Полный текст (2 778 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
العرب ووقائعها.
وهو شاعر كثير الشعر، سهل عليه عمله، متدفق الطبع، وديوان أشعاره يدخل في عدّة مجلدات؛ غير أنَّ شعره من المرذول الساقط، ليس من المختار النادر. يظهر فيه العجرفة والركاكة واللحن الفاحش. وكان ينظمه بسبب أملاكه التي ببزاغا خوفًا من أن يغصبوه بالخراج، واشفاقًا من ذلك، وقد يمدح الملك الظاهر والملك العزيز لئلا يغلب عليه السلطنة ويصانع عنه.
أنشدني بمجلس القضاء بهاء الدين أبي محمد الحسن بن إبراهيم -أدام الله أيامه- يوم الخميس السادس عشر من ربيع الأول من ستة ثمان وثلاثين وستمائة، وذلك بمحروسة حلب، يمدح بها الملك العزيز: [من البسيط]
يا حسن القدِّ والتَّثنِّي ... ويا مليكًا بكلِّ حسن
ويا هلالًا بدا منيرًا ... يختال في ثوبه المسني
بأيِّ ذنبٍ فدتك روحي ... أعرضت دون الأنام عنِّي؟
يا شادنًا قد كساه ربِّي ... من حلل الحسن كلَّ فنِّ
/١٨١ ب/ ويا صغيرًا رجعت فيه ... مفتتنًا عند كبر سنِّي
لا تكثر الصَّدَّ والتَّجافي ... عليَّ والهجر والتَّجنِّي
فقل لمن لا مني عليه ... دونك عذري ولا تلمني
ولا تسلني عن التَّسلِّي ... عنه وعن غيره فسلني!
ومنها:
صوَّره الحبُّ في يقيني ... وخيَّب الدَّهر فيه ظنِّي
تشيَّع القلب في هواه ... وكان طول الزَّمان سنِّي
يا عاذلي في هواه دعه ... يبلغ ما عنده ودعني
فالدَّهر في دولة ابن غازي ... قد يسَّر الأمن والتَّمنِّي
الملك الواسع العطايا ... على البرايا بغير منِّ
стр. 1297
بدَّل إعسارهم بيسرٍ ... والخوف من دهرهم بأمن
حتَّى غدوا في نعيم عيشٍ ... من قلق البؤس مطمئنِّ
بعارضٍ مطلق العزالي ... على مطا الأرض مرجحنِّ
محمَّدٌ حمده اعتقادٌ ... لكلِّ حرٍّ وكلِّ قنِّ
يهدم كنز النُّضار بذلًا ... وللعلا والفخار يبني
/١٨٢ أ/ تمتاح إنعام راحتيه ... بغير كيلٍ وغير وزن
في البأس والعطايا ... عن بأس عمرٍو وجود معن
أجرا على الرَّوع من أتيٍّ ... في يوم ضربٍ ويوم طعن
وفيه مع بطشه وقارٌ ... يستعمل الحلم والتَّأني
وأنشدني لنفسه: [من المنسرح]
قالوا: وسمت امرًا بقافيةٍ ... فيها مديحٌ له وتوبيخ
قد سبك الهجو في صياغتها ... والمدح فوق الهجاء منسوخ
قلت: عقدت الرَّجاء من سفهي ... فيه وعقد السَّفيه مفسوخ
والشِّعر مثل القرآن في نفسي ... أكثره ناسخٌ ومنسٌوخ
وله: [من الطويل]
لقد أنكر الشَّيطان عظم تجلُّدي ... ومٌصطبري عن شتم عرض المجلد
رمى خمسة الأجزاء في جنب بيته ... ولم يرها إلَّا بعزم المفنِّد
وما أنا من يصغي إلى عذل مائنٍ ... أروح إليه كلَّ يومٍ وأغتدي
تمادى لقيطٌ في التَّواني ولم يزل ... يحضُّ أعاديه على هلك معبد
وها أنا قد أمهلته بعد رقعتي ... إليه بقايا فسحة اليوم والغد
/١٨٢ ب/ فإن وصلته نفحةٌ من سفاهتي ... فما أنا فيها ظالم الرَّأي معتدي
وله: [من السريع]
سألت من أعشقه قبلةً ... فقال واستولى عليه الخجل:
стр. 1298
والله ما قصدك في قبلةٍ ... وإنَّما قصدك غير القبل
وقال: [من السريع]
كأنَّما زهر أقاح الرُّبى ... وقد بدا متَّسقًا كالشَّنب
حبُّ جمانٍ نظمت نثره ... خودٌ على واسطةٍ من ذهب
وقال: [من الطويل]
وزنجيَّةٍ أصبو إليها كما صبا ... إلى حبِّ عفرا عروة بن حزام
تشير بألحاظٍ مراضٍ فواترٍ ... وتبسم عن ثغرٍ كعقد نظام
وأعجب منها أنَّها أعجميَّةٌ ... وتفهم ما أوحي بغير كلام
إذا ما تعانقنا جهارًا حسبتها ... سلالة نورٍ فوق جنح ظلام
وله: [من الخفيف]
كان يبدو لناظري أنَّ زين الدِّين من كثرة البغاوة خنثى
وأرى شخصه يلوح لعيني ... ذكرًا وهو في الحقيقة أنثى
/١٢٩ أ/ غرس الماء في رياض بني ميمون قرعًا وفي الأسافل قثَّا
وقال: [من البسيط]
هذا الكتاب الَّذي سطَّرته بيدي ... عن الصَّبابة والأشواق والكمد
إلى الأمير الَّذي روحي معلَّقةٌ ... بقربه في اقتراب الدَّار والبعد
وإن يكن شخصه المجنون في بلدٍ ... وشخص مملوكه المشتاق في بلد
فالودُّ يجمع أهوانا كما جمعت ... بنو خريمة دوًدانًا إلى أسد
[٥١٧]
/١٠٣ ب/ عليُّ بن مكي بن أبي المعالي بن عليٍّ، أبو الحسن الشهر كرديُّ.
وشهر كرد قريةٌ بين دقوقا وكرخين.
/١٠٤ أ/ كان شاعرًا مسترفدًا، قارئًا للقرآن ضريرًا، يقصد الناس بشعره، ويرحل في البلاد، وعنده عشرة.
стр. 1299
أنشدني لنفسه يمدح الصاحب الوزير أبا البركات المستوفي -رحمة الله-:
[من البسيط]
مولاي يا شرف الدِّين الَّذي شرفت ... به الدَّواوين قاصيها ودانيها
ومن سرى في بحار العلم منتخبًا ... من قعرها الدُّرَّ واستنقى لآليها
يا باني المجد يا قسَّ بن ساعدةٍ ... يا من إذا ماتت الآداب يحييها
أنت الذي بك أضحى الدَّهر مبتسمًا ... وسيرة الجود عن كفَّيك نرويها
وأنت أوليتني يا سيِّدي نعمًا ... ومن أيادٍ جسامٍ لست أحصيها
إنَّ العدوَّ الَّذي اشتدَّت عزيمته ... على عنادك قد هدَّت مبانيها
وصار في ظلمة الأرماس مطَّرحًا ... تدعوه من محن البلوى دواعيها
لا زلت .... في ذرى العلياء في نعمٍ ... ما سار ركبٌ وحثَّ النُّوق حاديها
وأنشدني أيضًا لنفسه ما كتبه إليه: [من الخفيف]
شرف الدِّين يا أجلَّ الأنام ... وفتى الجود والأيادي الجسام
ومن اختصَّ بالمكارم والفضل قديمًا وبالخلال الكرام
قد أتى الصَّوم قادمًا يتهادى ... في جزيل الثَّواب والإكرام
/١٠٤ ب/ شهر برٍّ ورحمةٍ وصلاةٍ ... وصلاتٍ تنحى من الآثام
بجرانه سيلقاك فيه ... كلُّ سولٍ وبغيةٍ ومرام
فاسع في حاجتي يكن لك فيه ... أجر من بات مخلصًا في الصِّيام
أو كمن حجَّ طائعًا يبتغي اللـ ... ـه بسعيٍ وعمرةٍ واستلام
فإلى م القعود من غير نفعٍ ... فلقد طال في التَّقاضي مقامي
وإلى كم أغشاهم في صباحٍ ... ومساءٍ بخدمةٍ وسلام
ليس عذرٌ للقوم من بعد ما قد ... بلغ المكث بينهم ألف عام
وأرى جابي الجريدة رخوًا ... في التَّقاضي موافق الأقوام
ذاك خطٌّ عرفته من زمانٍ ... لا برمحٍ يأتي ولا بحسام
فلئن كان قد تحصَّل شيءٌ ... فهو عندي من جملة الإنعام
وسؤالي ..... عن قريبٍ ... لمسيري في هذه الأيَّام
وابق للقاصدين عمرًا طويلًا ... ما ترى البرق من خلال الغمام
стр. 1300
وأنشدني لنفسه فيه أيضًا يمدحه: [من الخفيف]
بك أضحت أوقاتنا في أمان ... حيث كنت المنى وأقصى الأماني
/١٠٥ أ/ وإليك المطيُّ مدَّت خطاها ... سابقاتٍ فواضل الأرسان
وأضاءت بوجهك الأرض فاستغنت به عن ذكًا وعن زبرقان
وغمرت البلاد بالعدل حتَّى بلغ العدل سائر البلدان
واطمأنَّ المخوف وانهزم الجائر عنها برفع ضاد الضَّمان
وغدا النَّافر الجموح ذليلًا ... في قيود الرَّدى وأسر الهوان
وحططت الأوزار فاشتدَّ أزر الملك لا بالظُّبا ولا باللَّسان
بل بارائك العليَّة تنقاد صعاب الأعناق بالإذعان
رحمةٌ أنت أرسلت بعد ضرٍّ ... للبرايا بعيدها والدَّاني
شرف الدِّين يا ابن قومٍ أقاموا ... سدَّة المجد من قديم الزَّمان
وبنوا فوقها مراتب عزٍّ ... وضعوا أسَّها على كيوان
فسموا صاعدين في المجد لمَّا ... سبقوا الجائرين في الإحسان
أنت قسٌ في الفضل والرَّأي قيسٌ ... والنَّدى حاتمٌ كريم البنان
أجميلٌ لمن أروح بخطِّ ... تاجه ذكرك العظيم الشَّان
ويردّ الكتاب من غير ما خوفٍ على النُّوَّاب في حرماني
فخميس الخسيس وابن محلَّا ... وابن نصَّار لجَّ في حركاني
/١٠٥ ب/ أنقصوني من الجراية والتَّعويض ظلمًا عن سائر الأعيان
فالقهم في الحبوس يلقوا عذابًا ... كيف لم يعطفوا على العميان
وتهنَّ الصِّيام شهرًا فقد حان بتوقيع خلعة الرِّضوان
وابق في الدَّهر ما أتى رمضانٌ ... كلَّ عامٍ بالعفو والغفران
فرحًا لا تزال أنت وتاج الدِّين في غبطةٍ مع الأزمان
ما سرى البرق من خلال سحابٍ ... وشدا طائرٌ على غصنٍ بان
وأنشدني لنفسه: [من الخفيف]
стр. 1301
سل جفوني واللَّيل غاشٍ بهيم ... هل لنأي الرُّقاد عنها قدوم
أم على حالها تظلُّ تراعي ... كيف تنصاع للمغيب النُّجوم
وسل الجسم كيف بات وفيه ... بعد بعد الحبيب وجدٌ جسيم
ويح قلبٍ ترحَّل الصَّبر عنه ... وفؤادٍ به الغرام مقيم
فمتى هبَّ للوصال نسيمٌ ... فشفى ذلك الغرام النَّسيم
لائمي خفِّف الملامة واقصر ... ليس يقوى بما تقول الملوم
كيف أصغى إلى ملامك والشَّوق بقلبي له عذابٌ أليم
صادني شادنٌ أغنُّ غريرٌ ... ناعسٌ مائسٌ رشيقٌ رخيم
/١٠٦ أ/ ساحر الطَّرف لو رأى غمد موسى لم يخيَّل للنَّاس سحرٌ عظيم
قد حوى وجهه حدائق زهرٍ ... سقياها الرَّحيق والتَّسنيم
وأنشدني لنفسه يمدح الوزير أبا إسحق إبراهيم بن علي بن أبي حرب الموصلي المعروف بابن الموالي. وكان يومئذ يتقلد الوزارة بإربل للملك المعظم مظفر الدين كوكبوري بن علي بن تكتكين ﵁ وبعرض بذكر جماعة كان له عليهم رسوم في رأس كل عام فعوقوها وأخروها عنه: [من الرجز]
يا حاديًا نياقه سحيرا ... يجهدها تشوُّقًا وسيرا
لايستريح أو يرى الغويرا ... لقيت خيرًا ووقيت ضيرا
***
إذا أتيت إربلًا صباحا ... وبان بشرٌ مقبلٌ ولاحا
فاعلم بأنَّ النُّجح والصَّلاحا ... قد قارناك فاترك الرَّواحا
***
واعدل إلى الرَّبع الأنيس الآهل ... بالجود والمعروف بالفضائل
/١٠٦ ب/ والمنهل العذب لكلِّ ناهل ... وملجأٍ لخائفٍ وسائل
***
ربعٌ به بحر النَّوال والرَّدى ... ما يأتلي يسفح برًا أبدا
стр. 1302
يغمر إنعامًا ويروي من صدى ... سجيَّةٌ ببردها قد ارتدى
***
الصَّاحب الحبر الوزير الرَّاسخ ... في العلم والطود الأشمُّ الشَّامخ
ومن له مجدٌ أثيلٌ باذخ ... دعامه على السِّماك ....
***
ذو الطَّول والإحسان والأيادي ... والرَّأي والفطنة والسَّداد
ومن به أصبح هذا النَّادي ... أمنًا لكلِّ رائحٍ وغادي
***
وقد نفى عنه الأذى والبوسا ... بعدله وصرَّف النُّحوسا
فالرَّبع قد أضحى به مأنوسا ... والنَّاس فيه كزمان موسى
***
وهو الَّذي يصدر عنه سير ... تغار إذ تقرأ منها السُّور
سرى بها السَّفر مجِّدًا يخبر ... منوِّها يا حبَّذاك الخبر
***
رقت به إلى المعالي قدم ... ثابتةٌ تقصر عنها الهمم
ما يستوي المعوجُّ والمقوَّم ... كلَّا ولا الضَّوء معًا والظُّلم
***
من معشرٍ حازوا علًا ومجدا ... وسؤددًا ونائلًا ورفدا
جلَّت بأن تحصر أو تعدَّا ... قد ورث الأبناء فيها الجدَّا
***
/١٠٧ أ/ لا برح السَّعد مع النَّجاح ... عبد له في الغدوَّ والرَّواح
ما غرَّدت صاحبة الجناح ... في الدَّوح بالتَّعداد والنَّواح
***
وإنَّ للماجد تاج الدِّين ... كفًّا كمثل العارض الهتون
تجود بالنَّفيس والثَّمين ... على الفقير المدقع المسكين
***
стр. 1303
ربِّ العطايا والسَّجايا والمنن ... والمرتجى لدفع لزبات الزَّمن
ومن سما بالفضل سرًّا وعلن ... متَّبعًا أوضح نهجًا وسنن
***
سليل قومٍ ذكرهم يضوع ... بين الورى ومجدهم رفيع
مؤثَّلٌ وعزُّهم منيع ... وربعهم مرتبعٌ مريع
***
تجمَّعت فيه خلال غرُّ ... عقلٌ وفضلٌ وندًى وبرُّ
خلائقٌ أربعة تمرُّ ... حميدةً يرغب فيها الحرُّ
***
لا زال يرقى رتب المعالي ... محفوفةً باليمن والإقبال
في نعمةٍ ممتدَّة الظِّلال ... بغير تحويل ولا انتقال
***
والفتية الأماجد الكرام ... تسامقوا في المجد واستقاموا
ومن بهم أصبحت الأيَّام ... حاليةً واتَّسق النِّظام
***
فمنهم الظَّهير والكمال ... ثمَّ المعين النَّدس المفضال
/١٠٧ ب/ والمجد يتلوه فنعم الآل ... إليهم تقوَّض الرِّحال
***
أولوا النُّهى والمنن الجسام ... والجود والمواهب العظام
ومن لهم مجدٌ مشيدٌ سامي ... مقرُّه راسٍ على بهرام
***
طابوا أصولًا وزكوا فروعا ... وسلكوا سبل العلا جميعا
فأوضحوها مذهبًا مشروعا ... أصبح كلٌ لهم تبيعا
***
стр. 1304
لا برح التَّوفيقٌ والإرشاد ... والعزُّ والتَّأييد والإسعاد
يغشاهم طوعًا كما أرادوا ... دائمةً ليس لها نفاد
***
واشرح له قصَّة عبدٍ أصبحا ... عن داره وأهله منتزحا
عساه بعد خسره أن يربحا ... ويغتدي إلى العيال فرحا
***
فجاء في حسابه شطور ... وساءت الظُّنون والتَّقدير
وهكذا ما برح الضَّرير ... عزيز شكرٍ حظُّه يسير
***
كان له رسمٌ على الجماعه ... أولي الولايات والاستطاعه
قدرٌ يمشِّي الحال بالقناعه ... وأنفس القوم له مطواعه
***
فحين وافى لابتغاء رسمه ... مبادرًا في صحَّةٍ من عزمه
مغرِّرًا بروحه وجسمه ... خوف الفوات حذرًا من حسمه
***
/١٠٨ أ/ فصادف القوم وقد تغيَّروا ... كأنَّما تجمَّعوا واشتوروا
وأسهبوا بمطلهم وأضجروا ... وهو على ذلك حينًا يصبر
***
فأوَّل القوم الإمام القاضي ... ومن جميع الخلق عنه راضي
لم يكثر العبد له التَّقاضي ... خوفًا من الإملال والإعراض
***
ثمَّ ابنه العماد والمدرِّس ... الفخر والمحتسب المحتبس
ثمَّ أخوه الخازن الملتمس ... منِّي مدحًا حيث ضاق النَّفس
***
وكم سعى العبد إلى النَّقيب ... بعد الزَّعيم مكثر التَّرغيب
عند الضُّحى والظُّهر والمغيب ... وما رأى شيئًا سوى التَّعذيب
стр. 1305
ويونس الحمَّال ثمَّ القطب ... ما فيهما من خصلةٍ تحبُّ
ومحرز .... العجب ... ثمَّ أبو هنديِّ سلم حرب
***
وابن البهرزيِّ ونجل مسكي ... كلاهما قد سلكا في السِّلك
ونائب الإصطبل ليس يحكي ... لسانه غير حديث الإفك
***
ثمَّ الكمال وهو في بيت الزَّرد ... وابن السُّليماني مدلٌ معتمد
على اليتامى ولقد ضاع العدد ... ولو توانوا سنةً كان نفد
***
ثمَّ الجمالان مع التَّتمَّه ... يحيى وشعبان ووالي الظُّلمه
/١٠٨ ب/ والمحيي والشَّحَّام وابن نعمه ... وابن سليمٍ ليس فيه رحمه
***
وابن عبيدٍ وبنو الشَّريف ... قد أسرفوا في المطل والتَّسويف
وضامن القطن بلا معروف ... لا يستحي من كثرة ....
***
والصَّارم السَّاكن بيت النَّار ... ذو يسرةٍ وصاحب اقتدار
........... على الآثار ... ليس لهم وجهٌ إلى اعتذار
***
وصحبةٍ عدُّهم لا يحسن ... منهم مسيءٌ وكريمٌ محسن
والوقت في التَّطويل ليس يمكن ... ونفسه إلى الدِّيار تذعن
***
والقصد أن تسلَّم الجريده ... إلى فتًى خصاله حميده
يبذل في خلاصها مجهوده ... ولا تكن عاريةً مردوده
***
فالعبد لا يصبر عن أصحابه ... أكثر من هذا ولا يرضى به
فاردده جذلان إلى أحبابه ... تكسب عظيم الأجر من ثوابه
стр. 1306
متَّعك الله بهذا العشر ... وكلِّ عشر مقبل في الدَّهر
ولا برحت صاعدًا في الفخر ... تضحي العدا ضحاك يوم النَّحر
وكلُّ من حلَّ بذاك المنزل ... لا برحوا في نعم الم ....
بالسَّادة الأطهار من آل علي ... وجدِّهم أحمد خير الرُّسل
***
/١٠٩ أ/ ما لا برقٌ من خلال السِّجف ... كصارم يخطف ماضي الغرب
وطاف بالست وذاك الشِّعب ... مهلِّلٌ مكبِّر ملبِّي
[٥١٨]
عليُّ بن يحيى بن محمود بن الحسن بن عواد بن محرز بن مرحٍ، أبو الحسن الخزرجيُّ البغداديُّ
أخبرني أنّه ولد بكرخ بغداد يوم الأربعاء الخامس والعشرين من المحرم سنة ستمائة. وهو شاب سليم الفهم من الأذكياء؛ قرأ طرفًا من علم الأصول وأحكمه، واستظهر القرآن العزيز، وتفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة –﵁ وقال شعرًا في مديح وهجو.
أنشدني لنفسه يمدح بعض الرؤساء من قصيدة: [من الكامل]
بانت عن الاطلال أمُّ الهيثم ... ونأت بنا فكأنَّها لم تلمم
فقطعت أجواز المغاوز قاصدًا ... خير الورى من منجد أو متهم
نسل النَّجائب من ذؤابة هاشم ... كنز العفاة وعصمة المستعصم
ومنها يقول:
/١٠٩ ب/ وعليك من نسج الحديد سوابغٌ ... لا خيفةٌ من صارمٍ أو لهذم
لكن رأيت الخزم افخر جنَّة ... وأخو التَّهوُّر ليس بالمتحزِّم
درعٌ لك اتُّخذت بغير مؤخَّر .. ما لاذنا سجها بغير المقدم
ومنها:
стр. 1307
واعلم رعاك الله مولى نعمة ... ابدًا بأنَّ أباك أفضل منعم
ما كلُّ من نظم القريض بشاعرٍ ... ما كلُّ فاقد إلفه بمتيَّم
تالله ما سلك المكارم تباعًا ... أحد ولا أخذ العلا بمعلِّم
وأنشدني أيضًا قوله: [من الطويل]
لمن طللٌ بال تداعت جوانبه ... وقفت به أشكو النَّوى وأخاطبه
فكم حلَّ فيه صارمٌ .... ... قضى قبل أن تقضى هناك مآربه
ومنها:
فتاةٌ ما أبرزت في دجنَّة ... أضاء الدُّجى حتَّى توارت كواكبه
لها ناظر يصبي الحليم بلحظه ... وتصمي قلوب العاشقين صوائبه
تعلقتها طفلاً ولم أدر ما الهوى ... وسيَّان عندي صابه وأطايبه
ومنها في المديح:
/١١٠ أ/ له كلَّ يوم في العطاء غرائبٌ ... تصدِّق ممَّن يرتجيه رغائبه
فتشبيهه بالبحر ظلمًا رأيته ... ومن جود كفَّيه تقلُّ سحائبه
أجدَّ رداء الملك بعد عفائه ... وقامت به أعضاده ومناكبه
وأنشدني لنفسه يمدح: [من الكامل]
ياخير من عقل الرَّجاء ببابه ... وبه انيخ ركائب الآمال
ماذا أقول لمن يسائل مغرقًا ... ماذا أفدت من الفتى المفضال
أيليق عنك بأن أقول منعتني ... او انَّني ألقاهم بمحال
وأنشدني لنفسه: [من البسيط]
كلتا يديك منادى مفردٌ خلقا ... لو كانتا نون جمع كنت مرفوعا
فليتها أصبحت نونا لتثنية ... لأنَّ مازال عنها الصَّرف ممنوعا
وأنشدني قول: [من الطويل]
أسرُّ وتبدي ما تكنُّ الجوانح ... دموعٌ تخذُّ الخذَّ وهي سوافح
стр. 1308
وما قعدت بي همَّتي عن فضيلة ... ولي ساعدٌ حتَّى النجوم تصافح
ولم أطغ إن والى الزَّمان عطاءه ... لديَّ وإن ولَّى فما أنا كادح
ولا واقيًا مالي بعرضي سفاهةً ... ولؤمًا ولا طرفي إلى الرِّزق طامح
/١١٠ ب/ ومنها يقول:
قومي عصبة لا نزيلهم ... يضام وهم يوم الفخار رواجح
إذا الخيل كرت في الوغى لا تروعهم ... طوال القنا أو مرهفات صفائح
يجيرون إن جا الزَّمان من الرَّدى ... ولو أنَّ وجه العام يبالجدب كالح
إذا نزل الضِّيفان فيهم تساهموا ... عليهم وثابًا ... الصَّوائح
وأنشدني لنفسه: [من الطويل]
خلعت رداء الحلم والفضل والنُّهى ... ولا سلكت رجلي سبيل رشاد
ولا سلَّ في يوم الكريهة صارمي ... ولم يجر بي يوم الفخار جوادي
ولا حملت كفِّي يرراعا ولا جرى ... بنظم ولا نثر سواد مدادي
وعوَّضت ثوب الجهل عن ذاك ملبسًا ... وطال على فوت .... سهادي
لئن كان حقًا ترك من قد وشوا بنا ... إليك وهم راجون منك بعادي
ولكن رأوا قربي لديك فساءهم ... فكلٌ عليه حاسدٌ ومعادي
رأوا منك في حقِّي جفاء فأكرموا ... ولو شئت ما فاهوا بغير مرادي
[٥١٩]
عليُّ بن إبراهيم بن عمر بن محمد /١١١ أ/ بن عليِّ بن جامعٍ، أبو الحسن الإربلي، المعروف بابن المحتسب.
كان والده يتولّى الحسبة باربل وكذلك جدّه وأخوه وجماعة من أسلافه. أخبرني أنه ولد منتصف شعبان سنة أثنتين وتسعين وخمسمائة.
أنشدني لنفسه: [من الخفيف]
لا تكلني إلى سواك فإنِّي ... مدنفٌ لم أجد لدائي صلاحا
ولقد غلِّقت بوجهي أبوابٌ عظامٌ فكن لها مفتاحا
واغثني أجد بذاك كما قيل قديمًا خيرًا لأمري نجاحا
стр. 1309
إن أردتم حواجًا عند قومٍ ... فتنقَّوا لها الوجوه الصِّباحا
وأنشدني لنفسه: [من الوافر]
إذا كتبي أتتكم فهي تحكي ... ضنى جسدي وما تحوي ضلوعي
فإن كان المداد به احمرارٌ ... فلا تعجب فذلك من دموعي
وأنشدني لنفسه ما كتبه لبعض الرؤساء: [من البسيط]
وأنشدني لنفسه ما كتبه لبعض الرؤساء: [من البسيط]
إسعد بها ليلة جاءتك مقبلة ... تلقاك بالنجح ياسؤلي ويا أملي
فانعم بها واعتنم فيها الدُّعاء تجد ... في عقبة فسحةً في الرزق والأجل
وكن لعبدك فيما قد أصيب به ... يا مالكي فعليك اليوم متكلي
/١١١ ب/ وأنشدني أيضًا قوله: [من الطويل]
يقبِّل كفًا لم تزل في ضميره ... يقبِّلها سرًا بغير تكلُّف
ويعدوكم جهرًا وأنتم شهوده ... حقيقًا فلم يحتج لقول معرِّف
وأنشدني من شعره: [من البسيط]
لم أنسه إذ بدا والكأس في يده ... يشير نحوي بكفِّ ناعم ترف
بقهوة يخجل البدر المنير إذا ... بدا وشمس الضحى في قبَّة الشَّرف
[٥٢٠]
عليُّ بن محمد بن عليِّ بن عبد الله بن سعد بن عبد الله، أبو الحسن النعماني الشيباني.
كانت ولادته بالنيل من البلاد العراقية في سنة إثنتين وتسعين وخمسمائة. وتولى القضاء بها مدة-والده وأعمامه كانوا قضاتها- ورب كاتبًا بديوان النقابة بمدينة السلام في أيام المستنصر بالله أمير المؤمنين –خلد الله ملكه-.
شاهدته ببغداد بجانبها الغربي، في سنة تسع وثلاثين وستمائة في جمادي الأولى؛ وهو يشعر شعرًا رقيقًا، وعنده فضل ومعرفة بالفقه /١١٢ أ/ والحساب
стр. 1310
والفرائض
انشدني لنفسه من قصيدة طويلة يمدح بها المستنصر بالله: [من البسيط]
نشدتك الله حادي الأينق الرُّسم ... من منهم في سراه غير متَّهم
ثق منجداً في ربى نجد إذا شجنٌ ... يوقفه في ظلال الضَّال والسَّلم
فلي بسفح الحمى نفسٌ لها نفسٌ ... من الجحيم وطرفٌ سافح الدِّيم
شوقًا إلى سكن من ساكنيه له ... حشو الحشا نار وجد ... الضَّرم
أمسى فؤادي رهنًا في حبائله ... حبًا له ففؤادي غير منصرم
كم جدت بالروح في حبِّي له ولها ... به وضنَّ بروح الطَّيف في الظلم
وكم طويت ضلوعي في محبَّته ... على الغرام ونار الشَّوق والألم
وكم لوى باللوى ديني بلا سبب ... وعقَّني في عقيق الجزع من أضم
يا يوسف الحسن صل يعقوب حسنك قد ... أودى به البحر حتَّى ذاب من سقم
أما تخاف إله العرش في رجل ... أمسى بدمع على الخدَّين منسجم
المستعان على ضرِّي ومسكنتي ... بالعدل من مالك الأعناق والأمم
المالك العادل المستنصر بن أبي ... نصر أبو جعفر المنصور ذو النِّعم
/١١٢ ب/ مولى لنا كلَّ يوم من منائحه ... جودٌ بجدواه أحياها يد الرِّمم
فالنَّاس صورة إنسان ممثلةٌ ... ومالك القصر روح النَّاس كلِّهم
براه من نوره الباري وكوَّنه ... من طينة حرَّة ليطت على الكرم
ينمى إلى دوحة قدسيَّة بسقت ... في حضرة القدس من فرعٍ إلى قدم
من معشر شرِّف البيت العتيق بهم ... مع المشاعر والبطحاء والحرم
علو على الخلق طرأ فالأنام لهم ... رقٌ وجبريل والأملا [ك] والخدم
قومٌ أتت هل أتى في النَّصِّ مخبرةً ... عن فضل بيتهم عن نون والقلم
فهل يسربلهم مدحٌ لباس علا ... بعد الكتاب وقد وافى بمدحهم
وأنشدني لنفسه في التاريخ المذكور ببغداد بجانبها الغربي: [من المسرح]
طاف بكأس السُّلاف في الغسق ... حمراء صرفا في أبيض يقق
فخلته والمدام بدر دجىَّ ... يحمل شم النَّهار في الشَّقق
معقرب الصُّدع فوق حاجبه ... يرشق قلبي بأسهم الحدق
стр. 1311
ينفث هاروت من لواحظه ... في كلِّ قلب بالعشق محترق
فليس ينجو من قسيِّ مقلته ... صبٌ ولو عوَّدوه ....
/١١٣ أ/ يميس عطفاه في غلائله ... كما يميس القضيب بالورق
من فوق ردف عبل مؤزَّره ... مسربل بالجمال منتطق
أصبحت فيه من سكر قامته ... بالدَّل سكران .... يفق
أصبحت فيه من سكر قامته ... بالدَّل سكران .... يفق
يا حبَّذا شربةٌ على ظمأ ... من درِّ ثغر في فيه متَّسق
أبيت فيها ما بين مصطبح ... لماه وبين مغتبق
في روضة حقَّها الرَّبيع لنا ... بكلّش ورديِّ منظر أنق
والماء فيها ما بين منسرحٍ ... بين مياديننا ومندفق
والغيم في حلَّة مفضّّضة ... قد شدَّ أزرارها على الأفق
تحدو النُّعامي به ويزجرها الرَّعد فتبكي بمدمع شرق
فيبسم الرَّوض من بكاه إذا البرق علاه بسيفه الذَّلق
كؤوسها كالنُّجوم يبعثها ... صوت المثاني بأفصح النُّطق
. فيها لكلِّ مختطف ... لسمع شدو الأوتار مسترق
بين ندامى جروا إلى غاية الظرف فجاءوا معًا على نسق
غرِّ صباح الوجوه همُّهم ... بثُّ النَّدى والنَّدى على الطُّرق
قد أمنوا ريب دهرهم فغدوا ... .... على حنق
/١١٣ ب/ ببأس مولى أضحت بسطوته الآفاق محميَّة من الفرق
خليفة الله مالك الأمَّة المنصور معطي النُّضار والورق
أغنى الورى جوده ونائله ... بمستهلِّ هامي النَّدى غدق
وعمَّ طوفان نوح راحته ... فهم يخافون سورة الغرق
أبلج صلت الجبين ينشقُّ عن نور محيَّاه عرَّة الفلق
قد جمعت غاية الكمال له ... حسن المعاني في الخلق والخلق
فهو ومن قال فيه خالقه ... في ذكره: إنَّه على خلق
عصنان من دوحة مباركة ... تحكي بأنوارها دجى الغسق
стр. 1312
[٥٢١]
عليُّ بن هبة الله بن محمّد بن منصور بن عبد الرحمن الخباز الموصليُّ
رجل صعلوك مملق يرتزق بشعره، كثير اللحن، يقيم أوزان الشعر من غير معرقة بالأدب، وربّما قال أبياتًا صالحة.
أنشدني لنفسه يمدح الصاحب الوزير شرف الدين أبا البركات المستوفي –﵀: [من الرجز]
/١١٤ أ/ خلِّ ملامي في الهوى يا سعد ... ففي فؤادي زفرةٌ ووجدٌ
وفي حشاي والضُّلوع لوعةٌ ... لها إذا جنَّ الظَّلام وقد
فلا لعلويّ النَّسيم إذ سرى ... اهفو ولا قلت مرادي نجد
ولا غقيق الجزع بعد عالج ... ماربى ولا الكثيب الفرد
ولا لغزلان النَّقا وحاجر ... أصبو ولا قلت: صلي ياهند
ولا المطايا الشَّدنيَّات إذا ... أنحلها الإرقال والوخد
لكنَّما أشجان قلبي هاجها ... أيَّام أنس للصِّبا وعهد
بمنزل للقاطنين لم ينزل ... يحسب فيه للتَّصابي برد
من كلِّ غيداء كشمس أشرقت ... هالتها برقعها والعقد
قد يئس المشتاق من وصالها ... عدما وأنَّى للغواني ردُّ
ومن مديحها قوله:
وأين في الأرض وزيرٌ عادلٌ ... تخاف من بأس سطاه الأسد
غير فريد القصر محيي العدل كهف القاصدين ليس عنهٌ بدُّ
أعني الوزير الماجد الحبر الذي ... له على هام السماك مجد
بحرٌ خضمُّ ماله جزر بلى ... لجوده طول الزَّمان مدُّ
/١١٤ ب/ وبدر تمِّ ظهرت أنواره ... على الورى فلاح ذاك السَّعد
حامي حمى الدَّولة قد أنشأها ... حتَّى أستتب حلُّها والعقد
معيد عود الملك غصًّا يانعًا ... من بعدما منه ذوى الأشدُّ
стр. 1313
تطيعه يوم الوغى خاضعةً ... بنو الملوك والعتاق الجرد
مقسِّم الآجال في الهيجاء بالعزم القويِّ حين ينبو الحدُّ
قد أصبح العالم في أيَّامه ... وضمَّهم من الهناء مهد
إلى وزير الوقت قصد شاعر ... لا خاب للرَّاجين منه قصد
لا زالت الأقدار طوع أمره العالي إليه حكمها يردُّ
[٥٢٢]
عليُّ بن عثمان بن فروح بن فرحاد بن ينكبخت بن شيرمد، أبو الحسن الموصليُّ
من أبناء الجند.
لهج بقول الشعر فصار له فيه طبع مؤات، وخاطر حسن. وله أشياء تستجاد في المديح والهجو والغزل وغير ذلك.
أنشدني لنفسه يمدح المولى المالك الرحيم بدر الدنيا والدين عضد الاسلام.
/١١٥ أ/ والمسلمين، محيي العدل في العالمين، كهف الضعفاء والمساكين، نصير أمين المؤمنين من قصيدة أولها: [من الطويل]
اسرب مها ام أعين العين تلمح ... أم الظَّبيات المرجحنَّات سنّح
تملَّك قلبي يوم منعرج اللِّوى ... وبرَّح بي شوقٌ هناك مبرِّح
ومنها في المديح:
وفي جود بدر الدِّين إصلاح حال من ... بصرف اللَّيالي حاله ليس يصلح
أشدُّ ملوك الأرض بأسًا وسطوة ... وأعظمهم حلمًا وأعفى وأصفح
وأصفاهم وردًا وأحماهم حمى ... وأمرعهم روضًا وليس يصوِّح
وأضفاهم ظلاً وأنداهم يدًا ... وأعلاهم مجدًا وأوفى وأرجح
رحيب الفنا صعب السُّطا واسع العطا ... أريح الثَّنا من جوده يترنَّح
أغرُّ يضيئ التَّاج من نور وجهه ... ويكسوه نورًا نوره المتوضِّح
إذا شهد الهيجاء يومًا وقد خبت ... وصال فمن أسيافه النَّار تقدح
стр. 1314
يسعِّرها بالمشرفيَّة والقنا ... بكلِّ كميٍّ ثابت ليس يبرح
ترى الهام فيها طائرات كأنَّها ... جنادب من وقع الهجير تطرَّح
/١١٥ ب/ ولم تر إلاَّ عائمًا في دمائه ... وآخر من وقع السِّهام يرنِّح
ألا أيَّها الملك الرَّحيم ومن غدت ... بجود يديه الألسن الخرس تفصح
ولو سئلت صمُّ الشَّواهق لانبرت ... تحدِّث عن جدوى يديه وتشرح
تهنّ بنيروز أتاك مبشِّرًا ... بجد مع الأيام يمسي ويصبح
وعش ألف عام كلَّ يوم مهنَّأ ... بسعد به فيما تحاول تنجح
وخذ بعنان الدَّهر كيف أردته ... ذلولاً ولكن عند غيرك يجمح
[٥٢٣]
عليُّ بن محمّد بن عليِّ بن شفاعة الموصليُّ
من أبناء المواصلة.
كان أبوه عطارًا بشهر سوك.
وهو شاب قصير أسمر اللون، رديّ العينين، خفيف العارضين في رأسه حماقة يبغض نفسه إلى الناس، ويستثقلون منظره لكونه يتعاطى التِّيه والحمق.
وكنت ربّما جمعني وإياه مجلس صديق أو سوق الكتب فيورد من شعره شيئًا، ومما علق بذهني من شعره، وسمعته منه قوله في رجل وافى الموصل من مدينة إربل بشفاعة من أميرها أبي المكارم باتكلين بن عبد الله المستنصري /١١٦ أ/. يعرف طرفًا جيدًا من النحو، ويلعب الشطرنج حسنًا. ليعطي الجامكية الموقوفة بالمدرسة النورية على من شغل فيها النحو، وعلم الأدب، فتسلمه وأجرى عليه شهورًا، فقال:
[من البسيط]
يا منصب النَّحو قد أصبحت مضطهدًا ... من بعد ما كنت مثل اللَّيث في الخيس
اليوم نالك بالشِّطرنح لاعبه ... فما بقي غير لعَّاب الحواليس
لما انشدت الصاحب أبا البركات المستوفى هذين البيتين، استجادهما، وقال: لو قال غدا ينالك لعاب الحواليس، كان أجود في التطبيق.
стр. 1315
[٥٢٤]
عليُّ بن عبد الوهاب بن عبد الله بن العجميِّ.
كانت ولادته يوم الاثنين عاشر صفر سنة تسع وتسعين وخمسمائة. انشدني لنفسه يوم الأربعاء الثالث والعشرين من المحرّم سنة ثمان وثلاثين وستمائة بحلب المحروسة يمدح المولى /١١٦ ب/ الأجل السعيد قطب الدين أبا عبد الله محمد بن المولى السيد الإمام نظام الدين أبي منصور عبد الصمد بن أبي جعفر محمد بن الرحيم –أدام الله تأييده-: [من الطويل]
ألا قل لقطب الدِّين يا أكرم الورى ... ويا واحد الدُّنيا ويا سيِّد الخلق
أهل لك أن تبتاع بالجود والنَّدى ... صبيًا صغيرًا حين أفصح بالنُّطق
يكون لكم عبدًا على كلِّ حالة ... ولكنَّ عبدًا ليس يرغب في العتق
وأنشدني لنفسه أيضًا: [من الطويل]
رميت بنبل الجور عن ساعد الدَّهر ... فأضحيت ملقى ما لكسري من جبر
صريع خطوب لا أرى لي مساعدًا ... على ما أعاني من عناها سوى الصَّبر
وتعليل نفسي بالأماني وإنَّ من ... يعلِّل نفسًا بالأماني لفي خسر
زمانٌ يرى فيه اللَّئيم مراده ... ويصبح فيه الحرُّ في غاية الضُّرِّ
ولولا اصطباري للردى وتجلُّدي ... لفاضت دموع العين منِّي على النَّحر
وهبني غيَّرت الدُّموع تجلدًا ... أأطفيء نارًا في الجوانح والصَّدر
وكم قائل لما رآني ناشدًا ... نصيرًا وحظِّي قد تقاعد عن نصري
أعد بهاء الدِّين تأمل ماجدًا ... يلاقيك بالإحسان والبِّر والبشر
/١٧٩ أ/ فقلت سليمان المؤمَّل بعده ... وحسبي عون الدِّين عونًا على الدهَّهر
هو السَّيِّد المفضال والنَّدس الذي ... تفرد بالعالياء والنَّائل الغمر
وأسبل ماء الجود حتَّى تزاورت ... عيون بني اللاواء عن وابل القطر
стр. 1316
حميٌّ إذا خيف الرَّدى بات جاره ... على عظم الأعداء منتفي الذُّعر
تناح مطايا معتفه بماجد ... رفيع عماد البيت مرتفع الذكر
لهم منه رفدٌ وجهه ونواله ... فلم ير إلا باذلا دائم البشر
وأنشدني لنفسه: [من الوافر]
إذا لبسوا اعمائمهم وقاموا ... على أبوابهم مثل الدَّراري
تقدِّر أنّضهم ناس كرامٌ ... وهم من كلِّ مكرمة عواري
وأنشدني لنفسه في الأمير جمال الدولة إقبال؛ وهو يومئذ نائب الدولة الصلاحية الناصرية بجلب المحروسة، وأنشأ ذلك ارتجالاً: [من الكامل]
شرفًا لدولتنا وفخرًا إذ غدت ... تتوسَّم الإقبال من إقبالها
تاهت بأنوار السَّنا جلالة ... وزهت فكان جمالها بجمالها
وأنشدني لنفسه: [من الكامل]
/١٧٩ ب/ لا تنكروا إقبال دولة يوسف ... فبرأي إقبال بدا إقبالها
وبعزمه ذل الملوك لعزِّها ... وبوصفه شرفت وزاد جمالها
وأنشدني لنفسه من أبيات: [من الطويل]
إذا حطَّ كفُّ الحظِّ عنهم اكفَّه ... وكان لعادي العاديات ذياد
يميل إليه كل قلب كأنَّما ... له من سويداء القلوب مداد
وأنشدني قوله: [من الكامل]
وحلفت لي أن لا تخون ودِّي ... وغدرت بي فغدوت بالإثم
فاسودَّ ذاك الوجه بعد بياضه ... وغدا البصاق مواضع اللثم
وأنشدني من شعره: [من الوافر]
اطالبه فيكتب لي رقاعًا ... تدل على الحماقة والرَّقاعة
فيتعبني بها من غير نفعٍ ... فليت أراحني وزوى رقاعه
وأنشدني أيضًا له: [من السريع]
ثلاثةٌ ليس لهم رابعٌ ... سادوا ومازالوا مناخيسا
محمدَّد العصفور في .... ... وابن القبيصي والذَِيا موسى
стр. 1317
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الوافر]
/١٨٠ أ/ وقالوا: أنت شرُّ النَّاس طرًا ... أتهجونا وقد قدم الإخاء
فقلت لهم ... فأرشدوني ... إلى شيء يكون له الثَّناء
.وكلُّكم غثاءٌ ... وكلُّ فعالكم عندي هجاء
وأنشدني لنفسه: [من الوافر]
رشيق القدِّ أهيفه ... دقيق الخصر مخطفه
كغصن البان مرُّ ... الرِّيح يثنيه ويعطفه
له في خدِّه وردٌ ... بلحظ العين أقطفه
ونرجس مقلة مازال يضعفني مضعَّفه
بديع الحسن يخجل عنده ... في الحسن يوسفه
أشبِّهه على علمٍ ... بأنِّي لست أنصفه
يزوِّني تجافيه ... ويطمعني تألفه
فما أدري تجافيه ... بلائي أم تالفه
وأنشدني لنفسه: [من مجزوء الخفيف]
عاتبوه لصدِّه ... ومطالي بوعده
فاستحى من عتابهم ... ودنا بعد بعده
/١٨٠ ب/ ليتهم لم يظفروا ... بالحيا ورد خدِّه
أنا في الحبِّ عبده ... وهو أولى بعبده
وأنشدني لنفسه: [من الطويل]
قديم الهوى عندي لكم وحديثه ... ولو أطنب اللاَّحي وزاد حديثه
وجلباب صدري رثَّ فيكم جديده ... وثوب غرامي في جدَّ فيكم رثيثه
ومالي معينٌ في هواكم عن الأسى ... ومن ذا يعين الصَّبَّ أم من يغيثه
فلا تعذلاني في المحبَّة واعذرا ... فسيب جفوني لا تجف غيوثه
فلو تريان الصَّبّّ في عرصة الحمى ... وقد زاد في إثر الحمول لهيثه
يناشد حادي العيث لبثًا بعيسهم ... وقد أعور الحادي عليه لبوثه
عهود الهوى أضحت عليه أكيدة ... وذلك عهدٌ لا يحلُّ نكوثه
стр. 1318
/١٣٩ أ/ ... ذكر من اسمه عمر
[٥٢٥]
عمر بن المظفر بن سعيد بن مكي بن يوسف، أبو الفتح القرشيُّ المعروف باللغوي.
من أهل الإسكندرية.
كانت ولادته بها إما في سنة ثلاث أو أربع وستين وخمسمائة، وموطنه بمصر. شاعر مجيد محكم الكلام، متفنن النظم جزل الشعر، يفوق شعراء وقته بجودة المعاني وفصاحة الألفاظ، طويل النفس في ابتداع القريض ذويد باسطة في صناعته، كثير المديح. له ذكر مشهور، وصيت متتابع بالديار المصرية.
وذكر لي الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمود أنَّه كان شيخًا كيسًا لطيفًا مليح المحاضرة /١٣٩ ب/ كثير الحفظ لأيام الناس وحكاياتهم ووقائعهم، له معرفة تامة بالأدب واللغة.
انشدني الشيخ الحافظ محبّ الدين أبو عبد الله محمد بن محمود بن الحسن البغدادي، قال: أنشدني القاضي الأجل أبو الفتح عمر بن المظفر بن سعيد القرشي لنفسه: [من الطويل]
متى يهتدي ساري السُّلوِّ لسرِّه ... وقد أشكلت سبل الغرام بصدره
وشاب وما شاب الهوى بملامه ... ولا شبَّ عمرو الوجد عن طوق صبره
ولا غيَّر الدَّهر الخؤون وفاءه ... ولا خدشت في وجهه يدغدره
ورشَّد قاضي الحبِّ في الوجد قلبه ... على أنَّه ما انفك من تحت حجره
стр. 1319
أسكان قلب كالغصا لم نأيتم ... مع القرب من عين تفيض لحرِّه
وعدتم ووصل الطَّيف إن نام طرفه ... وأغريتموه والمنام بهجره
أعاذل لا والله ما أنت منصفٌ ... بلومك من لم تدر مؤلم ضرِّه
محالٌ بأن يهوى اختيارًا متيمٌ ... ووزرٌ بأن يثنيه لاح ....
وبالصَّبِّ رفض العذل أحرى لأنَّه ... يزيد إذا حلو الغرام بمرِّه
وما اللَّوم إلاَّ كالهواء إذا خبا ... لهيب الهوى أذكاه ....
وعيني رمت قلبي وأجرسي دموعها ... مقاصصة حمرًا حرارًا كجمره
/١٤٠ أ/ أأحبابنا رفقًا بقلب لديكم ... أسير هوى لم يستطع حمل أسره
إلى م تجنَّيتم عليه وصبره ... على قدم البلوى وحادث دهره
تظافرتم والدَّهر والعدل والهوى ... على دمه من غير هاد لهدره
ألم تعلموا يا ظالميه وحسبه ... عناية مولانا الوزير بأمره
وأنَّ نظام الملك قلّد جيده ... صنائع لم يطمح لها طرف فكره
أما جوده منسيه أول مرَّة ... أما هو بعد الله محسن نشره
ومن هو بعد الموت محييه لم يكن ... ليهمله ما عاش باقي عمره
وهل غير عبد الله يرجى ويتَّقى ... لما شاء من نفع القضاء وضرِّه
قديرٌ عظيمٌ يرهب الدَّهر بأسه ... وأراف خلق الله مع عظم قدره
تورَّع عن دنيا خوى كلُّ خيرها ... ليوم وقاه الله محذور شرِّه
ولمَّا أحبَّ الله دينًا أحبَّه ... وانطق أفواه المولك بسكره
وزيرٌ أنام الملك جذلان جدّه المؤرِّق طرف الجد في شدِّ أزره
بعزم يقرُّ العاصفات رواكدًا ... وحزم يردُّ السَّيل عن مستقرِّه
أقام منار الشَّرع شرقًا ومغربًا ... بأخباره الحسنى وإحسان خبره
هو العين يوم العدل من عمر ومن ... يناويه واو الوهم في حكم عمره
/١٤٠ ب/ له العمل المبرر يرضي كبيره الإله ويحظى الخلق طرّاً بجهره
فبالعدل والإحسان لم يبق شاكيًا ... لظم ولا من .... لفقره
به اخضرَّ عود الجود وامتدَّ ظلُّه ... وأهدى إلى الآمال يانع ثمره
ينادي ندى ناديه في جمع وفده ... إلى ابن عليَّ دونكم جمَّ وفره
стр. 1320
هو البر والبحر المحيط بفضله ... المبين على برِّ الوجود وبحره
وأنشدني أيضًا، قال: انشدني لنفسه، وذكر أنه كان ببات الصاحب فدخل فخر الدين عثمان والجمال علي بن أبي منصور على الصاحب، وبقي هو على الباب فعمل بيتين ارتجالاً وسيّر بهما إلى الصاحب؛ فأذن له في الدخول وهما: [من البسيط]
مولاي لازلت مأمولاً ومقتدرًا ... ترجى وتخشى ليوم النَّفع والضَّرر
هذا عليُّ وعثمانٌ قد اجتمعا ... فكيف تعتل يا مولاي عن عمر
وانشدني، قال: أنشدني لنفسه من قصيدة: [من الطويل]
لقد شبَّ عمرو الصَّبر عن طوق ما ألقى ... وأنفد منِّي الجهد أضعاف ما أبقى
وقد عظمت دعوى الخطوب بباطل ... عليَّ ولم أعلم لها قبلي حقَّا *١٤١ أ/ ومنها:
ولم تحمد الأيَّام حظِّي بغبَّله ... خلا أنَّها لا تجمع الحظَّ والحذقا
وما استقبححت منِّي اللَّيالي سجيةً ... سوى قول قوم إنَّه يحسن النُّطقا
وحسن لغات الطَّير يقضي بحبِّها ... فيا ليتهم يجرون لي مثلها رزقا
يد الدَّهر في ضرِّي ضياعٌ وإنَّها ... لخرقاء في نفعي إذا رقَّعِّت خرقا
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من السريع]
لا تغبط المخلص في دولة ... خصَّ من السُّلطان بالقرب
واذكر أبا مسلم فيما مضى ... بالشَّرث والشِّيعيَّ بالغرب
وقال: [من الطويل]
إلى م ثوائي في خمول المنى كذا ... وأغصُّ لشربي رنق عيشي على قذى
وأمد قومًا قد حرمت عطاءهم ... وهم يبتغون المنع بالمنِّ والأذى
[٥٢٦]
عمر بن مودود بن أبي الغزِّ بن أبي الفرج بن أبي عليٍّ الدقوقيُّ التغلبي، أبو حفص.
من أهل دقوقا – بليدة من البلاد العراقية.
стр. 1321
له شعر، أنشدني الصاحب /٢٨٢/ شرف الدين أبو البركات المستوفي باربل، وأبو عبد الله محمد بن أحمد بن سعيد الأزري، قال أنشدنا عمر بن مودود التغلبي لنفسه: [من الطويل]
نمتي الكماة الغرُّ من آل تغلب ... إلى الذِّروة العلياء والخير والفضل
حماةٌ إذا نودوا ليوم كريهة ... أجابوا سراعًا غير ميل ولا عزل
وإن ركبوا يوم الوغى الخيل واعتزوا ... رأيت قدور الحرب أبردها يغلي
هم الضَّاربون الهام في حومة الوغى ... ببيض خفاف الضَّرب محكمة الصَّقل
وهم طاعنوا قلب الكماة بذبل ... طوال لدى الهيجاء خطِّية عسل
وهم قاتلوا الأملاك هدرًا .... ... وعمرو بن هند ذا الأيادي والبذل
فلست إلى قوم سواهم بمعتز ... ولا طالبًا أهلاً سواهم وهم أهلي
بنو تغلب العلياء خير بني أب ... سوى هاشم خير الأنام أولي الفضل
وبعدهم شيبان ثم جفينةٌ ... وقيسٌ وتيم اللاَّت ثمَّ بنو ذهل
وإبنا زمان بن صعب بن يشكر بن بكر أولو العلياء ثمَّ بنو عجل
/١٤٢ أ/ أولئك حيَّا وائل وبهم علت ... نزارٌ وعزَّت في حراز عن الذُّل
[٥٢٧]
عمر بن محمد بن عبد الله، أبو حفصٍ الباجسريُّ الخطيب.
من أهل باجسرا قرية كبيرة مشهورة من قرايا بغداد.
كان يعلم الصبيان ويؤدّبهم بها، وله طبع في إنشاء الشعر وعمله.
أنشدني أبو عبد الله محمد بن محمود بن محمد بن يوسف الربعي الدوري، قال:
انشدني الخطيب عمر بن محمد الباجسري لنفسه من أبيات، يمدح بها بني النجيح: [من البسيط]
السادة الغرُّ من آل النَّجيح وقد ... لالا على الروُّض من أحسابهم نور
لقد مضى لي بهم والله يعلمه ... يومٌ على سائر الأيَّام مذكور
стр. 1322
ومنها في الصيد يصف الغزالة:
إن حاولت نظر أنَّى لها نظرٌ ... ووجهها بجناح الصَّقر مستور
أو .... فبكفَّيه قد الجمها ... فصوتها حين تبغي المدَّ مقصور
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه فيهم أيضًا وقد مات لهم ولد /١٤٢ ب/ من قصيدة اولها: [من البسيط]
الشَّجو دائك لا أدري أم الطَّرب ... أين الدُّموع الَّتي تجري فتنسكب
أما لطوقك لا ينجاب أسوده ... كما محا أسودي الدَّمع والنُّوب
ومن آخرها:
أحلام عاد وحكَّامٌ إذا جلسوا ... مسدَّدين وفرسانٌ إذا ركبوا
أهل السَّماحة إن أعطو وإن وعدوا ... قوم الفصاحة إن قلُّوا وإن ...
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه من قصيدة أولها يمدح بني النجيح أيضًا:
[من المتقارب]
ذكرت صباحًا بليل أهل ... مشيبٌ بدا وشبابٌ أفل
ومنها:
هنيئًا مريئًا لآل النَّجيح ... مقامٌ تسامى إليه الأول
فللضيف ما عزَّ من نائب ... وللمجتدي عندهم ما سأل
ولو حاول الموت جارٌ لهم ... لكادوا يردُّون عنه الأجل
[٥٢٨]
عمر بن إبراهيم بن عليِّ /١٤٣ أ/ بن أبي بكر بن رخامٍ، أبو حفص الكاتب الخوجستانيّ الأصل، الدنيسريُّ المولد.
أخذ طرفًا من الأدب على الشيخ أبي العباس أحمد بن مسعود بن محمد القرطبي
стр. 1323
الخزرجي. وكان شاعرًا لطيفًا ذكيًا مطبوعًا كاتبًا خطاطًا، لذيد المحادثة، طيب المفاكهة.
استكبه نظام الدين البقش بن عبد الله القطبي، المتولي بماردين، وأقام بسنجار مدّة يعلم أبناء رؤسائها بيت يعقوب الخط. وله فيهم مدحٌ حسنة، وديوان شعره موجود وأكثره استفرغه في الغزل والنسيب والمدح والهجاء والسخف، وغير ذلك.
وكان حسن الصوت في إنشاد الشعر، صاحب مداعبة ونوادر وجد وهزل.
وكانت وفاته في المحرم سنة ستٍّ وستمائة.
أنشدني أبو الحسن علي بن يوسف بن محمد المارديني بإربل في شهر صفر سنة ثمان وعشرين وستمائة، قال: أنشدني عمر بن إبراهيم بن رخام لنفسه: [من الطويل]
اأحبابنا بالشعب من جوِّ مارد ... ترى يسمح الدّضهر الخؤون بلقياكم
عدمنا وجوه النَّاس يوم وداعكم ... وما النَّاس إلاَّ أنتم لا عدمناكم
/١٤٣ ب/ وسافرت أبغي الفضل من عند غيركم ... وما عرف النَّاس الفضيلة لولاكم
كانّضكم كنتم شباب زماننا ... فقد شابت الأيَّام منذ فقدناكم
وانشد، قال: أنشدني أبو حفص لنفسه: [من الطويل]
تراني أرى أعلام قلعة مارد ... إذا ما علا من فوق مرقبها نار
وتبدو نسيمات الشُّعيب كأنَّما ... يفتقِّها من جانب الغور عطَّار
وأنهلمن ماء النَّبيع ويشتفي ... صدى مهجة فيها من الحرن الدار
أحنُّ إلى النَّار ... تشوُّقًا ... إذا بردت من آخر اللَّيل أسحار
وإنِّي غريبٌ ما له نحو أرضه ... ولو ملك الدُّنيا حنينٌ وتذكار
إذا كان أقصى غاية المرء حفرةٌ ... فسيان إن شطَّت وإن دنت الدَّار
وإن كانت الأرزاق قسمة قاسمٍ ... فلا قلَّ مقلالٌ ولا زاد مكثار
وإن كانت الآجال حكمة حاكم ... فلا مات مقدامٌ ولا عاش خوَّار
стр. 1324
[٥٢٩]
عمر بن محمد بن عليِّ بن أبي نصر بن محمد بن يحيى بن أبي بكرٍ، أبو حفصٍ الموصليُّ، المعروف بابن الشحنة.
الاديب الشاعر من أهل الموصل ومن شعرائها /١٤٤ أ/ المقدمين وفضلائها المتميزين
قرأ القرآن العظيم بوجوه القراءت على الشيخ أبي بكر يحيى بن سعدون بن تمام الأزدي القرطبي المقريء، واشتغل بالأدب والعربية على أبي الحسن علي بن عبد الرحيم المعروف بابن العصار اللغوي البغدادي.
وحصل من كل علم طرفًا صالحًا كعلم النّحو واللغة ومعاني الشعر والأنساب والتواريخ. وكان شاعرًا مجودًا كثير السرقة، سليط اللسان، كثير الهجاء لأرباب الدول والرؤساء، لم يسلم أحد من صدور ذلك الزمان من هجائه. كان يتجرأ عليهم. وكان معاقرًا للشراب مشغوفًا به. وكان يتزيا بزي الأجناد في عنفاون أمره، ورحل إلى حضرة الملك الناصر صلاح الدين أبي المظفر يوسف بن أيوب بن شاذي – ﵁ – قاصدًا وامتدحه بالقصيدة القافية التي استحسنها الأدباء، واستجادها الفضلاء؛ فأحسن صلته عليها.
ثم عاود الموصل فمكث بها مدّة، فأبلغ نور الدين أتابك أرسلان شاه بن مسعود أنَّه تعرض لهجوه فشهره وصفعه، ثم اعتقله في السجن إلى أن مات /١٤٤ ب/ خامس عشر شوال سنة ثمان وستمائة، بقلعة من قلاعها تسمى الجديدة، وقيل أنه توفيسنة ستٍّ وستمائة. وألف في السجن كتابًا يدخل في مدلدة سمّاه: "نفثة المصدور وأنّه المأسور" وهو مجموع حسن ضمنه أشياء من الأخبار المليحة والأشعار الفصيحة؛ رأيته بخطه، عمله لسرقجاء المجاهدي. وكان مجاوره في السجن ومن جملة خطبته يقول: "فلم أفق من خمار حمرتها إلاَّ وقد بلّت بكل قريب بعيدًا، وبكل وصل صدودا، فالصغر يفتر والأحشاء تحترق".
стр. 1325
وأشعاره تفرقت بأسرها ولم يوجد منها إلاَّ اليسير، وهذه القصيدة القافيَّة أنشدنيها أبو الطليق معتوق بن أبي بكر بن سعد الخزاعي الموصلي الشاعر، قال: أنشدني الأديب أبو حفص عمر بن علي بن الشحنة لنفسه يمدح صلاح الدين يوسف بن أيوب –﵁: [من الطويل]
سلام مشوق قد براه التَّشوُّق ... على الحيِّ من وادي الغضا إذ تفرَّقوا
يرنِّحه وفد النَّسيم إذا سرت ... كتائبه والبارق المتألِّق
/١٤٥ أ/ أجيراننا كيف التَّداني وركبكم ... غدا مشئمًا حقًا وركبي معرق
أبثكم أنِّي إذا قيل قد دنا ... وشيك النَّوى ....................
وإنِّي إذا نهنهت وجدس أذاعه ... كمين أسى بين الحيازم محرق
فقلبٌ بإثر الظَّاعنين مولَّه ... أسيرٌ ودمعٌ في المنازل مطلق
ولولا ولوع الطَّرف منكم بنظرة ... لما كنت أدري حبُّكم كيف يعلق
يحرِّض شوقي إن تغنَّت بذي الغضا ... مفجَّعةٌ ورقاء واللَّيل أورق
لها معصمٌ من دمعها متخصِّبٌ ... وجيدٌ بجلباب الحداد مطوَّق
بكت شجوها والصُّبح .... ... ولا شاب من فرط الدُّجنة مفرق
ويقتادني نحو التَّصابي ملاعبٌ ... هويت بها إذا أبرق الحزن أبرق
حواها رسمها وهو صامتٌ ... وجدَّد عهدي عهدها وهو مخلق
فما الوجد إلا زفرةٌ بعد زفرة ... يكررها أو عبرةٌ تترقرق
وما الشِّعر إلاَّ مدح قوم هم الألى ... بهم يفتح الذكر الجميل ويغلق
معاشر ليس المد عنهم بعازب ... ولا ذكرهم إن أخلق الدَّهر يخلق
إذا وعدوا أوفوا وإمَّا تواعدوا ... غزتهم أناةٌ حلمها يتدفق
فوجه المعالي مسفرٌ بعلاهم ... سرورًا وغصن الجود فينان معذق
/١٤٥ ب/ وشمل الثَّنا والحمد فيهم مجمعٌ ... وإحسانهم في العالمين مفرَّق
وآملهم بين الأنام مؤمِّلٌ ... ومادحهم فيما يقول مصدِّق
أقول لسار يقطع البيد كلَّما ... طوى سملقا في سيسره جاء سملق
ينازع عن تعريسه الصبح عصبةٌ ... آمال طلاهنَّ النُّعاس المرنِّق
رويدك مغنى للنَّدى فيه مسمعٌ ... ودونك ... للعدا فيه مشرق
стр. 1326
بحيث صفيَّات الوعود عتيدةٌ ... هناك وأبكار المواعيد فرَّق
وناد صلاح الدِّين والملك الذي ... به يمنح الله العباد ويرزق
وعنِّ بذكراه المطايا فإنَّها ... إذا سمعت ذكراه تخدي وتعنق
أيا ملكًا لولا نداه وفضله ... لما علمت أفواهنا كيف تنطق
دعاني نداك المستفيض ودلَّني ... عليك شعاعٌ بين عينيك مشرق
وقاد زمامي نحو ربعك نفحةٌ ... من الجود ظلَّت بين عطفيك تعبق
وقالت لي الآمال إن كنت نازلاً ... بأبناء أيُّوب فأنت الموفَّق
يجود ندى للمعتفين إذا ... ..................
إذا نطقوا أغصى الأنام مهابة ... لديهم فلم ينبس هنالك منطق
فأقعدني عن فرض حجِّك خيفةٌ ... إذا حطرت كادت لها النَّفس تزهق
/١٤٦ أ/ ولو كنت أسطيع القرار لما ثنى ... زمام زماعي عنك بينٌ مفرِّق
وإنِّي امرؤٌ أحببتكم لمكارم ... سمعت بها والأذن كالعين تعشق
سميَّ ابن يعقوب ألم تر أنني ... أهابك أن ادعو بإسم وأشفق
فلولا أتِّقاء الله ناديت معلنًا ... حنانيك لي يا من يميت ويخلق
لقد أشعرت منك النُّفوس مهابة ... تكاد لها صمُّ الجبال تشقَّق
إذا يمَّمت أرضًا كأبك أوشكت ... لؤطأتها تلك المواطن تصعق
فما بين كفَّيك المنَّية والمنى ... كذاك السَّحاب الغمر يروي ويغرق
بزغت ونجم الجود في النَّاس خافقٌ ... ..... المطالب مخفق
وربع المعالي والمآثر مقفرٌ ... وباب الأيادي والسَّماحة مغلق
فأصبحت لاوجه الأماني آسفٌ ... لديك ولا صدر المكارم ضيِّق
تروح المنى صفر إليك فتغتدي ... لها عارضٌ من سيبك الجمِّ متأق
وعندك يضحى كاسد الحمد نافقًا ... عزيزًا وأغصان المدائح تورق
تؤلِّف شمل المكرمات فيفتدي ... غراب النَّدى في شمل مالك ينعق
تكلَّفت آجال البرايا ورزفهم ... فبأسك يحميهم ونعماك تورق
فلم يغن إلاَّ من نداك يجوده ... ولم يحي إلاَّ من له منك موثق
/١٤٦ ب/ إذا ما لسان الحمد حلَّ نطاقه ... فأنت بما يتلوه أحرى وأخلق
стр. 1327
عدلت فلم تترك عن الحقِّ عادلاً ... وجدت فلم يوجد على الأرضمملق
وأسهرت طرفًا في رضا الله لم يكن ... يؤرِّقه في اللَّهو طيفٌ مؤرِّق
وقوَّمت زيغ الدَّهر والدَّهر أصعرٌ ... وحسَّنت منه خلقة وهو أخرق
ولو رنِّقت عينام عن مورد الهدى ... طروقًا لأمسى وهو طرقٌ مرنَّق
كتيبتك الَّهباء باليمن سيرها ... ورايتك الَّفراء بالنَّصر تخفق
إذا سارتا سار القضاء مبادرًا ... يؤمُّهما من كل أوب ويحدق
وربَّ مقام قد رفعت لأهله ... سماء لها بالموت وبل وريِّيق
تكشَّف عن طود بحللمك راسخ ... وأسفر عن بدر بوجهك يشرق
لدى موطن يضحى الأكس كأنَّه ... بأرجائه من شدَّة الرَّوع أروق
إذا بستم فيه الَّوارم كلَّحت ... لها أوجهٌ كانت من البشر تشرق
فإن أظلمت آفاقه ضحكت به ... لهنَّ ثغورٌ فانثنى وهو أبلق
وإن برقت فيه الأسَّنة أصبحت ... عيون الرَّدى والحتف منهنَّ تبرق
تحوك حوامي الجرد فيه وشائعًا ... من النَّقع ... تارة وتسرق
تخال بها شمس الظهيرة مقلة ... بها حول في طرفها حين ترمق
/١٤٧ أ/ تجشَّمته والموت فيه مدلَّةٌ ... وقاب المنايا خيفة فيه تخفق
ولم ترع للنَّفس الكريمة ذمَّةٌ ... كأنَّك منها طالب الثَّأر محنق
بفيلق عزم لا يفل عديده ... يؤازره من نصر ذي العشر فيلق
وكل كميٍّ يستحرُّ به الوغى ... يشيَّعه قلبٌ إلى الموت شيِّق
يهون عليه الخطب والخطب مفظعٌ ... ويوري زناد والحرب والحرب مغدق
بكلِّ صقيل ثغره متبسمٌ ... وكلِّ قطوب بشره مترقرق
وفي تلِّ حطِّين حططت على العدا ... من الذُّل ... آيس يفرق
رميت بألحاظ الجياد جيادهم ... فضاف بهم رحب الفضاء ....
وعاطيتهم كأسًا من الموت مرَّة ... "إذا ذاقها من ذاقها يتمطَّق"
وغادرتهم صرغى أسالت طلاهمٌ ... حدود المواضي لا الرَّحيق المعتَّق
مآدب تضحى الضَّاريات تؤمُّهم ... كتائب منها دالفٌ ومحلِّق
стр. 1328
فألوى بمن أفنيت عنقاء مغربٌ ... وخامر من أبقيت مسٌ وأولق
وأبت وثغر الدِّين جذلان ضاحكٌ ... أنيقٌ وطرف الشرك خزيان مطرق
وطوَّقت أعناق البريَّة منَّة ... ينافسهم فيها الحمام المطوَّق
فذا الجود والبأس اللَّذان انتحاهما ... سجيس اللَّيالي حاتمٌ والمحرٍِّق
/١٤٧ ب/ فلولا القرى في الدَّار مبِّين لا ستوى ... جريرٌ على علاَّته والفرزدق
وفي يوم بغراس غرست صنائعًا ... يحيِّيك منها نورها وهو مونق
ومن معقل البرزين أبرزت عنوة ... غطاريف شوسًا لم .... الرتقٌ
وقدَّست أرض القدس من كل مارق ... ... في دوحة الشِّرك معرق
ولاءمت بالبيت العتيق انصداعه ... وما كاد لولا صدق عزمك يعتق
ويوم بعثت البأس منك لكوكب ... خبا كوكبٌ من عزِّة متألِّق
وحدَّثت الآمال أهليه أنَّه ... سيعصمهم منه ملاذٌ مرفَّق
وما علموا أنَّ سوف تشعره الرَّدى ... ولو أنَّه بالشِّعريين معلَّق
وإن ترم سورًا سورةٌ منك تردها ... ولم يحمها سورٌ مشيدٌ وخندق
فدونكها إنَّ القضاء مساعفٌ ... وعزمك ماض والإله موفِّق
يصلِّي على أفعالك الله دائمًا ... ويثنى عليهنَّ الكتاب المصدِّق
امولي البرايا ها مساعيك غضَّةٌ ... وها مدحي فيها تروق وتونق
وها أنت مفقود القرين وها أنا ... لعضب لساني فيك حدٌّ مذلَّق
وما اعتمت فيك الحمد إلاَّ رأيتني ... بفكري في روض العلا أتأنَّق
يجوب موامي النُّطق طول ترنُّمي ... وأفتق أبكار المعاني وأرتق
/١٤٨ أ/ ولمَّا التقى شعري وجودك ألفَّا ... لنفسي رجاءً شعبة متفرِّق
وأصبحت لا صوتي لديك مخفَّضٌ ... ذليلٌ ولا سمعي بناديك أفوق
فما شاء فليبخل ومن شاء فليجد ... كفاني كفاني سيبك المتدفِّق
فكم من حسود ودَّ أنَّ مطالبي ... تكدَّ من جدواك ثمَّ ترنَّق
أتيتك لمَّا غالني الدَّهر واعتدى ... أديمي بظفر النَّائبات يمزَّق
стр. 1329
وألقيت آمالي بأبلج خلته ... بفعل النَّدى لم يلف فيه تخلُّق
يصور إليه الحمد والحمد آبقٌ ... ويبعد عنه الذَّام والذَّام مونق
فعال إلى حبِّ القلوب محبَّبٌ ... ووجهٌ إلى لحظ العيون معشَّق
ولمَّا غدا نحو المكارم سابقًا ... غدوت إلى شأو المحامد أسبق
يرجَّى الحيا من بشره وهو ضاحكٌ ... ويخشى الرَّدى من بأسه حين يطرق
ارحت غليه عاز الحمد فاغتدى ... يغرِّب في الآفاق ثمَّ يشرِّق
ومازلت مذ عامان أقرع غربه ... مخافة واش وهو في الغمد يقلق
أعدني إلى أهلي بنعمى يقلُّها ... كميتٌ يزيل اللِّبد عنه ويزلق
أأنتم من أبناء الوجيه ولاحق ... أصمّ الحوامي شأوه ليس يلحق
وأدهم يفري اللَّيل منه بغرة ... كأنَّ سناها كوكبٌ يتألَّق
/١٤٨ ب/ سليم الشَّظا عبل الشَّوى لا مثَّبط ... أرحُّ ولا واهي الظَّنابيب أطرق
شديد المطا نهد القصرى مقلِّصٌ ... سرابيله غاري النَّواهق أعتق
دفووقٌ أجشُّ الصَّوت أمَّا إهابه ... فرحبٌ وأمَّا خلقه فموثِّق
إذا رمقته مقلة العين مقبلاً ... فظبيٌ وأمَّا استدبرته فنقنق
يكون لدعوى الغداة مبيِّناً ... وشاهد عدل لي بنعماك يصدق
بقيت لإبقاء المكارم إنَّه ... على الدَّهر نورٌ ما بقيت ورونق
وأنشدني أبو الفضل مودد بن مسعود الإربلي، قال: أنشدني عمر بن الشحنة لنفسه يستدعي صديقًا له وأنشأ ذلك إرتجالاً: [من البسيط]
سبتٌ ودجنٌ وكانونٌ وميلاد ... وماجنٌ لرياض اللَّهو ميعاد
وقهوةٌ كميحَّا من كلفت به ... أو كاعتقاد خليع فيه إلحاد
راقت فرقَّت فخلنا أنَّها شفقٌ ... .... من نواحي الكأس وقَّاد
صاغ الحباب بأعلى رأسها عجلاً ... تاجًا لآلؤه مثنى وإفراد
ومجلس ظلَّ محفوفًا بأربعة ... تخالفت فهي للأرواح أضداد
стр. 1330
فالغيث منسجمٌ والبرق مبتسمٌ ... والورق نائحةٌ والعصن ميَّاد
/١٤٩ أ/ فوافنا ودع التَّحويف تحظ لها ... .... همّه نسكٌ وإرشاد
وأيقظ اللَّهو والأيَّام راقدةٌ ... ففي الشَّبيبة إسعافٌ وإسعاد
ولا يصاحبك من هذا الورى أحدٌ ... إلا خليعٌ وخمَّارٌ وقوَّاد
عصابةٌ رغبت فيما يعجِّله ... لها السرور وفيما قيل زهَّاد
وأنشدني أبو الحسن علي بن محمد التلعفري، قال أنشدني أبو حفص بن الشحنة لنفسه في يوسف بن بركة بن عراج الشيباني التلعفري الشاعر. وكان يلقب بالنجم: [من الوافر]
مبني شيبان إن ذكرت فعالٌ ... لكم في كلِّ مخزية علاء
وجوهٌ من سمات اللؤم ملآى ... مذمَّمةٌ وأفئدةٌ هواء
إذا سفكت على كرم دماءٌ ... يسيل لهم على اللُّؤم الدِّماء
وعهدي بالنُّجوم لها ضياءٌ ... وليس لنجمكم هذا ضياء
وأنشد [ني] أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن حمدان العروضي الموصلي، قال: أنشدني أبو حفص لنفسه يصف الشقائق: [من البسيط]
/١٤٩ ب/ هذه الشَّقائق قد أبدت محاسنها ... إلى العيون عيون كلُّها دعج
إذا توقَّد ما بين الرِّياض ضحى ... يخاله من رآه أنَّه سرج
كأنَّه فوق ساق من زمرُّدة ... مداهنٌ من عقيق حشوها سبج
وأنشدني، قال: أنشدني فيها لنفسه: [من البسيط]
ضربٌ أنيقٌ يروِّي العين منظره ... أتاك في خير وقت خير منعوت
كأنَّما الطَّل في أوراقه سحرًا ... لآليء نثرت في صحن ياقوت
وأنشدني، عبد الكريم بن الزكي بن شبانة المعلم الحظيري، قال: أنشدني عمر لنفسه: [من الطويل]
يحرِّض أشواقي إلى من اودُّه ... سنى بارق بالرَّقمتين يلوح
وهاتفةٌ بالبان تملي من الجوى ... صحائف لم يعلم لهنَّ نزوح
تغنَّت فأبكتني جوًا ولقلَّما ... بكى من غناء الأعجميِّ فصيح
стр. 1331
فقلت وفي الأحشاء من لاعج الهوى ... صبابة وجد تغتدي وتروح
كلا شجنينا واحدٌ غير أنَّني ... أكتِّم ما ألقاه وهي تبوح
وصيَّرني ههذا الهوى وفنونه ... أعلِّم ذات الطَّوق كيف تنوح
ونقلت من خطة قصيدة طويلة /١٥٠ أ/ مدح بها أتابك نور الدين أبا الحارث ارسلان شاه بن مسعود بن مودود –﵁ أولها قوله: [من الكامل]
طربًا أقول إذا الحمام ترنَّما ... عيشٌ لنا بالأبرقين تصرَّما
قصرت مسافته فكان لزائرٍ ... وافاك في سنة الرُّقاد مسلِّما
أشكو تباعده بعين كلَّما ... نهنهت فيض دموعها فاضت دما
فاعص اللَّوائم في هواك فإنَّما ... رشد الميتَّم أن .... اللُّوَّما
واشرب على زهر الرَّبيع سلافة ... كالشَّمس يبدي المزج منها انجما
أفما ترى نوَّاره فكأنَّه ... نشوان أصبح باكيًا متبسِّما
رقد النَّسيم بجانبيه فنبَّهت ... أنفساه منه عيونًا نوَّما
وسرى بنمنم وشيه فحسبته ... وافى بأخبار الأحبَّة نعَّما
صقلت حواشي روضه فكأنَّه ... من حسنه قد همَّ أن يتكلمَّما
تشدو فيخبر مغرمٌ عن مغرمٍ ... منها ويفصح معرب عن أعجما
بدع أبدع في السماح .... كالغيث أنجد في البلاد وأتهما
/١٥٠ ب/ أضحت أغضَّ من الصِّبا والذَّمن ... شكوى المحبًّ إلى حبيب أنعما
بهج الزَّمان بها فخلنا أنَّه ... من نور نور الدِّين ألبس أنعما
ملكٌ له المجد القديم وكلَّما ... قدمت مباني المجد أصبح ....
متواضعٌ وأقلُّ ما يعتدُّه ... منه التَّواضع أن يكون معظَّما
إن ضاق دهرٌ كان مسرح همِّه ... رحابًا وإن عبس الزَّمان تبسَّما
فإذا ارتقى في قلَّة من سؤدد ... هتفت به أخرى لكي يتقدمَّا
صدقت مخايله اللَّواتي لم أزل ... قدمًا لبارق أفقها متوسِّما
وعلمت أنَّ البرق عند وميضه ... يهدي تألقه الغمام المثجما
стр. 1332
كهل الأناة فتى .... إذا انتحى للخطب كان ... والقشعما
هزَّته معضلةٌ فلاقت صلَّباً ... حطمٌا يردُّ وشيجها متحطِّما
سفرت خلائقه فكنَّ مشارقًأ ... وسمت فجاوزت السُّهما والمرزما
وإذا ترفَّع في المناسب عدَّ من ... شرف الأبوَّة ما يباهى الأنجما
يتجشم الجلَّى ومن يبغ الَّذي ... يبغى يهون عليه أن يتجشَّما
راض الصِّعاب الجامحات فأصبحت ... وأعاد مناد الزَّمان مقوَّما
قد ألفت فيه القلوب فما ترى ... منهنَّ إلاَّ مثنياً ومعظمِّما
/١٥١ أ/ تتلو وقائعه الصَّوارم والقنا ... غبَّ الوغى معلولة ومحطما
أحيت صنائعه أباه وذو العلا ... من ظلَّ يحيى بالصنيع الأعظما
فلو أنَّ زنكيًا رآه لقال من ... طرب شبيهك من يقال له ابن ما
لله منجيةٌ غذته فإنَّها ... كانت أبرَّ المنجبات وأكرما
في كلِّ أرض قد أقام لنصره ... عرسًا ومن رزء الأعادي مأتمًا
تلك النَّواحي من نصيبين اغتدت ... عبري وأنُّ البشر ثكلى أيمِّما
والجو أكلف والجناب لحربه ... محلٌ وضوء صبحاها قد أظلما
وأرى القباب المستهلَّ أصبحت ... ولها تعضُّ بنانها والمعصما
وافيتها فرأت بناطر زغبها ... نارًا مضرّضمة وبحرًا خضرما
ما رزء عموريَّة بأشدَّ من ... رزء أصابت من يديك وأعظما
جمحت بفضل لجامها وتذلَّلت ... لمَّا رأتك لطرف بأسك ملجما
يا وقعة حبطت عداك فقلقلت ... من كان منهم منجدًا أو متهما
أطلعت فيهم من عقابك أنجمًا ... تأبى بغير نفوسهم أن تنجما
وصحبتهم بكتائب كتبت لهم ... بأنامل الخرصان سطرًا معجما
جيشٌ لمنفسح الفضاء ترى له ... في كلِّ أرض منهجًا أو معلما
/١٥١ ب/ ضوضاؤه زجل الحديد وقبله .. ز دعوى فوارسه هلمَّ وأينما
خلنا الجبال تسير عند مسيره ... أنِّى استقلَّ بها وأنَّى يمَّما
стр. 1333
نظروه شزرًا فانثنت أبصارهم ... من خوفه فكأنَّما حشيت عمى
ولقيت جمَّاعًا صدمت خميسهم ... بخميس جمع كنت فيه مقدَّما
خضت المياه إليهم بفوارس .... تركته بالركض نقَّعًا أسحما
كانت منمنمة الرِّياض فغصنها ... روضًا بنوَّار الدِّما متبسِّما
رتعت بها بهم العدوِّ فصادفت ... مستوبلاً من رعيها متوخِّما
وأتيتها مبيضَّة فسكوتها ... بردًا بمودِّ القتام مسهَّما
قدت الجياد على الجياد شوازبًا ... سرعًأ .....................
من كلِّ أشوس لا ..... ... إلاَّ صقيلاً أو سنانًا لهدفا
يتقاتلون على المنون كأنَّما ... ................... مغنما
ما كان إلا لحظةً حتَّى ثووا ... في ذلك الضَّحضاح صرعى حوَّما
................... وهاربٌ ... فرقٌ ومرتثٌ ينوء مكلَّما
وطعنت ثغره كيدهم بعزيمة ... كانت ........ إليهم سلَّما
يا يوم تلِّ أبي خشير والرَّدى ... حرَّان يفغر بالمنون له فما
/١٥١ أ/ يومًا هدمت به الرؤوس عن الطُّلى ... وبنيت مجدًا كان أمس مهدَّما
كنت المسعِّر ناره والمصطلي ... بضرامه والمخمد المتضرِّ ما
خرست شقاشق أهله لما غدا الخطَّي في أقطاره متكلِّما
يا أيَّها الملك الَّذي أيَّامه ... أضحى بها نقص الزَّمان متمَّما
فتحٌ ونصر وافيا لك فاغتدى ... ثغر العلا يفترُّ عنه وعنهما
كانا كمثل البطشة الكبرى التي ... عن ذكرها القرآن جاء مترجما
با جامع الآمال وهي شواردٌ ... ينشدن مغنى للندى ومخيَّما
جنيًا إليك نجوب كلَّ تنوفة ... قفر وتجتاب الظَّلام الأقتما
تزجي ركائب همَّة لو أنَّها ... عيسٌ ..... الجديل وشدقما
ترجو أيادي من إغارتك التي ... كانت على الأعداء سيلاً أبهما
جدلي بأجرد إن تعرض خلته ... سيدًا تمطَّر في الدُّجى فتقحَّما
стр. 1334
إمّا بأدهم [ك] الدُّجى ذي غرَّة ... كالنَّجم يشرق أو بأشقر أرقما
ينمى إلى آل الوجيه ولاحق ... متلاحق الأقراب ليس بأهضما
مثل الظليم إذا تهادى مدبرًا ... والظَّبي إن لاقيته مستقدما
..... الأذنين تحسب أنَّه ... بهما يحاول أن يرى أو يعلما
/١٥٢ ب/ هزج الصَّهيل كأنَّما ترجيعه ... ترجيع نشوان غدا مترنِّما
عاري النَّواهق مشرف حجباته ... سامي التَّليل إذا استلف محمحما
نهض الحصى فتخاله في إثره ... بردًا هوى أو وابلاً قد أرزما
وقال أيضًا: [من الكامل]
ومهفهف ثمل القوام كأنَّه ... غصنٌ تميِّله الصَّبا فيميل
قد أسقمتنب صحَّةٌ في طرفه ... وأمرَّ عيشي ريقه المعسول
أعتاده بالعتب عند مغيبه ... فإذا بدا لم أدركيف أقول
نادمته واللَّيل قد حلَّت عرى ... ظلمائه ورواقه مسدول
في روضة نوَّارها متبسِّمٌ ... عجبًا ودمع غمامها مطلول
نثر النَّدى فيها لآليء عقده ... فغدا لها من نثره إكليل
يهتز من ولع النَّسيم كأنّما ... دارت عليه بالشِّمال شمول
وله من قصيدة: [من المديد]
كم بذاك الشِّعب من دنف ... وسليم ماله راقي
وصريع من مدام هوى ... عصرت من وجنة السَّاقي
قمر لولا محاسنه ... قامت الدُّنيا على ساق
/١٥٣ أ/ كلَّما حاولت سلوته ... ردَّني شوقي وإشفاقي
[٥٣٠]
عمر بن عليِّ بن عبد العزيز بن المفرض، أبو حفص الحمويُّ
شخص إلى الديار المصرية واستوطنها إلى أن مات بها، ومن شعره:
[من الخفيف]
стр. 1335
أخبرتنا عن دنِّها المختوم ... خبر الكهف مسندًا والرَّقيم
زوجة الماء أم لهو عروس ... وأبوها العنقود بنت الكروم
وقرأنا ما أعلمت فتعوَّد ... إن طغى الهمُّ بالسَّميع العليم
خاطبتني أن ادن منِّي فلمَّا ... أن تبدَّت آنست نار الكليم
قلت هذا الخليل في نار نمرود سليمٌ من العذاب الأليم
فإلى بائع المدامة هل لي ... من صديق أو من شفيع حميم
فاسقنيها جهرًا ودعني من قول عتُّل من بعد ذاك زينم
أنا لمَّا نذرت سفك دم الزِّقِّ رجاً للأجر والتَّعظيم
قال خمَّارها وقد جاء بالبشرى وعتقي من كفِّ رقِّ الهموم
قد صدقت الرُّؤيا فإنَّا فديناك بزقٍّ فابشر بذبح عظيم
/١٥٣ ب/ إنَّ دين اللَّذات منِّي على خمسٍ فخذها عن مذهب مستقيم
زمن الورد والشَّباب وتبرٌ ... والحبيب الوافي وبنت الكروم
هو من أهل الديار المصرية، أصله من الشام الشيخ النبيل المتفنن في جميع العلوم الدينية والأدبية. وكان من الشعراء المتوسعين في الكلام، المتقدرين على إنشائه في عصرنا، مطيلاً في قصائده وربما بلغت قصيدته ثمانمائة بيت؛ وذلك لقوته في النظم، وغزارة مادته، واتساع باعه، وسرعة خاطره في نحت القوافي. وكان عالمًا بصناعة الشعر ومعانيه، ولم يمدح لأحد إلاَّ كان يقوله نظريًا لنفسه، ولم يقبل من أحد جزاء لشرف نفسه وعزتها. وكان مع ذلك رجلاً من عباد الله الصالحين وأوليائه المتقين؛ زاهدًا عما في أيدي الناس، سالكًا طريقة السلف الصالح، ويذهب مذهب /١٥٤ أ/ التصرف. يقنع بما رزقه [الله] تعالى:
وكانت وفاته يوم الثلاثاء الثاني من جمادى الأولى سنة اثنتين وثلاثين وستمائة بالقاهرة المعزيَّة.
следующие страницы →