي وشوقي ... أباك القرم ذا الكرم الصُّراح
فإنَّ أباك خير الخلق خلقًا ... وأعلمهم بأسباب النَّجاح
مواليَّ أذكروني في دعاء ... فإنَّ دعأكم أمضى سلاح
فلا تنسوا لدى الطَّيران طيراً ... غدا في الفخِّ منكسر الجناح
وأنشدني الصاحب أبو البركات المستوفي –رحمه الله تعالى- قال: أنشدني ابن الميراثي لنفسه: [من الطويل]
حياءً فما بعد المشيب غرام ... وصحواً فما بعد الصَّباح منام
أعد نظراً في الدَّهر تبصر صروفه ... لوامع آل ما لهنَّ دوام
وله: [من الكامل]
هل للفؤاد من الغرام مخلِّص ... أم جور ذات الخال يومًا ينقص
لا بل تمادى في الكمال كلاهما ... فالقلب بين الحالتين منغَّص
وقال: [من الكامل]
دار حللت بها وأيَّة دار مغنى النُّجوم ومنزل الأقمار
/٢٦ أ/ مرَّت بنا فإذا رأتني أعرضت ... حذراً من الرقباء والنُّظَّار
ومنها:
نظرت فلاح ضميرها في عينها ... إن العيون طلائع الأسرار
[١٥]
إبراهيم بن المظفر بن إبراهيم بن محمد بن عليّ بن سلمان، المعروف بابن البرنيِّ، أبو إسحاق بن أبي منصور الموصليُّ المولد، البغداديُّ المنشأ والأصل.
стр. 35
رأيته شيخًا قصيراً نقي الشيبة، ضعيف العينين. كانت ولادته في أيام التشريق من سنة ست وأربعين وخمسمائة. وتوفي بها أول يوم من المحرم سنة اثنتين وعشرين وستمائة، ودفن غربها ظاهر البلدة بمقبرة المعافى بن عمران –﵄ إلى جانب الشيخ عمر بن محمد بن الخضر الملّاء الموصلي.
وكان واعظًا فقيهًا على مذهب الإمام أحمد بن حنبل –﵁ وسمع الحديث الكثير على مشايخ دار السلام؛ كأبي محمد بن الخشاب النحوي، وأبي الفرج ابن الجوزي، وعبد المغيث بن زهير الحربي، وغيرهم من شيوخ الحديث. واشتغل بفن الوعظ وبرع فيه. /٢٦ ب/ وكان يعظ الناس.
نزل الموصل وسكنها، واتصل بأبي القاسم علي ابن مهاجر الموصلي، وفوَّض إليه دار الحديث التي أنشأها بباب سكّة أبي نجيح، وانتفع بصحبته واشتهر اسمه. وكان يسمع الحديث بالدار المذكورة ويفتي على المذهب الأحمدي. وصنَّف مصنفات كثيرة، وله أشعار ساقطة.
شاهدته مراراً عدّة، وحضرت مجلس وعظه، ولم يتفق لي الرواية عنه.
أنشدني تلميذه محمد بن منصور بن دبيس الموصلي، قال: أنشدني أبو إسحاق ابن البرني لنفسيه: [من المجتث]
لا تشغلنك خلوب .... بذات فرع أثيث
عن التشاغل بالفقه واستماع الحديث
فالعلم خير قرين ... مستصرخ ومغيث
стр. 36
فلا تبعه بجهل ... ما بليت كحيث
وأنشدني أبو علي الحسن بن محمد بن يحيى بن شمير الموصلي، قال: أنشدنا ابن البرني لنفسه، يرثي الأمير مودود /٢٧ أ/ ابن المراق ويعزّي أخوته وأقاربه:
[من الخفيف]
طال يومي وطال بي التَّسهيد ... منذ قالوا: أودى الفتى مودود
واعترتني وساوس شيبتني ... لو درى بعضها لشاب الوليد
راعنا بالفراق وهو الودود ... وارتعى جانبيه ترب ودود
وفقدنا لفقده لذَّة العيش فصبر الصَّبور منَّا فقيد
غائب غاب ماله من إياب ... خاب فيه الرَّجاء ليس يعود
وهي طويلة.
[١٦]
إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن عليّ بن نصر الله، أبو إسماعيل المعروف بابن دنينير الموصليُّ اللخميُّ ثم القابوسي.
من أهل الموصل. هكذا قرأت نسبه بخط يده.
стр. 37
رأيته غير مرة. كان شابًا أشقر مشربًا بحمرة، مقرون الحاجبين، جميل الصورة؛ وله منظر.
اشتغل بشيء من الأدب على أبي الحرم مكي بن ريان النحوي، وكتب خطًّا حسنًا. وعرف علم النحو معرفة جيدة، وفهم حلّ التراجم، وقال الشعر، ورحل به إلى الملوك؛ إلاَّ أنه كان /٢٧ ب/ رديء الاعتقاد، يتهاون بالدين والصلاة، ويطعن في الشريعة والإسلام، ويتظاهر بالإلحاد والفسق، ويصرُّ على شرب الخمر. وكان مع ذلك بغيضًا إلى الناس، ممقوتًا عندهم لما يرونه سالكًا طريق القبائح والأشياء المنكرة.
سافر إلى الديار المصرية والبلاد الشامية، وامتدح جماعة من ملوكها وكبرائها. وبلغني أنه قتل سنة سبع وعشرين وستمائة؛ وسبب ذلك أنَّ بعض ما كان يخالطه عثر له على أوراق تتضمن كلامًا ردئيًا في حقّ الله ما يوجب قتله، وأهاج في الملوك وكفريات. فأخذ الملك العزيز عثمان بن الملك العادل وصلبه بالصبيتة- قلعة قريبة إلى بانياس.
رأيته غير مرّة بالموصل، ولم آخذ عنه شيئًا لقلّة اهتمامي بهذا الشأن.
ووجدت له قصيدة بخط يده، قالها في الملك الظاهر غياث الدين غازي بن يوسف بن أيوب صاحب حلب ﵀ وأنشدنيها عنه أبو القاسم بن أبي النجيب /٢٨ أ/ ابن أبي التبريزي، قال: أنشدني دنينير لنفسه: [من البسيط]
لولا تذكُّر عهد بالحمى سلفا ... ما فاض دمعي على ربع ولا كفا
ولا سقيت ربى الجرعاء من إضم ... دمعًا غدا يوم سار الحيُّ منذرفا
كم لي أكتِّم أشواقي ويظهرها ... سقم برى أعظمي يوم النوى أسفا
وفي الهوادج لي شمس إذا برزت ... يظلُّ منها جبين الشَّمس منكسفا
لولا النَّصيف يواري من أشعَّتها ... لما رأيت بمرأى وجهها سدفا
ولو بدا ثغرها يومًا رأيت له ... برقًا تألَّق للأبصار مختطفا
стр. 38
ومقلتاها وخدَّاها وطرَّتها ... لخلت في الوجه منها روضة أنفا
حتَّى نأت فغدا لي من قطيعتها ... وبعدها سببا قتل قد اختلفا
ألفتها ونأت عنِّي فرحت به ... حلف الضَّنى والمعنَّى كلُّ من ألفا
لا ارتضي عيشتي من بعدما ما تركت ... يد النَّوى بدني طول المدى دنفا
أبكي دمًا بعد تفريق الفريق أسى ... من بعدهم وكفى جفنيَّ ما وكفا
يا ذا الملامة فيهم لم تعنِّفني ... إنَّ الصَّفا لو رأى حالي بهم لصفا
دعني أكابد برح الحبِّ في كبد ... جرى وأندب ربعًا قد خلا وعفا
وأستقلُّ بعبء لو تحمَّله ... رضوى لأوهاه حتَّى كلَّ أو ضعفا
/٢٨ ب/ كشفت ستر هواهم بألصُّدود كما ... غازي بن يوسف طرق الجود قد كشفا
ملك إذا عدم الأجواد كلُّهم ... كانت فضالة ما يولي لهم خلفا
تنقَّل الجود لم يبلغ لدى أحد ... مدى فحين تناهى عنده وقفا
لطف ينيلك ما ترجو ويكنفه ... بأس فؤاد اللَّيالي منه قد رجفا
في كلِّ يوم يرى من فيض أنعمه ... ما لا رأى مثله جوداً ولا عرفا
قالوا: غدا الكرم الموصوف منه يداً ... لما أستعدَّ به يومًا ولا وصفا
أستودع الله من سارت ركائبه ... عنِّي فأودعني من بعده أسفا
جاد الزَّمان على حين برؤيته ... وكان مثل خيال في الكرى خطفا
أمر عيشي منَّاه وكدَّره ... من بعد ما كانً فيه قد حلا وصفا
فرحت أوسع دهري من جوى وهوى ... حمداً وذمًا لما أولى وما اقترفا
يا ابن الملوك الألى لولا مآثرهم ... لم يوجد الجود مأثوراً ولا عرفا
الباذلي عرفهم والسَّحب مخلفة ... والمانهي جارهم والدَّهر قد جنفا
ما أشرفت من هضاب المجد منزلة ... إلاَّ تعالوا على هاماتها شرفا
فرَّقت وفرك في الدُّنيا فعاد وقد ... أعاد مجدك موعوداً ومؤتلفا
ذكاءك الصُّبح إن ليل الشُّكوك دجا ... وبأسك الجار أن رسم الجوار عفا
/٢٩ أ/ إن يدَّعي الفخر أقوام فحقُّكم الموروث متَّلداً منه ومطَّرفا
ألست من معشر نادت مكارمهم ... في النَّاس إنَّ محيَّا الجود قد كشفا
من آل أيُّوب حيث الملك منسبل ... والحمد مغتنم والظِّلُّ قد ورفا
стр. 39
قوم إذا أسرفوا في البذل من كرم ... لم يتبعوا منَّهم بذلاً ولا سرفا
فلوقفت حادثات الدَّهر نهجهم ... لم يختلف في مجاريها ولا اختلفا
أدنيت حظِّي إذ أدنيت منزلتي ... فعاد عنِّي صروف الدًّهر قد صرفا
كلفت بالجود إذ لم تلف مبتهجًا ... بغيره وجدير أن ترى كلفا
لا تنكرن فيك أيَّامي على بخل ... وأغفر [فديتك] ذنبًا عندها سلفا
فأمدد إلى بعين العفو عن زللي ... فأنت ممَّن إذأ استغوى الجهول عفا
فما تخلَّفت عن توديعكم طمعًا ... في أن أرى من زماني عنكم خلفا
وكتب إلى الصاحب شرف الدين أبي البركات المستوفي –رحمه الله تعالى-:
[من الطويل]
أيا شرف الدِّين الَّذي سوق مجده ... بمعروفه بين البريَّة نافق
ويا من عطاياه إذا ضن بالنَّدى ... تقصِّر عنهنَّ الغيوث الدَّوافق
إذا شمت برقًا من جميل خلالكم ... شممت لكم عرفًا له المجد فاتق
/٢٩ ب/ لئن كان شكري في معاليك صامتًا ... فعذري بعجزي عن صفاتك ناطق
وما غاية المثني وفيك خلائق ... تقصِّر عن أوصافهنَّ الخلائق
وقال: [من السريع]
قابلني ليلة قبَّلته ... ظبيٌّ من الشَّمس غدا أملحا
طيب نسيم بين أنيابه ... لو رقد المخمور فيه صحا
[١٧]
إبراهيم بن عليِّ بن محمود بن هبة بن أحمد بن يوسف بن أبي طالب بن عبد الرحمن بن عليّ، أبو إسحاق الكفر عزّيُّ الإربليُّ.
ابن عمِّ القاضي أبي محمد جعفر بن محمد بن محمود الكفر عزّيِّ.
стр. 40
حدثني الصاحب أبو البركات في تاريخه، قال: توفي أبو إسحاق بإربل ليلة الجمعة تاسع شهر رمضان سنة عشرين وستمائة. ووصى أن يحمل إلى كفر عزّة ويدفن بها ومولده كان فيها- فحمل ودفن بها.
ثم قال: وذكر لي القاضي أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد الكفر عزّي: أن عمره خمس وثمانون سنة.
وأنشدني الصاحب أبو البركات، قال: أنشدني أبو إسحاق /٣٠ أ/ لنفسه: [من الطويل]
لعمرك ما فعل الأسود إذا أعتدت ... ولا السمهريَّات العوالي ولا الظُّبا
كما تفعل الأشواق في قلب وامق ... إذا حنَّ يومًا للمعالم أو صبا
[١٨]
أنشد هذه القصيدة القاضي السعيد العالم جمال الإسلام شرف السادة بهاء الدين أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن الخشاب، قال: أنشدني إبراهيم بن علي الإربليّ لنفسه: [من الوافر]
لئن صدقت سعاد في المقال ... ولجَّت في القطيعة والدَّلال
ونفَّرها مشيبي فاسترابت ... وكانت لا تحيد عن الوصال
ولم أصل الخرائد كاعبات ... وقد غفل الرَّقيب عن السُّؤال
خليَّ القلب من فكر وهمًّ ... يقلقلني ومن داء عضال
وما ترك المشيب عليًّ حالاً ... تميل إليه رَّبات الحجال
فمأ أخشى إذا ما كان عوني ... بهاء الدِّين من غير اللَّيالي
فتى كالبدر يزهو حين يسمو ... ليالي تمِّه عند الكمال
/٣٠ ب/ تصدَّى للعلا مذكان طفلاً ... وها هو بالعلا والمجد حالي
يجلُّ عن القياس بكلِّ فنًّ ... ويكبر أن يمثَّل في مثال
ولو جاراه حاتم في نوال ... كبا من حيث يجري في المجال
له همم تجلُّ عن العوالي ... وتزري بالمهندة الصِّقال
следующие страницы →