Полный текст (2 778 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
وحدثني ابن /٣٠ أ/ الدبندار الشاعر، قال: ضمَّني وإيّاه بعض المجالس، فأنشدت: [من مجزوء الكامل]
أقسمت يا بن الدَّبندار بأنَّ شعرك خير شعر
شعرًا لنفسي، فأنشد مخاطبًا لي، لنفسه: -[من الكامل]
من جنب فضلك من أبو ... تمَّام من كان المعرِّي؟
[٤٧٥]
عليُّ بن محمود بن أبي الحسين بن نبهان بن سند بن بشر، أبو الحسن بن أبي الثناء اليشكريُّ، البغداديُّ والدًا وأصلًا، المصريُّ مولدًا، الدمشقيُّ منشأ.
شاعر ابن شاعر.
أنشدني علي بن محمود لنفسه بحلب في أعرج: [من السريع]
يا بأبي من وجهه جنَّةٌ ... صدرت عنها وأنا المخلص
لم يثنني العذَّال في حبِّه ... أغلوا عليه اللَّوم أم أرخصوا
قالوا: اعتراه عرجٌ شانه ... وذاك من وجدي لا ينقص
وافى إلى وصلي مستوفزًا ... كأنَّه من عرجٍ يرقص
/٣٠ ب/ وقال أيضًا: [من الطويل]
ولمَّا أتاني العاذلون عدمتهم ... فما منهم إلَّا للحمي قارض
وقد بهتوا لمَّا رأوني شاحبًا ... وقالوا: به عينٌ، فقلت: وعارض
стр. 1192
وله من جملة قصيدة: [من الكامل]
إنِّي أغار من النَّسيم إذا سرى ... بأريج عرفك خيفةً من ناشق
وأودُّ لو سهِّدت لا من علَّةٍ ... حذرًا عليك من الخيال الطَّارق
وقال في التشبيه: [من البسيط]
وقد تبدَّى هلال الأفق مزدهيًا ... تحفُّه في السَّماء الأنجم الزُّهر
كزورقٍ من لجينٍ وقره سبجٌ ... يمرُّ في لجَّةٍ حصباؤها درر
وقال من قصيدة: [من الطويل]
رعى الله من لم يرع عهدًا رعيته ... وعقد ودادٍ مبرمٍ غير منحلِّ
فنازعني الشُّوق اللَّجوج إليهم ... فأخدع قلبي بالمواعيد والمطل
وحمَّلني العذَّال منَّة ذكرهم ... وحسبك أنِّي حاملٌ منَّة العذل
وأنشدني لنفسه في ضارب كرة: [من البسيط]
يا حبَّذا وبروحي ضاربٌ كرةً ... كالغصن يعطفه الإدلال والمرح
/٣١ أ/ شكرًا لها إذ أرتني من محاسنها ... أجل ما كنت أرجوه وأقترح
تدنو إليه ويقصيها لعاشقة ... وليُّه مثلها يدنو وينتزح
وأنشد لنفسه من قصيدة في الملك المعظم عيسى بن العادل أبي بكر بن أيوب:
[من الطويل]
سلي البارق العلويَّ يا أمَّ مالكٍ ... أأمسك دمع العين بعدك أم همى
ولا تنكري فيض الدُّموع صبابةً ... فإن لم تجودي بالرِّضا هطلت دما
ملكت عنان القلب فانقاد طائعًا ... كئيب الهوى أنَّى حللت وأينما
فلا يختشي إلا ملالك والقلى ... وما يرتجي إلَّا المليك المعظَّما
ومنها:
فما أجدل وافى على رأس مرقبٍ ... أغبَّ فلم يطعم من الصَّيد مطعما
رأى في فضاءٍ بالعراء طريدةً ... فبادرها يفري الإهاب تجشُّما
стр. 1193
بأسرع منه للصَّريخ إجابةً ... إذا أصبح النُّور الشَّماليُّ مقتما
وأنشدني لنفسه في سنقر الحكيم وقد رمى بالسهام، فأصاب حلقة الغرض خمس مرَّات متوالية: [من الطويل]
/٣١ ب/ وعوجاء من بانٍ إذا هي أرسلت ... إلى الجمع فردًا من بنيها تفرُّقا
أصبت بها خمسًا تؤامًا تواليًا ... بحلقة قدٍّ دقَّ عن أن يحقَّقا
ووصَّلتها لو شئت إعجاز صنعةٍ ... فلم تدرك الأبصار منهنَّ أفوقا
فحسبك منها معجزًا لسعادةٍ ... برغم العدا دامت ودام لك البقا
وأيُّ مرامٍ لم ترح فيه أوَّلًا ... وتاج فخارٍ لم تكن فيه مفرقا
ولمَّا دعوت الشِّعر باسمك أقبلت ... قوافيه في مضمار مدحك سبَّقا
فحبَّرت منه في علاك مدائحًا ... تجرُّ جريرًا خلفها والفرزدقا
[٤٧٦]
عليُّ بن عمر بن حسن بن رسن، أبو الحسن الشيبانيُّ العبدليُّ.
من أهل باجسري، قرية كبيرة من أشهر قرى بغداد.
حدثني الصاحب أبو البركات المستوفي ﵁ بإربل، قال: ورد العبدلي إربل قديمًا، وكان شابًا أسمر، أقام بالشام مدةّ، وذكر أنّه قرأ على أبي اليمن الكندي شيئًا من أشعار العرب، وأنّه سمع الحديث، وأنَّ عنده نحوًا وغيره، وليس كما ذكر في إحكام شيء من النحو /٣٢ أ/ ولا غيره، وإن شمّ منها بعضها.
أنشدني لنفسه في شهر جمادى الأولى سنة ثمان عشرة وستمائة -شعره في غاية السقوط جدًا-: [من الطويل]
أشاقك من شاطي ديالى حدائقه ... فأذريت برقا الدمع وانهلَّ ناعقه
تئطُّ إلأى نصرٍ به الذَّبُّ كلَّما ... تغطغط جونٌ أو تداعت فوارقه
قال الصاحب شرف الدين أبو البركات ﵁ وهي تسعة عشر بيتًا على
стр. 1194
هذا الأسلوب، لا فائدة في إيرادها جمعًا، لأنها رديئة الألفاظ، وقال أبو البركات ﵁ سألته عن موضع "برقا" فقال: النصب بحذف من! . قال: هي العين.
[٤٧٧]
عليُّ بن محمود بن عيسى بن خليل بن عليٍّ، أبو الحسن التنوخيُّ الحمصيُّ، المعروف بابن الحكم.
رأيت ديوان أشعاره بحلب، وهو مجلد كبير الحجم، مرتب على حروف الهجاء، يشتمل على فنون من القريض.
/٣٢ ب/ وافتتحه بخطبة مسجعة من إنشائه، يخاطب بها بعض أصدقائه، وقد سأله أن يتحفه بشيء من نظمه، فأجابه إلى ذلك بعد أن سأله الإقالة، يقول منها: "وكنت آليت أن لا أقصد ملكًا ولا سوقةً، ولا أنشد شجاعًا ولا فروقةً، حتى سلبني الدهر ثوب الوفر، وألبسني رداء الفقر، وبدّلني اليسر بالعسر، والجبر بالكسر. فالجأتني كثرة العيال، وقلة التموال، إلى أن أريق ماء المحيا، وأنشر لبرقع صونه طيّا. فكان أوّل من تمسكت بولائه، وآخر من طوَّقت بحلي قريضي جيد عليائه؛ السلطان الملك الأمجد مجد الدنيا والدين بهرام شاه بن الملك المظفر أبي الفتح فرخشاه بن شهنشاه بن أيوب عضد أمير المؤمنين، فأنقذني من قبضة الطوى، وانتشاني من براثن أسد التوى. وأعاد عود العيش لدى ناضرًا، بعدما روى، وطرف السعد إلي ناظرًا بعدما أروى. فلأمدَّنَّه بصالح الدعاء، ولأشنِّفنَّ أذن عليائه عقود الثناء. ولأسألنَّ الله أن /٣٣ أ/ يوزعني شكر أياديه، وان يحرس دولته بكبت أعاديه. وما برحت إبان الشباب والعيش اللباب، مستهترًا بمعاشرة الأدباء، مغرًى بمكاثرة البعداء منهم والقرباء، فلم أسمع بأديب إلَّا قصدته، ولا أريب إلَّا استنقذت منه ما أفدته حتى استخلصت لنفسي صحبًا كالنجوم، قد أحكموا صناعتي المنثور والمنظوم، فكنّا نتبارى في البيان مباراة البنان للبنان، ونتمارى في الأوزان، مماراة ذوي الإحسان بالإحسان، فما استنَّ لنا صعب لفظ إلَّا ذللناه فركبناه، ولا اعترض بكر معنًى إلَّا ألنَّاه وركبناه، فلم نغادر جدًّا
стр. 1195
من القول، ولا هزلًا ولا رقيقًا منه، ولا جزلًا ولا نكرًا ولا طرفًا ولا ظرفًا ولا سخفًا إلَّا وأعملنا فيه بزل الأفكار، واستخرجنا أبكار، قرائح أزرت على الأبكار.
كلّ ذلك رغبة بالمنظوم والمنثور، لا طلبة للفسوق والفجور، فليعذر من وقف على سخفه، واستجلى قمر مجونه من سجفه، موفقًا إن شاء الله".
وبلغني أنّه كان معلم الصبيان مدّة، ثم صار بعد ذلك بمعرة النعمان في ديوان الزكاة /٣٣ ب/ مشرفًا، وتنقل في البلاد الشامية، طلبًا للارتزاق والاسترفاد. وكان شيعيًا مائلًا إلى مذهب الإماميّة، كثير الشعر، وديوان أشعاره كبير جدًّا يشتمل على مدائح ومراثٍ وغزل ومجون وأوصاف وأغراض مختلفة النعوت.
ومن شعره في غلام اسمه عبد الكريم: [من السريع]
مولاي يا عبد الكريم استمع ... من عبدك الأصغر شكواه
حتَّى متى تقتلني عامدًا ... بالهجر لا وأخذك الله
كن مثل من أعتق عبدًا له ... ما أقبح البخل وأزراه
فقال لي وازورَّتيهًا وذو الحسن على ذي الحزن تيَّاه:
عبد الكريم اسمي ولمَّا يكن ... ذا العبد من طينة مولاه
وشادن تسحر ألفاظه ... بنا كما تسحر عيناه
أضحى نعيمي وشقائي فما ... أبعده منِّي وأدناه
أموت إن أعرض عنِّي كما ... أحيا إذا لاح محيَّاه
وقال أيضًا في صباه، مجيبًا لصديق له عن أبيات /٣٤ أ/ جاءته في صدر كتاب:
[من الكامل]
وافى كتاب أبي عليّ يقول الأدباء عين الشعر والشعراء
ففضضته فرأيت طرسًا معربًا ... عن سؤددٍ وبلاغةٍ وعلاء
متضمِّنًا من نظمه دررًا حكت ... حسنًا عقود الغادة الحسناء
أمهذَّب الدِّين الَّذي أخلاقه ... كالسَّلسبيل مشوبةٌ بالماء
قسمًا لقد شرَّفتني وبنيت لي ... مجدًا قواعده على الجوزاء
وكسوت عرضي من ثنائي حلَّةً ... أزرت بما صنعت يدا صنعاء
стр. 1196
ولأنت أحرى بالثَّناء من الورى ... طرًّا لأنَّك زين كلِّ ثناء
وقال في غلام يعوم في نهر، محلول الشعر، وقد سئل ذلك: [من المنسرح]
أرسب في لجَّة الغرام كما ... يرسب ماء الأجسام في الماء
وابأبي من به كلفت ومن ... أضحى دوائي من كلِّ أدوائي
حسين ذو الحسن والجمال ومن ... حشا بنار الغرام أحشائي
أرسل مسك الأصداغ منه على الكافور حتَّى كفرت آرائي
فخلت أنَّ الصَّباح أقبل فوق الأرض يسعى في ثوب ظلماء
/٣٤ ب/ وقال أيضًا: [من الخفيف]
أيُّ عيشٍ غضٍّ وأيُّ نعيم ... لم أرح منه آخذًا بنصيب
قد تمتَّعت بالملاذ فما أبقيت من مأكلٍ ومن مشروب
ولبست العصب المطيَّر ما اطَّيَّرت من فاقةًٍ بيومٍ عصيب
وأراني أعفُّ خلقًا ولو ألصقت صبرًا إلى التُّراب تريبي
وقال أيضًا: واجتاز بغلام جميل الوجه، حسن الصورة، مليح الشمائل، متعلم صنعة الأساكفة عند أستاذ يعرف بابن العقاب، والغلام اسمه بلال: [من الوافر]
ألا لله اسكافٌ مررنا ... به بين العقيبة والقباب
غدا مع كونه ظبيًا غريرًا ... غريب الشَّكل مقتبل الشَّباب
أليف أبن العقاب ومن رأى قبله أبن الظَّبي إلف أبن العقاب
وليس سوى الحشاشة من مراعٍ ... له وسوى المدامع من شراب
فيعطو حين يعطو ريم رملٍ ... ويسطو حين يسطو ليث غاب
/٣٥ أ/ بلال من رضاب يشفى ليشفى ... ظماي إلى ثناياه العذاب
بدا نعلًا له دكناء حتَّى ... حسبت البدر أشرق من سحاب
وجال بإبرةٍ فرأيت منه ... ومنها البدر يعبث في شهاب
وصال بذابل الأشفاه حتَّى ... لقد أشفيت منه على العذاب
стр. 1197
= وليس أهاب ..... ظلَّ يفري ... بشفرته وينصح بل أحابي
وقال في صباه من سنة تسعين وخمسمائة: [من المجتث]
يا عتب دع عنك عتبي ... حسب الصَّبابة حسبي
أنَّى وقد سار عنِّي ... فضلٌ بقلبي ولبِّي
نأى فتذكاره والدُّموع أكلي وشربي
فبين جفني ونومي ... ليهنه أيُّ حرب
فليت لمَّا قضى بينه قضى الله نحبي
ريح الصَّبا بلِّغيه ... عنِّي سلام محبِّ
أذكى وأطيب نشرًا ... من روضةٍ غبَّ سحب
يا قبلتي وإليها ... أدعو وفيها ألبِّي
/٣٥ ب/ يا بدر تمٍّ تبدَّى ... من فرع أملد رطب
أسهرت عيني وأقلقتني وأتعبت قلبي
ترى بأيَّة جرمٍ ... ترى بأيَّة ذنب
وقال أيضًا: [من السريع]
رأيت في المكتب أعجوبةً ... من يرها في مكتب يعجب
ظبي نقًا يرتع فيه وهل ... رأيت ظبيًا قطُّ في مكتب
أقبل إذ عاينني ضاحكًا ... أكرم به من مقبل واجب
وزر فن الصُّدغ فعوَّذته ... بخالق المشرق والمغرب
وقلت: من يضمن لي أنَّني ... أنجو وهذا البدر في العقرب
وقال أيضًا، وقد اجتمع عند جماعة من أهل الأدب، وعندهم مغن يسمى "البليبل"
فلما غنّى تفرقوا، فقالوا: ما هذا بلبل، هذا غراب! : [من الوافر]
تجمَّع شملنا يومًا بقومٍ ... لهم في كلِّ مكرمةٍ نصاب
ففرَّقنا البليبل إذ تغنَّى ... فقلت: أبلبل ذا أم غراب؟
/٣٦ أ/ وقال محبُّه عذبٌ تغنَّى ... فقلنا: دون ذا العذب العذاب
وقال أيضًا في غلام حمل شمعة: [من المتقارب]
стр. 1198
أتانا وفي يده شمعةٌ ... كقلبي في حبِّه تلهب
فخيِّل لي أنَّ بدر الدُّجى ... تألَّق في يده كوكب
وقال أيضًا في غلام اسمه عفان: [من البسيط]
إسم الَّذي هام قلبي في محبَّته ... لثالث الخلفاء الرَّاشدين أبُّ
وانَّه اسمٌ لشيخٍ في القراءة لا ... يخلُّ حرفًا وآمن حين ينقلب
وقال في غلام يسقي جلابا: [من السريع]
يا ساقي الجلَّاب يا شادنًا ... بلحظه للأسد خلَّابا
عنِّي بجلَّابك لا نشتهي ... منك سوى الرِّيقة جلَّابا
وقال أيضًا في ولد إسمه حسين يرثيه، وتوفي بحلب: [من الكامل]
إن مات في حلبٍ حسين غريبا ... وأذا [ب] أكبادًا لنا وقلوبا
/٣٦ ب/ فلقد قضى في كربلاء سميُّه ... قتلًا سليبًا من ذويه غريبا
لولا التَّأسِّي عنه بالمقتول والمسموم لاستعرت حشاي لهيبا
وقال هذه الأبيات، وكتبها على ظهر كتاب نهج البلاغة، وكان قد نسخه:
[من مخلّع البسيط]
كتبت هذا الكتاب لمَّا ... غرقت في لجَّة الذُّنوب
أرجو من الله كشف ضرِّي ... وستر ما بي من العيوب
فمن له في الورى نصيبٌ ... فحبُّ أهل الورى نصيبي
وقال في غلام اسمه ياقوت: [من الخفيف]
قل لياقوت أنت قد رحت للعين جلاءً وللحشاشة قوتنا
يا معير القضيب عطفًا ولينًا ... ومغير الرَّبيب طرفًا وليتا
قد وليت القلوب مذ صاغك الرَّحمان بدعًا فاعدل بما ولِّيتا
وقوله أيضًا: [من المنسرح]
يا لائم الصَّبِّ لا تلمه فما ... نفع أخي الشَّوق في ملامته
أنت به شامتٌ ولا يستميل المغرم الصَّبَّ قول شامته
وبي هلالٌ من ليل طرَّته ... لاح لحيني في غصن قامته
стр. 1199
/٣٧ أ/ نرجس ألحاظه وتفَّاح خدَّيه بلائي ومسك شامته وقال أيضًا: [من الوافر]
رأى كلفي وقد ظعنوا بليلى ... خلِّيٌّ لا يبيت كما أبيت
فقال: يفوت عمرك بالتَّمنِّي ... فقلت له: ومن لي لو يفوت
أمن جنٍّ دهيت، فقلت: كلَّا ... ولكن من ذوي إنسٍ دهيت
إذا أنا لم أمت أسفًا ووجدًا ... بليلى العامريَّة من يموت!
وله أيضًا: [من البسيط]
إن غيِّرت بعد الحيِّ حالات ... فسوف تصرف عنَّا الهمَّ حانات
وشمس راح لها من راح بدر دجًى ... شرقٌ ومغربها منَّا الحشاشات
تبدو فواقعها في كأس قاطبها ... كأنجم القطب يجلوها الزُّجاجات
أو مثل ما نثر الدُّرَّ الثَّمين على ... أرضٍ من الذَّهب المسبوك قينات
لها إذا شجَّها السَّاقي وميض سنًى ... يعشي العيون له في الكأس لمحات
وللنَّدامى إليها إذ تشعشعها السُّقاة تحت الدَّياجي أريحيَّات
فافضض بفضِّك طين الدَّنِّ جيش أسًى ... له على القلب كرَّاتٌ وفرات
لا يغرق الهّمَّ إلا صرف دسكرةٍ ... ما إن لميقاتها في العدم ميقات
/٣٧ ب/ ما زال يكلأ صرف الدَّهر جوهرها ... ويمتري ذامها طورًا وتقتات
حتَّى غدت وهي لا الأوهام تدركها ... منَّا وّلّا الخطرات الألمعيَّات
ترى بنان النَّدامى من تلألئها ... كأنَّهنَّ بفرصادٍ خضيبات
وجدي بكأس طلًا وجدي بحبِّ طلًا ... يذيب أكبادنا منه .....
مبلبل الصُّدغ كم قد بلبلت كمدًا ... ألحاظه السَّاحرات البابليَّات
كم أمرضت من صحيحٍ يوم كاظمةٍ ... تلك الجفون المريضات الصحيحات
لله عيشٌ بنعمانٍ نعمت به ... دهرًا وللدَّهر عنَّا فيه غفلات
أيَّام ظلُّ الهوى دانٍ ومربعه ... غانٍ وروضاته صح أريضات
فمن تذكَّر بان الجزع جزع كما ... لديَّ لذكر ..........
إيَّاك نجدًا وآرامًا تروم بها ... نيل المنى فأمانيها منيَّات
تسلُّ فينا سيوف الهند أعينها ... كما تهز رماح الخطِّ قامات
стр. 1200
سقى الحمى مرجحنَّات السَّحاب وإن ... أبت فسحب الدُّموع المرجحنَّات
وجيرةٍ أتمنَّاهم فما حفظت ... مع الأمانات هاتيك الأمانات
ما مثل ساعات أيَّام الغوير مضت ... ولا كأوقاتها في الطِّيب أوقات
وقال أيضًا: /٣٨ أ/ في مغن متقن: [من الكامل]
لله شادٍ لو بنغمته دعا الموتى أجابته من الأجداث
أو لو تسمَّعه الشُّيوخ لأصبحوا ... وهم من السَّرَّاء كالأحداث
وكأنَّه بدرٌ تكنَّف أنجمًا ... إذ بان بين مخانقٍ ورعاث
غنَّى فأنسانا الغريض فكان في ... عقد العقول تخال كالنَّفاث
فطربت حتَّى خلت أنِّي في الورى ... كسرى وأنَّ المشرقين تراثي
وقوله أيضًا: [من السريع]
لله ما أصبر قلبي على ... نوائب الدَّهر وأحداثه
وأصعب الأشياء ما نلت من ... شيوخه النَّوكى وأحداثه
وقوله في غلام جاء يبتغي سراجًا: [من الوافر]
أتانا يبتغي منَّا سراجًا ... مراجًا أشرقت منه الدَّياجي
فقلت وقد تزايد منه عجبي ... وتمَّ به سروري وابتهاجي
فديتك يا غريب الحسن قل لي: ... أيحتاج السِّراج إلى سراج
وقال أيضًا في مثله: [من الخفيف]
قال لي من أحبُّ ليلًا: ألا قم ... فأتنا بالسِّراج فاللَّيل داجي
/٣٨ ب/ قلت: بيت حظي تلألأ أنوارك لا حاجة له وسراج
وقال أيضًا: [من الوافر]
إذا مسك الذَّوائب حلَّ يومًا ... على كافور جسمٍ علَّ راحا
توهَّمناه ليل الهجر غطَّى ... صباح الوصل حتَّى لا صباحا
وقال أيضًا: [من الطويل]
стр. 1201
وكنت إذا هبَّت نسيم بلادكم ... وغنَّى على الأيك الحمام وناحا
ركبت إليكم مركب الشَّوق إذ غدت ... دموعي بحارًا والزَّفير رياحا
وقوله: [من السريع]
مجلسنا اللَّيلة خالٍ من الأضداد حالٍ بالوجوه الصِّباح
فاطلق بميدان الهوى والصِّبا ... عنان طرف اللَّهو حتَّى الصَّباح
لا تحفلن فيما يقول العدا ... فما على ذي صبوةٍ من جناح
وقوله في غلام أسود راكب على فرس أشهب: [من الوافر]
وطرفٍ أشهب يختال تيهًا ... بريمٍ أسودٍ حلو المزاح
فقلت لصاحبيَّ: ألا أخبراني ... متى ركب الظَّلام مطا الصَّباح
/١١٧ أ/ وقوله: [من الخفيف]
هتفت بالصَّبوح قبل الصَّباح بنواحي العبّار ذات نواح
فاسقنيها حمراء بكرًا تعيد اللَّيل صبحًا من كفِّ بكرٍ رداح
وقال لأبي الحسن علي بن يوسف العطار ﵀ وكان صديقه:
[من الطويل]
أبا الحسن بن الأكرمين ومن غدا ... هواه بأثناء الجوانح راسخا
ومن خصَّ طبعًا بالبلاغة فانبرى ... بجامع ديوان التِّلاوة ناسخا
كذا أبدًا لا زال جاهك شاملًا ... وظلُّك ممدودًا ومجدك شامخا
فإنِّي متى أنزل ببابك أعتصم ... واحتلَّ طودًا باسق الفرع باذخا
واقتضى عليه الملك الأمجد أن ينظم في الروض والسواقي، فقال بديها:
[من الرجز]
أنظر إلى تلك السَّواقي إذ غدت ... تجري خلال روض ناديها النَّدي
كأنَّها صوارمٌ من فضَّةٍ ... قد جرِّدت من قرب الزَّبرجد
وجنَّةٌ قد فرشت أرجاؤها ... بسندسٍ مقضَّبٍ معمَّد
стр. 1202
قد رقمت كفُّ النَّسيم بردها ... بعندمٍ وفضَّةٍ وعسجد
/١١٧ ب/ كأنَّما قد سرقت خلائقًا ... من بعض أخلاق المليك الأمجد
وله في مغن: [من الطويل]
ألا بأبي شادٍ إذا جسَّ عوده ... وغنَّى تناسينا الغريض ومعبدا
وتحسب في فيه هزارًا مغرِّدًا ... إذا رجَّع التَّغريد فينا وردَّدا
وقال: [من الكامل]
دع ذا النَّميمة لا تصاحبه وكن ... من كيده متخوِّفًا متعوِّذا
فمتى تسالمه تسالم عقربًا ... ومتى تحاربه تحارب قنفذا
وله أيضًا: [من الكامل]
يا حمص جادك من دموعي وابلٌ ... إن لم يجدك من السَّحاب رذاذ
فلأنت مغنًى للخلاعة والهوى ... رحبٌ وللصبِّ المشوق ملاذ
وقوله: [من الكامل]
لله من ينسيك لؤلؤ لفظه ... وجمان مبسمه قلائد نحره
قمرٌ خشيت عليه نقصًا إن بدا ... تمًّا فلمَّا تمَّ كان بخصره
وقال أيضًا: [من المجتث]
يا من تذلُّ به للورى نفوسٌ عزاز
/١١٨ أ/ ومن تحرَّزت منه ... لو ينفع الإحتراز
أجزا القطيعة بالوصل فالحياة مجاز
مسك العذار لكافور وجنتيك طراز
وقوله: [من الخفيف]
لي حبيبٌ به غنيت عن الرَّوض نضيرًا وعن تناول كاس
لحظه نرجسي وخدَّاه وردي ... ولماه راحي وصدغاه آسي
وله في غلامٍ إسمه حيش: [من السريع]
من مبلغٌ حيشًا بأنَّي امرؤٌ ... لم يصف لي في حبِّه عيش
стр. 1203
وما لقومي إن أمت حسرةٌ ... فقاتلي دون الورى حيش
وقال في حجر الرجل: [من البسيط]
لمَّا عجزت ومثلي اليوم يعجز عن ... تقبيل راحة مغلي الحمد مرخصه
أرسلت إذ لم تكن لي حيلةٌ حجرًا ... ينوب عنِّي في تقبيل أخمصه
وقال: [من البسيط]
أصار قلبي لسهمي لحظه غرضًا ... حتَّى كأنَّ له في قتلتي غرضا
قاسٍ إذا قعدت جنّ الغرام به ... عن قتل من رام منه ليته نهضا
/١١٨ ب/ يظلُّ يسخط من قول المحبِّ له ... منك الصُّدود ومنِّي بالصُّدود رضا
وقوله في صباه: [من الكامل]
قال الطَّبيب غداة منِّي قطِّعت ... للعائدين علائقٌ ونياط
كيف العليل وما عراه وما به ... قالوا له: الإعلال والأخلاط
فأشار نحوي بالفصاد وقال: من ... شرط الجوى المبضاع والمشراط
واستأنف التَّسال عن يد الجوى ... فأجبته: الأصداغ والأقراط
فثنى أعنَّته وولَّى قائلًا: ... لا يستطيع شفاءه بقراط
وقال أيضًا: [من الوافر]
إذا اقتسم الخلائق كلَّ حظٍّ ... جعلت الحزن لي قسمًا وحظَّا
ولو وعظوا بمن أهواه حتَّى القيامة لست أسمع فيه وعظًا
حبيبٌ مقلتاه تنام عمَّن ... يبيت .... في الحبِّ يقظى
حكى بدر الدُّجى وجهًا وغصن النَّقاقدّا وريم الرَّمل لحظا
وناضر ورده بشرًا ونشرًا ... ولؤلؤ عقده ثغرًا ولفظا
وله أيضًا، وقد سأله غلام جميل أن /١١٩ أ/ ينظم له بيتين يكتبهما على بيضة مصوغة حمراء: [من الكامل]
لمَّا حكت بنقائها لك مبسمًا ... يا ذا المراشف واللُّمى الممنوع
قبَّلتها وبكيت إذ قبَّلتها ... من لوعةٍ فخضبتها بدموعي
وقال: [من الخفيف]
стр. 1204
بأبي ثمَّ بي وبالمال من أصبح شغلي دون الورى وفراغي
من إذا رمت قطف تفَّاح خدَّيه حمته عقارب الأصداغ
وقال: [من الكامل]
يا صاحبيَّ استعطفاه وقبِّلا ... يده وأخمصه ..... عطافه
وتلطَّفا وسلاه علَّ من الجوى تنتاش أنفسنا يدا ألطافه
قولا: محبُّك مذ تملَّكه الهوى ... صافاك محفوظ الوداد فصافه
أوردته بجواك مورد حتفه ... فتلافه بالوصل قبل تلافه
وله في غلام إسمه مصبح: [من الكامل]
أزرى بك اسمك يا مصبِّح مثل ما ... أزرى بذات الحسن ثوبًا أخلقا
لو وافق إسمك حسن وجهك لم تجد ... في الخلق إلَّا مغرمًا بك مقلقا
وقال /١١٩ ب/ وقد رأى غلامًا جميلًا لابسًا ثوبًا أحمر، فقال بديهًا:
[من الرمل]
لبس المحبوب ثوبًا أحمرًا ... فأرانا قمرًا في شفق
قلت: ماذا؟ ، قال لي وافترَّ عن ... مبسمٍ مثل اللآلي النَّسق:
نفضت صبغة خدِّي فوقه ... قلت لا بل أدمع الصَّبِّ الشَّقِّي
وقوله: [من المجتث]
عجبت من فرط عجبك ... ومن قساوة قلبك
ومن جميل اعتقادي ... بالصَّفح عن عظم ذنبك
عاقبت ظلمًا وما خفت من عقوبة دمِّك
كم قد عتبت وكم قد ... أعتبت خيفة عتبك
وقال في غلام جميل فوّق إليه سهمًا: [من الكامل]
يا من بأسهمه يحاول قتلتي ... مهلًا فمثلك من لمثلي يمهل
اقتل بسهم اللَّحظ منَّا من ترد ... فسهام لحظك من سهامك أقتل
وقال في غلام رمد: [من الكامل]
/١٢٠ أ/ لمَّا سللت سيوف لحظك في الورى ... عمدًا لقتلة كلِّ صبٍّ مغرم
стр. 1205
وجحدت فعلتها الَّتي فعلت بنا ... ظلمًا ومن يعط اقتدارًا يظلم
ظهر احمرارًا في جفونك شاهدًا ... من بعد ما قتلت وأوَّلها دمي
وله في غلام جميل إعتمّ بعمامة: [من المتقارب]
أتاني بعمَّته من أحبُّ ... فأضحى رشادي لديه ضلاله
وخيِّل لي أنَّ بدر السُّعود ... قد ألبسته يد الحسن هاله
وقال أيضًا في غلام جميل سلّ عليه خنجرًا بطريق المجانة: [من الكامل]
قد قلت لمَّا سلَّ فينا خنجرًا ... ومدامعي في وجنتي سجوم
لا تشهرنَّ على المتيَّم خنجرًا ... فكفاه خنجر لحظك المسموم
أبني تنوخٍ إن قتلت فقاتلي ... بصدوده دون الورى أبراهيم
وقوله أيضًا: [من الخفيف]
عاذليَّ انظرا إلى وجنتيه ... واعذراني في الحبِّ أو فاعذلاني
وجنّات ... باللُّطف والرِّقَّة بين الأمواه والنِّيران
/١٢٠ ب/ وقال: [من الخفيف]
ركن صبري ... واهي ... يا قليل الأنداد والأشباه
يا نفورًا قد ألَّف الحسن في خدَّيه بين النِّيران والأمواه
صل محبًّا لم يثنه لحي لاح ... عن هوان الهوى ولا نهي ناحي
مغرمًا ما لها بغيرك يا ذا الحسن يومًا وأنت عنه لاهي
كنت حرًّا قبل الهوى غير أنِّي اليوم عبد لعبد عبد الله
وقال أيضًا: [من السريع]
يا أيُّها النَّاس اتَّقوا ربَّكم ... واخشوا لظًى نزَّاعةً للشَّوى
واجتنبوا الفحشاء فهي الَّتي ... تحلُّكم في البعث دار التَّوى
لا تقربوا المردان دون النِّسا ... فإنَّها فاحشةٌ تجتوى
واغتنموا موعظتي فيكم ... فهي لأدواء المعاصي دوا
وقال: [من المجتث]
لا عيش للمرء إلَّا ... بشرب كأس الحميَّا
стр. 1206
فاشرب وحيي بها صاحبًا بها لك حيَّا
صفراء كالتِّبر لونًا ... أو كاليلنجوج ريَّا
/١٢١ أ/ تنبيك ريقة سعدى ... طعمًا ونكهة ريَّا
من كفِّ أغيد حلو الأعطاف حالي المحيَّا
بدرٌ .... بالشمس ..... بالثريَّا
أقسمت لا حلت عنها ... وعنه ما دمت حيَّا
واعذر أخاك فقلَّما ... تجدي الملامة شيَّا
فقد أرى الغيَّ رشدًا ... بالرَّاح والرُّشد غيَّا
[٤٧٨]
عليُّ بن سنان أبو الحسن الحلبيُّ، المنعوت باللطيف السَّراج.
كان رجلًا عاميًا لم يعرف الأدب، ويحبّ معاشرة أهل العلم والفضل، وربّما جاد خاطره بشيء من الشعر لا بأس به؛ وقع إليّ كتاب من تصنيفه سمّاه: "سلوة الإنسان عن محبّة الأخوان" وضمّنه قطعًا من شعره.
وتوفى في حدود ست وستمائة. سمع أستاذ حمّاد البزاعي، ومحمد بن الدرزار الحريري، وابا فراس محمد بن أبي الفرج النحوي الحلبي، وسعيد بن عبد الله الحريري وغيرهم. ومن شعره: [من الكامل]
سفهًا لدهر ليس يصفو أمره ... إلَّا وكدَّر صفو ذاك المنهل
/١٢١ ب/ ولأهله فلقد بلوت عجائبًا ... من غدر كلِّ مماذقٍ متمحِّل
بينا تراهم في الرَّخاء معاشرًا ... جليت مودَّتهم لعين المجتلي
حتَّى يعود ودادهم [ذمًّا] إذا ... ما عاينوا بؤسًا أناخ بكلكل
وله: [من البسيط]
بؤساك يا دهر والنَّعماء واحدةٌ ... والنَّفع والضُّرُّ عندي فيك سيَّان
عادت صروف اللَّيالي كلَّ ذي ثقةٍ ... فما تخالل إلَّا كلَّ خوَّان
стр. 1207
كم قد تأمَّلت أقوامًا فخلتهم ... سادات قومٍ وما هم غير سيدان
بالله أقسم لم تظفر يداي ولا ... إنسان عيني في الدُّنيا بإنسان
وله: [من الوافر]
نعم لا نكر للمعروف عندي ... تساوى النَّاس كلُّهم لديَّا
تباغض لي حبيبهم عنادًا ... وساء فعال محسنهم إليَّا
إذا ما قلت هذا المرتضى لي ... ثناه الحظُّ مسخوطًا عليَّا
وإن حاولت من ولدي انتصافًا ... مضى [و] الجور يتبع والديَّا
فما ذنبي لديهم ليت شعري ... وما أحتال فيهم يا أخيَّا
إلى الله الشِّكاية من زمانٍ ... أرى لا شيء فيه صار شيَّا
وله من أبيات: [من الوافر]
/١٢٢ أ/ أعاين ما أعاين من أناسٍ ... بلوتهم امتحانًا واختبارا
إذا ما اخترت من أبناء دهري ... أخا أنسٍ لعنت الإختيارا
يلازمني ويصحبني كأنِّي ... أصاحبه اختيارًا لا اضطرارا
أفخر الدِّين كم تغضي حياءً ... على من ما أرى فيه وقارا
وله: [من الطويل]
وقد رابني وجه الصَّديق وقوله ... فلا وجهه طلقٌ ولا قوله صدق
يئست به من كلِّ خيرٍ رجوته ... لعلمي أنَّ الودَّ من مثله مذق
وله: [من الطويل]
وزهَّدني في كلِّ خلٍّ صحبته ... تجاريب تدعوني إلى الزُّهد في النَّاس
وله: [من مجزوء الرجز]
ما أكثر الأخوان للإنسان في الفوائد
نعم وما أقلَّهم للمرء في الشَّدائد
كم صاحبٍ شرقت منه بالزُّلال البارد
стр. 1208
كان قريبًا فغدا ... من جملة الأباعد
وكم أخٍ لي قد رمى ... قلبي بسهمٍ صارد
/١٢٢ ب/ أقصدني لمَّا نوى ... لي عن ...... قاصد
واحربا من معشرٍ ... عليَّ بالمراصد
يبدون قولًا صالحًا ... وراء فعلٍ فاسد
فيالها مكيدةً ... من أعظم المكائد
وكتب إلى بعض أصدقائه. وكان له سماع مطرب وغيره مفرطة: [من المنسرح]
إن شئت فاستر على سماعك أو ... إن شئت يومًا فعطِّل السترا
فإنَّ عندي من العفافة ما ... تحمده منظرًا ومختبرا
أمكِّن أذني من السَّماع ولا ... أمكَّن ألحاظ عيني المنظرا
[٤٧٩]
عليُّ بن عبد الجبار بن محمدٍ بن عليِّ بن عبد الرحمن، أبو الحسن القيروانيُّ، الكاتب المعروف بابن الزَّيات.
ولد بسوسة -مدينة بالغرب منها يسير القاصد إلى السُّوس الأقصى- ونشأ بتونس، وتأدب بها؛ ثم خرج عنها إلى الديار المصرية وبلاد الشام، ثم ألقى ..... /١٢٣ أ/ بالموصل، ونزل المدرسة البدرية المطلّة على دجلة، واستقرّ بها مقامه إلى أن توفي بها آخر نهار يوم الثلاثاء ثاني عشر شعبان سنة ثلاث وعشرين وستمائة، ودفن يوم الأربعاء داخل المدينة بمقبرة الجامع العتيق قبليَّه -تغمده الله برحمته-.
وكان رجلًا قصيرًا أسمر اللون خالطه المشيب عفيفًا مصونًا؛ له عناية بإنشاء الرسائل، وقرض الشعر. ويحفظ من الأشعار جملة وافرة، ومن أقاويل الأندلسيين؛ وله فصول من إنشائه ومكاتبات مليحة، ونظم حسن وبلاغة. وسمع كثيرًا من الحديث
стр. 1209
النبوي.
وكان في أخلاقه زعارة، حادّ المزاج، يتعصب لأهل الغرب تعصبًا مفرطًا، صحبته بالموصل مدّة، وكتبت عنه شيئًا من شعره وشعر غيره.
أنشدني لنفسه ما كتبه إلى بعض الوزراء -واسمه يوسف- ويصف قلمه ويهنئه بعيد النحر في أثناء رسالة: [من الكامل]
أبطرفه أم ثغره أم ريقه ... شبَّ الهوى في القلب نار حريقه
أم ليله الغاشي صباح جبينه ... أم خدِّه أورى شعاع رحيقه
/١٢٣ ب/ نشوان أولع ردفه بقوامه ... ولع الفؤاد إذا بدا بخفوقه
يا ناظرًا بعقوقه هب ناظري ... سنة الكرى لمَّا سخا بعقيقه
إنسان عيني قد قضى من دمعها ... في بحره وارحمتا لغريقه
ومنها يصف القلم:
وبمهجتي الألمى الَّذي في كفِّه ... لا اثم معتدل القوام رشيقه
إذ غيثنا من سحبه ومقيلنا ... في ظلِّه وحياتنا من ريقه
ومنها في وصفه أيضًا:
علمٌ لدى كلِّ المكارم في يدٍ ... تعلو فيعلو القصد عند خفوقه
بل صيِّبٌ يهمي المنايا والمنى ... بأسًا وجودًا في خلال بروقه
يا مالكًا أولى فأظهر صنعه ... فرجًا على ضنك الزَّمان وضيقه
هنِّيت بالعيد المبارك بالغًا ... أملًا رجوت الله في تحقيقه
ما بين نحر عدًا وعرفٍ ..... ... من ترك الشكور عرف خلوقه
أبدًا لشتَّى المكرمات مجمِّعًا ... ما تعجز الأيَّام عن تفريقه
ما زاد من صدق الثَّناء ليوسفٍ ... في الحمد بل أثنى على صدِّيقه
وأنشدني أيضًا لنفسه /١٢٤ أ/ يمدح نجم الدين أبا الفتح يوسف بن الحسين بن المجاور الدمشقي بمصر -وزير الملك العزيز عماد الدين عثمان بن يوسف بن أيوب
стр. 1210
صاحب الديار المصرية-: [من الكامل]
منعت رقيب الحيِّ أن يترقَّبا ... وبدت وحشو نقابها لن يحجبا
طلعت فقلنا: الشَّمس لاحت مشرقًا ... وثنت فقلنا: البدر أمَّ المغربا
ماست فكان الغصن طيَّ وشاحها ... ورنت فخلناها تحاكي الرَّبربا
سحبت على حين الوفا أذيالها ... جرَّ الرِّياح ذيولهنَّ على الرُّبى
ونظرت من خلل البرود مفضضًّا ... لبنانها قد صيَّرته مذهبا
ورأت بياض الفجر لاح فأعرضت ... فرقًا وطلق .... مقطِّبا
أفرقت أن نمَّ الصَّباح بمفرقي ... وزجرت للتفريق كافور الصِّبا
لا تعتبي شيئًا ألمَّ بلمَّتي ... إنَّ المشيب غبار معترك الصَّبا
أصحبت وصل الهمِّ ثمَّ صدقتني ... فرددته همًّا به إذ أصحبا
عذبات فرعك يا سعاد لعاشقٍ ... لو لحن أنوار لخال الغيهبا
/١٢٤ ب/ كم قد بذلت عذابه في هجره ... ومنعته عذبًا برودًا أشنبا
ولَّت وقد ضحَّت فضول أزارها ... تيهًا يزيد المغرمين تعجُّبا
عطفت على باب الوزير ...... ... غادرن قلبي بالسَّقام مقلَّبا
تشكو بنو الأيَّام لابن مجاورٍ ... كيما يؤِّنب منهم من أذنبا
أعني أبا الفتح الَّذي دانت له ... رتب الوزارة ... فاغربا
العالم الفطن الجواد المرتضى ... أكرم به من سيِّدٍ ما أخطبا
لله يوسف في صفات سميَّة ... لمَّا أرانا منه خلفًا مذهبا
صدَّقت يا خدن العزيز محاسنًا ... تبدو مخايلها لعينك خلَّبا
ودعيت نجم الدِّين لمَّا كنته ... وطلعت في أفق المعالي كوكبا
فأذعت دين الجود عند خموله ... ونسخت شرع البخل لمَّا أرهبا
بضئيل أقلامٍ جعلت مداده ... حدًّا يقلِّم في الخطوب المقضبا
وجررته كيما يقال مثقَّفًا ... وهززته كيما يقال مشطَّبا
ومن نثره من كتاب كتبه جوابًا عن كتاب وصل من أخيه من المغرب. وكان بلغه
стр. 1211
أنَّ صاحب أفريقية أحضره /١٢٥ أ/ مجلسه فكتب إليه جواب كتابه، فكان منه:
"وكلما إطمأنت النفس بعافيته، ..... إلى الإقامة ناداها النزوع إليه: ﴿يا أيَّتها النَّفس المطمئنَّة ارجعي﴾، وكلما أفاضت الذكرى العبرة، قال كتابه الكريم لسحاب الجنوب: ﴿يا سماء أقلعي﴾، وكلّما عاودت الملاحظة بحظه السعيد ... الخاطر السمع يا أذني شوقي ..... وردت أخباره الكريمة على ألسن الواردين، ألطف من نسيم الأسحار، وأسفرت وجوه وجاهته فلا كرامة للنهار المنهار، فهيّجت ذكرى، وأوجبت حمدًا وشكرًا.
وقال بها الشوق للقلب:
﴿إنَّك لن تستطيع معي صبرًا﴾، وجددت شكر النعمة المتحدّث بها على ما وهب الله مولاي .... من العلوم التي كل وجوهها حسنة، وأهلَّه بها لحضور المجالس التي هي صدور لا حرجة ولا خشنة، وخصّه بالفوز منها بمعاني الفضل التي كلها عيون لا يأخذها نوم ولا سنة؛ لا برح مجدها دافعًا في صدور المواكب، وعرفها مخجلًا ما هتن السواكب، وتراب مواكبها طارفًا طرف النوائب، /١٢٥ ب/ والحديث عن جودها مع كثرته معدود من العجائب".
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الكامل]
شفق الحياء بوجنتيه طلوعه ... ظبيٌ بجفني في الهجير ربيعه
قد حلَّ الحياء منه مواده ولشوقه ... لا تستقلُّ مع الزَّمان دموعه
فبحسنه ينهى ويأمر مهجتي ... فالعين تبصر والفؤاد يطيعه
يكرى معافى القلب من برحائه ... خلوًا وقلب جريحه ملسوعه
درس الخلاف فما يقول مسلمٌ ... منِّي وقولي كلُّه ممنوعه
أفساد وضعٍ في سؤال محبِّه ... أم أصله قد خالفته فروعه
стр. 1212
تقرير فتوى الحبِّ منه معارضٌ ... وبنقضه نظر الهوى مقطوعه
أرهقت بين دليله ودلاله ... لمَّا ترجَّح في الدَّليل شروعه
الاقصاص .... في رأيه ... يا ليت شعري ما يكون صنيعه
وأنشدني أيضًا قوله: [من البسيط]
وأغيد من .... الشَّام ذي دعج .... يوسف من أذى صواحبه
أذاب قلبي ..... ... ومال للتّرب جسمي من ترائبه
ما شام عن مهجتي .... ... إلَّا رمانا بنبلٍ قوس حاجبه
[٤٨٠]
/١٢٦ أ/ عليُّ بن المقرب بن منصور بن المقرب بن الحسن بن عزيز بن ضبّار بن عبد الله ابن عليِّ بن محمد بن إبراهيم بن محمدٍ، أبو عبد الله الربعيُّ البحرانيُّ العيونيَّ.
هكذا أملي عليّ نسبه من حفظه -وهو من موضع بالبحرين يقال له العيون-.
أخبرني أنّه ولد به في سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة. وتوفي به أواخر المحرم
стр. 1213
سنة ثلاثين وستمائة.
وكان شاعرًا مجودًا منتجعًا كثير المدح، قليل الهجاء، جيد القول متينه، قوي اللفظ رصينه. وهو أحد الشعراء الموصوفين المشاهير في عصرنا، المعروفين، أقرّ له بالحذق آية العراق من ذوي الأدب والعلم، ومذهبه في الشعر مذهب الشعراء المتقدمين في جزالة الألفاظ، وإبداع المعاني.
رحل إلى الملوك وامتدحهم فأحسن، ومدح الخلفاء الراشدين -صلوات الله عليهم-؛ الناصر لدين الله، والظاهر، والمستنصر بالله ﵀.
شاهدته بمدينة السلام سنة ثلاث وعشرين وستمائة، وأنشدني الكثير من قوله؛ ومعظم شعره يحفظه ويورده، ولم يتوقف في إيراده، ولا يجد /١٢٦ ب/ بذلك سامة ولا ضجرًا.
ومن شعره يقول من قصيدة يمدح بها مولانا الملك الرحيم بدر الدنيا والدين عضد الإسلام والمسلمين تاج الملوك والسلاطين ملك أمراء الشرق والغرب؛ أبا الفضائل غرس أمير المؤمنين -كبت الله أعاديه وقصم ضدّه ومناويه-: [من البسيط]
حطُّوا الرِّحال فقد أودت بها الرَّحل ... ما كلِّفت سيرها خيلٌ ولا إبل
هذا هو الملك بدر الدِّين خير فتًى ... به تعلَّق للراجي الغنى أمل
هذا الَّذي لو يباري فيض راحته ... فيض البحار لما أضحى بها بلل
هذا الَّذي بالنَّدى والبأس يعرفه ... وبالتُّقى كلُّ من يحفى وينتعل
وهي قصيدة طويلة، ولم أجد منها سوى ما ذكرته فان عثرت بباقيها الحقته في مكانه -إن شاء الله تعالى-.
وأنشدني لنفسه في التاريخ المقدم ذكره: [من البسيط]
إلى م أورد عتبًا غير مستمع ... وأنفق العمر بين اليأس والطَّمع
стр. 1214
وكم أحيل على الأيَّام مغتربًا ... ما يحدث البدع النَّوكى من البدع
آليت أنفكُّ من حلٍّ ومرتحلٍ ... وأن تقول لي الآمال: خذ ودع
/١٢٧ أ/ لا صاحبتني نفسٌ لا تبلِّغني ... مراتب العزِّ لو في ناظر السَّبع
سيصحب الدَّهر منِّي ماجدٌ نجدٌ ... لو داس عرنين أنف الموت لم يرع
أأقبل النَّقص والآباء منجبةٌ ... والبيت في المجد ذو مرأى ومستمع
لأركبنَّ من الأهوال أعظمها ... هولًا وما يحفظ الرَّحمان لم يضع
ولا أكون كمن يسعى وغايته ... ومنتهى سعيه للريِّ والشِّبع
أيذهب العمر لا يخشى معاندتي ... خصمي وجاري بقربي غير منتفع
وبين جنبيَّ عزمٌ يقتضي هممًا ... لو ضمَّها صدر هذا الدَّهر لم يسع
فلا رعى الله أرضًا لا أكون بها ... سمًا لمستوكفٍ غيثًا لمنتجع
كم عاين الدَّهر منِّي صبر مكتهلٍ ... إذ ليس يوجد صبر العود في الجزع
وكم سقاني من كأسٍ على ظمأ ... أمرَّ في الطَّعم من صابٍ ومن سلع
وما رمتني بكرٌ من نوائبه ... إلَّا قتلت وصبري هامد الجزع
سلاه خلا عني هل صحبتهم ... يومًا من الدَّهر إلَّا والوفاء معي
ألقى مسئيهم بالبشر مبتسمًا ... حتَّى كأن لم يخن عهدًا ولم يضع
وسلهم هل وفى لي من ثقاتهم ... حرُّ ولم يشري في نقصي ولم يبع
ثكلتهم ثكل عينٍ ما تبطَّنها ... من القذى أو لثكل العضو للوجع
/١٢٧ ب/ لقد تفكَّرت في شأني وشأنهم ... فبان لي أنَّ ذنبي عندهم ورعي
فاه من زفراتٍ كلَّما صعدت ... في الصَّدر كادت تورِّي النَّار من ضلعي
يسوقها أسفٌ قد ثار من ندمٍ ... يربي على ندم المغبون من كسع
وليس ذاك على مالٍ نعمت به ... حينًا وأفناه صرف الأزلم الجذع
ولا على زلَّةٍ أخشى عواقبها ... والنَّاس حزبان ذو أمنٍ وذو فزع
لكن على دررٍ تزهو جواهرها ... في عقد كلِّ نظامٍ غير منقطع
стр. 1215
توَّجتها معشرًا لا أبتغي عوضًا ... فيها وإنِّي في قومي لذو قنع
وكنت أولى بها منهم وكم مننٍ ... ضاعت وما فائتٌ يمضي بمرتجع
وغرَّني منهم لفظٌ خدعت به ... والنَّاس ما بين مخدوعٍ ومختدع
فلو يكون إلى الأصداف نسبتها ... لكان ... يلهي عن الهلع
لكنَّها الجوهر الطَّبعيُّ قد أمنت ... من التَّشظِّي مدى الأيَّام والطَّبع
ليبعدنِّي عنهم شكُّ ناجيةٍ ... وجناء عقلٍ من التَّوقيع والرقع
أو ذات قلعٍ من العيناء ما عرفت ... في زجرها ... يومًا ولا هدع
ولا رعت عند حمل الثِّقل من ضجرٍ ... ولا إلى هبعٍ جنَّت ولا ربع
تجري مع الرِّيح إن هونًا وإن مرحًا ... فنعم مطلعه من هول مطَّلع
/١٢٨ أ/ فتلك أو هذه أجلو الهموم بها ... إذا تطاول ليل العاجز الضَّرع
يأبى لي المجد أن أرضى بغير رضًا ... ورأي ماضٍ وعزمٍ غير مفترع
ما أقبح الذُّل بالحرِّ الكريم وما ... أسوا وأقبح منه ...
مالي أجمجم في صدري بلابله ... ومنكب الأرض ذو منأى ومتَّسع
وكلُّ أرضٍ إذا يمَّمتها وطني ... وكلُّ قومٍ إذا صاحبتهم شيعي
ولي من الفضل أسناه وأشرفه ... وهمَّةٌ جاوزت بي كلَّ مرتفع
المجد أعتق والآداب بارعة ... وذروة الحمد مصطافي ومرتبعي
لي النَّباهة طبعٌ قد عرفت به ... وكلِّ معنًى من الألفاظ مخترع
فيأسكم من رجوعي بعد منصرفي ... نطاف دجلة تغنيني عن الجرع
سيعرف الخاسر المغبون صفقته ... منَّا ومن ضيَّع البازي بالوضع
لا خير في منزلٍ يشقى الكرام به ... ويلحق السَّيِّد المتبوع بالتَّبع
كم ... قومي لا بل كم أمرتهم ... بحسم داء العدا فيه فلم أطع
فلم أجد بعد يأسي غير مرتحلي ... عنهم لهمٍّ أسلِّيه ومتدع
فإن يريعوا أرع والعقل مكتئب ... والرَّبع خيرٌ ومن للعمي با ....
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الطويل]
стр. 1216
/١٢٨ ب/ وقائلةٍ والعيس تجدح للنوى ... ودمع الجوى في الخدِّ قد جال جائله
عليك بصبرٍ واحتسابٍ فإنَّما ... يفوت الثَّنا من راح والصَّبر خاذله
ولا ترم بالأهوال نفسًا عزيزةً ... فذا الدَّهر قد أودى وقامت زلازله
فكم كربةٍ في غربةٍ ومنيَّةٍ ... بأمنيَّةٍ والرِّزق ذو العرش كافله
فقلت لها والعين شكرى بزفرةٍ ... أردِّدها والصَّدر جمٌ بلا بله
أبالموت مثلي ترهبين وبالنَّوى ... وعاجله عندي سواءٌ وآجله
فللموت أحلى من حياةٍ ببلدةٍ ... يرى الحرُّ فيها ... من لا يشاكله
[٤٨١]
عليُّ بن يوسف بن محمد بن عبد الله بن شيبان بن الحسن بن عامر بن عبيد الله، وهو من بني كنّاز بن خليد بن عبد الله بن نمير بن عامر بن صعصعة بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان، أبو الحسن النميريُّ الماردينيُّ، المعروف بابن الصفار.
أخبرني أنه ولد بماردين سنة خمس وسبعين وخمسمائة ونشأ بها، وحفظ القرآن الكريم، ونظر في علم العربية، وكتب الإنشاء للملك المنصور /٣٩ أ/ ناصر الدين أرتق بن ألبي بن أيلغازي بن ألبي بن أرتق -صاحب ديار بكر- ثم عزل عن الكتابة، وتولّى الإشراف بديوان دنيسر ثماني عشرة سنة.
وهو شاعر في فنه بارع، نجمه في سماء الشعر طالع، له المعاني الغريبة،
стр. 1217
والألفاظ العجيبة، يذهب في شعره مذهب أهل الصناعة، ويترامى إلى نوع البديع كثيرًا، قل ما خلا له بيت شعر من ذلك.
صار إلى مدية إربل في أواخر شهر ذي الحجة سنة سبع وعشرين ستمائة مرتزقًا، فصادفته بها، بمجلس الصاحب الوزير أبي البركات المستوفي ﵀ فأنشدني لنفسه فيه، يمدحه من أبيات: [من الكامل]
وعصابةٍ قصروا عليك ثناءهم ... حتَّى فلوا بمديحك الفلوات
قالوا: أمامك محسنٌ أبوابه ... مأوى النَّدى ومظنَّة الحسنات
فانزل بإربل تلقه بفنائها ... شرفًا منيعًا عالي الدَّرجات
وإذا السَّرار رمى بدورك في الغنى ... بالمحق فاسر إلى أبي البركات
تجد امرأ ما غيَّرت أخلاقه ... غير الزَّمان وشدَّة الأزمات
فأتيت نحوك لائذ الأوطان ... ..... ولا يثني الهوى عزماتي
/٣٩ ب/ وأنشدني لنفسه يمدح الملك المنصور -صاحب ماردين- من قصيدة:
[من البسيط]
ما ضرَّ طيفك أن لو زار إلماما ... وأين منِّي كرًى أقضيه أحلاما
لا مضجعي قرَّ من بعد البعاد ولا ... طرفي الَّذي كنت أشكو نومه ناما
ما بتُّ إلَّا وهاج السُّقم عندي أوجاعًا وزاد عليَّ البين آلاما
وساحر الطَّرف ما لي فيه من سحرٍ ... كالرِّيم نال من العشَّاق ما راما
أجبته وهو لا يدري فدام لنا ... طيب الحياة وصفو العيش ما داما
كنَّا نبيت نشاوى من مدام هوى ... عذراء لم تفترع كأسًا ولا جاما
ونجتني الورد حتَّى لان مسمعه ... للنَّاس فازددت من واشيه نمَّاما
قم ننتهز فرص الدُّنيا ولذَّتها ... حينًا ونرغم صرف الدَّهر إرغاما
أما ترى الرَّوض نسَّاجًا ملاءته ... على الثَّرى وغمام المزن رقَّاما
إذا تناثر سلك الطَّل كان له ... في مثله من أصول الدَّوح نظَّاما
خمرًا ألمَّت بخمري البنفسج في ... آسيِّه يدسارٍ هبَّ نسَّاما
ففتَّقته جيوبًا حين صار له ... وصف اللَّطائم لمَّا انشقَّ أكماما
وأصبح النَّرجس البرِّيُّ يعجب من ... نيلوفرٍ شقَّ بحر الماء عوَّاما
стр. 1218
/٤٠ أ/ كأنَّما غلط الأيَّام خوَّله ... نعمى أو الملك المنصور إنعاما
وأنشدني أيضًا من شعره: [من البسيط]
ألمَّ بي طيفكم وهنًا فحيَّاني ... وظنَّ أنَّ الكرى من بعض سلواني
ولم أنم غير أنِّي نمت من كلفي ... بكم فلمَّا ألمَّ الطَّيف أحياني
بنتم فجاب ثموديُّ الحداة بكم ... من قلبي الصَّخر بالوادي فأبكاني
لكن عجبت وراء الرَّكب كيف نجا ... من عارضٍ ممطرٍ فيها لأجفاني
إذا عدمت إصطباري عنك أول يومٍ غبت فيه فكيف الحال في الثَّاني
واحرَّ قلباه من نارٍ تشبُّ به ... وآه من طرفي الجاني بل الجاني
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الطويل]
تعلَّقته أمِّيَّ حسن فماله ... أتى بكتاب ضمنه سورة النَّمل
ومالي أنا المجنون فيه وشعره ... إذا مرَّ بالكُّثبان خطَّ على الرَّمل
وأنشدني قوله: [من السريع]
أمن هلالٍ أنت يا وجهه البادي بهذا المنظر المقمر
وجهٌ من الرُّوم ولكن له ... في الخدِّ خالٌ من بني العنبر
بعني بأعلى ثمنٍ نظرةً ... أحيا بها يا طلعة المشتري
/٤٠ ب/ وأنشدني له من قصيدة: [من البسيط]
كأنَّما مقلتي لمَّا بكيت دمًا ... جراحةٌ فيَّ منها الجسم مجهود
أسوتها بابتسام الثَّغر فامتلأت ... ملحًا ممِّضًّا به للوجد تجديد
كحلت بالحسن أجفاني فما اغتمضت ... ومرَّد الحسن في الأجفان تسهيد
يا جائرًا قبله لم ألف من غصنٍ ... مهفهفٍ لبُّه المنحوت جلمود
شكواي من جفنك الصَّاحي الذَّبول وإن ... تنكر فناظرك السَّكران عربيد
ومنها قوله:
стр. 1219
ولائمٍ في هواكم ربَّما شهد البلوى وكم لي يومٌ فيه مشهود
لسائل الدَّمع نهرٌ منه مطَّردٌ ... من أجله النَّوم عن جفنيَّ مطرود
وأنشدني لنفسه من قصيدة يصف فيها الخمر: [من الكامل]
حمراء لا تدري من العنب الَّذي ... عرفت به عصرت أم العنَّاب
شجَّت فسال لها دمٌّ خضبت به ... الأيدي فنابت عن ذبيح أناب
حتَّى إذا بزل الكؤوس خليطها ... طربت له زبداتها بقباب
وأنشدني لنفسه من قصيدة: [من البسيط]
/٤١ أ/ حتَّى إذا اخضرَّ من ماء الشَّباب عذاره ... كما احمرَّ خدَّاه من الخجل
خافت زمرُّد خطِّيه ذؤابته ... فاستخبأت خلفه فهي ......
وأنشدني لنفسه أيضًا: [من الكامل]
ردَّت يداه إلى ذؤابته ... صدغيه لمَّا أمكن الرَّدُّ
فإذا أساوره ثلاثتها ... فردٌ وكلُّ ثلاثةٍ فرد
وأنشدني لنفسه في قصر النهار، وهو بديع لم يسمع بمثله: [من المتقارب]
ويومٍ حواشيه ملمومةٌ ... علينا تحاذر أن تفرجا
قنصت غزالته والتفتُّ أريد اختها فاحتمت بالدُّجى
وأنشدني له من قصيدة: [من الكامل]
وإذا مررت على السُّويقة حيث طلَّ دمي وحيث أصيب منِّي المقتل
فخذ الأمان من الحسان فسهمهنَّ منصلٌ ووشيجهنَّ مؤلَّل
وإذا رأيت هناك أسمر مشرعًا ... سله متى ابتدع السِّنان الأكحل
ومنها:
كالبدر إلّا أنَّه بقوامه ... وبناظريه وحاجبيه مكمَّل
стр. 1220
/٤١ ب/ والغصن إلَّا أنَّه نضَّارةٌ ... من أجلها ذبل الرِّماح الذَّبل
ومنها في المديح:
لا تخش من عين الكمال فما انتهت ... بك آيةٌ إلَّا ونفسك أفضل
وإذا بلغت ولا تزال زيادةً ... لك في العلا فمتى تتمُّ وتكمل
وأنشدني من قصيدة: [من الكامل]
نازعتها خصر .... كميته ... حالٍ بسمطي ثغرها مقلود
وهممت فاستعصى وفيه رقَّةٌ ... عتق ومنه النَّار وهو برود
وأنشدني أيضًا من أخرى: [من الكامل]
قلبٌ يذوب جوًى فيقطر ذوبه ... من مقلتي العبرى نجيعًا محرقا
وخيال جسمٍ فيه نفس بعوضةٍ ... كادت تطير به إليك تشوُّقا
ومنها:
وعجبت لمَّا اناد غصن قوامه ... فرأيت أعدل ما رأيت وأرشقا
كيف انثنى تحت النَّسيم وما انثنى ... عن عزمه في شملنا فتفرَّقا
وأنشدني لنفسه: [من الكامل]
وغريرةٍ سكرى اللَّواحظ كلَّما ... فترت تنشِّط لوعتي أجفانها
/٤٢ أ/ وإذا دنت فأصاب قلبي طرفها ... غضَّت فأخطأ مهجتي سلوانها
وأنشدني لنفسه، يصف الفهد: [من الطويل]
ومتَّصفٍ بالفتك عند اكتسابه ... على ظفره أثر الدَّماء ونابه
كأنَّ مهاة الفلك لمَّا انتهى به ... مداه إلى سرب المها وانتهى به
رمته بشهب الجوِّ خوف انتقامه ... فأطفأها في عسجدٍ من إهابه
وأنشدني لنفسه مبدأ قصيدة: [من المنسرح]
أما وجفنيك إنَّه قسم ... ما دار لي بالسُّلوِّ عنك فم
стр. 1221
ولا طواني البعاد إلَّا على ... نار أسًى في الفؤاد تضطرم
سرُّ المحبِّين لا يكاد إذا ... امتحنته الصُّدود ينكتم
يجفونه والضَّنى ينمُّ به ... والحبُّ ممّا يذيعه السَّقم
فهل لمن ظلَّ في هواك إلى ... وصلك نهجٌ يبين أو لقم
أم هل لنا عودةٌ بشعب الثَّنيَّات وشعب السعادة ملتئم
وعقد شملي الشَّتيت ..... شتيت الثَّغر فوق العقيق منتظم
ما أنا بالبدع في الغرام ولا ... أوَّل خلقٍ أضلَّه صنم
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الوافر]
/٤٢ ب/ إذّا هبَّ النَّسيم بطيب نشرٍ ... طربت وقلت: إيهٍ يا رسول
سوى أنِّي أغار لأنَّ فيه ... شذاك وأنَّه مثلي عليل
وأنشدني أيضًا من شعره: [من البسيط]
يا أيَّها الرَّشأ المكحول ناظره ... عيني ..... من نارٍ بأحشائي
فرط انغماسك في التَّيَّار حقَّق أنَّ الشَّمس تغرب في عينٍ من الماء
وأنشدني أيضًا قوله: [من الطويل]
يد ابن خميسٍ في الحرام طويلةٌ ... فلا سلمت طولًا ولا وصلت قصرا
يدٌ مثل حرف الشَّرط خفَّت فلم تجز ... على جملةٍ إلَّا اقتضت جملةً أخرى
[٤٨٢]
/٤٢ ب/ عليُّ بن يوسف بن محمَّد بن يوسف بن أحمد بن الحسن، أبو الحسن بن أبي الحجّاج الموصليُّ، المعروف بابن العطّار.
أصله من مدينة النبي ﷺ وهو من أولاد محمد بن أبي بكر الصديق ﵁.
стр. 1222
سألته عن ولادته، فقال: ولدت في أوائل المحرم سنة خمسٍ وثمانين وخمسمائة بالموصل -أطال الله له البقاء- سمع شيئًا /٤٣ أ/ من الحديث على القاضي أبي إسحق إبراهيم بن نصر بن عسكر قاضي السلامية، وأبي عبد الله الحسين بن عمر بن باز الموصلي، وأبي إسحق إبراهيم بن المظفر البرني الواعظ. ولّاه المولى الملك الرحيم بدر الدين أبو الفضائل -ثبت الله دولته- على الزكاة ... وحفظ بيت المال، لما رآه من عقلاء الرجال، عفيفًا عن الأموال.
وهو من رؤساء الموصل المعتبرين، وكبرائها المشهورين، عديم المثل، غزير العقل، من ذوي الأحوال، مشهور بمحاسن الفعال. أحسن الناس خلقًا، وأكرمهم حلقًا، محبوب إلى أهل مصره، أحمع الناس على مدحه وشكره، يجمع كيسًا ولطفًا وبشاشة وظرفًا، ذو معروف وسخاء، وطلاوة وحياء، وديانة ظاهرة، ومروءة وافرة، لم يتعرض بسوء لأحد في حال ولايته. وذلك لكمال عقله ونزاهته، يحبّ أهل الخير والصلاح، وذوي الفضل. وله شعر حسن النمط، خالٍ من السقط، كثير العيون، مصقول المتون.
أنشدني لنفسه، يمدح المولى المالك الرحيم بدر الدنيا والدين، عضد الإسلام والمسلمين ملك أمراء الشرق /٤٣ ب/ والغرب، شرف الملوك تاج السلاطين، بهلوان جهان مرزبان العراق طغرلتكين بلكا أتابك أبا الفضائل غرس أمير المؤمنين -أدام الله دولته وبلغه أمنيته-: [من الخفيف]
كم أناوى في حبِّكم وأعادى ... وضلالي فيكم أراه رشادا
سادتي كارهًا تخلَّفت عنكم ... لا لأنِّي أخلفتكم ميعادا
ما صفا لي من بعد بعدكم العيـ ... ـش فمن لي يردُّ ما لن يعادا
برَّح الشَّوق بي إليكم وصبري ... قلَّ عنكم لكن غرامي زادا
أترى العاشقون قبلي لاقوا ... في الهوى ما لقيت إلَّا كبادا
أم تفرَّدت دونهم بزفيرٍ ... دبَّ في أضلعي وشبَّ اتِّقادا
стр. 1223
يا حبيبًا جفا فأورث قلبي ... نار وجدٍ وجفن عيني سهادا
أنت منِّي حللت في أسود القلب ومن مقلتي عدلت السَّوادا
ما بحظِّي إلى الحضيض أراه ... منك يهوي لتشمت الحسَّادا
ما .... من يصفيك ودًّا وحبًّا ... ويفدِّيك أن يثاب بعادا
لا تكن جائرًا عليه من الدَّهر الَّذي لم ينل كريمًا مرادا
يضع الفاضلين ظلمًا ولؤمًا ... دائمًا ثمَّ يرفع الأوغادا
/٤٤ أ/ رمت من صرفه السَّلامة لمَّا ... لم أجد مغنمًا فزاد عنادا
فطلبت الفرار منه إلى ظلِّ مليكٍ فاق الملوك وسادا
فوجدت البرَّ الرَّؤوف الرَّحيم العالم العامل الحليم الجوادا
ملجأ القاصدين كهف المساكين ومن عفوه النُّفوس أفادا
والَّذي الموت والحياة لديه ... فهو أحيا سلمًا وحربًا أبادا
جلَّ عن أن ... مالا يداه ... ملكٌ كلَّما تلفَّظ جادا
لا يرى بذله الدَّنانير جودًا ... إذ سواه يميحها القصَّادا
فإذا جادت الملوك بتبرٍ ... شرفت نفسه وأعطى بلادا
ناده يا أبا الفضائل عند الكرب والهمِّ تلف خير منادى
يغني الفقر يكشف الضُّرَّ يحمي الجار بالسَّيف يهلك الأندادا
جوده وابلٌ أصاب جميع الخلق والعدل منه عمَّ العبادا
يا مليكًا يسرُّ كلَّ ودودٍ ... فعله حين يرغم الأضدادا
أنت روحٌ حللت في كلِّ ذا العالم إذ أصبحوا لك الأجسادا
قد كفاني إنشاد مدحك فخرًا ... لي يا من أسَّ الممالك شادا
وخطيبٌ أثنى عليك كفاه ... شرفًا ذاك إذ رقى الأعوادا
/٤٤ ب/ بك مولاي حين هنَّوك بالعيد أهنِّي الزَّمان والأعيادا
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الخفيف]
لا أرى البرَّ في البريَّة إلَّا ... من لهم برَّ بالعطا والصِّلات
لا الَّذي الذي صام في الهجير وأمسى ... قائمًا ليله مقيم الصَّلاة
وأنشدني لنفسه أيضًا من قصيدة أولها: [من الخفيف]
стр. 1224
يا خليليَّ بالفلا خلِّياها ... تقطع البيد في الدُّجى بخطاها
شمِّراها فإنَّها قد براها ... بالفيافي الجوى وجذب براها
واستقلَّا على ظهور مطيٍّ ... قد حناها حنينها ووجاها
لاتني في مسيرها وهي أهدى ... في الظَّلام البهيم ممَّن حداها
غنِّياها بذكر من صرع العشق وأودى الهوى ولا تزجراها
فلها حرمةٌ على كلِّ صبٍّ ... روَّحته بي راحةٌ بعناها
[٤٨٣]
عليُّ بن المعافى بن إسماعيل بن الحسين بن الحسن بن أبي الفتح بن أبي السنان، أبو الحسن بن أبي محمدٍ الموصليُّ.
أخبرني أنّه ولد ليلة الخميس الرابع والعشرين /٤٥ أ/ من شوال سنة خمسٍ وتسعين وخمسمائة. حفظ القرآن العزيز، وسمع الحديث على جدِّه لأمّه أبي محمد عبد الله بن الحسن. وتفقه على مذهب الإمام الشافعي ﵁ وأتقنه فهمًا. وصار بالمدرسة القاهرية معيد درس القاضي أبي الفضل عبد الكريم بن محمد بن مهاجر الموصلي. وتولّى تدريس بعض المدارس بالموصل.
وهو مفتي البلد في وقته، وإليه يرجع في الفتاوي، وبقوله يأخذ الناس؛ وهو فقيه عالم مناظر فاضل له معرفة بالتفسير.
أنشدني لنفسه يرثي والده: [من الرمل]
خلِّ ذكراك لمن للعهد وافى ... واذكر الحبر المسمَّى بالمعافى
واندب العلم وأهليه به ... وكذا الزُّهد ومن لله صافى
بشرٌ يجمع من هيبته ... كلَّ شيطانٍ ولو ألقى مسافا
لم يزل يشكر مولاه على ... كلِّ حالٍ منه حتَّى الموت وافى
стр. 1225
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من مجزوء الكامل]
يا ليلةً سمح الزَّمان بها فأعقبني ندامه
ما أحسن الدُّنيا إذا ... كانت أواخرها سلامه
/٤٥ ب/ وأنشدني أيضًا قوله: [من المتقارب]
حسدت البنفسج إذ حلَّ في ... أنامل كفِّ إمام الورى
وقرَّب منه خياشيمه ... وأوما إليه بعين الرِّضا
[٤٨٤]
عليُّ بن محمّد بن صدقة بن سبتي بن هارون بن سليط بن رافعٍ، أبو الحسن بن أبي الحسن الخفاجيُّ البغداديُّ.
كان والده من شعراء الديوان الناصري، وولده هذا أبو الحسن شاعر متأدب، حافظ للقرآن العزيز، فصيح المنطق، عذب الإنشاد والقراءة، حسن الصوت، ففيه حنفي، عارف بالخلاف. تولّى الإعادة بالمدرسة المستنصرية لدروس أقضى القضاة عبد الرحمن ابن إسماعيل بن عبد الرحمن اللامغاني، مدح الناصر والظاهر والمستنصر بالله أمير المؤمنين -صلوات الله عليهم-.
أنشدني لنفسه ببغداد من قصيدة طويلة، يمدح بها الظاهر بأمر الله أبا نصر محمد -رضوان الله عليه- حين تقلّد الخلافة، وبايعة الناس: [من الطويل]
/٤٦ أ/ جزعت فهل يوم النَّوى أنت جازع ... وفاضت .... الدُّموع الهوامع
أحاول أن أستمسك الدَّمع بعدما ... عفا الجزع من وادي النَّقا فالأجارع
مرابع إلف الحيِّ لا زال يغتدي ... عليهنَّ من نوء السِّماك مرابع
أراجعةٌ تلك اللَّيالي حميدةً ... عليَّ وهل ماضٍ من العيش راجع
ومن ذا الَّذي يسترجع اليوم أمسه ... فقد منعت من ردِّ أمس موانع
ومن كفتًى أمسى غريبًا ببلدةٍ ... تعاوده أحزانه وتفاجع
وحيدًا تحامته الأقارب جفوةً ... وضاقت عليه في البلاد المطالع
إذا هجعت عين الخليَّ ترادفت ... عليه الهموم فهو يقظان هاجع
يراقب نجم الصُّبح واللَّيل جانحٌ ... ويرقب نجم اللَّيل والصُّبح طالع
стр. 1226
وما ذاك من عشقٍ ولا من صبابةٍ ... بلى راعني من فقد أهلي رائع
ومنها:
مضى في طلاب العزِّ شرخ شبيبتي ... ولا عذر للعلياء والشَّيب وازع
فكم من حريصٍ مقترٍ وهو ناصبٌ ... ومن عاجزٍ نال الغنى وهو وادع
وقد يحمل الضَّيم الفتى وهو قادرٌ ... على كسب مالٍ وهو بالدُّون قانع
أيعجب من نظم القريض معاندٌ ... ويعلم حقًّا أنَّني فيه ضائع
/٤٦ ب/ ويسعد بالأشعار منتحلٌ لها ... ويشقى بها من قالها وهو بارع
ومن مديحها:
إمامٌ هو الحقُّ الَّذي يهتدى به ... وطائعه في الأمر لله طائع
إمامٌ حكى العبَّاس من كلِّ وجهةٍ ... وفي وجهه نور النُّبوَّة ساطع
به انصرفت عنَّا صروف زماننا ... وجانبنا أحداثه والوقائع
أمنَّا به الدَّهر الخؤون فلم تعد ... تفاجعنا فيه الخطوب الفواجع
تحلَّت به دار السَّلام وفتَّحت ... مدارسها وربطها والجوامع
وردَّت لأرباب الوقوف وقوفهم ... فألبس عريانٌ وأشبع جائع
ولولا أمير المؤمنين لهدِّمت ... مساجد ذكرٍ للهدى وجوامع
ظهرت إلينا والعيون نواظرٌ ... إليك وقد أومت إليك الأصابع
ذكرنا برؤياك النَّبيَّ فأصبحت ... مسائلنا مبرورةً والذَّرائع
وأنشدني لنفسه من أخرى: [من الكامل]
أمعنِّفي ذاك الغزال الأحورا ... قد ساء فعلًا حين أحسن منظرا
أشكو إليه فيشتكي رقباؤه ... ظلمًا ليهجر عاشقًا لن يهجرا
يا راقدًا ليل التَّفرق لا تنم ... وغرام قلبك مؤذنٌ أن تسهرا
/٤٧ أ/ فانهض لصفو العيش في زمن الصِّبا ... قبل المشيب وقبل أن تتكدَّرا
واشرب على ورد الغصون مقبِّلًا ... بإزائه ورد الخدود الأحمرا
من كفِّ مخضوب البنان تظنُّه ... أنثى وقد شقَّ القلوب مذكَّرا
فتروَّ من هذا الزَّمان فإنَّه ... زمنٌ غدا بالعدل أزهى أزهرا
стр. 1227
بعلا أمير المؤمنين محمَّدٍ ... قامت حدود الله وانتصف الورى
وقال أيضًا وأنشدنيه: [من الخفيف]
يا خليليَّ بالوفاء دعاني ... لأجيب الغرام حين دعاني
رحلوا بكرةً فأصبحت أبكيهم بعينٍ كثيرة الهملان
واستقلُّوا بظعنهم فاستقلَّ القلب في إثرهم مع الأظعان
وغزالٍ ثنى القلوب تثنِّيه إليه وما له من ثاني
قد ألفت الهوان فيه ولولا ... فرط حبِّيه ما هويت هواني
لاح في ربرب فمهَّد عذري ... كلُّ من كان في هواه لحاني
فعسى الله أن يتيح بوصلٍ ... ولعلَّ الإلفين يجتمعان
[٤٨٥]
/٤٧ ب/ عليُّ بن سالم بن اسماعيل بن المبارك بن غدير بن المجلّى، أبو الحسن الكاتب النحويُّ الفاضل الأديب الموصليُّ.
أخبرني أنه ولد في شهر ربيع الأول سنة تسعين وخمسمائة. أصله من تليعفر، من محلّة من محالها تسمى "بني عوف". ثم قال: وسمعت فيهم يرفعون في نسبتهم إلى الآباء المشهورين، فرأيتهم يرجعون إلى ربيعة الفرس، وهو المنشئ يومنا هذا بالديوان السلطاني.
قرأ أولًا الكتاب العزيز حتى حفظه حفظًا جيدًا، ودرس صدورًا متوفرًا من فقه الإمام الشافعي ﵁ ولازم الشيخ أبا حفص عمر بن أحمد النحوي،
стр. 1228
واختلف عليه مدّة متطاولة، يقرأ عليه نحوًا ولغة وأشعارًا عربية وغير ذلك من الفنون الأدبية، وتمهَّر على أبناء زمانه، وناظر وبحث مع العلماء، واستجاد كلامه الفضلاء.
وكان يكتب الإنشاء لبعض الأمراء بالموصل، ثم ترقت به الحال إلى أن جذبه بدر الدين لؤلؤ بن عبد الله إلى ديوان المكاتبات. وكان رأس الكتّاب به، وتنبّه له الجدّ الراقد؛ فلما كملت آدابه ... نجم فضله وشهابه، جذبه المولى الملك /٤٨ أ/ الرحيم إلى خدمته، وأفاض عليه من جلابيب نعمته، وألقى شعاع سعادته عليه، وصار أقرب العالم إليه، وأوفرهم حظًّا لديه، وجعله منشيء دولته القاهرة، وجليس حضرته الزاهرة. وأنفذ رسولًا إلى عدّة جهات، وصار ذا نعمة واسعة، وثروة وافرة.
أنشدني لنفسه يمدح المولى المالك الملك الرحيم، بدر الدنيا والدين، عضد الإسلام والمسلمين، شرف الملوك والسلاطين أبا الفضائل نصير أمير المؤمنين -خلد الله دولته-: [من الطويل]
لك الله فأمر وانه فيما تريده ... فصرف اللَّيالي عن جنابك مصروف
محلُّك مصرٌ أنت فينا خصيبه ... ودجلةٌ نيلٌ والحمى دونه الرِّيف
لقد لمحت ... بالنَّدى ... كأنَّك بالإحسان في النَّاس مشعوف
فكلُّ ملوك الأرض عندك سوقةٌ ... وكلُّ شريفٍ عند فضلك مشروف
ولي كلَّ يومٍ منك نعمى جديدةٌ ... ولي كلَّ عامٍ من نوالك تشريف
وأنشدني أيضًا من قيله: [من الطويل]
أرى كلَّ مشتاقٍ إذا أدرك المنى ... وشاهد من يهواه قلَّ به الوجد
فسلَّمت من بعدٍ عليك صبابةً ... وفرط الجوى بادٍ وما ضرَّنا البعد
/٤٨ ب/ وإنِّي لأستحيي العلا أن تقول لي: ... أمالك من ربِّ العلا والنَّدى عهد
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من البسيط]
ما إن ذكرتك والذِّكرى مولِّهةٌ ... أستغفر الله إلَّا قلت واأسفا
وما تمثَّلت في قلبي وفي بصري ... إلَّا هفا ذاك من شوقٍ وذا وكفا
стр. 1229
لله أيَّامنا والدَّار جامعةٌ ... حسبي التذكُّر من وجدٍ به وكفى
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الطويل]
إذا نحن خلَّفنا الجبال وراءنا ... وأفضى بنا السَّير الحثيث إلى الفضا
فلا تحبسا عزم الجياد عن السُّرى ... فإنِّي إلى الحدباء أمضى من ....
إذا ذكرت تهفو بقلبي صبابةٌ ... إليها فما نجدٌ وما ساكنٌ الغضا
وما هي إلَّا حجَّةٌ كتبت لنا ... مضى حكمها فينا وشكرك ما مضى
وزال الرَّجا لمَّا رأيتك سالمًا ... وكلُّ الَّذي يرضيك منَّا هو الرِّضا
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من البسيط]
يا من تشرَّفت الدُّنيا بدولته ... وحدَّثت عن نداه العجم والعرب
هب لي من العيش ما أرجو اللِّقاء به ... فليس يحلو بقلبي غير ما تهب
أفدى الأحبَّة يوم البين إذ حسبوا ... أيَّام بعدي فجاءت ضعف ما حسبوا
/٤٩ أ/ لا تحسبوا أنَّني أهوى الحياة إذا ... ما غبت عنَّا ولا في العيش لي أرب
وإن تجمَّلت حتَّى قيل ..... ... ففي ضميري نار الشَّوق تلتهب
أرجو النَّجاح لآمال وطلعتها ... كالشَّمس في الغيم تبدو ثمَّ تحتجب
عسى الَّذي قدَّر الأسباب يعقبها ... أسباب قربٍ لديكم ليس تنقضب
حسبي رضاكم فلا أبغي به بدلًا ... وما أبالي بأهل الأرض إن غضبوا
[٤٨٦]
عليُّ بن إسماعيل بن يحيى بن أحمد بن مكابر بن الحسين، أبو الحسن بن أبي محمدٍ العنزيُّ النيليُّ.
شاعر ابن شاعر، وقد تقدَّم شعر والده.
أخبرني أنّه ولد بالنيل يوم الأربعاء بين صلاتي الظهر والعصر، وهو اليوم الخامس عشر من ربيع الآخر سنة ثماني وثمانين وخمسمائة.
سافر إلى بلاد الشام سنة سبع وستمائة، وأقام بها سنتين. ثم رجع سنة إحدى
стр. 1230
وعشرين وستمائة إلى وطنه، وعادت سفرته إلى الشام تترى، فسار إليها غير مرّة، واتصل بخدمة أبي الكرم محمد بن علي بن مهاجر، فرفع من قدره ما كان خاملًا، ونفق جوهره /٤٩ ب/ بأعراض برّه وفضله، وله فيه مدحاتٌ كثيرة، وهو صاحب لسانٍ ومعرفة، وفضلٍ حسن.
أنشدني قوله في أبي الكرم محمد بن علي بن مهاجر الموصلي من قصيدة أوّلها:
[من الكامل]
أسقيمة الأجفان عن سقمي سلي ... فعسى يعاود قلبك الإيناس لي
وتجمَّلي في أمر صبٍّ مدنفٍ ... لا خير إلّا في الحبيب المجمل
ما بال طيفك كلَّما لا ينته ... أبدى إليَّ قساوة المتدلِّل
ذلِّي لذلك يا أميمة ظاهرٌ ... فمتى يرقُّ مدلَّلٌ لمذلَّل
يا ضرَّة القمرين رفقًا بالَّذي ... يهواك والبين المبرِّح قد بلي
لم يكفه بعد الدِّيار وفرقةٌ ... تركته حلف تقلقلٍ وتململ
حتَّى اغتدى ما بين أقوامٍ إذا ... أبدى سلام تودُّدٍ لم يقبل
حيران من ألم الصُّدود فسمعه ... لسوى نداء صبابةٍ لم يعقل
ومن مديحها يقول:
لله سرٌّ فيك لاهوتيُّه ... كالشَّمس لا تخفى على المتأمِّل
علمٌ كمندفع الأتيِّ ومقولٌ ... ينسي فصاحته بلاغة جرول
فاسلم نكن بك مدركين ماربًا ... لسوى عفاتك وفرها لم يحفل
[٤٨٧]
/٥٠ أ/ عليُّ بن الحسن بن عليِّ بن سليمان بن محمّد بن عثمان، أبو الحسن، الموصليُّ المولد والمنشأ، الأوانيُّ أبًا وأصلًا.
كان قد لقي جماعة بالموصل من أهل العلم والأدب، ويحفظ شيئًا من الأشعار والحكايات، ونظم شعرًا مدح به الناس.
следующие страницы →