Полный текст (2 778 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
فلا تبعه بجهل ... ما بليت كحيث
وأنشدني أبو علي الحسن بن محمد بن يحيى بن شمير الموصلي، قال: أنشدنا ابن البرني لنفسه، يرثي الأمير مودود /٢٧ أ/ ابن المراق ويعزّي أخوته وأقاربه:
[من الخفيف]
طال يومي وطال بي التَّسهيد ... منذ قالوا: أودى الفتى مودود
واعترتني وساوس شيبتني ... لو درى بعضها لشاب الوليد
راعنا بالفراق وهو الودود ... وارتعى جانبيه ترب ودود
وفقدنا لفقده لذَّة العيش فصبر الصَّبور منَّا فقيد
غائب غاب ماله من إياب ... خاب فيه الرَّجاء ليس يعود
وهي طويلة.
[١٦]
إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن عليّ بن نصر الله، أبو إسماعيل المعروف بابن دنينير الموصليُّ اللخميُّ ثم القابوسي.
من أهل الموصل. هكذا قرأت نسبه بخط يده.
стр. 37
رأيته غير مرة. كان شابًا أشقر مشربًا بحمرة، مقرون الحاجبين، جميل الصورة؛ وله منظر.
اشتغل بشيء من الأدب على أبي الحرم مكي بن ريان النحوي، وكتب خطًّا حسنًا. وعرف علم النحو معرفة جيدة، وفهم حلّ التراجم، وقال الشعر، ورحل به إلى الملوك؛ إلاَّ أنه كان /٢٧ ب/ رديء الاعتقاد، يتهاون بالدين والصلاة، ويطعن في الشريعة والإسلام، ويتظاهر بالإلحاد والفسق، ويصرُّ على شرب الخمر. وكان مع ذلك بغيضًا إلى الناس، ممقوتًا عندهم لما يرونه سالكًا طريق القبائح والأشياء المنكرة.
سافر إلى الديار المصرية والبلاد الشامية، وامتدح جماعة من ملوكها وكبرائها. وبلغني أنه قتل سنة سبع وعشرين وستمائة؛ وسبب ذلك أنَّ بعض ما كان يخالطه عثر له على أوراق تتضمن كلامًا ردئيًا في حقّ الله ما يوجب قتله، وأهاج في الملوك وكفريات. فأخذ الملك العزيز عثمان بن الملك العادل وصلبه بالصبيتة- قلعة قريبة إلى بانياس.
رأيته غير مرّة بالموصل، ولم آخذ عنه شيئًا لقلّة اهتمامي بهذا الشأن.
ووجدت له قصيدة بخط يده، قالها في الملك الظاهر غياث الدين غازي بن يوسف بن أيوب صاحب حلب ﵀ وأنشدنيها عنه أبو القاسم بن أبي النجيب /٢٨ أ/ ابن أبي التبريزي، قال: أنشدني دنينير لنفسه: [من البسيط]
لولا تذكُّر عهد بالحمى سلفا ... ما فاض دمعي على ربع ولا كفا
ولا سقيت ربى الجرعاء من إضم ... دمعًا غدا يوم سار الحيُّ منذرفا
كم لي أكتِّم أشواقي ويظهرها ... سقم برى أعظمي يوم النوى أسفا
وفي الهوادج لي شمس إذا برزت ... يظلُّ منها جبين الشَّمس منكسفا
لولا النَّصيف يواري من أشعَّتها ... لما رأيت بمرأى وجهها سدفا
ولو بدا ثغرها يومًا رأيت له ... برقًا تألَّق للأبصار مختطفا
стр. 38
ومقلتاها وخدَّاها وطرَّتها ... لخلت في الوجه منها روضة أنفا
حتَّى نأت فغدا لي من قطيعتها ... وبعدها سببا قتل قد اختلفا
ألفتها ونأت عنِّي فرحت به ... حلف الضَّنى والمعنَّى كلُّ من ألفا
لا ارتضي عيشتي من بعدما ما تركت ... يد النَّوى بدني طول المدى دنفا
أبكي دمًا بعد تفريق الفريق أسى ... من بعدهم وكفى جفنيَّ ما وكفا
يا ذا الملامة فيهم لم تعنِّفني ... إنَّ الصَّفا لو رأى حالي بهم لصفا
دعني أكابد برح الحبِّ في كبد ... جرى وأندب ربعًا قد خلا وعفا
وأستقلُّ بعبء لو تحمَّله ... رضوى لأوهاه حتَّى كلَّ أو ضعفا
/٢٨ ب/ كشفت ستر هواهم بألصُّدود كما ... غازي بن يوسف طرق الجود قد كشفا
ملك إذا عدم الأجواد كلُّهم ... كانت فضالة ما يولي لهم خلفا
تنقَّل الجود لم يبلغ لدى أحد ... مدى فحين تناهى عنده وقفا
لطف ينيلك ما ترجو ويكنفه ... بأس فؤاد اللَّيالي منه قد رجفا
في كلِّ يوم يرى من فيض أنعمه ... ما لا رأى مثله جوداً ولا عرفا
قالوا: غدا الكرم الموصوف منه يداً ... لما أستعدَّ به يومًا ولا وصفا
أستودع الله من سارت ركائبه ... عنِّي فأودعني من بعده أسفا
جاد الزَّمان على حين برؤيته ... وكان مثل خيال في الكرى خطفا
أمر عيشي منَّاه وكدَّره ... من بعد ما كانً فيه قد حلا وصفا
فرحت أوسع دهري من جوى وهوى ... حمداً وذمًا لما أولى وما اقترفا
يا ابن الملوك الألى لولا مآثرهم ... لم يوجد الجود مأثوراً ولا عرفا
الباذلي عرفهم والسَّحب مخلفة ... والمانهي جارهم والدَّهر قد جنفا
ما أشرفت من هضاب المجد منزلة ... إلاَّ تعالوا على هاماتها شرفا
فرَّقت وفرك في الدُّنيا فعاد وقد ... أعاد مجدك موعوداً ومؤتلفا
ذكاءك الصُّبح إن ليل الشُّكوك دجا ... وبأسك الجار أن رسم الجوار عفا
/٢٩ أ/ إن يدَّعي الفخر أقوام فحقُّكم الموروث متَّلداً منه ومطَّرفا
ألست من معشر نادت مكارمهم ... في النَّاس إنَّ محيَّا الجود قد كشفا
من آل أيُّوب حيث الملك منسبل ... والحمد مغتنم والظِّلُّ قد ورفا
стр. 39
قوم إذا أسرفوا في البذل من كرم ... لم يتبعوا منَّهم بذلاً ولا سرفا
فلوقفت حادثات الدَّهر نهجهم ... لم يختلف في مجاريها ولا اختلفا
أدنيت حظِّي إذ أدنيت منزلتي ... فعاد عنِّي صروف الدًّهر قد صرفا
كلفت بالجود إذ لم تلف مبتهجًا ... بغيره وجدير أن ترى كلفا
لا تنكرن فيك أيَّامي على بخل ... وأغفر [فديتك] ذنبًا عندها سلفا
فأمدد إلى بعين العفو عن زللي ... فأنت ممَّن إذأ استغوى الجهول عفا
فما تخلَّفت عن توديعكم طمعًا ... في أن أرى من زماني عنكم خلفا
وكتب إلى الصاحب شرف الدين أبي البركات المستوفي –رحمه الله تعالى-:
[من الطويل]
أيا شرف الدِّين الَّذي سوق مجده ... بمعروفه بين البريَّة نافق
ويا من عطاياه إذا ضن بالنَّدى ... تقصِّر عنهنَّ الغيوث الدَّوافق
إذا شمت برقًا من جميل خلالكم ... شممت لكم عرفًا له المجد فاتق
/٢٩ ب/ لئن كان شكري في معاليك صامتًا ... فعذري بعجزي عن صفاتك ناطق
وما غاية المثني وفيك خلائق ... تقصِّر عن أوصافهنَّ الخلائق
وقال: [من السريع]
قابلني ليلة قبَّلته ... ظبيٌّ من الشَّمس غدا أملحا
طيب نسيم بين أنيابه ... لو رقد المخمور فيه صحا
[١٧]
إبراهيم بن عليِّ بن محمود بن هبة بن أحمد بن يوسف بن أبي طالب بن عبد الرحمن بن عليّ، أبو إسحاق الكفر عزّيُّ الإربليُّ.
ابن عمِّ القاضي أبي محمد جعفر بن محمد بن محمود الكفر عزّيِّ.
стр. 40
حدثني الصاحب أبو البركات في تاريخه، قال: توفي أبو إسحاق بإربل ليلة الجمعة تاسع شهر رمضان سنة عشرين وستمائة. ووصى أن يحمل إلى كفر عزّة ويدفن بها ومولده كان فيها- فحمل ودفن بها.
ثم قال: وذكر لي القاضي أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد الكفر عزّي: أن عمره خمس وثمانون سنة.
وأنشدني الصاحب أبو البركات، قال: أنشدني أبو إسحاق /٣٠ أ/ لنفسه: [من الطويل]
لعمرك ما فعل الأسود إذا أعتدت ... ولا السمهريَّات العوالي ولا الظُّبا
كما تفعل الأشواق في قلب وامق ... إذا حنَّ يومًا للمعالم أو صبا
[١٨]
أنشد هذه القصيدة القاضي السعيد العالم جمال الإسلام شرف السادة بهاء الدين أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن الخشاب، قال: أنشدني إبراهيم بن علي الإربليّ لنفسه: [من الوافر]
لئن صدقت سعاد في المقال ... ولجَّت في القطيعة والدَّلال
ونفَّرها مشيبي فاسترابت ... وكانت لا تحيد عن الوصال
ولم أصل الخرائد كاعبات ... وقد غفل الرَّقيب عن السُّؤال
خليَّ القلب من فكر وهمًّ ... يقلقلني ومن داء عضال
وما ترك المشيب عليًّ حالاً ... تميل إليه رَّبات الحجال
فمأ أخشى إذا ما كان عوني ... بهاء الدِّين من غير اللَّيالي
فتى كالبدر يزهو حين يسمو ... ليالي تمِّه عند الكمال
/٣٠ ب/ تصدَّى للعلا مذكان طفلاً ... وها هو بالعلا والمجد حالي
يجلُّ عن القياس بكلِّ فنًّ ... ويكبر أن يمثَّل في مثال
ولو جاراه حاتم في نوال ... كبا من حيث يجري في المجال
له همم تجلُّ عن العوالي ... وتزري بالمهندة الصِّقال
стр. 41
أمين الملك في الأشياء جمعًا ... صدوق في المقال وفي الفعال
له قلم به الأرزاق تجري ... وفي الأعداء تجري بالنَّكال
تخال مداده سم الأفاعي ... وشقَّة رأسه حدَّ النِّصال
فقد يغني عن الأسياف فيما ... يشطِّره وعن سمر العوالي
إليه شددت أكوار المطايا ... مجنِّحة لسيري وأرتحالي
وليس إلى سواه مددت كفّا ... لأنَّ على مكارمه أتِّكالي
أمولانا بهاء الدِّين خذها ... مهذَّبة كنظم بالَّلآلي
يروق النَّاس مسمعها بلفظ ... على الأسماع كالماء الزُّلال
بلا كدر ولا نظم يشيهًا ... ولا مضمونه طول المطال
وعلمك أيُّها المولى بأنِّي ... كما تختأره العبد الموالي
لمجدك بعد حيدرة وسبطي ... رسول الله والتِّسع التَّوالي
/٣١ أ/ ولست لغيرهم أهوى ولكن ... مدارة الزَّمان على الرِّجال
ولا برحت نجومك في سعود ... ولا أذنت سعودك بانتقال
[١٩]
إبراهيم بن عمر، أبو إسحاق الجزريُّ، المعروف بابن الزرقاء.
من أهل الجزيرة العمرية.
كان يعلّم الصبيان ويتردد إلى الأمراء يعلّم أولادهم الخط. وكان يكتب الخط الحسن، ويقول شعراً طيبًا سهلاً؛ يضمنه المجون والهزل، ويعرف الحكايات النادرة. ويحضر مجالس الكبراء والصدور، ويقبلون عليه ويكرمونه لظرفه وحسن محاضرته، ويتنافسون فيه لدماثة أخلاقه. وكان مع ذلك حافظًا للقرآن الكريم، ذا دين متين وخير وصلاح، مغرًى بالزواج لا يصبر عن ذلك.
стр. 42
أنشدني الأمير أبو المفاخر بدران بن فتوح بن سلطان العقيلي بمحروسة حلب –بخانكاه القصر- وكان وردها رسولاً في سنة سبع وثلاثين وستمائة، قال: أنشدني أبو إسحاق إبراهيم بن عمر المعلم الجزري لنفسه ما كتبه إلى والدي /٣١ ب/ وكان قد أحاله بشيء من النفقة على غلام له اسمه أحمد فعوّقها عليه:
[من مجزوء الرجز]
يا من رقى إلى العلا ... والمجد أعلى طبقه
ومن ترى غرَّته ... مثل الهلال مشرقه
إعلم بأن أحمداً ... هذا النَّقيف العنفقه
لحاله تعلمها ... عوَّق عنِّي النَّفقه
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني المذكور لنفسه، وقد أحضرته زوجته إلى مجلس القاضي وشكت منه ما يضع في حقّها: [من الكامل]
يا سيِّدي القاضي ويا زين الورى ... لي زوجة وأريد منك تصكُّها
آتي لها في كلِّ يوم بكرةً ... رأسين من قبل الصَّباح تفكُّها
والظُّهر آتي الدَّار أطرح عندها ... رطلين من سمك تقوم تحكُّها
وشرائحًا ... في سفُّودنا ... عند العشاء تقوم فيه تشكُّها
وإذا أتانا اللَّيل أضرب خرقها ... حتَّى الصَّباح وبعد ذاك أبكُّها
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني أبو إسحاق لنفسه /٣٢ أ/ من أبيات:
[من المتقارب]
تزوَّجت إمرأة مغنيه ... وكانت بطلعتها مفتنه
ولكنَّها عند شغل يكون ... تقاصر عنه وتبدي السِّنه
وبعد ذلك هذا البيت مضمَّن:
دعوه فقد ساء تدبيره ... سيضحك يومًا ويبكي سنه
стр. 43
[٢٠]
إبراهيم بن أحمد بن صبح، أبو محمد البغداديُّ، المدعو بالمعين الصوفيُّ، ويعرف بابن غزالة.
استقر مقامه بمدينة حلب وتدبيرها، وأولد بها. وكان دلاّل الكتب، ومعيشته منها؛ وله شعر طيِّب يصدر عن طبع صحيح فيه سهولة.
وكان نازلاً بخانكاه القصر- وله فيها جراية ونصيب، تصل إليه في كل يوم كعادة الصوفية، فتولّى الخانكاه رجل يرف بالمخلص بن شمس الرؤساء فأظهر السياسة، وكلّف المتصوفة الذين هم مقيمون في الخانكاه الملازمة ومنعهم /٣٢ ب/ من الخروج، وشرط عليهم أن لا يخرج أحد منهم. وإذا أردا أحدهم حاجة أنفذ الفراش فقضاها، ومن تعدّى هذا الشرط يهان ويؤدّب؛ فثقل ذلك على الصوفية وامتعضوا منه، وضاق عليهم هذا الأمر الذي سامهم إليه. وكان المعين له عيال لم يمكنه الملازمة والدخول تحت هذا الشرط لأجل عياله والتكسب لهم في تحصيل ما ينفقه عليهم؛ ورأى أنَّ الأمر قد اشتدّ وأن لا مخلص له منه. نهض وطوى سجادته، وحمل قماشه من الخانكاه، وخرج منها إلى منزله، فأنشأ قصيدة يذكر فيها شرح أحواله وأنفذها إلى السلطات غياث الدين غازي بن يوسف بن أيوب –﵀ فأنشدت بين يديه فاستملحها، وأمر له بخمسمائة درهم، خلعة حسنة وجبة وبقيار ورسم أن يلبسه الخلعة بيده المخلص بن شمس الرؤساء، وأني جريه على ما كان عليه، ويبسط سجادته في الخانكاه.
وكانت وفاته في سنة اثنتين أو ثلاث وعشرين وستمائة بحلب، والقصيدة أنشدنيها /٣٣ أ/ أبو عبد الله محمد بن عثمان بن أبي نصر البغدادي الصوفي بخانكاه القصر- تحت القلعة المحروسة- يوم الاثنين الثاني عشر من جمادى الآخرة سنة سبع وثلاثين وستمائة، قال: أنشدني أخي لأمي أبو محمد إبراهيم بن صبح البغدادي الصوفي لنفسه: [من المنسرح]
يا أهل بغداد عندكم خبري ... تبت عن الرُّبط وانقضى وطري
لا مللاً ملت عن جوانبها ... ولا تألَّمتها من الضَّجر
стр. 44
وكيف أسلو عمَّن ربيت بها ... رضيع ثدي الآيات والسَّور
وطال والله ما خلوت بها ... أجمع شمل العشاء بالسَّحر
مع فتية راقبوا الدُّجى زمنًا ... حتَّى صفوا عن مآثم البشر
على السجاجيد ساجدين كما ... ينقضُّ شهب السَّماء بالشَّرر
صاحبت منهم كلَّ ابن منجبة ... يسقي رياض الإيمان بالخفر
إذ كنت في صحبة الشِّهاب أبي ... القاسم شيخ الشُّيوخ في سفري
وخرقة الأصل من تبرُّك ركن الدِّين قد فصِّلت على قدري
وكم حملت الزَّبيل مجتهداً ... أكبر نفسي في البدو والحضر
أنا المعين الصُّوفي وآبائي ... بدِّلت بعد الصَّفاء بالكدر
/٣٣ ب/ قد كنت إذ نغَّم المشبِّب بالزِّير وغنَّى اللَّطيف الجزري
أدور مثل الدُّولاب في فلك الوجد وخبري ينبيك عن خبري
يا أهل ودِّي القديم في خانكاه ... القصر ما زاغ عنكم بصري
فهل كريم الطِّباع يقبل إن ... أمكن فيما أقول من عذري
ولي عيال إذا تأملهم ... إنسان عيني يغني عن النَّظر
مثل فراخ القطا إذا درجوا ... أحنوا عليهم من شدَّة الحذر
إن عشت عاشوا أو متُّ في دعة ... حياتهم تستمدُّ من عمري
فارثوا ..... له المخاليف في القفصة ..... أشمط الشَّعر
......................... ............ في أثري
إن طالبتني بالنَّظم قلت لها ... مستتراتي في السَّمت فاصطبري
تقول لي لم منعت عن خانكاه القصر هل زلَّة على كبر
فقلت لا والَّذي يطيل لك العمر وحقِّ المبعوث من مضر
ما ملت عن مذهب الكتاب ولا السُّنَّة مع قينة ولا وتر
بل قيل لي: هي الجنَّة الفيحاء ... فاخرج منها إلى سقر
ألا تقنًّعت بالنِّعال وما ... يجمل لبس القناع بالبقر
/٣٤ أ/ يا أم خضف إن كنت صاحبتي ... لا تعتبي للزمان واعتبري
قال: بغازي بن يوسف الملك الظَّاهر تكفي مؤنة الحذر
стр. 45
أمم علاه حتَّى ترى ملكًا ... يغنيك في دسته عن القمر
كالبحر حدِّث عنه ولا حرج ... وهو بحار الأخبار والسِّير
[٢١]
إبراهيم بن عيسى بن المعلَّى بن مسلمة، أبو إسحاق الرافقيُّ.
شاعر فاضل. وكان والده من كبراء أهل الأدب والفضل؛ وسيأتي شعره مكانه من هذا الكتاب. وكان حيًا في سنة خمس وستمائة.
صار إلى ديوان والده، وقد رتبه إبراهيم هذا وشرح ما فيه من الأمثال العربية والألفاظ اللغوية؛ كل ذلك يسنده إلى والده.
وحدّثني القاضي أبو القاسم بن أبي جرادة، قال: قدم أبو إسحاق إبراهيم بن عيسى حلب بعد الستين والخمسمائة، ومدح جماعة من أكابرها وأماثلها، وأنشأ خمسين مقامة. وفيها من نظمه قوله:
/٣٤ ب/ لا يأمن الدَّهر خلق في تقلُّبه ... فالدَّهر بالسُّوء والمكروه دوَّار
أعزَّ قومًا لئامًا لا خلاق لهم ... وذلَّ فيه بحكم الله أحرار
وصار ذو العسر فيه موسراً صلفًا ... وعاد فيه لدى الإيسار إعسار
وقال أيضًا مما ضمنها المقامات: [من الخفيف]
إسأل العرف إن سألت جواداً ... لم يزل يعرف الغنى واليسارا
ليس إجلالك الكبار بذلًّ ... إنَّما الذُّلُّ أن تجعلَّ الصِّغارا
ومن شعره أيضًا فيها: [من السريع]
نحن الألى ما أمَّنا قاصد ... يرجو النَّدى إلاَّ منحناه
ولا أتانأ خائف يشتكي ... إلاَّ أزلنا عنه شكواه
стр. 46
[٢٢]
إبراهيم بن عمر بن عبد الله، أبو إسحاق الموصليُّ.
المعروف والده بالقاتل، والدنبليِّ أيضًا ولم يكن دنبليًا، وإنما كان يتولّى خدمة الدنابلة وأشغالهم وقضاء حوائجهم فنسب إليهم.
وابنه أبو إسحاق /٣٥ أ/ هذا كان شابًا ضريراً، شيطانًا مريداً. استوطن مدينة حلب، وتديَّرها إلى حين مماته بها في شهر جمادى الأولى سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، وقد نيّف على الثلاثين بشيء يسير –سامحه الله تعالى وعفا عنه-.
ينبز الجني. وكان ينبغي لهذا الفاضل أن يسمى الجنِّي –بتشديد النون- على ما خبرت من شأنه؛ لأنه كان يأتي بضروب من الغرائب، يبدع فيها، كأنّ الجن قد أتت بها وعملتها، ويغرب في أشياء يخترعها لم يأت بمثلها البصراء فكيف العميان. وكان آية في الذكاء والفطنة، حاذق الفهم، ثاقب الحس.
وبلغني أنه كان إذا حضر مجلسًا وفيه نفر يجتمعون فيتناول شمعًا مختلف الألوان، فيداخل يديه من تحت أثوابه لينفي الظنّ عنه، ويصوغ من ذلك الشمع تمثال فرس وصورة فارس فوقه، ويفرق تلك الألوان على الفرس حليًا منقوشًا من طوق وسفرسار وسرج ولجام ومهامز.
ثم يضع للفارس عدّة كاملة كسيف و .... وقوس ونشَّاب وما شاكل ذلك مستوفى، حتى لم يكد يفوته من عدَّته شيء. /٣٥ ب/ ثم يبرزه ويعرضه على الحاضرين فلم يبق أحد منهم إلاّ ويظهر التعجب من ذلك، ويستظرفه جداً، ويصفه بالذكاء والحذق.
وكان مع ذلك شديداً في نفسه، قوي القلب شجاعاً مقداماً جرئيًا. وأما مبلغه من العلم فكان شاعراً مطبوعًا، قارئًا حسنا. قرأ القرآن العزيز بالقراءات السبعة والشواذ، وتفقه على مذهب الإمام الشافعي –﵁ وفهم طرفًا من الفرائض والحساب والنجوم مع معرفة بالنحو والأدب.
وكان معاشراً خليعًا مدمنًا شرب الخمر قليل الدين، تاركًا للصلوات الخمس،
стр. 47
مصرّاً على الفساد، يغنِّي ويشبِّب وينبسط. وكان إذا مشى في الأسواق لم يستعن بحمل عصًا معه، ويعرف أزقة المدينة معرفة لم يعرفها أحد من ذوي البصائر مثله، ويهتدي فيها إلى مسالك ومواضع كأنه قد ولد فيها، وتربى بها، وله في ذلك حكايات عجيبة، ونوادر طريفة لم يمكن شرحها.
أنشدني إبراهمي بن عمر الموصلي المعروف بالجنّي لنفسه.
أنشدني أبو سالم بن علي بن أبي سالم المقرئ الحلبي، قال: /٣٦ أ/ أنشدني أبو إسحاق إبراهيم بن عمر بن عبد الله الموصلي الدنبليّ المعروف والده بالقاتل:
[من الكامل]
دع رسم سلع واللِّوى والأجرع ... وربى زرود والعقيق ولعلع
كان العقيق بهم أنيقًا مونقًا ... وهم بدور طلَّع بطويلع
خلت المغاني من مغانيهم فما ... يجدي غرامك بادَّكأر الأربعاء
مالي وللأطلال وهي عواطل ... يا صاحبي فذر الدِّيار ونج معي
واندب على فقد القرين تأسُذفًا ... واسفح على سفح اللِّوى بالأدمع
وأقر السَّلام على المقام وذب جوًى ... إن كان حقًّا في الهوى ما تدَّعي
أسروا الفؤاد مع الرُّقاد وأودعوا ... إذ ودَّعوا نار الأسى في أضلعي
قوم أقأموا بالفراق قيامتي ... فمتى لحشري معهم من مرجع
وأرفض معأتبتي وبثَّ صبابتي ... فلعلَّعن أن يرحموا لتوجُّعي
ناديت في آثارهم لمَّا سروا ... بحشاشتي: رفقًا بقلب الموجع
بانوا ذوى من بعدهم بان الحمى ... وذوت غصون شبيبتي وتشجُّعي
ونأى اصطباري والغرام أقام في ... قلبي وقلت لمقلتي: لا تهجعي
لله يوم النُّفر ما لاقيت من ... حرِّ الجوى ومن الغرام الموجع
/٣٦ ب/ وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني لنفسه: [من الكامل]
لولا تقلقل قلبي المتبول ... وتفكُّري وتذُّكري ونحولي
وبلابل هاجت بلابل خاطري ... مارقِّ لي الواشي وكف عذولي
إني لأهوى في الهوى تلفي وما ... أرضى الرِّضا في سلوتي يا سولي
стр. 48
كيف التَّسلِّي عن قضيت مائس ... يهتزُّ لا من شمال وشمول
أخشى عليه من النَّسيم وربما ... كان النَّسيم إلى الحبيب رسولي
كلفي به لا ينتهي وتولُّهي ... ما حيلتي قد حار فيه دليلي
قمر دجاه شعره وصباحه ... من وجهه بدر بغير أفول
حجب الكرى عن ناظري وحمى الحمى ... من لحظه بالصَّارم المصقول
جفني حكى ليل الوصال وصدُّه ... يحكي ليالي هجره في الطُّول
[٢٣]
إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن يحيى الوكيل، أبو إسحاق النقاش.
كانت ولادته بدمشق سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة. ودخل بغداد في سنة ستين؛ /٣٧ أ/ وأصله من بغداد، وهو من بيت الوكيل القضاة الذين يعرفون ببيت الشطويّ.
كان شيخًا فاضلاً؛ له كلام حسن على لسان أهل الحقيقة، وأشعار حسنة، وألفاظ عذاب. وقد صنَّف في ذلك كتابًا في رقاع، ما أظنّه بيّضه لاشتغاله بالكسب ونقش الصُّفر.
توفي يوم عرفة سنة أربع وعشرين وستمائة ببغداد، ودفن بالشونيزية.
قال: أنشدني لنفسه: [من الطويل]
ومن لم يتب والدَّمع مسهر جفنه ... إذا ضحك الباكون أصبح باكيا
وكيف ينام اللَّيل من طعم الهوى ... وما أنفكَّ مهجوراً وما كان ساليا
وعن وجده تروي بلابل قلبه ... أحاديث من أمسى لظى الحبِّ صاليا
стр. 49
[٢٤]
إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن يحيى الوكيل، أبو إسحاق الكاتب الدمشقي المولد، البغداديُّ المنشأ والدار.
كانت ولادته سنة إثنيتين وأربعين وخمسمائة. تأدّب ببغداد، وقرأ بها النحو والعربية. وكان شاعراً جيد الشعر فاضلاً، حسن الترسُّل.
أورد من شعره أبو عبد الله الدّبيثي في مذيله: [من الرمل]
..... ......... ........ الشيخ بذكري عرضا
علَّ من أمرض جسمي بعده ... بتدانيه يزيل المرضا
ولكن أنكر قتلي .... .............. قلبي غرضا
فقتيل الحبِّ أضحى دمه ... هدر أبطله من أعرضا
وقال: [من الطويل]
/٣٨ أ/ وكم في ليلى قتيل صبابة ... ومجنونها المغرى بها العلم الفرد
وما كلُّ من ذاق الهوى تاه صبوةً ... ولا كلُّ من رام اللِّقا حثَّه الوجد
وللحبِّ في البلوى شروط عزيزة ... يقوم بها في حلبة الوله الأسد
[٢٥]
إبراهيم بن أبي النجم بن عبد الرزاق، أبو محمد البغداديّ الكاتب.
كان كاتبًا في الأيام الناصرية، ومدح الإمام الظاهر بأمر الله، وأدرك أوائل دولة أمير المؤمنين الإمام المستنصر بالله أبي جعفر المنصور –خلد الله دولته- وامتدحه.
стр. 50
وكان شاعراً مقلاً، له ديوان. وكان شيخًا ظريفًا، كيِّسًا لطيفًا من أبناء المتصرفين، مطبوع الشعر رقيقه. وكان يخدم في أعمال السواد، ومساحة المزروعات، وفسمة الغلات.
أنشدني أبو طالب علي بن أنجب بن عثمان بن عبد الله البغدادي، بمدينة السلام سنة تسع وثلاثين وستمائة، قال: أنشدني أبو محمد إبراهيم بن أبي النجم بن عبد الرزاق البغدادي لنفسه، يمدح الإمام المستنصر بالله /٣٨ ب/ أمير المؤمنين –خلّد الله ملكه-: [من الكامل]
دعني وشرب الخندريس المسكر ... من كفِّ ذي طرف غضيض أحور
كالبادر ذي وجه منير مشرق ... كالغصن ذي قد رشيق أسمر
رشأ ردينيِّ القوام مهفهف ... فتن الآنام بورد خدًّ أحمر
لم أضح مسلوب الفؤاد متيَّمًا ... في حبِّه مضنًى بلون أصفر
الأَّ لوجدي في هواه ولوعتي ... [و] لما لقيت من العذار الأخضر
أضنوا من الشَّمس المنيرة وجهه ... فاق الملاح بمنظر وبمخبر
شاد يغنِّيني إذا استنشدته ... مدح الإمام الظَّاهر المستنصر
ملك سحاب بنانه ونواله ... متدفِّق كالعارض المثعنجر
خير البريَّة من ذؤابة هاشم ... من معشر أكرم بهم من معشر
لا زال في عزٍّ وظلِّ سعادة ... وسلامة تبقى بقاء الأعصر
وأنشدني أيضًا، قال: أ، شدني لنفسه يمدحه: [من المجتث]
أنا صبٌّ بجؤذر ... فاتر الطَّرف أحور
ذي قوام مهفهف ... كالرُّديني أسمر
/٣٩ أ/ قد سباني بمنظر ... زانه حسن مخبر
стр. 51
ونجدٍّ مورَّد ... اسمر اللَّون أحمر
فوقه ورد وجنة ... تحت خال معنبر
ليس يرثي لعاشق ... مستهأم محيَّير
ناحل الجسم مذهبً ... شاحب اللَّون أصفر
باع فيه صفو الحياة بعيش مكدَّر
وأشترى ذلَّة الخضوع بعزِّ التَّصبُّر
طائعًا باع نفسه ... في الهوى غير مجبر
مثل ما باع نفسه ... في القريض المحبَّر
بعطايا مولى الأنام الإمام المستنصر
باع خير الشِّعر الرَّقيق على خير مشتري
ملك سيل كفِّه ... كالسَّحاب المثعنجر
ملك طيب ذكره ... كالنَّسيم المعنبر
وبريَّاه طاب كلُّ خطيب ومنبر
وله ذكر ليث هزبر غضنفر
/٣٩ ب/ وبه راق للورى ... كلُّ عيش مكدَّر
يا أبا جعفر الَّذي ... كفُّه ألف جعفر
دمت في العزِّ والعلا ... ألف عام مكرَّر
وهو القائل في غلام اسمه بدران، أنشدني أبو الحسن علي بن الأنجب بن عثمان بن عبيد الله البغدادي بمدينة السلام، قال: أنشدني أبو محمد لنفسه:
[من الخفيف]
وغرير مهفهف القدِّ أحوى ... حار فيه عقلي ولبِّي وحسِّي
قلت: من أين قد أتيت. وما الإسم لأحظى منه بقرب وأنس
قال: بدران، قلت: تصدق والله وأضوا من كلِّ بدر وشمس!
وقال أيضًا يتغزل: [من مجزوء الرمل]
وغزال ريقه القرقف درياق اللَّديغ
من ظباء التُّرك معسول اللَّمى دون البلوغ
стр. 52
ذي جمال حار فيه ... كلُّ منطيق بليغ
أسبغ الحسن عليه ... ظلَّه أيَّ سبوغ
/٤١ أ/ وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني إبراهيم بن أبي النجم الكاتب البغدادي لنفسه يمدح أمير المؤمنين المستنصر بالله – خلّد الله ملكه-: [من الكامل]
شرف الزَّمان بدولة المستنصر ... الطَّيِّب الأصل الكريم العنصر
/٤١ ب/ وبعصر مولانا الخليفة ذي النُّهى ... والعدل والإحسان فخر الأعصر
ملك حذا في صومه وصلاته ... وصلاته حذو النَّبيِّ المنذر
مولى صفا للنَّاس في أيَّامه ... بالجود والمعروف كلُّ مكدًّر
ولعظم سطوته وشدَّة بأسه ... خضع الملوك وذلَّ كلًّ غضنفر
وبد له أمن الأنام نوائب الدَّهر الخؤون وآن يسر المعسر
والدَّهر وافى النَّاس بعد قطوبه ... بضياء وجه ضاحك مستبشر
وحنا الزَّمان على الأنام وزال ما ... في قلبه من وحشة وتنمُذر
دامت له النَّعماء ما صرع الدُّجى ... فجر وصال بنور صبح مسفر
[٢٦]
إبراهيم بن قصربا بن عبد الله، أبو إسحاق الموصليُّ التركيُّ الصلاحيُّ الصوفيُّ.
كان والده مولى الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب –رحمه الله تعالى- وكان اسمه أيدمر فسمّى نفسه إبراهيم.
لقيته بظاهر حلب المحروسة ببانقوسا يوم الأحد سادس ربيع الأول سنة ستّ وثلاثين وستمائة؛ فرأيته شيخًا حسنًا بهيًا جميلاً.
وذكر لي أنه ولد بالموصل في سنة تسع وسبعين وخمسمائة. وكان في بدء أمره
стр. 53
جنديًا استخدمه الأمير ركن الدين ملكشاه بن مسعود بن مودود بن زنكي بن آقسنقر.
ثم ترك الجندية في سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، وأقبل على الصلاة والقيام بوظائف الله تعالى، ومعاشرة الفقراء والمتصوفة، وصحبة ذوي الأحوال ومخالطتهم، والتنقل في البلدان، والاشتغال بالعبادة، وتزيّا بزي السلف الصالحولبس قميصًا قصيراً، وطاف البلاد وتوغلها، ونظم أشعاراً كثيرة في الغزل.
ثم سافر إلى دمشق ولم يزل بها مستوطنًا إلى أن توفي بها في شهر رجب سنة ثمان وثلاثين وستمائة –رحمه الله تعالى-.
/٤٢ ب/ رأيته بإربل ولم آخذ عنه من شعره شيئًا. نقلت من خطّه قوله في الغزل، وأنشدنيه بحلب: [من الخفيف]
يسبح الورد في الخدود باس ... في بياض يزهو على القرطاس
ما يرى من توقُّد الخدِّ كألجمر فذاك اللَّهيب من أنفاسي
رشأ ذلَّت الفوارس لمَّا ... صاد أسد الشَّرى من الأخياس
بعيوان أعاذنا الله ممَّا ... فعلت يوم حاجر بالنَّاس
فتكت بالقلوب تحت دروع ... سابغات فمالها من آسي
وجبين كأنه صبح وصل ... بشَّر المستهام بعد الإياس
وقوام كأنَّه خوط باًن ... ربِّ عفواً عن زلَّتي وقياسي
إ، أكن قد غلطت فيه فقد ... شبِّه نور الإله بالنِّبراس
لم يزرني إلاَّ إذا عسعس اللَّيل بطيف الخيال عند نعاسي
هو سهل فيما أحاول حتَّى ... أطلب الوصل فهو صعب المراس
ربَّ وقت نادمته فسقاني ... من سلاف الثُّغور لا من كاس
قال: هاك المدام قلت: بطيب ... قال: خذها فطيبها أنفاسي
واغتنم عقله الرَّقيب فلابدَّ لقلب الوصال من وسواس
стр. 54
/٤٣ أ/ وأ، شدني أيضًا لنفسه: [من الكامل]
تلفي بلين قوامك الفتَّان ... ودمي تقاد بثأره العينان
وشمائل حكت الشَّمول فهذه ... للروح حسب وتلك للآبدان
وهواي بالرَّشأ الَّذي وحَّدته ... عشقًا فليس لحسنه من ثاني
عيناه قد نطقت تقول عليكم ... سحري يقضُّ مضاجع الشُّجعان
ودم الشَّهيد قتيل معركة الهوى ... خدَّاي قد شرباه من أجفاني
يا أيُّها الرَّشأ الَّذي لجماله ... وعلى الغوير بوابل هتَّان
أنسيتني بلذيذ ذكرك كلَّما ... قد كان قبل هواك في إنسان
أنا ذلك الصبُّ الَّذي لو مرَّ بي ... صأحي الفؤاد لعاد كالسَّكران
عنِّي روت ورق الحمام بشدوها ... وتحدَّثت بهواي في الأغصان
ومررن صبح وصالنا بطويلع ... طربًا كشارب قهوة نشوان
فتمايلت أغصانه فكأنَّما ... قسَّمت فأضل نشوتي في البان
ومعربد الألحاظ أحيا صبوتي ... وأمات لين كلامه سلواني
موتًا يودُّ بنو الهوى لو أنَّهم ... ماتوا كذاك هوى من أحياني
/٤٣ ب/ هل تذكرنَّ لنا بمنعرج اللِّوى ... وقتًا لعودته أعضُّ بناني
لمَّا التزمتك للوداع صبغت من ... خدَّيك درَّ الدَّمع أحمر قاني
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الطويل]
هو الصَّب لا يزداد إلاَّ تشوُّقا ... إلى جيرة بالجزع عن أيمن النَّقا
رأى السَّير لا يدنيه من فرط شوقه ... إلى الدَّار إلاَّ بعد حين فأعنقا
وجانب أرباب البطالة عفَّة ... وصاحب من ملًّ الحياة وطلَّقا
وكم زار حيّا ترعف السُّمر دونه ... نجيعًا وخاض الموت في طمع اللِّقا
وهان عليه كلُّ صعب تهابه ... نفوس بني الآمال لمَّا تعشَّقا
أخو حاجة إمَّا وإمَّا تلافه ... عسى يرتقي بالعزم ما ليس يرتقى
стр. 55
ويصبح محسودًا بنيل مرامه ... سعيدًا بقرب الدَّار قد باين الشَّقا
يحدِّث عن ذاك الحمى وأهليه ... لينهض للعلياء من قد تعوَّقا
أراح ظهور العيس بعد كلالها ... وغرَّب من يبغي المزيد وشرَّقا
[٢٧]
إبراهيم بن عبد الله العامريُّ.
شاعر يرتزق الناس بشعره، ويستجديهم.
رأيت له بخطة هذه الأبيان الأربعة، ويزعم أن مالها بيت خامس:
[من مجزوء الكامل]
ما كلِّ سانحة كريم ... كلاَّ ولا ناد كرامه
يا من يظنُّ بأنَّ عيني بعدهم ذاقت كرى مه
كم رام قلبي الوصل منك فلم ينل ما منك رامه
لا سمع للعذَّال في ... هجر الحبيب ولا كرامه
[٢٨]
إبراهيم بن محمد بن يوسف، أبو إسحاق القابونيُّ الدمشقيُّ الحنفيُّ.
كان فقيهًا على مذهب الإمام أبي حنيفة –﵁ ذا فضل حسن /٤٤ ب/ وشعر جيد.
стр. 56
وجدت له من الشعر هذه الأبيات يذم بها القيء: [من الوافر]
عجبت وقد ظننت القيء سكرا ... فلم أره يعم الشَّرب طرَّا
فقلت لصاحبي: يا ليت شعري ... لبعض الشَّرب ممَّا ألقى يطرا
وقد بذل النُّضار لشرب راح ... تزيد نفاسه وتزيل فكرا
فقال: لعزَّة في الخمر تأتي ... مع النَّفس الخبيثة أن تقرأ
[٢٩]
إبراهيم بن عبد الكريم بن أبي السعادات بن كرم بن كنصا، أبو إسحاق بن أبي محمد الموصليُّ المولد والمنشأ. البغداديُّ أصلا ووالداً.
الفقيه الحنفيُّ الكاتب.
كانت ولادته –على ما أخبرني من لفظه- سنة خمس وتسعين وخمسمائة. وتوفي ليلة الجمعة العشرين من المحرم سنة ثمان وعشرين وستمائة بالموصل.
كان شابًا أسمر خفيف العارضين قضيفًا. تفقه على أبي جعفر محمد بن إبراهيم بن محمد الرازي الفقيه الحنفي نزيل الموصل. وجدّ في الاشتغال وتكلم في المسائل /٤٥ أ/ الخلافية، وناظر الفقهاء، وحصّل من علم الأدب والعربية نصيبًا وافراً حتى فاق أبناء جنسه معرفة وذكاء. وشرح مختصر القدوري في الفقه لم يتممه.
وكتب الإنشاء بديوان الموصل لملك الرحيم بدر الدين –أدام الله نعمة عليه- مديدة؛ ثم استعفى من ذلك.
وكان نبيهًا نبيلاً فاضلاً عاقلاً متنسِّكًا ورعًا حسن الأخلاق جميل الخطاب أقتدر على أمره بالتدين وإيثار العزلة لنفسه والتصوف.
وكان –مع ذلك- شاعراً مقصداً، له منظوم ومنثور لم يقصّر في إنشائهما،
стр. 57
وانتظمت بيني وبينه مودة مؤكَّدة، وصحبة محكمة الأسباب.
وأنشدني من شعره كثيراً في كل فنّ، وكتبه إلي بخط يده في جزء، ومما أنشدني لنفسه –رحمه الله تعالى- يمدح الأمير الكبير أمين الدين أبا المكارم لؤلؤ بن عبد الله البدري بالموصل: [من الخفيف]
أمطرت سحب جفني الفيَّاض ... حين أبدت محاسنًا كالرياض
أعرضت يوم أعرضت يالقلب ... ضاع بين الأعراض والإعراض
/٤٥ ب/ وأرتني حمر المنايا ضحى افترت تمشي خلال ذاك البياض
علَّمتني طريقة المطل في الحبِّ وعلَّمتها طريق التَّقاضي
من مجبيري من ظبية عقد السِّحر بأجفانها الصِّحاح المراض
رضيت في الهوى بقتلي وإنِّي ... في الهوى بالسَّلام منها لراضي
حبًّذا حبًّذا الدُّهور الخوالي ... بلوى الرَّمل واللَّيالي المواضي
وعهود عهدتنا بالحمى لم ... يرمها الدَّهر ناكثًا بانتقاض
حين عيشي بقرب عائشة رغد شهي الإحلاء والإحماض
وعيون الرَّقيب مغضبة والدَّهر طوع في سائر الأغراض
زمن بعت حزنه بالمسرَّات وكانت تجارة عن تراضي
جاد أكنافه فروَّى رباه ... كلُّ جود من الحيأ فيَّاض
كندى الماجد الجوأد أمين الدِّين ربِّ الأيدي الطِّوال العراض
ملك يسند النَّوال إليه ... في حديث عن جوده مستفاض
يقصد الحمد ربعه من جميع الأرض قصد السِّهأم للأغراض
فتكت بالثَّناء أخلاقه ... الغرُّ ولا مثل فتكه البرَّاض
خائض غمرة الوغى والمنايا ... واقفات حيث المواضي مواضي
/٤٦ أ/ وحماة الخميس كالأسد والمرَّان قد حفَّ جمعهم كالغياض
صان بالمال عرضه إذ غدا ... بالمال صون الأحساب والأعراض
يتلقَّى ذنب المسيء وإن أكبر عنه بالصَّفح والإغماض
стр. 58
فمتى أومضت صوارمه سحَّت نجيعًا عن ذلك الإيماض
أسخط المال في رضا المجد والمجد عن المرء أسخط المال راضي
وقضت بالغنى لراجيه يمناه فأزرت حكمًا على كلِّ قاضي
يقظ العزم والسِّهام لدى الهيجا نيام سواهمًا في الوفاض
راش كفَّ الورى وقد حصَّته ... أيدي العدا يلا .....
وحمى جانبي وأفعم بالمعروف دون الأنام طرّاً حياضي
فاستمعها من عبد إحسانك الرَّافل في ثوب برِّك الفضفاض
واعتمد بسطها عروسًا وقد جاءت لفرط الحياء ذات أنقباض
باقيًا للثناء فيك اعتراب أبن زهير والحارث بن مضاض
وأنشدني أيضًا لنفسه –وهي غزل- قصيدة لم ينشدها في أحد: [من الطويل]
دعوه كما شاء الغرام يكون ... فلست وإن خان العهود أمين
/٤٦ ب/ ولينوا له في قولكم ما أستطعتم ... عسى قلبه القاسي عليَّ يلين
وبثُّوا صباباتي إليه وكرِّروا ... حديثي عليه فالحديث شجون
بنفسي الألى بأنواعن العين حقبة ... وحبُّهم في القلب ليس يبين
وسلٌّوا على العشَّاق يوم تحمَّلوا ... سيوفًا لها وطف الجفون جفون
لئن سمحوا عند الوداع بمهجتي ... فإنِّي على علم بها لضنين
أأصغي إلى العذَّال فيهم وما وفوا ... بوعدهم إنِّي إذن لخؤون
ويطمع في السلوان قلبي حياله ... وليس له إلاَّ الصَّبابة دين
سلام على ذاك الوداد فإنَّه ... وداد على مرِّ الزِّمان مصون
هم عاهدوا أن لا يعينوا على دمي ... وكلٌّ عليهم بالصُّدود معين
وهم حلفوا ألاَّ يخونون في الهوى ... وليس لمخضول البنان يمين
خذوا بدمي يا أهل ودِّي فإنَّه ... دم سفكته بالفتور عيون
ودونكم وادي العقيق فلي به ... حقوق هوى لا تقتضي وديون
стр. 59
وكيف لقائي من أحب وبيننا ... مهامه بيد لا ترام وبين
بحقِّ ودادي في هواكم وإنِّها ... يمين أمرئ في الحب ليس يمين
أعبدوا بإحسان ليالينا الَّتي ... تقضِّت فقد ساءت بهمَّ ظنون
/٤٧ أ/ ولا تمنعوني زورة من خيالكم ... فقلبي بها لو تعلمون رهين
يحنُّ إذا هبَّت من الغور نسمة ... وهل ينفع الصَّب الكئيب حنين
ويقلق إن جنَّ الظَّلام كأنَّما ... به من تباريح الغرام جنون
ذلول لمن يبغي هواه وإنَّه ... على من يروم الصًّبر منه حرون
معذِّب قلبي بألصُّدود إذا أنقضت ... فنون به عادت عليَّ فنون
اللواله المشتاق من ألم الجوى ... شفاء به بعض الأساة ضمين
يزيد إذا ظن الفراق صبابة ... ووجداً كأنَّ الظَّنَّ منه يقين
ويهتزُّ من شوق إلى البان إن سرى ... نسيم صبًا تهتزُّ منه غصون
وتوقظه بعد المشيب إلى الصِّبا ... عيون نيام بالثًّنية عون
أعيذك من داء أقاسيه إنَّه ... مع الدَّهر داء في الفؤاد دفين
وشوق كمين في الحشا إن لقيته ... بجيش اصطبار عاد منه كمين
فلا تحرموا سمعي حديث حديثكم ... فلي وله دون القديم شؤون
ولا تودعوا سرِّي أمينًا سوى الكرى ... أليس على سرِّ سواه أمين
دعوني وصرف الحادثات فإنَّني ... أعزُّ وصرف الحادثات يهون
ولا تعجبوا إن نال جوني ثروة ... وعزّا منيع الجنب من هو دون
/٤٧ ب/ فهاتيك أخلاق الزَّمان مضى بها ... قرون على آثارهن قرون
رمتني يد الأيام عن قوس صرفها ... بسهم ردًى يصمي وليس يبين
وشبت ولم أبلغ ثلاثين حجًّة ... لجور زمان ما عليه معين
فقل لحسودي مت بغيظ وحسرة ... وقل لزماني كيف شاء يكون
فلي من فلان الدِّين جار من الرَّدى ... مجير ودخض في الخطوب حصين
стр. 60
وأنشدني قوله من أبيات: [من البسيط]
يا خير من ترتجى في الخير همَّته ... ومن ندى كفِّه يغني عن المطر
قد كنت عوَّدتني عادات ذي كرم ... تعجيل حاجي وتفضيلي على البشر
فجئت نحوك هذا العام ملتمسًا ... ما كنت عوِّدته في سالف العمر
فعدت ذا خجل باليأس مشتملاً ... مكرِّراً قول ميت دارس الأثر
(هذي الأرأمل قد قضَّيت حاجتها ... فما لحاجة هذا الأرمل الذكر)
فانعم نعمت بسطر الرّوز مغتنمًا ... شكراً يدوم دوام الأنجم الزُّهر
وأكسب ثناء يزين العمر رائقه ... أتأك منتظمًا في زيِّ مستتر
(فالحسن يظهر في شيئين رونقه ... بيت من الشِّعر أو بيت من الشَّعر)
وله: [من الطويل]
/٤٨ أ/ ولمَّا حدا الحادي بعيسهم ضحًى ... ولم يبق في غير التَّفرُّق مطمع
وقفنا فداع لا يجاب دعاؤه ... ومستشفع بالدًّم ليس يشفَّع
وقال: [من المتقارب]
إذا أضحكتك صروف الزَّمان ... فقد ضحكت منك لو تفطن
فلا يغرنَّك لين العدوِّ ... فإنًّ بمقداره يخشن
وله: [من الطويل]
وملآن من ضغن عليَّ مقطِّب ... كساني وقد عرِّيت منها ذنوبه
لوى وجهه غنِّي غداة لقيته ... كأنِّي مرآة أرته عيوبه
وقوله: [من الوافر]
أعيذك أن أرى زمنًا طويلاً ... ببابك لا أحلُّ ولا أسير
وأحجب عنك في سبب حقير ... ولا الله ما مثلي حقير
وأمنع حسن رأيك في زمان ... وملك أنت أنت به الوزير
أغار عليك من مطلي لأنِّي ... محبُّ والمحبُّ كذا غيور
стр. 61
وقال بديهًا يصف سيفًا وقد سلّ ذلك بحضرة السلطان أتابك /٤٨ ب/ الملك القاهر عز الدين مسعود بن أرسلان شاه –﵁: [من الطويل]
وأبيض من طبع الهنود تخاله ... إذا هزَّ في الهيجا سنًى متلهِّبا
متى سلَّة السُّلطان مسعود لم تجد ... أسود الشَّرى عن منهل الموت مهربا
حسام وغى مذ فضِّضت شفراته ... صقالاً غدا للهام في الحرب مذهبا
وقال أيضًا في المعنى: [من الكامل]
ومهنَّد ماضي الغرار مجرَّد ... في غير معركة وسفك دماء
عني القيون به فجاء كما أرتضوا ... من بعد كدًّ وأرتكاب عناء
وافي الفرند كأنَّما نسجت له ... أيدي صياقله قميص هباء
ما هزَّ يوم الرَّوع إلاَّ خلته ... أفعى تقلَّب في حشار مضاء
وله: [من مجزور الرمل]
ضاع قلبي فانشده ... في هوى من لا يسمَّى
صنم مازال مفتونًا به العالم قدما
طاب ورد الخدِّ منه ... يأنعًا عضًّا وشمَّا
خضت في بحر هواه ... سابحًا إمَّا وإمَّا
/٤٩ أ/ وقال أيضًا بديهًا، وقد سئل القول في النبي ﷺ : [من السريع]
ذاك النَّبي الَّذي مناقبه ... أكثر من أن يحوزها حصر
ذو الشرف الأطول الَّذي أبتهج الرُّكن به والمقام والحجر
بمدحه نزل الكتاب فما ... هذا الَّذي فيه يبلغ الشِّعر
إنشقًّ إيوان فارس فرقًا ... منه وطفَّا نيرانها الذُّعر
ذلَّت خضوعًا لعزِّة اللاَّت والعزَّى وهان الصَّليب والكفر
وليس لي إن تأخرت مدحي ... عنه وقد صحَّ مقولي عذر
وقال في رجلين أحدهما يلقب بالشمس والآخر بالبدر وقد زاره:
[من البسيط]
يحلُّ للدار أن تختال شامخة ... على السَّماء وتثني عطفها تيها
стр. 62
إذ أضحت الشَّمس تسري في منازلها ... وأصبح البدر يسعى في حواشيها
وقال على لسان شخص سأله ذلك: [من البسيط]
يا أحسن الخلق أخلاقًا وأسمحهم ... وأذكر النَّاس للمعروف للنَّاس
ويا أجلَّ الورى قدراً وأطيبهم ... ذكراً وأثبتهم جاشًا لدى الباس
/٤٩ ب/ حاشاك حاشاك أن ألقى ببابك ممنوعًا ويدخل شمَّاس بن شمَّاس
أظلُّ فيه ذليلاً جدُّ مطَّرح ... كأنَّني أمويٌّ عند عبَّاسي
إن كان ..... أبداً ... فلست .... له ما عشت بالنَّاسي
وأنشدني لنفسه يرثي والدته –﵂ ووجد عليها وجداً شديداً:
[من الطويل]
رمتني يد الأيَّام حتَّى كأنَّني ... لها غرض والنَّائبات نبال
وعاندني دهري فأصبحت تقتفي ... رعال الرَّدى منه إلى رعال
فريداً كنصل السَّيف ما إن يشينه ... شحوب ولا يزري عليه هزال
صبوراً على الأهوال لا يستفزني ... إلى طمع في العالمين نوال
ويقعني والماء دان فراته ... وقد كظَّني حرُّ الموامي آل
وأصبح غرثانًا عن الزَّاد طاويًا ... على الجوع والأيدي إليه عجال
تكنفني في المجد جدٌّ ووالد ... وعمٌّ بهم فخر الزَّمان وخال
ونلت ونال الدَّهر منِّي محاربًا ... وللحرب فيما قد يقال سجال
متى أسرعت نحو الدَّنية أرجل ... فعلقي عنها والعفاف عقال
أضلُّ إذا كان الهدى باعث الخنى ... وبعض الهدى لو تعلمون ضلال
/٥٠ أ/ ولست أداني النَّقض أنَّي وقد غدا ... الكمال أبي إذ لا يعدُّ كمال
فلا كان يوم لم يزدني به علي ... حياة ويكسوني الفخار جلال
وأنشدني أيضًا قوله: [من المتقارب]
ولمَّا تفقَّدت أهل الزَّمان ... لأصحب منهم صديقًا صدوقا
стр. 63
ولم أر إلاَّ ودود اللِّسان ... يظهر برّاً ويخفي عقوقا
صحبت الدَّفاتر مستأنسًا ... بهنَّ فكنَّ رفيقًا رفيقا
وقال: [من الطويل]
وذي حنق تغلي مراجل صدره ... عليَّ زوى عنِّي العبوس جبينه
يبين محيَّا فكره في مساءتي ... وذنبي إليه نيلي المجد دونه
وقال: [من المنسرح]
وربِّ ضعن عليَّ حنق ... لقيته وهو معرض تيها
فصد عنِّي كأنَّما أنًا مرآة رأى قبح وجهه فيها
ومن نثره، جواب:
"ورد كريم كتاب المجلس الفلانيّ فضرَّف سمعه وشنَّفه، وهذَّب طبعه ولطَّفه، وأسعده بفواضله الدَّارَّة /٥٠ ب/ وأسعفه.
تناوله بيد الثناء والحمد، وتأمَّله بعين الغرام والوجد، وحدَّثه بألسنته الفصاح حتى خيِّل إليه وإنه لسعد، وتمتّع بريَّاه الطيِّب مستغنيًا عن عرار نجد.
أقبِّله تقبيل فم الحبيب، واستروح إله استرواح المريض إلى الطبيب، واستنشق منه طيبًا يزري نسمه على طلِّ كلِّ طيب، وسمع من الفاظه المعجمة ما حقِّر عنده الألفاظ التي يسمعها من الخطيب؛ وطفق يشرح ظرفه في آثاره، ويجتني يانع ثماره، ويقتطف محاسن أزهاره؛ قائلاً بلسان ولائه المبين؛ ﴿سبحان الَّذي سخَّر لنا هذا وما كنَّا له مقرنين﴾
لكنه جدد شوقه وما كان عافيًا، وأذكر غرامه ولم يكن ناسيًا، والآن قلب وجهه وحاشاه أن يرى فيه قاسيًا. فرعى الله مولًى أهداه، وسقى الله رسولاً حملته يمناه، وبرّ كتابًا جدّ به إليه سراه. ووجده مشتملاً من ذكر الوجد والغرام، ووصف الشوق الذي لا يزال ينمى على مرَّ الأيام؛ ما ظنّه يخبر به عن خاطره، ويتحدّث /٥١ أ/ بفحواه عن ضمائره، ويعرب بصادق موَّته عن أول حبِّه وآخره".
стр. 64
جواب آخر:
"أدام الله أيام المجلس السامي، وطرف عن عليائه عين الكمال، وصرف إلى آلائه وجوه الإقبال، ونظم منه قلائد في أعناق الرجال، ولا زال مسعاه في الناس جميلاً، وبرُّه على الخلق جزيلاً، وبقاؤه على بقاء المكارم دليلاً.
ورد الكتاب الكريم الذي أعرب عن المجد وأغرب، وأزال بالأنس الوحشة وأذهب، وأوضح في الموالاة والمصافاة المذهب؛ المنفتحة لكمامه عن زهر الحسن والحسنى، المتصلة به وفود المسار اتصال اللفظ بالمعنى، فتلقاه مستمتعًا برؤيته وريَّاه، متقسم السرور بين لفظه ومعناه، وما تضمنه من الإنعام الذي لا يزال يبديه ويعيده، وتحلو به الأعناق العاطلة عقوده؛ بدعائه المستجاب، وثنائه المستطاب، وحمده الذي يذهب شخص الزمان وليس له ذهاب."
جواب آخر:
/٥١ ب/ "ورد كتاب المجلس السامي؛ أسعد الله أيامه، وجدّد على الأنام إنعامه، وأعلى بإعلاء قدره أعلامه، وعجّل إذلال عدوِّه وإرغامه؛ ولا زال مسعود المصادر والموارد، موقوف المساعي على إقتناء مطلقات المحامد، مبني السعادة على أثبت القواعد وأصحِّ العقائد، فأزال الوحشة الكامنة بأنسه، وجلّى ظلم الأشواق الباطنة بشمسه، وشرف بوصوله يومه على غده وأمسه؛ فتلقاه تلقي الأحباب، واستقبله استقبال الغياب، وفضّه عن جنات عدن المفتحة الأبواب. وقابل ما أودعه من الإنعام بدعاء هو دأبه في ساعات ليله ونهاره، ووظيفته المواظب عليها في عشيه وإبكاره.
وجدَّ به داعي الشوق إلى خدمته، واقتسمته دواعي الغرام إلى مشاهدته، وأمطرته على بعد من سحاب مكارمه ما روّض به روض أمنيته؛ فإن حاول وصف ما وجده من الابتهاج بإقباله، وحواه من السرور عند إظلاله، وما قابله به من الاحترام الواجب على مثله /٥٢ أ/ لأمثاله، فقد رام أمراً يعجز عنه لسانه، ويكلّ فيه بنانه، ويتبلَّد دون إدراكه بيانه؛ والله المسئول أن يوزعه شكر حقوقه الجسام، وأياديه الباقية غرّة في وجه الأيَّام، وتفضلاته التي أضله عماؤها الدائم إظلال الغمام، وفهم ما أشار
стр. 65
إليه في معنى كذا وكذا".
ابتداء كتاب:
"أسعد الله أيام المجلس الفلاني ووالى فضله، وأعلى محلّه، وقرن بالنجاح عقده وحلّه، وجمّل به الزمن وأهله؛ ولا زال كلّ فصيح ناطقًا بحمده، وكلُّ بليغ حامداً لمجده، وكلُّ أمل محققًا في رفده، وكل إنجاز كامنًا في جانب وعده.
وصدرت هذه الخدمة مشتملة على الدعاء الموصوف بالصلاح، والثناء الذي لا يزال يهديه في الغدوّ والرواح، والحمد المتوالي فيه عند الملوِّ والولء الذي أصبح ضميره ابن قيسه فاقسم أن لا براح، والأشواق التي لا تنفك تتجدد، والأتواق التي زفراتها مع ساعات النهار تتردد، والغرام الذي لو كان البحر مدداً لكلماته /٥٢ ب/ لنفد البحر قبل أن ينفد. وكيف لا يكون كذلك وقد أصبح في محبَّته عريقًا، وغدا في بحر فواضله غريقا، وصار لرفيق إحسانه رفيقًا: ﴿وحسن أولئك رفيقًا﴾.
[٣٠]
إبراهيم بن محمد بن معالى بن عبد الكريم، أبو إسحاق الرقيُّ، المعروف بابن الجبناتيِّ.
قدم الموصل في حداثته، ولم يزل بها قاطنًا إلى أن مات يوم الأحد السادس عشر من المحرم سنة تسع وعشرين وستمائة.
وكانت ولادته في شهر ذي القعدة سنة أربع وسبعين وخمسمائة.
صحب الشيخ أبا الحرم مكي بن ريان النحوي، وتأدّب عليه ودرس فقه الإمام الشافعي –رحمه الله تعالى- وصار معيد درسه بالمدرسة العَّزيَّة التي أنشأها أتابك نور الدين أبو الحارث أرسلان شاه بن مسعود بن مودود –﵁ وكان خازن كتبها وكتب المدرسة العِّزيًّة التي مقابلها؛ مضافًا إلى الإعادة.
رجل طويل كهل، نزل الشيب بعارضيه. كان رجلاً عاقلاً محترمًا عند الناس،
стр. 66
رزينًا وجيهًا، ذا فضل وعلم، له شعر حسن في مديح /٥٣ أ/ وغزل.
أنشدني لنفسه يمدح الملك القاهر عّز الدين مسعود بن أرسلان شاه بن مسعود بن مودود –﵁ ويهنئه بالنوروز: [من السريع]
بات يدير الرُّضا والضَّربا ... نشوان يهتزُّ صبوة وصبا
يجلو علينا جبينه قمراً ... مكلَّلاً بالجمال معتصبا
يغضب من أن رمت تقبيل خدَّيه ويا حسنه إذا غضبا
ظبي يعاني من فتكه أسد ... مختلسًا للنُّفوس منتهبا
طلق المحيَّا تلفاه ما لم تسم وصلاً فإن سمت وصله غضبا
قام وضوء الصَّباح قد مدَّ في الشَّرق شعاعًا والنَّجم قد غربا
وهزَّ أعطأفه فأسكرنا ... وما شربنا خمراً وما شربا
وحثَّ راحًا كالشَّمس جلَّلها ... حبابها عند مزجها شهبا
في روضة جادها الوليُّ كما ... سحَّ عليها الوسميُّ وانسكبا
فأصبحت غبَّ ذلك تربو وتهتزُّ وتبدي من وشيها عجبا
والطَّير يشدو في دوحه فإذا ... جاوبه الزِّير صأح وانتحبا
إذا أنقلبنا منها وجدت لنا ... بدير باتحائيل منقلبا
/٥٣ ب/ نأوي إليه ليلاً فنسمع من ... رهبانه ما يزيدنا طربا
هذا وبدر السماء يرمي على دجلة من نار نوره لهبا
فتحسب الماء إذ يخالطه الشُّعاع ثوبًا مغرَّقًا ذهبا
ونحن في فتية تخيَّرهم ... للَّهو فصل الرَّبيع وانتخبا
مثل الدَّراري يزينهم كرم ... ضمُّوا إليه المجون والآدبا
نختلس العيش في حمى ملك ... سمح يرى الحمد خير ما اكتسبا
سهل إذا ما الزَّمان دان له ... فإن رأى ما يريبه صعبا
كالغيث للمعتفى إذا وهبا ... والَّيث للمعتدي إذا وثبا
نابته آمالنا وقد سدنت ... فقراً فزوَّى من كفِّه نسبا
стр. 67
إذا اعتلقنا من ظلِّه سببًا ... لم نخش يومًا من حادث سببا
يا ملكًا لم تجد أنامله ... إلاَّ وبذَّت بسحِّها السُّحبا
تهنّ هذا النَّوروز والعشر ... والنَّحر وعش تستجدَّها حقبا
فما نبالي إذا بقيت لنا ... ما فات من عيشنا وما ذهبا
وقال يمدح أتابك نور الدين أبا الحارث أرسلان شاه بن مسعود –﵀:
[من الطويل]
/٥٤ أ/ سل الربع عن سكَّانه أين يمَّموا ... سروا وهواهم بالفؤاد مخيِّم
تولَّوا فيا لله من شقيت بهم ... نفوس بمرآهم تلذَّ وتنعم
أحلُّوا دم العاني بوشك رحيلهم ... وذادوا الكرى عن ناظريه وحرَّموا
وما ضرَّهم يوم استقلُّوا لو أنَّهم ... أشاروا بإيماض اللَّحاظ وسلُّموا
تنسَّمت أرجو نفحة من ديارهم ... وهيهات ما أرجو وما أتنسم
وقدمًا سمعت البعد يعقب سلوة ... فها أنا ذا صبٌّ مع البعد مغرم
وحاولت أن أحظى بطيف خيالهم ... وأنَّى مع التَّسهيد طيف مسلِّم
هو الدَّهر لا ينفك حادث خطبه ... يجوز على الحرِّ الكريم ويظلم
سألجأ من صرف الزَّمان وريبه ... إلى ملك يحمي الجوار ويعصم
ففي ظلَّ نور الدِّين لي متفيأ ... منيع يقي من سوء ما أتوهّم
شديد الإبا ماضي الثَّنا غامر الحيا ... خصيب الرُّبى يعطي الجزيل وينعم
رحيب الفنا عالي السَّنى كاسب الثَّنا ... مشيد البنا مولي الغنى متكرم
بطائره الميمون يستنزل الحيا ... وتستدفع الجلَّى به حين يقدم
يضيء دجى اللَّيل البهيم جبينه ... وإمَّا سطا فاليوم بالنَّقع مظلم
تسيخ الرَّواسي الشُّم خيفة بأسه ... سراعًا وتطفو خفَّةً حين يحلم
/٥٤ ب/ إذا ما انتضى العضب الجراز انتضى به ... على الموت موتًا يستضير وينقم
ومهما أحتبى في المنتدى بنجاده ... عنا اللَّيث وأنقاد الخميس العرمرم
فلا موت إلاَّ حين يزأر مغضبًا ... ولا عيش إلاَّ حين ما يتبسم
стр. 68
ولا عزَّ إلاَّ في جوار جنابه ... ولا ذلَّ إلاَّ حين يجفو ويصرم
بصير بأخرى الأمر من قبل بدئه ... خبير بفص الأمر والأمر مبهم
تحلَّى بعزم لا يجاريه صارم ... وبالجزم طرّاً لا يباريه لهذم
تكنَّفت الحدباء منه مملَّكًا ... يعالج أدواء الخطوب ويحسم
فيا نبعة الملك الأثيل غراسه ... ويا باني المجد الَّذي لا يهدم
فداؤك روحي ليس لي فوقها فدى ... وذلك أقصى ما تعاطاه معدم
سقى الموصل الحدباء كلُّ ملثَّة ... تسحُّ على أكنافها وتديِّم
فما هي إلاَّ روضة طاب نشرهاً ... يهشُّ إليها النَّاظر المتوسِّم
تفوَّقت ......... العلم منها وصار لي .... لسان يجيد النَّثر فيها وينظم
ولا بدع أن يمتاحها كلُّ وارد ... ويصدر عنها سجله وهو مفعم
فقد أصبحت للعلم داراً ومعلمًا ... فسيحًا إليه يفزع المتعلِّم
سأرحل عنها مكرهًا متأسِّفًا ... وأعظم بما ألقى ومأ أتجسم
/٥٥ أ/ وأودعها درَّ القريض مودِّعًا ... وأسلب فيها درَّ دمعي وأسجم
وأتحفها ممَّا جبتني مدائحًا ... هي الدُّرّ حسنًا بل أجلُّ وأعظم
قوافي لو مرت بسحبان وائل ... ثناءً لأضحى وهو ألكن أعجم
ولا برحت مأنوسة بمليكهًا ... تتيه به منها ربوع وأرسم
ولا زال دست الملك منه متوًّجًا ... بهاءً مدى الأيَّام ينمى ويعظم
وقال أيضًا: [من الخفيف]
كلُّ كفٍّ تجود من غير وعد ... نعمًا توسع البريَّة برَّا
وإذا ما وعدت كانت ببًذل الجود للمعتقين أولى وأحرى
لست من يقتضيك وعداً ولكن ... خفت نسيانه فجددت ذكرا
وله: [من الخفيف]
زارني من أحب واللَّيل داج ... فأعاد الظَّلام عندي صباحا
стр. 69
وثنى عطفه فعاينت غصنًا ... وجلا ثغره فخلت أقاحا
[٣١]
إبراهيم بن محاسن بن عبد الملك بن عليِّ بن نجا التنوخيُّ، أبو إسحق الدمشقيُّ.
من أهل دمشق. كانت ولادته غي إحدى الجماديين سنة ستمائة.
كان والده من العلماء المتفننين في وقته في علوم الشريعة؛ إمامًا زاهداً متعبداً في نفسه، ذا دين وتقوى.
وابنه هذا شاهدته بحلب وهو شاب فاضل حافظ للقرآن العزيز، عارف بالنحو واللغة والعربية، مستظهراً جملة وافرة من الأشعار، فهمًا للمعاني، متكلمًا مناظراً، يبحث بحثًا جيداً في كل فن من العلوم حتى تميّز على أبناء جنسه بذكائه، وقوة فطنته.
وكان يسكن بيتًا ببعض مدارسها، ولم يكن ....... ، وعاشر جماعة من أماثلها وصدورها؛ فأقبلوا عليه. وكان يغشى منازلهم في بعض الأوقات، ثم ينقبض عنهم ويتجنبهم؛ وفي جملة من كان يغشى عون الدين أبا المظفر سليمان بن عبد المجيد بن العجمي. وكان يرغب في معاشرته؛ وربما انبسط معه وداعبه في مجالس أنسه.
ثم إنه نبزه بالَّزلزول، فامتعض من أجل هذا اللقب، وأظهر غيظًا، فلما رآه أنه قد اغتاظ، دسّ غلمانه عليه، فكان إذا أقبل صاحوا عليه بهذا النبز. فتوغر صدره عليه حتى كاد يتلف غيظًا، فحمله الغيظ على أن صار يكتب رقاعًا يودعها هجواً شنيعًا مقذعًا في العون بن العجمي، ويلقيها في أبواب الدور التي ............ الكبار من أهل حلب وبني عمّه. ويمزقه فيها كلَّ ممزق، ويشتره أقبح التشتير حتى كتب ما يقارب خمسمائة رقعة، وشاعت في المدينة وتداولها الناس وحفظوها وتحدّثوا بها؛ فعظم ذلك على العون، ولجّ في طلبه وفحص عمن يفعل ذلك ولم يعلم من كان يكتبها ............. ، فقبض عليه العون أنهى أمره إلى حاكم البلد والمستولي عليه فحكَّمه فيه وأهدر دمه؛
стр. 70
فاعتقله في منزله، وهمَّ جماعته بقتله فلم يمكنهم العون من ذلك ...... ].
أنشدني لنفسه: [من الطويل]
/٥٥ ب/ أيا من شكا الهجر المبرِّج بالصَّب ... لقد أقرحت شكواك يا منيتي قلبي
وأسبلت دمعًا من جفوني أقلُّه ... إذا ضنِّت الأنواء يعيى عن السُّحب
وأعجب شيء قاتل يشتكي الجوى ... إلى مغرم أشجانه ذكرها يصبي
على كبدي أضعاف ما أنت واجد ... من الشَّوق والبلبال والوجد والكرب
إذا كنت في قلبي مقيمًا وناظري ... يراك بعين الفكر مع كثرة الحجب
فلا حاجى لي أن أخاطب ساكنًا ... بقلبي في طيِّ الرَّسائل والكتب
ولي أنَّه ما تنقضي وتوجُّع ... عليكم وأشجان أكتِّمها صحبي
فلو ظهرت أسرار وجدي لعطِّلت ... أحاديث أهل الحبِّ يا سالبي لبِّي
يهيِّجني ليلاً حمائم دوحكم ... ولولاك ما هأج الحمائم للصبِّ
وإن خطرت عند الصَّباح نسيمة ... لها أرج منكم أقول لها: هبَّي
ولا تقطعي ريَّاهم عن متيَّم ... به من هواهم ما يجلُّ عن الخطب
متى ينقضي هذا البعاد وأجتني ... بطيب التَّداني منكم ثمر الحبِّ
وأصبح في أمن الصَّدِّ والجفا ... وأسعد من بعد التَّباعد بالقرب
أجلُّك أن أشكو إليك صبابتي ... وأشفق أن أشكو هواك إلى رِّبي
وأصبح ظمانًا إلى ورد وصلكم ... عسى شربة من ذك المورد العذب
/٥٦ أ/ زعمت وصالي طبُّ سقمك يا منى ... فؤادي من لي أن أفوز بذا الطِّبِّ
ويطلب رفقًا من أسير هواك في ... جوانحه ما بين قلب إلى خلب
أيا من يشهِّيني إلى طيب وصله ... ويصطاد قلبي بالحديث الَّذي يسبي
ويظهر لي شوقًا ونحن شبيهنا ... إذا خفق التَّشبيه كالحوت والشَّبِّ
ولاحظَّ لي منه سوى الهجر والقلى ... وتعذيب قلبي بالدَّلال وبالعجب
فلو كنت في دعوى المحبَّة صادقًا ... لواصلتني من غير قولي لكم عج بي
стр. 71
[٣٢]
إبراهيم بن حامد بن عطا بن حامد بن محمد بن نبهان بن عيسى بن عبيد الله بن بشر بن ريان الأسديُّ الحورانيُّ.
مولده بشبهة –قرية من أعمال بصرى من الثغور الشامية- سنة إحدى عشرة وستمائة.
أنشدني لنفسه يمدح الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين –خلّد الله دولته:
[من الكامل]
حرم له من ذي الجلال ذمام ... وصلاة قدس طاهر وسلام
حرم يفوق النَّيِّرين ومنزل ... أضحى له فوق السِّمًاك مقام
/٥٦ ب/ فلئن سعدت بقربه وبلثمه ... فلأنت في الدَّارين لست تضام
قد زين الله البلاد بدولة ... ما شابها ظلم ولا إظلام
بإمامنا المنصور فاخر دينناً ... طود الحجى إن خفت الأحلام
جبل الحلوم رسا وخير خليفة ... نيطت به في الأعصر الأحكام
من ذا يحيط بوصفه وهو الَّذي ... قد قصَّرت عن كنهه الأفهام
لو رامت الأقلام تكتب فضله ... ما أدركت ما رامت الأقلام
تزهى المنابر حين يذكر وصفه ... طربا ويحسن في نهاه نظام
مستنصر بالله حافظ حرمة الإسلام ليس عن الأنام ينام
فيه قوام الدِّين والدُّنيا معًا ... والله شاهد ذاك والإسلام
ما همُّه في لذَّة بل همُّه ... أن تجبر الضُّعفاء والأيتام
هو بدر أرض الله والدُّنيا له ... فلك كواكبها له خدَّام
خير الخلائق وابن عمِّ محمَّد ... أحكأمه لزمانه إحكام
هو كعبة القصَّاد والحرم الَّذيً ... أبداً له الإحلال والإحرام
طافت به الآمال وهي نوافر ... ما قأدهن إلى سواه زمام
стр. 72
عمَّ الخلائق من فواضل جوده ... بنواله الأنفال والأنعام
/١٥٧ أ/ عدل الزَّمان بخلقه وبخلقه ... فتباشرت بخلاله الأيَّام
لولا هداه لما أستبان لذي النُّهى ... رشد ولا نقض ولا إبرام
يبقى أمير المؤمنين فإنَّه ... للدين والدُّنيا حيًا وقوام
..... دينًا أشاد عماده ... لعلاكم الإجلال والإعظام
وعلوتم في العالمين إلى مدى ... سأم يقصِّر دونه الأوهام
هم حجَّة ومحجَّة لولائه ... تتطهر الأوزار والآثام
تحيا به ذمم المكارم والنَّدى ... ويموت من إفضاله الإعدام
زهرت به الدُّنيا فطاب نعيمها ... وتواصلت بحنوه الأرحام
ففخاره في كلِّ فخر أوَّل ... وثناه للمسك الذّكيِّ ختام
ولكم قطعت إليه من ديمومة ... غبراء لا دبب ولا آرام
يمَّمتها ..... وقد حمي الحصى ... بهجيرها وبها النَّسيم سهام
والآل يلمع في القفار كأنه ... للناظرين يحوزها أعلام
علَّلتها بثنا الإمام فأرقلت ... مثل الظَّليم وقد حداه ظلام
حتَّى أفوز بلثم ترب لثمه ... شرف ومن جور الزَّمان ذمام
وموارد ما مسَ وارد فضلها ... أبداً على طول الزَّمان أوام
/٥٧ ب/ فالله يحرسه لأمَّة أحمد ... ما ناح في الغصن النَّضير حمام
[٣٣]
إبراهيم بن عمر بن سعد بن محمد، أبو إسحاق ......
الشهر كرديُّ، المعروف بابن البوريانيِّ الخطيب.
وهو من قرية تدعى شهر كرد بين دقوق وقلعة كرخيني. وكان يتولّى خطابتها.
شاهدته بإربل شيخًا من أهل الفضل والصلاح وحفظ القرآن والمتفقهة. ويرجع في الشعر إلى سلامة قريحة.
стр. 73
أنشدني لنفسه سنة ستٍّ وعشرين وستمائة ما كتبه إلى صديق له يستمد منه الشفاعة في حاجة عرضت له: [من البسيط]
شكوت دهري إلى خلٍّ فأرشدني ... إلى كريم يزيل الهمَّ والكربا
وقال: لا تلح دهراً فيه سيِّده ... فذا أقام منار الدِّين والأدبا!
فقلت: من ذاك قل لي ناصحي وحزت ... شكراً أضمنه الأوراق والكتبا
فقال: واعجبًا من ذي نهى ندس ... عداه فضل سديد الدِّين واعجبا
الألمعيِّ الَّذي ما خاب منتجع ... جناته من حوى من برِّه نشبا
/٥٨ أ/ الأريحي وستر الجود منسبل ... ومن .........................
وقد زففت إليه بكر قارفية ... عمداً ليمهرها من جوده الأربا
ولست أطلب لا تبراً ولا ورقًا ... بل اعتناء يفوق التِّبر والنَّسبا
وإن تحصل ما أبغي بهمَّته ... وإن تعجَّل من إحسانه الطَّلبا
[٣٤]
إبراهيم بن نصر بن عيسى بن عليِّ بن أحمد بن الحسين بن عليِّ بن خزريّ، أبو إسحاق بن أبي الفتح العباديُّ الموصليُّ.
رجل مكتهل أشقر اللون. كان والده إليه الإستيفاء في الدولة الأتابكية، نافذ الأمر فيها، مقبولاً في آرائه؛ وأخباره في ذلك مأثورة على ما يأتي ذكره في موضعه –إن شاء الله تعالى-.
ونشأ ولده وتخلّق بأخلاقه، وتولّى التصرف في الأعمال السلطانية، ونظر في الأشغال الديوانية، ولم يزل كذلك بسيط الجاه، ذا أمر ونهي حتى فارق الموصل متوجهًا نحو البلاد الشامية [هاربًا فهدمت داره بالموصل، أمر بهدمها بدر الدين لؤلؤ مليكها]. واتصل بملوكها بني أيوب فأحسنوا إليه إحسانًا عظيمًا.
стр. 74
/٥٨ ب/ ثم إنَّه عاود الموصل في جمادى الأولى سنة ثلاثين وستمائة، فرتبه الملك الرحيم بدر الدين سلطانها –أعز الله أنصاره- عارض الجيش، وولاّه النظر في ملكه الخاص، وزيد في إكرامه.
سألت أبا إسحاق عن مولده، فقال: ولدت يوم الأربعاء سابع عشر المحرم سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة بالموصل.
وحفظ القرآن الكريم، وقرأ شيئًا من الفقه والأدب، وسمع كتاب "جامع الأصول في أحاديث الرسول" على مصنفه أبي السعادات المبارك بن محمد بن عبد الكريم الجزري؛ وله إجازات من عدّة مشايخ.
وهو متفرّد بعلم الحساب والمساحة، ومعرفة مسائله. والتبريز في التصرف وقوانينه.
أنشدني لنفسه يمدح الملك الرحيم بدر الدين أبا الفضل –أنفذ الله أمره ونهيه- بالخلعة التي شرفه بها الخليفة المستنصر بالله أمير المؤمنين أبو جعفر المنصور –خلّد الله ملكه وسلطانه-: [من السريع]
مولاي يا مالك رقِّي الَّذي ... ببأسه يدفع صرف اللَّيال
/٥٩ أ/ ملكت بالعدل قلوب الورى ... وحاميًا عنهم بعضب ومال
أعطيهم فوق الَّذي أمَّلوا ... وجدت للسائل قبل السُّؤال
فجاءك السُّلطان عفواً وقد ... نصَّ الإمام العصر قبلكم وقال
طاعة بدر الدِّين لي طاعة ... ومن عصاه ذاق طعم الوبال
يا واحد الدَّهر وسلطاننا ... ومن له في كلِّ ناد نوال
ومنها يقول:
فاسعد بهذا الملك في دولة ... خالدة محروسة من زوال
وليهن عصر أنت سلطانه .. وليلفك الرَّحمان عين الكمال
стр. 75
[وقال أيضًا يمدح الملك القاهر عزّ الدين مسعود بن أرسلان شاه:
[من الكامل]
يا أيَّها الملك الَّذي بمغيبه ... حجب الكرى عن مقلتي ونفَّرا
عوفيت من ألم غدا متعرِّضًا ... بمزاجك المحروس يا خير الورى
يا ليته إذ لم يجد إلاَّك ذا ... عفو أتى من ذنبه مستغفراً]
[٣٥]
إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الواحد، أبو نصر بن أبي الفضائل الشيبانيُّ، المعروف بابن القفطيِّ.
وهو أخو الوزير القاضي الأكرم وزير حلب، وسيأتي نسبه مستوعبًا في ترجمة أخيه –إن شاء الله تعالى-.
أخبرنا أنه ولد في رابع عشر المحرّم /٥٩ ب/ سنة أربع وتسعين وخمسمائة بالبيت المقدس –حمى الله حوزته-.
وكان والده القاضي الأشرف كاتبًا في دولة بني أيوب، يتولّى ذلك بالبيت المقدس، فهاجر إلى اليمن واستوطنها إلى أن توفي بها، وخلف ولده هذا أبا نصر صغيراً فتوجه إلى حلب وعمره يومئذ سبع سنين؛ فقرأ شيئًا من الأدب على أخيه، وسمع الحديث كثيراً على الشريف افتخار الدين الهاشمي، وأبي محمد عبد الرحمن بن الأستاذ الحلبي وغيره. [من الكامل]
/٦٠ أ/ وأهزم جيوش الهمِّ عنك بعانس ... بكر بغير القار لم تتلفَّع
следующие страницы →