← Тараджим

Тараджим · id 20990

قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان

ابن الشعار

Полный текст (2 778 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

فقلت وفي الأحشاء من لاعج الهوى ... صبابة وجد تغتدي وتروح كلا شجنينا واحدٌ غير أنَّني ... أكتِّم ما ألقاه وهي تبوح وصيَّرني ههذا الهوى وفنونه ... أعلِّم ذات الطَّوق كيف تنوح ونقلت من خطة قصيدة طويلة /١٥٠ أ/ مدح بها أتابك نور الدين أبا الحارث ارسلان شاه بن مسعود بن مودود –﵁ أولها قوله: [من الكامل] طربًا أقول إذا الحمام ترنَّما ... عيشٌ لنا بالأبرقين تصرَّما قصرت مسافته فكان لزائرٍ ... وافاك في سنة الرُّقاد مسلِّما أشكو تباعده بعين كلَّما ... نهنهت فيض دموعها فاضت دما فاعص اللَّوائم في هواك فإنَّما ... رشد الميتَّم أن .... اللُّوَّما واشرب على زهر الرَّبيع سلافة ... كالشَّمس يبدي المزج منها انجما أفما ترى نوَّاره فكأنَّه ... نشوان أصبح باكيًا متبسِّما رقد النَّسيم بجانبيه فنبَّهت ... أنفساه منه عيونًا نوَّما وسرى بنمنم وشيه فحسبته ... وافى بأخبار الأحبَّة نعَّما صقلت حواشي روضه فكأنَّه ... من حسنه قد همَّ أن يتكلمَّما تشدو فيخبر مغرمٌ عن مغرمٍ ... منها ويفصح معرب عن أعجما بدع أبدع في السماح .... كالغيث أنجد في البلاد وأتهما /١٥٠ ب/ أضحت أغضَّ من الصِّبا والذَّمن ... شكوى المحبًّ إلى حبيب أنعما بهج الزَّمان بها فخلنا أنَّه ... من نور نور الدِّين ألبس أنعما ملكٌ له المجد القديم وكلَّما ... قدمت مباني المجد أصبح .... متواضعٌ وأقلُّ ما يعتدُّه ... منه التَّواضع أن يكون معظَّما إن ضاق دهرٌ كان مسرح همِّه ... رحابًا وإن عبس الزَّمان تبسَّما فإذا ارتقى في قلَّة من سؤدد ... هتفت به أخرى لكي يتقدمَّا صدقت مخايله اللَّواتي لم أزل ... قدمًا لبارق أفقها متوسِّما وعلمت أنَّ البرق عند وميضه ... يهدي تألقه الغمام المثجما

стр. 1332

كهل الأناة فتى .... إذا انتحى للخطب كان ... والقشعما هزَّته معضلةٌ فلاقت صلَّباً ... حطمٌا يردُّ وشيجها متحطِّما سفرت خلائقه فكنَّ مشارقًأ ... وسمت فجاوزت السُّهما والمرزما وإذا ترفَّع في المناسب عدَّ من ... شرف الأبوَّة ما يباهى الأنجما يتجشم الجلَّى ومن يبغ الَّذي ... يبغى يهون عليه أن يتجشَّما راض الصِّعاب الجامحات فأصبحت ... وأعاد مناد الزَّمان مقوَّما قد ألفت فيه القلوب فما ترى ... منهنَّ إلاَّ مثنياً ومعظمِّما /١٥١ أ/ تتلو وقائعه الصَّوارم والقنا ... غبَّ الوغى معلولة ومحطما أحيت صنائعه أباه وذو العلا ... من ظلَّ يحيى بالصنيع الأعظما فلو أنَّ زنكيًا رآه لقال من ... طرب شبيهك من يقال له ابن ما لله منجيةٌ غذته فإنَّها ... كانت أبرَّ المنجبات وأكرما في كلِّ أرض قد أقام لنصره ... عرسًا ومن رزء الأعادي مأتمًا تلك النَّواحي من نصيبين اغتدت ... عبري وأنُّ البشر ثكلى أيمِّما والجو أكلف والجناب لحربه ... محلٌ وضوء صبحاها قد أظلما وأرى القباب المستهلَّ أصبحت ... ولها تعضُّ بنانها والمعصما وافيتها فرأت بناطر زغبها ... نارًا مضرّضمة وبحرًا خضرما ما رزء عموريَّة بأشدَّ من ... رزء أصابت من يديك وأعظما جمحت بفضل لجامها وتذلَّلت ... لمَّا رأتك لطرف بأسك ملجما يا وقعة حبطت عداك فقلقلت ... من كان منهم منجدًا أو متهما أطلعت فيهم من عقابك أنجمًا ... تأبى بغير نفوسهم أن تنجما وصحبتهم بكتائب كتبت لهم ... بأنامل الخرصان سطرًا معجما جيشٌ لمنفسح الفضاء ترى له ... في كلِّ أرض منهجًا أو معلما /١٥١ ب/ ضوضاؤه زجل الحديد وقبله .. ز دعوى فوارسه هلمَّ وأينما خلنا الجبال تسير عند مسيره ... أنِّى استقلَّ بها وأنَّى يمَّما

стр. 1333

نظروه شزرًا فانثنت أبصارهم ... من خوفه فكأنَّما حشيت عمى ولقيت جمَّاعًا صدمت خميسهم ... بخميس جمع كنت فيه مقدَّما خضت المياه إليهم بفوارس .... تركته بالركض نقَّعًا أسحما كانت منمنمة الرِّياض فغصنها ... روضًا بنوَّار الدِّما متبسِّما رتعت بها بهم العدوِّ فصادفت ... مستوبلاً من رعيها متوخِّما وأتيتها مبيضَّة فسكوتها ... بردًا بمودِّ القتام مسهَّما قدت الجياد على الجياد شوازبًا ... سرعًأ ..................... من كلِّ أشوس لا ..... ... إلاَّ صقيلاً أو سنانًا لهدفا يتقاتلون على المنون كأنَّما ... ................... مغنما ما كان إلا لحظةً حتَّى ثووا ... في ذلك الضَّحضاح صرعى حوَّما ................... وهاربٌ ... فرقٌ ومرتثٌ ينوء مكلَّما وطعنت ثغره كيدهم بعزيمة ... كانت ........ إليهم سلَّما يا يوم تلِّ أبي خشير والرَّدى ... حرَّان يفغر بالمنون له فما /١٥١ أ/ يومًا هدمت به الرؤوس عن الطُّلى ... وبنيت مجدًا كان أمس مهدَّما كنت المسعِّر ناره والمصطلي ... بضرامه والمخمد المتضرِّ ما خرست شقاشق أهله لما غدا الخطَّي في أقطاره متكلِّما يا أيَّها الملك الَّذي أيَّامه ... أضحى بها نقص الزَّمان متمَّما فتحٌ ونصر وافيا لك فاغتدى ... ثغر العلا يفترُّ عنه وعنهما كانا كمثل البطشة الكبرى التي ... عن ذكرها القرآن جاء مترجما با جامع الآمال وهي شواردٌ ... ينشدن مغنى للندى ومخيَّما جنيًا إليك نجوب كلَّ تنوفة ... قفر وتجتاب الظَّلام الأقتما تزجي ركائب همَّة لو أنَّها ... عيسٌ ..... الجديل وشدقما ترجو أيادي من إغارتك التي ... كانت على الأعداء سيلاً أبهما جدلي بأجرد إن تعرض خلته ... سيدًا تمطَّر في الدُّجى فتقحَّما

стр. 1334

إمّا بأدهم [ك] الدُّجى ذي غرَّة ... كالنَّجم يشرق أو بأشقر أرقما ينمى إلى آل الوجيه ولاحق ... متلاحق الأقراب ليس بأهضما مثل الظليم إذا تهادى مدبرًا ... والظَّبي إن لاقيته مستقدما ..... الأذنين تحسب أنَّه ... بهما يحاول أن يرى أو يعلما /١٥٢ ب/ هزج الصَّهيل كأنَّما ترجيعه ... ترجيع نشوان غدا مترنِّما عاري النَّواهق مشرف حجباته ... سامي التَّليل إذا استلف محمحما نهض الحصى فتخاله في إثره ... بردًا هوى أو وابلاً قد أرزما وقال أيضًا: [من الكامل] ومهفهف ثمل القوام كأنَّه ... غصنٌ تميِّله الصَّبا فيميل قد أسقمتنب صحَّةٌ في طرفه ... وأمرَّ عيشي ريقه المعسول أعتاده بالعتب عند مغيبه ... فإذا بدا لم أدركيف أقول نادمته واللَّيل قد حلَّت عرى ... ظلمائه ورواقه مسدول في روضة نوَّارها متبسِّمٌ ... عجبًا ودمع غمامها مطلول نثر النَّدى فيها لآليء عقده ... فغدا لها من نثره إكليل يهتز من ولع النَّسيم كأنّما ... دارت عليه بالشِّمال شمول وله من قصيدة: [من المديد] كم بذاك الشِّعب من دنف ... وسليم ماله راقي وصريع من مدام هوى ... عصرت من وجنة السَّاقي قمر لولا محاسنه ... قامت الدُّنيا على ساق /١٥٣ أ/ كلَّما حاولت سلوته ... ردَّني شوقي وإشفاقي [٥٣٠] عمر بن عليِّ بن عبد العزيز بن المفرض، أبو حفص الحمويُّ شخص إلى الديار المصرية واستوطنها إلى أن مات بها، ومن شعره: [من الخفيف]

стр. 1335

أخبرتنا عن دنِّها المختوم ... خبر الكهف مسندًا والرَّقيم زوجة الماء أم لهو عروس ... وأبوها العنقود بنت الكروم وقرأنا ما أعلمت فتعوَّد ... إن طغى الهمُّ بالسَّميع العليم خاطبتني أن ادن منِّي فلمَّا ... أن تبدَّت آنست نار الكليم قلت هذا الخليل في نار نمرود سليمٌ من العذاب الأليم فإلى بائع المدامة هل لي ... من صديق أو من شفيع حميم فاسقنيها جهرًا ودعني من قول عتُّل من بعد ذاك زينم أنا لمَّا نذرت سفك دم الزِّقِّ رجاً للأجر والتَّعظيم قال خمَّارها وقد جاء بالبشرى وعتقي من كفِّ رقِّ الهموم قد صدقت الرُّؤيا فإنَّا فديناك بزقٍّ فابشر بذبح عظيم /١٥٣ ب/ إنَّ دين اللَّذات منِّي على خمسٍ فخذها عن مذهب مستقيم زمن الورد والشَّباب وتبرٌ ... والحبيب الوافي وبنت الكروم هو من أهل الديار المصرية، أصله من الشام الشيخ النبيل المتفنن في جميع العلوم الدينية والأدبية. وكان من الشعراء المتوسعين في الكلام، المتقدرين على إنشائه في عصرنا، مطيلاً في قصائده وربما بلغت قصيدته ثمانمائة بيت؛ وذلك لقوته في النظم، وغزارة مادته، واتساع باعه، وسرعة خاطره في نحت القوافي. وكان عالمًا بصناعة الشعر ومعانيه، ولم يمدح لأحد إلاَّ كان يقوله نظريًا لنفسه، ولم يقبل من أحد جزاء لشرف نفسه وعزتها. وكان مع ذلك رجلاً من عباد الله الصالحين وأوليائه المتقين؛ زاهدًا عما في أيدي الناس، سالكًا طريقة السلف الصالح، ويذهب مذهب /١٥٤ أ/ التصرف. يقنع بما رزقه [الله] تعالى: وكانت وفاته يوم الثلاثاء الثاني من جمادى الأولى سنة اثنتين وثلاثين وستمائة بالقاهرة المعزيَّة.

стр. 1336

[٥٣١] عمر بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله –ويلقب عمُّويه- بن سعد بن الحسن بن القاسم بن النضر بن القاسم بن محمد بن عبد الله بن القاسم [بن محمد] بن أبي بكر الصديق –﵁، الشيخ أبو عبد الله، وقيل ابو حفص، الصوفيُّ السُّهرورديّ الواعظ. كانت ولادته سنة تسع وثلاثين وخمسمائة بسهرود، وقدم بغداد شابًا بعد وفاة أبي وأبو زرعة طاهر بن محمد المقدسي، وعمُّه أبو النجيب عبد القاهر بن عبد الله السُّهروردي؛ وعنه أخذ التصوف والوعظ، وكان شيخ العراق في وقته، عالمًا متقدمًا ذا لسان بكلام القوم ناطق، وقدم في الطريقة ثابت. سافر في صباه /١٥٤ ب/ الكثر على قدم التجريد؛ ثم عاد إلى بغداد فصار غمام عصره، وأوحد زمانه، وممن يشار إليه في علم الحقيقة والطريقة موصوفًا بالعقل والدين، وكثرة العبادة والاجتهاد. وقريء عليه الحديث. وتولى ببغداد عدّة ربط للصوفيّة، وأنفذ للديوان العزيز رسولاً إلى عدَّة جهات. وله تصانيف، منها: كتاب "عوارف المعارف" فيما يتعلق بالتصوف وآدابه وأحوال المتصوفة، وكتاب، "بغية البيان في تفسير القرآن" وكتاب "رشف النصائح الإيمانية وكشف الفضائح اليونانيّة" صنَّفه ردًا على أصحاب البدع والحكماء والمنجمين، وتهجين أقوالهم. ولي منه إجازة.

стр. 1337

وخبرت أنَّه توفي في المحرم سنة إثنتين وثلاثين وستمائة ببغداد بجانبها الشرقي في رباط المأمونية –﵁. أنشدني أبو الكرم محمود بن يسف بن صاعد بن عبد الواحد الخوارزمي، وأبو علي عبد الله بن عبد الكريم بن عبد الرحمن بن أحمد الطوسي، قالا: أنشدنا سلطان المشايخ/ ١٥٥ أ/ السُّهرودي لنفسه: [من مخلّع البسيط] تصرَّمت وحشة اللَّيالي ... وأقبلت دولة الوصال وصار بالوصل لي حسودًا ... من كان من هجركم رثي لي ونظرةٌ منكم بروحي ... إن رمتم لم يكن بغالي وحقكم بعد إذ حصلتم ... بكلِّ ما فات لا أبالي وقال أيضًا: [من المتقارب] أيا صاحبي قد سئمت السُّرى ... فمن لي بعين تذوق الكرى أرى نارهم والهوى سائقي ... وقد هيَّج الشّضوق من أسهرا وقد دار في القلب كأس الهوى ... فذو الوجد لاشكَّ أن يسهر وقد دار في القلب كأس الهوى ... فذو الوجد لاشكَّ أن يسهرا ولوعي بسكَّان دار العقيق ... رخيصٌ بروحي أن يشترى فلا عرفت مهجتي سلوة ... ولازلت في الحبِّ مستهترا فيا قلب مالك لا ترعوي ... ولا ترتضي طيفهم إن سرى فوهم عينك وصل الحبيب ... وطيف يزورك كل القرى تمتَّع ففي الحبِّ مستمتعٌ ... فإلمامه جلَّ أن يذكرا برامة ريمٌ يثير الجوى ... ويصطاد بالقهر أسد الشَّرى

стр. 1338

[٥٣٢] /١٥٥ ب/ عمر بن الحسن بن عليِّ بن محّمد بن فرح بن خلف بن قومس بن مزلال بن ملاَّل بن أحمد بن بدر بن دخية بن خليفة بن فروة الكلبيُّ، صاحب رسول الله – ﷺ هكذا نسب نفسه. ويقول أيضًا: سبط أبي البسّام موسى بن عبد الله بن الحسين بن جعفر بن عليِّ بن محمد بن عليِّ بن محمد بن عليَّ بن الحسين بن عليٍّ بن أبي طالب –﵁. يكنى أبا الخطّاب بن أبي عليٍّ، ويعرف بذي النسبين. كذلك يكتب بخطّ يده في الكتب. وهو فقيه شافعي المذهب، محدّث حافظ إمام فاضل عارف بالقراءات واللغة، وتفسير القرآن الكريم، فصيح في إيراده. رحل في طلب الحديث إلى الشام والعراق وخراسان وغيرهما من البلاد، وصنّف كتابًا سماه: "مرج البحرين" فيما يتعلق بالحديث للملك الكامل ناصر الدين

стр. 1339

أبي المعالي محمد بن أبي بكر بن أيوب. قدم بعد عوده من البلاد الخراسانية مدينة إربل، واتصل بسلطانها الملك المعظم مظفر الدين أبي سعيد كوكبوري. /١٥٦ ا/ ابن علي بكتكين –﵁ قبالغ في إكرامه وانعم عليه إنعامًا عظيمًا. وصنف له كتابًا سماه: "كتاب التنوير في مولد السراج المنير" يتضمن ذكر ولاده النبي – ﷺ وشدّة شعفه بذلك، وإصغائه إليه. وذلك أنَّ الملك المعظم مظفر الدين –قدّس الله روحه- إنفرد بشيء ما سبقه أحدٌ إليه من الملوك الماضين، والخلفاء المتقدمين واختصّ به دونهم تبركًا بولادته –﵇ فأنه كان يأمر بنصب القباب من الخشب متصَّلة منتظمة من الخانقاه التي تحت القلعة المحروسة إلى الخانقاه التي تقرب من دار السلطنة بالمدينة، منذ مستهل شهر صفر، وتزيَّن في العشرين منه بالات الثياب، وأنواع السلاح، والأقمشة الفاخرة، وتعلق فيها التعاليق، ويغني فيها المغنون وأرباب الطرب، ويقصدها الناس للتفرج من أقطار البلدان، فلم يزل كذلك ثاني عشر بيع الأول؛ وهو مولده – ﷺ ثم ترفع القباب ويخلع على الوعاظ. /١٥٦ ب/ والعلماء والقراء، ويخرج الصدقات على الفقراء والغرباء الواردين البلد من الصوفية وغيرهم من بلاد شتى، وينفق على ذلك أموالاً جمّة، ولم يسمع في قديم الزمان وحديثه من الملوك السالفة، والسلاطين الغابرة، من انتدب لهذا الأمر، وبالغ فيه سوى هذا السلطان الملك المعظم؛ فرضي الله عنه وأرضاه، وبلغه في آخرته ما يتمناه، وأجزل ثوابه، وأحسن منقلبه ومآبه بمحمد وآله أجمعين، الأبرار الطاهرين. وهذا كتاب التنوير كنت احد من سمعه على الملك المعظم مظفر الديم –نوَّر اللخ ضريحه- في جمادى الآخرة سنة خمس وعشرين وستمائة برباط الصوفية المعروف برباط المناظرة، قريبًا من القلعة المنصورة، بحقَّ روايته عن مصنفة الإمام أبي الخطاب. وفي مقدمته هذه الأبيات يمدح بها الملك المعظم –﵁: [من الكامل] ملكٌ يلوح عليه من شمس الضُّحى ... سيما ومن بدر التَّمام مخايل لا يقتني عزَّ الثَّنا ذخراً ولا ... يفني لديه المال إلاَّ النَّائل

стр. 1340

أنظر لإربل صاح قد لبست به ... ظلاًّ كما وشت الرِّياض خمائل لو تستطيع لصافحته يمينها ... لمَّا أتاها منه مزنٌ هامل /١٥٧ أ/ فأفاض منها العدل ... سلسلاً ... تروى المنى فيه وهنَّ هواطل بشرى لها فلقد تخلَّد ملكها ... ملك حلاه مكارمٌ وفواضل ومواهبٌ وسلاهبٌ ورغائبٌ ... ومقانبٌ وكتائبٌ وجحافل يا ويح أرض الرُّوم سوف يزورها ... من نجل زين الدِّين هولٌ هامل وتظلُّ دار الِّرك .... ... فيه وشاحٌ للكتائب حائل ويطيف فيها للأسار وللحصار دمالجٌ وأساورٌ وخلاخل لازال كالَّمس المنيرة في الضَّحى ... وعداه في الهيجاء ظلٌ زائل وله من التصانيف كتاب "الإمدادات" وهو في مجلدين سماه "بمرج البحرين في فوائد المشرقين والمغربين" وكتاب "العلم المشهور في فوائد الأيام والشهور" في فوائد الأيام والشهور"، وكتاب "النبراس في ذكر خلفاء بني العباس"، وكتاب "جمع العلوم الكليات في قوله الأعمال بالنيات"، وكتاب "الارتقا إلى أفضل الرقى"، وكتاب "الابتهاج في أحاديث المعراج"، وكتاب "من ألقم الحجر/١٥٧ ب/ إذ كذّب وفجر"، وكتاب "نثر الدرر في فضل من تمسّك بسُّنة سيد البشر"، وكتاب "آداب ما وجب في بيان وضع عمّا في رجب"، وكتاب "المستوفي في شرف المصطفى"، وكتاب "المطرب في أشعار أهل المغرب"، وكتاب "الآيات البينات فيما خصّ الله تعالى به أعضاء نبيه من المعجزات"، وكتاب "وهم الجمر في تحريم الخمر". ثم سكن باخرة مصرة والقاهرة المعزية، وبنى له الملك الكامل محمد بن أبي بكر بن أيوب دار حديث، ولم يزل يسمع الحديث فيها، ويفيد الناس بالعلوم والجاه والمال، ويكرم الواردين عليه من البلدان شرقًا وغربًا وعجمًا وعربًا، إلى ان توفي ليلة الأربعاء آخر الليلة الرابعة عشرة [ة] من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثين وستمائة. وكانت له جنازة عظيمة، ومناد ينادي أمام نعشه: هذا الَّذي كان يذبُّ الكذب عن رسول الله – ﷺ .

стр. 1341

كذلك أخبرني الشيخ عبد الله بن أحمد بن يوسف الغرماي اللخمي، وقال: /١٥٨ أ/ كانت ولادته في سنة أربع وأربعين وخمسمائة بأغمات من أعمال مراكش، ونشأ بسبتة، وولي القضاء ببرّ الأندلس بمدينة دانية. ثم رحّل عنها إلى المشرق. حدثني القاضي الإمام بها الدين أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن الخشاب –أسعده الله تعالى-، قال: جمع أبا اليمن الكندي، وأبا الخطاب بن دخية مجلس. وكان بينهما عداوة فتهاترا فيه، فقال له ابن دحية: أنت ممن يزنُّ بالهنات! ، فقال له أبو اليمن مجاوبًا: اخسأ أنت نسبت إلى كلب فنبحتّ، فعل إبن دحية كتابًا [سماه]: "بالمهدي إلى ضلال الكندي". وحدثني القاضي أبو القاسم –أيده الله تعالى- قال: ابن دحية كان يسمّى نفسه "بذي النسبين بين دحية والحسن". ذكر أنه من بني دحية الكلبي من أهل المغرب من مدينة سبته، وذكر أنه ولي قضاءها. وهو شيخ فاضل، له معرفة باللغة والنحو، حافظ للحديث ومعانيه ورجاله، فقيه متقن. كان يقول: -أحفظ صحيح مسلم جميعه وقرأته من حفظي بالمغرب على بعض الشيوخ. خرج /١٥٨ ب/ من المغرب، وحجّ ودخل إلى بلاد العجم، وسمع بها صحيح مسلم من أصحاب الفراوي. ثم عاد إلى بغداد ورحل إلى الشام، وقدم علينا حلب، وسمعنا عليه موطأ مالك بن أنس رواية يحيى بن يحيى وغيره. ثم تردّد بعد ذلك مرارًا إلى لب آخرها، بعد أن تقدّم بالديار المصرية وسيّر رسولاً مرّ بها مجتازًا، وحصل له حظوة عظيمة، وتقدم .... بمصر عند الملك الكامل. قال: وأخبرني أبو الروح الحميري الأندلس، قال: هذا ابن دية ليس بصحيح

стр. 1342

النسب وأصله يهودي. وكان يلقب الكوّة. وكان في صغره يرمى بما لا يجوز، وأبوه حسن كان يلقب بالزعبطور، والزعبطور هو المشوَّه الخلق، الالعظيم الخلقة بلغة الاندلس المقطع .... ابن علي، ويلقب بالقنوط لفراغه وقلة عقله يريد القصبة الفارغة، ابن يوسف ولقبه الجميل تصغير الجمل بلغة العامة. قال ابن دحية، عقب كتاب صنفه للملك الكامل صاحب الديار المصرية، ختم آخره، واسم الكتاب " من ألقم الحجر، إذ كذب وفجر، وأسقط عدالة من الصحابة ماله أهجر". ثم قال بعد كلام طويل: وهذه مسئلة بديعة /١٥٩ أ/ النظام مستوفية شروط التمام والكمال، قد أشرقت شمس الفصاحة في أرجائها، وفاقت أفق البلاغة بما تضمنته من الذبِّ عن الصحابة على اكفائها؛ فهي روضة تتنزه مقل الخواطر في أنحائها. [من الطويل] .يحكي عيونًا ووردها ... خدودًا جرت أجفان عشَّاقها دما وإن هبَّ معتل النَّسيم تأرجَّجت ... وفاح بمسك نشرها وتنسَّما وذلك بفضل الله وطوله وسعادة من استنبطت من أجله أعمُّ الورى جودًا وأرفعهم ذرى ... وأرجحهم عقلاً وأمنعهم حمى وأعظمهم ملكًا وأنداهم يدًا ... وأجدرهم عفوًا إذا ما تحكَّما وأتقى أنقى سيرةً وسريرةً ... وأجمل بل أبهى وأعلى معظمَّا وصنّف كتابًا سمّاه: "العلم المشهور في فوائد فضل الأيام والشهور". وذكر في آخر هذا الكلام المنثور المسجوع، وهي مناجاة: "عندما رمت إلى الحج رحال الركاب برسول الله المبعوث إلى الأسود والأحمر، والمخصوص بطهارة /١٥٩ ب/ نهر الكوثر، قريبك بلعبدك ذو النسبين أسرع به إلى بيتك المعظم، وإلى قبرك المكرم الشوق، ويقعده وجود الشاخة وعدم الطوق، وإذا رحل المستطيع، وبادر المتمثل المطيع، ذرفت دموعه انسكابا، وود لو قد عمل إلى الكعبة المعظمة، والتربة المكرّمة أقلامًا او ركابًا؛ ولمّا ظعن الركب واستقلّوا، ورحلوا بعد ما حلّوا. تشبثت بهم تشبث الغريق بما يجد، وودعتهم وأنا منهل المدامع مصدوع الكبد، فكم ليلة بتّ بذينك الحرمين، قرير العين، فطاولت .... وأنا أنشد في ذلك بين المأزمين: [من البسيط]

стр. 1343

لمَّا رأيت مناديهم ألمَّ بنا ... شددت مئزر إحرامي ولَّبيت وقلت للنَّفس جدِّي الآن واجتهدي ... وساعديني فهذا ما تمنَّيت لو جئتكم قاصدًا أسعى على بصري ... لم أقض حقّاً وأيَّ الحقِّ أدّّيت ولما مسّني الآن الكبرة والشاخة، وأناخ الزمان عليَّ أيَّ إناخة، خاطبت قدمي لو سبقت قلمي، واشتدادي يتمنى لو يعدم ملاذي، ونفسي تحرص على أن تعاجل طرسي، لكن الكبرة أبت فكان /١٦٠ أ/ قصاراي عين دمعت، وكفٌ كنفت. وقد ألفت هذا الكتاب محتسبًا للأجر، ومستبقيًا به للسلطان الملك الكامل أجمل الذكر، فأودعته من العلوم ما ينتفع به صاحب كل شان من حديث، وفقه، ولغة، ونحو، وأصول، وتاريخ، وشعر، وحساب، وبيان. وقصدنا تأليف كتاب في معنى .... بمعان حتى ينشط قارؤه بخروجه من لون إلى ألوان، وينوب له عن كلِّ حديثة وبستان، ففيه تذكرةً لأهل الإيمان، وفقه لأهل اللب والرجحان، مما يعز وجود نظمه في تأليف واحد، وتوجد فنونه مجموعة في تصنيف واحد؛ وإنما ذلك بعون الله الكريم وطوله وسعادة من ألف من أجله. وأمعنت في الشرح والتفسير، ولم أرض باللمح اليسير. ثم انشد بعد خبر أسنده إلى الإمام الشافعي –﵁ هذه الأبيات يمدح بها الملك الكامل الَّذي صنَّف الكتاب لأجله: [من الكامل] هذا كتاب ليس تبصر مثله ... بمثقَّف من أجله ومقيَّد الفَّته لك من فؤاد أنت في فؤاد أنت في ... أثناء أضلعه تروح وتغتدي تختال بين مفصَّل وموصَّل ... ومطرَّز منظَّم ومنضَّد /١٦٠ ب/ ولكلِّ جزء حكمةٌ أو منجدٌ ... او بدعةٌ لمرمِّل ومقصِّد قتريك كلَّ بديعة في نوعها ... لم تخترع وغريبة لم تعهد ما شئت من شعر أرقَّ من الصَّبا ... وخطابه أزهى من الزَّهر النّدي عزّش الملوك أبي المظفَّر ذس النَّدى ... وسميِّ خير العالمين محمَّد أوليس من قومٍ غدوا بفخارهم ... بيض المغاني في الزَّمان الأسود

стр. 1344

يروي سواه فخاره عن مرسل ... أبدًا ويروي عن صحيح مسند ويكاد يعلم فطنةً وتيقظًا ... في نومه من حادثٍ ما في غد يحيى علومًا إذا يميت جهالةً ... ويعيد برًا في الأنام ويبتدي ملكٌ لعافيه يملّكه النَّدى ... وله ملوك الأرض دون الأعبد سحَّاح منهل كلِّ منهلِّ الحيا ... ضافي رداء الأمن صافي المورد بحرٌ إذا اشتدَّ الاوام لآيبٍ ... بدرٌ إذا امتدَّ الظَّلام لمهتدي تجلى دياجير الخطوب بعرًّة ... من وجهه كالكوكب المتوقِّد ذو أخمص عقدت مواقع عزِّه ... بمعاقد القمرين هام الفرقد ياخير من عزَّت به فئة الهدى ... عدلاً وذل له الزَّمان المعتدي /١٦١ أ/ قدَّست ذاتك بالكمال وصنتها ... عن قدح معترض وذمِّ مفنِّد وسمت إلى أفق العلا بك همَّةٌ ... أزرت بكلِّ معظَّم وممجَّد ورعيت أحوال الرَّعية موحدًا ... بصلاحهم إعدام روح المفسد ورفعت منك منار كل فضيلة ... برداء نورك في الممادج ترتدي وغدا بك الإشراك بعد غياثه ... في قبضة الإسلام معلول اليد وسعيد للعلياء في تخليدها ... لمَّا رأيت الشَّخص غير مخلَّد أنا طوع كفِّكَّ نيَّتي لك نيَّتي ... فيما تحبُّ ومقصدي لك مقصدي ولما فرغ من كتاب "النبراس في تاريخ خلفاء بني العباس" إنتهى به إلى ذكر الناصر لدين الله أبي العباس أحمد بن المستضيء لأمر الله، أنشد لنفسه: [من الكاملي] ترتاح أنديَّة النَّدى والباس ... من ذكر مولانا أبي العبَّاس نجل الخلائف وابن عمَّ محمدَّدٍ ... خير البريَّة من جميع النَّاس وأنشدني الصاحب الوزير أبو البركات المستوفي، قال: قرأت على أبي الخطاب

стр. 1345

/١٦١ ب/ من شعره يمدح الملك المعظم مظفر الدين – قدّس الله روخه-: [من مجزء الرجز] لولا الوشاة وهم ... أعداؤنا ما وهموا وفاض دمعي وهمي ... بالدَّمع لمَّا فهموا فخاطري مضطربٌ ... وناظري مضطرم يكتب دمعي كلَّما ... له الفؤاد يكتم هل يتساوى السَّاهرون في الهوى والنُّوم ومنها: يا معرضًا عن مقبل ... في الحبِّ لا يتهم سلوُّه منفصلٌ ... وصبره منفصم إن كنت لا تنصف في ... حكم الهوى من تظلم فالله يقضي بيننا ... والملك المعظَّم مظفَّر الِّدين الَّذي ... يمناه بحرٌ مفعم ملكٌ عميمٌ طوله ... وفيه طول عمم يشقى المواري بسطاه والموالي ينعم /١٦٢ أ/ وجوده وجوده ... ما منهما لي عدم ترى قوفي الشِّعر في المدح له تختصم لو لم يصفه واصفٌ ... دلَّت عليه الشِّيم وقال عنه السيف ما ... يعجز عنه القلم وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من البسيط] ألا ترى كلَّ من عادات في قلت ... عليه من سيمياء الذُّل ألان قد ضمَّه الجذع ضمَّ المستهام به ... فمنه قبره والجوُّ اكفان وأنشدني، قال: أنشدني قوله: [من الطويل]

стр. 1346

بفتحك جاء السَّعد من كلِّ جانب ... وأقبل إقبال الذَّلول براكب عليمٌ بتدبير الامور موفَّقٌ ... يرى بـ .... الفكر ما في العواقب ومنها يقول: ويلبس للهيجا ثياب أساود ... من الرُّقش حاطتها عيون الجنادب وأنشدني أبو محمد عبد الله بن أحمد بن يوسف الغرباي، قال: أنشدني الإمام أبو الخطاب لنفسه. /١٦٢ ب/ وكتبها إلى الملك الكامل ناصر الدين أبي المعالي محمد بن أبي بكر بن أيوب: [من الوافر] فديتك هل علمت بمن رجاكا ... وأمَّك في ذراك وفي ذراكا وأنشد بعد بين واشتياق ... أتأذن لأبن دحي أن يراكا وكتب إلى الملك في صدر كتاب صنعه له: [من الطويل] قوالله ما أدري وإنِّي لشاعرٌ ... إلى أيِّ معنى في مديحك أقصد وجدت النُّهى والبأس والقضل والنًّدى ... إذا ذكر الأملاك نحوك تسجد وإن قيل: من للعلم والحلم والعلا ... ومن لقراع الخيل، قيل: محمَّد وعدلك في الدُّنيا يبسط لأهلها ... على أهلها منه رواقٌ ممدَّد وأنشد أبو عبد الله محمد بن عبد القاهر بن هبة الله بن النصيبي بحلب، قال: أنشدني الإمام أبو الخطاب بن دحية لنفسه: [من الرمل] إيُّها السُّلطان فاسمع قول من ... قوله في كلِّ خطو يتبع أمة الزَّهراء بنت المصطفى ... والَّذي في النَّاس حقّاً يشفع /١٦٣ أ/ وأبوه مشبهٌ جبريل في ... صورة منه عليه يخلع مازجت جسم المعالي روحها ... حبَّذا الجسم وروحٌ تجمع حسبه مدحك فخرًا دائمًا ... أذن الخلق له تستمع أنت سلطان الورى قاطبة ... بك يسمو النَّاهض المضطلع

стр. 1347

كلُّهم من شكر كفَّيك غدوا ... في رياض من صفات ترتع فإذا .... النَّاس حلا عن ملوك صنعوا ما صنعوا فليزخرف كلُّ شيء حدَّثوا ... أنت أنت الدَّهر لا ما أسمعوا فابق واسم في سعود مالها ... من أفول في نجوم تطلع دائمًا ما تعالت قينة ... فرع أيك وسط روض تشجع . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فقال هذه الكلمة: /١٦٣ ب/ "من عبد الله المأمون أمير المؤمنين، سلالة أهل البيت الطاهرين، أهل مهبط الوحي، ومصعد الأمر والنهي، ومدار أفلاك العلا، ومزار أملاك السما، وموطن التنزيل، وموطيء الروح الأمين جبريل، ومقرّ الخلافة والإمامة، وموضع الكرامة، ولنا تحج ملوك الأرض، وذلك أوجب عليهم وجوب الفرض. فأن شرفنا بالسبق وفات، وهيهات دانٍ يدرك شأونا هيهات. كلّ ذلك ببركة ابن عمنا، الذَّي يالبركة عمنا، الإسماعيلي النسب، الإبراهيمي المنتسب، المنيف الطرفين، الشريف السلفين، الملتقي بالرسالة، للأداء والدلالة، المبعوث إلى الأحمر والأسود، سيد ولد آدم وما ولد، الَّذي أيد بكتاب أنزل من الملكوت الأعلى عليه، وأوصل يدي الروح الأمين إليه. أعجز الأنس والجن حين تحداهم برهانه، وأعجب الجن لما سمعوا بيانه، فيه تبيان كل شيء وتفصيله، وبرهان كل شيء ودليله، قد فصلته آياته بتقديس وتوحيد، ووعيد، وحكم وأحكام، ونقض وإبرام، وقصص وأخبار، /١٦٤ أ/ وسير وأسرار، والحض على العمل الَّذي هو سبب دخول الجنّة، والتحذير من العمل الَّذي هو سبب دخول النار؛ فهو بحر لا تفنى

стр. 1348

عجائبه، ولا تنفد غرائبه. والذي بشرت به الأنبياء، وهتفت بمبعثه الكهّان، وقام على صدقة البرهان، وردً الله ببركته عن مكة الفيل، وأرسل على الملك الَّذي جاء وعلى أصحابه طيرًا أبابيل، والذي خمدت ليلة مولده نار فارس ولم تخمد قبل ذاك بألف عام، وكانت تعبدها المجوس كعبادة الكفار الأوثان والأصنام. ورأت أمًه حين ولدته نورًا أضاء قصور بصرى من أرض الشام، وانسق أيوان كسرى وسقطت منه أربع عشرة شرافة، وهو القصر الأبيض الباهر بحسنه أبصار المبصرين، ونزلت الملائكة من الأفق المبين، ورجمت بالشهب جميع الشياطين، وغاضت بحيرة ساوة، وذهب ماؤها المعين، وفاض وادي السماوة، آية حصل بها لمن حام الشك اليقين، والذي يظلله ظلّ الغمام، ويخاطب البهم بفصيح الكلام. وسلّم عليه بالنلوة الأحجار، وتسجد له الأشجار، ويدعو الشجر فيأتي إليه ثم يأمره بالرجوع /١٦٤ ب/ فيرجع سامعًا مطيعًا بقدرة من أعانه عليه، ويسبِّح الطعام عند أكله له، وذلك أنه خصّه الله بها وفضله. والذي أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ليلاً، وجرر على المجرّة في درج المعراج ذيلاً، على دابة يقال لها "البراق"، لا يستطاع ركوبها ولا يطاق؛ إلاَّ لمن سخرها له الإله الخلاق، حتى انتهى إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السابعة، حيث تعنو وجوه الملائكة الطائعة، ويغشاهم سنى الأنوار الساطعة. فسار – ﷺ مسيرة سبعة آلاف سنة، صاعدًا ونازلاً في بعض ليلة بجسده وروحه من غير نوم ولا سنة، واستوى بمستوى تسمع فيه صرير الأقلام على الألواح، وعاد إلى مضجعة عندما كاد جبين الشرق يوشح بنور الصباح.

стр. 1349

وأصبح يحدّث أخبار الملوك في أم القرى، سنده عن حفظ ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى. والذي انشق له القمر المنير، ونبع من بين يديه مراراً عدّة الماء النمير، وزكابيمن يمينه الطعام اليسير، فأكل منه الجم الغفير. وقد جعل الله في /١٦٥ أ/ كل عضو منه آية، وذلك دليل على مكانه عند ربه وأنَّ له به عناية، والذي حذره الذراع المسموم عن أكله، ثم لم يعد عليه بعدما أكل منه لقمة لعصمة الله في ذلك كلّه. والذي حنَّ الجذع اليابس إليه وسمع له صوت كأصوات العشار، وهذه آية نظرت بعين الصحة وطارت بجناح الانتشار، ورجف به وبخلفائه الجبل فراضه برجله، وقال: أسكن فسكن وامتثل، وبث له شكوى الجمل. والذي قرن الله –تعالى- اسمه باسمه. وأعلن به الدنيا في كل مكان، وأجرى ذكره بأنواع المحامد على كل لسان؛ والذي كان ينصر ويؤيد في الحروب، بريح الصَّبا وهي ذات الهبوب، فهزمت ليلة الأحزاب جميع أعدائه. وكانوا قد حاصروه في عدّة ألوف، فاقتلعت الخيام، وأكفات القدور وزحزحت جميع الصفوف. ز ونصر بالرعب مسيرة شهرين بين يديه، ونزلت السكينة من الله عليه؛ وانكسر سيف عكاشة بن محصن يوم بدر فاعطاه عرجونًا أو عودًا فصار بيده سيفًا يومئذ يفري الجماجم، ويبري /١٦٥ ب/ الأعضاء والبراجم. وكذلك انقطع سيف عبد الله بن جحش يوم أحد فأعطاه رسول الله – ﷺ عرجون نخلة، فصار في يده سيفًا، يقال إنّ قائمة منه، ولم يزل يتناول حتى بيع من بغًا التركي بمائتي دينار. وهذه معجزة قد بقيت بعد رسول الله – ﷺ وهي واضحة المنار.

стр. 1350

والذي خصّه الله بالحوض والشفاعة، وأخبر بما كان وما يكون إلى قيام الساعة. وهذا الحوض هو نهر الكوثر المفعم الملآن، الَّّذي ساحته من بصرى إلى عمان أو من صنعاء إلى عمَّان، وماءه أشدّ بياضًا من الثلج، وأحلى من العسل في المذاق، وأباريقه على عدد نجوم السماء ذوات الإشراق. والذي زوى الله له الأرض فأراه مشارقها ومغاربها، وأعطاه كنوزها ومطالبها وأخبر –جلّ وعلا- أنَّ ملك أمته سيبلغ ما زوى لهم منا، ولقي ربه جلّت قدرته وهو معرض إعراض الزاهدين عنها، وقبص – ﷺ بعد أن خيّره الله في الدنيا؛ فاختار لقاء ربه، لرغبته فيما بين يديه وحبِّه. فجمع الله له بين ملك الدارين الدنيا والآخرة، واسبغ عليه جزيل النعمتين الباطنة والظاهرة. وكسر بدعوته /١٦٦ أ/ شوكة الأكاسرة، وجبر الدين وقصم ظهور الجبارة، فغشت دعوته في المشارق والمغارب كما وعد وشاعت، وأخبر عن الله – أنَّه يستخلف في أرضه من يؤمن به. فكان ذلك كذلك. وهذه معجزة راعت، فاستخلف الله أصحابه وأهل بيته من بعده، فسمعت الأمة لهم وأطاعت. فكانوا خلفاء الخلق، وفتحت الغرب والشرق؛ يقاتلون عبدة الأوثان والنيران عزلاً. وطارت قلوب الملوك رعبًا منهم، وطاشت وخفقت أفئدتهم خوفًا من ذكر محمد – ﷺ وجاشت وتمنّت أنّها إلى زمنه ما عاشت. فبهذا النبي أفاخر من يفخر، وأكابر من تقدّم وتأخر؛ صلى الله عليه عدد الرمل ومدد النمل، وعلى أهل بيته الكريم، الجدراء بالتقديم والتعظيم: إلى دهمى عظيم الهند، وركن .... السند، شرح الله صدره للإسلام، وجعله ممن دعى إلى دار السلام، واتبع سبيل المؤمنين، وقال: ﴿وجهت وجهي للّذي فطر السموات والأرض

стр. 1351

حنيفًا وما أنا من المشركين﴾. /١٦٦ ب/ أما بعد: فأنّه وصل كتابك حاكيًا عرائس خصائصك علينا، وجالبًا نفائس خصائلك إلينا، ففضضنا عن الجواهر منه ختامًا، وأمطنا عن الأزاهر منه كمامًا، واستجلينا من معاينه ما لو كانت خدودًا لكانت مضرَّجة، أو ثغورًا لكانت مفلَّجة، واستدللنا بفحوى خطابه على ما تضمره لنا من مودَّة لا كذب فيها، ومحبَّة نيطت بعرى الصدق أواخيها؛ فأمَّا ما صدرته في كتابك من تعظيم ملكك، ونفيس ذخائرك، وطيب رائحة قصرك وفخرك وفخر آبائك. فإنَّك فخرت بأعراض الجواهر الفانية القليلة البقاء، وزخارف الدنيا التي لا يحصل الواثق منها على غير النصب والشقاء. ومالكها وإن عظم دوامه سحابة صيف، ومالكها وان طال مقامه فعجالة ضيف؛ فإنَّا لا نفاخرك بأمثاله مما ملكناه من سهل الأرض وجبالها، واحتوت عليه خزائننا مما أخذناه بسيوفنا من ذخائر الملوك وأموالها. وإنَّما الفخر بتقوى الله وطاعته، والإيمان بهذا النبي الأمي، خاتم الأنبياء، وأفضل من مشى تحت /١٦٧ أ/ السماء، والتزم شريعته والعدل في الرعية، والحكم بالسوية؛ بين القوي والضعيف، والشريف والمشروف. وذلك التزام شيعة رسول الله – ﷺ والعمل بمقتضاها، وأن يتقي كتابًا عند الله ﴿لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها﴾، فكيف كفيت عن البصيرة إذ سطع نور البرهان، جنحت على ما أوتيت من فطنة ذكية، وفطرة زكية إلى عبادة الأوثان، واتخذت الندّ المصنوع لصانع الموضوعات ندّاً، ولم تر لك منه تقليدّا لمن سلف من الآباء بدّا، وأنا أدعوك دعاء المشفق الناصح، إلى سلوك السنن الواضح، وخلع الأنداد، ومفارقة ديانة الأنداد،

стр. 1352

والتوجه لمن وجه وجهه إليه إبراهيم الخليل، وقام على وجوده ووجوب وجدانيته الدليل، فزين الدنيا بزينة الكواكب، وأظهر في الأرض أنواع العجائب. والإقرار بنبوة من ظهرت على .... ذكرنا آنفًا من الآيات الخارقة للعاداتت؛ فإنّه لا يسمع به أحد ولا يؤمن به إلاَّ كان من أصحاب النار، وحقَّت عليه كلمة العذاب في دار البوار. /١٦٧ ب/ فأسلم تسلم أيها الملك، ويكون لك مالنا وعليك ما علينا. فإنَّ إسلامك إن منَّ الله عليك به من أسنى التحف الواصلة إلينا. وأما ما أتحفتنا من هدية، واطرفتنا به من طرفة سنية؛ فما آتانا الله خير مما آتاكم، بل أنتم بهديتكم تفرحون، إلاَّ أنا اتبعنا لنبينا – ﷺ في قبوله للهدية، لما جبله الله عليه من الخلق الكريم، وطمعًا في أن يهديك الله بلطفه الصراط المستقيم. قابلناها بالقبول، وثنينا عنان النظر إليها، واقتدينا بان عمّنا – ﷺ في الإنابة عليها. وبعثنا إليك كتابًا .... يسمى: "بستان الألباب" يفتر عن جواهر الحكم وزواهر الآداب، ومطالعتك له تطلعك على أنَّ اسمه لمسماه موافق، ونعته لمعناه مطابق، .... بما تيسر تناوله علينا، من الخزائن الحاضرة لدينا؛ معتذرين لديك من النقص، ومقابلة مجلسك بالنزر اليسير، لكن الملوك لو تهادت على قدر أقدارها، وعظم أخطارها لضاقت من ذلك أحوالها، .... وفنيت أموالها. وإنّما الهدية وإن /١٦٨ أ/ قلت دليل الاحتفال بالمهدي إليه والإقبال. والسلما على من اتبع الهدى، وقال: ﴿إنَّي من

стр. 1353

المسلمين﴾، و ﴿لحمد لله ربّ! ِ العالمين﴾، والعاقب للمتقين وصلى الله على محمد خاتم النبيين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه أجمعين، والسلام عليه وعليهم إلى يوم الدين". [٥٣٣] عمر بن أحمد بن أبي بكر بن مهران، الإمام أبو حفص الضرير النحويُّ العيسفنيُّ. شيخنا. كان مولده بقرية من سواد العراق تسمى موهرر، وقدم صغيرًا إلى عين سفنة قرية من نواحي الموصل، فسكنها مدَّة فنسب إليها. ثم ورد مدينة الموصل، وحفظ كتاب الله –تعالى- وطلب العلم، وجدّ في الاشتغال، ولازم الشيخ أبا الحرم مكي بن ريان بن شبة الماكسيني النحوي. وبرغ فيما قرأ عليه حتى صار أنحى أهل زمانه، وأعلمهم بالنحو والعروض والقوافي والتصريف واللغة ومعاني الشعر وسائر فنون الأدب؛ فلمّا توفي شيخه أبو الحرم قام مقامه، وجلس مكانه وأقرأ الناس النّحو والآداب. /١٦٨ ب/ وتصدّر وأفاد خلقًا كثيرًا، وانثال عليه جماعة كثيرة ممن هو في طبقته من أصحاب الشيخ أبي الحرم، وأخذوا عنه حتى أقرَّ له كلَّ عالم، واعترف بفضله كل أديب. وكان مفرط الذكاء، وسريع الحفظ، قوي النفس وقت القراءة عليه، لم يقبل من أحد جزاءً وولا ثوابًا. وكان له يد في علوم أخر؛ كعلم الحساب، والفقه على مذهب الإمام الشافعي –﵁. ومع ذلك لم يكن في عمل الشعر كبير يد. وكان يرفع نفسه عن نظمه؛ وربّما وقع له معنى فيقول فيه أبياتًا يسيرة لم يظهر عليها طلاوة. وكانت وفاته يوم عيد الفطر بالموصل سنة ثلاث عشرة وستمائة، ودفن ظاهر

стр. 1354

البلد غربيَّة بمقبرة المعافى بن عمران –﵄. أنشدني أبو يعقوب إسحق بن مروان بن سمكان الموصلي النحوي العروضي، قال: أنشدني شيخي الإمام أبو حفص الضرير لنفسه، وقد سأله بعض الرؤساء، أن يصنع أبياتًا يضمنها هذا البيت: تشاغلتم عنَّا بصحبة غيرنا ... واظهرتم الهجران ما خكذا كنَّا فأنشأ أبو حفص هذه الأبيات، أولها: [من الطويل] /١٦٩ أ/ إلى م أقاسي لاعج الشَّوق والحزنا ... ويضني هواكم والجفا جسدي المضنى أأحبابنا إن حلتم عن عهودنا ... قلإنَّا على تلك المواثيق ما حلنا رعى الله أيَّامًا تقضَّت بقربكم ... فما كان أحلاها لديَّ وما أهنا أحنُّ إليها بالأصائل والضُّحى ... وما ينفع الصَّبَّ الكئيب إذا حنَّا يككاد لما يلقى من الوجد والأسى ... يحنُّ اشتياقًا في الظًّلام إذا جنَّا إذا لم يكن لي عندكم مثل مالكم ... بقلبي فلا أجدى الحنين ولا أغنى فقد كان يغشى النوم عيني بقربكم ... فمذ غبتم ما صافح الغمض لي جفنا وأحسنت ظنِّي فيكم لاعدمتكم ... فما بالكم اخلفتم ذلك الظَّنَّا فإن كان أغناكم سوانا فإنَّنا .. على كلِّ ال لم نجد عنكم مغنى [٥٣٤] عمر بن عبد الله بن المفرّج بن درع بن الحسن بن الخضر بن حامٍد، أبو عبد الله بن أبي القاسم التكريتيُّ. الفقيه المدرس الشافعيُّ الأديب الشاعر. /١٦٩ ب/ حفظ الختمة الشريفة وأتقنها، واشتغل على أخيه بفنون من العلم الأدبيّة، وبضروب من علوم الفقه والقرآن والشعر. وسافر إلى الموصل في سنة ستِّ وستين وخمسمائة فلقي بها جماعة من المشايخ والعلماء؛ كالشيخ أبي الفصل يونس بن محمد بن منعة المدرس الإربلي، والشيخ أبي المظفر منصور بن يحيى البشكري، ووالده يحيى والشيخ عمر النساج، والشيخ عمر بن محمد بن الخضر

стр. 1355

الملاّ، وأبي بكر القرطبي وغيرهم من المشايخ. ثم عاد إلى تكريت، وأقام بها واشتغل وسمع بها ما على جماعة من المشايخ من أهلها، وممن قدمها. ولما توفي ابن عمّه أبو النجيب عبد الرحمن [بن] أحمد بن المفرّج ببلدة ماردين أنفذ إلى تكريت وطلبه، فتوجه إليه في سنة سبع وستين. وأقام عنده بالمدرسة وفوّض إليه أمرها، والنظر في أحوالها، ورتبة إمامًا يصلي بها وقرّر في كل شهر دينارين. واشتغل هناك بما كان يذكره أبو النجيب من الدروس في الأصول والخلاف والمذهب، وتكلّم مع الفقهاء وباحث ولقي بها جماعة من الفضلاء، وأنفذه صاحب ماردين /١٧٠ أ/ في رسالة إلى بلد خلاط ... في سنة سبعين وخمسمائة؛ فرأى بها جماعة من أهل الفضل. ثم عاد في هذه السنة إلى ماردين، ولم يزل مقيمًا مع أبي النجيب، إلى أن كثر شوق الشيخ أحمد والد أبي النجيب هذا، فترك أبو النجيب ما كان إليه، وتوجَّه هو وأبو عبد الله في جمادى الآخر في سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، ووصلا إليها في يوم الجمعة من شهر رجب من السنة المذكورة. ثم تولى أبو النجيب القضاء بمحروسة تكريت، فاستناب أبا عبد الله في الفصل بين المترافعين إليه في التاريخ، ولم يزل معه مساعدًا له ونائبًا؛ إلى أن توفي أبو النجيب يوم الإثنين رابع المحرم من سنة ست وسبعين وخمسمائة، فعتولّى القضاء بعده ابن عمّه القاضي تاج الدين أبو زكريا، فاستناب أخاه أبا عبد الله في فصل الحكومات، وفوّض إليه بعد ذلك أمر الخطابة بجامع تكريت فخطب بها يوم الجمعة الخامس والعشرين من شوال من سنة ست وسبعين وخمسمائة، بعد عجز الخطيب أبي القاسم علي بن محمد بن أحمد بن إبراهيم بن الحارث بن أبي تمام التكريتي، وفرض له على ذلك الإيجاب والإطلاق. وله تواقيع من جماعة من الأمراء بتكريت /١٧٠ ب/ بذلك. وسافر إلى بيت الله الحرام حاجًا يوم العشرين من شوال سنة إدى وثمانين وخمسمائة، وصحبة جماعة من أهل تكريت، وعاد هو الجماعة معه في صفر سنة اثنتين وثمانين إلى تكريت، وأقام بها.

стр. 1356

ثم تزوج المباركة خديجة ابنة الشيخ نعمان بن أبي منصور بن عثمان، شيخ تكريت، وأولد منها خمسة اولاد؛ فمات له ولد اسمه عبد الله في دمشق. كان سافر إليها في تجارة، ودفن بها فجزع عليه أبو عبد الله. وكان في كل وقت يذكر لأخيه تاج الدين عزمه على ترك القضاء والتلبس به، ويطلب منه أن يعفيه عن ذلك، وكان يذكر له ما في الصبر على ذلك من ثواب الإنصاف والعدل، عن ذلك، وانقطع إلى المسجد الطلحي مشتغلاً بنفسه، منقطعًا عن مخالطة الناس؛ يصرف زمانه في طاعة الله –تعالى- وتصنيف العلوم، وغير ذلك. وانحدر إلى مدينة السلام في أوقات إقامة أخيه تاج الدين بها مرارًا، ولقي بها جماعة من المشايخ والعلماء، وحج .... وولديه في شوال من سنة اثنتي عشرة وستمائة، /١٧١ أ/ وعاد إلى تكريت وأقام بمسجد من مساجدها يعرف بالطلحي، ولازم الإمامة به، واشتغل عليه جماعة من أهل تكريت، وعملوا بفتواه وأخذوا بقوله. وأقرأ القرىن وختم جماعة. وحدّث وسمع عليه من أهل تكريت ومن المجتازين بها. وله مصنفات ومنظومات في أنواع من العلوم، وأجوبة عن مسائل وردت عليه. وعمّر في المسجد الطلحي عمارات كثيرة، وبنى في باطنه في الصحن الأول منه رواقات محيطة به، وأظهر الخير في المسجد المذكور، ورتَّب أحواله ترتيبًا جميلاً. وانعكف جماعة من أهل الرأس الأسفل على الصلوات الخمس، وفي ليالي المواسم وإذا قدم متميّز أو واعظ حضر عنده، وجلس بالمسجد .... معه وأحسن إليه بما يقدر عليه؛ ومازال يقيم شعار الدين في هذا المسجد. وهذا ذكر مصنفاته، منها: كتاب "ديوان الخطب" وهو مشتمل على خطب الجمع والأعياد والاستقاء والكسوف، وعلى فصول وأدعية وغير ذلك. وكتاب "نظم لباب الفقه" تأليف الإمام أبي القاسم أحمد بن محمد المحاملي –رحمة الله تعالى- سأله الشيخ أبو الحسن علي بن الدروي المقريء نظمخ فنظمه في سنة ثمانين وخمسمائة في نحو من اثني عشر ألف [بيت].

стр. 1357

١٧١ ب/ ونظم أيضًا كتاب "الناسخ والمنسوخ" تأليف هبة الله بن سلامة المفسّر، ونظم أيضًا العقيدة المعروفة بالقدسية. كان مولده بتكريت ليلة الخميس نصف الليل سابع عشر شوال سنة أربعين وخمسمائة. وتوفي بها في جمادى الآخرة سنة اثنتين وعشرين وستمائة. وكان من الفقهاء الشافعية؛ فاضلاً شاعرًا مقتدرًا على النظم يدرس الفقه وبفتي. وكان إمام زمانه، حسن النظر في العلم؛ ذا بديهة حاضرة في الشعر. نظم عدد أي القرآن، وذكر اختلاف القارئين فيها، ونظم أيضًا كتاب "اختلاف القراء في إذبات إلا .... وحذفها"، ونظم أيضًا معجزات النبي –صلى الله عليه [وسلم]- ونظم أيضًا "لمحة النحاة ومنحة الرواة" في العوامل، وذكر أيضًا كتاب "مخارج الحروف" على ترتيب الخليل بن أحمد، ونظم أيضًا كتاب "ذكر منازل القمر وغيره"، ونظم أيضًا كتاب "معرفة الضرب في الصحاح والكسور"، ونظم أيضًا كتاب "ذكر صفات السادة الفتيان ومدح الناصر لدين الله". /١٧٢ أ/ وصنَّف كتاب "مناسك الحج" ونظم أيضًا كتاب "طبقات الفقهاء" للشيخ أبي اسحاق الشيرازي، وصنَّف كتاب تاريخ مولده ومتجددات أحواله، وجمع أيضًا كتابًا فيه فنون من منظوماته ورسائله ومكاتباته، ويشتمل على عشرة أبواب. وقد ذكرت في هذا الكتاب بعض منظوماته وإن كانت مدوّنة في كتب مفردة لئلا يخلو هذا الكتاب من ذكر شيء منها، وليعلم بذلك ما عنده من وفور الفضل والعلم وقوة التمكن في النظم والنثر واقتداره في صناعته. ومن شعره ما كتبه إلى اخيه تاج الدين في جواب مكتوبه إليه: [من البسيط] يا حبَّذا نفحات الطِّيب من قلم ... أسدت يدًا قلَّ عنها ما يجازيها قد كان بشَّرني طيف الخيال بها ... فظلت من فرح في النوم أبكيها حتى بدت في سطور زلزلت جسدي ... بالشوق لمَّا تراءت في معانيها فقلت والعين من شوق ومن ترح ... تسحُّ بالدَّمع سحّا من مآقيها ترى يعود لنا شملٌ نسرُّبه ... فتأخذ العين حظًا من أمانيها

стр. 1358

وكتب إلى أخيه أيضًا: [من الخفيف] /١٧٢ ب/ كلُّ يوم يمرُّ يدني سروري ... لدونوِّ اللِّقاء بالأحباب وإذا ما تزايد الشوق أرسلت ... زفير الُّلوع طيَّ الكتاب يا رسولي إلى المؤمَّل تاج ... الدِّين ذي الفضل والأيادي العذاب قل له معلنًا ثنائي وشكري ... واذكاري لفضله السَّكَّاب طال يوم الغراق واشتدَّ شوقي ... فمتى ينقضي بيوم الإياب وله في مكاتبة إلى بعض أصحابه بالنظامية: [من الوافر] ألا أبلغ مجير الدِّين عنِّي ... بأنِّي لا أحول عن الوداد وكيف أحول أم هل كيف أسلو ... وقد سلبت محبته فؤادي أتذكر ليلة قصرت علينا ... بفكر موضح سبل الرَّشاد تواصل بالمسائل تبتليني ... وأعطيك الجواب على السَّداد وبعد فلو ذهبت لشرح شوقي ... لآفني كاغدي وفنى مدادي فدم واسلم وقم واغنم ولا تسأم ... ففي العقبى تنل كلَّ المراد وله في معنى الحديث المروي عن النبي –صلى الله عليه- في صنعة أخلاق اهل الجنة، وأخلاق أهل النار: [من البسيط] /١٧٣ أ/ أهل الجنان لهم حالٌ تخصُّهم ... في القول والفعل والأخلاق والأدب وجهٌ جميلٌ وخلقٌ واسعٌ حسنٌ ... ولطف نطق يسرُّ النَّاس محتلب ورحمة القلب لافظ ولا مقتٌ ... ولا عبوسٌ وهذا غاية الحسب وللشَّقيِّ خلال مثل عدًّتها ... في ضدِّها فاستمع قولاً بلا كذب ففي القساوة والعصيان يتبعها ... سوء ظن وبخل النَّفس بالنَّشب وعابس الوجه لا ينفكُّ ذو صخب ... خاب الشَّقي وباع الجدِّ باللَّعب كذا روينا عن المختار سيِّدنا ... أعني النَّبيَّ نبيَّ العجم والعرب وقال في المواعظ: [من الكامل] وإذا اللَّبيب غدا يفتِّش نفسه ... نطقت شواهدها بصدق الحال إنَّ النفوس ودائعٌ ورهائنٌ ... في مدَّة الدُّنيا لوشك زوال

стр. 1359

فالعاقل النِّحرير من وافى بها ... مقرونة بصوالح الأعمال والعافل المغرور من يلقي بها ... في قعر مظلمة الدُّجى مضلال تعس أمرٌ يسعى ويجمع جاهدًا ... مالا سيتركه لدى التِّرحال وإذا الفتى لم يدَّخر لمعاده ... زادًا فسوف يؤول شرَّ مال فاعمل لنفسك أيُّها المعنى بها ... عملاً تفوز به من الأهوال ٨١٧٣ ب/ ودع التَّعلل بالمنى فلقلَّما ... تجدي عليك عواقب الآمال وقال أيضًا: [من المجتث] يا من خلا بالمعاصي ... خف يوم شيب النَّواصي خف يوم تأتي البرايا ... بذلَّة وانقماص خف يوم تبدو الخطايا ... ويوم أخذ القصاص غدًا عليك ينادى ... هذا جزا كلَّ عاصي هذا جزا عبد سوء ... مجاهر بالمعاصي اما تخاف أذى من ... يراك بين الخصاص فتب إليه وبادر ... تفز بعزِّ الخاص ولا تبهرج عليه ... ما التِّبر مثل الخلاص وأنشدني أبو محمد عبد السلام بن الحسن، قال: أنشدني عمر لنفسه: [من مجزوء الرمل] كلُّ حي عن قليل ... فإلى الموت يصير ليس يبقى ذو افتخار ... يسار وفقير سوف يسقون كؤوساً ... شربها شربٌ عسير /١٧٤ أ/ وسيلقاهم غداً يومٌ ... عبوسٌ قمطرير وقال أيضًا: [من الطويل] لعمرك ما الدُّنيا لخابر حالها ... بصافية فاسأل بذاك خبيرا

стр. 1360

تريك سرور ثمَّ تعقب ترحة ... كأنَّك فيها ما عهدت سرورا وقال: وأنشدني أبو محمد عبد السلام بن يحيى، قال: أنشدني عمي لنفسه أبو عبد الله عمر: [من مجزوء الكامل] كن ميِّتا بين الورى ... وانظر لعينك واعتبر كم من مؤمِّل عيشة ... بينا يؤمِّلها قبر يرجو البقاء وكيف ... يطمح فيه مخلوقٌ قدر ماذي بدار إقامة ... فأبغ التزوُّد وابتدر إنَّ البطالة راحةٌ ... لكنَّ عقباها صبر وقال أيضًا وأنشد فيه أبو محمد: [من مجزوء الكامل] أكتب بكفِّك ما يسرُّك ... أن تراه في القيامه /١٧٤ ب/ واحذر مقارفة القبيخ ... فذاك يورثك الملامه واخش البيات فإنَّما ... هلك امرؤٌ ظنَّ السَّلامه واذكر مقامك حيث لا ... يغني التَّأسف والنَّدامه وقوله أيضًا: [من البسيط] علم م تحزن في الدُّنيا وتحترقٌ ... ونحن فيها إلى الآجال نستبق يا غافلاً وسهام الموت ترمقه ... لا تأمنن ختلها ما سرَّك الرَّمق وقال أيضًا: [من مخلع البسيط] يا أيُّها النَّاس هل أدلكم ... على فعال يفوز من فعله دعو فضول الكلام كم بطل ... لسانه بالفضول قد قتله واقتعوا باليسير واعتبروا ... كم جمامع للكثير ما أكله وزيِّنوا بالتُّقى نفوسكم ... فذو النُّهى زان بالتُّقى عمله وأنشد أيضًا القاضي أبو محمد عبد السلام التكريتي ببغداد في جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين وستمائة، قال: أنشدني عمي أبو عبد الله عمر لنفسه: [من الوافر] /١٧٥ أ/ أيا أبن الأربعين تروم لهوا ... وأنَّى اللَّهو بعد الأربعينا أيا إبن الميِّتين أبًا وجدًا ... ستلحق في غد بالمِّيتينا

стр. 1361

تؤمِّل أن تعيش قرير عين ... وكم قد أبكت الدُّنيا عيونا تظنُّ العيش فيها أن سيصفو ... وك قد اخلفت فيها الظنونا تزوّد من سنيك بخير زاد ... ولا تغترَّ .... السِّنينا ومن شعره يرثي ولده عبد الله، ومات بفلسطين وأنفذه ليكتب على قبره، انشدنيه عنه أبو القاسم ابن أخته بتكريت في شهر رمضان سنة اثنتين وعشرين وستمائة: [من الطويل] ألا إنَّ عبد الله ثاويًا ... بأرض فلسطين إلى موقف الحشر سيأتي إلى تكريت نعي مصابه ... ويأتي أيضًا سابق الدِّين من مصر فتى كان مثل البدر حشو ثيابه ... إذا ما انثنى أو كان أزهى من البدر وقد كانت الآساد تخشى لقاءه ... فقد طمعت في خدِّه دودة القبر سلامي عليك .... ما ذرَّ شارقٌ ... وما ثوَّب الدَّاعي إلى نسك الفجر وقال أيضًا: [من المتقارب] /١٧٥ ب/ أرى الطَّير يحنو على فرخه ... إذا كان في عشِّه لم يطر فإن طار ينقره حبَّة ... ليلقط إذ كان لا يدَّخر تنبَّه لذا السرِّرِّ يا صاحبي ... وكن فطنًا يقظًا واعتبر بنيَّ فدونك كسب العلوم ... صغيرًا فما الشَّيخ بالمدَّكر إذا لم يكن حصل الذكر في زمان الصِّبا وهو لم يعتبر فما شرف المرء في نفسه ... بابائه حينما يفتخر ولكن بما فاض من فضله ... على من إلى فضله يفتقر ومن ذلك ما رأى في منامه، كأنَّ رقعة ألقيت إليه، وفيها خط ولده المتوفى، وفيها أبيات لم يحفظ منها سوى بيتين: [من الطويل] فما لي من أشكو إليه صبابتي ... ولي عند موتي أنَّةٌ وحنين وما كنت أدري أين تقضى منيَّتي ... ولا أنَّ هذا الامر كيف يكون

стр. 1362

فأجاب عنها بهذه الأبيات: [من الطويل] /١٧٦ أ/ أيا مهجتي يا قرَّة العين إنَّني ... عليك على طول الزَّمان حزين يعزُّ على عينيَّ أن غبت عنهما .. وكلُّ عزيز يابني يهون وما في نعيم العيش بعدك لذَّةٌ ... وأيُّ التذاذ لي وأنت دفين سلامٌ على صفو الحياة وطيبها ... وا دمع عيني بالبكاء رهين وقال أيضًا يرثيه: [من الوافر] أقول وليلتي تزداد طولاً ... كأنَّ الصُّبح لجَّ به اللَّجاج إلى الرَّحمن أشكو ما بقلبي ... عسى همِّي يبدِّله انفراج نديمي زفرتي ودموع عيني ... شرابي والنَّجيع لها سراج وبي سقمٌ وأفكارٌ وحزنٌ ... أمورٌ ليس يبرئها علاج ألفت الحزن بعدك في المغاني ... فلا فرحٌ يزور ولا ابتهاج وكنت لنا سراجًا في اللَّيالي ... فمذ أوديت أظلمت الفجاج تبدَّل كلُّ حسن لدينا ... وحتَّى الربع بدله العجاج تكدَّر صفو عيش كان عذبًا ... وحل محلَّه مقرٌّ أجاج أمرُّ وقد سفا الافي عليه ... فيغلبني بكاءٌ وانزعاج وكان به سراج الوصل يكفي ... فقد أمسى وقد طفئ السِّراج /١٧٦ ب/ فلا وثراك لا ينفك دمعي ... يجود وليس يمنعه رتاج [٥٣٥] عمر بن عبد النور بن ماخوخ بن يوسف بن ليان بن باديس بن صولي بن بلول الهواري، أبو حفصٍ اللَّزنيُّ البجائي الصَّنهاجي. كان فقيهًا شافعيًا، مناظرًا أصوليًا، كاتبًا شاعرًا؛ له يد باسطة في علم الأدب

стр. 1363

والعربية انشدني أبو القاسم بن أبي النجيب بن أبي زيد التبريزي، قال: أنشدني عمر بن عبد النور لنفسه: [من الكامل] ومعقرب الُّدغين خلت عذاره ... نؤيًا أثافي رسمه الخيلان فوقفت أبكيه بعيني عروة ... حزنًا عليه كأنَّني غيلان وأنشدني، قال: أنشدني من شعره في غلام اسمه إبراهيم: [من الطويل] كستني ولم أشعر جفونك سقمها ... ومن قبل لم أعرف وصالاً ولا صدَّا وأبقيتني في نار شوقٍ كأنَّني ... سميُّك لكن لا سلامًا ولا بدرًا وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من الكامل] /١٧٧ أ/ عصَّ المصلَّى لا لزهد إنَّما ... صنم الصَّبابة عظمت أبناؤها أين استقلَّ استقبلته أوجه ... فالظذَبي شمسٌ والورى حرباؤها عبتم على التَّتر السُّجود إذا بدت ... شمس الضُّحى وسبتكم نظراؤها وقال أيضًا: [من الكامل] هبني صبوت كما ترون بزعمكم ... وظفرت فيه بلثم خدٍّ أزهر إني اعتزلت فلا تلوموا غنَّه ... أضحى يقَّابلني بخدٍّ أشعر وقال في غلامين تحاّبا أحدهما يعرف بابن صقر، والآخر بابن فهد: [من الطويل] أليس عجيبًا جارحان تصايدا ... وذلك شيءٌ لا يكاد يرام يقال ابن صقر بأبن فهد متيمٌ ... فكيف على أنَّ الفهود تنام وقال في الشيخ العلامة كمال الدين أبي المعالي موسى بن يونس الفقيه المدرس، وهو يلقى الدرس بحضرة المتطيلسين ارتجالاً

стр. 1364

بالموصل: [من الطويل] /١٧٧ ب/ كمال كمال الدِّين للعلم والعلا ... فهيهات ساعٍ في مساعيك يطمع إذا اجتمع النُّظار في كلِّ موطن ... فغاية كلِّ أن تقول ويسمع فلا تحسبوهم عن عناد تطيلسوا ... ولكن حياءً واحترافًا تقنَّعوا وقال فيه أيضًا: [من الوافر] تجرُّ الموصل الأذيال فخرًا ... على كلِّ المنازل والرُّسوم فجلة والكمال هما شفاءٌ ... لهيم أو لذي نهمٍ سقيم فذا بحرٌ تدفَّق وهو عذبٌ ... وذا بحرٌ ولكن من علوم وقال: [من الطويل] أأإغراك زورٌ من مجدٍّ ومازح ... فتقبل قول الكاذب المتواقح هواك حشا الأحشا وأظهر غيرةً .. فقل في إناء لا بما فيه راشح وعيشك ما أبديت حبًا وإنَّما ... تجيش ببحر الشّوق فيك قرائحي فيلحظني الحسَّاد فيك كأنَّها ... بغاثٌ أتت تخشى انقضاض الجوارح ويفحص عن ودِّي وإنِّي لكاتمٌ ... ولكنَّ طرفي في الصَّبابة فاضحى فقلبي خفَّاقٌ وجسمي ناحلٌ ... وغيني تمري بالدمُّوع السَّوافح ولولاك لاستعصيت كبرًا وإنَّما ... يذل الفتى إضمار شوق الجوانح /١٧٨ أ/ وكنت أبَّي النَّفس صعبًا مقادتي ... فراض جماح القلب صيد الجوارح وقد صان إحساني شعار قناعة ... وقد ضنت إلا عنك وجه مدائحي وكنت لعمري أملأ القلب رعبةً ... وأسحب ذيلي فوق قمَّة رامح فما زال بي حبَّيك يوقد جمرةٌ ... على الوجد من نيران وجد لواقح فأغرق طورًا في بحور مدامعي ... فها انا أطفوا بين أنفاس كاسح

стр. 1365

فإن كنت تهوى ان أموت فحبَّذا ... وإن كنت تهوى أن أيش فصالح [٥٣٦] عمر بن الخضر بن اللّمش بن الدرزمش، أبو حفص الدُّنيسريُّ التركيُّ. كان يعتني بالطبّ وسماع الحديث، ويتفقه على مذهب الإمام الشافعي –﵁ وله شعر حسن في الغزل. أنشدني أبو القاسم التبريزي، قال: أنشدني عمربن الخضر لنفسه: [من الكامل] بلغ الغرام به إلى غاياته وتحكَّمت أحكامه في ذاته صبُّ أصابته الصّبابة في الصَّبا ... قهر أفلم يعطف على صبواته كلفًا بمن هو في الملاحة واحدٌ ... متفرِّدٌ والحسن بعض صفاته /١٧٨ ب/ فالبدر مفتقرٌ إلى أنواره ... والغصن مضطرٌ إلى حركاته والسِّحر من ألحاظه والدُّرُّ من ... ألفاظه والورد من وجناته يهوى المحبُّ العذل فيه لاسمه ... ويرى اسمه في العذل من لذَّاته من رام يعرفه فأوَّل لفظه ... معكوسة التَّصحيف من أبياته وأنشدني أبو الحسين احمد بن الحسن المارديني. قال: أنشدني عمر بن الحضر بن اللمش لنفسه: [من البسيط] أفدي الَّذين لهم في مهجتي دار ... فهم بها الدَّهر سكَّانٌ وحضَّار مذ فارقوا لم أزل مضنى الفؤاد بهم ... ومنطقي بهم نثرٌ وأشعار بي منهم قلقٌ والقلب محترقٌ ... والدمع مستبقٌ في الخدذِ مدرار

стр. 1366

والجسم في سقم يحكي شبا قلمٍ ... والرُّوح في نقم من حيث ما ساروا فالعين تطلبهم والقلب يرقبهم ... والبين يحجبهم والدَّهر غدَّار ساروا على عجل والقلب في وجل ... وفي سويدائهم من مائه نار لم أنس أنسي بهم أيَّام وصلهم ... وهم على الهجر أعوانٌ وأنصار ونحن في صفو عبش لا يكدِّره ... من الرَّقيب مقالاتٌ وأكدار حتى رماني النَّوى منهم بما عجزت ... عنه القوى ورثى لي الأهل الجار /٩٢ أ/ وأنشدني، قال أنشدني لنفسه: [من الوافر] تولَّت بهجة الدُّنيا بقوم ... لسوء الحظِّ جاء بهم قران إذا مارمت علمًا نلت جهدًا ... لديهم حيث يعتبر العيان وإن حاولت منهم صدق قومٍ ... فكلُّهم إذا حاولت خانوا كلامهم كلامُ في فؤادي ... فليتهم من الاقطار بانوا ولد هذا عمر سنة سبعين وخمسمائة، وتوفي سنة عشرين وستمائة بماردين. وكان إليه عمالة وقف الجامع بماردين. وكان طبيبًا فيلسوفا منجمًا، وروى الحديث ورحل في طلب الحديث، وسمع شيئًا كثيرًا. وصنف لدنيسر كتابًا سمّاه: "حلية السريين في خواص الدنيسريين". وصنف كتابًا آخر سماه: "رموز الكنوز في علم النشأة" وسماه علم الحق. وصنّف كتابًا في الحديث سمّاه: "الثمانيات" روى كثيرًا من كتب القراءات. وكان شافعي المذهب. [٥٣٧] /٩٢ ب/ عمر بن محمَّد بن عمر بن محمد بن أبي نصرٍ، أبو حفصٍ الفرغانيُّ. هو من مدينة يقال لها "أندكان" من بلاد فرغانة.

стр. 1367

كان شيخًا فقيهًا حنفيًا صوفيًا، يعرف الأصول والخلاف، ويفهم النّحو والعربية. رحل إلى مدينة السلام فولاه أمير المؤمنين المستنصر بالله تدريس المدرسة الجديدة التي أنشأها على دجلة، وجعلها على الأربعة المذاهب. يدرّس فيها فقه الإمام أبي حنيفة –﵁ وذلك في رجب سنة إحدى وثلاثين وستمائة، ولم يزل يدرّس بها إلى أن مات يوم السبت سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، ودفن بجانب الشرقي في مقابر أبي حنيفة؛ وهو أول من درس فيها الفقه على المذهب الحنفي. وروى شيئًا من الحديث على الحافظ أبي بكر محمد بن موسى بن عثمان بن حازم الحازمي الحافظ، وغيره. وكان يقول شعرًا متوسطًا ينظمه في أغراض يتفق وقعها، أو أسباب مختلفة، وأحوبة كتب /٩٣ أ/ كانت ترد عليه من أصدقائه وأخوانه الذي يكاتبونه؛ ولم يكن من المسترفدين بالشعر، ولا صنعه لأجل جائزة أبدًا. وكان يتجول في الأقطار، ويخترق البلدان ويكثر الإقامة في المدن. أذهب جدَّة عمره في السفر. وكان كل مدينة ينزل بها يقبل عليه أماثلها وصدورها وأعيانها ويقربونه ويستفيدون منه ويكرمونه؛ فلذلك لا نجد في شعره إلاَّ مكاتبة كتاب ورد عليه من صديق أو .... به في سماع كان يحضر مع هؤلاء، فيقول على ذلك ... ز أما ما يقارن تلك الأجناس ويناسبها. وله ديوان يدخل في جلد استفرغه في المعاني التي سبق ذكرها آنفًا. وكان متفننًا في كل فضل، فقيهًا حنفيّا نحويًا فاصلاً أصوليًا. أنشدني أبو الثناء محمود بن فضل الله بن أحمد بن أسعد الهمذاني الصوفي، قال: أنشدوني أبو حفص عمر بن محمد الفرغاني لنفسه: [من الرجز] يا صاحبي إلى م أتت صاحي ... من سكر هوى وسكر راح لا تحل من الصَّبوح يومًا ... من خمر مراشف الصِّباح /٩٣ ب/ العشق طريقه التَّرقي ... والسُّكر حقيقة الفلاح

стр. 1368

لا تعتقدنَّ فسادًا ... هذا هو غاية الصَّلاح وأنشدني جعفر بن محمد الخسرسابوري، قال: أنشدني عمر بن محمد الفرغاني لنفسه: [من الرمل] (أترى يقنيه عن قسوته ... خذُّه الذَّائب من رقَّته) ويروِّى غلَّة من عاشق ... بالزُّلال العذب من ريقته ويداوي علَّة من وامق ... من أساراه وفي ربقَّته (قمرٌ لا فخر للبدر سوى ... أنَّه صيغ على صورته) يا لطيفًا حيَّرت ألطافه ... قلبي المجبور في غربته أعط من أهواه ما أهوى له ... من دوام العمر في دولته وأنل من أشتكى قسوته ... رق تثنيه عن قسوته وأنشدني القاضي الإمام ابو القاسم عمر بن أبي الحسن الحلبي –أيده الله تعالى- قال: أنشدني أبو حفص الفرغاني لنفسه يتشوق بعض الأخوان: [من الكامل] الله يعلم أنَّني مشتاق ... شوقًا تضيق له بي الآفاق /٩٤ أ/ لو رمت أشرح بعضه بصحائفي ... لاستنفد الأقلام والأوراق أرجو وأحيا بالرَّجاء تلافيًا ... ما تنطفي إلا به الأشواق لازلتم للمكرمات شموسها ... حتَّى يدوم بكم لها الإشراق وعليكم مني تحايا عاشق ... ما يقتدي إلاَّ به العشَّاق وله وقد دخل عليه محمد بن الرفاعي، فصبّحه، وكان مساءًا غلطًا، فقال ارتجالاً: [من الطويل] أتاني مساءً نور عيني ونزهتي ... ففرَّج عنِّي كربتي وأزاحا فصبحته عند المساء لأنّه ... بطلعته ردَّ المساء صباحا وقال أيضًا: [من الكامل]

стр. 1369

عاد الحبيب كما بدا متعطفًا ... وأنار نور جماله ظلم الجفا وأعاد روح وصاله روحي إلى ... جسم أضرَّ به الفراق وأتلفا جارت عليَّ الحادثات لجوره .. في ظلمهنَّ وأنصفت إذ أنصفا فله المحامد ما ترنَّم طائرٌ ... وشكا الجفاء متيَّم ألف الوفا وقال أيضًا بديهة في صديق له على سبيل البسط والتأنيس وقد دخل /٩٤ ب/ عليه، ويلقب بالنجم. وكانوا في بستان صفي الدين بن الموفق: [من الطويل] رجمنا أكاذيب الظُّنون بصادق ... من العلم صاف لم يشب صفوه الرَّجم وصرنا هداة مهتدين إلى الهدى ... وكنَّا حيارى بعدما طلع النَّجم وأصفى صفيُّ الدِّين منَّا قرائحًا ... ...... على ورَّادها النَّثر والنَّظم وأضفى علينا أنعما جلَّ قدرها ... عظامًا تولَّى شكرها اللَّحم والعظم وقال أيضًا فيه: [من السريع] فضللت هذي العلم بعد الهدى ... مذ غاب عن ناظري النَّجم وهكذا الساري بظلِّ الهدى ... إن غاب عن ناظره النَّجم وقال يرثي الزعيم المغنّي: [من الكامل] مات الزَّعيم ومات بعد مماته ... وجدٌ وجدت حياته بحياته شاد لطيف النَّعت في سكناته ... حاد خفيف الرُّوح في حركاته ذو نغمة تحيي النفوس كأنَّما ... أنفاس عيسى أودعت نغماته اللُّطف كلُّ اللُّطف بعض نعوته ... والظَّرف كلُّ الظَّرف بعض صفاته بلغ النِّهاية في الغناء وكان أعظم آية لله من آياته /٩٥ أ/ مذ أخلق الأيَّام جدَّته غدا ... يذري عليها باكيًا عبراته مازال يبكي حسرةً لشبابه ... حتَّى أتاه الموت من حسراته كم عاش أخوف خائف من موته ... من مات آمن آمن لوفاته فسقى الإله ثراه سفيا رحمةٍ ... وأحلَّه الفردوس من جنَّاته وقال من صدر مكاتبة: [من الكامل] يا معرقين تحمَّلوا حييتم ... عنِّي تحيَّة مشئمٍ مشتاق

стр. 1370

ألف السُّهاد جفونه إلف الكرى ... جفن الميتَّم أعين العشَّاق وقال وقد خرج يومًا إلى ضواحي الجزيرة العمرية، فمّر بواد يعرف بسقلان، وهو واد ذو أبنية وأشجار وانهار، فتذكر من كان فيه من القدماء، وأنشد بديهًا: [من الهزج] سبى قلبي سقلاَّن ... فما لي عنه سلوان مكانٌ فيه أهنى العيش لو ساعف إمكان وواد فيه أشجارٌ ... وأنهارٌ وغدران /٩٥ ب/ وأزهارٌ وأنوارٌ ... وأطيارٌ وألحان ومنثر ونسرينٌ ... وحوذانٌ وريحان ومسلاةٌ عن الأوطان لو شاقتك أوطان وملهاةٌ عن الأشجان إن الهتك أشجان وأصحابٌ واحبابٌ ... وإخوانٌ وخلاَّن ولكن أين أقوامٌ ... به من قبلنا كانوا تذَّكرناهم فيه ... عماراتٌ وبنيان فكم ضاعت لهم فيهنَّ أوقاتٌ وأزمان وآمال وأموالٌ ... وأعمال وأعيان فأحياهم وحيَّاهم ... ملثُّ القطر هتَّان وعمَّهم من الرَّحمان غفرانٌ ورضوان وقال فيه أيضًا: [من الهزج] سقى وادي سقلاَّن ... حيًا يهمي كأجفاني على ناء عن العين ومن قلبي الشَّجا داني على من هجره باق ... ولكن وصله فاني /٩٦ أ/ أتاني طيفه وهنا ... فأحياني وحيَّاني وقال في الغزل: [من السريع] يا مخلفَّا بالوصل ميعادي ... ومنجزًا بالهجر إبعادي
следующие страницы →