Полный текст (2 778 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.
стр. 2276
من خطه فو قالخطو ... ط وحظه تحت الحظوظ
[٨٧٥]
نوح بن أبي الفضل الدمشقي.
كان والده رجلا يهوديا متصرفا في خدمة ميمون القصري، فانعم الله عليه بالإسلام – وكانت ولادة نوح سنة سبع وثمانين وخمسمائة بدمشق، ونشأ وتأدب وخدم في الأعمال الديوانية بحلب، متصرفا للأمراء.
وكان من أسمح الناس أخلاقا، واطيبهم معاشرة، والطفهم حاشية، وأقدرهم على قول الشعر، وأسرعهم في نظمه بديهة، وكان يقول الشعر طبعا، ولم يكن خبيرا بصناعته ومعانيه ومعرفته، ولمحت في أشعاره لحنا واضطرابا، ولم يزل مقيما بحلب إلى أن توفى بها في سنة خمس وثلاثين وستمائة، ودفن بمقابر الخليل إبراهيم – صلوات الله عليه – في تربةمعروفة بناصر الدين أبي بكر بن ميمون القصري – رحمه الله تعالى-.
أنشدني أبو الفوارس جهبل بم محمد بن طاهر بن نصر الله بن جهبل القريظي الكلابي الحلبي بها في رمضان سنة تسع وأربعين وستمائة، قال /٨٩ ب/ أنشدني نوح بن أبي الفضل الدمشقي لنفسه، في غلام كان يهواه – يعتريه الصرع-: [من الطويل]
بنفسي من أضحى من الجن خائفا ... وقد كان من ريب الحوادث في أمن
ألم يكف ما في حبه من مشارك ... من الأنس حتى ازددت قوما من الجن
وما ذاك إلا سلطان حسنه ... دعاهم فلبوا خائفين من السجن
جننت به عمدا وأعديتهم بما ... جننت فأصبحنا شريكين في فنّ
وقال من قصيدة طويلة اولها: [من الكامل]
قدم الربيع ففاح طيبا نشره ... لما تأرج في رياض عطره
ووشت على انهاره ريح الصبا ... سحرا فهمتك بعد ستر ستره غنت
بلابله لرقص غصونه ... طربا وصفق بالتدفّق نهره
فاشرب على زهر الربيع فإنه ... زمن يقوم به لكلّ غدره
стр. 2277
لا حاجة لى في الربّيع وقد بدى ... في وجنة الرّشا المفدّى زهره
فالورد من وجناته وعذاره ... آس ونور الأقحوانة ثغره
/٩٠ أ/ والكأس ثغر قد ادار مدامةّ ... فينا ولكن من رضاب خمره
في مجلس جناته قد زخرفت ... ولدانه فيها وفيها حوره
وملحّن لو كان عاصر معيدا ... في دهره ما شاع فينا ذكره
مازال يضرب عوده فيئنّ من ... ألم فيندبه بسحر زمره
يا أيها الرّشا الذى في شعره ... ليل ولكن من جبين بدره
نقّص كؤوسك قد سكرت صبابةّ ... يكفى محبّك من غرام سكره
واعطف على صبّ بحبّك لم يزل ... طوع الغرام وقّد عصاه صبره
وقال من أخرى: [من الطويل]
لحاظك انكى في فؤادى من النّبل ... وما انت من قتلى بهجرك في حلّ
وإنى وإن واش إليك بزوره ... امالك عنّى لا اميل إلى عدل
وقد لذّ لى الهجران منك لأنّنى ... اراك به ترضى فدعنى من الوصل
وكن راحما لى من وقوفى بذلّه ... عليك عسى ان تكتفى وقّفة الذّل
فاقسم انّى لو رأيتك عاقدا ... لبند قباء عاد صبرى في حلّ
ومعتقل رمح القوام سنانه ... لحاظ لها النّجلاء بالأعين النجل
/٩٠ ب/ عدمت بوجدى فيه كل مماثل ... كذلك بدر الدّين عار من المثل
وقال من قصيدة أخرى مبدأها: [من الطويل]
اهل بعد إقرار المدامع جاحد ... وهل ينفع الإنكار والسّقم شاهد
وبى رشا إن رمتوصلايصدّنى ... وإن رمت قربا منه فهو مباعد
يعاندنى طول المدى وأحبّه ... وأعجب شيئ أن يحبّ معاند
تصّيد قلبى باللّحاظ وفى الهوى الا ... سود لألحاظ الظّباء مصايد
نفور ولكن ذاك في الظّبى عادة ... ومستأنس لكن عن الصّب شارد
وما زلت في حرب مع الدّهر تارة ... تطاردنى آفاته وأطارد
ولم الق فيه غير خل ممالق ... غبىّ وإمّا ناصح هو حاسد
فتّى إن منعت الّرفد عنه يسبّنى اعتـ .. ـسافّا وإن واسيته فهو جاحد
стр. 2278
صبرت على حمل الشّدائد مكرها ... ومثلى من هانت عليه الشّدائد
وقال أيضا من قصيدة أخرى: [من الخفيف]
/٩١ أ/ اسكرتنا شمائل لا شمول .. طاف فينا بها الغزال الكحيل
رشا سلّ من لحاظ سيوفنا ... انا دون الورى بها مقتول
منكر قتلتى وفى صحن خدّيه ... شهيد بها دمى المطلول
شرعه لا يقاد في الحب صب ... وله من جمال وجه دليل
إن بدا طالعا فبدر تبدّى ... او تثّنى فغصن بان يميل
رشا خصره ضعيف ولكن ... حمله ردفه الكثيب المهيل
خنت فيه من بعد عهد عذولى ... ومن الحزم ان يخان العذول
لا يملّ الغرام قلبى لأنّى ... كاره ان يقال: قلب ملول
يا زمانى إن كان قصدك منّى ... في عناد فإنّ قلبى حمول
كلّما رمت في المعالى نهوضا ... ردّنى حاسد وضدّ جهول
قد قتلت الزّمان خبرا إلى ان ... صحّ عندى عاداته التّبديل
فيعزّ الذّليل بعد انكسار ... ويريك العزيز وهو ذليل
ولفد سقت في الفيافى قلّوصا ... سيرها في الفلاة سير ذميل
اقطع البيدّ بالمسير لعلمى ... انّ قطع الفلا بسعد وصول
/٩١ ب/ ما ترى العود إن جفا فيه طيب ... في مقام اذاله التبذيل
وقال أيضا من قصيدة أولها: [من البسيط]
إيه حديثك عن سكّان نعمان ... فمن حديثك قد هيّجت اشجانى
كرر علىّ احاديثا تذكّرنى ... امام من لم يزل في القرب ينانى
نجل النّصارى إلى التّوحيد يرشدنى ... لأنّه ماله في الحسن من ثانى
فاعجب لمن دينه التوحيد كيف غدا ... يضلّ لولا هداه حبّ نصرانى
دقيق خصر فليس الطّرف يدركه ... من رقّه قد حكى دينىوإيمانى
لم انسه إذ اتانى لابسا حلل السّ ... ـواد حامل إنجيل وصلبان
يتلو زبورا فلو داوود يسمعها ... ملحّنا، قال: هذا بعض الحانى
غدا يقرّب قربانا، فقلت له: ... ما كنت بائع تقريب بقربان
стр. 2279
وقّام يسعى بكأس الخمر في يده .. على النّدامى فحيّاهم وحيّانى
فقلت: دعنىفإنى قد سكرت هوى ... حاشاك يجمع لى ما بين سكران
والله إن لم تكن لى راحما وتدع ... عنك التّمادى في صدّى وهجرانى
/٩٢ أ/لأشكونّ الّذى القاه من كمد ... إلى امير له اخلاق سلطان
وقال يمدح الأمير بدر الدين أيدمر بن عبد الله الوالى: [من الكامل]
في مثل حبّك تهتك الأستار ... وبمثل صدّك تظهر الأسرار
كم جهد قلب ساتر اسر الهوى ... ابدا وفى سقمى له إضمار
يا عاذلى قلّ الملام فإنّ لى ... في عشقه بعذاره اعذار
ظبى يرى أنّ الصّدود مثابه ... والوصل يعقبه به اوزار
نجل النّصارى ليس لى في حبه ... ابدا عليه في الورىنصار
قد حلّ صبرى في هواه صبابهّ .. مذ شدّ في وسط له زنّار
ابدا أوحّد حبّه واراه في ... تثليث اضدادى به فأغار
لا أرتضى في حبه بمشارك ... والشرك في دين الصّبابة عار
ضبى نفور لا يميل لعاشق ... والظّبى عادته قلى ونفار
مالى مجير من عقوبة صدّه ... إلا الأمير وفى حماه اجار
مولاى بدر الدّين من دانت له ... من خوفه الأعداء والكفّار
/٩٢ ب/ ندب به للدهر اعظم رونق ... وعلى الزّمان جلاله ووقّار
للشعر فيك طلاوة وملاحة ... وبمثل وصفك تحسن الأشعار
يا أيها البحر الّذى في كفّه ... غيث على آمالنا مدرار
لمّا قدمت اللاّذقيّه اشرقت ... بضياء وجهك في الدّجى انوار
نسخ الظّلام ضياء وجهك في الدّجى ... طول الزّمان مع النّهار نهار
اثّرت في وجه الزّمان محاسنا ... وبمثل فعلك تحسن الآثار
اخبار جودك دائم بين الورى ... ابدا بها تستصغر الأخبار
والغيث انت فمذ حللت تدافقت ... بالآّذقيّة دائما امطار
فتهنّ صوما انت فيه عيدنا ... لمّا قدمت فحلّل الإفطار
стр. 2280
ومنها يمدح الملك العزيز محمد بن غازى بن يوسف: [من الكامل]
حصلت علىّ من العزيز محمّد ... نعم فسحب نوالهنّ غزار
والله لولا انتّ لم يك سيدىّ ... للعبد عند مليكنا تذكار
فكسوتنى خلع الفخار تكرّما ... عند الملوك وحبّذاك فخار
لازالت الأفلاك طوعك دائما ... تجرى بما تختاره الآقدار
стр. 2281
/٩٣ أ/ حرف الهاء
ذكر من اسمه هاشم
[٨٧٦]
هاشم بن حبيب، أبو الوليد، الأديب الفقيه النحوىّ الخطيب
المقرئ الزاهد البيغىّ.
ينسب إلى بيغوىوهى قلعة حصينة من أعمال غرناطة.
كان أبو الوليد يتولى خطابتها. وكان رجلا من خيار عباد الله الصالحين، وأوليائه
الأبرار العاملين، قارئا للقرآن الكريم، كثير التلاوة له، زاهدا متعبدا متفننا في كل فضل فيها بالعلوم الدينية والأدبية، لا يقعد عن شيئ منها، بل يقوم بها أحسن قيام. وكان قد تصدّر لقراءتها وإفادتها، والناس يغشونه ويأتون إليه، ويقرأون عليه، ويستفيدون منه، ويأخذون عنه، فتخّرج به خلق كثير.
وكان له- مع ذلك- النصيب الوافر، والحظ الوافى في قرض الشعر، وقال منه قصائد مطوّلات، ومقاطيع مستحسنات ومات مقتولا.
/٩٣ ب/استشهد على أيدى الفرنج في سنة اثنتين وعشرين وستمائه- رضى الله عنه
أنشدنى الشيخ أبو العباس أحمد بن محمد بن على الأسدىلبيغىلمقرئ بحلب
المحروسة، في سنة ثمان وأربعين وستمائة، قال: أنشدنى الشيخ الأستاذ الزاهد أبو الوليد هاشم بن حبيب البيغىّ لنفسه من قصيدة أولها: [من الكامل]
بان الخليط وزوّدوك غراما ... فأبت جفونك ان تذوق مناما
وحشوا فؤادك لوعة لا تنقضى ... ونأوا بصبرك ظاعنين ظلاما
ومنها:
стр. 2282
ناديت دارهم أدار ألم تزل ... ألقى بها الغزلان والاراما
يا معهد اللذات يا ملقى المنى ... كنت الشّفاء فقد رجعت سقاما
يبكي حمام الأيك طول حنينه ... ولربّ مشتاق يهيج حماما
وله أشعار كثيرة , إلا أنني لم يقع إليّ شيء منها غير [ما] أثبته.
[٨٧٧]
هاشم بن عبد السلام بن يوسف بن عمرو بن مندو , أبو الفضل الإربليّ.
أخبرني أنه ولد سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة.
وكان يكتب الطغرة لمليكها الفقير إلى الله تعالى أبي سعيد كوكبوري بن علي بن بكتين – ﵀ – ونال عنده تمكنا ووجاهة. وكان قبل اتصاله به مملقا جدا فحين اتصل به أثرى وكثرت أمواله, وأقبلت عليه الدنيا, وصار ذا ثروة وافرة, ونعمة واسعة, ولم ينله في حال خدمته سوء, ولا وصله مكروه, على أن أبا سعيد كوكبوري بن علي كان كثير المصادرات لأرباب الولايات, ومتصرّفي الدواوين. وذلك لقوة جد هاشم وسعادته.
وكان رجلا عاميا جاهلا بكل شيء, كثير الغلط في كتبه التي كان يكتبها, قلّ أن كتب كتابا إلا ويظهر فيه لحن وغلط.
وكنت أجتمع به بإربل كثيرا, وسافر إلى بغداد حين دخلها التتار- خذلهم الله تعالى - /٩٤ ب/في سنة أربع وثلاثين وستمائة, ثم لقيته في بغداد في سنة تسع وثلاثين وستمائة, وهو يتصرف لبعض أمرائها. وكان يزعم أنه يعمل الشعر.
أنشدني لنفسه بإربل ما كتبه إلى الوزير جلال الدين أبي الحسن علي بن شماس الإربليّ – ﵀ – (١): [من البسيط]
شوقا وإن دنت الأحباب والدار ... وأضلع حشوها همّ وأفكار
стр. 2283
وأدمع مستهلات عليك ولّ ... إلى لقائك آمال وأوطار
ما حيلتي يا عذولي لا تلحّ فقد ... تهتكت فيه أعراض وأستار
م منها:
ما للعيون إذا أظهرت أحد ... غير الوزير جلال الدين ستّار
مولى إذا امحلت أرض وحلّ بها ... ربت كأنّ ندى كفيه أمطار
وأنشدني أيضا لنفسه ما كتبه إلى الأمير الكبير ركن الدين أبي شجاع/٩٥ أ/ أحمد بن قرطايا الإربليّ-أسعده الله تعالى- (١): [من الكامل]
مولاي ركن الدين إن مطيّتي ... وقفت ببابك تبتغي المقصودا
فكشفت من خمر القريحة أبتغي ... مدحا فحلت عقده وبنودا
مازلت أطلب في الرجال محمدا ... أو أحمدا نمضي إليه القودا
حتى رأيت كليهما في واحد ... لمّا رأيتك أحمدا محمودا
وكتب إليه أبو المجد أسعد بن إبراهيم الإربليّ النشابي الكاتب (٢) يعاتبه: [من الطويل]
وكيف احتيالي فيك إذا لم يكن إلى ... ودادك إلا بالخداع طريق
ولست بخدّاع ولا جرى على ... لساني قول كان فيه خلوق
وفيك خلال لا تليق صفاتها ... وإنّك بالعتب الممض خليق
توهّم ما تنويه والخبث والرّيا ... بصدك أب يصفو لديك صديق
فلا أنت ممن يتقي من مخافة ... ولا محسن تزكو لديه حقوق
/٩٥ ب / ولا لك فعل في المكارم يرتجي ... ولا لك وجه بالوفاء طليق
ولا لك علم يستفاد ولا ندى ... فهذا الذي تبديه كيف يليق
وما زلت أوليك الوداد واغتدى ... وقلبي على ما أنت فيه شفيق
وهذا عتابي والعتاب طرائق ... ومعنى عتابي إن فهمت دقيق
وأنفذها إليه في رجب سنة ثمان وعشرين وستمائة, فكتب هاشم بن عبد السلام
стр. 2284
جوابها على رويها ووزنها بهذه الأبيات: [من الطويل]
رويدك ما ساد الكرام أولو النّهى ... بهجو ولا سبّ الرّجال يليق
ولا أنا ممّن يجهل النّاس حالتي ... ولا أنا ممّن لا يقال صديق
تعرّضت بي فاعدد لعرضك سترة ... من الصّمت واحذر أن تلوح بروق
وقدّرت أنّي جاهل بك تغتدي ... وعرضك من لدغ الهجاء طليق
وأوهمت أنّ النّاس غرّ وجاهل ... بما أنت فيه ما عليك طريق
/٩٦ أ/ ولم تدري أنّي حيّة لك كلما ... تعرّض واش أو يقول صديق
متى اعتلقت كفي بودّك ساعة ... من الدّهر أولى منك قطّ وثوق
متى علمت منك المصافاة لا مرئ ... يودّك إلا غدرة وعقوق
وكم غرّ من صافاك لمع سرابه ... وكم من سراب غرّ منه بريق
إذا استوت الأقدام فالحكم باطل ... ولا شكّ أنّ الحقّ منك زهوق
[٨٧٨]
هاشم بن محمد بن هاشم بن أحمد بن عبد الواحد بن هاشم, أبو طاهر بن أبي عبد الرحمن الأسديّ.
من أهل حلب وبيت الخطابة والعلم والرواية وأبناء الخطباء أبوه وجده وأعمامه. كلّ كان خطيبا يخطب على منبر حلب.
وأبو طاهر هذا شاب جميل كيس أحمر اللون طويل من الرجال حافظ للقرآن العزيز, له عناية بقول الشعر, يعمل منه المقطعات. وفيه فضل حسن وأدب جيد إلا أنّه مبخوس الحظ من أبناء زمانه, ولم يزل شاكيا منه ومن صروفه عليه.
أخبرني أنّه كان مولده بحلب في العشرين من ذي الحجة سنة اثنتين وتسعين /٩٦ ب/خمسمائة.
ومما أنشدني لنفسه: [من السريع]
يا سادة ملّكتهم مهجتي ... هل لي إلى وصلكم من وصول
وهل لأيّامي التي مذ حلت ... بكم خلت من عودة بالملول
أحبابنا لا وزمان مضى ... بوصلكم لا كنت ممّن يحول
стр. 2285
بنتم وخلّفتم معنّاكم ... يندب مغناكم ويبكي الطّلول
نعم ومغناكم ومأواكم ... قلب معنّى كم بكم لايزول
واحربا جاروا ولا ذنب لي ... وعذّبوا قلبي المعنّى الحمول
وما دروا أنّهم مذ نأوا ... عن ناظري في وسط قلبي نزول
ومنها:
يا من أعار الغصن قدّا إذا ... ماس به أذهل كلّ العقول
كم حرّم الوصل ... كما ترجم ال ... حسن على خدّيك أن لا وصول
وأنشدني أيضا لنفسه يتغزل: [من الخفيف]
يا بديع الجمال يا من إذا [ما] ... ماس أزرى بالذّابل الخطّار
/٩٧ أ/ ورد خدّيك قد كساني سقما ... إذ تبدّى من تحت آس العذار
فيك معنى من الغزال ولولا ... ذال ما كنت مولعا بالنّفار
وأنشدني أيضا لنفسه يمدح السلطان الملك الناصر صلاح الدنيا والدين ركن الإسلام والمسلمين أبا المظفر يوسف بن محمد بن غازي- أدام اله دولته-: [من الكامل]
قسما بسحر فواتر الأجفان ... وبغصن بان قوامك الفتّان
إنّي كئيب لا أفيق من الجوى ... متململ من خيفة الهجران
من لي بظبي قد أصاب مقاتلي ... يسبى بسحر لحاظه الثّقلان
هجرانه إن دام متّ بحسرتي ... ووصاله إن أعاد لي أحياني
ملك القلوب بلحظه وبلفظه ... فلذاك قلبي في يديه عاني
ومنها:
/٩٧ ب/ أحبابنا رحلوا وواصل بعدهم ... وجدي كما جفت الكرى أجفاني
فرضوا على سهاد عيني بعدهم ... فرضوا بذاك ولم يبن خسراني
لله ريم رمت منه زورة ... فأبى وأرّق ناظري وقلاني
مذ عاينت عيناي وردة خدّه ال ... قاني ففي بحر الهوى ألقاني
إن صدني عجلا وردّ وسائلي ... خجلا ومن هجرانه أرداني
стр. 2286
فلأظفرنّ بكلّ ما أمّلته ... بمدائحي للناصر السّلطان
وأنشدني فيه أيضا لنفسه يمدحه: [من البسيط]
ألام ألام القلب خانه القدر ... وقد غدا بصلاح الدين ينتصر
وما لآمال هذا الصّبّ خائبة ... وقلبه دون كلّ النّاس منكسر
وجود جودك قد عمّ الأنام بلا ... سؤال [سؤل] وبالآمال قد ظفروا (١)
وقد تكرّر مطلوبي وإنّ لي النّ ... فس الأبيّة حتى بنفد العمر
فما لحظي كخطّي ناقص أكذا ... كلّ المحبّين ما يقضى لهم وطر
حاشاك ترجع آمالي مخيّبة ... وسعر شعري قد سارت به السير
/٩٨ أ/ أو أن يروح حسودي وهو مبتسم ... جذلان من كون كسري ليس ينجبر
وأنت أندى الورى كفّا وأعظمهم ... قدرا وبالعرف والمعروف مشتهر
وأنشدني أيضا نفسه من أبيات طويلة يرثي بها والدته –رحمها الله تعالى -: [من الطويل]
نعم هذه يا صاح أطلال عزة ... وآثار من غرّت وصدّت وعزّت
وملعب آرام بسحر لحاظها ... رنت ورمت قلب المعنّى فأصمت
أأحبابنا زاد اشتياقي ووحشتي .. إليكم وأنتم في فؤادي ومهجتي
فمقدار شوقي لا يحدّ إليكم ... ولا حسرتي تفنى ولا فيض عبرتي
وقفت على وادي الغضا أسأل الرضا ... فلم تشف روحي بل على الهلك أشفت
وأما وليال كدّر البين صفوها ... وأطنب في تفريقنا والتشتّت
وحملني ما لا أطيق وما كفى ... احتمالي له حتّى بفقد أحبّتي
وأنشدني له أيضا من قصيدة أولها: [من الكامل]
/٩٨ ب/ سهم اللّحاظ رمى الفؤاد فأغرضا ... واختار رائشه البعاد فأعرضا
قمر على غصن تكامل وصفه ... فات الصّفات فكم فؤاد أمرضا
أحبابنا هل عندكم هذا رضا ... أحشاء صبّ حشوها جمر الغضا
стр. 2287
شوقا إليكم لو تحمل بعضه ... رضوى لأهوى صلده وتقوّضا
بنتم فكم في عبرتي من عبرة ... لمتيّم يقضي ونحبا ما قضى
ونسيتم لمدّله من بعدكم ... وله براه جوى تذكّر ما مضى
صبّ يرى [أنّ] الوداد على النّوى ... فرضا فكيف يسرّكم أن يرفضا
وحياتكم إنّي أرى هجرانكم ... عين الرّضا إذا كان عندكم رضا
لا كان حادي العيس كدّر صافيا .. وأمرّ حلو العيش ساعة قوّضا
وأنشدني لنفسه: [من السريع]
يهني اشتياقا كلّ عن وصفه ... كلّ لسان ناطق بالصّواب
مثن على فضلك يا خير من ... قد ولي الحكم وفصل الخطاب
وأشعاره كثيرة, وفيما كتبنا منها فيه مقنع وغنى
[٨٧٩]
هاشم بن يحيى بن سالم بن يوسف بن كامل بن نصّار, أبو المفاخر بن أبي الفضل التنوخي.
من أهل حلب, وممّن يقول الشعر بها ويمدح. وكان من الشيعة المغالين في المذهب.
أخبرني أنه ولد تقديرا في سنة اثنين وسبعين وخسمائة بحلب, وتوفي بها ليلة يوم الثلاثاء الثاني عشر من جمادى الأولى سنة اثنين وأربعين وستمائة, ودفن بمشهد الدكة غربي المدينة.
وكانت له نعمة حسنة, وحال جيدة, ورزق صالح. وكن مع ذلك يسترفد وينتجع بأشعاره, ولم يكن شعره بذاك إلا [أنّ] معظمه نازل ركيك, خال من المعاني والعيون, وهو يشتمل على مدائح وغيرها, ويدخل في مجلدين.
لقيته في حلب يوم الإثنين الخامس جمادى الأولى سنة أربع وثلاثين وستمائة. واستنشدته فأنشدني لنفسه يمدح الأمير بدر الدين أبا الفضائل لؤلؤ بن عبد الله صاحب الموصل: [من الكامل]
стр. 2288
/٩٩ ب/المجد أعلى ما بناه الباني ... والشكر أحلى ما جناه الجاني
والعلم فخر والسّماحة رفعة ... والفضل بين يد وبين لسان
والجود والإحسان خلّة ماجد ... يعتادها في السّرّ والإعلان
وكذا الندى والباس لا يحويهما ... إلاّ الهمام الشّامخ التّيجان
والغارة الشّعواء لا يقوى بها ... في الحرب إلاّ فارس الفرسان
ونداوة الكفين ليس ينالها ... إلاّ امرؤ رجم الدّنى بهوان
الذّكر باق والمديح مدى المدى ... والمال شيء فان (١)
والنّشر بين الخافقين علامة ... تسمو بصاحبها على كيوان
وترى الجميع خصال بدر الدّين وال ... دّنيا خدّين الجود والإحسان
ربّ الفضائل مالك الرّق الّذي ... دهري إليه بلطفه الجاني
حامي حمى الإسلام رافع قدره ... ومبيد عداه بحدّ سنان
ملك المحامد كلّها فصفاته ال ... حسنى وحاز شجاعة الشجعان
لو أنّ رفعة قدره تسمو به ... لسما على الجوزاء والسّرطان
والكفّ بحر والمدائح ساحل ... وبنانها من جملة الخلجان
/١٠٠ أ/ معزى بنجح الطالبين وفلّ جيش ... المارقين وفك أسر العاني
وبنجدة المستصرخين وبغية ال ... عافي وعين إعانة الولهان
ومحاق إملاق ويسرة معسر ... وجزيل إطعام ومدّ خوان
أسد فرافصة إذا عاينته ... في يوم معركة ويوم طعان
تلقاه كاللّيث الهصور إذا تصا ... دمت الجحافل والتقى الجمعان
آراؤه حفظ البلاد ورأيه ... عين السّداد ودهره يومان
يحنو على قصّاده وعفاته ... نفسي الفداء لقلب ملك حاني
في الأرض سبع أبحر ويمينه ... في كلّ أنملة لها بحران
صدقاته أقصى البلاد مذاعة ... وهو البعيد برّه متداني
يا ربّ بالبيت العتيق وبالنب ... يّ المصطفى ومكّلم الثّعبان
стр. 2289
وبحرمة الحرمين والمدفون في ... السّرداب والأستار والأركان
وبحقّ ما بيّنت في الألواح والتّ ... وراة والإنجيل والقرآن
وبحقّ طاها والحديد هل أتى ... والطّور والأعراف والفرقان
أدم البقاء لمالك الرّقّ الّذي ... ملكت أياديه الحسان عناني
/١٠٠ ب/ الملك بدر الدّين خبر مؤمّل ... للمعتفين وفكّ أسر العاني
فالله يبقيه ويحرس ملكه ... ويقيه شرّ طوارق الحدثان
لازال في عزّ مقيم دائم ... أبدا عزيز الملك والسّلطان
وأنشدني لنفسه يصف الشمعة: [من الطويل]
ومقدودة مثل القضيب جليدة ... بقدّ رشيق كالرّديني مقدود
ولهذم نور كاد يطعن في الدجى ... بحدّ سنان من سنى النّار أملود
تبيت تضاهي من شهودي ثمانيا ... بمجلس شرب غصّ باللهو مشهود
نحولي وضرّي واصفراري ووحدتي ... وذلّي ودمعي واحتراقي وتسهيدي
وأنشدني لنفسه يصفها أيضا: [من الطويل]
تشابهني فيما أعاني ضئيلة ... تكرّ على جيش الدّجى بصديع
تبيت تحاكي من شهودي ثمانيا ... وتصنع فيما تلتقي كصنيعي
نحولي وصبري واصفراري ووحدتي ... وضرّي وحرقي والفنا ودموعي
/١٠١ أ/ وأنشدني لنفسه من قصيدة أولها: [من البسيط]
لولا فرقك ما طلّ الغرام دمي ... ولا هما من عيوني صيّب الدّيم
ولا حكت زفراتي في تصعّدها ... جمر الغضا حين يبدو زائد الضّرم
واها لطيف خيال زار ذا كمدا ... فعاش من بعد ما أشفى على العدم
وعاد يوسعه هجرا ويبعده ... وكيف يطرق صبا فيك لم ينم
يا درّة الخدر ها روحي لديك وجثـ ... ـماني وقلبي ففيما شئت فاحتكمي
أنامل وخدود قد نهبن دمي ... فمرّ شطرين بين الورد والعنم
ومنها في المديح:
مجرّد المال جودا من خزائنه ... وممد البيض في اللّبّات واللّمم
стр. 2290
مبدّد ما جناه الباس من نعم ... وجامع ما حواه النّاس من كرم
وأنشدني أيضا لنفسه يمدح: [من الرجز]
دع المعنّى واله عن عنائه ... فحسبه معذّبا بدائه
/١٠١ ب/ وخلّ عن عذل محبّ هائم ... لا تسعد البين على بلائه
أصبح من فرط جواه والأسى ... يعدّ كأس الموت من شقائه
رقّ له شامته وربما ... لان له الجلمد من بكائه
بكى زمانا مرّ من دموعه ... وعاد يبكي اليوم من دمائه
باح بما كان يجنّ من جوى ... وأظهر المكتوم من خفائه
لحبّ طبي أغيد جبينه ... يكسف نور الشمس في ضيائه
كأنه بين الأنام كوكب ... يسحب ذيل اللّيل من ورائه
فهل رأيتم بشرا من قبله ... يطلع بدر التمّ من قبائه
ومنها في المديح:
سلّم إلى الله لتضحى سالما ... فلا مفرّ اليوم من قضائه
ثمّ إلى عليّ الملك الّذي ... قد أصبح العالم في نعمائه
ذي الجود سيف الدّين والدّنيا ومن ... لا يهتدي النجم إلى اهتدائه
ومنها يقول:
ورتبة على الورى سامية ... قد فاقت العيّوق في سمائه
/١٠٢ أ/ زرّ على الأرضين جيبيه وقد ... جللها الفاضل من ردائه
ومنها قوله:
من ذا الّذي يدرك عدّ فضله ... وبعض ما سطر من آلائه
أو جمع ما يعرف من بأسه ... والدهر قد يعجز عن إحصائه
دعوه لهيجاء فهو كفؤها ... ولستم والله من أكفائه
جلّ عن المدح فكلّ مادح ... إخاله يطنب في هجائه
جمّع شمل الجود من شتيته ... وضمّ ما فرّق من أجزائه
وأنشدني لنفسه: [من الطويل]
стр. 2291
وليلة جئنا حانة الحيّ عصبة ... كراما تضاهى في الكرام الكواكبا
وبتنا نرى أيدي السّقاة مشارقا ... لشمس مدام والشّفاه مغاربا
ويعلو خدود الشّرب بعد غروبها ... من الشفق المحمرّ مبد عجائبا
فأوجههم تحكي بدورا وقد بدت ... لنا بازغات والأكفّ سحائبا
وأغيد ممشوق القوام مهفهف .. يجرّد من جفنيه سحرا قواضبا
يميل على الندمان سكرا وينثني ... يغازلنا حتى قضينا المآربا
وقمنا ركبنا بعد مركوبنا المنى ... إلى ما يقرّ العين جردا سلاهبا
وأنشدني لنفسه من قصيدة أولها: [من الطويل]
ألمّت بنا واللّيل مرخى الذّوائب ... هلالية كالبدر بين الكواكب
ومنها في المديح:
فتى مهرت كفّاه في الجود والنّدى ... وكلّ لبيب ماهر في التّجارب
يبيت أناس في الخمول وهمّه ... لتبديد مال أو لجمع مقانب
له ثوب فخر يملأ الأرض ظلّه ... ثبوت ثبوت الرّاسيات الرّواسب
يجر على ظهر المجرّة ذيله ... فتعنو له أمّ النّجوم الثّواقب
يحدّث عن أخباره بنوادر ... ويخبر عن آلائه بعجائب
يقصّر عن إدراكها كلّ حاذق ... ويعجز عن إحصائها كلّ كاتب
وأنشدني لنفسه يصف النّار: [من المنسرح]
/١٠٣ أ/ كأنّما نارنا قد برزت ... تخال في حلّة من النّور
سلافة كالحريق صافية .. مشرقة من وعاء بلّور
أو قصبات من النّضار وقد ... ذرّ عليها سحيق كافور
وأنشدني له فيها أيضا: [من مخلّع بسيط]
ملت من البدر نحو خدر ... أضرمت ملء المكان نارا
فارتفعت السن عليها ... ترفع من وقدها شرارا
وعدت في حالتي سريعا ... لمستها ما وجدت نارا
стр. 2292
وأنشدني لنفسه في يوم شديد البرد: [من السريع]
ويوم قرّ ريحه عاصف ... جار على ضعفي وإعساري
تودّ عين الشّمس من برده ... في الأفق أن تسخن بالنّار
وأنشدني لنفسه في جمع مشاهد الأئمة-صلوات الله عليهم وسلامه-: [من الطويل]
/١٠٣ ب/ مشاهد طوس والغريّ وكربلا ... وطيبة والزورا إلى سرّ من رأى
غذا حلّ منها زائر أيّ تربة ... تناديه من أقطارها سرّ من رأى
وأنشدني لنفسه: [من الوافر]
إذا كشف الغطاء عن الّسرير ... ونودي بي هلمّ إلى السّرير
ولاحت من مرقّعتي سطور ... بهنّ نحافة الدّنف الضّرير
وساقتني على مهل رجال ... وكان من قعر مظلمّة مصيري
فغفو ثمّ عفوا ثمّ عفوا ... وإحسانا إلى يوم المصير
стр. 2293
ذكر من اسمه هبة الله
[٨٨٠]
هبة الله بن إبراهيم بن محمد بن الحسين بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الكندي, المعروف بابن مراجل.
من أهل حماة وأشهر بيت في الأصالة, يكنّى أبا القاسم.
كان يتصرّف لملوك زمانه في الولايات الرفيعة, ويحترم لبيته ومنصبه. وكان والده وزيرا للأمير فخر الدّين الزعفراني, وخدم للملك المظفر تقي الدين عمر بن شهناه بن أيوب -صاحب حماة-.
وأبو القاسم -ولده هذا- كان واسع المروءة, كبير النفس. توفي بحماة سابع عشر من رجب سنة سبع عشرة وستمائة عن اثنتين وخمسين سنة. وكان ربّما جاد طبعه بأبيات من الشعر حسنة.
وأنشدني ولده الرئيس الأجل نجم الدين أبو المعالي محمد بحلب المحروسة في سنة سبع وأربعين وستمائة, قال: أنشدني والدي أبو القاسم لنفسه مبدأ قصيدة: [من الطويل]
/١٠٤ ب/ جسم كما حكم الغرام نحيل ... ومتيّم بعد الفراق عليل
ومدامع تجري سحائبها دما ... فلها بوجنات الخدود مسيل
وأضالع فيها لهيب دائم ... بين الحنايا والحشايا مشغول
الله يجمع بيننا وتضمّنا ... دار الحبيب فنلتقي ونقول
[٨٨١]
هبة الله بن أبي البشر بن أبي المواهب بن شراقيّ, أبو البركات المصري.
كان في دولة الملك الأشرف مظفر الدين شاه أرمن موسى بن أبي بكر بن أيوب كاتبا, وله شعر قريب الأمر.
стр. 2294
أنشدني أبو الفضل عباس بن زوان بن طرخان. الموصلي بإربل, قال: أنشدني أبو البركات بن شراقي المصري لنفسه يمدح الملك الأشرف من قصيدة: [من الطويل]
أما أنت يا موسى سليمان حكمة ... ولكنّ لم تفجأ بغيبة هدهد
بساطك فيه الأنس للأنس دائم ... وما الجنّ إلّا حدّ عضب مجرّد
لك الرّيح تجري في مرادك بالمنى ... كذا الطّير بالبشرى تروح وتغتدي
وخاتمك الأعلى أمان لخائف ... وما فعل بلقيس لديك بموصد
/١٠٥ أ/ فكملك من عرش إلى عرش أسّه ... وكم لك من صريح بهيج ممرّد
وكم لك من جند نصير وكم ندى ... وكم منّة في الله تسدى وكم يد
فسدوأنم وانعم واعل واسلم وصل وصل ... ومر وأنه واسعف واعف واقبل ومهّد
وقم واغز أعداء الكتاب بهمّة ... وقل للكتاب اخضع إذا جدت واسجد
وحطّمهم ... ولا تبغ عودهم ... بمسكنهم وانزل بعكّ وشرّد
فدمياط قد أضحت ميسّرة كما ... بتيسيره من كلّ فتح مؤيّد
وأنشدني الصاحب الوزير شرف الدين أبو البركات المبارك بن أحمد بن المبارك بن موهوب المستوفي الإربلي بها-﵁ قال: أنشدني أبو البركات بن شراقي المصري لنفسه: [من الطويل]
على مثل هذا اليوم كانت مطالبي ... تطالبني حتى بلغت مآربي
فلله ما قدّمت من خير سفرة ... وللشّكر ما أسدت إليّ ركائبي
/١٠٥ ب/ وللأشرف السّلطان منّي قصائد ... وقصد إلى أبوابه غير خائب
همام إذا الأعداء رامت نواله ... ففي كلّ ناد منهم ألف نادب
إذا شاء أن يعلو إلى العرش رفعة ... تدانت له الأفلاك قبل الكواكب
[٨٨٢]
هب الله بن جعفر بن محمد بن عبد الله بن محمد بن رزين, القاضي السعيد, أبو القاسم بن أبي الفضل المصري.
стр. 2295
كان جدّه يلقّب سناء الملك, وكان فيما ذكر عنه رجلا من أهل ديار مصر, وكان له ثروة ومال واسع, ومن مجوه أهلها وكبرائهم, وأرباب النعمة. ومات وخلّف ولده جعفرا, وكان له مضاربات وقروض وتجارات اكتسب بها أموالا جمّة, ولم يكن له شيء من العلم ما يشتهر به.
ونشأ له ابنه أبو القاسم هبة الله هذا فتردد بمصر إلى الأديب القاضي أبي المحاسن البهنسي النحوي, فقرأ عليه أدبا ونحوا, وعاشر في مجلسه رجلا مغربيا. وكان يتعانى عمل الموشح المغربي والأزجال, فوقفه على أسرارها, وباحثه/١٠٦ أ/ فيها, وكثّر حتى انقدح له في عملها ما زاد على المغاربة حسنا واتقانا, وعانى بعد ذلك فنّ البلاغة والكتابة, ولم يكن خطّه بالجيد فجعل في جملة كتاب الإنشاء بديوان ملوك مصر, وأجري عليه لذلك رزق كان يتناوله, حضر الديون أو لم يحضر, وحبه أهل الدولة لدماثة كانت فيه, وحسن عشرة وتودّد, فسار له ذكر جميل.
وصنف كتبا منها كتاب "حصائد الشوارد" (١) , وكتاب "مراسلات" (٢) , وكتاب "الموشحات" سماه "دار الطراز" (٣) , و"ديوان شعره".
стр. 2296
أخبرني الصاحب الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله بن أبي جرادة الفقيه الحنفي العقيليّ بحلب –أيده الله تعالى- قال: أخبرني أبو محمد عبد العظيم بن أبي الأصبع العدواني الشاعر المصري, قال: أخبرني جلال الدين المكرّم أبو الحسن موسى بن الحسن بن سناء الملك بالقاهرة, قال /١٠٦ ب/ دخلت على القاضي السعيد أبي القاسم هبة الله بن سناء الملك في مرضه الذي مات فيه, فلما رآني بكى وأشار إليّ فجلست وأخذت في تسليته, وقلت له فيما قلته: لقد رأيت الدنيا ونلت من ملاذّها ما لم ينله غيرك من أهل بيتك حتى أنك اتخذت لنفسك فراشا من العنبر, وأنت اليوم فعلى قدم خير. وكان قد تاب قبل موته بسنة, وحسنت حاله, فأشار إلى الدواة, مقال لي: كتب, وأملى على (١): [من المسرع]
أحسنت الدّنيا الّتي استرجعت ... منّي تلك الحالة الفاخره
ما شغلت بالي بتقبيحها ... إذ فرّغت قلبي للآخره
قال: فقلت له: أذكر الله, فقال: أنا في ذكره, قال: فما خرجت من عنده إلى الباب حتى مات.
قال ابن أبي الإصبع: وكنت سألت أبا الحسن المكرّم عن قوله: اتخذت لنفسك فراشا من العنبر, فقال: كان قد اتخذ له فراشا شربا ببطانة وظهارة, وأذاب العنبر مع المسك والعود /١٠٧ أ/ على النار, وطلى البطانة والظّهارة به, ثم اتخذ العنبر تماثيل وحعلها عليها شبيها بالنقش, وكان ينام فيه. وكانت يوم وفاته الأربعاء الرابع من رمضان سنة ثمان وستمائة. وكان مولده –فيما بلغني- في سنة ثمان وأربعين وخمسمائة.
أنشدني أبو منصور المظفّر بن يوسف بن أبي منصور العصافيري الموصليّ بها , قال: أنشدني القاضي السعيد ابن سناء الملك لنفسه بمصر من موشحاته (٢):
يا من بكيت على الدّمن ... من أجلها أسفا وحزنا
стр. 2297
ورأيت أحداث الزمن ... قد اشتفت منها ومنّا
لا تسأل البستان عن ... رمّنه وسل المعنّى
قد صار في نهديك ... ما كان في خدّيك
من قبل ذلك جلّنارا
***
أخشى عليك من العذول ... كما أمنت من العواذل
/١٠٧ ب/ وكأنّ قلبي أن يميـ ... ـل قوام قدّك في الغلائل
فلئن صحوت من الشمو ... ل فما صحت منك الشّمائل
فالموج في ردفيك ... والميل في عطفيك
إخال أنّهما سكارى
***
أنت الحبيبة لا سواك ... كما هواك هو الحبيب
لا أبتغي إلاّ رضاك ... ولو تقلّبت القلوب
وإذا دعا داعي هواك ... ولو يجب فأنا أجيب
يا عاشقها لبّيك ... ويا حمام الأيك
لبّى الغرام معي مرارا
***
قد حل بي ما لا يطاق .. . من الغرام ولا يحدّ
وكلاهما عذب المذاق ... كأنّه سمّ وشهد
يخشى عليّ من العناق ... لها فتضحك ثمّ تشدو
إليك عنّي إليك ... خلّني من يديك
فبسكر بسكر طرارا
***
/١٠٨ أ/ وأنشدني أبو المحاسن يوسف ين عبد العزيز بن إبراهيم المصري
стр. 2298
المعروف بابن المرصص الشاعر بحلب, قال: أنشدني أبو القاسم هبة الله بن سناء الملك لنفسه في غلام جميل حضر حومة الشلاق فأصابه فأصابه فكسرت أسنانه (٢): [من الخفيف]
نثر الدّهر عقد ثغر حبيبي ... فدموعي عليه تحكي انتثاره
كلّ سنّ كالأقحوانة كانت ... فغدت بالدماء كالجلّنارا
كان في حومة الشّلاق وما كا ... ن بعيدا في جملة النّظّارة
فأتته الأحجار شوقا وزارتـ ... ـه فلا مرحبا بتلك الزيارة
ما كفتنا تلك الملاحة منه ... وأرانا ملاحة وشطارة
كيف ينسى الفؤاد حبّ حبيب ... حسدتني عليه حتّى الحجارة
/١٠٨ ب/ وقال في صديق له كيّس: [من السريع]
لي صاحب أفديه من صاحب ... حلو التأنّي حسن الإحتيال
لو شاء من رقّة ألفاظه ... أصلح ما بين الهدى والضّلال
يكفيك منه أنّه ربّما ... قاد إلى المهجور طيف الخيال
ومن بديع قوله في وصفة الخمر: [من الطويل]
عروسكم يا أيهاّ الشّرب طالق ... وإن فتنت من حسنها كلّ مجتلي
دفعت لها مالي وعقلي معجّلا ... فقالت: وجنّات النعيم مؤجّلا
وقال في المجون: [من السريع]
يا ربّ علق قال لي: مرّة ... يا هاجري ظلما ولم أهجر!
معتزليّا صرت قلت: اتئد ... واعتب على مبعرك الأشعري
وقال: [من الطويل]
стр. 2299
/١٠٩ أ/ أذمّ شبابا لم أذق فيه لذّة ... ولا نلت منه لا حراما ولا حلاّ
وأحمد منه أنّني لست باكيا ... عليه كما يبكي سواي إذا ولّى
وقال في غلام مليح ينظر في النهر: [من مجزوء الكامل]
يا ناظر بالنّهر وهـ ... ـو بشطّه يتنزه
النّهر كم أزرق ... وخيال وجهك طرزه
وقال: [من المنسرح]
إن لبس البدر عقد أنجمه ... فعقد ذا البدر درّ مبسمه
أو كان مسك الغزال سرّته ... فمسك هذا الغزال في فمه
وقال في ابن مروان وابن المليحي: [من السريع]
إنّ أمين الحكم في مصرنا ... يخون حتّى في مياه الرّجال
وكلّما أودعه الدّنى في ... مبعره أفرغه في الغزال
والصّدر قد هام ضلالا به ... ما يصبر النّاس على ذا الضّلال
/١٠٩ ب/ وقال في الحكيم ابن قوقا, وقد بلغه انّه تاب عن شراب الخمر: [من الطويل]
سمعت حديثا ليتني لا سمعته ... فعندي منه مقعد ومقيم
بأنّ الحكيم الآن قد هجر الطّلا ... وقد تاب منها والحكيم حكيم
وما كنت أخشى أن يتوب لظرفه ... كما لست أخشى أنّه سيصوم
أتهجر شمس الرّاح وهي منيرة ... وتترك وجه البدر وهو وسيم
وكم من يد عند الحكيم لكأسه ... غدت ولها حقّ عليه عظيم
أنامت له من لا ينام وربّما .. . أقامت له ما لا يكاد يقوم
وذلك إنعام قضى بنعيمه ... ومن جحد الإنعام فهو أثيم
فإن قال: إنّي قد سئمن بشربها ... فقد يعشقون الجسم وهو سقيم
стр. 2300
وإن قال: إنّي قد سلمت فإنّه ... كما قيل يوما للدّيغ سليم
على الكرب من بعد الحكيم كآبة ... وللجام من بعد الحكيم وجوم
ومن بعده زوج الخلاعة طالق ... ومن بعدها أمّ السّرور عقيم
/١١٠ أ/ وطمّنني إبليس حين عتبته ... بأن قال: هذا الأمر ليس يدوم
فإن تسألوني بالحكيم فإنّني ... خبير بأدواء الحكيم عليم
إذا خبى وجه المصيف فإنّني ... بتحليل ناموس الحكيم زعيم
على إنّه إن قال: قد تاب مخلصا ... وخاف عقاب الله وهو أليم
فتوبته بسوء ظنّ بربّه ... تعالى وإلاّ فالكريم كريم
وقال يمدح الملك الناصر صلاح الدّين أبا المظفر يوسف بن أيوب بن شاذي –﵁ ويهنّيه بالبرء من مرضه: [من الكامل]
نظر الحبيب إلىّ من طرف خفي ... فأتى الشفاء لمدنف من مدنف
ودنا يسكّن نار قلبي خدّه ... أسمعتم نار بنار تنطفي
وأرادت العبرات عادة جريها ... أو جرى عادتها فقلت لها قفي
كفّي فقد جاء الحبيب بما كفى ... وصلا وعاشقه المروّع قد كفّي
/١١٠ ب/ ومليّة بالحسن يسخر وجهها ... بالبدر يهزأ ريقها بالقرقف
لا أرتضي بالشمس تشبيها بها ... والبدر لا بل أكتفي بالمكتفي
الحسن تبرزه بغير تصنّع ... والملح يبرزها بغير تكلّف
تتلو ملاحتها محاسن وجهها ... فتريك معجز آية في الزّخرف
وتقول من هذا وقد سفكت دمي ... ظلما وتسأل عن فؤادي وهي في
لا شيء اعجب من تلهّب خدّها ... بالماء إلاّ حسنها وتعفّفي
أنا أنتوي عنها لئلاّ أرتوي ... أتظنّ أنّي أشتهي أن أشتفي
لا سار عشقي لا أقام تصبّري ... لا قلّ مع نيل الوصال تلهّفي
وكذاك قل للبدر يا بدر الدّجى ... لا وجه إن تبدو بوجه أكلفي
وكذاك قل للشّمس يا شمس الضّحى ... جاء الأمان إليك من أن تكسفي
стр. 2301
واشفع بسائر برئه ثمّ انظروا ... بحمد الصّليب به وبشر المصحف
حاشاك من صرف الزّمان فإنّه ... بك للأعادي ماله من مصرف
وقال وهو بالشّام يتشوّق إلى الدّيار المصرية (١): [من البسيط]
/١١١ أ/ يا منية القلب لولا أن يقال سلا ... قلت: ما كنت أعصي القلب لولاك
رميت من مصر قلبا بالشّام فما ... أسراك سهما إلى أحشاء أسراك
أسرفت في الصدّ إذ أسرفت فيك هوى ... فالعذل والعدل ينهاني وينهاك
نأيت يقظي وقد ألقاك هاجعة ... وفي الحقيقة أنّي لست ألقاك
كم صاد طيفك طرفي بعد هجعته ... فالجفن فخي والأهداب أشراكي
ردّي ودائع لثم جئت أطلبها ... ما كان أوفاك إذ أودعتها فاك
نشوان لم أدري من لهوي ومن طربي ... أمن محيّاك سكري أم حميّاك
وإذ جمالك قد أودى جميلك بي ... وبالتّعطّف قد أعلاك عطفاك
وإذ مغانيك بالأنوار زاهية .... حتّى لقد خلت في مغناك معناك
رحلت عنكم وقد أولعت بعدكم ... فما بذكرك أو قلبا بذكراك
وما أظنّ ونار القلب مسكتكم ... بأنّني فيه قد أكرمت مثواك
فما مررت بربع كان ربعكم ... إلاّ ظننت صداه أنّه شاكي
وقال أيضا, وكان قد جلس في بستان له /١١١ ب/ واستوحش من بعض أصدقائه (٢): [من الطويل]
جلست ببستان الجليس وداره ... فهيّج لي مما تناسيته ذكرا
وسقّيت جم الكأس ساعة ذكره ... فلم يستطع من ليل همي من مسرى
فيا ساقي الكأس الّتي قد شربتها .... رويدك إنّ القلب في أمّة أخرى
ويا أفق لو كان الحبيب مضاجعي ... لما سألتك العين أن تطلع البدرا
ولو وصلت سود اليالي بشعره ... لما خشيت من غير غرّته فجرا
стр. 2302
تذكّرت وردا للمليح محجّبا ... يمدّ عليه ظلّ أهدابه سترا
فصرت أجازي القلب من أجل ذكره ... فيقتلني ذكرا أو أقتله صبرا
أقبّل ذلك الطّلّ أحسبه اللّمى ... وألثم ذلك الزّهر أحسبه الثّغرا
وكم لائم لي في الّذي قد فعلته ... وكم قائل دعه لعلّ له عذرا
لأجلك يا من أوحش العين شخصه ... أنست بسهد يمنع العين أن تكرى
وقاسيت منك الغدر والهجر والقلى ... وأنفقت فيك الشعر والعمر والدّهرا
وأفلس طرفي حين أنفق دمعه ... فأجرى فمي درّا يسمّونه شعرا
وفارت عزّا بالشّام لألتقي ... بمصر الّذي من حسنه فضّلوا مصرا
/١١٢ أ/ لئن طبت في متنزّه لم تكن به ... فلا زلت ألقى عندك الصّدّ والهجرا
ولو كنت في بصري وحسبك لم أقل ... أيا بصري لا تنظرنّ إلى بصرى
وقال أيضا: [من الطويل]
تركت حبيب القلب لا عن ملالة ... ولكن لذنب أوجب الأخذ للترك
أراد شريكا في المودة بيننا ... وإيمان قلبي قد نهاني عن الشّرك
وإنّي منه في عقابيل طربة ... وتبقى ويمضي المسك رائحة المسك
وقال أيضا: [من الطويل]
وغانية من بعد عشرين حجّة ... أقول لها قولا لديه ثواب
عليك زكاة فاجعليها وصالنا ... فإنّك في العشرين وهو نصاب
وقال في معشوقه مفضّل لما حبس وضرب (٢): [من الطويل]
فديت الّذي لم يضربوه لريبة ... ولكن ليبدو الورد في سائر الغصن
ولم يودعوه السجن إلاّ مخافة ... من العين أن تعدو على ذلك الحسن
/١١٢ ب/ وقالو: وكما شاركت في الحسن يوسفا ... فشاركه أيضا في الدخول إلى السجن
وقال في الإمام عماد الدّين أبي حامد بن محمد بن حامد الكاتب الأصفهاني لما صنف الكتاب "خريد القصر وجريدة العصر"يهجوح: [من السريع]
стр. 2303
خريدة أفّيه من نتنها ... كأنها من ريح أنفاسه
فنصفها الأول في ذقنه ... ونصفها الآخر في راسه
وبلغ هذان البيتان عماد الدين الكاتب, فجعل يردّدهما ويستحسنهما ويقول: والله لقد أحسن وإن أساء إلى في الهجاء.
وقال أيضا: [من الطويل]
تكمّل فضلي بعد عشرين حجّة ... فكيف زقد جاوزتها بثلاث
/١١٣ أ/ وأفنيت عمري في مدائح معشر ... كموتى ولو أنصفت كنّ مراثي
وقال أيضا: [من مخلّع بسيط]
قولوا لمن قال: إنّ هجوي ... يفوق مدحي بلا امتراء
صدقت يا مانعا ثوابي ... من ويا قاطعا رجائي
كآبة الكذب في مديحي ... ورونق الصّدق في هجائي
وقال أيضا: [من الوافر]
رأيت العشقين ولست منهم ... وآخرهم شقاء لا سعاده
فعشّاق العلوق إلى بغاء ... وعشّاق القحاب إلى قياده
وله يذمّ الشمس: [من السريع]
لا كانت الشّمس فكم أصدأت ... صفحة خدّ كالحسام الصّقيل
وكم وكم صدّت بوادي الكرى ... طيف خيال جاءني من خليل
وأعدمتني من نجوم الدّجى ... ومنه روضا بين ظلّ ظليل
تكذب في الوعد وبرهانه ... أنّ سراب الفقر منها سليل
وتحسب التهر حساما فتر ... تاع وتحكي فيه القلب الدّليل
/١١٣ ب/ إنّ صدئ الطّرف فما صقله ... إلاّ التّملّي بالحميّا جميل
стр. 2304
وهي إذا أبصرها مبصر ... حديد طرف راح عنها كليل
يا غلّة المهموم يا جلدة الـ ... ـمحموم يا زفرة صبّ نحيل
يا قرحة المشرق عند الضّحى ... وسلحة المغرب عند الأصيل
أنت عجوز لم تبرّجت لي ... وقد بدا منك لعاب يسيل
وأنت بالشيطان قربانة ... فكيف تهدينا سواء السّبيل
وقال أيضا: [من الوافر]
أما والله لولا خوف سخطك ... لهان على محبك أمر رهطك
ملكت الخافقين فتهت عجبا ... وليس هما سوى قلبي وقرطك
وهذه فصول من كلامه المنثور ومنه:
"كتبت وأنا أحمد الله الذي أحمده لأني أحمده, وأشهد لأنّي أشهده, وأعترف له بالعبودية لأني بالربوبية أعرفه وأصفه, ولا أحيط بشيء منه حين أصفه.
أنعم عليّ متفضّلا /١١٤ أ/ وتفضل علي منعما, وأنقذني من ردى, وبصّرني من عمى, ووفّقني وخلقني لينفعني ونفعني لمّا خلقني, وأوردني إلى الدّنيا على بر تقدّمي, ولطف سبقني. ووطأ لي أكناف النّعم, وثنى لي أعطاف الهمم, وعلمني ما لم أكن أعلم, وكفاني قبل القول أن أفحم , وبعد القول أن أندم, وفضّلني على كثير, وجعل عنايته بي ظاهرة التأثير: [من البسيط]
وقال أيضا في ذكر دولة ورثها:
دولة ورّثها الجدّ السّعيد, وخولها الدر القهر, ومنحها الصر النصر, فركعت لها الأمم, وسجدت لها الدّول, وزالت بها الغمم, وانزاحت بها العلل, وقام بها مائل الملّة, وضحك بها مقبل القبلة,
стр. 2305
وخطب بفضلها الأخرس, فطن لها الأبله, ووضحت بها لمن تهين البراهين, ولمن تديل الأدلة/١١٤ ب/ وتمسكت ولكن بالدين, واعتصمت ولكن بالله, سلطانها له من الله سلطان, وأعوانها لها من النّصر اعوان, وسيرته الفاضلة قد سارت بها الركبان, ولكن على العقبان. فالإسلام من طلقائه , والإيمان من عتقائه, والكفر يجاهره ولكن باتقائه, والشّرك به واقع في شرك انخفاضه وبعد ارتقائه, وعساكر تجعل الصّباح مساء يوم العرض, وسيوفه تجرّ في الأجسام البسط والأرواح القبض, ورماحه تكاد لطولها تمسك السماء أن تقع على الأرض: [من الطويل]
فلو رام برجا في السّماء لما عصى ... عليه وقرنا في السّحاب لما نجا
فصل في دعاء:
"خلّد الله ملكه, وأبد فتكه, وأعزّ جنده, وأذلّ ندّه, وزيّن دولته بالسعود, ومملكته بالصعود, وجعل ضده المكتوب, مجده المسعود, ونصب مقامه قبلة تقابلاها ملائكة السماء بالسلام, وملوك الأرض بالسجود ولازال محمّر الظّبي, مخضّر /١١٥ أ/ الرّبى, جالسا والأنام في خدمته قيام, ساهر العزائم وملوك الأرض عنها نيام, منصفا بعدله الكرام من الأيام اللّئام, سابقا بسيفه كلام الأعداء فإن حربه أولها كلام, وإن الحرب أولها كلا: [من الخفيف]
كلّما قيل قد تناهى أرانا ... كرما ما اهتدت إليه الكرام
فصل في دعاء الوزير:
"مولاي ورئيسي, وزير تسعى الملوك ببابه, وتستضيء بشهابه, وتستقي بسحابه, وتدفع خطوبها, وتستمد النصر لكتائبها من كتابه. ونستهدي الإصابة لسامها من صوابه, وتجني فضله صنوانا
стр. 2306
وغير صنوان, ومتشابها وغير متشابه. قد قدر بعلو القدر وتصدر, لأنه الصدر, ووطيء على وجه الشمس ومفرق البدر, وملك ناصية المجد, وبلغ قاصية الفخر. ومضى له الحكم ولكن على العصر, ونفذ له الأمر ولكن على/١١٥ ب/ الدهر, وخشعت له قلوب الأنام في السّر والجهر: [من البسيط]
فصل آخر في مثله:
" أدام الله أيامه ومد ظلها بامتداد ظله, وحلل عقدها بيمين عقده وحلّه, وجمع له الفضائل كلها بظهوره على الفضل كله, ولا زال عزّه لا يزول, وحال سعده لا تحول, وأيام دولته لا تقصر, وأيام أعدائه لا تطول. وأقلام يده العالية للأولياء تصل وعلى الأعداء تصول: [من الطويل]
ولا زال ينبي النّاس فضل كلامه ... بأنّ كلام العالمين فضول
فصل في تقريض رئيس:
"خلق من صلصال الصولة, وحمأ الحميّة, ونفخت فيه روح الأريحيّة, وغذّته الأنفاس الرّوحانية, وربته الألطاف /١١٦ أ/ الربّانية, فجاء منه بشر إلاّ أنّه قمر, وجسد إلاّ أنّه أسد, وإنسان إلاّ أنّه سلطان, وملك إلاّ أنّه ملك: [من الطويل]
وجاء يسدّ الناظرين ملاحة ... وجاء يسود الحاسدين معاليا
فصل في تقريض منعم:
"ثقّلت على كرمه, وأتعبت على متردّدات نعمه, وأنضيت في السير إلى هاطلات ديمة, وشرهت عليه والشره قبيح, وىثرت من النجح ولكنه المتعب, فكأنه اليأس المريح, وأوفدت عليه مطالبي حتى استحيت, وحملت مننه على عنقي حتى أعييت, وماء الوجه جديد, وماء الحياء بعيد. [من الخفيف]
стр. 2307
أخلقت وجهي المطالب منه ... كيف لي عنده بوجه جديد
فصل في أيام سالفة:
/١١٦ ب/ "سقى الله دارا قضيت فيها اللّبانة, واجتليت فيها البدر زاهرا, واجتنيت منها العيش ناضرا, وبليت بها جلباب الشّباب, وأفنيت فيها رضاب الأحباب. وكانت أول أرض مسّ جلدي ترابها, وجدعي سرابها, ولما أطلت على أطلالها, وآنست طلوع هلالها: [من الطويل]
(ذكرت بها وصلا كأن لم أفز به ... وعيشا كأنّي كنت أقطعه وثبا) (١)
فصل في شكوى فراق:
"وما يندب الخادم إلاّ نفسه, ولا يبكي إلاّ أمسه, لأنه قد فارق من مشاهدة سيدنا وبركة قربه, وقرب بركته, وتلقّى وفود الفوائد في وجهته من جهته ما جعله مغضوض الناظر, معضوض البنان, مجموع هموم القلب, منثور دموع الأجفان, طالبا من السلوّ ما لا يجده, وهيهات أن يسلو عن الماء الظمآن: [من الطويل]
فذا الجسم قسم بين سقم وعبرة ... وذا القلب نهب بين فكر وأشجان
/١١٧ أ/ فصل في دعاء:
"أدام الله ظلّ المولى ممدود الرواق بين الآفاق, وأطلع بدور شعوره متضاعفة الإشراق آمنة من لحاق المحاق, وبسط أنامله التي هي مفتاح الأرزاق ومغالق الإملاق, وخلّد أيامه التي هي أحسن الأيام من محاسن الأخلاق وألطف من معاتبة العشاق, ولا برحت ذات ظل صفيق, وحواش رقاق."
стр. 2308
فصل في استنجاد:
" الله الله أن ترقد عني والموت منتبه, أو تغفل أمري والأمر مشتبه, أو تنساني وقد ذكرتني الخطوب, أو تسيّبني وقد أوثقتني الذنوب, فقد والله حلّ الخطب الحبا, وسل الحتف الظبا, وبلغ السيل الزّبى, وأنا الرجل الذي ضعف احتماله, وقصّر احتياله, ولاحت مقاتله, وعلم قاتله, وقلّ ناصره, وكثر خاذله, وفات مداراة التلاقي فساده, وأعييت دلالات الخبير مجاهله."
/١١٧ ب/ فصل في وصف مجلس وحال:
ولما غاب العاذل, وجاد الباخل, وأنس الظبي النافر, وسفر البدر السافر, خلعت العذار وعذرت الإنخلاع, وواصلت الوصل, وقاطعت الإنقطاع, وهززت الغصن المثمر, ولثمت الوجه المقمر, وأطعت عناق العناق, وبلغت رسائل الأشواق, وأقدمت على المواضع التي كنت عنها أحجم, وأوردت في الموارد التي كنت عليها أحوم وأحمحم: [من البسيط]
وهل يباعد عذب الماء ذو غصص ... أو ينثني عن لذيذ الزّاد منهم
فصل في مقال نفس سامية:
"وإنّ لي يا مولاي نفسا تواقة, وهمة ذواقة. لا تقف على حد, ولا تقفو إلاّ على جد, ولا تصير من الدهر على حالة واحدة, ولا تضمر من الهم إلاّ جمرة واقدة, ولا تألو جذبا لعناني, /١١٨ أ/ وعتبا على زماني, واضعا لأمالي الآماني, فأنا طول الدهر أثور ولا اركد, وأسهر ولا أرقد. وأطلب ولكن أين المطلب, وأغالب الدهر على أنه الأغلب. وأتعلق من الأمل بذمام نجم مغرب, وأشتاق إلى نيل الأرب وأين من الأمل عنقاء مغرب: [من الطويل]
فيا ليت شعري ما الذي فيه راحتي ... وما آخر الأمر الذي أنا طالبه
стр. 2309
فصل فيه تنبيه لمتكبّر:
"يا من ازدراني لما رآني, وحقرني لما نظرني, وهرب عني لما قرب مني, لا تغرك أطماري, وانظر إلى آثاري, ولا أثوابي وعليك بآدابي, ولا أسمالي وتفقد أعمالي, فما بالبزّة تنال العزّة, ولا بجدّة السربال يقبل الإقبال, ولا ببقاء الطيلسان ينطق الإنسان , وينطله اللسان: [من الكامل]
قد يدرك الشّرف الفتى ورداؤه ... خلق وجيب قميصه مرقوع
فصل في استعطاف:
/١١٨ ب/ "وأنا أستعيذ بالله من ذنب يوجب عتبك, ويملح عذبك, ويصرف قلبك,
ويجعلك ثاني عطفك, ويؤلف تغيرك على إلفك: [من السريع]
لست على هجرك جلد القوى ... ولا على عتبك شاكي السّلاح
فصل في شوق:
"ما ألأم ظفر الهموم, فإنها كثيرة تتساعد على قلب واحد, وما أتعب معاتب الأيام, فإنها تضرب من معاتبته في حديد بارد, وما أعجب بمن مني بقسوة الأقارب إذا رام الحنو من الأباعد. في لله كم تظلمت إلى مولاي من أغراض كتابه وصدوده, كم شكوت له طول ترقبي لوصوله وتطلعي لوفوده. وبالله لقد نسخ سوء الظن بانقطاع أخباره آية الأشواق, ولقد شغلني الوله عن إنفاق ذخائر الإملاق, ولقد عدل عندي ساعة فراق كتابه يوم الفراق".
فصل في ذمّ:
/١١٩ أ/ "قوبل جميلي بكل قبيح, وسكوتي بكل صريح, ﴿قل كلّ يعمل على شاكلته فربّكم أعلم بمن هو أهدى
стр. 2310
سبيلا﴾ ولوتحاكمنا إلى المروءة لا فتضح منا من هو أخجل حجة, وأخزى دليلا, فظفر الضعفاء بالأقوياء مفهوم, فتك الجبناء بالشجعان معلوم, والوفاء في هذه الأيام معدوم, وصاحبه في سلك الليالي منظوم, وذلك المهين فقد سرت منه عقارب لو شئت لأسريت إليه قبالتها سريات, وطن أنه كوى في السر كية ولو شئت لكويته في الجهر كيّات, ولكن علمت الظفر به هزيمة, والإطراح له غنيمة, والغريزة العزيزة, والشيمة الكريمة تبعث على حفظ الصداقة القديمة: [من الكامل]
وإذا باغى باغ عليك بجهله .. . فأقبله بالمعروف لا بالمنكر
فصل في وصف محبوبة:
/١١٩ ب/ " كيف أسلوها وهي لخلبي خلابة, ولغلبي غلابة, وبينها وبين نفسي قرابة, ولم تدع زاوية في قلبي حتى ملأتها صبابة, وما أدلت إلا بالحسن, وما أحست إلاّ بالدلال, ولا كسفت إلا وجوه النساء, ولا كشفت إلا أحوال الرجال, ما الخصر فمجدول, وأما الطّرف فبالكحل مكحول, وأما القد فما قصر وما طول, واما الجد فكالورد إلا أنه لا يحول: [من البسيط]
هي الشّفاء لدائي لو ظفرت بها ... وليس منها شفاء الدّء مبذول
فصل في اعتذار عن هدنة:
" قامت بيننا حروب, وقامت فيها خطوب الخطوب, وبقيت الدست قائمة فلا غالب ولا مغلوب, ونهك القتال إلى أن ضعف الطالب والمطلوب, فالتجأنا جميعا إلى المهادنة وفي النفوس ما فيها, وحسنّا بادي الوجوه وقبح الحقد خافيها, وأينعت حسائك أنبتتها الصدور, وانعمرت حزازات لا تهدمها الدهور/١٢٠ أ/
стр. 2311
فالظواهر سليمة, والبواطن سقيمة, والسيوف مغمدة, ولكنها في الأكباد مسلولة, وأيدي الضغائن مبسوطة, وأن كانت أيدي الفتك مغلولة: [من الطويل]
وفينا إن كنّا اصطلحنا تباغض ... كما طرّ أوبار الجراب على البرّ
فصل في دعاء:
"أدام الله دولته وأدامها ومدّ مدته وأطالها, وصرف إليه الآمال وأمالها, وأمتعه بشكر النعم التي أنالها, ولا زال يستخدم الأفلاك, ويستعبد الأملاك, ويعفر بعرصات جباه الجبابرة, ويفضل بسيرته الفاضلة سير الملوك الغابرة. ويقتطف زهر النصر الأبيض من ورق الحديد الأخضر, ويسل على الأعداء نصل نصر لا يزال رائع المخبر رائق المنظر, وسهل الله للملوك لقاه الذي يجمع بين فمه وتراب موطئه, ويتخلص من بحر الهموم إلى جنابه الذي هو كشاطئه, ويحكم آماله في أمواله, ويهاجر من الهجير إلى ظل إقبال: [من الطويل]
فمن لم ينل منه الغنى فه عاجز ... ومن لم يعش في ظلّه فهو خائن
فصل في ذكر أحباب رحلوا:
"فأما جيراني فيا ما جاروا لما ساروا, ويا ما عملوا لما احتملوا, ويا ما أمرضوا لما قوّضوا, ويا ما فعلوا لما رحلوا.
شتتوا والله شمل الدموع, ونثروا نظم الظلوع, وأنزلوا على القلوب كيّات الإكتئاب, وقطروا القلوب إلى أذناب الركاب. وكان الأنس بهم مصقول الترائب, والعيش بهم مخضر الجوانب, والجذل بهم أحمر الوجنة, والربع بهم أزهر الدّمنة, والسرور بهم باسم المباسم, والأيام بهم كلها مواسم. وكان الدهر قد غمض عينه عنهم مدة, وعقد بينهم وبينه مودة, ثم نكث وغدر عليهم القدر, وختم صفوفهم بالكدر, وفرقتهم أيدي سبا, وأذهلهم عن التذكير لعهود
стр. 2312
الحمى, والتلفت إلى أيام الصبا, فالدار بعدهم داثرة, وكم دارت عليهم دائرة وبائدة , وكم حلّت بها بائدة, وقد بكى /١٢١ أ/ عليها السهى والفرقد, وخجل منها الغراب الأسود, ومشى عليها الدهر وهو مقيد: [من السريع]
بانوا فبانت أسفا بعدهم ... وإنّما النّاس نفوس الدّيار
[٨٨٣]
هبة الله بن حاتم بن عبد الجليل بن عبد الجبار بن جعفر بن علي بن سليمان بن سيد بن أبي قحافة, أبو القاسم الأنصاري.
من أهل الديار المصرية.
كانت ولادته سنة خممس وستين وخمسمائة.
سمع الحديث على البوصيري وابن أحمد الأرتاحي, وحدّث عنهما. وكان كاتبا في بعض دواوين مصر, وفيه فضل وأدب وينظم شعرا لا بأس به.
أنشدني أبو محمد عبد الواحد بن عبد الله بن أبي جرادة الحلبي بها, قال: أنشدني أبو القاسم لنفسه بمصر: [من البسيط]
يا سيدا إن يغب غابت مسرّته ... وإن لمحناه عاد البشر والفرح
وكلّ حالاتنا في بعده نصب ... وكلّ أوقاتنا في قربه ملح
إذا بقيت فثغر الجود مبتسم ... لطالبيه وصدر المجد منشرح
стр. 2313
[٨٨٤]
هبة بن حامد بن أحمد بن أيوب بن علي بن أيوب, أبو منصور النحوي اللغوي, الملقّب بعميد الرؤساء.
من أهل الحلة المزيدية, بها ولد ونشأ. وكان أهله كتابا متصرفين يتعرضون لخدمة السلطان, وأصلهم من النعمانية, وبقي في الحلة منذ ولد إلى بضع عشرة سنة. وتعلم الخط عند أستاذ كان بالحلة, يقال له خزيمة بن محمد الأسدي, وتأدب عليه إالى سنة تسع وأربعين وخمسمائة, ومضي إلى مدينة السلام يطلب العلم والأدب, وله من العمر عشرون سنة فأقام بها قريبا من عشر سنين زائدا فناقصا يعاني الفقر والفاقة ويجد ويدأب في الإشتغال.
وتخصص بأبي الحسن علي بن عبد الرحيم بن العصار الرقي اللغوي تخصصا عظيما, وقرأ عليه كتبا كثيرة في اللغة وفنون الأدب, وروى عنه جميع ما يرويه. ولقي الإمام أبا محمد عبد الله بن أحمد ابن الخشاب النحوي, وأبا العز محمد بن محمد بن الخرساني, وأبا محمد إسماعيل بن موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر بن الجواليقي/١٢٢ أ/ وابن خضير الصيرفي وغيرهم من شيوخ العلم والأدب, وروى عنهم وبرع في علم اللغة, وصار يعدل بشيخه أبي الحسن علي بن العصّار ويفضل عليه وشاع ذكره في الآفاق. وكان خطّه مليحا ونسخ لنفسه نحوا من مائة مجلد في اللغة وعاد إلى الحلة فأقام بها إلى أن مات يوم عيد الفطر سنة عشر وستمائة.
وكان أديبا بارعا نحويا ولغويا شاعرا شيخ وقته, ومتصدر بلده, وعنه أخذ أهل تلك البلاد الأدب وعلم اللغة. وكان قد تزوج بالحلة بامرأة صالحة خيرة من قوم أمائل يعرفون ببيت الدربي, فبورك له فيها ورزق منها عدة بنين وبنات ماتوا جميعهم في
стр. 2314
حياته, وبقيت منهم بنت واحدة ماتت بعده.
وكان قد وفد على أبي عبد الله بن شعبان متوسلا بالخؤولة, لأن أمه كانت من بني شعبان فواصله بما مبلغه مائة دينار, فقبلها لمكانته عند الناس, وأثرى من بعد فقر, وعاش عنيا موسرا, وبقي نيفا وثمانين سنة.
وكان شعره شعر الأدباء لينا سهلا ومنه قوله يرثي زوجته/١٢٢ ب/ المقدّم ذكرها من أبيات: [من البسيط]
لم تذهبي فأقول الذاهب امرأة ... وإنّما ذهب المعروف والكرم
بي مثل ما بك إلاّ أنّ ذلك بلى ... مغيّر وجهك الحالي وذا سقم
ومن شعره أيضا ما كتبه إلى أبي الفتح محمد ابن أحمد بن حيا الكاتب الحلّي: [من البسيط]
يا أيها الماجد الموفي على شرف ... من العلاء تطاطا دونه الرّتب
ضمنت لي وضمين الشيء غارمه ... قضاء ديني وديني ثابت يجب
وأنت ذو الفضل لا منّ ينكّده .. والقول لا يعتريه الزّور والكذب
ما فات طالب عرف منك مطلبه ... إلاّ واعيا عليه ذلك الطّلب
وكيف يبخل بالنّزر القليل فتى ... كثيره بأكفّ النّاس ينتهب
فاعجب لهذا وأكثر من تدبره .... إن كنت لو تدر قبل اليوم ما العجب
وله أشعار غير ما ذكرته, إلاّ أنّه لم يصل إليّ منها شيء عند توريقي هذا الكتاب.
[٨٨٥]
هبة الله بن أبي الحسن بن أبي الخير بن بطرس بن بلوطس بن بيمك, أبو البركان الصرانيّ.
من أهل الديار المصرية.
كان يخدم الملك الأشرف مظفّر الدين شاه أرمن أبا الفتح موسى بن أبي بكر بن
стр. 2315
أيوب في دولته متصرفا, فعرض عليه الإسلام, فأبى فاعتقله فخرج من السجن وقصد إربل فولّاه سلطانها الفقير إلى الله أبو سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكين –رحمه الله تعالى- الإشراف بديوان الارتفاع الخاص.
وكان له تقدم في وضع الحسابات الديوانية والأحكام الخراجية, ويقول الشعر الحسن المطبوع على سبيل الإنبساط والمداعبات, ولو يزل مقيما بإربل إلى أن توفي عصر يوم الإثنين ثامن عشر ذي القعدة سنة إحدى وعشرين وستمائة.
وقد ذكره الوزير الصاحب العالم أبو البركات المستوفي –﵁ في تأريخه الذي ألفه لإربل, وقال: سألت أبا البركات بن بيمك عن مولده, فقال: ولدت في دمنهور الوحش (١) سنة ثلاث وستين وخمسمائة.
ور إربل /١٢٣ ب/ بعد أن اعتقل مدة طويلة. وكان يلي بعض أعمال الملك الأشرف ... بن أبي بكر بن أيوب, فنقم عليه, وأخذ ماله, فورد إربل والتحق بالملك المعظم أبي سعيد كوكبوري بن علي لما كان في بلاد العجم سنة إحدى عشرة وستمائة, ووصل إلى إربل فتوصل إلى أن صار له إشراف الديوان بالقلعة, يكتب حسنا. وزعم بعض المصريين, ا، ّ بيمك امرأة نسبوا إليها.
وأنشدني, قال: أنشدني أبو البركات بن بيمك لنفسه: [من الوافر]
دعيني والسّرى ومجال عيسي ... لعلّي مدرك ما في النّفوس
فلم يك بالغا أمرا نفيسا ... فتى ما لم يغرّر بالنّفيس
وخلّ لكلّ ذي عزم ضعيف ... معاقرة المواطن والجلوس
وأنشدني أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن وهرام بن بكران البوازيحي الإربليّ بها –رحمه الله تعالى- قال: أنشدني /١٢٤ أ/ أبو البركات هبة الله بن أبي الحسن بن بيمك النصراني لنفسه, وقد ورد عليه كتاب من بعض أصدقائه: [من الوافر]
وقفت على الكتاب فهمت شوقا ... كأنّي قد شربت من السّلافه
следующие страницы →