Полный текст (2 778 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
وقال أيضًا: [من الطويل]
سرى ناشداً أنسي قضيبًا من الآس ... فناولني الصَّهباء والشَّهد في كاس
وأرشدني وهنًا لتقبيل خاله ... وميض ثناياه وشعلة أنفاسي
ولو لم يكن يلقى على حرِّ خدِّه ... من الطُّرَّة السَّوداء ظلمة أنفاسي
إذاً لأضاء اللَّيل حتَّى انجلت لنا ... هواجس تخفيهنَّ أفئدة النَّاس
وقال أيضًا: [من البسيط]
/٣٠٠ ب/ سناجبينك مهما لاح في الظُّلم ... بتنا نطالع منه فسحة الكرم
إن يزرع النَّاس في أخلاقهم كرمًا ... فالبدر من جودك الطنان بالدِّيم
تبدو على أشقر خضر حوافره ... بحراً تلاطم أمواجًا على ضرم
تشمُّ عندك صيد العجم لخلخةً ... من الرُّغا بآناف من القمم
كادت لحبِّك تأتي وهي ساعية ... على الرُّؤوس بدون الرَّأس والقدم
من ظنَّ غير نظام الملك ذا كرم ... نادى به لؤمة "استسمنت ذا ورم"
أفديك ذا منظر بالبشر ملتحف ... عن صبحي اليمن والإقبال مبتسم
يد الجلال وشت في لوح بهجته ... "النَّاس من خولي والدَّهر من خدمي"
فلو أناف على هام السُّها وطني ... لما لوت نحوه أجيادها هممي
على النِّداء وقفت أيَّامه وعلى ... نشر المحامد منه السن الأمم
ما جئت أخدمه إلاَّ وقد سحقت ... يدا تلطُّفه عطراً من الشِّيم
رفَّ النِّدا نحوه عطراً مخدَّرة ... لولاه زفَّت إلى كفء من العدم
يريه شعري نجوم اللَّيل طالعة ... والنَّيرين معًا في مشرق الحلم
لا زال مثل هلال العيد حضرته ... في الحسن واليمن والإقبال والنِّعم
وعاش للملك يحميه وينصره ... فالملك من دونه لحم على وضم
/٣٠١ أ/ ودام كاليم للعافين ملتطمًا ... بنانه وهو مرشوف بكلِّ فم
стр. 1507
[٥٩٢]
القاسم بن هبة الله بن محمد بن الحسين بن أبي الحديد، أبو المعالي بن أبي الحسين المدائنيُّ، القاضي الكاتب.
درس فقه الإمام الشافعي –﵁ ببغداد والموصل، نظر في علوم الحكمة، وأتقن منها طرفًا جيداً، ولقي المشايخ واجتهد في طلب العلم، وتميّز وناظر حتى فاق أبناء زمانه، وقرأ الأصول وتكلم في المسائل الخلافية. وله شعر حسن.
وتقلّد القضاء بالمدائن في أيام أمير المؤمنين الظاهر بأمر الله أبي نصر محمد- ﵁ ثم قدم بغداد من المدائن، فولاَّه الإمام المستنصر بالله –﵀ كتابة الإنشاء بالديوان العزيز –مجدّه الله تعالى.
وكنت أتمنى لقياه إلى أن وردت مدينة السلام في سنة تسع وثلاثين وستمائة، فلقيته بها بجامع القصر الشريف سلخ جمادى الأولى يوم الجمعة في العام المذكور، فوجدته من أطيب الناس مفاكهة، وأحسنهم محاضرة، وأكثرهم /٣٠١ ب/ بشراً، وأجملهم خطابًا؛ يجمع أدبًا ولطفًا ونبلا وفضلاً وكيسًا. وذكر أنَّه ولد في جمادى الآخرة سنة تسعين وخمسمائة؛ وصنّف كتابًا سمّاه "الحاكم في اصطلاح العراقيين
стр. 1508
والخراسانيين في معرفة الجدل والمناظرة".
أنشدني أبو المعالي من شعره، ونقلته من خط يده: [من البسيط]
اسعد بدير سعيد أيُّها السَّاقي ... وامزج وخذ وأعطني من غير اشفاق
من خندريس كأنِّي حين أشربها ... ملسوع همٍّ تحسَّى كأس درياق
نار ولكنَّها للماء عاشقة ... تزداد من وصله ضوءاً بإشراق
شجَّت فألبست السَّاقي بصبغتها ... ثوبًا وألبسنيه ذلك السَّاقي
تجري الكؤوس ولا تجري محاثة ... مع الَّذي زاد في همِّي وأشواقي
لم أقض في عمري الماضي هوى حلب ... يا ليت شعري فهل أقضيه في الباقي
وذي قوام تثنَّى في غلائله ... مثل القضيب تثنَّى بين أوراق
نظمت من غزلي في حسن صورته ... عقداً تقوم به الدُّنيا على ساق
يا عقرب الصُّدغ في الخدِّ الأسيل أما ... لمن لسبت شفاء منك أوراقي
ونقلت من خطّه قوله: : ٣٠٢ أ/ يمدح تاج الدين محمد بن الحسين الأرموي بحلب وأنشدنيه: [من الكامل]
لو كان ينفع عاشقًا تذكاره ... لخبت من القلب المعنَّى ناره
زمن الحمى لا جاد غير حماك لي ... دمع ولا بلَّ الثَّرى مدراره
أين الشُّموس المشرقات لدى الضُّحى ... حسنًا وهن من الدُّجى أقماره
النَّاسيات نفوسهنَّ وإنَّما ... أودى بهنَّ من الشَّباب خماره
لا غرو أن حنَّ الغريب صبابة ... وتزايدت لفراقه أوطاره
متقسَّم الأحشاء لا أوطانه ... هذي البلاد ولا الدِّيار دياره
ومهفهف كالغصن تعطفه الصَّبا ... وسنان أسكر طرفه خمَّاره
يا مسعدي علامة في حبِّه ... جهلاً وفي إسعاده إقصاره
لو لم أجد عذراً صحيحًا في الهوى ... لو في بعذري في هواه عذاره
стр. 1509
وجه لو احظنا مجوس زمانه ... سجدت له لمَّا أضاءت ناره
وقوام غصن ما تعرَّض عاشق ... إلاَّ رأى أنَّ الصُّدود شعاره
عرفت لواحظك المريضة مقتلي ... وقتيل لحظك ليس يطلب ثاره
فكأنَّ تاج الدِّين أودع عندها ... حمل الغيوب فإنَّها أسراره
/٣٠٢ ب/ يا ابن الحسين لقد بنيت لفارس ... مجداً ينيف على النُّجوم نجاره
ونقلت من خطه أيضًا، وهو ما قاله بالموصل بدير ميخائيل، وأنشدنيه في التاريخ المذكور: [من البسيط]
كلُّ الورى فيك حسَّادي وعذَّالي ... يا فاقد المثل ما العشَّاق أمثالي
بكاي وقف عليكم بعد فرقتكم ... لا للوقوف على ربع وأطلال
رضا العواذل سخطي في هواك وفي ... وفاقهم خلف أغراضي وآمالي
يا ساكني دير ميخائيل لي قمر ... لكنَّه بشر في شكل تمثال
قريب دار بعيد في مطالبه ... غريب حسن وألحان وأقوال
سكرت من صوته لمَّا أشار به ... ما لست أسكر من صهباء جريال
ما رمت إمساك نفسي عند رؤيته ... إلاَّ تغيرت من حال إلى حال
يا ليلتي بفناء الدَّير لست كم ... يقول: يا ليلتي بالشِّيخ والضَّال
قد صرت أنشد بيتًا صار لي مثلاً ... لولا وصالك لم يخطر على بالي:
(لو اشتريت بعمري ساعة سلفت ... من عيشتي معكم ما كان بالغالي)
وقال أيضًا وأنشدنيه: [من البسيط]
/٣٠٣ أ/ أردد لثامك حتَّى يستر اللَّعس ... وقف ليبعد عن أعطافك الميس
إنِّي أغار على حسن حبيت به ... إصابة العين إنَّ العين تختلس
يا غاضب الخشف أوصافًا مكملةً ... لم يبق للخشف إلاَّ السُّوق والخنس
وفاضح البدر إنَّ البدر مقتبس ... من الَّتي هي من خدَّيك تقتبس
стр. 1510
معدَّل الخلق لا طول ولا قصر ... مكمَّل الخلق لا هين ولا شرس
يصحُّني حبُّه طوراً ويمرضني ... فكم أبل من البلوى وأنتكس
حموه عن كلِّ ما يشفى الغليل به ... حتَّى على طيفه من شكله حرس
قد كنت أبصر صبحًا في محبَّته ... فعاد وهو بعيني كلُّه غلس
مالي وللحب يلهي القلب عن مدح ... أوصافها فصح أضدادها خرس
كيف الذُّهول وتاج الدِّين هير فتى ... خير المديح لخير النَّاس يلتمس
حبر تفيض له نفس بهمَّتها ... لم يبق للشُّر لا روح ولا نفس
نور تلقَّته نفس منك طاهرة ... لولاه لم يبد فينا ذلك القبس
شاركت في الرُّوح عيسى ما استبَّد بها ... كلاكما في البرايا روحه قدس
حكمت في العالم العلويِّ عن نظر ... صاف من الشَّك ما في فكره دنس
فلو رأى منك جالينوس معجزةً ... ما قال في الكلِّ إنَّ الأمر ملتبس
/٣٠٣ ب/ وكاد يؤمن من بقراط الحكيم بما ... يلقى إليه ولا يرتاب برقلس
وحومة مزجت شكًّا جوانبها ... فما درى الحبر فيها كيف ينغمس
أعيى الخواطر فيها حادث جلل ... واستعبد النُّطق في أرجائها الخرس
حتَّى إذا جاء تاج الدِّين فرَّجها ... تغضي البيادق مهما عدًّت الفرس
وقال أيضًا وأنشدنيه: [من الخفيف]
مرحبًا بالخيال إذا زار وهنا ... وشفى لوعة المحبِّ المعنَّى
وقضى حاجةً فسرَّ وسرَّى ... همم القلب عن لبانات لبنى
كلَّما قلت: قد تسلَّيت عنه ... عادني طيفه وعنَّ فعنَّى
شادن لو بدا يفاخر بدراً ... أخجل البدر بالملاحة حسنا
وإذا ما انثنى رأيت كثيبًا ... تحت بند القبا يحمل غصنا
ترك الرُّمح والحسام وأبدى ... سيف لحظ وهزَّ بالقدِّ لدنا
ليلة الدَّير حيث تسمع لحنًا ... حسن النَّظم ما يقارب لحنا
سعدت ليلة رأيت بها الشَّمـ ... ـس وجنح الظَّلام ينجاب عنَّا
стр. 1511
بين صرعسى محاجر وعيون ... بات يحييهم إذا ما تغنَّى
أيَّها الشَّمس من يقل فيك معنّى ... لم يصب فيك أنت كلُّك معنى
/٣٠٤ أ/ قد تمنَّت جوارح النَّاس طرّاً ... أنَّها صيِّرت لأجلك أذنا
وقال أيضًا وأنشدنيه: [من الكامل]
لحظات طرفك أم شفار مهنَّد ... هزمت جيوش تصبُّري وتجلُّدي
ما رنَّقت عيناك من سنة الكرى ... إلاَّ لشقوى عاشق لم يرقد
عجبًا لطرفي لا يزال يعوم في ... ماء الملاحة وهو كالعطش الصَّدي
ولنور وجهك وهو قد هتك الدُّجى ... بضيائه إذ ضلَّ فيه المهتدي
يا قاسم العشَّاق من متقلقل ... سكن الفناء وساكن مستسعد
ته كيف شئت فحسن وجهك قد غدا ... متودِّداً فينا بغير تودُّد
أهوى النَّحافة والشُّحوب لأنَّني ... أجد النَّحافة من صفات محمَّد
كالغصن في حقف إذا جرت الصَّبا ............. تأطُّر وتأوُّد
وكأنَّ خطَّ عذاره في خدهِّ ... سبج أذيب على صفيحةً عسجد
وقال أيضًا وأنشدنيه: [من الكامل]
اللَّوم فيك لجاجه من عاشق ... وافى يخادعني بلفظ العاذل
ما كنت مجهولاً لديه فلم أقل: ... أمط اللِّثام عن العذار السَّائل
وقال، وأنشدنيه: [من البسيط]
/٣٠٤ ب/ بيت من الشِّعر في تشبيه وجنته ... لمَّا أحاط بها سطر من الشَّعر
كالظِّل في النُّور أو كالشَّمس عارضها .... خطٌّ من الغيم أو كالمحو في القمر
وقال أيضًا وأنشدنيه: [من البشيط]
قالوا: على خدَّه خال، فقلت لهم: ... تخفى الحقائق في عقل المجانين
تكوين مقلته صاد وحاجبه ... نون المنال وهذا نقطة النُّون
стр. 1512
وقال أيضًا وأنشدنيه: [من الكامل]
يا هجري لمَّا رأى شغفي به ... ما كان حقُّ متيّّم أن يهجرا
إنَّ الَّذي خلق الغرام هو الَّذي ... خلق السُّلو فلا يغرُّك ما ترى
وقال أيضًا وأنشدنيه: [من الكامل]
لو يعلمون كما علمت لما لحوا .... في حبِّه ولأقصروا إقصارا
هلاَّ أحدِّثكم بسرّ لطيفة ... دقَّت إلى أن فاتت الأبصارا
حادت صقال خدوده أصداغه ... فتمثَّلت للنَّاظرن عذارا
[٥٩٣]
القاسم بن محمد بن سعيد بن النداء، أبو محمد الجزريُّ
من بيت كبير بالجزيرة/ ٣٠٥ أ/ العمرّية.
قلَّدة الأمير معز الدين محمود بن سنجر شاه بن غازي بن مودود بن زنكي بن آقسنقر –صابحها- وزارته، ففارقه وقصد حضرة الملك الأشرف شاه أرمن مظفر الدين موسى بن أبي بكر، وانضمّ إليه، وحظي عنده.
وكان قد قرأ فقها وأدبًا، وحفظ شيئًا من الأشعار وله يد في الكتابة والإنشاء وعمل الشعر.
أنشدني أبو الفضائل جعفر بن محمد بن أحمد الخسرسابوري، قال: أنشدني القاسم بن محمد لنفسه: [من الكامل]
إقدح زناد اللَّهو بالقدَّاح ... وأضف إليه لطائف الأرواح
هذا الرَّبيع ووجه من أحببته ... فاشرب على الرَّيحان صفو الرَّاح
стр. 1513
[٥٩٤]
القاسم بن أحمد بن زيد بن محمّد بن محمّد زيد بن أحمد بن محمّد بن محمد بن عبد الله بن عليِّ بن عبد الله بن عليِّ بن الحسن بن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب، أبو الحسين بن أبي جعفر العلويُّ الحسينيُّ الموصليُّ.
أخبرني أنّه ولد في صفر سنة تسعين وخمسمائة بالموصل.
وهو من أبناء النقباء /٣٠٥ ب/ الأشراف، حفظ القرآن المجيد، وقال شعراً صالحًا أنشدني لنفسه يمدح مولانا وسيدنا الإمام المفترض الطاعة على كافة الأنام خليفة الله في العالمين المستنصر بالله أمير المؤمنين أبا جعفر المنصور- صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين-: [من البسيط]
حطُّوا الرِّجال فهذا منتهى الطَّلب ... وها هنا معدن التَّمجيد والحسب
أرض غدت كعبة القصَّاد ما قصدت ... إلاَّ وأعقبت الإفضال عن كثب
سمت بخير إمام ليس لي وزر ... سواه كلاً ولا في غيره أربي
ومن يكن بإمام العصر معتصمًا ... لم يخش حادثة الأيَّام والنُّوب
آليت لم تثنني عن قصده ... ولم أغب برقم المدح في الكتب
ما أمَّه من مخفِّ المال ذو ضرع ... إلاَّ وأوقر بالإعزاز والنَّشب
ولا هززنا له عزمًا لمعضلة ... إلاَّ ونفَّس عنَّا أعظم الكرب
ولا رجونا به ما عزَّ مطلبه ... إلاَّ بلغنا الَّذي نرجو ولم نخب
وإن تغرَّب عن أهل وعن وطن ... باغي معاليه أمسى غير مغترب
أشهى إليه من الأصوات قاطبة ... صوت الوفود إذا أمُّوه للطلب
صبٌّ إلى المكرمات الغرِّ وهي له ... ترب وصبٌّ إلى ترب من العجب
стр. 1514
/٣٠٦ أ/ قرَّت به العين فالدُّنيا به حسنت ... والدِّين فهو متين الرُّكن والطُّنب
من دوحة المصطفى المختار منبته ... أكرم بذلك من أصل ومن شعب
لن تُّقبل الصَّلوات الخمس إن عريت ... من ذكره وهو فيها أوكد السَّبب
فلتشمخ الأرض ولتفخر بأخمصه ... على السَّماء وما فيها من الشُّهب
وخصَّه الله إجلالاً بمرتبه ... دانت له عظماء العجم والعرب
فقام فينا بما جاء الرَّسول به ... كأنَّ عنَّا نبيُّ الله لم يغب
في محكم الذكر قد جاءت مناقبه ... ما جهد مادحه بالشِّعر الخطب
وإنَّه قد تردَّى كلَّ مكرمة ... لم يستطعها ذوو الإفضال والأدب
لا عاصم اليوم من بأس الإمام فماً ... تغني المعاقل واللاَّجي إلى العرب
وهكذا للَّذي يعصي أوامره ... ما إن يؤول بغير الويل والحرب
فلو أراد النُّجوم الزُّهر أدركها ... ولم نطق هربًا منه من الرَذهب
ولو رأته ملوك الأرض لاستبقت ... إلى السُّجود له من شدَّة الرُّعب
يا من علا قدره فوق السِّماك ومن ... حاز الفخار ويا ابن السَّادة النُّجب
لم أرض غيرك ملاجوّ أؤمله ... ولم أجد غير ما أوليت أليق لي
رفعت قدري بعطف منك يا أمل الرَّاجي وقد كان قبل اليوم في صبب
/٣٠٦ ب/ فما ولائي مصروفًا ومنحرفًا ... إلى سواك ولا قلبي بمنقلب
أما الغنى فهو في دار السَّلام وفي ... ظلِّ الإمام العظيم الشُّأن ذي الحسب
أصبت في حسن ظنِّي في عواطفه ... لكنَّني مثله في الخلق لم أصب
يا مفلق البيد بالإدلاج مجتهداً ... لكي يفوز بغرٍّ غير محتجب
يمِّم أبا جعفر المنصور تلق فتًى ... ملء الصُّدور كريم الأصل والنَّسب
معظَّمًا منح التَّبجيل والشَّرف الجمُّ النَّبيل وأعطى أرفع الرُّتب
وهو الرَّؤوف يقضي العمرتين تقىً ... وبين عدل وبرٍّمنه منسكب
المقتني الحمد والموفي بنائله ... على البحار ومن أربى على السحب
ووسَّع الرِّزق إحسان يكرِّره ... فالضِّيق عنَّي ناء غير مقترب
أعطى وواصل حتَّى قلَّ ذو أمل ... وزاد فوق الَّذي في نفس محتسب
من الثنَّاء ومنه نائل علقت ... يداي منه بحبل غير منقضب
стр. 1515
فالشُّكر منِّي لما أولاه من نعم ... شكر يخلِّد أو يفني يد الحقب
ما جحفل لجب ضاق الفضاء به ... كثُّ الجوانب في أمن من العطب
يسري فيظفر بالأشياء يقصر عن ... إدراكها كلُّ ذيّ عزِّ وذي شغب
أغنى بعزمته عن كلِّ ذي شطب ... ماضي المضارب والخطِّيِّ واليلب
يومًا بأمنع منه للنَّزيل إذا ... قلَّ المحامي وخاف الذُّل كلُّ أبي
فاسلم لنا في سرور لا يعادله ... الدَّهر في أيامك القشب
مخولاً مدحً من لم ينو عنك ونى ... وسوف يحمد ما يلقاه من نصب
وقال أيضًا يمدحه –صلوات الله عليه- حين سلطن المولى الملك الرحيم بدر الدنيا والدين عضد الإسلام والمسلمين، مرزبان العراق شهريار الشام أبا الفضائل المستنصري، غرس أمير المؤمنين –خلد الله دولته-: [من الطويل]
خذوا عن رواة العشق حالي وما ألقى ... فعندهم علم بمن يدَّعي العشقا
وقصَّا على من همت فيه قضيَّتي ... عساه يرى عطفًا على دنف ملقى
بعيدة عهد بالرُّقاد جفونه ... فلو شاء طيفًا ما أطاق لها طبقا
كراحة مولانا الإمام ومن غدت ... خزَّائنه تتلو تسأله رفقا
هو المرتجى في سورة الدَّهر والَّذي ... مناقبه المدَّاح علَّمت النُّطقا
وما جهد ما يأتي المجيد بوصفه ... وقد جاءت الآيات وصفًا له حقَّا
/٣٠٧ ب/ فلو أنَّه شاء افتخار أبلوغ ما ... حوى الشُّهب والأفلاك أدركه خرقا
فقل إن تقل ما يستحيل لغيره ... من المكرمات الغرِّ لن تعدم الصِّدقا
إذا ما احتبى يومًا لكسب محامد ... كفى النَّاس برّاً طبَّق الغرب والشَّرقا
وإن هو لم يحبس سحائب كفِّه ... رأيت الورى من فيض أنعمها غرقى
غدا ذخر بدر الدَّين ذي الرُّتبة الَّتي ... تسنَّم أعلى رتبة أنجما ترقى
فتى جلَّ عن وصف ومدح جميلة ... وسدَّ على من يرتجى غيره طرقا
نؤلمِّله طوراً لكشف ملمَّة ... تنوب وطوراً نستدرُّ به الرِّزقا
وإن يك أمضى العزم يوم كريهة ... رأيت الموالي الصَّيد تنظره زرقا
فترهب في الحرب العوان رعوده ... إذا هزَّ فجراً أو إذا ركب البرقا
سعيد إذا ما دَّبر الملك رأيه ... لطيف إذا ساهلته طيِّب الملقى
стр. 1516
مليك الورى فافخر بحلَّتك الَّتي ... بها أنهج الله النَّواحي والأفقا
فإنَّك فتَّ سبقا إلى العلا ... وأكرم بمن فات الورى للعلا سبقا
فأنت يمين للإمام إذا سطا ... لك الله من مستنصريٍّ علا الخلقا
فأولادكم ملكًا تأسَّس ركنه ... وأوضح في ثغر المعادي لكن فتقا
فدم ما حدا حاد إليك وما شدت ... على فنن قمريَّة ودعت ورقا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
/٣٠٨ أ/ فقدت عزائي واصطباري لفقده ... فآهًا لمسلوب العزاء فقيده
فلو أنَّني كنت استطعت فديته ... بروحي ومالي والورى وجدوده
وقال: [من الوافر]
وذي قلب حديد ليس يقوى ... على هجرانه القلب الجليد
وقام بكًأسه فظللت ساه ... ولا أدرى لأنهم ورودي
اللخمر الَّتي في الكأس أو ماً ... بفيه أو لخمر في الخدود
وله في الشيب: [من المتقارب]
وطارق شيب أتى تالداً ... فجار على الأسود التَّالد
فنغَّض عيشي تلافيهما ... إلى أن رثى رحمةً حاسدي
ولمَّا شكوت الَّذي حلًّ بي ... من الشَّاكيين إلى عائدي
فلام وعنَّفني ثم قال ... وفي قوله الحقُّ للنَّاقد
أتشكو وأنت الَّذي قد جمعـ ..... ـت ضرائر في منزل واحد
وقال: [من مجزوء الكامل]
لا تعجبنَّ لساقط ... إن نازل منزلة رفيعة
أعلى الكواكب منزلاً ... زحل ورتبته وضيعه
/٣٠٨ ب/ وقال: [من الطويل]
стр. 1517
صبرت ومن يرزق حميد اصطباره ... على حادثات الدَّهر فهو سعيد
تصبَّر فإنَّ الصَّبر يعقب راحة ... وليس الَّذي ترجوه منه بعيد
وله في الشيب: [من الخفيف]
لم يشب مفرقي لطول زمان العمر لكن لصرف دهر عنيد
شيَّبتي الخظوب فاعجب لأن صار بياضًا إثر الخطوب السُّود
وقوله: [من الطويل]
بكيت .. اببضاضًا رأيته ... بفودي ومن أهوى سوادا بخدِّه
ومن عجب والدَّهر يبدي عجائبًا ... من الشَّيء أبكيه وأبكى لضدَّه
وله يصف نهراً: [من الطويل]
ونهر كظهر السَّيف إن ولعت به ... يد الرِّيح أضحى ذلك العضب مبردا
وإن قابلته الشَّمس عند غروبها .... أرتك لجين الماء ألبس عسجدا
وروض إذا ما صوَّحت زهراته ... كساها انسكاب المزن وشيًا مجدَّدا
ويودع درُّ الغيث في عنبر الثَّرى ... فيظهره فصل الرَّبيع زبر جدا
وقوله في العذار: [من الطويل]
/٣٠٩ أ/ وقبَّلت خداً للحيب مورَّداً ... بنفسي أفدي منه خدّاً موردّا
فمن حرِّ أنفاسي علا فوق خدِّه ... دخان فخالوه عذاراً مزرَّدا
وله يمدح الكرم: [من الطويل]
وقى حاتم الطَّائيَّ جود يمينه ... دخول حجيم كان أوجبها الكفر
فقل للَّذي يلحى على الجود أهله ... ألم يك في هذا لفاعله عذر
وله فيمن اسمه إبراهيم: [من السريع]
خوفته سكناه قلبي لما .... أودعته من حراف كار
فقال إبراهيم إسمي وهل ... يحفل إبراهيم بالنَّار
وقوله: [من الخفيف]
قل لمن قد أصاب حبَّة قلبي ... إذ رماه بسهم لحظ مريض
стр. 1518
قد أخذت الفؤاد منِّي صحيحًا ... ثمَّ صيَّرته كبيت العروض
وقال: [من الخفيف]
عاتبتني على بياض دموعي ... بعتاب أصمَّ منه سمعي
قلت لا تعتبي فليس سلوّاً ... ذاك منِّي ولا تغيَّر طبعي
ما تنقَّلت عن هواك ولكن ... طول عمر البكاء سيَّب دمعي
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[من الخفيف]
/٣٠٩ ب/ [لا] نهي من وقي الما [ل] بالعرض عن الجود والفه غير راضي
واحرس العرض ما استطعت بجود .... إنَّما الجود حارس الأعراض
وله في الخمر: [من الخفيف]
قلت لمَّا بدت كشعلة نار ... من دنان سود كليل بهيم
خلَّفت في العيون ناراً وفي الأحشاء نوراً فيالها من نعيم
فهي برد على القلوب وفي النَّفس كنار الخليل إبراهيم
وله: [من الرمل]
وبدا ينكر دمعي إذ جرى ... كسقيط اللُّؤلؤ المهتتن
قلت لا تنكر هذا إنَّه ... بعض ما أودعنه في أذني
أتمنَّى مذ نأيتم قربكم ... وتمنِّي قربكم تيَّمني
وله في المقص: [من الوافر]
ومعتنقين من حسد التَّلاقي بيننا كل ما اتَّصلا إليه
ولا يسعين إلاَّ في افتراق ... وقطع للَّذي قدرا عليه
وله: [من الرمل]
إن يرد كفَّا يباريك بها ... في النَّدى لم ير كفًا ذا هبة
стр. 1519
/٣١٠ أ/ وأنشدني لنفسه وزعم أنه صنعها لبديهة، وقد اقترح عليه هذا المعنى:
[من السريع]
وأسمر الحاظه كالسِّهام ... تصمي فؤاد الحائر المستهام
إذا تبدَّى قال كلُّ الورى ... سبحان من صوَّر هذا الغلام
يظلم إن قيل سنى وجهه ... كالصُّبح والطُّرَّة مثل الظَّلام
وإن تثنى غصنه خجل الأغصان حقًّا لين ذاك القوام
منعَّم الرِّدف لقد أردف الجسم سقامًا وفؤادي غرام
وأنشدني لنفسه يمدح مولانا الملك الرحيم بدر الدين عضد الإسلام غرس أمير المؤمنين –أدام الله أيامه-: [من الطويل]
ارفَّق بصبٍّ ما يقُّر عن الهجر ... أسير هوى ما أن له عنك من صبر
كئيب أصابته الصَّببابة والجوى ... يقلِّبه فرط الغرام على جمر
يبيت على فرش الضَّنى مذ هجرته ... ويذري مصون الدَّمع فيك وما يدري
بلوت عظيمات الأمور فلم أجد ... أمرَّ وأدهى في الفؤاد من الهجر
ثنى الدَّنف المغرى به عن سلوِّه ... تثنِّيه عن غصن حوى أحسن الزَّهر
/٣١٠ ب/ به نرجس غضٌّ وفيه بنفسج ... وورد جني والأقاحي من الثَّغر
جفا فدموعي ما تفيض كأنَّها ... مواهب بدر الدِّين ي النًّائل الغمر
هو المرتجى في سورة الدَّهر والَّذي ... مناقبه جلَّت عن العدِّ والحصر
هو الواهب المطلوب والماجد الَّذي ... علا قدره فوق السِّماكين والنَّسر
وما هو إلاَّ كالزَّمان تطيعه ... وتتبعه الأقدار في النَّهي والأمر
هزبر إذا لا قى الكماة لدى الوغى ... تسلَّت مواضي البيض منه مع السُّمر
إذا ما احتبى في كلِّ ناد لسؤدد ... فكن موقنًا من فيض كفَّيه باليسر
تجود بما تحوي يداه وإنَّه ... ليتبعه باللُّطف منه وبالبشر
فلولاه ما قضيَّيت ليلي ساهراً ... تسامرني الجوزاء للنَّظم والنَّثر
وما الأبحر السَّبع الغزار إذا طمت ... بأغزر فيضًا من أنامله العشر
وأنشدني لنفسه: [من الوافر]
ألا ليت المعاطف في عواطف ... وليت قوامه الألفى آلف
стр. 1520
ويا ليت الحبيب درى نحولي ... فيرحم مدنقًا وجداً يحالف
يطيعني الغرام وعنه صبري ... عصيٌّ لم يزل أبداً يخالف
[٥٩٥]
القاسم بن محمد بن سراج /٣١١ أ/ بن أبي عبد الله بن سعد بن منصور الحلبيُّ
من إنشاء حلب وأبنائها، وسروات أهلهما وكبرائه قدراً وحزمة وجاهًا ونعمة. وكان في بدء أمره، واقتبال شبابه يعاني التجارة والسفر إلى الديار المصرية، ثم إلى البلاد الرُّومية، ولا يتعدّى في سفره أكثر من ذلك. وكان من مهامه في الأسفار والتنقل قد حصل انموذجًا جيداً من الأدب، وكتب خطًا حسنًا.
ورأى جماعة من الشعراء والفضلاء، واستظهر من أقوالهم وروى عنهم، وخالطهم في تلك المدّة، وإتباع كثيراً من الكتب الأدبيات والشعريات، ولهج بمطالعتها، وشغف بتحصيلها والاقتباس من فوائدها حتى صار على خاطره صدر صالح من بدائع الأشعار، ورائق الملح والحكايات. ونظم الفائق من الشعر وضمنه المعاني النادرة.
ثم ترك السفر له بأخرة حانوتًا في سوق البنّ يتَّجر فيه، وهو على سيرة جميلة في بيعه وشرئاه وأخذه وعطائه مع الناس ذو كلام مقبول، وقول مسموع، واحترام وافر.
وجمعني وإياه مجلس الوزير مؤيد الدين أبي نصر إبراهيم بن يوسف الفقطي بمحروسة حلب عدة مرار، وتأكدَّت /٣١١ ب/ بيننا معرفة وكيدة، فوجدته من أكمل الرجال نباهة قدر، وسعة نفس وصدر، وغزارة مروءة وسماحة بنان. وطيب عشرة، وحسن صحبة. يتعصب لمن يرد عليه تعصبًا زائداً، وينفعه بجاهه وماله، ويجتهد في قضاء حوائجه، ويتوصل إلى أغراضه بكّ طريق.
وهو نعم الرجل عقلاً وسكونا وخيراً وصلاحًا فالله تعالى أن يبلغه أمانيه ويرزقه سعادة الدنيا والآخرة بمحمد وآله أجمعين، أنه جواد كريم.
أخبرني أنه ولد في ذي القعدة سنة تسع وثمانين وخمسمائة، ومما أنشدني
стр. 1521
لنفسه، حرس الله اقباله وأدم عزّه وجلاله بمحروسة [حلب] في سنة سبع وثلاثين وستمائة، في غلام اسمه بدران: [من البسيط]
داعي الهوى بالهوى يا صاح ناداني ... ومطرب الحيِّ بالمحبوب غنَّاني
وساقي الشَّوق عاطاني على ظمأ ... كأسًا فأسكرني من قبل أسقاني
تبًا له ساقيًا في السُّكر طاوعني ... بالوصل منه وعند الصَّحو عاطاني
كم شفَّني وشفاني في هواه وكم ... أماتني حبُّه طوراً وأحياني
ما يعذب القرب إلاَّ بالبعاد ولا ... يلتذُّ بالوصل إلاَّ بعد هجران
/٣١٢ أ/ وربَّ خلو من الخلاَّن قلت له ... إذ جاء يعذلني جهلاً ويلحاني
في القلب شيطان ذكر لا يفارقني إلاّ بعوذة وصل من سليمان
ليس إبن داود ما أعني به لكم ... وإنَّما هو سليمان بن زيدان
وأنشدني لنفسه أسعده الله تعالى: [من الطويل]
أيا زائراً يختال من غير ما وعد ... حبيب كبدر في قضيب من الرَّند
فعانقت من أعطافه خوط بانة .... وقبلت من وجناته يانع الورد
وأنشدت بيتًا قاله متعزِّل ... وعلمي أن لا عنده منه ما عندي:
"خليليَّ هل أبصر تما وسمعتما ... بأكرم من مولًى يمشِّي إلى عبد"
وله: [من الوافر]
دليل قام في نحس الوزير ... حقيقًا إنَّه بعض الحمير
يسوم إلى الخيانة كلَّ عدل ... عزيز الدِّين من بيت كبير
ويعتقد الأمانة عند لصٍّ ... وقوَّاد وعشَّار حقيًر
لذلك قيل منجذب إليه ... حنين الكلب للكلب العقور
[٥٩٦]
أبو القاسم بن أبي حامد /٣١٢ ب/ بن عليٍّ البعقوبيُّ الخريميُّ.
هو من بعقوبا قرية كبيرة بنواحي بغداد على عشرة فراسخ منهما.
ورد بغداد وسكنها إلى أن مات بها سنة إحدى وستمائة. وكان شاعراً، فاضلاً،
стр. 1522
حسن الشعر رقيقه، جيّد الألفاظ والمعاني.
أنشدني أبو القاسم بن أبي الفرج بن أبي منصور البعقوبي المغربي، قال: أنشدني أبو القاسم بن أبي حامد الخريمي لنفسه: [من الطويل]
إذا ما خلا طفُّ الجنينة منكم ... فلا أخضرَّ واديها ولا فاح طيبهما
ولا جادها قطر السمَّاء ولا اكتسى ... من الورق الصَّافي العميم سكيبهما
ولا حركت ريح الصَّبا شجراتها ... ولا ناح في أغصانها عندليبها
وكنَّا نراها أطيب الأرض منزلا ... فبان بعيني مذ نأيتم عيوبها
وصحَّ لنا قول الَّذي قال قبلنا: ... (هوى كلِّ نفس حيث حلَّ حبيبها)
[٥٩٧]
أبو القاسم بن محمد بن فتيان الموصليُّ.
كان بعد الستمائة كما أخبرت، يقول في غلام محموم: [من البسيط]
قالوا: به حرُّ حمَّى أعقبت ألمًا ... فبات منها سليم القلب مكتئبا
/٣١٣ أ/ فقلت: نفسي الفدا ممَّا يحاذره ... لأنَّني كنت فيما ناله سببا
قبَّلت فاه وأنفاسي بها شرر ... تزداد من زفرات في الحشا لهبا
ثمَّ اعتنقنا فأعداه على عجل ... حرُّ الجوى من ضلوعي فاشتكى الوصبا
حاشاك يا محرضي ممَّا تحاذره ... فقم بنا اليوم نقضي في الهوى أربا
[٥٩٨]
أبو القاسم بن أبي جعفر بن عطية، الوزير الكاتب.
حدثني شيخ الشيوخ بن حمويه، قال: أبو القاسم هذا كان كاتبًا للشيخ أبي محمد عبد الواحد بن عمر. وكان أحد أشياخ الموحدين. وأركان دولتهم.
رأيته بمراكش وهو يتولى أكثر أموره، وإليه الترسل والإنشاء في كتاب رقاعه ودرجه، وولاية نفقات دخله وخرجه، وهو المستولي على أمره والمستودع لسرِّه، وله كتابة حسنة، ورسائل وجيزة وأشعار يسيرة. وكان من ذوي المروءات والهيئات، ومن المسارعين إلى إغاثة الملهوف، وقضاء الحاجات.
стр. 1523
وكان والده أبو جعفر وزير آل عبد المؤمن نهض بأعباء الدولة في مباديها، وأحكم قواعدها ومبانيها، وله الكتب البليغة /٣١٣ ب/ في الجمع والتأليف والاجتماع للدولة المستقبلية، والإدحاض للدولة الماضية، والمبالغات في الترغيب والترهيب، والاقتدار التام في حسن التدبير وعلى التبعيد والتقريب.
وأما ولده هذا فهو متوسط في فنه موافق طبقة سنه، بيني وبينه بمراكش مجاورة ومزاورة ومحاورة؛ ثم قال: وأنشدني يومًا لنفسه وقد جرت مقارضة في إختيار العزلة والخمول وإيثار الانزواء، فقال: [من المتقارب]
تنازعني النَّفس أعلى الأمور ... وليس من العجز لا أنشط
ولكن بمقدار قرب المكان ... يكون سلامة من يسقط
تم الجزء الخامس من قلائد الجمان
والحمد لله أوّلاً وآخراً
ويتلوه في الجزء الذي يليه
ذكر مفاريد الأسماء في حرف القاف
إن شاء الله تعالى
стр. 1524
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
/ب ١/
[تتمة حرف القاف]
ذكر مفاريد الأسماء في هذا الحرف
[٥٩٩]
قيصر بن عثمان بن يوسف الشاعر، أبو يوسف الواسطيّ المعروف بابن السوداء.
وهي أمه لا يعرف إلا بها.
وخبرت أنه كان شاعرًا دمثًا فصيحًا، جهوريّ الصوت، بدينّا عبل الجسم، أسود اللون شديده، مشربًا بصفرة؛ حسن المعرفة باللغة وأشعار العرب وأيامها، وتعلق بطرف قوي من الأدب؛ وكان يرجع إلي أريحية، ولطافة عشرة.
وكان يفد إلي مدينة السلام يمدح أمراءها، وأعيان سادتها؛ وتوفي بواسط سنة إحدى عشرة وستمائة كما بلغني.
أنشدني أبو الفضائل جعفر بن أحمد الخسر سابوري الواسطي؛ قال: أنشدني قيصر بن السوداء لنفسه من جملة أبيات، يرثي بها العميد محمود بن أحمد بن أمسينا، وكان ناظرّا بواسط: [من الطويل]
أيا آمن الدنيا تهيّأ لغدرها ... ذر الأمن واعمل فالأمان غرور
إذا أفرحت غمّت وإن هي أقبلت ... تلقّاك من ريب الزمان نذير
وأنشدني له وهو من شعره المشهور، ويغنّى به في البلدان: [من الطويل]
стр. 1525
متي نسمت ريح الصّبا سحرًا صبا ... مشوق بتذكار الآحبّة عذّبا
حمته الظّبى دهرًا فلّما تحمّلت ... لحاظ الظّبا ذلّت لهيبته الظّبى
فأضحى رهينًا قلبه وفؤلده ... أسير هوى في حبّ ساكنة الخبا
أعاذلتي لا تكثري العذل وأقللي ... فقلبي متى كلّفته سلوةّ أبى
وكيف أصطبار القلب عمّن يحبّه ... ويسلو وينسى حاش لله زينبا
ومنها:
سقى الله بالزوراء مغنّي لفاطم ... من الغيث هطّال يجود علي الرّبى
أما ولييلات العقيق وما حوت ... لنا بالحمى والنازلين على قبا
.... النهر المعلّى وجنّة المعلى وما اسلفت في زمن الصّبا
لئن قرّب الله النوى وتدانت ال ... دّيار وأضحى الربع بالحبّ معشبا
] وله [: ] من البسط [
قف وأبك وادي الحمى من دمعك السرب ... وخل عنك زمان اللهو والطّرب
يا عام إن سرّ سكّان القباب لقد ... تحجّبوا بالقنا الخطيّة السلب
من كلّ بكر خلوب قدّها رشق ... بيضاء يخجل نور الشمس عن كثب
أشاقني ذكرها الزّوراء آه علي ال ... زّوراء لم اقض من لذّتها أربي
أفنيت كنز اصطبار كنتّ أدخره ... وشبت طفلا ولولا الشوق لم أشب
أما ونهر المعلّى والذين سرت ... بهم حداة النوى يومًا ولم تؤب
لولا أياد لعزّ الدين تنقذني ... من النوائب لم أسلم من النوب
قليج بن هرون بن مودود بن عليّ بن عبد الملك بن شعيب التكريتي.
كان أبوه صاحب تكريت وأميرها، وولده هذا أقام بالموصل برهة من الزمان.
стр. 1526
مختلفا إلي الإمام أبي حفص عمر بن أحمد النحوي العسفني الضرير؛ يقرأ عليه أدبًا ونحوًا ولغة.
وكان ينشدني كثيرًا من أشعاره؛ وشخص إلي الديار المصرية، ولم أقيد عنه شيئّا منه.
ونفق سوق شعره بمصر، وتداوله الناس، وسار بينهم، وغنى به المغنون.
أنشدني لنفسه يصف البهار: ] من الطويل [
بهار ًا حكى كأسًا من التّبر مائلًا ... جوانبه في وسط راحة كاعب
أقامت أصابيعًا بنقش كأنّه ... زبرجد حول الكأس من كلّجانب
وأنشدت له قصيدة خمرية: ] من المتقارب [
تجلّت فأمست لها الكأس طورا ... ولاحت فانست نارا ونورا
فلو حاول الطّرف إدراكها ... لعاد بها خاسئًا أو حسيرًا
هنيئًا لشرّابها عاينوا ... لجينا وتبرا ودرًّا نشيرا
أتتهم صحاف لجين حوت ... نضار مذابّا وفاحت عبيرا
وحلّو أساور من عسجد ... غداة سقاهم شرابّا طهورا
إذا زرت حانتهم في الدّجى ... وعاينت منها صباحا منيرا
فثمّ لعمري إذا ما رأيت ... ﴾ رأيت نعيمًا وملكًا كبيرا ﴿
إذا رشقتك سهام الهموم ... ولم تر عونًا عليها نصيرا
فلذ واعتصم بحمى كأسها ... تجده علي كلّ همّ قديرا
تمّسك بها وتمسّك به ... فإنك تلقي المنى والحبورا
غزالة كأس تصيد الأسود ... توافيك أنسا وتبدي نفورا
إذا أطلقت من قيود الدّنان ... غدا كلّ عقل لديها أسيرا
نصبنا شباك لئاليها ... فصاح الحبابّ: النفير النّفيرا
стр. 1527
حباب إذا ما طفا بالمزاج ... رأيت المماتّ له والنّشورا
يصوغ لها المزج درّ ... شباكا فيمنعها أن تطيرا
تصيد البدور شموس الكؤوس ... دجى فتصيد الشموس البدورا
تفوق النسيم وتبري السليم ... وتشفي السقيم وتجلي الصدورا
شموس الكؤوس عروس النفوس ... تسوس النفوس تحل ّالعسيرا
فطف حول كعبتها إنها ... تميت الهموم وتحيي السّرورا
وقل للذي لام في شربها: ... رويدك قد جئت ظلما وزورا
فإن كان ذنبي عظيماّ بها ... ففي عفو رّبي أراه حقيرا
شفيعي النبيّ وآل النبي ... ليوم غدا شرّه مستطيرا
قيس بن عمرو بن كامل بن هبة بن عليّ بن عمرو بن الحسن بن كامل الأنصاري العربيلي الدمشقيّ.
وعربيل قرية شرقي دمشق علي بابها.
يكنى أبا سعيد مولده سنة تسع وتسعين وخمسمائة.
أنشدني لنفسه يوم الأحد سابع عشر ذي القعدة بحلب سنة أربع وثلاثين وستمائة؛ ما كتبه إلي الملك المغيث فتح الدين أبي حفص عمر بن عبد الملك الفائز إبراهيم بن أبي بكر بن أيوب: ] من الطويل [
إليك أفتح الدين منك شكايتي ... وما ضرّني أن قد شكوت إلي حر
أيجمل بالجود الذي أحسب الورى ... فسارت به الرّكبان في البرّ والبحر
بأن يغتدي حظي إليك مؤخّرًا .. فتهضم من حقي وتخفض من قّدري
ولي مقول أمضى من السيف صادق ... جرئ له التحكيم في النظم والنّثر
لك الخير مهما كان منك فإنّه ... علي الرأس محمول علي العسر واليسر
стр. 1528
وأنشدني لنفسه يصف قينة، من قصيدة: ] من الطويل [
ولست أبالي بعد ليلتنا التي ... تقضّت أجلّ الخطب من بعد أم دقّا
وقد أقبلت تشدو على مثل منسر ال ... عقاب بصوت كالنسيم إذا رقّا
إذا أوحت الأطيار تلحين معبد ... إليه حكى للشّرب ضيعته حقّا
أضلّ الورى ترجيعه لخواره ... كأنّ إهاب العجل أضحى لها رقّا
وأنشدني لنفسه في المعظم صاحب دمشق: ] من الطويل [
غدا الأعور الدّجال يعقوب سالما ... وأردى خلاف النصّ صاحبه عيسى
وما زال ينمي ما له ثمّ جاهه ... بسحر إلي أن مزّقته عصا موسى
وقال أيضا: ] من السريع [
دعاني المقلّ إلي الجهل ... فرمت فتح العقل بالقفل
فلم أصن وجهي عن باخل ... كأنما صفحته نعلي
تبّت يدا قيس وسحقًا له ... حيث ترجّي النّقع من نذل
يا ويحه هلاّ ثني عزمه ... ما عمّه من نائل الفضل
هو الجواد بن الأعزّ الذي ... يشفع حسن القول بالفعل
بذّ الورى جودًا وبأسًا كما ... قد بذّ أهل العلم بالعقل
فكم يد أسدى إلي قاصد ... من غير ما منّ ولا مطل
لا زال يحيي دوح إنعامه ... نفوس قتلي الدهر بالبذل
стр. 1529
/أ ٥/
حرف الكاف
[ذكر من اسمه كامل]
[٦٠٢]
كامل الحلويّ
من أهل الحلة السيفية.
خبّرت أنه كان حيًا يرزق بعد العشرين والستمائة؛ صار إلي من قبله هذه الأبيات الغزلية
فأثبتّها: [من البسيط]
حسب المعنى بما في القلب يخفيه ... من حرّ نار الجوى والدمع بيديه
فالوجد يقلقه والنار تحرقه ... والبعد يمرضه والشوق يضنيه
رماه ريم أغنّ أخور غنج ... مقرطق ذو دلال تاه بالتّيه
الليل طرّته والصبح غرّته ... والغصن قامته سبحان باريه
سهامه جفنه والقوس حاجبه ... واللحظ مرهفه والأنف خطّيه
والورد وجنته حسنا لعاشقه ... سبحان رازقه سبحان منشيه
يا عاذل الصّبّ رفقا بالمحبّ فما ... في القلب من ألم التّبريح يكفيه
لو ذقت طعم الهوى ما كنت تعدلني ... ولمت من زاد ظلما في تجنّيه
فطول ليلي لا أنفكّ من ألم ... في القلب يورث من آه ومن إيه
[٦٠٣]
كامل بن أبي عديّ بن طاهر بن أبي المجد بن أبي الفضل بن إسماعيل العطار الحموىّ الضرير، أبو التّمام المعروف بابن العريض الكلاعيّ الحميريّ.
من أهل حماة من بلاد الشام.
كان شاعرًا مكثرًا مداحًا، طلق اللسان؛ ينتجع بشعره الملوك والأمراء. شاهدته بحلب المحروسة في جامعها، يوم الجمعة سابع عشر صفر سنة خمس وثلاثين
стр. 1530
وستمائة؛ شيخًا نقي الشيبة ربعة من الرجال، وسألته عن مولده؛ فقال ولدت بحماة في سنة أربع وستين وخمسمائة.
وامتدح الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شاذي_ رضي الله عنه_ ومن بعده الملوك الأيوبية. وزعم أنه ينتسب إلي ذي الكلاع أسميفع بن ناحور الحميري_ صاحب اليمن_؛ ثم رحل إلي حماة.
أنشدني لنفسه في التاريخ المقدم ذكره، وبلغني وفاته في شهر جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين وستمائة: ] من المتقارب [
تذّكر نجدًا وكثبانها ... وإن كان لم ينس أوطانها
وطيب ليال تقضّت بها ... إذا ما الصّبا رنّحت بانها
تبدّلت الوحش بعد الأنيس ... وبعد الدّمي الغيد غزلانها
فسحّت سحاب دم مقلة ... جفت لذّة الغمض أجفانها
وكانت بها كل ميّاسة ال ... قوام تجرجر أردانها
قتول مطول متى واعدت ... وصالا تواليه ليّانها
يزين محاسنها حليها ... إذا حلي غانية زانها
فما بالها هجرت وصلها ... وقد واصلت فيّ هجرانها
فإن يك خيّرها كاشح ... بسلوة مثلي فقد كانها
أألزم نفسي لها سلوة ... وهل تغلب النّفس شيطانها
وأنشدني كامل لنفسه يمدح رجلًا يكنى ابا سالم، وجعل كنيته أول الأبيات: ] من الكامل [
أتظنني لقديم عهدك ناسي .. لا واعتدال قوامك الميّاس
بي منك داء جلّ عن تحديده ... وصف وقصّر عنه كل قياس
والله لو عاينتني لرثيت لي ... من عظم وجد في هواك أقاسي
سقمي لسقم جفونك المرضي التي ... ملئت بسحر قاتل ونعاس
стр. 1531
ألقاك كي أسلو فأبلس من هوى ... وصبابة بك أيمّا إبلاس
لولاك لم أذق الغرام ولم أكن ... لكؤوس صدّك في المحبّة حاسي
مالي أكابد منك لوعات الهوى ... وأذوب من ولهي ومن وسواسي
جرحت لحاظي من لحاظك أسهم ... ما إن لها غير التّواصل آسي
يا قاتلي بصدوده عمدًا ألم ... تكن الشّكاية منك قلبًا قاسي
وأنشدتي أيضا من شعره في التأريخ: [من الكامل]
أأذوب فيك صبابة وأسى ... وسواي يرشف ذلّك اللّعسا
يا من يعير الظّبي لفتته ... ويعير غصن البانة الميسا
رفقًا بصبّ ذائب كمدًا ... لم يبقي فيه جوى الهوى نفسا
ألبسته بالصّدّ ثوب ضنى ... ما كان مثلك قبله لبسا
وغرست غصن هوى بمهجته ... فنما وأثمر عندما غرسا
علّل عساك تبلّ غلّته ... بلعلّ إن علّلته وعسى
لا تتلونّ أخيرا آي سبًا ... دون الوصال له ولا عبسا
والله لو ساعدته لسرى ... لم يخش حجّابًا ولا حرسا
جد بالرّقاد لمدنف خلست ... عيناك عنه الغمض فاختلسا
وغدا خيالك نصب ناظره ... لم ينأ عنه صبحه ومسا
من لي بمن أدنو فيبعدني ... عنه وإن لاينته عنسا
وأنشدني لنفسه في التأريخ: [من المتقارب]
وظبي من الإنس وافي النّفور ... ألنت عريكته بالمزاح
وملّيته بحديث المحال ... إليّ فأمكن بعد الجماح
وواصل بعد وصال الصّدود ... وقال اقترح قلت أنت اقتراحي
فبتّ وريحانتي صدغه ... وخدّاه وردي والرّيق راحي
أجاذبه قبلًا دائبًا ... إلي أن سمعت منادي الصّباح
стр. 1532
فقام وقد نلت منه الذي ... أؤمّله غير فعل السّفاح
وما كان ذلك من عفّة ... ولكنّني كنت ندّ السلاح
وأنشدني لنفسه في غلام أصفر: [من المنسرح]
لا تحسبو أنّ لون صفرته ... لمّا تبدّي لأجل علّته
وإنما خوف نار من قتلت ... مقلته ظاهر بوجنته
وقال يمدح الملك المنصور: [من الرمل]
علّها بعد الجفا والسخط ترضى ... من لها صيّرت صحن الخدّ أرضا
غادة لولا هواها لم اكن ... بعد عزّي راغما بالذّل أرضى
إن يكن قد هجرت من بعد ما ... وصلت واستبدلت بالحبّ بغضا
قد سلبت القلب مني فاتركي ... بعض ما ابقيته يتبع بعضا
أيرجّى أن يداوى مرض ... من جفون حشوهنّ السّحر مرضى
هب يعيد لي أيامًا مضت ... وليال طيبها عنّي تقضّى
كان قرضا صفو عيشي بكم ... وأري الأيّام لا تمهل قرضا
قل لمن يفلي الفيافي دائبًا ... للمهارى القود بالإساد أنضا
زر حمى أرض حماة مادحًا ... ملكًا حثّ على الفضل وحضّا
وانزلن مغناة تحظى بالغنى ... وارفضن قصد ملوك الأرض رفضا
فهناك البأس تلقى والنّدى ... والعلا محروزةً والمجد محضا
ملك مدح سواه سنّة ... وعلينا مدحه أصبح فرضا
خير من يمّمته في أزمة ... إن نبا دهرًا أو خصمك كضّا
طاهر العنصر منهلّ النّدى ... لم يعوّد كفّه المبسوط قبضا
صائن بالبذل عرضا وافرًا ... لا لمن يبذل دون العرض وفرا
فلكم أرضى البرايا ظاهرًا ... مثل ما لله في الخلوة أرضى
أيّها المنصور يا من كفّه ... لم تزل راحضة الأعدام رحضا
وغدا الساحل يعنو صاغرًا ... لك لمّا جئته بالخيل ركضا
стр. 1533
لم يروموا الصّلح إلا بعدما ... شاهدو نقدك حدّ السيف نضّأ
ملئت بالصّلح منهم أعين ... وقلوب رعتها أمنا وغمضا
وحميت الشام لمّا شمتها ... عزمات من سيوف الهند أمضى
وقال وألغز في هذه الأبيات أبا سالم: ] من الطويل [
أمثلي من يصغي إلى زجر زاجرا ... ويسمع هجرًا في حبيب مهاجر
وأهيف معسول الشمائل أغيد ... أغنّ غرير فاتن الطّرف غادر
سلا كلّ صبّ عن هواه ولم يكن ... ليخطر لي عنه السّلوّ بخاطر
أهيم بذكراه جوى وصبابة ... إذا ما تناسى إلفه كلّ ذاكر
لحى الله من يسليه عمّن يحبه ... مقالة لاح أو ملامة زاجر
منى الصّبّ زورا من خيال يزوره ... إذا كان من يهواه ليس بزائر
/أ ٩/
стр. 1534
/ب ٩/
حرف اللام
ذكر من اسمه اللؤلؤ
[٦٠٤]
لؤلؤ بن عبد الله، أبو الفضل الأفضليّ النّوريّ.
مولي الملك الأفضل نور الدين أبي الحسن علي بن يوسف بن أيوب بن شاذي، ويلقب بدر الدولة.
كان رجلًا سخيًا ظاهر المروءة، واسع النفس، ولم يكن أحدّ في زمانه أحسن خطّا منه، ولا أملح كتابة وتراسلًا؛ وفيه أدب وفضائل، وله شعر حسن. وتوفي بسيمساط سنة ثمان عشرة وستمائة ودفن بها على شاطي الفرات.
أنشدني أبو الفضل عمر بن علي بن محمد بن يحيي بن هبيرة الشيباني؛ قال: أنشدني الأمير بدر الدولة لؤلؤ بن عبد الله الأفضلي لنفسه: ] من الخفيف [
حسن من أسهر الجفون وناما ... وكسى مهجتي الضّنى والسّقاما
حسن بدر إذا تبدّا جبينا ... وقضيب إذا تثنّى قواما
وصله يبعث الشّفاء إلى القل ... وهجرانه يبعث الآلاما
كلّما أطنب العوازل فيه ... زاذ إطنابهم غرامي غراما
وأنشدني أبو عبد] الله [محمد بن غرّة البيري المري_ بحلب المحروسة_ قال: أنشدني بدر الدولة لنفسه، هذه الأبيات وأمر أن يكتب فيها: ] من مجزوء الرجز [
دار ببستان على ... شطّ فرات سلسل
كأنّها من حسنها ... عروس خدر تنجلي
стр. 1535
أو جنّة قد زخرفت ... أكرم بها من منزل
عمرتها من نعمة المو ... لى المليك الأفضل
السيد السلطان نور ال .. دّين ذي الجود علي
لؤلؤ بن عبد الله، أبو سعيد الروميّ الصيّاد.
كان أصله فرنجيًا، وكانت حرفته صيد السمك، وشكله شكل المغاربة، وكان مولى لابن منقذ الإسكندراني التاجر وعتيقه.
اشتغل بطرف من علم العربية، وأخذ منه قدرًا يسيرًا لتصحيح طبعه في النظم؛ وكانت له اليد الطولي في صنعة الموشحات، وإنشاء الشعر، وصنع مقامات؛ وربما امتدح بشعره وارتزق، وله طبع يعينه على الإنشاء لا غير وندب إلي أن يكون من قواد البحر فامتنع.
أنشدني أبو المظفر منصور بن سلمبن منصور الإسكندري، بمدينة السلام في سنة تسع وثلاثين وستمائة؛ قال: أنشدني لؤلؤ بن عبد الله لنفسه وهي أبيات خالية من النقط: ] من المجتث [
إطلع طلوع هلالك ... واصعد سماء كمالك
ولح كما لاح سعد ... على العلاء لحالك
وحلّ وسط محلّ ... مداه مهل طوالك
كلّ المكارم سعد ... لواله الصّدر هالك
دعاه مطلك دهرًا ... وما دعا لمطالك
وهل وصالك إلاّ ... أهل لأهل وصالك
كما صدودك مر ... محرّم بحلالك
стр. 1536
/أ ١١/
حرف الميم
ذكر من اسمه المبارك
[٦٠٦]
المبارك بن محمد بن هبة الله بن الضحاك، أبو النصر البغداديّ.
من بيت معروف بالكتابة؛ وتولي الأعمال الديوانية، وكان من أعيان أهل بيته دينًا وفضلًا، ومعرفةً وأدبًا، شهد عند قاضي القضاة محمد بن جعفر البغدادي في شعبان سنة خمس وثمانين وخمسمائة.
ورتّب ناظرًا بديوان .... ، ثم رتّب أستاذ الدار العزيزة في شهر ربيع الأول سنة ست وستمائة؛ ولم يزل علي ذلك إلي أن توفي ليلة الجمعة خامس عشر من محرم سنة سبع وعشرين وستمائة_ رحمه الله_ وصلّي عليه بجامع القصر، وحضر جماعة أرباب الدولة، وغيرهم، فصلّوا عليه؛ وحمل إلي مشهد موسي بن جعفر_ عليهما السلام_ فدفن في تربة له هناك.
أنشدت له بمدينة السلام، هذه الأبيات، حكي لي أنه كتبها علي بعض سطوح الحمام المعد للمهام، ونقل الأخبار: ] من الكامل [
يا حجرة بنيت بأيمن طائر ... شيدت مبانيها بأحسن منظر
حفّت بأطيار كأنّ حفيفها ... ريح الشّمال تضمّخت بالعنبر
وضعت لأصناف سوابق لم تكن ... لا لأبن داود ولا الإسكندر
الله شادك نزهة المستبصر ... ببقاء مولى خلقه المستنصر
مولى زكت أعراقه وجدوده ... في الأطيبين وفي المحلّ الأطهر
فغمامه من رحمة وعراصه ... من جنّة ويمينه من كوثر
وأنشدت له في المعني: ] من مجزوء الكامل [
برج سما بحمامه ... ] شرفًا [علي الأبراج طرًا
стр. 1537
وحمامه سبق الرّيا ... ح وفاتها برًا وبحرا
المبارك بن المبارك بن أبي الأزهر سعيد بن أبي السعادات؛ أبو بكر بن أبي طالب الواسطيّ النحويّ الضرير الدهان.
قرأ القرآن الكريم بواسط، علي مشايخها، ودرس الأدب بها أيضًا علي أبي سعيد نصر بن محمد بن مسلم المؤدب وغيره.
قدم بغداد مع أبيه في حداثته، وأدرك الشيخ أبا محمد عبد الله بن أحمد بن الخشاب النحوي البغدادي، فأخذ عنه، ولازم أبا البركات عبد الرحمن بن محمد الأنباري، وقرأ عليه كثيرًا، وتلمذ له؛ فهو أشهر شيوخه، وسمع منه تصانيفه، وسمع الحديث من طاهر بن محمد المقداسي.
وتولي تدريس علم النحو والأدب بالمدرسة النظامية سنين، فتخرج عليه خلق كثير، وكان قليل الحظ من التلامذة؛ يتخرجون عليه ولا ينتسبون إليه.
وكان شيخًا كيسًا يحفظ الحكايات الظريفة، والنوادر اللطيفة، مليح المعاشرة، مطبوع المحاضرة، وكان يحسن] التكلم [بكل لغة؛ من الفارسية، والتركية، والحبشية، والرومية، والأرمنية، والزنجية؛ فكان إذا قرأ عليه عجمي واستغلق عليه المعني بالعربية فهّمه إياه بالعجمية علي لسانه.
стр. 1538
وكان حسن التعليم، جيد التفهيم، قوي النفس، طويل الروح، كثير الأحتمال، شاعرًا.
وكانت ولادته بواسط سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة، وتوفي ببغداد ليلة الأحد سادس عشر شعبان سنة اثنتي عشرة وستمائة_ رحمه الله تعالى_.
أنشدني أبو محمد أحمد بن جفر بن الحسن البغدادي الكتبي؛ قال: أنشدني أبو بكر الواسطي لنفسه:
] من البسيط [
ما مرّ يوم ولا شهر ولا عيد ... فاخضرّ فيه لنا من وصلكم عود
عودوا تعد بكم الأيام مشرقة ... وإن أبيتم فللأسقام لي عودوا
كم ذا التّجنّي وكم هذا الصّدود صلوا ... من حظّه منكم هم وتسهيد
لا تسألو كيف حال بعد بعدكم ... فالحال شاهده والسقم مشهود
لولا التّعلّل بالآمال متّ أسى ... يفنى الزمان ولا تفى المواعيد
ولو شكوت الذي ألقى بحبكم ... إلي الجلاميد رقّت لي الجلاميد
يا هذه ما أنام الليل من شغفي ... كأنما حاجبي بالجفن معقود
قلّ اصطباري وزاد الوجد بي فأنا ... بك الشقيّ وغيري منك مسعود
تلذ في حبك الأسقام لي وأرى ال ... تعذيب عذبًا به والقلب محمود
كأنّك المجد في بذل الندى وأنا ... في فرط حبّك فخر الدين مسعود
مولى إذا السّحب ضنّت بالحيا فله ... في الخلق بحر عظيم الرّيّ مورود
وأنشدني أبو السعد عبد الكريم بن عمر بن عبد الرحيم النيسابوري، قال: أنشدني أبو بكر لنفسه:
] من الرمل [
زارني والليل داج بسحر ... ويلطف اللّفظ للقلب سحر
رام يستخفي من الواشي به ... فاتى ليلًا وهل يخفى القمر
جسمه ماء ولكن قلبه ... عند شكواي إليه من حجر
стр. 1539
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه: ] من الكامل [
والله لو قطّعتني إربا ... وأعدت ثمّ أعدت فعلك بي
وسئلت عنك لقلت أرأف بي ... من كل أم برّة وأب
وأنشدني؛ قال: أنشدني من شعره: ] من الخفيف [
عذّب القلب ثمّ روّح جسمي ... موهما أنّه يريد صلاحي
لو أراد الصّلاح روّح روحي ... فبقاء الأجساد بالأرواح
وأنشدني يعقوب بن نصر بن يعقوب البغدادي؛ قال: أنشدني أبو بكر لنفسه: ] من الخفيف [
أرفع الصوت إن مررت بدار ... انت فيها وما إليك سبيل
فأحيّي من ليس عنده بأهل ... أن يحيّا لتسمعي ما أقول
وأنشدني أبو السعادات أحمد بن محمد النحويّ الواسطي؛ قال: أنشدني أبو بكر لنفسه؛ ولهذين البيتين قصة: ] من الطويل [
لمن تنظم الأشعار فالناس كلّهم ... سواسية إلا أمرأ أنا جاهله
ولو علموا أنّ اللهي تفتح اللها ... دروا أنّ ذا الفتح بن خاقان قائله
وقال أيضا من مطلع قصيدة: ] من الكامل [
يامن أقام قيامتي بقوامه .. وأطال تعذيبي بطول مطاله
أمط اللّئام من العذار يقم به ... عند العذول عليك عذر الواله
وأرفق بباك في هواك معذّب ... بجفاك ما خطر السّلوّ بباله
طبع الحبيب علي الملال وليته ... يوما يميل إلي ملال ملاله
стр. 1540
لو كنت تسمع ما أقول وقوله .. لعجبت من ذلّي له ودلاله
شدّ الرّحال فخلذ عقد تصبّري ... لما سرت أجماله بجماله
وقال أيضا: ] من الكامل [
خلّ الخليقة والوزير ولذ بمن ... أمر الخليفة والوزير إليه
وإذا أردت صلاح شأنك فاعتمد ... في كلّ أمر ترتجيه عليه
وسأله بعض حظايا الوزير عضد الدين ابن رئيس الرؤساء؛ أن يعمل أبياتًا يكتبها علي قميص أصفر،
فعمل ونقشها علي القميص، فرآه الوزير، فنال منه بذلك السبب خيرًا كثيرًا، وهذه الأبيات:
] من البسيط [
أنظر إلى لابسي أنظر إليّ وكن ... من مثل ما حلّ بي منه على خطر
هذا اصفراري يراه الناظرون وما ... في القلب من حبّه يخفي عن البصر
أمرت في خلعه بالليل لي كمدًا ... لدي انتظاري وصال منه في البحر
أقول عجبًا إذا مارام يلبسني ... ما كنت أطمع أن أعلو علي القمر
وله يقتضي وعدًا، وأنشدنيه الشيخ أبو عبد الله: ] من الخفيف [
لست أستقبح أقتضاءك بالوع ... د وإن كنت سيّد الكرماء
فإله السماء قد ضمن الرّز ... ق عليه ونقتضي بالدعاء
وقال أيضا، وأنشدنيه عنه الشيخ أبو عبد الله: ] من الكامل [
والله ما حبّ النّبيّ وآله ... من كان يوما للصّحابة مبغضا
أقسمت لو ملك يناقص واحدًا ... منه لكان الله عنه معرضا
وقال في عماه، وأنشدنيه عنه أبو عبد الله: ] من السريع [
قد سرّني دهري وما ساءني ... بفقد عينيّ بلي أنعما
أذهله سمعي لأخبارهم ... يجعل قلبي بالأسي مفعما
لو كنت ذا عين وأبصرتهم ... لكان أشهي ما إليه العمى
стр. 1541
وقال أيضًا وأنشدنيه عنه أيضًا: ] من المنسرح [
تمثّلو مادرًا وما سمعوا ال ... بتّ في زماننا شبها
فالآن لو قيس كان من ذهب ... وكان من يستنجده شبها
وقال يذم الخمر: ] من السريع [
لا خير في الخمر فمن شأنها ... إفقادا العقل ونقد الحنون
أو أن تري الأقبح مستحسنا ... وتظهر السّرّ الخفيّ المصون
وقال أيضا، وأنشدنيه الشيخ أبو عبد الله: ] من الطويل [
ولو وقعت في لجّة البحر فطرة ... من المزن يوما ثمّ شاء لمازها
ولو ملك الدنيا فأضحي ملوكها ... عبيدًا له في الشرق والغرب مازها
وقال أيضا: ] من الكامل [
لا تعزل الفرس التي عثرت ... بك أميس قبل سماعك العذرا
قالت مقالًا لو علمت به ... لم تولها هجرًا ولا هجرا
لما رأى الأملاك أنّ على ... سرجي فتي أوفي الورى قدرا
رفعت يدي حتى تقبّلها ... شعفًا به فوهت يدي الأخرى
وقال أيضا، وأنشدني الشيخ أبو عبد الله عنه: ] من الطويل [
أطلت ملامحي في اجتنابي لمعشر ... طعام لئام جودهم غير مرتجي
ترى بابهم_ لا بارك الله فيهم_ ... على طالب المعروف إن جاء مرتجا
حموا ما لهم، والدّين والعرض منهم ... مباح فما يخشون من هجر من هجا
إذا رع الأجواد في الجود منهجًا ... لهم شرعوا في البخل تسعين منهجا
стр. 1542
[٦٠٨]
المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني، أبو السعادان ابن أبي الكرم لكاتب الجزريّ، المعروف بابن الاثير.
كانت ولادته بالجزيرة العمرية، في إحدى الجماديين ستة أربع وأربعين وخمسمائة؛ ونشأ بها، وقدم الموصل سنة خمسة وستين وخمسمائة.
وتفقه على مذهب الأمام الشافعي_رضي الله عنه_ وقرأ علم العربية والنحو على
стр. 1543
أبي محمد سعيد بن المبارك بن الدهان النحوي البغدادي، وسمع الحديث بأخرة.
وتولي الخزانة لسيف الدين غازي بن مودود بن زنكي، ثم ولاء ديوان الجزيرة وأعمالها، ثم عاد إلي الموصل، فناب في الديوان عن الوزير جلال الدين أبي الحسن علي بن الوزير جمال الدين أبي جعفر محمد بن علي بن أبي منصور الاصفهاني؛ ثم اتصل بمجاهد الدين قايماز أيضًا، فنال عنده درجة رفيعة، فلما قبض علي مجاهد الدين، اتصل بخدمة أتابك عز الدين مسعود بن مودود إلي أن توفي؛ فتعلق بخدمة ولده أتابك نور الدين أبي الحارث أرسلان شاه. وصار واحد دولته حقيقة، بحيث إنّ السلطان نور الدين كان يقصد منزله في مهام نفسه، ولا يرد ولا يصدر إلًا عن رأيه ويشاوره في الأمور وكتب له الإنشاء.
وكان أقعد في آخر أيامه، وعجز عن الحركة، واشتدّ به المرض، فكان النهوض يصعب عليه؛ فلم يزل كذلك إلي أن توفي ضاحي نهار يوم الخميس سلخ ذي الحجة سنة ست وستمائة بالموصل، ودفن بداره التي وقفها علي الصرفية، وجعلا رباطًا داخل المدينة.
وكان له اليد الباسطة في الترسل وكتابة الإنشاء، وكان حاسبًا كاتبًا ذكيًا فاضلًا عالمًا في عدّة علوم، مشاركًا فيها؛ كالفقه، والأصولين، والحديث والقرآن، والعربية واللغة، وصحة الحديث وسقمه، ومشايخه؛ وصنف في كل ذلك تصانيف مفيدة نافعة، هي مشهورة بالموصل، مرغوب فيها.
وكان ذا عقل تام، ورأي سديد، وخبرة بأمر الدول، ينتاب الناس منزله لسماع مصنفاته، والاستضاءة برأيه، والاستعانة بجهده، ومن مصنفاته: كتاب "النهاية في شرح غريب الحديث"، أجاد تصنيفه، وكتاب "جامع الأصول في أحاديث
стр. 1544
الرسول صل اله عليه وسلم_" وهو كتاب حسن الترتيب، وكتاب "الأنصاف في الكشف والكشاف"، وهو تفسير القرآن الكريم؛ جمعه من كتاب "الكشف والبيان" لأبي إسحاق الثعلبي، وكتاب "الكشاف" لأبي القاسم الزمخشري. وكتاب "الشافي"، وهو شرح مسند الإمام الشافعي- رضي اله عنه_ وكتاب "البديع في علم الأعراب"، وهو شرح الأصول لأبي محمد بن الدهان_ وكتاب "الفروق في الأبنية"، وكتاب "المرصع في الاذواء والذوات والآباء والآمهات" وكتاب "الأدعية"، وكتاب "المختار في مناقب الأخيار"، وكتاب "منال الطالب في شرح الغرائب"_ وهي الأحاديث المطولات وجمع رسائل الوزير جلال الدين أبي الحسن كتابًا وسماه: "الجواهر واللآل من إنشاء المولى الجلال"، ورسائل مدونة في مجلدتين، عني بجمعها أبو محمد إسماعيل بن علي الكاتب الحظيري وترجمها ب: "الدر المنشور" التي كتبها إلي الأطراف، وأشعار.
أنشدني الصاحب الوزير أبو البركات المستوفي؛ قال: قرأت على أبي السعادات من ديوان رسائله هذه الأبيات، كتبها إلي بعض الأكابر، جواب رقعة كتبها إليه نظمًا ونثرًا؛ فأجابه على القافية وذكر أنه عمل ذلك بديهًا: ] من الطويل [
أتاني على قرب المزار صحيفة ... تضوّع من أثنائها المندل الرّطب
حوت من بديع النّطق درًّا وحكمة ... ببعضها يستنزل الجامع الصّعب
أرقّ من السّلسال لفظا كأنما ... جرت في نواحيها برقراقها السحب
وأعلق بالأذهان معنّي كأنما ... تكوّن من مكنون جوهرها القلب
فأرسلت في تلك الرياض نواظرًا ... ببهجتها إنسائها مغرم صبّ
وردّدت مع تلك المعاني خواطرًا ... إلي غير أبكار المعارف ما تصبوا
أتت بالأيادي الغرّ برًّا فقلّدت ... بها مننًا من دون إحسانها الشّهب
ووافت بها من غير وعد تفضّلا ... كذاك الجناب الخصب والمورد العذب
ألا أيّها الصدر الذي اتّفقت على ... فضائله في عصر العجم والعرب
سبقت إلى الإحسان فعل ذوي العلا ... وآتاك من أنواعه الفرض والنّدب
стр. 1545
وقصّرت عن إدراك شأوك عاجزًا ... متي يلحق الواني وقد أعنق الرّكب
فأبديت فضلًا ليس يدرك كهنه ... غروب لساني عن تضاعيفه ينبو
وغاية وسعي وهو أوسع غاية ... ثنا ضاق عن إمداده الأفق الرّحب
ثناء كنشر الرّوض مرّت به الصّبًا ... سحيرًا وقد جادته عرّاصة سكب
وأخبرني الأمام أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الكريم الجزري إجازة؛ قال: أنشدني أخي لنفسه، ما كتبه إلي صديق في صدر كتاب: ] من الطويل [
وإني لمهد عن عن حنين مبرح ... إليك على الأقصي من الدار والأدنى
سلاما كنشر الروض باكره الحيا ... وهبت عليه نسمة السحر الأعلى
فجاء بمسكي الهوى متحلّيا ... ببعض سجايا ذلك المجلس الأسمى
وقال أيضا: ] من الطويل [
عليك سلام فاح من نشر طيبه ... نسيم تولّى بثّه الرّند والبان
وجاز على أطلال ميّ عشّية ... وجاد عليه مغدق الوبل هتّان
فحمّلته شوقًا حوته ضمائري ... تميد له أعلام رضوي ولبنان
وقال في أتابك نور الدين وقد كبت البغلة به: ] من السريع [
إن زلّت البغلة من تحته ... فإنّ في زلّتها عذرا
حمّلها من حلمه شاهقًا ... ومن ندى راحته بحرا
وقال أيضا: ] من السريع [
ما نظرت مقلتي إلي أحد ... إلا وكنت الذي تحاذيها
ولا اكتست بالرّقاد آونة ... إلا وكنت الذي يناجيها
وقال أيضا: ] من المتقارب [
وما نظرت مقلتي مذ ظعنت ... إلا وشاهدك الناظر
ولا هجعت قطّ إلاّ رأتك ... كأنك في جفنها حاضر
следующие страницы →