Полный текст (2 778 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
فهو يصغي فيه لهيمنة الرهـ ... ـبان ليلًا وضجة الناقوس
كلما مات راهب عرفوا منـ ... ـه ورشوا عليه في الناووس
لو رأى نارها وقد ضحكت ما ... بيننا عن حباباها في الكؤوس
ال كلًا منا عيشية لاحت ... ختنًا قام لاجتلاء عروس
إنني لم أبل وقد ملئت بالـ ... ـراح كأسي إذا تفرغ كيسي
بديع الجمال أكسبني لمـ ... ـا جفا وحشة كان أنيسي
ليت دهرًا أناه عن ناظري ... يدنيه مني حتى يبيت جليسي
وأراه معاقي وعلينا ... شبه من مركب التجنيس
وقال أيضًا: [من الطويل]
أدرها علينا أيها البدر أنجمًا ... تبيت على أيدي السقاة سواري
تحل أباريقها تخال بوارقها ... بلوح فتكسو الليل ثوب نهار
قد بسطت كف الثريا كأنها ... بياض مشيب في سواد عذار
وقد نفحت ريح الصبا فحمة الدجى ... فأذكت من الإصباح جذوة نار
وقال من قصيدةٍ أولها: [من المنسرح]
لو عاد طيف الحبيب أو زارا ... ما نال من عاشقيه أوزارا
علقته طاوي الحشا رشًا ... يبيت من واصليه نفارا
بناظر أودع الجمال به ... هاروت يسبي العقول سحارًا
ووجنة قد أتت بمعجزها ... فمازج الماء فوقها النارا
لو عاين الغصن قده لذوى ... أو لو رأى البدر وجهه حارا
فارقني كارهًا وخلفني ... أندب حزنًا لأجله الدارا
لي بعده مهجة متيمة ... رقت فكادت تذوب تذكارًا
وقال أيضًا: [من الوافر]
لقد قلدت سيف الدين سيفًا ... قضى ألا هوادة للهوادي
أعدكما غياث الدين سيلًا ... وسيفًا للعطاء وللجهاد
فأنت لوصل أرزاق البرايا ... وذاك لقطع أعناق الأعادي
стр. 1577
وقال غزلًا: [من البسيط]
لو أن ما فيك من عجب ومن تيه ... بالمزن شحت وما سحت غواديه
أو أقتنى فتك عطفيك القنا انتظمت ... من النجوم عواليها عواليه
يا أيها الرشا الغاوي بل الأسد الـ ... ـعادي بل القمر البادي لرائيه
فات الظنون فقد دقت محاسنه ... عن أن تحد بتكييف وتشبيه
رفقًا بصب جفاك المرء ممرضه ... ووصلك الحلو بعد الله شافيه
يا صاحبي سلاه عدل سيرته ... فينا فظلم الوري مزر بأهليه
واستطلقا منه لي وصلًا ولو شبحا ... في رقدتي خطرات الوهم تهديه
ولا تلوما فعين اللوم عذلكما ... فيه فحسب المعنى ما يعانيه
ما بال أحمد يجفوني وأحمد ما ... في كامل الحسن ترك الحيف والتيه
علقته أسمرًا كالرمح عامله ... وخرصه طرفه الساجي وهاديه
صعب التلاقي تلاقي جل بغيته ... فالقرب يسخطه والبعد يرضيه
فالبدر في نوره والتم يشبهه .. والرمح في لونه واللين يحكيه
غصن إذا ما ثناه العجب تحسبه ... سكران عاطاه كأس الراح ساقيه
يرنو وفعل الحميا في لواحظه ... واللون في خده والطعم في فيه
تبارك الله ما أشهى تجنبه ... إلى القلوب وما أحلى تجنيه
وقال أيضًا يتغزل: [من الخفيف]
وغزال من عجبه نشر العتـ ... ـب سرورًا في طيهن سرور
لو جنى غص ورد وجنته باللـ ... ـحظ غيري لغص منه الغيور
أرهقته الحمى فأصبح منها ... لونه وهو للنضار نظير
لو تأملنا نحيفين مهجو ... رين لم تدر أينا المهجور
وقال مثله: [من الكامل]
ومهفهف عني الزمان بخده ... فكساه ثوبي ليله ونهاره
لا مهدت عذري ملاحة وجهه ... عن غض عندي منه غض عذاره
وقال أيضًا: [من الهزج]
стр. 1578
على خديك للشعر ... شعار بهما يزري
وتعذيرهما أوضـ ... ـح في هجرهما عذري
وغيري لهما أضحى ... كثير الحمد والشكر
أحب البدر في الظلـ ... ـمة لا الظلمة في البدر
وقال أيضًا: [من الخفيف]
وغرير يحكي الغزال بعينيـ ... ـه وخداه بالغزالة تزري
قابلته مرآته فأرتنا .. عين شمسٍ إنسانها وجه بدر
وقال في المعنى: [من مجزوء الرمل]
قلت إذ لاح بمرآ ... تك لي مرآك سافر
تلك إغاءة صب ... زار فيها طيف هاجر
وقال أيضًا: [من الكامل]
ناديت والندماء تقصر خطوهم ... نشواتهم وتهزهم أخواطا
يا أيها الشادي تغن فقدوني ... في السير دور كؤوسنا وتباطا
هي كالمطي تكل من طول السري ... فيزيدها نغم الحداة نشاطها
وقال أيضًا: [من الطويل]
أرى حسناتي عند قومي مساوئًا ... كأن لم أشد أركان مجدهم وصفا
ولم أك أسطاهم ذا حادث عرا ... وأعفاهم عن جرم جانيهم لطفًا
وأشمخهم في كل مخمصة يدًا ... وأشمخهم عن كل منقصة أنفًا
عذرتهم لما تعذر برهم ... وقلت فقير الأهل أهل لأن يجفى
فإن سبني منهم جهول فإنني ... سأثني عليه ما ثنى عطفه عطفا
ولو نبذوني كالحصاة مهانة ... لكنت بهم منهم بأنفسهم أحفى
ولو نلت وفرًا وافرًا لجعلته ... على وفق ما يرضيهم أبدًا وقفا
وقال أيضًا: [من الخفيف]
стр. 1579
لو تأملت أيها الخل من نيات هذا الورى بغير اختبار
لرأيت البياض من أحسن الألـ ... ـوان إلا في لمةٍ وعذار
وقوله أيضًا: [من الوافر]
ألا يا ابن العبيد الأدعياء ... ويا ابن العاهرات من الإماء
لك است قد غدت في الماء ذلًا ... وأنف راح كبرًا في السماء
تركتك لا أعاتبك احتقارًا ... لأن العتب بن الأصفياء
لئن أطرقت اعمل فيك فكري ... لأنتهكن عرضك بالهجاء
وقال أيضًا: [من المجتث]
لله قوم تساقوا ... من العظات عقارًا
شعث يبيتون صرعى ... خوف المعاد سكارى
قد أحدث الخوف فيهم ... نحافة واصفرارًا
لو اطلعت عليهم ... وليت منهم فرارًا
وقوله: [من الكامل]
قالوا: حبيبك قد تضوع نشره ... حتى غدا منه الفضاء معطرًا
فأجبتهم والخال يعلو خده: ... أو ما ترون النار تحرق عنبرًا
وأنشدنا الشيخ محاسن بن إسماعيل الشواء الحلبي لنفسه، بمحروسة حل، بجامعها في سنة أربع وثلاثين وستمائة، يمدح الملك العزيز محمد بن غازي- رحمه الله تعالى-: [من الخفيف]
لمن النار بعد وهنٍ تشب ... دون سلع تلح طورًا وتخبو
ذات برقٍ تبدو وليس له إلا جفوني إذا تألق سحب
لسنهاها والريح وسنى بجسم الليل بعد الفناء روح تدب
سبيت لمة الدجى حين شبت ... فاعتدى طارق وضل محب
وأشارت لما أنارت بما يفـ ... ـهمه كل وامقٍ فيه لب
стр. 1580
طارحتني الأسى فخيل لي أن سناها مثلي يعلوه صب
ما تعدت لما تبدت وقد قـ ... ـدت قميص الدجى ظباها القضب
بل أفادت طرف بيانًا بأطرا ... ف بنان لها على البعد قرب
فكأن الظلام صدر مشوق ... واضطراب اضطرابها فيه قلب
أتحفتني إذ أتحفتني بها ليـ ... ـلة أنس تثير وجدي فأخبو
لسجايا الملك العزيز انثنت تغتـ ... ـضي حياء نجومها وهي شهب
ملك رصف وصف غر معاليـ ... ـه اعتقادي ومدحه لي دأب
ثابت الجأش إن تكاثف نقع ... ثاقب الرأي إن تنكر خطب
قضبه البيض رعف وقناه السمر صم وخيله الكمت قب
إن أتى سائل فبر ولطف ... أو عتا صائل فطعن ضرب
فهو للمكرمات خدن وللجو ... دحليف وللشجاعة ترب
وهو من أسرة نداهم تليد ... وطريف والمجدا إرث وكسب
أيها الدهر ما لصرفك عندي ... بعد ما سرني بمرآه ذنب
ق سما يا غياثه بك دين ... بذباب الحسام عنه تذب
ذل قهرًا فحكم توحيده الشر ... ك فدان الباغي وهان الصعب
أي قطر من أرضه ما لفرسا ... نك فيه قتل وأسر ونهب
أيها المالك العزيز عياث الـ ... دين والماجد الجواد الندب
لو عدا من عداك في الحلم باغ ... مستفيدًا بفعل مالا يحب
لثناه قهر لإرسال أبطالـ ... ـك رسل وللكتائب كتب
ولأمسى ومن عقارب خرصا ... ن عواليك في عواليه كسب
فأجلها شرقًا وغربًا فقد أصبـ ... ـح يخشى سطاك شرق وغرب
فالعوالي ظمأى دجن من الخيل ... إلى خوة القتام الشهب
مرحات تخال في الخال والوشـ ... ـي رياضًا لها الذوابل قضب
تتهادى تيهًا بكل كمي ... خدنه الرمح والحسام العضب
طالما حطم الرماح بصدرٍ ... ليس في قلبه من الموت رعب
كلما شام فتكة بالأعادي ... رمحه هزه لذلك عجب
стр. 1581
وانثنوا للرماح في أجمات ... زأرت تحتها ضراغم غلب
أحدثوا في عداك خفضًا وجزمًا ... ولهم في علاك رفعٌ ونصب
ولئن كنت يا محمد للحمـ ... د نبيًا فأنت للمجد رب
ولئن حان ذاويًا روض حالي ... فلساني ببث حمداك رطب
فتمتع بالعيد وانحر أعاديـ ... ـك بماضي عزيمة ليس تنبو
وأبق في عزةٍ لك الدهر سلم ... والليالي لمن يعاديك حرب
ما أمال النعاس أجفان مغف ... فالتقاه في كراه بالهذب هذب
وقال أيضًا: [من البسيط]
وقائل كيف أنت اليوم؟ قلت له: ... أعوم في بحر هم ماله شاطي
ما بين عشقٍ وإفلاس هما اجتلبا ... دمعي كما اجتلبا ضري وإسخاطي
وقال أيضًا: [من الطويل]
أقول لساقينا وقد مال سكره ... لجفنيه حتى حار بينهما الحور
وللخمر جمر شبه الماء فانبرى ... يطير عليه منء فواقعه شرر
رويدك لا تلثم مراشف كأسها ... فما ينبغي للشمس أن تدرك القمر
وقوله أيضًا يتغزل: [من الخفيف]
ته دلالًا فإن ظلمه عدل ... كل صعب سوى فراقك سهل
وتأمل حالي تجده عجيبًا ... غيث دمعي له بجسمي محل
يا هلالًا له دلال وعجب ... في هواه ولي خضوع وذل
في قضيبٍ يكاد قامته تعـ ... ـقد من فرط لينه وتحل
وأنشدني لنفسه في غلامٍ جميل الصورة أرسل احد صدغيه ولوى صدغة الآخر: [من السريع]
أرسل صدغا ولوى قاتلي ... صدغًا فأعيى بهما واصفه
стр. 1582
فخلت ذا في خده حية ... تسعى وهذا عقربًا واقفه
ذا ألف ليست لوصلٍ وذا ... واو ولكن ليست العاطفة
وأنشدني أيضًا يصف الغلمان الصباح الوجوه، الذين بقلعة حلب، عند إيقاد النيران ليلة الميلاد حين يرمون بالنشاب، ويجعلون في رؤوسها النار: [من الخفيف]
رب مرد شبهتهم ليلة الميـ .. ـلاد لما ارتموا وأذكوا سعيرًا
ببدورٍ عن الأهلة ترمي ... بنجومٍ تمدها الشمس نورًا
وقال أيضًا: [من البسيط]
يا من حداني على قتلي تمنعه ... وضرني بتماد ليس ينفعه
انظر إلى ولهي لطفًا بعين رضا ... فالحر مثلك أدنى القول يخدعه
ما بان راوي حديث السحر حي بدا ... عن ناظريك إلى هاروت يرفعه
رفقًا بمضنى سهام اللحظ ترشقه ... إذا رآك وأفعى الصدع تلسعه
لو زاره طيفك المزور عن ملل ... في النوم لم يدر ضعفًا أين موضعه؟
لم يخل في الحب من خل يعنفه بالعنف فيك ومن لاحٍ يقرعه
يخفي هواك من الواشي وقد نطقت ... عن وجده بلسان الحال أدمعه
ما أبعد الصبر والسلوان من دنف ... يروم قربك والأيام تمنعه
يزوره منك طيف ما تقدمه ... وعد ويرحل عنه لا يودعه
وقال أيضًا:
لو كنت شاهده والحزن يرعفه ... من ناظريه وحمل الحب يضعفه
والعيس قد ثورت والحي مرتحل ... وقد طغى الوجد حتى كاد يتلفه
واليأس يطويه والآمال تنشره ... لها لطرفك يوم البين موقفه
يا غاثبون ارحما من ذل حين رأى ... فرط الخضوع لكم مما يشرفه
صب أقرت بسر الحب أدمعه ... طوعًا وأثبت دعواها تلهفه
نديمه همه والنوح مطربه ... والحزن والدمع ساقيه وقرقفه
стр. 1583
يهوى الكرى جفنه الباكي ولو سنة ... عساه منكم بوصل الطيف يسعفه
إلى مها الأبرق الغادي تشوقه ... لا بل إلى برقه البادي تشوقه
نائي الهجوع نحيل الجسم شاحبه ... هامي الدموع مروع القلب مدنفه
بدمعه تعبث الذكرى ومهجته الـ .. ـحرى فتطربها شوقًا وتذرفه
ولا كتاب بذكراكم يعلله ... ولا عذول بلقياكم يسوفه
يا برق حتى عذاري حي كاظمة ... عن مغرم عز لولاهم تأسفه
قلبي بأجرعها المأهول سانحة ... تغار باناته منها وأحقفه
فلست أدري أغيل مال مشبله ... طرافها أم كناس عن محشفه
ويلاه من ظالم لما غدا كلفني ... طبعًا به بان في وعدي تكلفه
عبل مقرطقه شخت ممنطقه ... غال مقبله عال مشنفه
حلو القوام شتيت الثغر أشنبه ... مورد الخد ساجي الطرف أوطفه
أنهى الجمال سجاياه وأبرزه ... للغصن يذويه أو للبدر يكسفه
ظبي حكاه اسمه خلقًا وخالفه ... فعلًا وشابهه خلقًا يصحفه
بسيف جفنيه يحمي ورد وجنته ... فليس نجسر بالأحداق نقطفه
يغزو النفوس يحيس من محاسنه ... والقد ذابله واللحظ مرهفه
ما قابل الشهب إلا جاز أنورها ... أو بان للبان إلا غار أهيفه
يرنو بفاترة لو لاك أكحلها ... للنرجس الغص أغصى منه مضعفه
قال الوشاة وقد ماجت روادفه ... فكاد من حملها ينقد مخطفه
ما للملاحة فيه قلت أبدعها ... وما من الحسن فيه قلت أظرفه
قسا ولنت فهل خل يعوج على ... صب يسليه أو فظ يلطفه
تبارك الله كم يجني علي وكم ... أعنو ويظلمني بغيًا وأنصفه
وكم يعاهدني عهدًا وينقضه ... عمدًا ويوعدني وعدًا ويخلفه
ناديت والكبر بنهاه ويأمره ... والعجب يقدمه والتيه يردفه
فتكت بأطرفه الشاكي بقلب فتى ... يعنو لناظرك النبال أكشفه
يا ساقي الراح إن آنست منه رضا ... يومًا وفارقه سكرًا تعجرفه
فاشرح له إن خلا من كاشحٍ وصغا ... ضري وقد زاد عما كنت تعرفه
стр. 1584
يعقوب ..... يسمو طرف همته ... شوقًا إلى مصر حسن أنه يوسفه
وأعتبه وأشكو إليه ما أكابده ... منه عسى رقة الشكوى تعطفه
وقال أيضًا: [من البسيط]
الفتها حلوة الأعطاف كالألف ... صدوفة ثغرها كالدر في الصدف
تريك وجنتها في الخد إن سفرت ... نارًا من الحسن في ماءٍ من الترف
أنفاسها عنبرٌ وردٌ لمنتشقٍ ... وريقها قرقف صرفٌ لمرتشف
وتحت حلتها غصن لمعتنق ... وفوق وجنتها وردٌ لمقتطف
يغدو المعانق من أنفاسها عطرًا ... كأنما أنفه في روضة أنف
يا من تغير رماح الخط قامتها ... باللون واللين والتقويم والهيف
ما آن أن يتلاقى بالوصال فتى ... يرجو الشفا وقد أشفى على التلف
ما كان أسعدني لو أن لطفك بي ... بقدر ما فيك من غدرٍ ومن جنف
وقال أيضًا: [من السريع]
يا للورى قد كان بي رمق ... فاغتاله يوم النوى الحدق
فالقلب خوف البين مضطرب ... أحشاؤه مقروحة خفق
ليت المطايا لا سرت بهم ... عني وسدت دونها الطرق
ساروا فما سروا ببعدهم ... قلبي ولا عفّوا ولا رفقوا
أودعتهم إذ دعوا جلدًا ... أفناه من تفريقهم فرق
وقال أيضًا: [من الطويل]
أقول وقد قلبت في الناس ناظري ... فلم أر إلا خائنًا ومنافقًا
أيا ليت أني مت طفلً وليتني ... وقد طال عمري لا عرفت الخلائقا
ولم أنفرد يا صاحبي مجنبًا ... عن الناس أو أني مواف موافقا
ولكن وجدت الناس لما اختبرتهم ... محبًا محاب أو شفيقًا مشافقا
خليلي من لي أن أصادف صادقًا ... عن الغدر مثلي أو أصادق صادقًا
وقال في غلمان دخلوا الحمام: [من الكامل]
شدوا المآزر فوق كثبان النقا ... خفرًا فحلوا عقد نسكي والتقى
стр. 1585
وتجردوا فرأيت بان معاطف ... نشروا ذوائبهم عليه فأروقا
وبدوا فأطلع كل وجهٍ منهم ... بدرًا وأضحى كل قطرٍ مشرقا
من كل أهيف حل عقده بنده ... وغدا بلحظ عيوننا متمنطقا
خالسته نظرًا لأقطف وردةً ... من روض وجنته فأغضى مطرقًا
فكأن في الحمام سرب جاذر ... نظر القنيص فطل منه مضفقًا
وقال أيضًا: [من الوافر]
لقد أكثرت مدح بني فلان ... وكنت بأن أذمهم خليقًا
أطلت رشاء مدحهم لأني ... وجدت قليب جودهم عميقًا
وقال أيضًا: [من الخفيف]
وفتاة من هجرها بات قلبي ... قلقًا مثل قرطها والنطاق
غادةً سنجرية الأصل والفصـ ... ـل غزالية الطلى والماقي
ذات قد كالغصن في اللين يعلو ... هـ محيًا كالبدر في الإشراق
جال في صحفتيه ماء شباب ... راق حسنًا فشب نار اشتياقي
رمقتنا شزرًا فلم تبق في الأجـ ... ـساد إلا أواخر الأرماق
قلت هل زورة قصدت وقالت: ... مه فضرب الأعناق دون عناقي
وأرتبني تكبرًا ما عليه ... لمحة من مكارم الأخلاق
وتثنت عجبًا فقلت لها ما ... اسمك يا بابلية الأرياق
قالت: اسمي قسا فناديت: بل قلـ ... ـبك يا محنتي على العشاق
وقال أيضًا: [من الطويل]
ألا سقيانيها فقد نفح المسك ... ولا تحبساها بعد ما صدح الجنك
وطوفا بها حبيةً حبيةً ... مشعشعة كالتبر أخلصه السبك
إذا كف ساق أو مات نحو شربها ... لم يشكو أنها حمرة تذكو
يطوف بها ساق إذا لا حاسرًا ... لنا قلت قولًا لم يشب صدقه إفك
أرى الليل لا ريب على البدر لا مرًا ... على الغصن لا خلفٌ على الخفف لا شك.
ولا تبخلا أفديكما أن تناديا ... إذا هزني سكري بها: لمن الملك
стр. 1586
وقال أيضًا: [من مخلع البسيط]
وليلة بتها وحبي ... أشكو إليه الهوى ويشكو
تقبح بالعاشق المعني ... في مثلها عفةٌ ونسك
أشرب من فيه كأس خمرٍ ... ختامها من لماه مسك
وقال في غلامٍ أسود شيع جنازة: [من الخفيف]
وغلام رأيته وهو يبكي ... خلف ميت فبت أسباب نسكي
وعجبي من دموعه وهي ماء ... كيف راحت لنار وجدي تذكي
أسود اللون كالدجى فإذا أفتر أراك الصباح من غير شك
شق للحزن ثوبه مثل ما يفـ ... تق في شمألٍ قسيمة مسك
وقال في مغن يرقص: [من السريع]
أشرق من طلعته المنزل ... لما بدا واضطرب المحفل
علقت منه شادنا شاديًا ... كأنما نكهته مندل
يكاد فوق الأرض أن لا ترى ... من سرعة الرقص له أرجل
لو لم تكن هزة أطرافه ... موزونة قلت به أفكل
فلو تراه إذا شده وانثنى ... لقلت: غصن فوقه بلبل
وقال أيضًا: [من الخفيف]
حرت من حسنه وماذا أقول ... وكثير الصفات فيه قليل
جوهر جل أن تكيفه الأفـ ... ـهام أو تهتدي إليه العقول
صح للناس انه أحسن العالـ ... ـم وجهًا وقام فيه الدليل
وقال أيضًا: [من الخفيف]
أيها الغافل المصر على الأو ... زار مهلًا فقد تداني الرحيل
خل ظلم الورى فإنك يوم الـ ... ـحشر عن كل هفوةٍ مسئول
وتعفف واقنع برزقٍ يسيرٍ ... ودع الحرص فالحريص جهول
стр. 1587
فقليل من الحلال كثير ... وكثير من الحرام قليل
لا تؤمل من الأنام صديقًا ... فهو شيء وجوده مستحيل
وقال أيضًا:
زدت حزنًا وفقت حسنًا فأضحى ... ما لحزني ولا لحيسنك مثل
وخلعت العذار فيك فأضحى ... بعذاريك لي عن اللوم شغل
يا ملولًا أصارني الحب لا أطـ ... ـمع في وصله ولا عنه أسلو
لا شفى الله بعد بينك قلبي ... بك إن كان ساعة منك يخلو
يا لقومي من حب جاف ملوب ... فيه لي يعذب العذاب ويحلو
فضلالي رشد، وذلي عز، ... وسقامي بر، وهجري وصل
стр. 1588
ذكر من اسمه محمد
[٦١٢]
محمد بن محمد بن أبي حنيفة محمد، أبو عبد الله بن أبي القاسم البغدادي المعروف بابن الفرضي المؤدب
أجرى ذكره الصاحب أبو البركات المستوفي في تاريخه- ﵁ وقال: ورد أبو عبد الله إربل في سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة؛ ومدح والدي أبا الفتح أحمد بن المبارك المستوفي- رحمه الله تعالى- بقصيدة، وقف والدي عليها، فوجدها قد جمعت إلى حسن الإصابة، جودة الكتابة؛ فنقله إليه لتأديبي عليه، فأقام مدةً طويلةً بها إلى أن ورد إربل الملكان؛ الملك المغيث فتح الدين عمر، والملك القاهر بهاء الدين الخضر ابنا السلطان الملك العادل أبي بكر محمد بن أيوب- ﵁ بكرة الاثنين ثاني عشر جمادي الأولى سنة خمس وتسعين وخمسمائة، فاتصل بهما، وتأدبا عليه.
وسافر في حبتهما إلى الديار المصرية؛ مكنوفاً بحسن الإكرام، محفوفاً بضروب الإنعام، له من الملك المغيث عطاء لا يغب نواله، وسخاء واعتناء يتوالى عليه أفضاله، ومكانة كثر معها توقيره، ومنزلة جرت على اختباره فيها أموره؛ إلى ان ركب معه البحر، فهبت ريح سوداء منتنة، مرض منها جماعة وماتوا، منهم الملك القاهر بهاء الدين الخضر بن الملك العادل أبي بكر محمد بن أيوب، وأبو عبد الله محمد بن محمد المذكور، فدفن بالقاهرة، وذلك ف سنة اثنتين وستمائة، أخبرني بصحته ولده محمد وغيره- ﵀.
وكان لطيف المحاضرة، ظريف المعاشرة، له خلائق كالشهد عذوبة، وشمائل كالماء رطوبة، شاب المجون بالتنسك، ولم يسلك في الخلاعة طرق التهتك، وكان
стр. 1589
دينًا مستورًا، معروفًا بين الأكابر مذكورًا: [من الطويل]
إذا جد عند الجد أرضاك جده ... وذو باطلٍ إن شب ألهاك باطله
قطع مدةً من شيبته في مصاحبة الشطار، وأنفق جملةً من عمره في معاشرة الفتاك والدعار، وحبس في سجن بغدد على ما أخبرنا به.
وكان صادقًا مدة سبع عشرة سنة، مقيمًا في منزل ضنك موحشة أقطاره، ومحبس نزل مظلم ليه ونهاره، لا يرى السماء إلا مريعة من جميع نواحيه، ولا يزيد إلا وحشة كثرة ساكنيه، ينسخ المصاحف؛ فكتب على ما اخبرني نيفا وستين مصحفًا لطيفًا في جملة ما كان يورقه.
حدثني- رحمه الله تعالى- أنه كتب في الحبس مصحفًا لطيفًا أقام على كتابته مدةً، وضمن ألا يكتب فيه حرفًا مغلقًا ولا مطموسًا، ووفى بذلك، وأهداه إلى الوزير عون الدين أبي المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة، يتوصل به إلى إخراجه؛ فقال: يجب على من كتب هذا الكتاب الكريم على هذا القدر، قطع يده، هلا كتبه مقدار حمل تعظيمًا له؟ أو كما قال.
فلما أطلق من اعتقاله، وخلص من ضيق وثاقه وعقاله، وصل إلى الموصل، ثم فصل عنها على إربل؛ فكان من حاله ما تقدم ذكره، وسأعقب هذا الفصل بجملةٍ من شعره، التي هي محصوله من عمره؛ مما يستدل به على سلامة قريحته، ويعتبر به سماحة فكرته وكان يعمل على طبعه في النظم، فيقع له الحسن المنقح، والعامي المطرح؛ وكان مولعًا باستعمال الألفاظ العامية؛ فمن ذلك ما أنشدنيه لنفسه؛ أنشدني الصاحب الوزير أبو البركات المستوفي؛ قال: أنشدني أستاذي ومؤدبي أبو عبد الله لنفسه: [من مجزوء الخفيف]
من لصب متيم ... قد حناه حنينه
стр. 1590
أنحلته أشواقه ... واستهلت جفونه
كلما ناحت الحما ... ثم زادت شجونه
وإذا الليل جنه ... واعتراه جنونه
ظل يبكي بأدمع ... هاطلاتٍ شؤونه
وأنشدني؛ قال: أنشدني أبو عبد الله لنفسه من أبيات: [من الرمل]
إنما كان ولوعي طمعًا ... والردى لا شك عقبي الطمع
واحتقرت العشق حتى قادني ... بزمامي فأراني مصرعي
إن من أسكنهم في كبدي ... وانطوت صونًا عليهم أضلعي
عرفوا موضعهم من مهجتي ... فأضاعوا بالتجافي في موضعي
أنا أفدي قمرًا ودعته ... وهو بالتقبيل منه ممنعي
ملني بعد الوفا من كان لي ... وبحكمي خاتمًا في إصبعي
لو رعى حفظ ودادي لم يضع ... ما رأى في خلوتي من ورعي
حين ضمتنا ليالٍ بربى ... إربلٍ لا باللوى والأجرع
وأنشدني؛ قال: أنشدني مؤدبي لنفسه [من الرمل]
كلما هيجني ذكركم ... صحت من وجدي بكم واحزني
وإذا ما رمت عنكم سلوة ... بكرت أشواقكم تلعب بي
ذهب العمر بعيشٍ كدر ... نكد لم أقض فيه أربي
فإلى من أشتكي ما نابني ... حين غابوا وإلى من مهربي
وزفيري بالأسى في صعد ... ودموعي بالبكا في صبب
ما هناني مذ تولت عيسهم ... واستقلوا مطمعي أو مشربي
فإذا قلت تقضت شقوتي ... خانني صبري وزادت كربي
وأنشدني؛ قال: حدثني أبو عبد الله، أنه رآها في المنام فانتبه وقد حفظها: [من الوافر]
стр. 1591
بال محمد أرجو نجاتي ... غدًا من شر أهوال القيامة
ومن ربي أرجي العفو عما ... أتيت إلى البرية من ظلامه
فإن غفر الإله عظيم ذنبي ... فأجدر أن أهنى بالسلامة
وإن لم يعف عن ظلمي لنفسي ... عضضت يدي من طوال الندامة
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنسه: [من المنسرح]
بوجنة كالشقيق تنحسر الـ ... ـأعين عن حسن وردهما الأحمر
حاذر أن تجتنى فحصنها ... في سالفيه بعارضٍ أخضر
وأنشدني، قال: أنشدني من جملة أبيات مديحًا: [من البسيط]
وقل له عبدك الداعي المنيب ومن ... يأوي إليك إذا ما نابت النوب
فأنت من معشرٍ إن سولموا صفحوا ... أو حوربوا حربوا أو سوئلوا وهبوا
يحمون أعراضهم بالمرهفات ولا ... يحمون ما لأيادي الحمد ينتهب
فالبر أنفس مدخورٍ لمدخر ... في يوم لا نسب يغني ولا سبب
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه: [من الرمل]
أيها الحادي بهم قف وقفة ... فعسى تحيي بها من عشقا
قو ولو طرفة عينٍ ربما ... ردت النظرة فيها رمقًا
ومنها في المديح:
أسد يقدمه الرعب متى ... ما غزا جيشًا تولى فرقا
لو رأى عمرو بن معدي كرب ... بأسه خر لديه صعقا
كلما أسهبت في المدح له ... قال من يسمع قولي: صدقا
[٦١٣]
محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي، أبو الفضل الطبرستاني البكري الرازي المعروف بابن خطيب الري.
стр. 1592
كان جده الحسين خطيب الري، وجده الحسن ولد بمكة، وكان تاجرًا مثريًا، سكن الكعبة الحرام أربعين سنة؛ وكان من ولد أبي بكر الصديق- ﵁.
ورحل أبو الفضل من الري في بدء أمره إلى أذربيجان، وكان بها رجل يقال له: مجد الدين الجيلي، عالمًا بالحلم، فقرأ عليه شيئًا من العلوم الأولية؛ ثم فتح الله عله فتحًا كبيرًا، فأخذ من الكتب، وفرغ من عنده.
ثم رحل إلى خوارزم، ثم إلى ما وراء النهر، ثم رجع إلى خوارزم إلى البلاد الخراسانية ومنها إلى الباميان، وهي بلدة في الغور، وكان صاحبها بهاء الدين
стр. 1593
سام بن محمد بن الحسين بن سام؛ فأقام عنده سنين كثيرة، وكسب من جهته أمولًا غزيرة.
وهو الإمام الفقيه المتكلم، الأصولي الحكيم العلامة المتفنن في كل نوع يأخذ فيه، المنقطع القرين في سمو رتبته، وقيامه بالعلوم؛ وكان ينتحل الفقه على مذهب الإمام الشافعي- ﵁ ويتكلم على رأي أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، وبرع في علمي الأصول والخلاف والمنطق والطب وسائر أجزاء الحكمة.
وصنف كتبًا جمة، اشتهرت في الدنيا في ذلك كله نذكر ما تيسر منها؛ كتاب تفسير القرآن الكبير؛ سماه "مفاتيح الغيب" سوى تفسير الفاتحة، أفرد لها تصنيفًا اثنا عشر مجلدًا بخطه الدقيق. وكتاب "التفسير الصغير"، وكتاب "نهاية العقول في علم الأصول"، وكتاب "المحصول في علم الأصول"، وكتاب "المحصل في الأصول"، أيضًا، وكتاب "الملخص في الحكمة"، وكتاب "شرح الحكمة"، وكتاب "الحكمة المشرقية"، وكتاب "لباب الإشارات"، وكتاب "المطالب العالية في الحكمة"، وكتاب "شرح الإشارات"، وكتاب "الأربعين في أصول الدين"، وكتاب "المعالم في الأصولين"، وكتاب "شرح كليات القانون"، وكتاب "الطب الكبير"، وكتاب "مناقب الإمام الشافعي"﵁ وكتاب تفسير "شرح أسماء الله الحسنى"، وكتاب "أسرار التنزيل [وأنوار التأويل" مجلد لم يتم]، و"تفسير القرآن"، وكتاب "السر المكتوم"، وكتاب "الطرفة في الجدل"، وكتاب "شرح سقط الزند"، وكتاب "منتخب دنكلوشا"، وكتاب "مباحث الوجود والعدم"، وكتاب "مباحث الجدل"، وكتاب "جواب الغيلاني"، وكتاب "الجامع الكبير الملكي في الطب"، وكتاب "النبض"، وكتاب "شرح القانون" مجلد لم يتم، وكتاب "التشريح من الرأس إلى الحلق" لم يتم، وكتاب "الأشربة"، وكتاب "الآيات البينات"، وكتاب "منتخب المحول في أصول الفقه"، وكتاب "تفسير
стр. 1594
الفاتحة مجلد"، وكتاب "تفسير سورة البقرة" مجلد على الوجه العقلي لا النقلي، وكتاب "شرح الوجيز للغزالي" لم يتم، حصل منه العبادات والنكاح في ثلاث مجلدات بخطه. وكتاب "الطريقة العلائية في الخلاف" أربع مجلدات، وكتاب "لوامع البينات في شرح أسماء الله والصفات" مجلد، وكتاب "في إبطال القياس" لم يتم، وكتاب "شرح نهج البلاغة" لم يتم، وكتاب "فضائل الصحابة الراشدين"، وكتاب "القضاء والقدر"، وكاب "رسالة الحدو" مجلد، وكتاب "تعجيز الفلاسفة بالفارسية" وكتاب "البراهين الربانية" بالفارسية، وكتاب "اللطائف الغياثية"، وكتاب "شفاء العي من الخلاف"، وكتاب "الخلق والبعث"، وكتاب "الخمس في أصول الدين" بالفارسية، وكتاب "عمدة النظار ونبذة الأفكار"، وكتاب "الأخلاق"، وكتاب "الرسالة الصاحبية"، وكتاب "الرسالة المجدية"، وكتاب "عصمة الأنبياء"، وكتاب "في الرمل"، وكتاب "شرح مصادرات أقليدس"، وكتاب "في الهندسة"، وكتاب "رسالة نفثة المصدور"، وكتاب "رسالة في ذم الدنيا"، وكتاب "الاختيارات العلائية في الاختبارات السماوية"، وكتاب "أحكام الأحكام"، وكتاب "الرياض المونقة في الملل والنحل"، وكتاب "رسالة في النفس"، ورسائل في كل فن من علم الرياضي، والمنطق والحكمة وغير ذلك.
وكان من جلالة القدر، وعظم الذكر، وفخامة الهيبة بحيث لا يراجع في كلامه، ولا ينبس أحد بين يديه لإعظامه، ما هو مشهور متعارف، وكان مع تفرده بهذه العلوم واستيلائه عليها، له اليد الطولى في الأدب والعربية والتصريف، وسار ذكره في شرق الأرض وغربها، وقصده الناس من كل صوبٍ وناحية، وانتشرت تلامذته في الأقطار، وتخرج عليه عالم كثير لا يحصى.
وكان يحضر مجلسه ثلاثمائة متفقه لا يعلو صوت أحدٍ منهم على صوته، إعظامًا له واحترامًا، وكان مهيبًا في أصحابه، شديد الوقار ذا حشمةٍ وافرة، وقدرٍ كبيرٍ عند السلاطين.
وكان السلطان خوارزم شاه علاء الدين أبو شجاع محمد بن تكش بن أيل أرسلان بن تتش بن محمد نوشتكين، مع عظم سلطانه وسعة ملكه يقصد زيارته،
стр. 1595
ويتواضع لديه ويجله ويبالغ في كرامته.
وكانت ولادته سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وتوفي بهراة يوم عيد الفطر سنة ست وستمائة- نور الله ضريحه وبرد صفيحه- فلقد كان آية من آيات الدنيا، ومحاسن الزمان.
أنشدني أبو المعالي عبد الجبار بن محسن بن مزني بن عبد الجبار الجيلي الهمامي؛ قال: قرئ على شيخنا أبي الفضل محمد بن عر الرازي لنفسه، وأنا أسمع: [من الطويل]
نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشةٍ من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذى ووبال
وكم قد رأينا من رجال ودولة ... فبادوا جميعًا مسرعين وزالوا
وكم من جبالٍ قد علت شرفاتها ... رجالٌ فزالوا والجبال جبال
وقال أيضًا: وهي القصيدة التي لقبها بالهادية: [من الكامل]
يا طالب التوحيد والإيمان ... أبشر بكل كرامةٍ وأمان
واعلم بأن أجل أبواب الهدى ... تقرير دين الله بالبرهان
وأعز خلق الله ناصر دينه ... بالعقل والأخبار والقرآن
فإلهنا بعلو عز جلاله ... متقدس عن .... الإيمان
فردٌ قديمٌ دائمٌ لصفاته ... من غير وهم تعاقب الأزمان
حارت عقول الخلق في سبحاته ... وعلا على الأفهام والأذهان
خضعت له الأرواح والأشباح في ... تسبيحها وتخر للأذقان
العرش في عرصات عز جلاله ... متبلد كالواله الحيران
والجسم في درجات نور كماله ... مستحقر مثل الخيال الفاني
стр. 1596
لو كان عرشيًا لكان مركبًا ... ولكان كالإنسان في الجثمان
لو جاء قيوم السماء بذاته ... يوم القيامة كان في الحدثان
لو كان ينزل من أعالي عرشه ... لإفاضة الإحسان والغفران
لتبدلت أوصافه في ذاته ... ولكان ذلك غاية النقصان
من كان هذا دينه فكأنه ... قد فاق أهل الشرك في الخذلان
أو كان هذا منتهى توحيده ... فعليه محض لعائن الرحمن
ومحمد خير البرية جاءنا ... بشريعةٍ تهدي إلى الرضوان
فمن المحال محبه في دينه ... بالسخف والتشبيه والبهتان
لولا التغير والتناهي لم يكن ... بالنجم ما يرميه بالحدثان
يا من توحد في وجوب وجوده ... وعلا على الأشياء لا بمكان
يا حي يا قيوم يا محيي الورى ... يا دائم المعروف والإحسان
يا منتهى أملي وغاية رغبتي ... وعليك معتمدي بكل أوان
أدعوك دعوة خاشعٍ متخوف ... متلهف من كثرة العصيان
لا تشغلني عن جلالك لحظة ... بشواغل الأفلاك والأركان
لا تحجبني عن جلالك لمحة ... في لاحق الأحياز والأحيان
أنت الذي خلق الخلائق كلها ... بدلالة الحدثان في الأعيان
أنت الذي خلق الخلائق كلها ... بشهادة الإحكام والإتقان
أنت المريد لخيرنا ولشرنا ... في طوري الوجدان والفقدان
أنت المغيث لنا وكاشف ضرنا ... ومجيز جاهلنا من النيران
وأنا الضعيف المستجير بفضلكم ... عند البلى في ملبس الأكفان
قد هد أوصالي وأضعف قوتي ... طول الزمان وكثرة الأحزان
وسئمت ما قد كنت أطلب قربه ... ومللت طول مكائد الأقران
ما تم ستون الحياة وليتني ... عانيته في موقف البطلان
إني أرى الدنيا مقام متاعب ... ومصائب موصولة الدوران
وأرى سعادة أهلها كالماء في الـ ... ـسيلان أو كالثلج في الذوبان
ورأيت أرباب الضلال تعاونوا ... في الإثم والتلبيس والعدوان
стр. 1597
وعهدت جمهور الخلائق آثروا ... نقض العهود ونكثة الإيمان
فطفقت أطلب سلوة لي حلوة ... مع كثرة الإمعان في الأعوان
فعجزت عن وجدانها حتى بدا ... أن لا سبيل إذًا إلى الوجدان
أتحفت سلطان الورى بقصيدة ... تربي على الياقوت والمرجان
سلطان أرض الله ناصر شرعه ... فيها وأهل الزيغ والطغيان
لا زال ظل جلاله متمددًا ... أبدًا مع التمكين والإمكان
وكلامنا في الدين أصبح واضحًا ... يبيض مثل الشمس في اللمعان
يا رب إني كيف أقدر قدركم ... مع أنني من عنصر الإنسان
لكنني ألزمت عقلي مدحكم ... في كل ما يسمو إليه لساني
إن كان حقًا كان من توفيقكم ... أو كان مختلًا فمن شيطاني
وله في الثناء على الله- : [من الطويل]
تتمة أبواب السعادات للخلق ... بذكر جلال الواحد الأحد الحق
مدبر كل الممكنات بأسرها ... ومبدعها بالعدل والقصد والصدق
تعالى عن الأذهان سلطان عزه ... وجلت معاليه عن التحت والفوق
أجل جلال الله عن شبه خلقه ... وأنصر هذا في الغرب والشرق
إله عظيم العدل والفضل والعلا ... هو المرشد المغوي هو المسعد المشقي
رجاء جميع الخلق في جود وجوده ... ورهبتهم من قهره لا من الخرق
فمن كان في عرفانه كان في الهدى ... ومن كان في عصيانه كان في المحق
ومن ظن أن العدل يدرك كنهه ... فقد صار عرفًا في الضلالة والحمق
ولما رأينا كل جسمٍ مركبًا ... علمناه محتاجًا إلى الموجد المبقي
فمبدئ كل الممكنات منزه ... عن الشكل والمقدار والجمع والفرق
ولما وجدنا جسمنا متركبًا ... من العظم والغضروف والجلد والعرق
وشحما لمرآنا وعظمًا لسمعنا ... ولحمًا سحيقًا للبنان وللنطق
قضى العقل منه انه متولد ... بتدبير خلاقٍ يدبر بالرفق
ومما يقوي كونه متعاليًا ... عن الطبع والإيجاب والغلق والفلق
تفاوت أوصاف الذوات بأسرها ... من الوضع والمقدار والخلق والخلق
стр. 1598
ومما يقوي كونه موجب ... تفاوت حال الحلق في الرتق والفتق
ومما يجلي حلمه واقتداره ... تخالف وصف البحر في السكر والبثق
ومما يزيل الريب عن صدق ديننا ... عجائب حال الحمل في منتهى الطلق
براهين دين الله جم كثيرة ... .... وفي الجري والبعد والسحق
ومن دان للدين الحنيفي عقله ... يصير مدى مسراه في ليله طلق
ومن عجب الأقدار دولة جاهل ... ومكث لبيب في الكدورة والرنق
وكم قد رأينا جاهلًا ملك الورى ... وكم قد رأينا كاملًا ضيق الرزق
يجد فلا يجدي ويسعى فلا يرى ... ويبعث يوم الحشر بالأعين الزرق
وكم أحمق قد ساد بالحمق عالمًا ... وكم من بلاءٍ جر بالعقل والحذق
عجائب آيات تعاظم وصفها ... على الحكماء اللسن والألسن الذلق
ولاح بأن الكل من حكم حاكمٍ ... سرى حكمه في الطول والعرض والعمق
إلهي لساني في ثنائك قائم ... وموقف نفسي موقف الذل والرق
ولكن ذلًا عند بابك عزة ... وشبهة ذاك الرق خيرٌ من العتق
حرارة حب خالطت حبة الحشا ... أبى الحب فيه أن يلين لمسترقي
وقال أيضًا: [من البسيط]
حكم جرى قبل خلق الخلق في الأزل ... فليس ينقض بالتدبير والحيل
وإنما هي أرزاق مقدرة ... تدنو وتبعد لا بالجد والكسل
وله يذكر ما كان في خلقه من الشراسة والحدة: [من البسيط]
أشكو إلى الله من خلق يعنيني ... ويمحق النور من عقلي ومن ديني
حرارة في مزاج الروح محكمة ... تبدو فتنمو فتغويني وترديني
وقال أيضًا: [من البسيط]
أرى معالم هذا العالم الفاني ... ممزوجة بمخافاتٍ وأحزان
أحواله مثل أحوالٍ مفرغةٍ ... وشره في البرايا دائم داني
وقوله أيضًا: [من السريع]
أيا صفيًا حبه واجب ... على ذوي الفضل وأصحابه
стр. 1599
وعلمه قد بان برهانه ... في مجلس الخامل والنابه
قد جاءك المذنب مستغفرًا ... عن سيء القول وأسبابه
فارجع إلى لطفك فيما مضى ... حتى يتم اللطف في بابه
وله أيضًا: [من الطويل]
إليك إله الحق وجهي ووجهتي ... وأنت الذي أدعوك في السر والجهر
وأنت غياثي عند كل ملمةٍ ... وأنت معاذي في حياتي وفي قبري
[٦١٤]
محمد بن إبراهيم بن أحمد بن طاهر بن محمد بن طاهر بن أحمد بن أبي الفوارس، أبو عبد الله الخبري الفارسي.
ولد بخبر- وهي مدينة بفارس- ونشأ بها؛ ثم شخص إلى الديار المصرية، ولم يزل ساكنًا لها إلى أن مات يوم الخميس آخر النهار السابع عشر من ذي القعدة سنة اثنتين وعشرين وستمائة، ودفن بزاويته المبنية بمعبد ذي النون المصري الزاهد- ﵁ وكان عمره مائة وأربع عشرة سنة.
وكان من علماء زمانه، وأبرعهم في علم الحقيقة، والطريقة، والتوحيد، والشريعة، أوحد وقته في التصوف، والزهادة، والاجتهاد؛ علمًا وحالًا وطريقةً بحيث لم ير مثله في علو حاله، وصحة الحكم بالفراسة، وقوة الهيبة وشدتها، وصنف
стр. 1600
تصانيف كثيرةً في معاني الصوفية، وأحوالهم السنية.
وكان فقيهًا شافعي المذهب؛ أصوليًا متكلمًا، عالمًا بأخبار القوم، من أولياء الله الصالحين، وعباده العارفين، صاحب فضائل مسطورة، ومناقب مشهورة، وكرامات ظاهرة، وأحوال باهرة، أسند الحديث وراءه عن أبي طاهر احمد بن محمد بن أحمد السلفي، وأبي القاسم علي بن الحسن بن عساكر الدمشقي وغيرهما.
من تصانيفه: كتاب: نسك الأبرار وسر الإسكار"، جمع فيه بين علمي الحقيقة والطريقة وعلم الشريعة في الرقائق. وكتاب "دلالة المستبهج إلى معالم المعارف"، ورسالة المستبهج إلى عوالم العوارف- تتضمن أحوال الصوفية- وكتاب "مطية النقل وعطية العقل" في علم الأصول. وكتاب "الإعانة على دفع الإغانة" في الفرق من الفقراء والصوفية والمتصوفة. وكتاب "جمحة المنها من لمحة المها"- يذكر فيه كيفية العباد من أحاديث رسول الله- ﷺ وإلى غير ذلك من المصنفات.
أنشدني أبو الثناء محمود بن علي بن إبراهيم الخوارزمي؛ قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الفارسي لنفسه: [من الوافر]
إذا القمري فوق الأيك غنى ... أعان على الهوى صبًا معنى
يذكره زمانًا بالتصابي ... إذا ما لحن الحان حنا
ألا من ذا يعلل قلب صب ... يجن جوى إذا ما الليل جنا
وإن أبصرت مغنى الحي قف بي ... على مغنى لقلبي فيه مغنى
لئن أسقى الهوى العشاق كأسًا ... فإني قد سقاني منه دنا
ومن سكري نسيت اسمي ونعتي ... ولكن بالهوى أسمى وأكنى
قبح باسم الحبيب ونح بشجو ... على صب بوصلٍ ما تهنا
وقل لي هل يعود زمان وصلٍ ... بتلك الدار إذ كانوا وكنا
وأنشدني؛ قال: أنشدني أيضًا لنفسه: [من مجزوء الرمل]
سقني طاب الصبوح ... ما ترى النجم يلوح
سقني كاسات راحٍ ... هي للأرواح روح
стр. 1601
عن لي باسم حبيبي ... فلعلي أستريح
نحن قوم في سبيل الـ ... ـحب نغدو ونروح
نحن قوم نكتم الأسـ ... ـرار والدمع يبوح
[٦١٥]
محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز بن إبراهيم، أبو جعفر الرازي الفقيه الحنفي المدرس إمام أصحاب أبي حنيفة في وقته.
نزل الموصل وتولى بها التدريس، ولم يزل بها مقيمًا، إلى أن توفي في شهر رجب سنة خمس عشرة وستمائة، ودفن ظاهر البلد بمقبرة المعافى بن عمران- ﵄.
وكان أوحد عصره في العلوم، حسن القيام بها، والافتتان فيها، وكان في الفقه والخلاف والأصول والكلام ذا تقدم، وله حظ في الترسل والكتابة، وقرض الشعر- عربيه وفارسيه- والنحو واللغة وغير ذلك في علومٍ أخر؛ كالطب والمنطق والفلسفة، والموسيقى، والهيأة، والهندسة، والنجوم، ثم ينضاف إلى ذلك علم الفرائض والحساب والتفسير والقراءات.
له من التصانيف؛ كتاب في الفرائض حسن، وكتاب في مذهب الإمام أبي حنيفة- ﵁ وكتاب "النوري في تهذيب مختصر القدر"- عمله لأتابك نور الدين أرسلان شاه بن مسعود بن مودود- ﵁ وكتاب على نحو التذكرة لابن حمدون.
أنشدني أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الكريم الحنفي- رحمه الله تعالى- قال: أنشدنا شيخنا الإمام أبو جعفر محمد بن إبراهيم الحنفي لنفسي، من قصيدة مدح به أتابك نور الدين أرسلان شاه بن مسعود: [من المنسرح]
عز اصطباري وضاقت الحيل ... أني يداوى الملال والملل
стр. 1602
لا جفون سيوفها المقل ... وراشق باللحاط ينتضل
ما أسهرت مقلتي على ظمأ ... بها إلى الغمض أعين نجل
كلا ولا شفني المخلخل والـ ... ـمعصم فعمًا والفاحم الرجل
لكن دهرًا معاندًا حنقًا ... لوى حقوقي لأمه الهبل
ألزم حظي حطيطة وسمت ... بعزي الشامخات والقلل
أدى معان الآلاء محتفلًا ... لا ناقةٌ فيه لي ولا جمل
لي همةٌ دونها مدى زحلٌ ... ففيم هزلًا يسف بي الأمل
ومنها في المدح:
يا دهر قسرًا فناصري الملك الـ ... ـشهم الغيور الحلاحل البطل
وأنشدني الإمام الفاضل قوام الدين أبو القاسم عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم الحنفي؛ قال: أنشدني والدي الإمام أبو جعفر لنفسه، ووصى أن تكتب على قره: [من الطويل]
عجب لمن قد جاء يحدى بماله ... ولم يدخر ذخرًا جميلًا لهالها
جزعت لمن واريت عنك ولو بدا ... لعينك ما واريت عنها لهالها
[٦١٦]
محمد بن أحمد بن جبير بن محمد بن جبيرٍ، أبو الحسين الكناني البلنسي الوزير الكاتب.
стр. 1603
وزر لصاحب الأندلس الأمير أبي سعيد عثمان بن عبد المؤمن.
وكان شاعرًا مجيدًا، عالمًا بليغًا، ذا أدبٍ كثير، وفضلٍ شهير، له قصائد مسمطة، ورسائل مدونة، وشعر فصيح، وترسل مليح، وموشحات بارعة، وكتابة رائعة.
رحل إلى الإسكندرية وسكنها، إلى أن توفي بها يوم الخميس سلخ شعبان سنة خمس عشرة وستمائة.
وأنشدني الفقيه أبو موسى عيسى بن سلامة الإسكندري المقري باربل سنة خمس وعشرين وستمائة؛ قال: أنشدني الوزير أبو الحسين محمد بن أحمد بن جبير لنفسه في الحجاج: [من الرمل]
يا وفود الله فزتم بالمنى ... فهنيئًا لكم أهل منى
قد عرفنا عرفات معكم ... فلهذا برح الشوق بنا
نحن بالمغرب نجري ذكركم ... فغروب الدمع تجري هينًا
أنتم الأحباب نشكو بعدكم ... هل شكوتم بعدنا من بعدنا
علنا نلقى خيالًا منكم ... بلذيذ الشوق وهنا علنا
لاح برق موهنًا من أرضكم ... فلعمري ما هنا العيش هنا
صدع الليل وميضًا وهنا ... فأبينا أن نذوق الوسنا
كم جنى الشوق علينا من أسى ... عاد في مرضاتكم حلو الجنى
стр. 1604
ولكم بالخيف من قلب شج ... لم يزل خوف النوى يسلو الضنى
ما ارتضى صالحه الصدر له ... سكنًا منذ به قد سكنا
فنناديه على شخط النوى ... من لنا يومًا بقلبٍ ملنا
سر بنا يا حادي العيس عسى ... أن تلاقي بوم جمع سربنا
ما عنى داعي النوى لما دعا ... غير صب شفه برح العنا
شم لنا البرق إذا هب وقل ... جمع الله بجمع شملنا
وأنشدني الشيخ الإمام الفاضل أبو الحسن محمد بن أحمد بن علي الدمشقي القرطبي بدمشق؛ أنشدني الوزير الأجل أبو الحسين بن جبير لنفسه: [من الوافر]
أراك من الحياة على اغترار ... ومالك بالإنابة من بدار
وتطمع في البقاء وكيف تبقى؟ ... وما الدنيا لساكنها بدار
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه: [من الوافر]
ينيل المرء تبصرة وذكرى ... إذا ما ابيض فواده وشابا
وما يرجى لتوبته قبول ... إذا مزج الرياء بها وشابا
وأنشدني أبو الوليد إسماعيل بن عبد الله بن إسماعيل البياسي، بمحروسة حلب في سنة أربع وثلاثين وستمائة؛ قال: أنشدني أبو الحسين محمد بن أحمد بن جبير بالإسكندرية، بمسجده بحارة رزبة لنفسه: [من الكامل]
يا زائرًا لم يقض أن ألقاه ... دهر يعوق عن الذي أهواه
ضن الزمان وقد سمحت فلم يكن ... من زرته للحين في مغناه
يا ويحه لعظيم أنس وفاته ... إن لم يذب كمدًا فما أقساه
لما وجدءت فناء داري عاطرًا ... أيقنت انك قد وطئت ثراه
وطلبت للتقبيل فيه موضعًا ... فإذا الحيا المنهل قد عفاه
لم يبق من أثرٍ لوطئك في الثرى ... فجعلت ألثم حيث تم شذاه
حتى الغمام يعوق عما أبتغي ... ياما أكابده وما ألقاه
وأنشدني الشيخ تاج الدين أبو الحسن محمد بن علي بن أبي بكر القرطبي
стр. 1605
الدمشقي، بها سنة أربعين وستمائة، قال: أنشدني الوزير الأجل العالم أبو الحسن محمد بن أحمد بن جبير لنفسه بدمشق سنة خمس وثمانين وخمسمائة: [من المتقارب]
صحبت الزمان وقابلته ... بصبرٍ جميلٍ إذا الخطب نابا
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه: [من المجتث]
أقصر عن الغي كم ذا ... تدعى لرشدٍ وتابى
لا يسلم العبد إلا ... إن استقام وتابا
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه: [من مجزوء الخفيف]
قل إذا جئت مجلسًا ... وسمعت المزاح مه؟
واجتنب كل موردٍ ... فيه تلقى المزاحمة
وأنشدني؛ قال أنشدني له: [من المتقارب]
خلعت العذار بشيب العذار ... فما يقبل اليوم منك اعتذار
وقالوا المشيب وقار الفتى ... وهذا المشيب فأين الوقار؟
جلا صحبه عنك ليل الشباب ... فشمسك مؤذنة باصفرار
أراك صحبت حياة الغرور ... وتسحب جهلًا ذيول اغترار
ألست ترى كدرًا صفوها ... ونجمك قد مال يبتغي انكدار
وكيف تنام على غرة ... وسيف المنية ماضي الغرار
فلو كنت تحذر صرف الردى ... إذًا لنفى النوم عنك الحذار
عبرت مراحل عمر الأشد ... ولست أرى لك فيها اعتبار
وجرت بها عن طريق الهدى ... ضلالًا وتغدو غدًا أن تجار
أتاك الرحيل فشمر له ... فإما إلى جنةٍ أو لنار!
وكيف تقر بدنياك عينًا ... ولم تدر أين يكون القرار؟
وأنشدني؛ قال: أنشدني أيضًا من شعره: [من الوافر]
بني الإسلام جدوا في الجهاد ... بسمر الخط والبيض الحداد
وبيعوها فربكم اشتراها ... نفوسًا تربحوها في المعاد
стр. 1606
عدوكم بعقركم مقيم ... ليستولي على تلك البلاد
وبيت القدس يفرق كل يوم ... حذارًا أن يعود إلى الأعادي
ودين الله يلحظه اعتناءٌ ... بجفن قد تكحل بالسهاد
فسلوا المشرفية واستقلوا ... بها فوق المسومة الجياد
فليس يفوز بالحسنى سوى من ... تدرع بالجلادة للجلاد
ومن نثره ما كتبه إلى الشام متشوقًا شيخ الشيوخ بن حمويه جواب كتاب صدر منه إليه:
"صدرت المخاطبة العزيزة الفلانية، حرس الله سناءه وسناه، ويسر له كل أملٍ وسناه، وعرفه بعد طول العمر حسن خواتم منساه، بما يصدر عن مثله، ويصيق بفضله، والفضل لا ينكر على أهله، وعلم الله أني إليه .... بالأشواق، وكيف لا ومن اق طيب شيمة الكريمة بم يشبع من ذواق، وحصل من محبته ويبقيه، ومن كل مكروهٍ يقيه، وإلى كل معلوة يرقيه.
وكتب إليه أيضًا شافعًا في رجلٍ من فقراء أهل بلده، أن ينزل في موضع يرتزق منه، وقد كان يكرر القول فيه، كان ق تقدم وعده الكريم:
"لشيخ الصالح فلان أن ينزل مع الصوفية- نفع الله ببركتهم- أو يرتب له إمامة مسجد في هذا الشهر الشريف، فإذا كان قد تيسر ذلك فهو يسأل إنجازه، وإن تعسر ذلك لسوء حظه، فليس له سوى بابه المقصود، ولا يرد عند ظمئه سوى بحر كرمه المورود، فقد أسمع لسان الحال عنه- أدام الله سؤدده-[من الطويل]
إلينا اقصدوا يا معشر الركب إننا ... نرى العار أن نمنى بغير وفود
فإن كان قد تيسر ذلك فهو يسأل إنجازه، وهذه ليال عظم الله بركاتها عليه، وساق أجر الداعين فيها إليه، لا يحتمل الصبر على إفراط الضرورة البشرية، واللوازم الجثمانية سيما مع العيال، وفرط الإقلال، وما كتبها إلا وقد تحققت أنه انتهى إلى حالة لا يستطيع معها صبرًا، وتمسك بذيل المراحم الشيخية، وقد طفق لسانه /ب ٦٦/
стр. 1607
يقرأ: ﴿إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرًا﴾ ".
قال الشيخ: وكتب إليه أيضًا من الإسكندرية متشوقًا، أو شافعًا، ومقصودي ذكر فضله، ونشر ذكره، لا وصف ما وصفني، ثناء على حسن ظنه، لا على حقيقة الحال؛ صدرها بهذه الأبيات وهي له: [من الطويل]
سلام كأزهار الربيع نضارة ... وحسنا على شيخ الشيوخ الذي صفا
ولو لم يعقني العذر عن قصد ربعه ... سعيد كما يسعى الملبي إلى الصفا
ولكن عداني عنه دهر مكدر ... ومن ذا الذي واتاه في دهره الصفا
أصدرت هذه اللمعة والشوق إلى خدمته مستعر اللهب، وأدعيتي في ضمن ذلك متتابعة الأوراد والنوب، ولست أرى الإغراق، في إيضاح ولائي الذي راق، لتحققي إحاطة المعرفة الكريمة بعقائد أولى الوفاق، والله سبحانه، يوفقني لشكر ما منحته من جميل ولائه ووداده الذي خلصا لي بغير استحقاق.
وهذه التحية تصل على يد فلان، وهو أعز أهلي وأخلائي، ولاؤه للشيخ السيد فلان كولائي، وما فتئ منذ حظي باجتلاء محاسنه الباهرة، واختبار أخلاقه الطاهرة، من قلادة صحف الثناء المحبر، والإطناب فيما برز فيه على مادح كتب وعبر. وقد قصد الخدمة، ويا ليتني كنت معه! ، وأحفظني الأيام بما أخطت مرآه ومسمعه؛ على أني وإن كنت .... ، فلست من درك الأمل قانطًا: [من الطويل]
(فقد يجمع الله الشتيتين بعد ما ... يظنان كل الظن ألا تلاقيا)
وقد قصد ذلك الربع المعمور، والرباط الذي هو قبلة لمجد المشهور، وكفلت له عني السيادة بأن يتلقى بالترحيب والتأهيل، ويمد بالمساعدة المفضية به إلى درك التأميل".
стр. 1608
[٦١٧]
محمد بن أحمد بن سليمان، أبو عبد الله الزهري الأندلسي، من أهل إشبيلية.
قال أبو عبد الله الدبيثي في مذيله: "قدم الزهري صادرًا عن مكة في سنة تسعين وخمسمائة، وأقام بها مدة وسمع من شيوخ ذلك الوقت؛ كأبي القاسم ذاكر بن كامل الخفاف، وأبي محمد عبد الخالق بن عبد الوهاب ابن الصابوني، وأبي الرضا أحمد بن طاهر، وأبي الفرج عبد المنعم بن عبد الوهاب بن كليب، وجماعة من أصحاب أي علي ابن المهدي، وأبي الغنائم ابن المهتدي، وأبي طالب بن يوسف، وأبي القاسم بن الحصين ومن بعدهم، وسمع معنا.
وكان فيه فضل، وله معرفة بالأدب، ويقول الشعر.
وسافر عن بغداد، وأقام بأصبهان مدة، وسمع من أصحاب أبي علي الحسن بن أحمد الحداد، ومن بعده.
ثم انتقل إلى الكرج واستوطنها، فهي اليوم قبر له؛ وقد حدث عنه، وسمع منه أهل البلد، ومن ورد إليه".
وكان رجلًا فاضلًا، وسمع وكتب بخطه الكثير، وحصل في بلاد الجبل، واستوطن بروجرد، وتأهل بها، وصنف تصانيف في الأدب منها: كتاب "شرح الإيضاح لأبي علي الفارسي"، وكتاب "شرح اليميني لأبي النصر العتبي"، وكتاب
стр. 1609
في البلاغة، وغير ذلك.
وأقام هناك إلى أن دخل التتر- لعنهم الله تعالى- البلاد، فقتلوه في جملة من قتلوا وذلك في شهر رجب سنة سبع عشرة وستمائة.
أنشدني أبو عبد الله محمد بن سعيد الواسطي قال: كتبت إلى أبي عبد الله الزهري، حين قدم بغداد بهذه الأبيات: [من الطويل]
إذا عد أهل الفضل والعلم والخبر ... فحي هلا بالحافظ العالم الزهري
فتى جمع الآداب والنسك والتقى ... وفاق بني الأيام في النظم والنثر
وأتقن علم النقل عنء كل حافظ ... وأسن ما يرويه عن ثقة حبر
لقد شرفت بغداد إذ حل أرضها ... وتاهت به فخرًا على الأنجم الزهر
وزاد به فخرًا فتل ظل خدنه ... ولاذ به يومًا وإن قل في الدهر
قال: فكتب إلي عن هذه الأبيات جوابًا على وزنها وقافيتها: [من الطويل]
أيا فاضلاً فوق السماكين قدره ... إذا عد أهل الفضل والعلم والخبر
أتتني من أبكار فكرك خرد ... متى ضل سار في الدجى فبها يسري
نظمت بها الدر النيثر فأصبحت ... لها قيمة أعلى وأغلى من الدر
فأنت إمامٌ للجميع مبرز ... تفوق جميع الناس في النظم والنثر
تقدس إذ شرفته عبد نعمة ... بحي هلا بالحافظ العالم الزهري
لأنك ميمون الطليعة ماجدٌ ... وحبرٌ نبيلٌ عالمٌ أيما حبر
لقد شرفت كل البقاع بقربكم ... وسدتم بني الأيام في البدو والحضر
стр. 1610
[٦١٨]
محمد بن بختيار بن عبد الله البغدادي، أبو عبد الله.
نزل البصرة، فتولى بها سنة خمس وستمائة، وكان يصنع الشعر المقارب على البديهة، إلا أنه لم يشهر به.
أنشدني أبو القاسم أحمد بن علي بن بختيار البغدادي من لفظه؛ قال: أنشدت عمي أبا عبد الله محمد بن بختيار، من نظمي وهو: [من الكامل]
قسمًا بمن سكن الفؤاد وإنه ... قسمٌ له لو تعلمون عظيم
فأجازه ارتجالًا وأنشدنيه: [من الكامل]
إني به صبٌ كثيبٌ مدنفٌ ... قلق الفؤاد مولهٌ مهموم
لا أستطيع مع التنائي سلوة ... حتى الممات وإنني لسليم
فتعطفوا بالوصل بعد تهاجرٍ ... فالصبر ينفذ والرجاء مقيم
ولقد سلبت صبابتي وتتيمي ... حتى تجود به وأنت رحيم
يا مالكين بحبهم أرواحنا ... ظامٍ على تياركن يحوم
أنشدنيها أبو القاسم أحمد:
يا مالكين بحبهم زمر الحشا ... .............................................
وليس لما أنشدني معنى؛ ثم قال: هكذا أرويه.
стр. 1611
[٦١٩]
محمد بن أحمد بن الحسن بن غنيمة، الواعظ الواسطي
وهو ابن أخت الشريف العالم أبي طالبٍ عبد الرحمن بن محمد بن عبد السميع الهاشمي العباسي.
سمع الحديث بواسط وبغداد والموصل وحران ورأس عين وحلب ودمشق وبيت المقدس.
روى عن أبي الفرج بن الجوزي.
وله رسائل معجبة، وخطب منتخبة، وأشعار جيدة، وهو واعظ فقيه شافعي المذهب، محدث له معرفة بأصول الفقه والوعظ، وعلم التفسير، على قدم الصلاح والانقطاع والزهد في المناصب الدنياوية.
وندب إلى قضاء واسط في أيام الإمام الناصر لدين الله مرارًا، فما أجاب إلى ذلك؛ وكانت وفاته سنة سبع وثلاثين وستمائة.
أنشدني جعفر بن محمد بن أحمد الخسرسابوري؛ قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الحسن لنفسه، في صدر كتاب كتبه إلى الرشيد أبي حفص عمر بن محمد الفرغاني: [من مجزوء الكامل]
حرف النداء وبعده ... لفظًا يدل على التمني
أتلو إذا ما عن لي ... ذكراك يا من غاب عني
وحدثني أيضًا؛ قال: كتب إلينا الرشيد الفرغاني كتابًا من بغداد بعد مدة طويلة، وكان قد حج وأقام بالشام سنتين، ويذكر فيه أهلي وأقاربي، ويعتذر فيه عن طول غيبته عنهم؛ فرأى أبو عبد الله الكتاب قبل وصوله إلينا، ففضه ووقف عليه، وكان قد رأى في
стр. 1612
المنام بشرى تدل على مقدمه، فقدم كتابه من الغد؛ فقال في ذلك: [من الكامل]
لما نظرت كتابه متلألئًا ... نورًا يضيء له الظلام ويسفر
أقبلت نحو الأرض أسجد شاكرًا ... لله ﷻ وأعفر
وغفرت للأيام كل جريمةٍ ... وبمثل ذا الوصل الجرائم تغفر
حاشا رشيد الدين مما ظنه الـ ... ـجهال حين مضى، ومما قدروا
ظنوا به ألا يعود وظنهم ... إثمٌ عليهم في الصحائف يسطر
يا ليتهم إذ قصرت عن فعله ... أفهامهم تركوا الملام وأعذروا
فاشكر أبا الفرج الإله على الذي ... أوتيته فبمثله لا يظفر
سعدي فتاتك حين أمسى بعلها ... عمر وأدرك ما يؤمل جعفر
يا رب حقق ما أريت محمدًا ... فبمقدم ابن محمد يستبشر
حقق بنا ما قدرت أوقاته ... من وصله فالموت أمر يحذر
واسلم رشيد الدين واعذر من غدا ... شعفًا بمقدمك المبارك يشعر
وكتب أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الحسين الواسطي لنفسي إلى الرشيد عمر بن محمد الفرغاني: [من البسيط]
هذا كتابي ولو أني استطعت إذن ... كنت الكتاب لما ألقاه من قلقي
لا تحسبوني على ما تعهدون فما ... أبقى فراقكم مني سوى رمقي
ولو مضى الكل مني لم يكن عجبًا ... وإنما عجبي في البعض كيف بقي
ووجدت له فضلًا، كتبه إلى بعض الفضلاء الكبراء لا تخلو كلمة منه من سين: [من السريع]
سامق وسس واسم وسر سالمًا ... واستأسر الأسد وسد واسعد
واستفرس من الفرسان مستظهرًا ... بالسمهري الأسمر المسعد
وساجل السحب وتسكابها ... فسيبك السحاح بالعسجد
وسام واستعل سنام السطى ... مستخدمًا للسعد والسؤدد
стр. 1613
[٦٢٠]
محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الجبار، أبو الغنائم الخسرسابوري الواسطي.
وخسرسابور من عمل واسط.
كان ذا ميز وأدب، حافظًا جملةً من أشعار العرب، مغتنيًا بالكتابة والشعر. كان مولده بخسرسابور سنة سبع وثلاثين وخمسمائة، وتوفي بها في ذي القعدة سنة اثنتين وعشرين وستمائة.
أنشدني ابن أخيه جعفر بن محمد بن أحمد الخسرسابوري قال: أنشدني عمي أبو الغنائم لنفسه: [من البسيط]
إرحل عن اللهو والأوطان والطرب ... واحلل بربع العلا لا مربع اللعب
واشرب كؤوس المعالي واصطبح ثملًا ... بالبيض والسمر لا من قهوة العنب
واجعل ملاقيك صوت الصافنات إذا ... ما الشمس غابت وشمس الحرب لم تغب
وأنشدني؛ قال: أنشدني عمي لنفسه، وهو مما قاله في صباه ببغداد يتشوق أهبه من جملة أبيات: [من الطويل]
أيا شجراتٌ بالمصلى قديمة ... سلام عليكن الغداة سلام
ويابان كثبان الحنينة هل لنا ... بظبك من بعد البعاد مقام
خليلي عوجا بالجزيرة ساعة ... فلي بثنيات الشطيب غرام
стр. 1614
[٦٢١]
محمد بن إسماعيل بن حمدان، الشيخ الأديب، أبو بكرٍ الحيزاني مولدًا.
أقام بالجزيرة العمرية، واستوطنها، وكان جمهوريًا من أهل السنة، حافظًا للقرآن الكريم، فقيهًا شافعيًا، يعرف الأدب جيدًا.
امتدح الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب على الموصل، وكانت جائزته ثلاثمائة دينار، وتشريفًا وفرسًا، وولاه حسبة بيت المقدس، ثم تقلد القضاء بنابلس، وعاد إلى الجزيرة، وصار محتسبًا، وبقي إلى بعيد الستمائة.
أنشدني أبو الحسن علي بن عثمان بن دينة الواعظ الجزري، قال: أنشدني أبو بكر محمد بن حمدان لنفسه، يمدح الملك الناصر صلاح الدين- ﵁: [من البسيط]
لما رأتني مجدًا أزمع السفرا ... وأنها بعد عينٍ لا ترى أثرا
قامت تودعني في الليل سافرة ... فقد السفر أن الصبح قد سفرا
ثنيت أثناء كمي دون صفحتها ... وقلت ناموا فبرق في الظلام سرى
سأبتغي الغاية القصوى فإن سلمت ... روحي رجعت وإلا فسمعي خبرا
بيني وبين الغنى ما بين راحلتي .. وأرض مصر ولكن ربما قصرا
لبيس الغنى لي في أرضٍ ولا بلد ... لكنه في يدي ملك إذا ذكرا
خرت ملوك بلاد الله ساجدة ... اثني عشر كوكبًا والشمس والقمر
كان أبو بكر بن إسماعيل بن احمد بن حمدان الجزري، له محبوب فجرى بينه وبينه كلام فتغاضبا، فبقي مدة سبع سنين هاجرًا له، لم يكلمه، فرآه ذات يومٍ راكبًا فلم يحس به أبو بكر إلا وقد نزل يقبل يديه ورأسه، وقال: إلى كم هذا الجفاء
стр. 1615
والهجران؟ أما آن لك أن تغفر هذه الزلة والخطيئة؟
وأخذ في الاعتذار والتنصل من ذنوبه، فصالحه أبو بكر، وأقبل عليه، وتعاتبا ساعة؛ والغلام قد صار شابًا ذا لحية، فحين انفصل وذهب أبو بكر إلى منزله، عمل فيه هذه الأبيات.
على أن فيه أبياتًا كثيرة مختارة، يستحسنها أهل الفضل، ويستجيدها أولو الأدب؛ وديوان شعره يحتوي على أربع مجلدات؛ منها مجلد استفرغه في مدح أهل البيت- صلوات الله عليهم- ومجلد أفرده في صاحب الجزيرة معز الدين سنجرشاه بن غازي بن مودود بن زنكي بن آنقنسر، ومجلدان في ضروبٍ من الشعر مختلفة الأوصاف؛ وهذه الأبيات: [من الطويل]
تمرد لما كان في الحسن أمردًا ... فلما تبدى الشعر في وجهه هدا
[أتاني بوجه الإعتذار من الجفا ... وقد خشن الخد العذار وكدرا]
وأظهر وصلًا بعد ما كان جافيًا ... ولان وأرضى بعد ما جار واعتدى
وسود منه الشعر ما كان أبيضًا ... وبيض مني الدهر ما كان أسودا
وقال: سلام، قلت: لا مرحبًا بمن ... أتاني لما قلت: روحي لك الفدا
ولم يرض بي عبدًا وأصبح يرتضي ... على الرغم منه عبد عبدي سيدًا
وأبعدته لما دنا في الهوى كما ... تدانيت منه قبل ذاك فأبعدا
وأشفيت منه الحاسدين كما جفا ... وأشمت بي الواشين في الحب والعدا
وقلت له: تالله إنك ميت ... وإن اللحى للمرد رائدة الردى
فصبح الجبين الصلت قد ضل مظلمًا ... وسيف سنى جفنيك قد عاد مغمدًا
وهذا شقيق الخد قد حال لونه ... وعاد يبيسًا بعد ما طله الندى
وريقك أضحى آسن الطعم مالحًا ... وقد كان قبل اليوم عذبًا مبردًا
ونكهتك المسكينة النشر أذفرت ... وأنتن رياها الذكي وأفسدا
وساقاك لا تبقى من الشعر آنفًا ... ولو خضت مع بلقيس صرحًا ممردًا
فقطب من قولي وأطرق مفكرًا ... وصعد أنفاس الأسى وتنهدا
следующие страницы →