Полный текст (2 778 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
وما ذاك من عشقٍ ولا من صبابةٍ ... بلى راعني من فقد أهلي رائع
ومنها:
مضى في طلاب العزِّ شرخ شبيبتي ... ولا عذر للعلياء والشَّيب وازع
فكم من حريصٍ مقترٍ وهو ناصبٌ ... ومن عاجزٍ نال الغنى وهو وادع
وقد يحمل الضَّيم الفتى وهو قادرٌ ... على كسب مالٍ وهو بالدُّون قانع
أيعجب من نظم القريض معاندٌ ... ويعلم حقًّا أنَّني فيه ضائع
/٤٦ ب/ ويسعد بالأشعار منتحلٌ لها ... ويشقى بها من قالها وهو بارع
ومن مديحها:
إمامٌ هو الحقُّ الَّذي يهتدى به ... وطائعه في الأمر لله طائع
إمامٌ حكى العبَّاس من كلِّ وجهةٍ ... وفي وجهه نور النُّبوَّة ساطع
به انصرفت عنَّا صروف زماننا ... وجانبنا أحداثه والوقائع
أمنَّا به الدَّهر الخؤون فلم تعد ... تفاجعنا فيه الخطوب الفواجع
تحلَّت به دار السَّلام وفتَّحت ... مدارسها وربطها والجوامع
وردَّت لأرباب الوقوف وقوفهم ... فألبس عريانٌ وأشبع جائع
ولولا أمير المؤمنين لهدِّمت ... مساجد ذكرٍ للهدى وجوامع
ظهرت إلينا والعيون نواظرٌ ... إليك وقد أومت إليك الأصابع
ذكرنا برؤياك النَّبيَّ فأصبحت ... مسائلنا مبرورةً والذَّرائع
وأنشدني لنفسه من أخرى: [من الكامل]
أمعنِّفي ذاك الغزال الأحورا ... قد ساء فعلًا حين أحسن منظرا
أشكو إليه فيشتكي رقباؤه ... ظلمًا ليهجر عاشقًا لن يهجرا
يا راقدًا ليل التَّفرق لا تنم ... وغرام قلبك مؤذنٌ أن تسهرا
/٤٧ أ/ فانهض لصفو العيش في زمن الصِّبا ... قبل المشيب وقبل أن تتكدَّرا
واشرب على ورد الغصون مقبِّلًا ... بإزائه ورد الخدود الأحمرا
من كفِّ مخضوب البنان تظنُّه ... أنثى وقد شقَّ القلوب مذكَّرا
فتروَّ من هذا الزَّمان فإنَّه ... زمنٌ غدا بالعدل أزهى أزهرا
стр. 1227
بعلا أمير المؤمنين محمَّدٍ ... قامت حدود الله وانتصف الورى
وقال أيضًا وأنشدنيه: [من الخفيف]
يا خليليَّ بالوفاء دعاني ... لأجيب الغرام حين دعاني
رحلوا بكرةً فأصبحت أبكيهم بعينٍ كثيرة الهملان
واستقلُّوا بظعنهم فاستقلَّ القلب في إثرهم مع الأظعان
وغزالٍ ثنى القلوب تثنِّيه إليه وما له من ثاني
قد ألفت الهوان فيه ولولا ... فرط حبِّيه ما هويت هواني
لاح في ربرب فمهَّد عذري ... كلُّ من كان في هواه لحاني
فعسى الله أن يتيح بوصلٍ ... ولعلَّ الإلفين يجتمعان
[٤٨٥]
/٤٧ ب/ عليُّ بن سالم بن اسماعيل بن المبارك بن غدير بن المجلّى، أبو الحسن الكاتب النحويُّ الفاضل الأديب الموصليُّ.
أخبرني أنه ولد في شهر ربيع الأول سنة تسعين وخمسمائة. أصله من تليعفر، من محلّة من محالها تسمى "بني عوف". ثم قال: وسمعت فيهم يرفعون في نسبتهم إلى الآباء المشهورين، فرأيتهم يرجعون إلى ربيعة الفرس، وهو المنشئ يومنا هذا بالديوان السلطاني.
قرأ أولًا الكتاب العزيز حتى حفظه حفظًا جيدًا، ودرس صدورًا متوفرًا من فقه الإمام الشافعي ﵁ ولازم الشيخ أبا حفص عمر بن أحمد النحوي،
стр. 1228
واختلف عليه مدّة متطاولة، يقرأ عليه نحوًا ولغة وأشعارًا عربية وغير ذلك من الفنون الأدبية، وتمهَّر على أبناء زمانه، وناظر وبحث مع العلماء، واستجاد كلامه الفضلاء.
وكان يكتب الإنشاء لبعض الأمراء بالموصل، ثم ترقت به الحال إلى أن جذبه بدر الدين لؤلؤ بن عبد الله إلى ديوان المكاتبات. وكان رأس الكتّاب به، وتنبّه له الجدّ الراقد؛ فلما كملت آدابه ... نجم فضله وشهابه، جذبه المولى الملك /٤٨ أ/ الرحيم إلى خدمته، وأفاض عليه من جلابيب نعمته، وألقى شعاع سعادته عليه، وصار أقرب العالم إليه، وأوفرهم حظًّا لديه، وجعله منشيء دولته القاهرة، وجليس حضرته الزاهرة. وأنفذ رسولًا إلى عدّة جهات، وصار ذا نعمة واسعة، وثروة وافرة.
أنشدني لنفسه يمدح المولى المالك الملك الرحيم، بدر الدنيا والدين، عضد الإسلام والمسلمين، شرف الملوك والسلاطين أبا الفضائل نصير أمير المؤمنين -خلد الله دولته-: [من الطويل]
لك الله فأمر وانه فيما تريده ... فصرف اللَّيالي عن جنابك مصروف
محلُّك مصرٌ أنت فينا خصيبه ... ودجلةٌ نيلٌ والحمى دونه الرِّيف
لقد لمحت ... بالنَّدى ... كأنَّك بالإحسان في النَّاس مشعوف
فكلُّ ملوك الأرض عندك سوقةٌ ... وكلُّ شريفٍ عند فضلك مشروف
ولي كلَّ يومٍ منك نعمى جديدةٌ ... ولي كلَّ عامٍ من نوالك تشريف
وأنشدني أيضًا من قيله: [من الطويل]
أرى كلَّ مشتاقٍ إذا أدرك المنى ... وشاهد من يهواه قلَّ به الوجد
فسلَّمت من بعدٍ عليك صبابةً ... وفرط الجوى بادٍ وما ضرَّنا البعد
/٤٨ ب/ وإنِّي لأستحيي العلا أن تقول لي: ... أمالك من ربِّ العلا والنَّدى عهد
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من البسيط]
ما إن ذكرتك والذِّكرى مولِّهةٌ ... أستغفر الله إلَّا قلت واأسفا
وما تمثَّلت في قلبي وفي بصري ... إلَّا هفا ذاك من شوقٍ وذا وكفا
стр. 1229
لله أيَّامنا والدَّار جامعةٌ ... حسبي التذكُّر من وجدٍ به وكفى
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الطويل]
إذا نحن خلَّفنا الجبال وراءنا ... وأفضى بنا السَّير الحثيث إلى الفضا
فلا تحبسا عزم الجياد عن السُّرى ... فإنِّي إلى الحدباء أمضى من ....
إذا ذكرت تهفو بقلبي صبابةٌ ... إليها فما نجدٌ وما ساكنٌ الغضا
وما هي إلَّا حجَّةٌ كتبت لنا ... مضى حكمها فينا وشكرك ما مضى
وزال الرَّجا لمَّا رأيتك سالمًا ... وكلُّ الَّذي يرضيك منَّا هو الرِّضا
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من البسيط]
يا من تشرَّفت الدُّنيا بدولته ... وحدَّثت عن نداه العجم والعرب
هب لي من العيش ما أرجو اللِّقاء به ... فليس يحلو بقلبي غير ما تهب
أفدى الأحبَّة يوم البين إذ حسبوا ... أيَّام بعدي فجاءت ضعف ما حسبوا
/٤٩ أ/ لا تحسبوا أنَّني أهوى الحياة إذا ... ما غبت عنَّا ولا في العيش لي أرب
وإن تجمَّلت حتَّى قيل ..... ... ففي ضميري نار الشَّوق تلتهب
أرجو النَّجاح لآمال وطلعتها ... كالشَّمس في الغيم تبدو ثمَّ تحتجب
عسى الَّذي قدَّر الأسباب يعقبها ... أسباب قربٍ لديكم ليس تنقضب
حسبي رضاكم فلا أبغي به بدلًا ... وما أبالي بأهل الأرض إن غضبوا
[٤٨٦]
عليُّ بن إسماعيل بن يحيى بن أحمد بن مكابر بن الحسين، أبو الحسن بن أبي محمدٍ العنزيُّ النيليُّ.
شاعر ابن شاعر، وقد تقدَّم شعر والده.
أخبرني أنّه ولد بالنيل يوم الأربعاء بين صلاتي الظهر والعصر، وهو اليوم الخامس عشر من ربيع الآخر سنة ثماني وثمانين وخمسمائة.
سافر إلى بلاد الشام سنة سبع وستمائة، وأقام بها سنتين. ثم رجع سنة إحدى
стр. 1230
وعشرين وستمائة إلى وطنه، وعادت سفرته إلى الشام تترى، فسار إليها غير مرّة، واتصل بخدمة أبي الكرم محمد بن علي بن مهاجر، فرفع من قدره ما كان خاملًا، ونفق جوهره /٤٩ ب/ بأعراض برّه وفضله، وله فيه مدحاتٌ كثيرة، وهو صاحب لسانٍ ومعرفة، وفضلٍ حسن.
أنشدني قوله في أبي الكرم محمد بن علي بن مهاجر الموصلي من قصيدة أوّلها:
[من الكامل]
أسقيمة الأجفان عن سقمي سلي ... فعسى يعاود قلبك الإيناس لي
وتجمَّلي في أمر صبٍّ مدنفٍ ... لا خير إلّا في الحبيب المجمل
ما بال طيفك كلَّما لا ينته ... أبدى إليَّ قساوة المتدلِّل
ذلِّي لذلك يا أميمة ظاهرٌ ... فمتى يرقُّ مدلَّلٌ لمذلَّل
يا ضرَّة القمرين رفقًا بالَّذي ... يهواك والبين المبرِّح قد بلي
لم يكفه بعد الدِّيار وفرقةٌ ... تركته حلف تقلقلٍ وتململ
حتَّى اغتدى ما بين أقوامٍ إذا ... أبدى سلام تودُّدٍ لم يقبل
حيران من ألم الصُّدود فسمعه ... لسوى نداء صبابةٍ لم يعقل
ومن مديحها يقول:
لله سرٌّ فيك لاهوتيُّه ... كالشَّمس لا تخفى على المتأمِّل
علمٌ كمندفع الأتيِّ ومقولٌ ... ينسي فصاحته بلاغة جرول
فاسلم نكن بك مدركين ماربًا ... لسوى عفاتك وفرها لم يحفل
[٤٨٧]
/٥٠ أ/ عليُّ بن الحسن بن عليِّ بن سليمان بن محمّد بن عثمان، أبو الحسن، الموصليُّ المولد والمنشأ، الأوانيُّ أبًا وأصلًا.
كان قد لقي جماعة بالموصل من أهل العلم والأدب، ويحفظ شيئًا من الأشعار والحكايات، ونظم شعرًا مدح به الناس.
стр. 1231
صحبته مدّة بالموصل إلى أن مات بها -رحمه الله تعالى- ليلة الجمعة لخمس مضين من جمادى الأولى سنة إثنتين وعشرين وستمائة.
أنشدني لنفسه طويلة يمدح بها السلطان الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن أبي بكر محمد بن أيوب بن شاذي، حين أخذ الفرنج دمياط -خذلهم الله تعالى-: [من البسيط]
سل عنه وقعة دمياط الَّتي بهرت ... وصف العباد فيا لله للعجب!
والشِّرك قد ملأ الأقطار ليس لهم ... همٌّ سوى محو هذا الدِّين من أرب
كانوا كشيعة فرعون الَّذين طغوا ... بالسِّحر واتَّبعوا ما خطَّ في الكتب
باتوا يقولون نحن الغالبون وما ... دروا بأنَّ لهم موسى على الطَّلب
/٥٠ ب/ ألقيت فيهم عصا نصرٍ فما برحت ... بهم تلقَّف ما كادوا من الكذب
فاستصرخوا بك من خوف البوار وقد ... دعت حماتهم بالويل والحرب
لولاك شطَّت عرى الإسلام وانقطعت ... سبل الهدى وارجحنَّ الكفر باللَّعب
نصرت دين نبيٍّ لو تعاصره ... لقيل: إنَّك يا مولى الأنام نبي
وأنشدني لنفسه يضمن بيت الباخرزي: [من البسيط]
يا فالق الصُّبح من لألاء غرَّته ... ........................
يا صاحبي اسعداني في هوى رشأٍ ... لمَّا عنيت به أهدى إليَّ عنا
ريمٍ من الرُّوم لولا نبت عارضه المسكيِّ ما عارض المشتاق فيه ضنى
برى له الله لحظًا حين ... ... إليه ينفث سحرًا يورث الفتنا
ولا جنيت بلحظ العين من كلفٍ ... وردًا بوجنته إلَّا عليَّ جنى
كم قلت لمَّا انثنى كالبدر مبتدرًا ... أمري وعزم سلوِّي عن هواه ثنى
يا فالق الصُّبح من لألاء غرته ... وجاعل اللَّيل من أصداغه سكنا
أنت العليم بحالي في محبَّته ... ما كان ذاك لفحشاءٍ ولا لخنا
وأنشدني لنفسه يمدح الملك الأشرف: [من المتقارب]
إذا قيل من في رقاب العباد ... ... اطراق أطواقها
/٥١ أ/ ومن يقنص الصَّيد في مأزقٍ ... إذا أبدت الحرب عن ساقها
стр. 1232
ومن ينحر الكوم أنَّى تخبُّ ليالي الشِّتاء بطرَّاقها
وإن فخرت عصبةٌ بالسَّماح ... إليك نمَّت بأعراقها
أشارت إليك عيون الورى ... كأنَّك نورٌ لأحداقها
وأضحى صنيعك في العالمين ... كشمس الضُّحى عند إشراقها
إلى الملك الأشرف المرتجى ... تخبُّ الرِّكاب بسوَّاقها
كأنَّ ابن أيُّوب بين العباد ... إليه مقاليد أرزاقها
[٤٨٨]
عليُّ بن الحسن بن موهوب بن موسى بن محمّدٍ، أبو الهيجاء بن أبي عليٍّ الإربليُّ النحويُّ.
أخبرني أنّه ولد بقلعة إربل في صفر سنة خمس وثمانين وخمسمائة. وحفظ القرآن المجيد وعمره اثنتا عشرة سنة على أبي الثناء محمود بن الحسن بن الأرملة النحوي. وأخذ علم النحو عن أبي محمد القاسم بن أحمد بن الموفق المريّ الأمويّ النحوي، وأبي الحسن يحيى بن معطي بن عبد النور الروادي، وأبي بكر المالقيّ، وأبي البقاء يعيش بن عليّ /٥١ ب/ بن يعيش الحلبيّ، وأبي عبد الله محمد بن أبي الوفاء بن القبيصي، وأبي حفص عمر بن أحمد بن أبي بكر العسفى الموصلي النحوي، ومحمود بن الحسن بن الأرملة النحوي.
وقرأ على الصاحب أبي البركات كتبًا أدبية؛ الخطب النباتية، والمقامات الحريرية، وشرح أبيات المفصل من تصنيفه، وشرح الدريدية لأبي البركات النحوي الأنباري، وغيرهم من الفضلاء النحاة. وهو جيد المعرفة في علم الإعراب ومسائله.
أنشدني لنفسه يمدح الوزير الصاحب شرف الدين أبا البركات المستوفي ﵀: [من مجزوء الكامل]
وقوامك اللَّدن الرَّشيق ... ورضابك العذب الرَّحيق
وفتور عينيك المراض وخدِّك الورد الشَّقيقي
стр. 1233
وكثيب ردفك يا قضيب البان والخصر الدَّقيق
قسمًا لقد مزج الهوى ... بدمي فأجري في عروقي
وتوقَّدت نيرانه ... وشكا الفؤاد من الحريق
إن تنكروا سقمي وفيض مدامع الدَّنف المشوق
فتبيَّنوا حالي يقينًا من زفيري أو شهيقي
/٥٢ أ/ أو فاسألوا عمَّا ألاقي من جنابكم الطَّروق
ومنها يقول:
يا حادي الأظعان عرِّج بي على وادي العقيق
أبكي زمانًا كان لي ... فيه بدمع كالعقيق
لهفي على زمنٍ مضى ... في روضه الأرج الأنيق
وثغور غزلان الصَّريم بها صبوحي مع غبوقي
كالمسك شيب بعنبرٍ ... وردٍ وسلسالٍ رحيق
ومن مديحها:
مالي مجيرٌ من صروف الدَّهر والزَّمن العقيق
إلَّا المبارك ماجدٌ صدرٌ وذو نسبٍ عريق
الواهب المفضال طبعًا للعدوِّ وللصَّديق
يعطي فتحسبه أبًا ... أو كالأخ البرِّ الشَّقيق
ما أمَّة راجٍ فخاب فدته نفسي من شفيق
وأنشدني أيضًا لنفسه فيه يمدحه: [من الكامل]
هل آخذٌ بيدي فقد بلغ الزُّبى ... سيل الهوى وتنهَّد المكروب
/٥٢ ب/ هيهات إلَّا إن زجرت مطيَّتي ... نحو المبارك صارخًا فيجيب
هو ملجأٌ للخائفين وربعه ... حرم الغنيِّ وبأسه المرهوب
إن رمت رفدًا فاقصد الشَّرف الَّذي ... في ماله للطالبين نصيب
يعطيك معتذرًا إليك كأنَّما ... هو طالبٌ أو رفدك المطلوب
مستبشرًا بعفاته متهلِّلًا ... كالبدر طلعته وليس يغيب
стр. 1234
لا زال ربعك يا ابن أحمد عامرًا ... ما أنَّ مشتاقٌ وحنَّ غريب
وأنشدني لنفسه أيضًا: [من الوافر]
تألَّق برق كاظمةٍ فحنَّا ... وهبَّ نسيمها فبكى وأنَّا
غريبٌ بين أضلعه لهيبٌ ... مشوقٌ لم يزل صبًّا معنَّى
تذكَّر بالحمى عيشًا تقضَّى ... فأجرى دمعه أسفًا وحزنا
وعاد الوجد أوَّله جديدًا ... وهاج غرامه الماضي فجنَّا
ترجَّى أن يعود له زمانٌ ... بجرعاء الحمى ووصال لبنى
ولمَّا لم ينله ذاب شوقًا ... ترنَّم قابلًا وجدًا وعنَّا
تمنَّى أن يرى منكم خيالًا ... فنال ولم ينل ما قد تمنَّى
وأنشدني لنفسه وقد طلب /٥٣ أ/ منه بعض أصدقائه شيئًا من شعره، فكتب إليه بهذه الأبيات اعتذارًا: [من الخفيف]
يا فريد الزَّمّان يا أوحد العصر وخير الأنام جمعًا أقلني
واحظ منِّي بالشكر ما دمت حيًّا ... وأرح خاطري ولا تلزمنِّي
فالرَّديُّ السَّخيف لم أرضه شعرًا وغير الرَّديِّ قد عزَّمنِّي
فارض منِّي بما تيسَّر في الوقت فقلبي مشرَّدٌ واعف عنِّي
وأنشدني لنفسه، وقد ورد عليه كتاب من بعض أصدقائه: [من الطويل]
ولمَّا تراءى لي كتابك مقبلًا ... عليَّ تراءت عزَّةٍ لكثيِّر
وخيِّل لي أنا بأكناف إربلٍ ... وقوفٌ وصفو العيش لم يتكدَّر
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من السريع]
من رام في نيل العلا رتبةً ... يسمو على الدَّهر بها من منال
يصرِّم السَّاعات من عمره ... في خدمة المولى الوزير الجلال
стр. 1235
[٤٨٩]
عليُّ بن عبد الله بن الحسن /٥٣ ب/ بن الحسين بن أبي الفتح بن الحسن بن أبي السّنان، أبو البركات بن أبي محمدٍ.
وقد مرَّ ذكر والده في موضعه وشعره.
وابنه هذا أبو البركات سمع الحديث كثيرًا بالموصل وبغداد ودمشق وغيرها. وينظم الشعر، وله يد قوية في كتب النسب والحكميات والشروط؛ وعنده دعاوٍ في نفسه كثيرة، ويتعاطى صنعة المنثور دون المنظوم، ويتبجح به، ويعد الشعر ليس بشيء. ويزعم أنَّ له تصنيفًا قد حوى فيه جميع فنون العلوم.
وسمع الحديث وطلبه وقرأه على جماعة من المشايخ، وألّف أربعين حديثًا. وكان إذا طلبت شيئًا من شعره أجابني، يقول: الشعر أدنى مراتب السنى، وأسنى مراتب الدنى لمن وفى.
أخبرني أنه ولد سنة ثمانين وخمسمائة بالموصل. وتوفي ربيع الأول ثامن عشر سنة سبع وثلاثين وستمائة فجأة، بعد أن صلّى صلاة الصبح.
وأنشدني لنفسه، وقد توجه إلى دار السلام وفتَّاه الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين، وشرفه بخلعة. ثم انه تزهد بعد ذلك، وصار جليس بيته، فعوتب على انفراده /٥٤ أ/ عن الناس، فقال: [من السريع]
стр. 1236
قد علم الشَّارد والوارد ... والمستقيم الحال والمايد
أنِّي امرؤٌ نلت من النَّاصر الإمام حظًّا جدُّه صاعد
ما نال من هارون معشاره ... في عصره يحيى ولا خالد
أصبحت والعادل في ملكه ... مرتعنا في برِّه واحد
أراد بالعادل سيف الدين أبا بكر محمد بن أيوب بن شاذي ﵁ وكان قد ... من الناصر لدين الله فتوه وشرَّفه.
شرِّف تشريفي ولكنَّه ... لم تأته الطَّرحة والكاغد
كلَّا ولا لمَّا تفتَّى بدا ... لعينه كفٌ ولا ساعد
وكنت منه إذ جرى ما جرى ... كقاب قوسين ولي شاهد
وقد تركت الكلَّ عن قدرةٍ ... والبعض لا يتركه واحد
علمًا بأنَّ الله باقٍ وما ... سواه فانٍ زائلٌ نافد
فكلُّ من أصبح لي لائمًا ... فذاك عندي المبغض الحاسد
وقال في فخر الدين /٥٤ ب/ أحمد بن محمد، وزير بغداد وقد بلغه على لسان قاضي القضاة ابن مقبل أنه ذكره في خدمة والده الوزير، وحرّضه على قضاء مهمه وإيصال رسمه إليه: [من البسيط]
ذخر الوزارة فخر الدِّين يا ملكًا ... سحاب راحته قد أخجل السُّحبا
يا منعمًا .... الأنواء نائله ... وظلَّ عن قاصديه الفخر محتجبا
يا من بدا لثمار الحمد مجتنيًا ... ومن غدا لصفات الذَّم مجتنبا
لو كلُّ جارحةٍ منِّي لها لغةٌ ... تثني عليك لما أدَّيت ما وجبا
وكنت أعجز عن إدراك الكبيرة ... مع أننَّي سيِّد المنشين والخطبا
وكيف يحصي خطيبٌ مصقعٌ لسنٌ ... بناء من لم يزل بالجود مكتسبا
مولاي يا كعبة الجود الحلال ومن ... له سماء عطاءٍ تمطر الذَّهبا
أنهى إليَّ عماد الدِّين غرسكم ... قاضي القضاة حديثًا هزَّني طربًا
معناه أنَّك حرَّضت الوزير على ... إنجاز وعدٍ له أمسيت مرتقبا
وقلت في ... كلّ صالحةٍ ... بها افتخاري إذا أصبحت منتسبا
стр. 1237
لا أستزيدك بعد اليوم عارفةً ... حسبي ببعض الَّذي أوليتني حسبا
وأنشدني لنفسه من قصيدة، /٥٥ أ/ يمدحه أيضًا: [من الكامل]
مولاي فخر الدِّين يا مولًى علا ... هام العلا بماثرٍ ومفاخر
يا من تهزُّ الأريحيَّة عطفه ... ما بين ناظم مدحه والنَّاثر
لا تسمعن شعري فتحسب أنَّني ... أرضى لنفسي أن أعدَّ بشاعر
عندي علومٌ لو كشفت قناعها ... نشر الرَّبيع رياضه بستائر
ما الشِّعر لولا أنَّه مدحوا به المستنصر بن الظَّاهر بن النَّاصر
مولًى بشائر نشره وضَّاحةٌ ... عند النَّوال كبارقٍ في ماطر
وأنشدني لنفسه، وقد سمع كلام أرسطاطاليس الحكيم، حين سئل عن الصديق، فقال: حيوان يوصف ولا يوجد، فنظم المعنى: [من الكامل]
ومحاولٍ منِّي صديقًا صادقًا ... في كلِّ نائبةٍ يجير ويسعد
قلت: اتَّئد فصفات ما قد رمته ... موجودةٌ لكنَّه لا يوجد
وأنشدني له في أبي الفضل أحمد بن الوزير القمي أيضًا: [من الخفيف]
مالك الرِّقِّ والرِّقاب أبا الفضل مغيث العفاة إن قصدوه
/٥٥ ب/ يا ملاذ القريب إن جار خطبٌ ... ومعاذ الغريب إن قصدوه
عجبًا كيف لا تراعي حقوق الفضل في بلدةٍ وأنت أبوه
[٤٩٠]
عليُّ بن نصر بن منصور بن نصر بن منصور بن الحسين، أبو الحسن بن أبي الفتح بن العطّار، الحرانيُّ الأصل.
هكذا ذكر لي وزعم: أنَّ جدّه ظهير الدين منصور بن نصر بن العطار، الذي كان يتولّى صدريّة المخزن في أيام المستضيء بأمر الله، وأخباره في أيام ولايته مشهورة
стр. 1238
بمدينة السلام؛ ولمّا جرى عليه ما جرى إنتقل ولده نصر الله إلى دمشق، وتأهل فأولد أبا الحسن هذا بدمشق.
وكانت ولادته يوم الرابع والعشرين من ربيع الأول سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة. وسمع الحديث بها كثيرًا من داود بن ملاعب، وأبي اليمن زيد بن الحسن الكندي وغيرهما. وعانى فن التصرّف والصناعة الحسابيّة، فبلغ في ذلك الغاية، وسافر إلى محروسة آمد، فتولّى النظر في ديوانها للملك المسعود مودود بن محمود بن أرتق بن سكمان.
/٥٦ أ/ أنشدني لنفسه بحلب، يمدح الملك المنصور إبراهيم بن شيركوه بن محمد -صاحب حمص- في كسرته الثانية للخوارزميّة: [من الرمل]
قد صفا الجوُّ وقد رقَّ النَّسيم ... وتبَّدى للرُّبى وجه وسيم
وكسا هامي الحيا عاري الثَّرى ... حللًا خضرًا لها الزَّهر رقوم
وبها ثغر الأقاحي باسمٌ ... جذلًا لمَّا انبرت تبكي الغيوم
وعيون النَّرجس الغضِّ إذا ... ما رنت يغضي لها الطَّرف السَّقيم
وخدود الورد قد أخجلها ... عندما قبَّلها الطَّلُّ السَّجوم
وغناء الطَّير في أفنانها ... وارتقاص الغصن إن هبَّ النَّسيم
فانتبه منتهبًا ما قد صفا ... لك من عيشٍ فما صفوٌ يدوم
واجتليها خمرةً ما خامرت ... سرَّ صاحٍ فسرت فيه الهموم
من يدي ظبيٍ ظبا ألحاظه ... أيُّ قلبٍ ما لها فيه كلوم
هو من جنَّة عدنٍ فاعجبوا ... كيف حلَّ القلب والقلب جحيم
بدر تمٍّ قد جلا شمس ضحًى ... من بنات الكرم يهواها الكريم
قهوةً راقت ورقَّت وصفت ... فهي كالرُّوح بها تحيا الجسوم
/٥٦ ب/ يا لها لمَّا علاها حببٌ ... من عروسٍ تاجها درٌّ نظيم
فإذا طاف بها تبدو لنا ... في الدُّجى شمسٌ وبدرٌ ونجوم
يدرأ الهمَّ إذا دار بها ... إنَّ خطب الهمِّ في الجسم جسيم
يا خليلي خلِّ قلبي والأسى ... إنَّ دائي في الهوى داءٌ قديم
وتباريح الجوى لي مألفٌ ... طالما أسهرني طرفٌ نؤوم
стр. 1239
كلُّ أحوال الهوى موهيةٌ ... جلدٌ يرحل أو وجدٌ يقيم
فأجرني من تعدِّي جائرٍ ... ظلت أهواه وقد يهوى الظَّلوم
كم هزبرٍ قتلت مقلته ... عجبًا يفتك بالآساد ريم
عدِّ عنِّي كأسك الملآ ففي ... قربه راحٌ وروحٌ ونعيم
ريقه خمري وفوه قدحي ... وهو لي ساقٍ وشادٍ ونديم
ما لقلبي في سواه أربٌ ... إنَّ في مثل هواه اللَّوم لوم
مثل ما لام الورى أبراهيم في ... بذل معروفٍ به يثرى العديم
ناصر الإسلام والدِّين الَّذي ... كلُّ قلبٍ بمعاليه يهيم
ملكٌ عمَّ البرايا عدله ... وبدا للدّين نهجٌ مستقيم
نصر الله به الإسلام ما ... طلعت شمسٌ وما هبَّ نسيم
/٥٧ أ/ وأرانا بأعاديه الَّذي ... أمَّلوا فيه وما نحن نروم
[٤٩١]
عليُّ بن إبراهيم بن عليِّ بن أبي بكرٍ، أبو الحسن الموصليُّ.
شاب شدا طرفًا من الأدب على أبي العباس أحمد بن الحسين بن الخبّاز النحوي، وكتب بيده كتبًا أدبية، وتميّز وقال شعرًا.
أنشدني لنفسه، وكتب لي بخطه، بمدينة الموصل: [من البسيط]
وشادنٍ صدَّ عن وصلي بلا سببٍ ... ولم يدع هجره صبرًا ولا جلدا
تجمَّعت فيه أوصاف الجمال فقد ... أضحى فريدًا كما حزني به انفردا
أماج حقفًا ثنى غصنًا بدا قمرًا ... وفاح مسكًا رنا ظبيًا سطا أسدا
حاز الجمال كما حاز الكمال جمال الدِّين خير الورى من أمَّه سعدا
قسُّ الفصاحة قيس الرَّأي ... عليَّ وأحنف الحلم عمرو البأس معن ندى
يا أيُّها الصَّاحب الصَّدر الوزير ومن ... عدُّ المناقب منه يغني العددا
كن لي شفيعًا إلى موسى لأنَّك يا ... خير البريَّة خضر الجود دم أبدا
يا من إليه انتهى قصد العلا وسما ... على البريَّة بالإحسان مذ ولدا
/٥٧ ب/ أنظر إليَّ بعينٍ ما نظرت بها ... شخصًا فبات يعاني بعدها كمدا
стр. 1240
وخذ بضبعي بكفٍّ ما قبضت بها ... إلَّا اليراع لكي ألقى بها الرَّشدا
فالدَّهر أنت فمن أسعدته سعدا ... حقًّا وأيُّ أمريءٍ أضهدته اضطهدا
فاسلم ودم [يا] شفيعي عند مرتحلي ... إليك حتَّى ألاقي عيشةً رغدا
وقال: [من الطويل]
تقول وقد ألقيت في يدها يدي ... وقد أشهدت ربَّ السَّماء على قولي
حبيبي قد بان الَّذي كان خافيًا ... فلا صرم الرَّحمان حبلك من حبلي
وقال: [من الطويل]
إذا ما زمان السُّوء مال بركنه ... علينا عدلناه بإحسانٍ إسحاق
كريم المحيَّا لا يضنُّ بماله ... وإن ترج منه البرَّ جاد بإطلاق
وكتب هذه الأبيات إلى شيخه شمس الدين أبي العباس أحمد بن الحسين بن الخبّاز، وقد سخط عليه، وهي: [من مجزوء الرمل]
أنت ملَّاك قلبي ... إغفروا بالله ذنبي
إغفروا ذنبي [و] إلَّا ... متُّ في الحال لكربي
/٥٨ أ/ إن تجافيتم وحلتم ... فكذا حظُّ المحبِّ
كم تطيلون عذابي ... بصدودٍ وبعتب
وأنا لا بدَّ لي منك وإن ساءك قربي
وقال: [من البسيط]
لله طيب زمانٍ قد فقدناه ... بدير قسرى كأنَّا ماعرفناه
والكأس دائرةٌ من كفِّ ذي هيفٍ ... مملوءةٌ بفنون السِّحر عيناه
يخصُّنِّي بمدامٍ شبه ريقته ... طعمًا ويشبهها في اللَّون خدَّاه
وقال: [من البسيط]
إنِّي إلى وصل من أهواه مشتاق ... ونار وجدي لها وقدٌ وإحراق
بدرٌ له في فؤاد الصَّبِّ منزلةٌ ... ومن سنى وجهه نورٌ وإشراق
وقال: [من الطويل]
ولم أنسها إذ أقبلت حين ودَّعت ... تعضُّ على المشتاق من حنقٍ يدا
стр. 1241
بكت فتلاقى ثغرها ودموعها ... فلا .... منظمًا ومبدَّدا
[٤٩٢]
عليُّ بن عبد السلام /٥٨ ب/ بن يوسف بن موهوب بن القاسم، أبو الحسن الحسنيُّ.
هو من الحسنيّة قرية كبيرة مشهورة فوق الموصل من أعمالها، بها ولد ونشأ، وتفقه بمدينة السلام والموصل على مذهب الإمام الشافعي ﵁ وقرأ علم الأصولين والفرائض والحساب، ونظر في المسائل الخلافية، وقرأ شيئًا من علم الحكمة. وله شعر لم يكن على قدر معرفته وفضله. سافر إلى بلاد الشام ونزل دمشق فأقام بها قليلًا -وتوفي بها وذلك قبل الثلاثين وستمائة.
أنشدني لنفسه: [من البسيط]
سرِّي بعشقك يا مولاي مشتغل ... فلا عراقٌ يسلِّيني ولا رمل
رفقًا [فـ] في بعض هذا الهجر يا سكني ... قتلٌ إذا كفَّ عنه الفعل ينفعل
قد كنت منعكفًا بالعلم ملتهيًا ... فمذ هجرت فلا علمٌ ولا عمل
ما كنت أحسب هذا الهجر متَّصلًا ... واضيعة العمر خاب السَّعي والأمل
إعطف على دنفٍ بالحزن منفردٍ ... ضاقت به الأرض حتَّى السَّهل والجبل
غريب دار نحيل الجسم ذو سقمٍ ... نائي المزار غزير الدَّمع منهمل
يا عاذلي في هوى من لا أفوه به ... مهلًا رويدًا فقد ضاقت بي الحيل
/٥٩ أ/ بدرٌ أداقت دمي عمدًا لواحظه ... وقد تضمَّن قتلي الأعين النُّجل
стр. 1242
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من البسيط]
يا شاتمي وإليه منتهى أملي ... وطاردي وله روحي وجثماني
بلغت فيك نهايات الهوى وصفت ... لك الضَّمائر في سرِّي وإعلاني
فما يزيدك عندي أن تواصلني ... ولا يحطُّك تعذيبي وهجراني
وقد وهبت لكم عرضي بأجمعه ... فما أبالي بإعزازي واهواني
[٤٩٣]
عليُّ بن عدلان بن حمّاد بن عليٍّ، أبو الحسن النحويُّ الموصليُّ.
أخذ علم النحو والعربية عن جماعة من أدباء الموصل؛ ثم رحل إلى مدينة السلام، فصحب الشيخ أبا البقاء عبد الله بن الحسين النحو العكبري، ولازمه واشتغل عليه مدّة إلى حين وفاته، وتميّز في هذا الفن على أبناء جنسه.
وهو فاضل حسن الكلام في المسائل النحوية، جيد المناظرة محقق له أشعار لا توازي معرفته، ويحفظ جملة من ملح أشعار أهل زمانه ونوادرهم.
أخبرني أنَّه ولد /٥٩ ب/ بالموصل في الخامس والعشرين من جمادى الأول سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة.
أنشدني كثيرًا من شعره ومما أنشدني لنفسه من قصيدة يعتذر فيها إلى مجد الدين الحارث البهسني، عاتبه فيها، وعن قصور لفظها، وأول غزلها: [من الطويل]
لسان زفيري بالصَّبابة معرب ... فماذا الَّذي يخفي الفؤاد المعذَّب
стр. 1243
ويقول في مديحها:
فتًى نهتدي عند الظَّلام بذكره ... كأنَّ اسمه في ظلمة اللَّيل كوكب
فإن يك في حرَّان قصَّر خاطري ... قديمًا فقد ينبو الحسام المجرَّب
ومنها:
فخذ هذه العذراء عذرًا وطالما ... تنصَّل من قبح الجريرة مذنب
عقيلة فكر عمرها بعض ليلةٍ ... إلى ربِّها يعزى البيان وينسب
فقد هاجها من حسن جاهك سالفٌ ... قريبٌ من العافي إلى العبد أقرب
وليس لنظمي فيه فضلٌ وإنَّما ... صفاتك مجد الدِّين تملي وأكتب
[٤٩٤]
عليُّ بن عثمان بن المجلّي /٦٠ أ/ بن عليٍّ، أبو الحسن الجزريُّ الواعظ، الشاعر المعروف بابن دنينة.
من أهل الجزيرة العمريّة.
أخبرني أنه ولد بها يوم الأثنين ثاني عشر المحرم سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة. وختم الكتاب العزيز بها على أبي الحسن علي بن محمد بن الكزّاية.
أنفد عمره في السفر والتغرّب، وقطع البلاد جالس العلماء، وخالط الفضلاء ورأى الكبراء، واسترفد الملوك والأمراء. قرأ الوعظ على أبي الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي، وتفقه على الشيخ أبي طالب بن الخل على مذهب الإمام الشافعي ﵁ وسمع الحديث على أبي الفتح محمد بن أحمد المندائي، فقال شعرًا كثيرًا.
شاهدته بمدينة إربل في شهر ربيع الأول سنة وعشرين وستمائة، فرأيته ذا محاضرة ومفاكهة؛ من أخف الناس روحًا، وأطيبهم مزاحًا. ثم رحل إلى البلاد
стр. 1244
الشامية، وخبرت أنَّه توفي ما بين القارة والنّبك من أرض دمشق سنة تسع وعشرين وستمائة.
أنشدني لنفسه: [من الكامل]
صوِّر لنفسك ما تراه غدًا ... بثراه جسمك عند مقبره
/٦٠ ب/ فالشَّيء يعلو لا بمنظره ... عند التَّفقُّد لا بمخبره
والمرء معتبرٌ بأصغره ... عند الحقائق لا بأكبره
ما ينفع الرَّاقي بلا قلبٍ ... ... يعظ الأنام علوُّ منبره
وأنشدني أيضًا من شعره: [من البسيط]
جدَّ التَّرحُّل عن أرض الجزيرة لي ... يومًا وخلَّف قلبي والمنى فيها
يبغي هوى أرض ميَّا فارقين وقد ... أيقنت أنَّ هوى قلبي منافيها
[٤٩٥]
عليُّ بن يونس بن سالم بن عليٍّ، أبو الحسن، المجلد الموصليُّ.
كانت ولادته -فيما أخبرني من لفظه- على مضي ثلاث ساعات من الليلة المسفرة عن صباح يوم الثلاثاء سابع عشر جمادى الآخرة سنة ثمان وثمانين وخمسمائة.
كان والده يعرف بالصدر المجلد. وكان منجمًا يشار إليه في معرفة التنجيم؛ وأبو الحسن هذا ولده حفظ القرآن الكريم، ونظم الشعر، وله طبعٌ في عمله.
وهو شاب كيِّس، خفيف الروح، طيب المزاج، حسن الخلق، تام المروءة، حسن /٦١ أ/ العشرة؛ له مؤلفات لطيفة منها: "كتاب الجوهرة الفذَّة من جوامع اللَّذة".
أنشدني لنفسه يمدح المولى المالك الرحيم بدر الدنيا والدين عضد الإسلام والمسلمين تاج الملوك والسلاطين بهلوان جهان سيد الأمراء شرقًا وغربًا أبا الفاصل غرس أمير المؤمنين -ضاعف الله مجده وقرن التوفيق حله وعقده- ويصف داره
стр. 1245
المعمورة التي أنشأها واستجدها، المطلة على دجلة -عمرها الله بطول بقائه بمحمد وآله-:
[من البسيط]
العزُّ والنَّصر والتَّأييد والظَّفر ... والدَّهر والملك والأملاك والقدر
والسَّعد والجدُّ والإقبال والفلك الأعلى ومن تحته والشَّمس والقمر
خدَّام بابل بدر الدِّين يا ملكًا ... أبت معاليه أن يأتي بها البشر
مسارعين إلى أمرٍ تفوه به ... طوعًا وكرهًا على إبرامه جبروا
أبا الفضائل بدر الدِّين لا برحت ... رايات جيشك في الآفاق تنتصر
فقت الملوك فما في الأرض من ملكٍ ... إلَّا وأنت لديه السَّمع والبصر
كم سيرةٍ لك بات الدَّهر مبتسمًا ... منها وكم نسخت من أجلها السِّير
سست الرَّعيَّة بالعدل الَّذي قصرت ... عنه عزائم كسرى وادَّعى عمر
/٦١ ب/ يا أيُّها الملك الممنوع جانبه ... إلا لمسترفدٍ أو من به ضرر
أنت الَّذي ملأ الأقطار نائله ... وبأسه فهو في الحالين ينتظر
وجدت بالمال حتَّى لم تدع أحدًا ... بالشَّرق والغرب إلَّا عنده أثر
وصلت حتَّى تركت الأسد طاويةً ... كأنَّ ليس لها نابٌ ولا ظفر
وقد غدا حيوان البرِّ مصطحبًا ... السَّخل والذِّئب والغزلان والنَّمر
وقد أرحت رسول الله من فكرٍ ... كانت على ولده في الصَّدر تعتكر
стр. 1246
يا ابن الَّذين عنت صيد الملوك لهم ... وبات جارهم للدهر ينتهر
من كلِّ مقتدرٍ بالعزِّ مشتملٍ ... بالسَّيف منتقمٍ بالرَّأي ينتصر
كما اشتهوا خلقوا! ، بيضٌ وجوههم ... حمرٌ سيوفهم، أفعالهم غرر
بنو العلاء هم في كلِّ مكرمةٍ ... لا يستفزُّهم خمرٌ ولا خمر
لا يغضبون ولا يغتالهم ندمٌ ... على العطاء وإن نال امرؤٌ غفروا
مثل العبيد لدى أضيافهم كرمًا ... ويسجد الملك الجبَّار إن ذكروا
هم غيوث الورى والقحط مستعرٌ ... وهم ليوث الوغى والسُّمر تشتجر
لا يعرفون مفرًّا منذ خلقهم ... كما معارفهم في غيرهم نكر
علوتهم ملك الدُّنيا ولا عجبٌ ... إنَّ العروق عليها ينبت الشَّجر
/٦٢ أ/ كما علت دارك الدُّنيا بأجمعها ... فما لنا غيرها حجٌ ومعتمر
دارٌ لها جنَّة الفردوس حاسدةٌ ... ودمع مكَّة في الخدين منهمر
والقدس قد بات متبول الفؤاد بها ... وغيَّرت شخصه الأحزان والفكر
وبات قلب دمشقٍ وهو منصدعٌ ... وكاد جامعها بالغيظ ينفطر
كلٌّ لها حاسد إذ أنت ساكنها ... وما على عاشقٍ للبدر معتبر
ودمية القصر لم تجمع محاسنها ... ما قد حوته الدُّمى فيها ولا الصُّور
دارٌ تقاصر دارًا عن عمارتها ... ولو رآها بنو مروانٍ ما عمروا
ترابها المسك والكافور جندلها ... والمندل الرَّطب أبوابًا لها ادَّخروا
عزَّ البلاط بها من بعد ذلَّته ... وبات فيها على الياقوت يفتخر
كأنَّها قبَّةٌ من فضَّةٍ خلقت ... وقد جرى التِّبر فيها وهو معتذر
فريدةٌ ما لها مثلٌ كصاحبها ... فكلَّ قصرٍ وقيلٍ خدُّه صعر
كعرش بلقيس إلَّا أنَّها جبلٌ ... وحسن يوسف إلَّا أنَّها حجر
فيها الرَّبيع مقيمٌ لا يفارقها ... وكلَّ يومٍ لديها الجود ينهمر
وكلُّ ما تشتهي نفس اللَّبيب بها ... وما على مجتني أزهارها حذر
стр. 1247
فالورد والبلخ والخيريُّ مشرقةٌ ... والبان والطَّلح واللَّبلاب والسَّمر
/٦٢ ب/ والشاهفسرم والكافور والبرم الرُّوميُّ والورد والحوذان والشقر
والنَّرجس الغضُّ والنَّمام قد بهتا ... إلى البنفسج والنِّسرين منبهر
والقبج والصَّعو والدرَّاج راتعةٌ ... والرزخ والوزُّ والطَّاوس والنُّفر
والكمُّ والتَّم والعنّار طائرةٌ ... والبان والصَّقر والشَّاهين والنَّسر
واللَّيث والببر والسِّرحان ضاربةٌ ... والرُّبد والعين والآرام والعفر
والرَّوض والعشب والأنهار جاريةٌ ... والسُّفن والدَّوح والأطيار والغدر
والجنك والدَّفُّ والعيدان ضاربةٌ ... وليس يسمع لا دفٌّ ولا وتر
وكم قيانٍ بها مثل الشُّموس وكم ... حوراء من بعض أوصافٍ لها الحور
وكم نديمٍ بها والكأس في يده ... كأنَّها جمرةٌ في الكفِّ تستعر
وكم بها من رماةٍ لم يطش لهم ... سهمٌ ومن قانصٍ لم تحوه الحفر
من كلِّ ما خلق الله العظيم بها ... في البرِّ والبحر إلّا أنَّها صور
وبركةٍ طفحت عين الحياة بها ... لمَّا استقرَّ لديها أنَّك الخضر
كأنَّها مقلةٌ للحبِّ ناظرةٌ ... يجري بها الماء مطويٌ ومنتشر
دارٌ كباعك ما في طولها قصرٌ ... وعرضها ما به ريعٌ ولا زور
قد حلَّت الأبرج العليا بساحتها ... وما بها من زجاحٍ أنجمٌ زهر
/٦٣ أ/ كأنَّما اسمك فيها درَّةٌ نصبت ... في مفرق التَّاج أو روضٌ به زهر
فانهض وسر واملك الدنيَّا فأنت بها ... أولى وما كلُّ عود ريحه عطر
في جحفلٍ لجبٍ ضاق الفضاء به ... فما لآخره عنده الألى خبر
لو ظلَّ ألفٌ من البلق الجياد به ... وأنشدت ظلّ ................
لو حاربوا الجنَّ ما بالوا بكثرتهم ... ولو رمتهم صروف الدَّهر ما انزجروا
من كلِّ أغلب ما في عينه أحدٌ ... كأنَّه الموت لا يبقي ولا يذر
يرى المنون فيهوي نحوها طمعًا ... في سلبها والمنايا سلبها خطر
يهوون للموت إلَّا فوق فرشهم ... كأنَّ فرشهم عارٌ به اتَّزروا
стр. 1248
تراهم والمنايا حولهم صبر ... طول الرِّماح وفي أعمارهم قصر
إن زوحموا ازدحموا أو قوتلوا قتلوا ... أو طوعنوا طعنوا أو كوثروا كثروا
أو باهلوا بهلوا أو اجتدوا بذلوا ... أو شورفوا أشرفوا أو فوخروا فخروا
مولى البريَّة من عجمٍ ومن عربٍ ... بذاك يشهد فينا البدو والحضر
يؤمُّهم ملكٌ ما مثله ملكٌ ... أبو الفضائل بدر الدِّين يبتدر
هو الزَّمان فلا نفعٌ ولا ضررٌ ... إلَّا إذا شاء فهو النَّفع والضَّرر
مفرِّج الكربة الكبرى بعزمته ... فالدَّهر من جنده والنَّصر والظَّفر
/٦٣ ب/ من احتمى باسمه لم يلفه ضررٌ ... طول الحياة ولم يلمم به حذر
القاتل الجدب والأنواء ممسكةٌ ... محيي الورى بعدما بالفقر قد دثروا
المشتري الحمد بالأموال لا مكسٌ ... فيه ولا في نفاد المال يفتكر
لا زال في عزِّ ملكٍ لا نفاد له ... وصفو عيش نعيمٍ ما به كدر
وأنشدني لنفسه ما كتبه من الموصل إلى إربل يتشوق صديقًا له: [من الطويل]
سلامٌ كنشر المسك تفتقه الصَّبا ... على ساكن الغرَّاء في الجانب الغربي
على جيرةٍ جار الزَّمان ببعدهم ... فلم أحظ إلَّا بالرَّسائل والكتب
أناسٍ أعاروا الدَّهر بهجة نوره ... وقاموا مقام العتب في البلد الجدب
سموا بعليٍّ ذي المفاخر والعلا ... جوادٌ إذا الأنواء ضنَّت بها السُّحب
بديع المعالي والمعاني والوفا ... له عرف ذكرٍ فاق للمندل الرَّطب
شمائله أحلى من الأمن كلَّما ... تذكَّرتها لم أخش من فادح الخطب
أبا حسنٍ إنِّي إليك لشائقٌ ... وفي الشَّوق ما يلقي المحبَّ إلى الكرب
سعادة لفظي دون حظِّي بوردها ... عليك وملقى ذلك الخلق العذب
سأقضي وما أقضي لذاذة منظرٍ ... إلى بلدٍ أسكنته هيأة القطب
/٦٤ أ/ وأنشدني لنفسه وقد عاين مشهد سرَّ من رأى -على ساكنيها أفضل السلام-:
[من السريع]
مولاي يا صاحب الزَّمان ومن ... عليه بعد الإله متَّكلي
كن [لي] شفيعًا إلى النَّبيِّ عسى ... يوم معادي في الحشر يشفع لي
стр. 1249
وأنشدني قوله: [من مجزوؤ الوجز]
يا بدر تمٍّ مشرقٍ ... من فوق غصنٍ ناضر
أذبت روحي بالجفا ... فقد جرت من ناظري
رفقًا بصبٍّ مدنفٍ ... في الحبِّ غير صادر
وبات من دموعه ... في لجِّ بحرٍ زاخر
أما لهذا الهجر يا كلَّ المنى من آخر
كم من دمٍ سفكته ... في النَّاس بالمحاجر
ولم تخف في قتلهم ... بطش قويٍّ قاهر
من أجل ذا سمَّوك ما بينهم بالقاهر
[٤٩٦]
عليُّ بن أبي القاسم بن عليِّ /٦٤ ب/ بن أبي القاسم بن عليِّ بن ياسين بن غنيمة بن ياسين بن عليِّ بن ضو، أبو الحسن المحرزيُّ الإربليُّ، المعروف بدخينة.
كانت ولادته باربل سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة. وتوفي بها في تاسع عشر رمضان سنة إحدى وعشرين وستمائة.
وكان ينتمي إلى علم الأدب والعربية، وقرأ منه أنموذجًا صالحًا، ونقله نقلًا صحيحًا. وكان يعترض على النحاة في أقوالهم، ويغلطهم في المسائل النحوية، ويخطئهم فيها، ولا يثبت لأحد منهم شيئًا ولا يرى أحدًا منهم فوقه في هذا العلم. وكان يقول شعرًًا غثًا، ونظمًا باردًا، مضطرب الأوزان غير مستقيم؛ ومع ذلك كان يدعي أنه أعرف الناس بالعروض والقوافي، وفنون الأدب.
رأيته غير مرة في الموصل، وأنشدني جميلة من نظمه، غير أني لم أضبطه عنه، لكني حفظت له بيتين قالهما على معنى هذين البيتين ووزنهما: [من الكامل]
إحذر مصاحبة السَّفيه فإنَّها ... تعدي كما يعدي الصَّحيح الأجرب
ما ينفع الجرباء قرب صحيحةٍ ... منها ولكنَّ الصحيحة تجرب
стр. 1250
فنسج على هذا المنوال: [من الكامل]
/٦٥ أ/ إحذر مصاحبة السَّفيه لأنَّها ... تردي كما يردي العقور الأكلب
ما ينفع السُّفهاء قرب ذوي الحجى ... بل منهم العقلاء شرًّا تكسب
[٤٩٧]
عليُّ بن محمد بن حمّاد بن أحمد بن عبد الله بن الحسين، أبو الحسن السعديُّ الموصليُّ، المعروف بالجارود السقاء.
كان شيخًا طويلًا أسمر لطيفًا مقبولًا، صاحب نوادر ومضحكات، فكه المحاضرة يورد الحكايات الرائقة، ويحفظ جملة من الأشعار الفائقة، ينشدها في مجالس الأنس. وكان الناس يستحلون ألفاظه، ويميلون إليه.
ومات بالموصل يوم الإثنين لسبع بقين من جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وستمائة، ودفن غربها بمقبرة المعافى بن عمران ﵀. وكان يكتب بالماء من فم القربة خطًا واضحًا ويشكل ما يكتبه وينقطه ما يعجز غيره أن يضارعه بخط العلم.
أنشدني لنفسه يمدح المولى المالك الملك الرحيم بدر الدنيا والدين عضد الإسلام والمسلمين شرف الملوك والسلاطين محيي العدل /٦٥ ب/ في العالمين أبا الفضائل غرس أمير المؤمنين -أعز الله أنصاره وأعلى مناره-: [من الطويل]
ربوعٌ لهندٍ دارساتٌ رسومها ... سقتها عهادٌ لا تغبُّ غيومها
ربوعٌ لغزلان الصَّريم ملاعبٌ ... بأرجائها أقفرن مذ بان ريمها
وقفت بها أبكي وفي القلب لوعةٌ ... على طيب أيَّامٍ تقضَّى نعيمها
وما رحلوا إلَّا وبين جوانحي ... لرحلتهم نارٌ مقيمٌ جحيمها
أحنَّ إلى أرض الحمى وبرودها ... إذا فتَّح النَّور الأريج نسيمها
بها ظلَّ قلبي ثاويًا ولطالما ... أعاد أديمي مستجدًّا أديمها
شكاية محزونٍ أهلَّ دموعه ... عقارب صدغٍ لا ينام سليمها
كما أنَّ بدر الدِّين ليس بنائمٍ ... إذا ما خوطب الدَّهر نام عظيمها
فتًى بلغ العلياء مجدًا وسؤددًا ... منها لن ينلها بعده من يرومها
هو الكعبة الغرَّاء في الجود والنَّدى ... وراحته للإسلام حطيمها
стр. 1251
تلام على فرط السَّماح وعاذرٌ ... يدٌ خلقت للبذل كيف تلومها
علا مجده فوق السَّماء وكم له ... ماثر لا تحصى وتحصى نجومها
تضوع بأفواه الرُّواة صفاته ... فيشدو بها الحادي ويطرب كومها
وأنشدني لنفسه /٦٦ أ/ يهنيء إنسانًا أبلّ من مرضٍ: [من الخفيف]
لست يوم النَّوى عليه جليدا ... فانقصا من ملامتي أو فزيدا
في حبيبٍ من الفؤاد قريبٍ ... وعن المقلتين أضحى بعيدا
قد حكاه القضيب قدًّا ولينًا ... وحكاه الغزال طرفًا وجيدا
كلَّ يومٍ يزداد قلبي أشواقًا ويزداد جفوةً وصدودا
كان لي مسعدًا وخلًّا ودودًا ... فبحظِّي قد صار خلًّا ودودا
زعموا أنَّني سلوت وهل أسلو قوامًا مهفهفًا أملودا
يا غزير النَّدى إليك تحثُّ العيس إرقالها تجوب البيدا
فترانا من النُّعاس على الأكوار بالسَّير ركَّعًا وسجودا
وإذا ما ونت تقصِّر الخطو وعادت تمشي الهوينى الوئيدا
ذكرت ربعك الخصيب فترتاح وتختار ظلَّك الممدودا
وتمدَّ الأعناق تسرع والإعناق ينضى لحومها والجلودا
ولعمري هباتك الغرُّ ما زالت بإفضالهم تعمُّ الوفودا
وجديرٌ بك الثَّناء وإن كنت لحسن الثَّناء تبغي المزيدا
/٦٦ ب/ فتراني إن قلت في غيرك الشِّعر بليدًا وفي علاك لبيدا
نذر النَّاس يوم برئك صومًا ... غير أنِّي رأيت ذلك عيدا
فلهذا أكلت فيه طعامًا ... ولبست الغداة فيه جديدا
[٤٩٨]
عليُّ بن إبراهيم بن كامل بن أحمد، أبو الحسن الأمشاطيُّ.
كان أبوه يعرف بابن التركي، أصله من قرية من عمل الموصل يقال لها الدولعية. وأبو الحسن قرأ طرفًا من فقه الإمام الشافعي ﵁ وربّما سمحت قريحته بشعر.
стр. 1252
أنشدني لنفسه ما كتبه إلى معتمد الدين: [من المجتث]
يا من عليه اعتمادي ... في كلِّ حادثٍ خطب
وفي عقيب صلاتي ... أدعو له الله ربِّي
بأن يعيش ويبقى ... ما حجَّ ركبٌ يلبي
فأنت معمتد الدِّين جابرٌ كلَّ قلب
فالعبد يهواك صدقًا ... وظاهر الحال ينبي
/٦٧ أ/ فانظر إليه عساه ... يرتاح من حرِّ كرب
فللزمان اجتياحٌ ... مغرًى بفقرٍ وسلب
فادفع سطاه بجاهٍ ... عن عبدكم لا بعضب
لا زلت ممَّن يرجَّى ... لخادمٍ ومحبِّ
[٤٩٩]
عليُّ بن أبي المكارم بن مسعود بن حمزة المقرئ أبو الحسن الأنصاريُّ، البغداديُّ المولد، الموصليُّ الدار.
مقرّه بمدينة الموصل. وصحب الشيخ أبا الحرم مكي بن ريّان النحوي، وقرأ عليه القرآن الكريم بوجوه القراءات، وأخذ عنه أدبًا ونحوًا.
وهو نعم الرجل دينًا وفضلًا؛ سألته عن ولادته، فقال: ولدت في عاشر رمضان سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة ببغداد.
أنشدني لنفسه ما كتبه إلى الخطيب عبد الله بن عبد المحسن بن عبد الله الموصلي الطوسي: [من الطويل]
سلامٌ من الله العظيم ورحمةٌ ... على خير من أهدي إليه سلامي
أبي الفضل مجد الدِّين واحد عصره ... إمامٍ به يأتمُّ كلُّ إمام
/٦٧ ب/ به يهتدي ذو الغيِّ بعد ضلاله ... ويحظى بأعلى رتبةٍ ومقام
وإنِّي لا أسطيع حصر صفاته ... إذا كان حصر القطر غير مرام
أمولاي إنَّ النَّاس منَّ عليهم ... بسقيا وأشكو من صدًى وأوام
وإن كان عجزي مقعدي ومثبِّطي ... فإنَّ اشتياقي قائدي بزمام
стр. 1253
وإنَّ فؤادي يستلذُّ بذكركم ... وأنتم مناي سادتي .....
وذكركم شربي الَّذي أرتوي به ... وزادي الَّذي أردي العدا وأحامي
سلامٌ إليكم كلَّما حنَّ عاشقٌ ... وما جنَّ ليلٌ غاسقٌ بظلام
وما لاح نجمٌ يهتدى بضيائه ... وما ناح محزونٌ بنوح حمام
وكتب إليه أبو اسحاق إبراهيم بن عبد الكريم الحنفي ﵀ بهذه الأبيات: [من مجزوء الرمل]
قل لتاج الدِّين وهو المرء بالمعروف يعرف
يا صفيًّا خلته أصفى من الرَّاح وألطف
حاجةٌ ليس لها إلَّاك مخدومٌ يكلَّف
مصحفٌ بدَّله النَّاسخ ما شاء وصحَّف
/٦٨ أ/ فتغمَّده بإصلاحٍ فبالإصلاح يوصف
واتَّخذها منَّةٍ ما حذف الدَّهر مضعَّف
فأجابه أبو الحسن وأنشدنيه: -[من مجزوء الرمل]
إنَّ شمس الدِّين شمسٌ ... لا تراها الشَّمس تكسف
ضوؤها في الظُّهر واللَّيل سواءٌ ليس يسدف
................. ... الموجود حتَّى قيل أسرف
وأريج المسك لولا عرفه ما كان يعرف
هو في الجملة من حسنٍ وإحسانٍ يؤلَّف
نسمٌ راقت ورقَّت ... فهي في ذلك قرقف
جعل المملوك بالحاج الَّذي عزَّ وشرَّف
[٥٠٠]
عليُّ بن محمّد بن بدر بن أبي بكر بن أبي الحسن بن أبي الهيجاء بن سعيد بن سهيل بن حميد بن قحطبة، أبو الحسن الحميديُّ الكرديُّ، المصري المولد والمنشأ.
من أبناء الأمراء، له ديوان شعر ومعظمه ساقط النظم ضعيف /٦٨ ب/ وربّما مرَّ
стр. 1254
له أبيات قريبة.
أنشدني لنفسه، وهو أصلح ما وجدت له: [من مجزوء الرمل]
يا شفائي وسقامي ... شفَّني منك الصُّدود
إرحم الصَّبَّ الَّذي أشواقه فيك تزيد
معشر العذَّال رفقًا ... فالهوى صعب شديد
قسمًا إنِّي رهينٌ ... للهوى فيمن أريد
[٥٠١]
عليُّ بن سلمان بن أبي الفرج، أبو الحسن البغداديُّ، المعروف بابن مريم.
وهي أمُّه غلب عليه اسمها فنسب إليها.
شيخ أحمر اللون، أبيض اللحية، فزع العينين.
لقيته بمدينة إربل، يتعاطى بدقيق الكلام على مذهب الصوفية وإشاراتهم في معنى الحقيقة والمعرفة من جنس ألفاظ الحلاج والشطح، ويناظر في ذلك. ويزعم أنه اشتغل بعلم ولا يعرف الخط، وهذه الألفاظ تصدر عن خاطره ما تفهم ولا فائدة فيها ولا محصول غير أنَّ له قريحة في ارتجالها وقدرة في استنباطها /٦٩ أ/ جعلها هجيراه ودربته. أخبرني أنه ولد سنة سبع وخمسين وخمسمائة.
أنشدني لنفسه ما مدح به الملك المعظم مظفر الدين كوكبوري بن علي بن بكتكين ﵁: [من مجزوء الرمل]
إبن زين الدِّين مولًى ... عجزت عنه صفاتي
هو حرفٌ ........ ... كان قبل الكائنات
................ ... أو بدا من حيث آتي
هو أبو الآباء فينا ... هو أمُّ الأمَّهات
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الكامل]
خير النُّفوس العارفات بذاتها ... ذات الذَّوات بذات ذات ذواتها
стр. 1255
طابت فطاب الأصل منها أشرفت ... عرفت مكان هويِّ ما هيَّاتها
. وكانت كلَّ ..... شاهدت ... وتجوهرت فتجاوزت عاداتها
كانت وما زالت ولكن أظهرت ... محجوبةً كي لا ترى علَّاتها
لولا حجاب النَّفس عنها أدركت ... منَّابها أقصى جميع صفاتها
وأنشدني لنفسه أيضًا: [من الرمل]
ونجومٍ في سماءٍ طلَّعٍ ... كسفت من ضوء نور القمر
/٦٩ ب/ فإذا شمسٌ نهارٍ طلعت ... هي أوفى منهم في النَّظر
فإذا صرت أنا إيَّاهم ... صار من ذاتي كذاتي خبري
وأنشدني أيضًا قوله: [من الوافر]
أقول لجارتي واللَّيل ولَّى ... وقد لاح الصَّباح من الخمار
دعيني كي أسير إلى بلادٍ ... بها أهلي ومن أهواه جاري
وكيف تلذُّ لي في الأرض دارٌ ... وقد عاينت بالملكوت داري
[٥٠٢]
عليُّ بن أبي الفرج بن محمود بن الحسن الجراحيُّ، أبو الحسن.
شاب من أهل واسط، سمع الحديث كثيرًا بواسط والبصرة وبغداد وإربل. ويعرف طرفًا جيدًا من علم النحو وصدرًا صالحًا في الحساب.
أخبرني أنّه ولد سنة سبع وتسعين وخمسمائة. شاهدته بالموصل سنة إحدى وثلاثين وستمائة؛ وهو حسن اللعب بالشطرنج ذو طبقة، ويلعب به غائبًا فلا يكاد يفوته من نقله شيء لقوة إدمانه فيه.
أنشدني لنفسه في صاحب الديوان -وهو علي بن إبراهيم الأنباري-:
[من الطويل]
стр. 1256
/٧٠ أ/ أمولاي تاج الدِّين لا زلت بانيًا ... فخارًا له فوق الفخر صعود
إلى حين ....... ... ....... إنَّ ذاك بعيد
فقد ............ ... خمولٌ وإخمال اللَّبيب شديد
أماثل هاء الوقف والهمزة اختها ... وذاك سواءٌ فقدها ووجود
فصيّرني بالنداء تكرُّمًا ... ففضلك يا ابن الأكرمين مديد
.................... ... فهو طريد
[٥٠٣]
عليُّ بن أحمد بن عثمان بن أبي الجيش بن الحسن بن عثمان بن أبي الجيش البوازيجيُّ، أبو الحسن.
كان مولده -فيما أخبرني من لفظه- سنة أربع وستمائة. له طبع في النظم، وقريحة جيدة يمدح ويهجو، وله خط حسن ينسخ بالأجر، وقد كتب بيده عدّة مجلدات أدبية وغيرها.
نزل بغداد وتديَّرها، ورأيته بها سنة تسع وثلاثين وستمائة. أنشدني لنفسه وكان الموجب لقول ذلك أنَّ أقوامًا أخذوا في سبِّه وبالغوا في ثلبه، فكتبه إليهم ذامًا مفتخرًا عليهم: [من البسيط]
/٧٠ ب/ سلي القبائل عنِّي يا ابنة الحكم ... تنبيك عن نعمي أيضًا وعن نقمي
فلي أحاديث في الأيَّام سائرةٌ ... معروفة العرب بين العرب والعجم
أغضُّ من نظري عن كلِّ فاحشةٍ ... وأتَّقي كلم المحذور في كلمي
ولا أطيع هوى نفسي فتأمرني ... على الفعال الَّذي لم ترضه شيمي
تحدَّث النَّاس عنِّي في محافلها ... كالشَّمع يظهر منه النُّور في الظُّلم
وما سكنت إلى ذلٍّ ومسكنةٍ ... وليس .... إلى غير العلا هممي
وإنَّما شغلي بالمجد أرفعه ... أذبُّ عنه بحدِّ السَّيف والقلم
أنا الَّذي ترهب الأيَّام صولته ... وتتَّقي بأسه الآساد في الأجم
تخشى الكتائب غاراتي وتحذرني ... بنو الملوك بذكري في حصونهم
ملئت فضلًا وافضالًا فعاندني ... قومٌ خلون من الإحسان والكرم
стр. 1257
لا يستطيعون إرماقي محاذرةً ... كأنَّني الشَّمس تبدو في عيونهم
أظهرت بينهم علمًا فما فهموا ... فقد عذرتهم في سوء فهمهم
إذا تفكَّر في فضلي أجلُّهم ... كنت المبرِّر منهم يوم سبقهم
ينبِّهون على فضلي بجهلهم ... وقد تمكَّن فضلي من نفوسهم
وقد يشيعون قبح القول بينهم ... عنِّي فيظهر فضلي عند نقصهم
/٧١ ب/ لأنَّني أطيب الأثمار بينهم ... فقد رجمت لأثماري بزورهم
قومٌ يشحُّون في الدُّنيا بمالهم ... ويسمحون على العافي بعرضهم
شبه الغثاء بلا علمٍ ولا أدبٍ ... ولا وفاءٍ ولا حلمٍ ولا كرم
هم الحقيرون لا يرجى نوالهم ... ولا وجودًا إذا فتَّشت في عدم
إذا امرؤٌ .... من أقاربهم ... أعطيته جانبًا منِّي لبعضهم
. من ديارهم ... طيفًا منعت جفوني لذَّة الحلم
مثل الصُّقور إذا يرمون شرِّهم ... وفي المكارم مثل البوم والرَّخم
أيمنعوني حقًّا لا أبالهم ... ويأخذون ببهتٍ فوق حقِّهم
وليس عندي لهم قدرٌ فأعتبهم ... من يزرع الشرَّ لم يحصد سوى النَّدم
كفاني إنَّني من بينهم رجلٌ ... كالصِّل لا أحدٌ عنهم يسدُّ فمي
يحاولون صلاحي بعد مفسدة ... مثل السَّقام تداوى منه بالسَّقم
والله ما ارتعت منهم خيفةً أبدًا ... ولا فزعت إليهم خوف جورهم
ما أحسن الدَّهر عندي بالبعاد يدًا ... إلَّا تذكَّرت منهم سوء فعلهم
وأنشدني لنفسه: [من الطويل]
إذا احتجبت عنِّي الَّتي بجمالها ... بليت رأيت الموت دون حجابها
/٧١ ب/ تعجَّبت منِّي وهي في القلب كلَّما ... عبرت ثنى طرفي إلى نحو بابها
وأنشدني لنفسه يمدح بعض الوزراء: [من البسيط]
قل للوزير أدام الله نعمته ... قولًا تنال به الأقصى من الطَّلب
نجل الكرام الَّذي قد حاز مرتبةً ... ما حازها أحدٌ من سائر الرُّتب
أفاده العزُّ آباءٌ ذوو شرفٍ ... حوت لسبق الحالي غاية القصب
كيوان منزله الأدنى وخادمه ... بهرام وهي مضاهي السَّبعة الشُّهب
стр. 1258
إذا تبدَّى لمجدٍ أو لمكرمةٍ ... أزرى على الفاخرين المال والنَّسب
وإن تسامى علوًّا فوق مرتبةٍ ... سما على المشرفين المجد والحسب
أمضى من المرهف الهنديِّ عزمته ... وكفُّه بالنَّدى أندى من السُّحب
إذا تضايقت الأيَّام كان له ... رأيٌ يفرِّق بين الدَّهر والنُّوب
وإن أضرَّ بنا عسرٌ ففي يده ... جودٌ يؤلِّف بين الحظِّ والأرب
لأنت في المجد رأسٌ والورى ذنبٌ ... شتَّان في الدَّهر بين الرَّأس والذَّنب
وأنشدني لنفسه من مديح قصيدة: [من الكامل]
حبرٌ لنا من جاهه ونواله ... بحران بينهما الأنام تعوم
/٧٢ أ/ عمَّت مواهبه البلاد وأهلها ... بالجود حتَّى يوجد المعدوم
تتظلَّم الأموال من إنعامه ... وبعدله يستنصف المظلوم
لم يدر في الإحسان ما سنة الكرى ... حيٌّ يطيِّب ذكره قيُّوم
وأنشدني لنفسه يمدح: [من الكامل]
ما أنت إلَّا واحدٌ في ذاته ... والكلُّ من عرضٍ وأنت الجوهر
ضاهى بك الله الخلائق كلَّها ... مهما ملكت فإنَّ قدرك أكبر
وأنشدني لنفسه من غزل القصيدة: [من الكامل]
بأبي الَّذي إن غبت عنه يزورني ... لطفًا وعهدي بالحبيب يزار
رشأ يحار الوهم عند صفاته ... ماء الحياة بخدِّه والنَّار
حصر الكمال جماله في أربعٍ ... من نعتها تتخيَّر الأفكار
الخدُّ وردٌ والعذار بنفسجٌ ... والشَّعر ليل والجبين نهار
[٥٠٤]
عليُّ بن عثمان بن عليِّ بن سليمان بن عليِّ، أبو الحسن السليمانيُّ الإربليُّ.
стр. 1259
شاب من أهل إربل، صرف فكرته إلى قول الشعر، فقال منه وأكثر في المديح والتغزيل /٧٢ ب/ أنشدني لنفسه يمدح الصاحب أبا البركات المستوفي -رحمه الله تعالى-: [من الخفيف]
بعد عصر الصِّبا ورسم التَّصابي ... أترجَّى وصلًا من الأحباب؟ !
يا لقومي كيف السَّبيل وقد حلَّ برأسي البازيُّ بعد الغراب
أنكرت إذ رأت بياض عذاري ... ثمَّ صدَّت من بعد طول اقتراب
دأبي الغانيات لولا النجنِّي ... ما تداني شيبي وولَّى شبابي
ضحك الشَّيب فاستهل له الدَّمـ ... ـع ألا ربَّ ضاحكٍ لارتياب
وتولَّت عنِّي المها بعد أن واصلن دهرًا وأنكرتني صحابي
إن حمل الهوى على قرب من تهوى وبعد المزار شرُّ المصاب
من لعينيَّ أن تمتَّع في روض معاني ذاك الحمى والجناب
ولقلبي أن يستفيق غرامًا ... بوصالٍ من الحسان الكعاب
طال شوقي هل من سبيلٍ إلى القرب فتطفى بذاك نار اكتئابي
كان ظنِّي أنَّ الصُّدود دلالٌ ... فتبيَّنته صدود اجتناب
أسفي لو يردُّ عيشٌ تقضَّى ... بالحمى بين صحَّةٍ واصطحاب
حكم البين بالذَّهاب فل يحكم يومًا لشملنا بالإياب
/٧٣ أ/ خلَّفوني رهن البلى أسأل الأطلال عنهم فلا تردُّ جوابي
وسروا بالفؤاد منِّي فلا مسعد إلَّا توجعُّي وانتحابي
стр. 1260
عن جفوني حكى السَّحاب فلا أسأل سقي الرَّباب دار الرَّباب
مدمعٌ لو سفحته لا الأرض ... كجود المبارك الوهَّاب
ماجدٌ يجعل السَّماحة والفضل صقال الإحسان والأنساب
مستهلُّ لقاصديه فلا يجلس للنَّاس .... حجاب
حاكمٌ عادلٌ حليمٌ فلا ينطق مهما يرى بغير الصَّواب
قسم العمر منه يوم ندًى جمٍّ ينادي له ويوم عقاب
يرتجي عفوه المسيء وتخشى الـ ... ـفتك من بأسه أسود الغاب
آزر الملك بالوزير وعزَّت ... بعد ذلٍّ مكانة الآداب
شرف الدِّين يا أعزَّ حمى جارٍ وأعلى مجدٍ وأقصد باب
إنَّ دهري أعادني بالملمَّات جريحًا ما بين ظفرٍ وناب
وأراني النَّعيم بؤسًا .... الصوت منِّي ظلمًا بسوط عذاب
وإليك التجأت إنَّك للِّاجي حمًى مانعٌ من الأوصاب
لأياديك سيب جودٍ على النَّاس وفضلٌ أطواقه في الرِّقاب
/٧٣ ب/ أيّ شكر لغير مجدك لم يدنس بذمٍ بين الأنام وعاب
من يرم فيكم المديح يجد أسباب وصفٍ تقوم بالأسباب
فابق ما دامت اللَّيالي وما انهلَّ من المعصرات صوب سحاب
وأنشدني لنفسه من غزل قصيدة: [من الطويل]
لو سنان ذاك الطَّرف فرط سهاده ... وللوجد ما أبقى الهوى من فؤاده
محبٌّ بأكناف الشَّام يشوقه ... مهبُّ الصَّبا من أرضكم ....
تمنَّى وقد عزَّ الوصال خيالكم ... فكيف ولمَّا تأذنوا برقاده
أأحبابنا كيف اللِّقاء وبيننا ... عراض الفلا من هضبه ووهاده
ومازال يخشى بعدكم في اقترابه ... فكيف يرجِّي قربكم في بعاده
لكم منزلٌ في القلب ليس بدارسٍ ... فسرُّ هواكم كامنٌ في سواده
لئن قصَّرت عنكم طوال رسائلي ... فإنَّ اشتياقي نحوكم في ازدياده
لعمري لقد قلَّ الصَّديق فلا ترى ... من النَّاس من يوليك صفو وداده
وقلَّت مروءات الرِّجال فكلُّ من ... بلوت رأيت الغدر نصَّ اعتقاده
стр. 1261
وأنشدني لنفسه من أخرى: [من الكامل]
/٧٤ أ/ ألياليًا سلفت لنا بزرود ... عودي ليورق من إيابك عودي
واسترجعي ذاك الوصال فإنَّه ... أشهى إلى قلبي من التَّوحيد
لله ساعات الوداع فإنَّها ... تركت لظًى بحشاي ذات وقود
يا صيحةً بشتات شملٍ جامعٍ ... حلَّت وثائق دمعي المعقود
إنِّي لأعلم أنَّهم لمَّا سروا ... علموا بضعف تصبُّري المنجود
وتعمَّد الحادي حثيثك في السُّرى ... ليذيب حبَّة قلبي المعمود
. إلى الأطلال ليس بنافعٍ ... وبكاي للنَّائين غير مفيد
وإذا المحبُّ ثناه عن أحبابه ... بعد المزار فذاك غير بعيد
يا ليت ما بين الأحبَّة من نوًى ... ما بين جفن الصَّبِّ والتَّسهيد
أوليتهم علموا بأنَّ مدامعي ... حتَّى .... على خلاف لبيد
ومنها يقول:
ألنار قلبٍ غير ماء مدامعٍ ... أو غير نجمٍ ثاقبٍ لمريد
رعيًا لأيَّام الوصال فإنَّني ... أنفقت فيها طارفي وتليدي
إذ صرف دهرين صرف عين ... ولم يمدد إليَّ بباعه الممدود
ومنها:
/٧٤ ب/ ومدامةٍ كدم الذَّبيح جلوتها ... في الكأس بارزةً بنغمة عود
هي جوهر الأشياء إلَّا أنَّها ... أمُّ الكبائر وابنة العنقود
يسقيكها رشأ كأنَّ قوامه ... في اللِّين خوط البانة الأملود
ظبيٌ لواحظه السِّهام قسيُّها ... موتورةٌ أبدًا لصيد الصِّيد
إن لاح أزرى بالبدور وإن شدا ... صمتت حمائمنا عن التَّغريد
آليت لا أنفكَّ أرعى عهده ... كلَّا ولا أصغي إلى التَّفنيد
أو ينثني عن جوده ونواله ... كفُّ الأمير محمَّد المحمود
стр. 1262
وأنشدني لنفسه في سنة تسع وثلاثين وستمائة: [من الكامل]
علِّل بإدلاج الرَّكائب والسُّرى ... دنفًا براه من التَّشوُّق ما برى
ذكر الشَّام وشام بارق جوشنٍ ... وقبابه فحمى عن الجفن الكرى
إيهٍ حديثك عن قويق فماؤه ... أشهى إلى قلبي وأعذب كوثرا
هلَّا إلى باناته من عودةٍ ... متفيِّئًا بظلالها متستِّرا
وعن المشاهد كم شهدت بجوِّها ... شمسًا محجَّبةً وبدرًا نيِّرا
حلب المنى الأقصى وليلاتي بها ... حكمت عليَّ ببعدها أن أسهرا
/٧٥ أ/ من لي بأن ألقي بحاضرها العصا ... وأريج عيسًا شفَّها جذب البرى
فارقت مسقط هامتي متخيِّرًا ... وأتيتها فسألتها متدبِّرا
وحييت من نعمائها بفواضلٍ ... كالبحر نيلًا والسَّحاب إذا سرى
مالي وللأيَّام تغري بالنَّوى ... وتخصُّني بالبعد من دون الورى
فأظلُّ طورًا معرقًا أو منجدًا ... وأبيت طورًا مشئمًا أو مغورًا
هل أنت يا برق العراق مبلِّغٌ ... من بالشَّام سلام منبتِّ العرى
وإذا امرؤٌ قطع المفاوز خائفًا ... خطبًا عراه إلى العراق فقد عرى
بدلِّت عن أسد الشَّرى وأكارمٍ ... تهمى لكنهم أبناء ضوطرا
ولقد رفعت عروشهم بمذمةٍ ... فهم هم أين العقائر والقرى
وأتيتها بالخيل أعدو نحوها ... الجمزى وها أنا قد رجعت القهقرى
يا راكبًا يطوي الفلاة محاولًا ... أرض الشَّام وبالغًا تلك القرى
إن أنت شارفت المرتب سالمًا ... ورأيت ذاك المعقل السَّامي الذُّرى
فاسجد لربِّك خاضعًا لجلاله ... ولعزِّه ومقبِّلًا عنِّي الثَّرى
وودت حرَّ أديم وجهي لو ثوى ... في ذلك الحرِّ الأديم معفِّرا
ومتى بلغت حمى الوزير وبابه ... أممًا فكلُّ الصَّيد في جوف الفرا
/٧٥ ب/ لم يلقه الأقوام إلَّا قائمًا ... متهجِّدًا أو صائمًا متهجِّرًا
ساس البلاد وهذَّبت أخلاقه ... خلق الرَّعيَّة فاسترقَّ الأكثرا
стр. 1263
وتحمَّل الأعباء ... فاغتدى ... عن ساق سعيٍ في العلاء مشمِّرا
قاضٍ قضى بالعدل في أيَّامه ... فبدا لنا ليل المظالم مقمرا
الله أولاه يدًا من فضله ... وأنا له في العلم حظًا أوفرا
وأمدَّه من جوده بمعونةٍ ... وأذلَّ عزَّة حاسديه وأصغرا
يقظٌ ..................... ... ........... السَّحاب إذا جرى
فإذا وجدت وجدت أحسن مخبرًا ... وإذا رأيت رأيت أحسن ما يرى
وإذا وردت وردت بحرًا سائغًا ... وإذا هززت هززت غصنًا مثمرا
أضحى على الشَّهباء ثاقب رأيه ... أحمى من الشُّهب الشِّداد وأشهرا
عصم العواصم بالعزائم والنُّهى ... فكفى مكافحه الحسام الأبترا
وأزال جيش الشِّرك منه بسطوةٍ ... جاشت فولَّى الشِّرك منها مدبرا
يا أوحد الوزراء في أفعاله ... وأعمَّهم فضلًا وأسمى مفخرا
إن لم تكن يا ابن الأكارم جعفرًا ... ... فقد أجرى بنانك جعفرا
فليغضض الحسَّاد طرفًا عن يدٍ ... بيضاء تعرف بالعوارف أو ترى
/٧٦ أ/ ولتبق بالفعل الجميل فإنَّما ... كبت المعاند بالماثر والثَّرى
وتقبَّل البكر البطينة إنَّها ... نذرت لك المدح الجميل محرَّرا
عمري لقد ذهب الكرام فلا أرى ... إلَّا حديثك في المكارم مؤثرا
فاسلم على مرِّ اللَّيالي ما سرى ... برقٌ وما مرَّ النَّسيم معًنبرًا
وأنشدني لنفسه، وهو مما قاله بحلب المحروسة: [من الطويل]
أجر مدنفًا أنت العليم بحاله ... ورقَّ لمن لم يبق غير خياله
وإن لم تجد فاعطف عليه بموعدٍ ... يعلِّل قلبًا هائمًا بمحاله
ظمئت وهل رشف الثَّنايا يعلُّني ... وهل ظمأي إلَّا لبرد زلاله
وأنحلني حمل الغرام وممرضٌ ... بجفوته من لا أمرُّ بباله
وأعجب شيءٍ أنَّه بخياله ... يضنُّ وأنِّي طامعٌ في وصاله
من التُّرك ترك الوصل أكبر همِّه ... وجفوة خلٍّ من جميل خلاله
стр. 1264
إذا ماس حار الغصن منه وإن بدا ... أضرَّ بضوء البدر عند كماله
أهيم به وجدًا على القرب والنَّوى ... على صحَّةٍ من ودِّه واعتلاله
وأهجر هجر الحائمات لأنَّني ... رأيت ورود الموت دون بلاله
/٧٦ ب/ محا سحرٍ ذاك الطَّرف آية سلوتي ... وأسلبني عزِّي بذلِّ سؤاله
أعانقه حبًّا وأخشاه هيبةً ... لما بي من إجلاله وجماله
له في الرِّضا فتكٌ بصارم لحظه ... أعيذ حبيبًا سلمه كقتاله
خذوا بدمي يال الهوى وتطلَّبوا ... دمًا سفكته راشقات نباله
وأنكرتم أنَّ الشَّقيق بخدِّه ... أما هذه في الخدِّ نقطة خاله
سقى الغيث منهَّلَّ العزالي ربى الحمى ... بحوذان العذيب وصاله
ولا زال مخضلَّ الجوانب ممرعًا ... تمرُّ بنشر المسك ريح شماله
فكم غزلٍ أوردته في غزاله ... وكم رملٍ أنشدت بين رماله
أحبَّتنا ولَّى زمانِّي وحبُّكم ... مقيم يزول العمر دون زواله
هل الدَّهر يثني عوده من جميعكم ... على ذنفٍ واهي التَّجلُّد واله
يكتِّم شكوى الحبِّ إذ ليس راحمٌ ... ويجحده صونًا له بمقاله
وقالوا: سلا إذ كفَّ شاني وإنَّما ... أكفكف دمع العين خوف انهماله
وأنشدني لنفسه يرثي الأمير ناصر الدين أبا المكارم محمد بن قرطايا بن عبد الله الإربلي، وتوفى بحلب وذلك /٧٧ أ/ في سنة أربع وثلاثين وستمائة ﵁:
[من الطويل]
عتابي على ريب الزَّمان يطول ... وما الصَّبر عندي مذ فقدت جميل
وإنِّي لمحزونٌ عليك فقلَّما ... يبلُّ بفرط الحزن فيك غليل
أمحتجبًا بالتُّرب رهن يد البلى ... بديماس لحدٍ ما إليه سبيل
أجبني فقد ضاق الفضاء وغالني ... لفقدك من أيدي الحوادث غول
أتأذن لي بالشَّام أم يستقلُّ بي ... إلى وطني صفر اليدين رحيل
رجوتك أيَّام الحياة فكان لي ... إلى كلِّ فضلٍ من نداك وصول
стр. 1265
وقلت: حديث النَّفس ترجى حياته ... ولم أدر أنَّ الحال فيك تحول
أيا سالبي سربال صبري وملبسي ... حدادًا عليه طرزهنَّ خمول
ويا جبلًا قد كنت معتصمًا به ... أكفُّ به كفَّ الرَّدَّى وأصول
دعوتك للأيَّام دغوة خائفٍ ... مكائد دهرٍ كلُّهنَّ غلول
فأعياك عن ردِّ الجواب فهل فتًى ... يصحُّ لبث الحزن حيث أقول
وحسبك دمعي فهو نصرة خاذلٍ ... له مسرحٌ في وجنتي ومسيل
إذا ما دعوت الصَّبر .... ... من الصَّدِّ كثر الصَّبر عنه قليل
فيا ليته يحيا طريحًا وليتني ... أقول لوفد العائدين عليل
/٧٧ ب/ وتسمع تعليل الأساة وقولهم ... إلى البرء يفضي أمره ويؤول
نعى قومه بالشَّرق ناعٍ فجاءهً ... فكادت له شمُّ الجبال تزول
نعى ناصر الدِّين الأمير محمَّدًا ... فطارت قلوبٌ فجعةً وعقول
فتًى كان غوثًا للطَّريد وظلُّه ... على آمليه والعفاة ظليل
خفيفٌ على قلب الصَّديق ووطؤه ... شديدٌ على نحر العدوِّ ثقيل
يسرُّك في صدر المواكب كثرةً ... ويرضيك قولًا منه وهو رسيل
عدمت صهيل الصَّافنات ولا أرى ... جيادك تجري بينها وتجول
سقى قبرك الغرَّ الغوادي وجاده ... سحابٌ إذا ضنَّ السَّحاب هطول
وآنس مغناك الجديد برحمةٍ ... لها حجبٌ من نورها وحجول
أقمت بأرضٍ لا خليلٌ مساعدٌ ... ولا صاحبٌ في النَّائبات خليل
ولا صارمٌ عضبٌ يذود به الرَّدى ... ولا نائلٌ تسخو به وتنيل
وكنت أخا الحرب العوان وللظُّبا ... على هامة اللَّيث الكميِّ صليل
فكيف وهى البأس الشَّديد وجاءنا ... عزيز القياد منك وهو ذليل
أخانتك سمر الذَّابلات أم اغتدى ... حسامك يوم الرُّوع وهو كليل
فبعدك ما وجه المسرَّات أبيضٌ ... لدي ولا طرف الزَّمان كحيل
/٧٨ أ/ وما كنت إلَّا البدر تمَّ طلوعه ... فعاوده بعد الطُّلوع أفول
فلو كان يفدى ميِّتٌ كنت تفتدي ... ولكنَّه ما لا يقيه بديل
ولو كنت تحمى بالصَّوارم والقنا ... حماك أخٌ في النَّائبات حمول
следующие страницы →