Полный текст (2 778 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
لطيفًا حسن الصورة, دمث الأخلاق, ذا جود وسخاء وأدب وفضل من أحسن الناس شبابًا, وأكملهم جمالًا وظرفًا. توفي وهو شاب بالموصل سنة نيّف وستمائة.
ثم قال: وأنشدني من شعره أبو القاسم أبو بكر بن إسماعيل التلعفري, قال: أنشدني أبو الفداء لنفسه يعّزي الملك الأشرف أبا الفتح موسى بن أبي بكر بن أيوب في أخ له من أمّه اسمه يوسف: [من الطويل]
دموع المعالي والمكارم ذرَّف ... وربع العلا قاعٌ لفقدك صفصف
غدا الجود والمعروف في اللَّحد ثاويًا ... غداة ثوى في ذلك اللَّحد يوسف
فتًى خطفت كفُّ المنيَّة روحه ... وقد كان لللأرواح بالبيض يخطف
سقته ليالي الدَّهر كأس حمامها ... وكان يسقِّي الموت في الرَّوع يعرف
فيا حسرتا لو ينفع المرء حسرةٌ ... ويا أسفا لو كان يجدي التَّأسُّف
وكانت على الأرزاء نفسي قويَّةً ... ولكنَّها عن حمل ذا الرُّزء تضعف
وختمها بقوله:
/٣٠٥ أ/ جزاءً بما أسلفتني من عوارف ... وكلُّ امرئٍ يجزى بما كان يسلف
[١٧٦]
إسماعيل بن إبراهيم بن المأمون بن محمد بن الحسن بن الحسين بن أحمد بن العباس بن يوسف, أبو المجد الأنصاريُّ الواعظ الدمشقيَّ.
حدثني الصاحب أبو البركات المستوفي, قال: ورد أبو المجد إربل فامتدح الملك المعظم أبا سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكين- ﵀ بقصيدة, لنفسه في أوائل سنة خمس عشرة وستمائة: [من الكامل]
قم نغتنم فرصًا من اللَّذات ... بالرَّاح نجلوها على الرَّاحات
صهباء تشرق في الزُّجاج كأنَّها ... برقٌ تألُّقه من الآيات
أو مثل شمسٍ أشرقت بحبابها ... درُّ تنضَّد في ذرى الكاسات
من كفِّ أهيف كالهلال إذا بدا ... حلو الشَّمائل فاتن الحركات
يسبي القلوب قوامه وكلامه ... طلق المحيَّا فاتن الحركات
стр. 387
رشاٌ يعاطينا الكؤوس بمجلس ... فيه اصطحاب العود والنَّايات
يرنو فأحسب بابلًا بلحاظه ... أو مشرفيًّا ماضي الشَّفرات
أهوى مضاربه واعشق خدَّه ... وأودُّ أبصره مع السَّاعات
وأهيم من شوقٍ إلى تقبيله ... شوقًا يزيد بحلمه حسراتي
/٣٠٥ ب/ وأرى النَّعيم به عذابي دائمًا ... وتلذُّ لي بصدوده زفراتي
[١٧٧]
الياس بن جامع بن عليِّ بن أبي طالب العبديُّ، أبو الفضل الإربليُّ.
الفقيه الشافعيُّ العدل. كان أحد عدول إربل المعتبرين. وكان ووالده يلقب أيّنا.
حدثني الصاحب شرف الدين أبو البركات المستوفي- رحمه الله تعالى- وهو مما ذكره في تاريخ إربل، قال: كان أبو الفضل يبلغ إلى أبي طالب من غير زيادة في النسبة، فقال لي يومًا: بلغني أن أبا طالب- يعني جدّه- كان نحويًا، فقلت لعله العبدي أحد أئمة إربل المذكور بها.
تفقه بإربل ثم رحل إلى بغداد طلبًا للفقه، فأقام بها زمانًا طويلًا، وكتب الكثير من حديثها بيده، وسمع من رجال الحديث خلقًا كثيرًا، وروى عنهم.
سمع شهدة بنت أحمد الأبري، والأسعد بن بلدرك الجبريلي، وأبا إسحاق
стр. 388
إبراهيم بن علي بن الفراء السلمي، وأبا الحسين عبد الحق بن عبد الخالق بن يوسف، والشريف أبا الفتوح المبارك بن محد بن سلم الهاشمي /٣٠٦ أ/ وأبا هاشم عيسى بن أحمد الدوشابي، وأبا العّز محمد بن محمد [بن مواهب بن الخرساني، وأبي الحسن علي بن محمد بن بكروس، وأبي الكلام] جعفر بن عقيل، وأبا الفتح عبيد الله بن عبيد الله بن شاتيل، وأبي السعادات نصر الله بن عبد الرحمان القزاز وخلق كثير.
وكان وافر الهمّة كثير الكتابة والتحصيل. سافر إلى مدينة السلام طالبًا للحديث النبوي في سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة, وأقام بها مدة يتفقه بمدرستها النّظامية على مذهب الإمام الشافعي- ﵁ وعاد إلى بلده، وخرّج التخاريج، وجمع مجموعات جمّة، وحدّث هناك بأكثر سماعاته، وتفرّد بكتابة الشروط.
وسمع منه جماعة من الإربليين والواردين إلى إربل، وأفاد الناس، وانتفع به عالم لا يحصى. وكان صدوقًا ثقة مأمونًا.
وكانت ولادته- مما قرئ بخطّ يده-: مولدي في وقت الغروب من ليلة الأحد سابع وعشرين شعبان سنة إحدى وخمسين وخمسمائة بإربل. وتوفي- رحمه الله تعالى- يوم الإثنين خامس عشري شهر ربيع الآخر سنة إحدى وستمائة، ودفن بظاهرها في شرقيها قريبًا من مقبرة أحمد الزرزاري الزاهد.
ألقى بإربل تفسير الإمام أبي إسحاق الثعلبي على جماعة با ....... ؛ وله تواليف عدّة /٣٠٦ ب/ منها اكتاب "تفسير القرآن الكريم"، وكتاب كبير في الناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول؛ وغير ذلك.
وقال الصاحب الوزير شرف الدين أبو البركات، أنشدني لنفسه: [من البسيط]
قالوا الكمال يزيديٌّ فقلت لهم ... لا تأمنوه وكونوا منه في حذر
أضحى بسوء اعتقادٍ فى الوصيِّ وفي ... أبنائه النُّجباء السَّادة الزُّهر
أعمى الفؤاد وأعمي العين فهو إذن ... على القياسين أعمى القلب والبصر
стр. 389
وقال أيضًا، وهو مما نقل من خطه: [من الطويل]
أممرض قلبي ما لهجرك آخر ... ومسهر طرفي هل خيالك زائر
ومستعذب التَّعذيب جورًا بصدِّه ... أما لك في شرع المحبَّة زاجر
هنيئًا لك القلب الَّذي قد وقفته ... على ذكر أيَّامي وأنت مسامر
فلا فادح الحزن المبرِّح خاطري ... لبعدك حتَّى يجمع الشَّمل قادر
فإن متُّ فالتَّسليم منِّي عليكم ... يعاودكم ما كبر الله ذاكر
وحدّثني يوسف بن ضوء بن علي الإربلي، قال: وعدت الياس بن جامع بجزء من تفسير الثعلبي /٣٠٧ أ/ أن آتيه به إذا انقضى في ذلك الوقت عيد النصارى، فانقضى العيد بأيام، وكتب إلي يقتضني الجزء: [من الطويل]
مهذَّب الدِّين يا ذا الفضل والحسب ... والعلم والشَّرف السَّامي مع النَّسب
عيد النَّصارى انقضى والدَّين حلَّ به ... لا صبر لا صبر لي عن سيِّد الكتب
فانعم به كأياديك الَّتي سبقت ... فالمنُّ بالكتب فوق المنِّ بالذَّهب
تم الجزء الأول من هذا الكتاب
والحمد لله أولًا وآخرًا وصلّى الله على محمد وآله
ويتلوه في الجزء الثاني إن شاء الله
ذكر ولده الياس بن الياس بن جامع بن علي الإربلي
стр. 390
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه الثقة
[حرف السين
ذكر من اسمه سعد]
[١٧٨]
سعد بن خليل بن محمد بن أبي المجد الجبراني الشاعر
من جبرين الشمال، قرية من أعمال عزاز- حرسها الله تعالى- يتردد إلى المدرسة النورية المنسوبة إلى بني عصرون.
فمن شعره، قوله يمدح الأمير الكبير الأصفهسلار عماد الدنيا والدين، شرف الإسلام والمسلمين، اختيار الملوك والسلاطين، أبا المحاسن يوسف بن الأمير الكبير علاء الدين طاي بغا الملكي الناصري، المتولي بحلب- حرسها الله تعالى- أسعد الله جدَّه، وجدد سعده: [من الطويل]
علامة وجدي أن تلوح المعالم ... وداعي حمامي أن تنوح الحمائم
/٢ أ/ وفرط غرامي كلّما شمت بارقًا ... من الغور تهديه إليّ المباسم
فيا صاح كن عوني على البين والهوى ... فقلبي ودمعي مستهام وساجم
وذرني أيثّ الحزن حزني ولوعتي ... فوجدي على فقد الأحبة دائم
وأشكو صباباتي إلى البان واللّوى ... فقد بان صبري والغرام ملازم
وفي ألحيِّ ريمٌ من تميم ألفته ... قديمًا وما نيطت عليه التّمائم
يصدّ إذا حاولت منه وصاله ... وينكر ما بي في الهوى وهو عالم
ويمنحني بالبعد إن رمت قربه ... ويدفعني عن ظلمه وهو ظالم
стр. 391
غزال بأكناف الصريم محله ... لحبل وصالي والمودَّة صارم
بدا بدر تم فوق غصن مهفهف ... يحف به ليل من الشعر فاحم
وماس دلالًا في ثياب جماله ... كما ماس ريان من البان ناعم
وأشرف ماء الحسن في ورد خده ... فجن به ظام إلى الورد هائم
وحين بدا يا سعد لام عذاره ... بدت للهوى في وجنتيه علائم
أبيت على جمر من الشوق مضرم ... وأسهر من وجدي به وهو نائم
فإن كان دمعي بالصّبابة بائحًا ... فإنَّ لساني بالصّبابة كاتم
/٢ ب/ ول أنس إذ عاتبته في قطيعتي ... وقد غفلت لما خلونا اللوائم
فقال وقد مضَّ العتاب فؤاده ... وقد خجلت منه الخدود النواعم
إذا رامت العشاق تقبيل وجنتي ... تسل عليها من جفوني صوارم
وليل سرت بي في دجاه نجائب ... عتاق تجوب المقفرات رواسم
عرامس تفلي بي الفلاة كأنها ... إذا لمحت لمع البروق نعائم
إلى ظلِّ مولانا الأمير أخي الندى ... وخير فتى تعزى إليه المكارم
إلى يوسف بحر السماح وماجد ... بساحته للمعتفين مواسم
همام عليُّ الجدِّ ماض جنانه ... له همم نحو العلا وعزائم
إذا جال في يوم الردى فهو حيدر ... وإن جاد في يوم الندى فهو حاتم
وإن خفقت راياته خفقت لها ... قلوب وطارت للكماة جماجم
وإن صدم الأعداء يومًا ببأسه ... تدين له عند النزول الصلادم
وإن لمعت في الحرب زرق رماحه ... تذلُّ له أسد ضوار ضراغم
له سطوات في البلاد وهيبة ... على الأرض حتى ليس تسعى الأراقم
له الجدُّ والإقبال والنصر والعلا ... وجرد المذاكي والقنا والصوارم
علا حلب الشهباء منه سكينة ... وفاضت بحار من يديه خضارم
/٣ أ/ كريم إذا ما الركب أمَّ جنابه ... فمن ماله تهدى إليه كرائم
جواد إذا شمنا بوارق كفِّه ... تجود علينا من نداه غمائم
ألا يا عماد الدين والماجد الذي ... له رتب من دونهنّ النّعائم
стр. 392
وطود علا نأوي إليه إذا سطت ... علينا خطوب للزَّمان عظائم
عبيدك سعد قد برى البرد جسمه ... وأنت له دون البرية حاسم
فعجِّل له يا معدن الجود بالذي ... وعدت فوعد الحرِّ كالدَّين لازم
وجد يا حليف المكرمات بجوخة ... سريعًا فجيش البرد لا شك قادم
وبادر بزرقاء الأديم إذا بدت ... تهون علينا في هواها الدراهم
فقلبي إلى إنجاز وعدك شيق ... وطرفي إلى إيماض برقك شائم
لقد فاز بالأمال من جاء راجيًا ... نداك وراجي جود غيرك نادم
وقال أيضًا يمدحه- أدام الله معاليه-: [من الخفيف]
قاده قائد الهوى في زمام ... نحو حيِّ الحمى وتلك الخيام
وحداه حادي الكآبة والوجـ ... ـد إلى حرة اللِّوى والبشام
وصبا نحو حاجر وزرود ... فجفا جفنه لذيذ المنام
/٣ ب/ حنَّ شوقًا إلى العقيق ونعمًا ... ن بقلب متّيم مستهام
ناح إذ ناحت الحمائم في الدَّو ... ح وسحّت شؤونه كالغمام
يا خليليَّ علّلاني بتذكا ... ر أهيل النَّقا وسرب المقام
وظبا رامة وأيام لهوي ... بالمصلَّى ومربع الآرام
بين شاد وشادن وشفيق ... وشقيق وقينة ومدام
وغزال غزًا صميم فؤادي ... بجفون سقامها من سقامي
قمر عنده الوصال حرام ... والجفا والصدود غير حرام
صاد قلبي بورد خدِّ وريحا ... ن عذار ومقلة وقوام
رشا كلما شكوت إليه ... ما بقلبي من لوعة وغرام
هز من قده علي قناة ... ورماني من طرفه بسهام
فلئن زادها جري وتمادى ... في عنادي وزاد في الآلام
وغدا الدّهر عائقي عن مرادي ... وبدا قاصدي بداء عقام
فاعتمادي على الأمير عماد الد ... دين كنز العفاة كهف الأنام
يوسف خير من إليه امتطينا ... عيسنا في الوهاد والآكام
كعبة الجود للوفود زحام ... بفناه كوفد بيت الحرم
стр. 393
/٤ أ/ سيد سابق إلى غاية الحلـ ... ـم خبير بالنقض والإبرام
ما جد كلُّ من ترامى إليه ... عمَّة بالنَّوال قبل السَّلام
بحر جود عذب المصادر والور ... د خضمُّ يؤمُّه كلّ ظامي
وإذا جالت الجياد المذاكي ... وسما في الوغي سماء قتام
واستحال النّهار ليلًا وجالت ... في رؤوس القنا نجوم الظلام
وسرت أمُّ قشعم في الفريقيـ ... ـن وسلَّ النّفوس غرب الحسام
صال في الصّيد يوسف القائد الفذُّ وأسقى الكماة كأس الحمام
أيّها السيّد الهمام المرجّى ... لخطوب الزمان والأيَّام
والجواد المجدُّ في كلّ حال ... وعماد الإيمان والإسلام
عبدك السعد ساقه نحو مغنا ... ك ولاه يا معدن الإنعام
فاستمع مدحة سمت بمعاليـ ... ـك وفاقت على مديح التِّهامي
وأبق ما لاح بارق وحدا الرّكـ ... ـب حداة وناح ورق الحمام
وكتب إليه- أعلى الله قدره- يهنيه بعيد النحر: [من الطويل]
ألا يا عماد الدين يا خير ماجد ... وقرم سما فوق السها والفواقد
/٤ ب/ وبحر سماح لا يغيض معينه ... يعم على العافين عذب الموارد
وكعبة آمال لكلِّ مؤمِّل ... ومنقذنا من صرف دهر معاند
تهنَّ بعيد النّحر يا أوحد الورى ... ونحر الأعادي واكتساب المحامد
وسد واسم واسلم وابق ما لاح بارق ... بجد ومجد دائمًا غير نافد
وقال أيضًا يمدحه- أدام الله بقاه-[من الكامل]
منِّي على تلك الرّسوم سلام ... ومنازل عبثت بها الأيام
دمن عهدت بها البدور طوالعًا ... فالصبح مذ رحلوا عليَّ ظلام
أقوت من الغيد الحسان وأصبحت ... يأوي إليها الرّبد والآرام
стр. 394
أسفي على عصر الشَّباب وجيرتي ... بالمنحنى لو كان دام وداموا
أيام أرتع في رياض مسرَّتي ... لا العذل يردعني ولا اللّوام
يا حبذا زمن تولّى باللِّوى ... فكأنّما ذاك الزّمان منام
والدّار تجمعنا بمنعرج اللّوى ... وتضمُّنا وظبا العقيق خيام
والدهر عنا غافل ورقيبنا ... والعيش صاف والوشاة نيام
والراح دائرة براح مهفهف ... تحيا بها الأرواح وهي رمام
/٥ أ/ رشأله من قدِّه وقوامه ... يزنيّة يسطو بها وحسام
بدر بدالي من خلال قبائه ... فبدا بقلبي لوعة وغرام
ريم يصيد بنا ظريه وجيده ... أسد العرين فما إليه مرام
لو عاين العذّال لام عذاره ... عذروا وما عذلوا عليه ولا موا
لم أنس ليلة زار طيف خياله ... زورًا وقد سمحت به الأحلام
حيا فأحياني بطيب سلامه ... وألمَّ بي فشفاني الالمام
فطفقت ألثم خدّه ورضابه ... شهد يحييني به ومدام
حتى إذا ما الفجر سلَّ حسامه ... وانزاح جيش الليل وهو لهام
فارقت من أهوى بدمع سافح ... وحشاشة هاجت بها الأقسام
وبدا الصّباح فقلت غرة يوسف ... لاحت فزال الظَّلم والاظلام
بحر السماح أبو المحاسن خير من ... وقفت بظلِّ فنائه الأقدام
وعماد دين الله أفضل من مشى ... فوق الثَّرى والماجد القمقام
يا أيُّها النَّدب الجواد ومن له ... منن على كلِّ الأنام جسام
دم للنَّدى أبدًا وسفك دم العدا ... يا من له الاحسان والانعام
وعليك ما ناح الحمام تحيه ... وعليك ما سرت النَّسيم سلام
/٥ ب/ وقال أيضًا يمدحه- رفع الله محله-: [من الطويل]
أحنُّ إلى ريم برامة ذكره ... أنيس إذا نام الخليُّ ومؤنسي
стр. 395
تحفُّ به سمر وبيض صوارم ... وأسد وغى تسطو على كلِّ اشوس
عزيز عرفت الذُّل منذ عرفته ... عزيز بسربال المحاسن مكتسي
من التُّرك يسبيني بسحر جفونه ... غزال بأثواب الكآبة ملبسي
خلوت به يا سعد والليل مظلم ... فجلّى محيَّاه دجى كلِّ حندس
وبات إلى صدري اضم قوامه ... واخشى عليه من لهيب تنفُّسي
ومذعانة ريَّانة شد قميَّة ... هوجاء كالهيق عرمس
جزعت بها اجواز كلّ تنوفة ... وجبت عليها بسبسا بعد بسبس
إلى يوسف النَّدب الهمام وخير من ... يجود بجدواه على كلِّ مفلس
جواد لنا من راحتيه سحائب ... تصوب كصوب العارض المتبجِّس
كريم لديه حاتم الجود مادر ... ومن عنده قسُّ الأيادي كأخرس
فما جئته إلاِّ وجاد بكلِّ ما أروم وأدناني وقرَّب مجلس
فلا زال في عزِّ وجدِّ مجدد ... يعري الورى من كلِّ مجد ويكتسي
/٦ أ/ وكتب إليه، وقد حثه على نظم أبيات: [من البسيط]
قل للأمير عماد الدين خير فتى ... عمَّت أياديه كلَّ النَّاس بالنِّعم
يا يوسف الحسن والإحسان لا برحت ... كفّاك تغني الورى عن واكف الدِّيم
عبيدك السعد لا ينساك من مدح ... حلَّت ومن خدم يا سيّد الأمم
وقال أيضًا يمدحه- أسبغ الله طلاله- وذلك في العشر الأول من ربيع الأول سنة
стр. 396
سبع وثلاثين وستمائة: [من الطويل]
قوامك أم غصن من البان أهيف ... وطرفك أم سيف من الهند مرهف؟
ووجهك أم بدر تبدَّى لناظري ... وفرعك أم جنح من الليل مغدف
وثغرك أم در ثمين منظَّم ... وريقك أم شهد شهي وقرقف؟
لقد حارت الألباب فيك وألبت ... علي وشاة في هواك وعنَّفوا
فيا هاجري من غير جرم جنيته ... فحتَّى م لا تحنو ولا تتعطف؟
حلفت يمينا لا تخون فخنتني ... كذا كلّ غدَّار يمين ويخلف
/٦ ب/ رويدًا بمن جمر الجوى في فؤاده ... وادمعه من لوعة البين تذرف
حليف غرام لا يفيق من الأسى ... كئيب على ما فاته يتأسف
فيا أيُّها البدر العزيز مناله ... ويا أيُّها الخشف الغرير المشنف
ويا قاتلي في الحب رفقًا بمهجتي ... فأنت بما ألقى من الشوق أعرف
صرفت إليك القلب يا قمر الدُّجى ... وليس لقلبي عن ودادك مصرف
ويا لائمي مه لا تلمني على الهوى ... ومهلًا فكم في الحبِّ تلحى وتسرف؟
ذر اللوم عنّي فالفؤاد معذَّب ... بحبِّ ظلوم في الهوى ليس ينصف
غزال له قلبي كناس ومرتع ... مليح المحيا ساحر الطرف أوطف
فحبِّي له طبع بغير تكلف ... وحبُّ جميع العالمين تكلف
سباني بقدِّ كالقضيب مهفهف ... فيا ويح من يسبيه قد مهفهف
وخصر كصبر المدنف الصبِّ مخطف ... نحيل لألباب البرية يخطف
فلا وجد إلا ما وجدت محبة ... ولا جود [إلاّ] ما حبانيه يوسف
سري سرى شرقًا وغربًا نواله ... جري إلى الإحسان لا يتوقف
يحنُّ إلى بذل النَّدى كلَّ ساعة ... كما حنَّ مشتاق إلى الالف ندنف
هو البحر بحر الجود عمَّ نواله ... وأمواجه بالدرِّ للنَّاس تقذف
/٧ أ/ هو الغيث والليث الهزبر إذا سطا ... هو البدر يهدي نوره ليس يكسف
стр. 397
إذا جالت الجرد الجياد لدى الوغى ... ولم يبق إلاَّ صارم ومثقَّف
ودارت رحاء الحرب واشتدَّ بأسها ... وهبَّت رياح بلمنيَّة تعصف
وزلزلت الشُّمُّ العوالي وأقبلت ... أسود وغى من خوفها الأرض ترجف
رأيت عماد الدين ذا البأس والعلا ... بصارمه هام الضَّراغم يقطف
حلفت وإنِّي صادق غير كاذب ... بما صحَّ عندي من يقيني وأعرف
بأنَّ عماد الدِّين كعبة مقصد ... وأفضل من كلِّ الأنام وأشرف
فلا زالت الأقلام والبيض والقنا ... تساعده والدَّهر بالنَّصر يسعف
وقال أيضًا يمدحه- أسمى الله رتبته-: [من الخفيف]
هل إلى ورد وجنتيك وصول ... وإلى سلسبيل فيك سبيل؟
يا غزالًا غزا فؤادي حسام ... بين جفنيه مغمد مسلول
وهلالًا بدا على غصن بان ... كلَّما هبَّت النسيم يميل
صل فجسمي من الفراق عليل ... وبقلبي صبابة وغليل
وحسودي على هواك كثير ... ومعيني على الغرام قليل
/٧ ب/ يا عذولي ذر الملام فسمعي ... كلَّ عمّا تقوله يا عذول
لا تلم في هوى بديع المعاني ... ففؤادي عن حبِّه لا يحول
رشأ ردفه كوزري ثقيل ... وكذا خصره كجسمي نحيل
ومن بني التُّرك ناعس الطرف أحوى ... بابليُّ الجفون ظبي كحيل
كلَّما رمت سلوة عن هواه ... هاج وجدي رضابه المعسول
وجبين إذا بدا يخجل البد ... روخال داج وخد أسيل
وقوام إذا مشى قلت أنفا ... س شمال سرت به أم شمول؟
طال في حب طلعه البدر ليلي ... وكذا ليل عاشقيه يطول
وبريق بدا من اللَّيل وهنا ... ودجى اللَّيل ثوبه مسدول
فحداني إليه وجد قديم ... وغرام مبرِّح لا يزول
ودعاني نحو الحمى نوح ورقا ... ء جفاها كما جفاني الخليل
فهي تدعو على الغصون وأبكي ... فكلانا فؤاده متبول
стр. 398
جاد صوب العهاد عهد التَّصابي ... وزمان الوصال غيث هطول
وسقى بالعقيق عيشًا سرقنا ... هـ من الدّهر والرَّقيب غفول
كأيادي أبي المحاسن ذي المجـ ... ـد كريم لديه كعب بخيل
/٨ أ/ يوسف المرتجى لكلِّ ملمِّ ... لوذعي لقاصديه كفيل
والأمير الَّذي يجير من الدَّهـ ... ـر إذا جار والفتى المأمول
فهو من عثرة اللَّيالي مقيل ... وبناديه للعفاة مقيل
ماجد عرضه المنقَّى مصون ... ونداه إلى الورى مبذول
وإذا جالت الجياد المذاكي ... فهو بالسَّيف في الكماة يجول
بحر علم وطود حلم وضرغا ... م هياج وسيف عزم صقيل
كم شجاع قد غادرته مواضيـ ... ـه صريعًا تطا عليه الخيول
وهزبر على الجدالة ملقى ... تحجل الطَّير حوله وتجول
يا عماد الإسلام يا من بناديـ ... ـه لراجي نداه ظلُّ ظليل
دم مدى الدَّهر في نعيم وعز ... ما لصرف الرَّدى إليك وصول
واسم واسعد بالعيد وابق منهَّا ... ما بدا بارق وهبَّت قبول
وقال أيضًا يمدحه، ويداعبه بهذه الأبيات- حرس الله مهجته، وكبت حسدته-: [من المجتث]
أبا المحاسن يا من ... يداه بالجود تترى
/٨ ب/ ومن أباد أعاديـ ... ـه بالمهنَّد قهرا
وأشرف الناس خيمًا ... وأشرف النَّاس قدرا
وأغزر الخلق علمًا ... نعم وأطيب ذكرا
стр. 399
وفي الشَّجاعة والعد ... ل أنت عمرو وكسرى
إليك خذ بيميني ... أبثك الآن أمرا
فأنت ذخري لدهري ... إذا عدمت الذُّخرا
رأيت شخصًا ينادي ... بين البريَّة جهرا
وقال: إنِّي حكيم ... أبدِّل العسر يسرا
فقلت صف لي دواء ... لعلَّ دائي يبرا
فقال قرطلُّ تبن ... يكون من تبن حزرى
فجد به يا رجائي ... واكسب ثناء وأجرا
ودم مدى الدَّهر يا من ... عمَّ البريَّة برا
وقال أيضًا، يمدح السلطان الملك العزيز غباث الدين محمد بن غازي بن يوسف- ﵀/٩ أ/ في سيف لبعض العلويين: [من الخفيف]
صارم كلَّما تذكر صفّيـ ... ـن بكى غربه بدمع سجام
ذاب حزنًا على الحسين ووجدًا ... وبراه الأسى وفرط السقام
وقال أيضًا وهو مريض يتوسل إلى الله في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وثلاثين وستمائة: [من البسيط]
يا ربِّ عبدك سعد ما له أحد ... ينجيه من دائه المودي وشدَّته
ولا معين على البلوى يساعده ... ولا أنيس له في دار غربته
ولا دواء لداء قد اضر به ... ولا طبيب يداويه بحكمته
ولا مجير ولا جار ولا سند ... ولا نصير ولا برء لعلته
إلاَّك يا سيدي يا من بقدرته ... أجرى الجواري وأنشاها بصنعته
فانظر إليه بعين منك راحمة ... بأحمد المصطفى الهادي وعترته
стр. 400
وقال أيضًا: [من الطويل]
يحن إلى حي العقيق وقلبه ... يهيم هوى نحو الرُّبى والرَّبارب
/٩ ب/ ويصبو إلى ريم رماه برامة ... بأسهم لحظ قاتلات صوائب
غزال غزا البابنا وقلوبنا ... بقدِّ وطرف بابليِّ وحاجب
وقال أيضًا في بعض العلويين: [من الخفيف]
لك يا أبن النبيِّ مرتبة المجـ ... ـد علا جدها على بهرام
قم فهذي الجياد والبيض والسمـ ... ـر وجند الإله عنك تحامي
واطلب الثَّأر من أميَّة واضرم ... نار حرب في آل حرب اللئام
سر وصل في الطُّغاة من آل سفيا ... ن فسيف التأييد غير كهام
وقال أيضًا: [من الوافر]
حدا حادي المطايا بالبعاد ... فنار البين تضرم في فؤادي
وأرقني فراق أهيل نجد ... فها أنا بعدهم حلف السُّهاد
ألا يا سائق الأظعان رفقًا ... فقلبي رائح في الركب غادي
يحنُّ إلى الغوير وساكنيه ... وجيران الأجيرع من إياد
ويوم تحمَّلوا حمِّلت منهم ... جوى يوهي قوى صمِّ الصلاد
وربَّ نسيمة هبَّت سحيرًا ... تبشِّرني بوصل من سعاد
/١٠ أ/ فقلت شغلت عنك بمدح ندب ... سما شرفًا على السَّبع الشِّداد
فكلُّ جوانحي باتت تنادي ... بألسن حالها في كلِّ نادي
بأنَّ مديح زين الدِّين فرض ... على أهل الغوائر والنِّجاد
جواد نرتجيه لكلِّ خطب ... وبحر ندى يروِّي كلَّ صادي
فكم من راحة في راحتيه ... تسعُّ على الورى سح الغوادي
стр. 401
بمدح أبي المناقب طال شعري ... على الشِّعرى وزاد على زياد
وقال أيضًا: [من الخفيف]
يا مذيب الفؤاد ما بتُّ من بعـ ... ـدك إلاّ بليلة الذبياني
صل كئيبًا حلف الغرام غريبًا ... قلبه في يد الصَّبابة عاني
стр. 402
ذكر من اسمه سعيد
[١٧٩]
سعيد بن عبد الله الشاعر الحلبي.
من شعراء الحلبيين المجيدين، أبو محمد الحريري.
كان شاعرًا جيدًا، حين العقل، فصيح القول، قليل المعرفة بعلم العربية، صاحب اقتدار على إنشاء القوافي وعمل الشعر، يقوله بطبع سليم، وكانت تصدر عن خاطره /١٠ ب/ القصائد النادرة، يرتضيها الأفاضل، ويستجيدها نقاد الشعر، عارية من اللحن، ولعله برز في عملها على كثير من شعراء زمانه.
وتوفي بحلب في الثاني عشر من صفر سنة تسع وستمائة، ودفن بمقام إبراهيم- ﵇ قبلي حلب، عن نيف وسبعين سنة.
روى عنه القاضيان، القاضي الإمام بهاء الدين أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن سعيد، والقاضي أبو القاسم عمر أحمد بن أبي جرادة بحلب أدام الله أيامها.
شاهدت ولده بمحروسة حلب شاهدًا ثبت الجنان، وسألته عن نسبه، فلم يزدني على ذلك شيئًا، وزعم أن والده لم يرفع في نسبه أكثر من هذا، وذكر أن شعره يدخل في أربعة أجلاد، وأنه بلغ من العمر أربعًا وثمانين سنة.
وطالعت بعد ذلك مجموع مدائح الوزير نظام الدين أبي المؤيد الطغرائي، فوجدت فيه: قال سعيد بن عبد الله بن المبارك: حدثني القاضي الأجل أبو محمد الحسن بن إبراهيم بحلب سنة أربع وثلاثين وستمائة بمنزله المعمور، من لفظه- أيده الله تعالى- قال: /١١ أ/ كان سعيد بن عبد الله الحريري له أشعار حسنة ومقاصد سديدة، وألفاظ عذبة، ومعان سهلة، سمعت منه الكثير من شعره، وأنشدني معظمه،
стр. 403
حتى إنه لم يشذ عني منه إلا اليسير، وكانت معرفتي به مذ كان يتردد إلى الوالد- رحمه الله تعالى في سنة ثمانين وخمسمائة إلى أن توفي ﵀ يعرض عليه أشعاره، وجل مدائحه في الدولة الغياثية، والمملكة السلطانية الظاهرة، وأشعاره مشحونة بتشييد مكارمها، وإعلاء مفاخرها، ثم في خواصها، ووزرائها، وكتابها، وأمرائها، وها أنا قد اخترت بعض أشعاره وقصائده، وإن كان شعره كله مختارًا حسنًا، خفيفًا على القلوب سماعه، ثم قال:
وحدثني الحريري في عاشر ربيع الأول سنة ستمائة قال: ذكر لي الوزير نظام الدين أبو المؤيد محمد بن الحسين بن محمد الطغرائي- ﵀ وزير الملك الظاهر- رحمه الله تعالى- أنه أنشد بالحضرة العالية المولوية السلطانية الظاهرية- شيد الله أركانها /١١ ب/ في بعض الليالي بيتين هما: [من البسيط]
إشرب هنيئًا عليك التاج مرتفقا ... في مناذمهر ودع غمدان لليمن
فأنت أولى بتاج الملك تلبسه ... من هوذة بن عليِّ وابن ذي يزن
فوقع التقدم إليه بأن يعمل الشعراء في هذا المعنى، فعلمت بديها:
يا من تفرد في أيَّام دولته ... بسيرة ما حكتها صورة الزَّمن
أفنيت مالك في ذكر نسخت به ... كسرى قباذ وأنسيت ابن ذي يزن
فما أقول ومن أدنى مواهبكم ... ما عزَّ من مضر الحمراء واليمن
فليخش من كان فيه مدح شاعره ... (تلك المكارم لا قعبان من لبن)
стр. 404
وجلَّ ذكرك قدرًا أن نشبهه ... بالعارض الهتن ابن العارض الهتن
اعطيت حتَّى غوادي المزن قابلة ... تبعت غايته جهدي فأتعبني
إشرب فلا تاج إلا تاج شامخة ... عزت وقالت لمن يبغي مداك: هن
وأنشدني أيضًا- أبقاه الله تعالى- قال: أنشدني سعيد بن عبد الله الحريري لنفسه يمدح السلطان الملك الظاهر غياث /١٢ أ/ الدين- تغمده الله برحمته- وأنا حاضر بالقلعة المنصورة- حرسها الله تعالى- في ليلة عيد النحر: [من الخفيف]
كلف بالحمى ووجد قديم ... وغرام بالظَّاعنين مقيم
وجوى أسهر الجفون فلا النَّو ... م بها مولع ولا التّهويم
وشجًا خامر للفؤاد ووجد ... بت منه كما يبيت السَّليم
شفَّ جسمي سقمًا وما السُّقم إلا ... ما جناه الطَّرف المريض السَّقيم
بأبي زائرًا تعسَّف نجدًا ... وزرود من دونه والصَّريم
وأتى يقطع الفجاج وللظَّلـ ... ـماء عقد بالنِّيرات نظيم
أودع الليل سرِّه وهل الليـ ... ـل بسرِّ الأقمار إلا نموم؟
فاكتسى الليل بهجة فلهذا ... راق ماء به ورقَّ النَّسيم
وكأنَّ الثَّرى بمسراه فيه ... عنبر فض من شذاها لطيم
يا لها زورة لعيني منها ... نظرة من رقادها ونعيم
أذكرتني غضَّ الصِّبا حيث لا النَّبـ ... ـت هشيم ولا النَّسيم سموم
واللَّيالي واها لطيب ليال ... لا ذميم فيها ولا مذموم
والصِّبا في اقتباله لا جديد ... رثَّ جدًّا ولا استشنَّ الأديم
стр. 405
/١٢ ب/ حبَّذا حبَّذا بنجران رسم ... لمطايا اللَّذات فيه رسيم
وعقار باكرت عانسها البكر ... ـر وفود الظَّلماء داج بهيم
بندامى تناهزوا فرص اللذ ... ذات علمًا بأنَّها لا تدوم
فطرقنا بالقصف حانة شمطا ... ء فكادت لضعفها لا تقوم
زولة هرقليَّة النَّجر ... ما تفتأ في بيعها ما تسوم
فأنخنا بها فحطَّت رحال ... بحوانيتها وفكَّت ختوم
ثمَّ قالت قرُّوا عيونًا فعندي الـ ... القهوة الصِّرف والغزال الرِّيم
فاغنموا غفلة الزَّمان فما العيـ ... شة إلا مدامةٌ ونديم
فنزلنا من ساحها في جناب ... كلُّ طار يغشاه إلّا الهموم
فأشارت إلى نزيف عُقار ... يُقعد البدر وجهه ويقيمُ
فأتى حاملًا من الرَّاح شمسًا ... كلَّلتها من الحباب نجوم
وجلاها صرفًا وفي شفتيه ... ما إليه هيم القلوب تهيم
من عقار أريجه النَّشر لا التبـ ... ـخيس من شرطها ولا التَّحريم
كرمت أن تهان بالعصر أو تسـ ... ـخوبها في قديم عصر كروم
فأحيها يا مزنَّر الخضر بالقتـ ... ـل لتحيا أرواحنا والجسوم
/١٣ أ/ وأدرها لا من يديك فما الخر ... طوم إلا ما كأسه الخرطوم
واسقها مملقًا متى خاف عسرًا ... جاده للغياث كفء كريم
ملكٌ طبَّق البرية جودًا ... فتساوى غنيَّها والعديم
يوسفني نماه من وحة المُلو ... ك نجارٌ لا يعتليه وصوم
تمّ سلطانه فسادًا الملوك الشيب طفلًا لم يُلق عنه تميم
إن أساءوا فمحسن وإذا ضنـ ... ـنوا فسمح وإن هفوا فحليم
стр. 406
وإذا دقَّ مشكل فبصير ... وإذا جلَّ حادثٌ فعظيم
لهم النَّقض لا محالة مما ... لك منه التكميل والتَّتميم
ولأعدائك التأخر عمَّا ... لك فيه الإقدام والتَّقديم؟
حاولوا ما حويت من رتب المجـ ... ـد وأين السماء ممّا يروموا؟
ولك الحزم لو رميت به العصـ ... ـم لألقت بها إليك الحزوم
والخلال التي كأنَّك فيها ... للثَّريا والفرقدين نديم
والمساعي التي ملكت خصال السبق فيها وما عصاك سليم
فتقدمت والذي أوجب التَّقـ ... ـديم سرٌّ لله فيك قديم
/١٢ ب/ وهو شيء قضى بأنك في الملـ ... ـك إمام وغيرك المأموم
فلهذا أعطأك من أمره الأمـ ... ـر سعودًا ما دَّبرتها النُّجوم
نافذات أحكامها تعقد الزِّيـ ... ـج ويعوجُّ عندها التقويم
وهي من دون كنهها يقصر الفهـ ... ـم وفي مثلها يحار الحكيم
غير أنَّ الإقبال حظُّك منها ... ولشانيك خسفها والرُّجوم
ولك الدهر لا محالة حزبٌ ... ولأعدائك الليالي خصوم
ولأنت الخصوم في هذه الدُّنـ ... ـيا بما منه غيرك المحروم
طلت فخرًا فما لمجدك مجدٌ ... في البرايا ولا لخيمك خيم
كم خرقت النَّقع المثار بعزم ... تنتصي حدَّ غربه وتشيم
فوق طرف يفوت عالية الطر ... ف وتكبو له الرياح العقيم
أجرد إن زجرته فشهاب ... ثاقب أو أهجته فظليم
راح يطوي البلاد لأكرك عز ... ز عليه ولا عصى داروم
يا غياث الدِّين الذي يهب الأقـ ... ـليم جودًا وما عسى الإقليم
стр. 407
والذي ما سألته الرزق إلّا ... جاد ساح منه أجشُّ هزيم
بندى راحتيك اينع غصني ... وتثنَّى فهو الرَّزين القوم
/١٤ أ/ فلماذا أهملت حتى كأني ... في الرَّايا معبَّد وسقيم؟
تنتحيني الأرزاء طردًا فطردًا ... عن حياض ما زلت فيها أعوم
غير أني أقول للنَّفس صبرًا ... تجدب الأرض تارة وتسيم
ويضن الحيا لأمر ويسحو ... قطره تارة فتحيا الرُّسوم
فثقي من مواهب الملك الظَّا ... هر بالنَّائل الذي لا يريم
ومتى أعوجَّ أو تناقص حالي ... فبكم لا بغيركم يستقيم
فادّرع حلة من العمر تُفنى ... كلّ عيد من دونها وتدوم
وانحر الحاسدين ما نحر الهد ... ى بجمع وما أقام الحطيم
وأنشدني قال: أنشدني سعيد لنفسه: [من الطويل]
أبى البين أن يرقا لمدمعه شان ... وللبيد خفض بالركائب هتَّان
وأنى يفيض الدمع أو يحمد الجوى ... ودون التداني منك يا نعم نعمان؟
ناى جلدي لمّا ترامت بك النّوى ... وولّت حمول بالفريق واظعان
واسلمني بين الخليط إلى جوى ... لجفني به واد من الدَّمع ملان
غرامًا بظبي ساحر اللَّحظ ساخر ... كثير التعدِّي ما تعَّداه عدوان
من الغيد ما قدُّه فهو بانه ... تثنى وأما وجهه فهو بستان
/١٤ ب/ على خدِّه القاني من الحسن روضة ... يُضاحك فيها الورداس وريحان
حمى كلَّما امتدت له كفُّ قاطف ... حماه من الصُّدع المشوَّش ثعبان
فيا بأبي أفدي على القرب والنّوى ... غزالًا لديَّ منه ظلٌّ وليَّان
نفورًا يفوز الغير دوني بوصله ... وحظِّي صدود من هواه وهجران
يسدِّد سهمًا ريَّشته جفونه ... وما السَّهم إلَّا ما أراشته أجفان
فمن منصفي من منبض السَّهم مُعرضٍ ... حواجبه للنزع عوجاء مرنان
стр. 408
سقاني الحميا من يديه وثغره ... فملت ولا عيب إذا مال سكران
عشيَّة أصلتنا القفار سعيرها ونحن بنجران فللَّه نجران
وفي ديره خمَّارة هرقلية ... لها مسح تختال فيها وصلبان
انخنا به والليل يبدي نسيمه ... وللغيم دمع لا يكفُّ له شان
وقد صدرت ريح الصَّبا عن عبائق تضوّع من أنباتها الرَّند وألبان
فقلنا وكادت لا تجيب لضعفها ... وفي طرس فوديها من الكبر عنوان
اعندك يا قدسية الدَّير قهوة؟ ... فقالت: وظبي فاتر الطّرف وسنان
وأومت بأطراف البنان مشيرة ... إلى بدر تمَّ ما تولَّاه نقصان
نزيف أمال التيه غضَّ قوامه ... كما مال من صرف المدامة نشوان
/١٥ أ/ فجاء وفي إبريقه مثل خدِّه ... عُقار بواري نورها استعر ألحان
وقال هي الرَّاح التي ما سخا بها ... لقديسة في دير سمعان سمعان؟
يروقك في الرَّاووق منها عقائقٌ ... يذوب لها في درّه الكأس مرجان
وطاف بها العيسي فينا وقدُّه ... كغُصن تثنَّى في نقا وهو ريَّان
شكا خصره الرُّنَّار وارتجَّ ردفه ... فما جت بقضبان البشامة كثبان
وبتنا أوثانًا عليها برانس ... لها من تصاوير الكنيسة أوثان
خليليَّ لا أنسى الشباب فإنّه ... لخيل التَّصابي في الخلاعة ميدان
فما العيش إلا قينة ظاهرية لها الملك الغازي بن يوسف سلطان
مليك له من باذخ الملك منصب ... تكوَّن فيه قبل يوجد كيوان
وجرد تهاى في الحديد كأنها ... أسود لها ناب السنّور خفان
стр. 409
وتحسبهم فوق الجياد أجادلًا ... تطير بها في مأزق الحرب عُقبان
فوارس هيجاء تخف إلى الوغى ... سراعًا إذا خافت من الطعن فُرسان
لها جلل من سابغي مفاضها ... ومن يلب العادي وللبيض تيجان
/١٥ ب/ صدور الخيل واعتقلوا القنا ... وخاضوا غمار الحرب والنقع طوفان
بكل جرئ لا يردُّ عنانه ... ولو أنَّ حصباء البسيطة أقران
هو النار لكن في غدير مفاضة ... يشق به ليل الفجاجة سرحان
يحنُّ إلى الحرب العوان فقلبه ... بها لا بحبِّ العامرية ولهان
ويضحك واليوم العماس مقطِّبٌ ... فيرضى له الخطيُّ والقرن غضبان
لدى ملك ما سلَّ غرب حسامه ... فصاحب هامًا من أعاديه أبدان
ولا ركب الجرداء إلا نزعزعت ... له وهو في أرض الشام خُراسان
ولا اهتزَّ يوم الجدِّ في صدر دسته ... فحنَّ لمن يرجو أياديه ميزان
عُلا لا تضاهيها الكواكب رفعة وراسخ علم لا يوازيه ثهلان
فلا عجب إن زدت في الملك رفعة ... ولا غرو إن ذلوا عداك وإن هانوا
وأنت الذي رضت الصعاب من العلا ... بهمة من يلقى الدجى وهو يقظان
ومن دأبه رعي الرَّعايا وشأنه ... حُنوٌّ على مستضعفيه وإحسان
بنى مجده إذ كان للمال هادمًا ... وفي هدمه الأموال للمجد بنيان
/١٦ أ/ وقام بأعباء الممالك ناهضًا ... بما عجزت عنه تميم وذبيان
وتمَّ وما تمَّ الرِّهان لحكمة ... تبّوا منها ما تبوّأ لقمان
فحيدة الكرار في متن طرفه ... وفوق سرير الملك منه سليمان
يعزُّ به ثغر وملك وموكب ... ويزهى به تاج ودست وإيوان
هو الظَّاهر الملك الذي في ظهوره ... دليل فما فيه مع الله بطلان
حواني وأيام الزَّمان أساود ... تحاول لسبي والبرية سيدان
стр. 410
ومدَّ لنصري راحة مذ لثمنها ... تروَّى بها قلبٌ إلى الجود ظمأن
وقالت يدي للنيِّرات تطامني ... فشأني من العلياء ما فوقه شأن
ونلت وقد أصبحت خادم بابه ... بما لم ينله بابن أيهم حسان
وخاطبت منه البحر بالفضل مفعمًا ... فكنت لديه باقلًا وهو سحبان
وهذَّب أشعاري فصرت مهذَّبًا ... وروحت ودوني في المدائح غيلان
فلا زال في ملك مديد رواقه ... على الدَّهر ما أرسي ثبير ولبنان
فيا ملكًا ما فاز كسرى بملكه ... ولا ناله من قبل كسراه ساسان
أرى الخلق جثمانًا وملكك روحه ... ولولا وجود الرُّوح ما قام جثمان
[١٨٠]
/١٦ ب/ سعيد بن حمزة بن أحمد بن الحسن بن علي بن نصر بن محمَّد بن عبد الرَّحمن بن القاسم بن عبد الله بن سارخ، أيو الكاتب النيلي:
стр. 411
كانت ولادته بالنيل لثلاث خلون من ربيع الأول سنة ثماني عشرة وخمسمائة، وقدم بغداد في صباه بعد عشرين سنة من عمره.
وقيل: كانت ولادته ببغداد في سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، كذلك ذكر الشيخ أبو الحسن محمد بن أبي أحمد بن القطيعي.
توفي يوم الجمعة عاشر شهر رمضان سنة ثلاث عشرة وستمائة، ودفن بمقابر قريش بمشهد باب التبن.
كان صاحب شعر رقيق، وترسل حسن، فاضلًا متميزًا، خدم ببغداد في الأمور السلطانية، وامتدح بشعره الأمراء والولاة، وكان قد طاف بلاد الشام، سمع الحديث من أبي المظفر هبة الله بن أحمد بن الشبل الدقاق، وأبي عبد الله محمد بن عبد الله الحراني، روى عنه من شعره الشيخ الحافظ أبو عبد الله بن النجار، وابن الدُّبيثي، وابن القطيعي وغيرهم، وكتبوا عنه.
/١٧ أ/ أنشدني الشيخ الحافظ محب الدين أبو عبد الله محمد بن محمود بن الحسن بن النجار البغدادي بمدينة السلام، يوم الأحد ثالث شوال سنة تسع وثلاثين وستمائة قال: أنشدني أبو الغنائم سعيد بن حمزة بن أحمد بن الحسن بن محمد بن منصور بن الحارث بن سارخ النيلي الكاتب لنفسه: [من الطويل]
هوى قاطن في ساحة الصَّدر رابع ... وبين عن الأحباب والأهل مانع
إذا قلت قد جاد الزمان بأوبة ... تقر بها عيني وترقا المدامع
تعرَّض يرمي عن قسي من النَّوى ... لأسهمها في قلب شملي مواقع
مُنيت بفقد الصبر إذ كان جُنَّة ... تمنَّته من بيض الخطوب القواطع
стр. 412
وفقد بشاب كان فيه وسيلة ... بقلبي إلى البيض الحسان وشافع
نضا صبغ فودي بعد ما كان حالكًا ... وأعدى إلى خطِّي وخطِّي ناصع
فيا وفد شيبي ليت أنَّك ظاعن ... وعصر شبابي ليت أنَّك راجع
وسامحة لي في الكرى بعد بينها ... وقد بخلت بالوصل والشَّمل جامع
/١٧ ب/ وما زار منها الطَّيف إلا أزاره ... رسيس غرام ضمِّنته الأضالع
أيا ظبية الوعساء من بطن وجرة ... هناك الكرى إني عن النوم نازع
يرينيك عند القرب يأسي بعيدة ... وتدنيك أطماعي وربعك شاسع
وما فقدت أطلالك البرق والحيا ... إذا قابلتها زفرتي والمدامع
سأسعى فإن عزّت عليَّ مطالبي ... فدون الغنى خرق من الأرض واسع
وإن أنا لم تكفل بنيل مطالبي ... بلاد فما ضاقت عليَّ المطالع
وأنشدني قال: أنشدني ابن سارخ لنفسه: [من مجزوء الكامل]
أما الشُّؤون فقد مضت ... والشَّأن في شأنيكما
لكنَّها نضبت وسد ... د مفيضها شأنيكما
ثم اجعلا ما قد بقى ... في تربتي مأقيكما
فإذا أمر تكما بفيـ ... ـض الدَّمع من غربيكما
حلاَّ غزاليها وخد ... دابالبكا خديكما
حتى يقال بأنَّني ... بكما بكيت عليكما
وأنشدني قال: أنشدني أبو الغانئم من شعره: [من الطويل]
/٢٦ أ/ لقد هجرتني أم هاجر وابتدت ... تقول لقد خابت لنا فيك آمال
رأت رجلًا أعشى مسنًّا وما به ... حراك وقد أرداه بؤس وإقلال
ومن جاوز التِّسعين عامًا فعدله ... برود قواه رثَّة وهي أسمال
ولما رأت شيبي وفقري تنكرت ... وصدَّت وحالت حين حالت بي الحال
стр. 413
وماذا عسى مثلي يحبُّ وماله ... شفيع إليها لا شباب ولا مال؟
ومن شعره: [من البسيط]
يا شائم البرق من شوقيِّ ... يبدو مرارًا وتخفيه الدَّياجير
إذا سقيت الحيا من كلِّ معصرة ... وعاد مغناك خصبًا وهو ممطور
سلِّم على الدَّوحة الغنَّاء من سلم ... وعفِّر الخدَّ إن لاح اليعافير
واستخبر الجؤذر السَّاجي اللحاظ أخاالتـ ... ـعذير هل عاقه عنَّا معاذير؟
فإن يكن حال عمّا كنت أعهده ... وشاب أيمانه البهتان والزور
فلا يغرنَّ مخلوقًا ببهجته ... بعدي فما ذاك عند النّاس معذور
ومنها قوله:
هل من رجوع إلى الزَّوراء عن كثب؟ ... وأين من واسط بغداد والقور
وأين رقَّتها والدَّوح تسجع في ... أغصانها بالتغاريد الشَّحارير؟
/٢٦/ أحنُّ شوقًا إلى تلك الديار وقد ... ضاهي بنفسجها ورد ومنثور
ومالت السَّرو في خضر الثياب كما ... تمايلت في الحرير الأخضر الحور
فالرَّوض والماء يجري في جوانبه ... مثل السماء على أرجائها النُّور
أو مثل سندسة تزهو وجدولها الـ ... ـجاري حسام جلاه القين مشهور
والغصن سكران من شرب الندى فإذا ... دعا ابن ورقاء أضحى وهو مخمور
وهاتفات على الأغصان قد رقدت ... عنهنَّ في غسق الليل النَّواطير
فظلن يسجعن حتى كدت من ولهي ... أقضي ولكنَّما في العمر تأخير
لكنَّ وجدي بترجيع الهديل وما ... غرَّدن باقٍ إلى أن ينفخ الصور
وقال أيضًا، يمدح عز الدين [مسعود] بن [مودود بن زنكي] بالموصل:
من الخفيف
стр. 414
ناشداني برملتي يبرين ... فغرامي بذكرها يبريني
وانظرا بين رامة والمصلّى ... كم غزال أودي بليث عرين
يا خليليَّ خلَّياني لكي أبـ ... ـذل بالبثِّ كلَّ سر مصون
واكتبا ما أملُّ من لاعج الشو ... ق فويق الثرى بماء الجفون
لا تضنَّا عليَّ أن تسعداني ... فخليل الصَّفاء غير ضنين
/٦٧ أ/واضمنا فائت الكرى فعلى الضَّا ... من حقًا غرامة المضمون
أمكن الوقت فاجعلا مهـ ... ـر أبكار المعاني غبَّ المهاري العون
واذعر بالسُّرى فؤاد الدياجي ... وبأيدي الرَّكاب قلب البين
وأنا كافل الغنى إن وصلنا ... ربع صدر الزَّمان عزِّ الدين
لا تخافا سوء الإضافة في المو ... صل أو حادث الزَّمان الخؤون
والفتى ذو الرياستين سديد الد ... دولة المرتجى لدفع المنون
يا جوادًا علقت من فضله السَّا ... بق بين الورى بحبل متين
قد أتيت الحدباء مذ عرقتني ... مدية الفقر بعد خمس سنين
ردَّت الصَّدر يشبه التِّسع في التسـ ... ـع وخمسًا من نسبة السِّتين
فاصرف المهمّة العليِّة في تد ... بير حالي برأي عقل رصين
وابق ماذرَّ شارق لابسًا في الـ ... ـفخر ثوب التأييد والتمكين
[١٨١]
سعيد بن محمد بن محمد بن محمد بن عطَّاف، أبو القاسم الهمداني المؤدب، البغدادي المولد والمنشأ:
أصله من الجزيرة العمرية، يلقب الجرذ، /٢٧ ب/ من أبناء المحدثين، وكان
стр. 415
محدثًا صحيح السماع، حدّث عن أبيه، والقاضي أبي بكر محمد بن عبد الباقي البزار الأنصاري وإسماعيل بن أحمد السمرقندي، ومات يوم الأحد ثاني ربيع الآخر من سنة ثلاث وستمائة.
له شعر حسن، ولم يقع إلى منه سوى بيت واحد من جملة أبيات، وهو ما كتبه إلى بعض إخوانه يتقاضاه حاجة: [من المجتث]
أراك تنسى وعودي ... مذ صرت تأكل قرضي
[١٨٢]
سعيد بن محمد بن سعيد بن الموفق بن علي الخازن، أبو منصور بن أبي بكر، النيسابوري الأصل، البغدادي المولد والدار:
كان فقيهًا فاضلًا متميزًا متأدبًا، من بيت الدين والخير والتصوف.
وسكن رباط شيخ الشيوخ، وصحب المشايخ والصوفيه، وكان أبوه وجده وأبو جده من المعهودين بالتصوف، المقيمين /١٨ أ/ برباط شيخ الشيوخ، وإليهم أمر الخزن به، في زمن كل من تولى مشيخة الشيوخ بالرباط المذكور.
وسكن أبو منصور هذا المدرسة النظامية، واشتغل بها على الضياء ابن أبي القاسم عبد الرحمن الطيبي المعيد بها، وعلى غيره، وأقام بها من صغره، واشتغل بعلم المذهب والخلاف، وعلم الآداب والفرائض والحساب، وسمع من جماعة من مدينة السلام، وكثرت صحبته للشيخ أبي أحمد عبد الوهاب علي ابن سكينة، وسمع منه، وكتب عنه.
стр. 416
ولما قدم القاضي تاج الدين، وولي تدريس النظامية، لازم الاشتغال به، وسماع دروسه، واستبدل بحلقة المناظرة، كتبه، تكلم مع الفقهاء، وسمع ما كان يقرأ عليه من الفنون، وسمع منه، وكتب عنه، وقرأ عليه في مدة مقامه بالنظامية، وتعمد انفصاله عنه بالفتوى، وسمع من لفظ تاج الدين كتاب "روح العارفين"، وقرأ عليه من حفظه في سنة تسع وستمائة جميع كتاب "الخطب النباتية"، وكتاب "ألفاظ عبد الرحمن"، و"مقصورة ابن دريد"، وقرأ من حفظه عليه كتاب "الفصيح"، لثعلب، وكتاب "ملحة الإعراب"، وكتاب "المستصفى" بكماله تأليف الغزالي، وكتاب "كفاية المتفقه وتذكرة الفرضي المتنبه"، وغير /١٨ ب/ ذلك من التواليف.
وكانت ولادته سنة تسع وسبعين وخمسمائة ببغداد، وتوفي بها يوم الجمعة عاشر رجب سنة اثنتين وعشرين وستمائة، ودفن بالجانب الشرقي، بالمقبرة الوردية.
شاهدته ببغداد شابًا يتفقه على مذهب الإمام الشافعي، ولم أعلق عنه شيئًا من فيه، ثم وجدت له بعد موته قطعة يمدح بها بعض رؤساء إربل: [من الطويل]
سلام على المولى السديد المؤيد ... سلام بريَّاه الرّكائب تغتدي
تحية من أضحى على العهد قلبه ... يراه بعيني شوقه والتَّودد
إذا ضلَّ ركب نحو إربل قاصد ... فمن طيب ما أهدى مع الركب يهتدي
يردُّهم قصد الطريق نسائم ... تضوع بريا الماجد القيل أحمد
كريم يجول البشر في قسماته ... فأنواره كالبرق للشائم الصَّدي
ترى ربعه بالبرِّ والخلق آهلًا ... فمورده بالبر أعذب مورد
فلا زال في عزِّ يدوم ورفعة ... ولا زال في جدِّ سعيد وسؤدد
وأنشدني ولده عبد الرحمن قال: أنشدني والدي لنفسه من قصيدة امتدح بها بعض الأمراء ببغداد، أولها يقول: [من الكامل]
/١٩ أ/ لام العذول على الغرام مململا ... قلقًا يعقُّ من الهيام العذَّلا
رضع الهوى طفلًا ولم يك واردًا ... بحر السلوِّ فما له أن يقبلا
كفَّ الملام فلو شربت كؤوسه ... لعذرته وكففت عنه المقولا
صب يذوب على الحبيب تأسفًا ... وتمثِّل الأفكار منه ممثَّلا
стр. 417
وبقيت رهن صبابة لم يلهني ... إلا ندى الملك الذي حاز العلا
ملك إذا ركب الجواد تخاله ... ملكًا على ظهر الجواد تمثَّلا
[١٨٣]
سعيد بن محمد بن سعيد بن جحدر بن الحسين بن جحدر، أبو منصور الجزري:
من أهل الجزيرة العمرية، ومن بيت مشهور بها.
كانت ولادته في يوم الأحد، رابع عشر جمادى الآخرة سنة تسع وأربعين وخمسمائة.
يروي عن شميم الحلي، ومكي بن علي بن الحسن العراقي.
صار صوفيًا، نزل الخانقاه بمصر، وعنده شيء من أدب، وله طبع يواتيه في عمل الشعر.
أنشدني أبو عبد الله محمد بن عبد القاهر بن هبة الله بن النصيبي بحلب قال: أنشدني أبو منصور سعيد بن محمد بن سعيد بن جحدر لنفسه: [من الطويل]
/١٩ ب/ وما كنت أرضى أن تكون كما ترى ... ولكنَّها الدنُّنيا تجيء وتذهب
إذا كنت أسعى والمقادير حكمها ... خلاف مرادي فالمقادير أغلب
فلا تجزعي يا نفس وارضي بما قضى ... فإنَّ قضاء الله ما منه مهرب
لئن كانت الأيام غيّرن حالتي ... فما ذاك بدع إنَّها تتتقلَّب
ولا تعجبي إن كان دهري يضيمني ... فقدمًا إلى الأحرار ما زال يذنب
صبرت على الشكوى واضمرت عفَّة ... فلا زمني أشكو ولا الخلّ اعتب
[١٨٤]
سعيد بن مودود بن سعيد بن الصباح بن المبارك، الضرير، أبو عبد الله، الكرخيني الخطيب.
стр. 418
كان حافظًا للقرآن العظيم، وعنده شيء من فقه، وقرأ طرفًا من الحساب والفرائض، وكان يتولى خطابة كبستدر من ولاية إربل، وبها توفي سلخ رمضان سنة أربع وعشرين وستمائة، وله شعر.
أنشدني أبو الفتح مسعود بن مودود بن الصباح قال: أنشدني أخي سعيد لنفسه من قصيدة أولها: [من الطويل]
/٢٠ أ/ تناشأت سيفًا صفحه الصفح والشَّبا ... وحدَّاه عزم منك يختطف العدا
وإنَّ الحيا والشمس ضدّان آلفا ... بوجه شجاع الدين من حاز سوددا
فتى لم يدع للشِّرك شملًا مجمَّعا ... كما لم يذر للدِّين شملًا مبدَّدا
[١٨٥]
سعيد بن سعد الله بن عيسى بن محمد، أبو الخير، المعروف بسيدا:
من أبناء الأكراد، مولده بقرية من أعمال الموصل بنواحي عقر الحميدية، تدعى خلبتا، ونشأ بإربل، وأقام بها وزمانًا طويلًا، إلى أن توفي بها ليلة الأربعاء الحادية والعشرين من ذي الحجة سنة سبع وعشرين وستمائة، وكان قد جاوز الثمانين- رحمه الله تعالى.
ختم القرآن العزيز على أبي الثناء البوازيجي، وأتقن طرفًا من النحو على أبي الثناء محمود بن الحسن الضرير المعروف بابن الأرملة.
كان شيخًا مداعبًا ساكنًا، من أهل الخير والعلم، وكان يتردد في إربل إلى أبناء أمرائها، يؤدبهم ويستفيدون منه، ويقرأون عليه، وله أشعار غريبة، أنشدني منها في الصاحب شرف الدين أبي البركات المستوفي- ﵀: [من الكامل]
/٢٠ ب/ صمِّد بنشءٍ من ذؤابة أحمد ... فهم الكرام الطيِّبون الصِّيد
стр. 419
لو أمَّهم يوم القيامة مجتد ... والنار تزفر والأنام سجود
أعطوه برَّ صلاتهم وصيامهم ... كيلا يراهم سائل مردود
يا ال موهوب بكم عُرف الندى ... أنتم موال والأنام عبيد
وأنشدني لنفسه أيضًا فيه- ﵀: [من الوافر]
نجوع وأنت يا مأوى المقاوى ... لنا ولكلِّ عاف مستجير
ونصبح في الطَّوى خمصًا ونمسي ... ولم نقدر على خبر الشَّعير
فعش ما عقَّب الصبح الدَّياجي ... وما بزغت براح على ثبير
وأنشدني أيضًا فيه يهنيه بالشهر: [من الوافر]
نهنِّي الشَّهر بالمولى السَّعيد ... أبي البركات ذي الكرم التَّليد
فعقوتك الطواف بكلِّ ساع ... ودارك ماتني حجُّ العبيد
فلا برحت عداتُك في نحوس ... ولا زلت نجومك في سعود
стр. 420
ذكر من اسمه سلمان
[١٨٦]
سلمان بن نصر الله بن علي/٢١ أ/ بن حمَّاد بن حبُّون، أبو الفوارس بن أبي المعزِّ النُّميري الرحبيُّ:
من رحبة مالك بن طوق/ وهي مدينة مشهورة على الفرات بين الرقة وعانة.
كان شاعرًا طلق اللسان، خبيثه، قرأ شيئًا من الفقه والأدب، أنشدني الصاحب شرف الدين أبو البركات- ﵀ قال: أنشدني أبو الفوارس لنفسه من قصيدة قالها في عز الدين عيسى بن مالك أولها: [من الطويل]
أعاين ما حاك الرَّبيع ونظَّما ... ودنَّر من نور الرِّياض ودرهما
ثياب حرير أخضر في عروضها ... أجاد لها الرَّبعي رقمًا وسهَّما
ومدَّت يد الأيام تجري عوارفًا ... فنوّرها كفُّ الربيع وختّما
وما هو إلا أن خلا صفحة الثرى ... بمدوس صنع الخافقين فأحكما
وقابها وجه السَّماء فخيِّلت ... لنا من صفاها في البسيطة انجما
ألا فاسقني بين الرياض مدامة ... وقل هاكها في الكأس نصا محرَّما
يعاطيكها ظبي تخال رضابه ... أرقَّ من الصهباء ريحًا ومطعما
حرى ماء ريعان الشباب بخدِّه ... فبقَّل ريحان العذار ونمنما
فلم أر ماء قبل خدِّيه رقة ... جرى فوق نار يستشيط تضرُّما
/٢١ ب/ فلولا مشيبي والحياء يصدُّني ... شفيت غليلي من جنى ذلك اللَّمى
وأنشدني قال: أنشدني سلمان بن نصر الله لنفسه في ولي الدين أبي الثناء محمود بن محمد بن مقدار الحراني، وزير الملك المعظّم مظفر الدين كوكبوري بن علي- ﵁ عند توجهه إلى إربل يمدحه: [من البسيط]
стр. 421
أقسمت لم تُسق أرض أنت موعدها ... بالبين وهو لديها أكبر الحزن
وإنما دفعت في البين قصَّتها ... إلى السَّماء فأبكت أعين المُزن
وأنشدني قال: أنشدني لنفسه في الوزير أبي الثناء المذكور: [من الكامل]
مات المعلِّم للمكارم والندى ... ونسوا الدين تعلّموا ما علِّموا
آها لأيّام الزَّمان لو أنها بمكارم ابن محمد تتكلَّم
أنشدني الشريف جمال الدين أبو عبد الله محمد بن سعيد بم أبي الغنائم الحارثي الهاشمي السويداوي قال: أنشدني سلمان بن حبون الرحبي لنفسه/٢٢ أ/ يخاطب الملك العادل |أبا بكر محمد بن أيوب- ﵀: [من مجزوء الكامل]
قسمًا بال محمّد ... ما فوق ذلك من قسم
إن الأمير محمّدًا ... لولاه ما خلق الكرم
يهب اليراع براعة ... والسيف يخضبه بدم
ويجود بالمئة العشا ... ر وليس يتبعها ندم
لكنَّ تربة أرضنا ... نقلته عن تلك الشِّيم
وأنشدني قال: أنشدني لنفسه: [من الوافر]
أعندك إنَّ وخط الشَّيب عار ... إذا ما قيل شاب ولا قار
فلا وأبيك لا صحبت يميني ... شمالي حين تهجرني العقار
ولا ألقاك ممتلئًا سرورًا إلى أن يملأ القلب الخمار
أعاذل في المُدام أليس شرعًا ... وعقلًا في الحياة لي الخيار؟
أأترك لذَّة الصَّهباء نقدًا ... لوعد فيه مطل وانتظار
فإني إن فعلت أخو خسار ... إذا ما فاز بالربح التِّجار
ذروني والمدام فكلُّ عيش ... لذيذ أو كريه مستعار
стр. 422
وإن طال الحساب فإن عمري ... وأيام السرور به قصار
/٢٢ ب/ أيا ذات الخمار بما حواه ... من الحسن البديع لك الخمار
بياض مشرق فيه احمرار ... وطرف فاتر فيه احورار
وثغر كالجمان على عقيق ... له بالمسك والخمر اختمار
أديري الكأس مترعة عقارًا ... وسرِّيني بها ولك العقار
أديريها بأقداح كبار ... فمثلي لا يروِّيه الصِّغار
فقد هتف القماري بالندامى ... وقد غنَّى على الفنن الهزار
وقد خرف الخريف لنا ثمارًا ... ولي في دنِّها نعم الثمار
عروس من دم العنقود تجلى ... علينا والهشيم لها نثار
فأصفر ذاك في هذا شقيق ... وأبيض ذاك في هذا بهار
ألا قوما بنا فالدهر نار ... لها لهب [و] أنفسنا استعار
لنقضي العمر في غمر التصابي ... ففيه لنا على الدَّهر انتصار
ونمحو بالسرور طروس قوم ... عليهم في معانيها اعتبار
ونشربها معتَّقة شمولًا ... لها للهم بالفرح أنتشار
فلولاها لما ضربت قداح ... لدى شرب ولا عرف اليسار
كما لولا ابن محمود ينال ... لما عرف الفخور ولا الفخار
[١٨٧]
/٢٣ أ/ سلمان بن مسعود بن الحسن بن أحمد بن يوسف بن محمد بن محمد الطوسي.
من أبناء حلب، وجملة من يعتزي إلى هذا الشأن، والطوسي هو جده الحسن بن أحمد بن يوسف، ورد حلب على عهد الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي بن آقسنقر- رحمه الله تعالى- وخدمه جنديًا، وبقي بعده، وخدم ابنه الملك الصالح
стр. 423
أبا الفتح إسماعيل، وكذلك ولده مسعود، ثم سليمان أيضًا.
وكان يخاطب بالحاجب، ويلبس لبس الأجناد، وكان شاعرًا ذكيًا فطنًا، مقتدرًا على المعاني الصعاب واستنباطها، سهلًا عليه إنشاء الشعر، التحق بالشعراء المتقدمين في حلاوة الألفاظ، واختراع المعاني، وإبداع الوصف، وحسن السبك، وكان إذا حاول معنى غريبًا لبعض الشعراء، نظمه وأتى به نادرًا بديعًا، وسرقه أحسن سرقة، وعبر عنه، ثم أتى به نادرًا، وسبكه أجود سبك ثم اشتهر شعره بمدينته، ولم يزل هو وأبوه وجده متصلين في خدمة ملوك حلب وولاتها.
لقيت ولده بحلب المحروسة، وذكر أن والده توفي في عاشر صفر سنة أربع وثلاثين وستمائة، عن أربع وستين سنة، فمن شعره قوله /٢٣ ب/ في بركار:
[من الطويل]
ولي صاحب للمشكلات تخذته ... يساهمني في الصَّعب منها ويشرك
إذا ما انبرى يومًا لقطع مسافة ... يسند من عجز القيام ويمسك
يقوم على رجل ويعدو بأختها ... وتلك إذا ما سار لا تتحرَّك
رهاوي سير يسبق الطَّوف سيره ... ويسقط من ضعف به حين يترك
وله في ركاب دار: [من مخلع البسيط]
وشاكرتي لنجل بدر ... بدر الدجى وجهه يخال
إذا تثّنى رأيت غصنًا ... يميس في فرعه هلال
يدني جوادًا إلى جواد ... أشجع من ضمَّه نزال
وقلبه ما رأيت ليثًا ... يقود ذئبًا له غزال
يا قوم كم من نبيل قوم ... أردته من لحظه نبال
وأنشدني أبو محمد القاسم بن سراج الحلبي بها قال: أنشدني
стр. 424
الحاجب سلمان لنفسه: [من الطويل]
ألا زد غرامًا بالحبيب وداره ... وإن لجَّ واش فاحتمله وداره
/٢٤ أ/ وإن قدح اللوام فيك بلومهم ... زناد الهوى يومًا فأورى فواره
عسى زورة تشفى بها منه خلسه ... فإنك لا يشفيك غير أزدياره
وذي هيف فيه يقوم لعاذلي ... بعذري إذا ما لام لام عذاره
ووجه يضاهي البدر عند كماله ... بعيد المدى عن نقصه وسراره
فلا بدر إلا ما بدا من جيوبه ... ولا غصن إلا ما أنثنى في ازاره
فسبحان من أجرى الطِّلا في رضابه ... ومن أنبت الريحان في جلَّناره
وقد ذبَّ عنها صدغه بعقارب ... وناظره من سيفه بشفاره
فنرشف هذا بالتوهُّم عنوة ... وباللحظ ذا نجني بغير اختياره
ولي منزل بالحزن أقوت طلوله ... وقرَّب مني الحزن بعد مزاره
فيا غيث كم تجفو ثراه وتغتدي ... يمينًا وطورًا تغتدي عن يساره
همت أدمعي فانحلَّ عقد فما به ... إليك افتقار إذ جرت في فقاره
فللَّه أيام الربيع وقد شدت ... بلا بله في الدَّوح غبَّ قطاره
وللغيم انداء تقلِّد شحَّه ... زرائد درِّ من نظيم انتشاره
وللطلِّ أنفاس تروق كأنما ... تقضَّى أصيلًا منه كلُّ نهاره
/٢٤ ب/ فهل من نديم يستلذُّ حديثه ... لطيف المعاني فائق من خماره
إذا قلت أوقد نار خمر اصطباحنا ... يكون ببرد الماء إيقاد ناره
وهل مسعد والليل جامع قاره ... دجيَّ يحييِّني بجام عقاره
ولي صاحب إن شئت ألهاك منشدًا ... قوافي شعر نظمها من شعاره
بلحن يردُّ الطَّير عن وكناته ... ولفظ يبيت الوحش دون وجاره
فتى يوشعي الفعل في الليل دأبه ... يردُّ علينا الشمس من غرب داره
ويسعى بها الساقي فتحسب طاسها ... وقد شجَّها زندًا لفرط شراره
стр. 425
مشعشعة صاغت لزند مديرها ... سوارًا يحيل الليل ضوء نهاره
سلافًا كأخلاق العزيز محمد ... ونور محياه وطيب نجاره
مليك كسا الأيام والناس عزَّة ... ثياب فخار طرزها من فخاره
فيا من غزاه الفقر زره وأنت يا ... حريب الرَّزايا مل ولذ بدياره
تجد ملجًا للخائفين ومريعًا ... تسحُّ على العافين سحب يساره
وإن كنت شاكًا فاختبره مجربًا ... لتستصغر الأخبار عند اختباره
ترى جبلًا يصيبك منه لذاذة ... نسيم صبًا من لطفه ووقاره
ولا يأتلي الضِّيفان ملء فنائه ... واعشاره مملوءة من عشاره
ويجمع بين الشَّاء والذئب عدله ... وسطوته في بطشه واقتداره
/٢٥ أ/ فيسنح هذا خائفًا من وجاره ... ويسرح هذا آمنًا في جواره
أيا ملكًا من عزمه ليس يأتلي ... له صارم يغري العدا بشفاره
أأظما وبحر من نوالك زاخر ... وساقي قد ضلَّت تموج غماره؟
غواربه لا تختطى بمعابر ... وغوَّاصه لا يلتقي بقراره
وأحداث دهري قارعتني وخيَّمت ... بريعي فقلبي آنس باصطباره
ولولا يقيني من نوالك بالغنى ... لما كنت جلدًا في لقاء المكاره
فخذ بنت فكر كالغزالة مبسمًا ... يبرقعها فرط الحيا بخماره
وإن تك قد جاءتك من بعد فترة ... وكسرة طرف للحيا في أنفطاره
فقد أصبحت في وجه عصري ناظرًا ... بفترته تسبي الورى في انكساره
فلا زلت في امن حليف سعادة ... وضدك من خوف عديم قراره
وقال أيضًا في الغزل: [من البسيط]
ابدى لنا من فنون الحسن أصنافا ... تروى فتستغرق الألفاظ أوصافا
زبر جدًا في عقيق زانه سبج ... ولؤلؤًا في زلال الرِّيق شفَّافا
كأنَّه حين يجلوه تبسمه ... يشقُّ من شفتيه عنه أصدافا
/٢٥ ب/ يريش من مقلتيه اسهمًا وكذا ... يسلُّ منها إذا ما شاء أسيافا
следующие страницы →