← Тараджим

Тараджим · id 20990

قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان

ابن الشعار

Полный текст (2 778 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

أقسمت لم تُسق أرض أنت موعدها ... بالبين وهو لديها أكبر الحزن وإنما دفعت في البين قصَّتها ... إلى السَّماء فأبكت أعين المُزن وأنشدني قال: أنشدني لنفسه في الوزير أبي الثناء المذكور: [من الكامل] مات المعلِّم للمكارم والندى ... ونسوا الدين تعلّموا ما علِّموا آها لأيّام الزَّمان لو أنها بمكارم ابن محمد تتكلَّم أنشدني الشريف جمال الدين أبو عبد الله محمد بن سعيد بم أبي الغنائم الحارثي الهاشمي السويداوي قال: أنشدني سلمان بن حبون الرحبي لنفسه/٢٢ أ/ يخاطب الملك العادل |أبا بكر محمد بن أيوب- ﵀: [من مجزوء الكامل] قسمًا بال محمّد ... ما فوق ذلك من قسم إن الأمير محمّدًا ... لولاه ما خلق الكرم يهب اليراع براعة ... والسيف يخضبه بدم ويجود بالمئة العشا ... ر وليس يتبعها ندم لكنَّ تربة أرضنا ... نقلته عن تلك الشِّيم وأنشدني قال: أنشدني لنفسه: [من الوافر] أعندك إنَّ وخط الشَّيب عار ... إذا ما قيل شاب ولا قار فلا وأبيك لا صحبت يميني ... شمالي حين تهجرني العقار ولا ألقاك ممتلئًا سرورًا إلى أن يملأ القلب الخمار أعاذل في المُدام أليس شرعًا ... وعقلًا في الحياة لي الخيار؟ أأترك لذَّة الصَّهباء نقدًا ... لوعد فيه مطل وانتظار فإني إن فعلت أخو خسار ... إذا ما فاز بالربح التِّجار ذروني والمدام فكلُّ عيش ... لذيذ أو كريه مستعار

стр. 422

وإن طال الحساب فإن عمري ... وأيام السرور به قصار /٢٢ ب/ أيا ذات الخمار بما حواه ... من الحسن البديع لك الخمار بياض مشرق فيه احمرار ... وطرف فاتر فيه احورار وثغر كالجمان على عقيق ... له بالمسك والخمر اختمار أديري الكأس مترعة عقارًا ... وسرِّيني بها ولك العقار أديريها بأقداح كبار ... فمثلي لا يروِّيه الصِّغار فقد هتف القماري بالندامى ... وقد غنَّى على الفنن الهزار وقد خرف الخريف لنا ثمارًا ... ولي في دنِّها نعم الثمار عروس من دم العنقود تجلى ... علينا والهشيم لها نثار فأصفر ذاك في هذا شقيق ... وأبيض ذاك في هذا بهار ألا قوما بنا فالدهر نار ... لها لهب [و] أنفسنا استعار لنقضي العمر في غمر التصابي ... ففيه لنا على الدَّهر انتصار ونمحو بالسرور طروس قوم ... عليهم في معانيها اعتبار ونشربها معتَّقة شمولًا ... لها للهم بالفرح أنتشار فلولاها لما ضربت قداح ... لدى شرب ولا عرف اليسار كما لولا ابن محمود ينال ... لما عرف الفخور ولا الفخار [١٨٧] /٢٣ أ/ سلمان بن مسعود بن الحسن بن أحمد بن يوسف بن محمد بن محمد الطوسي. من أبناء حلب، وجملة من يعتزي إلى هذا الشأن، والطوسي هو جده الحسن بن أحمد بن يوسف، ورد حلب على عهد الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي بن آقسنقر- رحمه الله تعالى- وخدمه جنديًا، وبقي بعده، وخدم ابنه الملك الصالح

стр. 423

أبا الفتح إسماعيل، وكذلك ولده مسعود، ثم سليمان أيضًا. وكان يخاطب بالحاجب، ويلبس لبس الأجناد، وكان شاعرًا ذكيًا فطنًا، مقتدرًا على المعاني الصعاب واستنباطها، سهلًا عليه إنشاء الشعر، التحق بالشعراء المتقدمين في حلاوة الألفاظ، واختراع المعاني، وإبداع الوصف، وحسن السبك، وكان إذا حاول معنى غريبًا لبعض الشعراء، نظمه وأتى به نادرًا بديعًا، وسرقه أحسن سرقة، وعبر عنه، ثم أتى به نادرًا، وسبكه أجود سبك ثم اشتهر شعره بمدينته، ولم يزل هو وأبوه وجده متصلين في خدمة ملوك حلب وولاتها. لقيت ولده بحلب المحروسة، وذكر أن والده توفي في عاشر صفر سنة أربع وثلاثين وستمائة، عن أربع وستين سنة، فمن شعره قوله /٢٣ ب/ في بركار: [من الطويل] ولي صاحب للمشكلات تخذته ... يساهمني في الصَّعب منها ويشرك إذا ما انبرى يومًا لقطع مسافة ... يسند من عجز القيام ويمسك يقوم على رجل ويعدو بأختها ... وتلك إذا ما سار لا تتحرَّك رهاوي سير يسبق الطَّوف سيره ... ويسقط من ضعف به حين يترك وله في ركاب دار: [من مخلع البسيط] وشاكرتي لنجل بدر ... بدر الدجى وجهه يخال إذا تثّنى رأيت غصنًا ... يميس في فرعه هلال يدني جوادًا إلى جواد ... أشجع من ضمَّه نزال وقلبه ما رأيت ليثًا ... يقود ذئبًا له غزال يا قوم كم من نبيل قوم ... أردته من لحظه نبال وأنشدني أبو محمد القاسم بن سراج الحلبي بها قال: أنشدني

стр. 424

الحاجب سلمان لنفسه: [من الطويل] ألا زد غرامًا بالحبيب وداره ... وإن لجَّ واش فاحتمله وداره /٢٤ أ/ وإن قدح اللوام فيك بلومهم ... زناد الهوى يومًا فأورى فواره عسى زورة تشفى بها منه خلسه ... فإنك لا يشفيك غير أزدياره وذي هيف فيه يقوم لعاذلي ... بعذري إذا ما لام لام عذاره ووجه يضاهي البدر عند كماله ... بعيد المدى عن نقصه وسراره فلا بدر إلا ما بدا من جيوبه ... ولا غصن إلا ما أنثنى في ازاره فسبحان من أجرى الطِّلا في رضابه ... ومن أنبت الريحان في جلَّناره وقد ذبَّ عنها صدغه بعقارب ... وناظره من سيفه بشفاره فنرشف هذا بالتوهُّم عنوة ... وباللحظ ذا نجني بغير اختياره ولي منزل بالحزن أقوت طلوله ... وقرَّب مني الحزن بعد مزاره فيا غيث كم تجفو ثراه وتغتدي ... يمينًا وطورًا تغتدي عن يساره همت أدمعي فانحلَّ عقد فما به ... إليك افتقار إذ جرت في فقاره فللَّه أيام الربيع وقد شدت ... بلا بله في الدَّوح غبَّ قطاره وللغيم انداء تقلِّد شحَّه ... زرائد درِّ من نظيم انتشاره وللطلِّ أنفاس تروق كأنما ... تقضَّى أصيلًا منه كلُّ نهاره /٢٤ ب/ فهل من نديم يستلذُّ حديثه ... لطيف المعاني فائق من خماره إذا قلت أوقد نار خمر اصطباحنا ... يكون ببرد الماء إيقاد ناره وهل مسعد والليل جامع قاره ... دجيَّ يحييِّني بجام عقاره ولي صاحب إن شئت ألهاك منشدًا ... قوافي شعر نظمها من شعاره بلحن يردُّ الطَّير عن وكناته ... ولفظ يبيت الوحش دون وجاره فتى يوشعي الفعل في الليل دأبه ... يردُّ علينا الشمس من غرب داره ويسعى بها الساقي فتحسب طاسها ... وقد شجَّها زندًا لفرط شراره

стр. 425

مشعشعة صاغت لزند مديرها ... سوارًا يحيل الليل ضوء نهاره سلافًا كأخلاق العزيز محمد ... ونور محياه وطيب نجاره مليك كسا الأيام والناس عزَّة ... ثياب فخار طرزها من فخاره فيا من غزاه الفقر زره وأنت يا ... حريب الرَّزايا مل ولذ بدياره تجد ملجًا للخائفين ومريعًا ... تسحُّ على العافين سحب يساره وإن كنت شاكًا فاختبره مجربًا ... لتستصغر الأخبار عند اختباره ترى جبلًا يصيبك منه لذاذة ... نسيم صبًا من لطفه ووقاره ولا يأتلي الضِّيفان ملء فنائه ... واعشاره مملوءة من عشاره ويجمع بين الشَّاء والذئب عدله ... وسطوته في بطشه واقتداره /٢٥ أ/ فيسنح هذا خائفًا من وجاره ... ويسرح هذا آمنًا في جواره أيا ملكًا من عزمه ليس يأتلي ... له صارم يغري العدا بشفاره أأظما وبحر من نوالك زاخر ... وساقي قد ضلَّت تموج غماره؟ غواربه لا تختطى بمعابر ... وغوَّاصه لا يلتقي بقراره وأحداث دهري قارعتني وخيَّمت ... بريعي فقلبي آنس باصطباره ولولا يقيني من نوالك بالغنى ... لما كنت جلدًا في لقاء المكاره فخذ بنت فكر كالغزالة مبسمًا ... يبرقعها فرط الحيا بخماره وإن تك قد جاءتك من بعد فترة ... وكسرة طرف للحيا في أنفطاره فقد أصبحت في وجه عصري ناظرًا ... بفترته تسبي الورى في انكساره فلا زلت في امن حليف سعادة ... وضدك من خوف عديم قراره وقال أيضًا في الغزل: [من البسيط] ابدى لنا من فنون الحسن أصنافا ... تروى فتستغرق الألفاظ أوصافا زبر جدًا في عقيق زانه سبج ... ولؤلؤًا في زلال الرِّيق شفَّافا كأنَّه حين يجلوه تبسمه ... يشقُّ من شفتيه عنه أصدافا /٢٥ ب/ يريش من مقلتيه اسهمًا وكذا ... يسلُّ منها إذا ما شاء أسيافا

стр. 426

والسن الزَّرد الموضون وجنته ... إذ صيَّرتها عيون الناس أهدافا فغادرت حلقات منه حين رمت ... خدوده أسهم الألحاظ انصافا ريم من الروُّم مطبوع على صلف ... يفوق غصن النَّقا قدًا وأعطافا يجاذب الريح منه لين معطفه ... كما يجاذب خصرًا منه أردافا أمير حسن تراه واحدًا وترى ... في طرفه من جنود الحسن آلافا يخال ناظره مبيضَّ ناظره ... سيفًا وإنسانه المسودَّ سيَّافا يقول لي ولهيب النار في كبدي ... يبغي بألطاف ذاك القول اسعاف لا تنكرن شعلة في قلبك اضطرمت ... ومنه أوطأتني للحب أكنافا فالعرب ما برحت جودًا تدل إلى ... بيوتها بوقود النار أضيافا أستودع الله أحبابًا فقدتهم ... بالرَّغم مني وجيرانًا وألاَّفا نذرت أدمي لثمًا إن هم رجعوا ... مناسمًا من مطاياهم وأخفافا مازلت اسأل سقيا أربع درست ... لهم برامة هامي المزن ذرَّافا حتى سقاها من الوسميِّ منهمر ... فزان مرتبعًا منها ومصطافا مثعنجر طبَّق البطنان وابله ... كأنَّه من دموعي كان غرافا /٢٨ أ/ منازلًا لظريف الحسن كلُّ فتى ... ما يأتلي طرفه فيهنَّ طوَّافا تلقى بها الماء عذبًا والهوا عطرًا ... والظلَّ ضافي والجنَّات ألفافا وأنشدني الشريف أبو نصر محمد بن أبي ظاهر البغدادي الهاشمي قال: أنشدني سليمان بن مسعود لنفسه يمدح راحج بن إسماعيل الحلي الأسدي الشاعر: أهاجك برق بالابيرق لائح ... فدمعك من سحب النواظر سائح وتطربك الورقاء حتى كأنما ... تبثُّك اشجان الهوى وتطارح؟

стр. 427

وتشتاق عرف الريح جاءت به الصبَّا ... كأنَّ نسيم الريح بالمسك فائح؟ وما ذاك إلا أن لمياء بالحمى ... سرت والدُّجى هاو إلى الغرب جانح وللصبح نور من حشا الشرق مشرق ... وفيه سنى الشَّمس المنيرة لائح ومرَّت على الامرات منه فضيلة ... آكامها والصَّحاصح ودون الكثيب الفرد من آل عامر ... غرير بقلبي لا بواديه سانح يغار إذا ما عنَّ سرب ظبائه ... ويخجل منه بانه المتناوح اكتِّم اشجاني به واصونها ... ودمعي بها واش علي وشارح /٢٨ ب/ له طرَّة كالليل والليل حالك ... على غرَّة كالصبح والصبح واضح حلفت برب البيت برًا ومن سرت ... إليه بهم خوص الركاب الطلائح لقد فاق أهل الحسن بالحسن هاجري ... كما فاق أهل الفضل بالفضل راجح [١٨٨] سلمان بن داود بن غازي بن عين الدولة، أبو داود، البغدادي المنشأ، الموصلي المولد: كانت ولادته بالموصل سنة سبع وستمائة. شاب شاهدته بالموصل سنة إحدى وثلاثين وستمائة، وهو ذو قريحة في الشعر راغبة، وفكرة في صياغة المعاني صائبة، وفيه دماثة ولطافة، مدح المولى الملك الرحيم بدر الدين عضد الإسلام والمسلمين، أتابك، أبا الفضائل، نصير أمير المؤمنين- خلد الله ملكه- بهذه القصيدة، ويهنيه فيها بالنوروز، أولها: [من الطويل] قف النِّضو بالوادي فقد فاح شيحه ... وجاءت بريا ذلك الريح ريحه فإن كنت لا تبغي وقوفًا فسر به ... على مهل علَّ الذميل يريحه

стр. 428

/٢٩ أ/ ولا تدن من ذاك الجناب فإنَّه ... به نابل هيهات يوسى جريحه كنانته جفناه والنَّبل لحظه ... وحاجبه قوس يبيد قدوحه أغنُّ غضيض الطَّرف أحوى حوى على ... محاسن مغنى الحُسن فهو مليحه قسا قلبه في الحبِّ حتى لقد غدا ... يُبيح دم العشَّاق بل يستبيحه يموت بداء الصَّدِّ منه قريبه ... ويهلك شوقًا في هواه نزيحه هو الروح لا روح سواه لعاشق ... كما أنَّ بدر الدِّين للدِّهر روحه سما رفعة حتى تطأطأ دونه ... سماك سما المجد الرفيعة يوحه فلا منكر ما قلته من صفاته ... وجود أمير المؤمنين يميحه على أنه كالمسك فاح وإنَّما ... خليفة رب العالمين مفيحه أقول ولا أخشى ولو خفت لم أقل ... وأحسنقول صحَّ فيه صحيحه حوى حيِّز المجد الملوك ومجدها ... وضاق لعمر الله عنك فسيحه ملأت قلوب الناس خوفًا ورحمة ... كذا البرق يخشى ثم يهمي دلوحه وأحييت بالإحسان من قد أماته ... سواك فهذا العصر أنت مسيحه فإن فار تنُّور الضغان وطاف بالـ ... ـخلائق ماء لا يغيض سحوحه فموصلك الفيجاء خير سفينة ... بها الله نجَّى الناس إذ أنت نوحه /٢٩ ب/ لك الله والمختار والصَّفو عدّة ... وفاطم والمسموم ثم ذبيحه هم أهل بيت لا يخاف وليُّهم ... إذا شقَّ عنه في المعاد ضريحه هنيئًا لك الزُّلفى بحبِّك حيدرًا ... أمام أتى في كلِّ نصٍّ مديحه ويهنيك نيرو السَّعد تسري أمامه ... حثيثًا فمن ذا عن علاك يزيحه فلا زلت تستجلي القريض وساعيًا ... إليك به من كلِّ فجٍّ فصيحه وأنشدني أيضًا لنفسه من قصيدة: [من الخفيف]

стр. 429

دقَّ عظمي وخصر من أهواه ... مثل ما دقَّ في الهوى معناه دقَّ عن كلِّ ناظر رام رؤيا ... هـ بتكييف وصفه أن يراه وتعالى عن خاطر خامرته ... شبهات وجلَّ عنه ثناه لا تقسه بالبدر جهلًا فإني ... لسني البدر في السماء سناه؟ ذاك ينبو عن الرَّواء وهذا ... ليس ينبو جمأله ورواه هو أهدى من أن يهدَّي فما يو ... جد هاد إلا هَداه هُداه لو رأى وجهه الكليم وقد ألـ ... قى عصاه [ولي يجر عصاه] يا له عالمًا بما في فؤادي ... من جوى والَّذي براه يراه /٣٠ أ/ حال حالي لمّا حوى القلب منّي ... حبّه فاحتوى على ما حواه صرت عبدًا له وقد يشغل العبـ ... ـد إذا كان عادلًا مولاه وأنشدني لنفسه من قصيدة يقول فيها: [من الخفيف] أنا ضيف الكرام جئت لأقرى ... فاقرني من لدنك مولاي حسنًا لا تكلني إلى سواك فكلٌّ ... إن تعاط الإحسان يتبعه منَّا أنا سلمان والذي بعث الله ... نبيًا يقول: سلمان منّا وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الطويل] تأمَّل يوم البين تركي وداعه ... وضمّي له من بعد حسن تودُّد فأنكر صبري ثمَّ قال سلوتني ... فقلت له لا تنكرنَّ تجلُّدي مددت يد التوديع من قبل نظرة الرْ ... رقيب فكفت إذ بصرت به يدي وثانية في القلب نار صبابة ... توقَّد من حبِّيك أيَّ توقُّد خشيت على ذاك القوام تحيله ... وتذهب أنفاسي بما وجهه النَّدي وأنشدني أيضًا من شعره: [من الكامل] إني لأصرف عنك طرفي هيبة ... وأجلُّ وجهك عن مطامح ناظري /٣٠ ب/ وأغار من فكر عليك إذا غدا ... منك الخيال مخيّمًا في خاطري

стр. 430

ذكر من اسمه سليمان [١٨٩] سليمان بن النجيب بن المعلَّى بن النجيب بن سليمان، أبو الربيع الرقي المؤدب: كان يعرف بذقينات، سكن حرَّان إلى أن مات بها، وكان شيخًا مسنًا، عُمِّر إلى أن جاوز المائة، وكان معلم صبية. وأخبرني أبو الفضل عمر بن علي بن هبيرة قال: ترددت إليه للتعليم مدة بحران، ومدح والدي بعدة قصائد، ووقع إليّ مجلد من أشعاره مقصورة على مدح الوزير ولي الدين أبي الثناء محمود بن محمد بن مقدار بن فارس الحراني، وهو إذاك وزير الملك المعظم مظفر [الدين] كوكبوري بن علي بكتكين- ﵁ بحران، وهي غثّة وفيها ركاكة، لم تصدر عن فهم ومعرفة، وتنبئ عن خفة ورقاعة، ومن قرأ شعره وتدّبره علم أنه كان معلمًا حقيقة، إذ هو ممتزج بحماقة المعلمين. ومن شعره يمدح الوزير ولي الدين محمود بن محمد/٣١ أ/ الحراني، وكان متشكيًا من مرض: [من الكامل] عافاك [يا] من تشتكي الرَّحمن ... يا من له المعروف والإحسان وعلت عداك كآبة فندامة ... وشقاوة وشكاية وهوان يا من تألَّم جسمه فتألَّمت ... منَّا له الأرواح والأبدان عوفيت من مرض ودمت بنعمة ... وحدت بوصف ثنائك الرُّكبان الله يرليك من يشنا علاك مجدَّلًا ... تنتاشه العُقبان والغربان ببقاء مولانا الأمير مظفَّر الدـ ... ـين الذي خضعت له الشجعان الله ينصره على أعدائه ... فعلى المهيمن ربنا التُّكلان

стр. 431

وأنشدني أبو الفضل عمر بن هبيرة قال: مدح أبو الربيع سليمان بن النجيب والدي بهذه القصيدة: [من الكامل] سبحان ذي الملكوت والسُّلطان ... ربّ العباد الواحد الرَّحمن أنشأ الأنام من البرا وبراهم ... والكلُّ يجمع بينهم أبوان وتشتَّتوا من بعد ثم تفرقوا ... فرقًا مع الأحوال والأديان /٣١ ب/ ثم اجتمعن المرشدون إلى الهدى ... منهم على الإسلام والإيمان وتفاضلوا في سعيهم ومعاشهم ... وعُلوِّهم في رتبة ومكان وتباينوا من بعد ذلك في الدُّنى ... في العيش والمعروف والإسكان هذا فقيرٌ بائسٌ مستعطيٌ .... يُمسي ويُصبح ما له فلسان ولذاك مال وافرٌ ورجاؤه ... فيه الزِّيادة وهو في رجحان والكلُّ في تعب وليست راحة ... فيها لذي بصر وذي تبيان يتكامشون على الدَّنيَّة وهي لا ... تُجدي لهم فيها سوى الخسران فعليك بالإحسان ما انبعثت به ... فيها لك القدمان والكفان وإذا رأيت أخاك وهو بكربة ... فعليك نصرته بلا خذلان وأبذل جميلًا ما استطعت ولا تكن ... ممَّن له بين الورى وجهان مولاي شمس الدِّين دعوة صادق ... يا خير من يُعزى إلى الإحسان إني رددت عليك حسن وصيَّة ... [بيضاء] في حق الأديب العاني تالله ما نفعت ولم يعبأ بها ... فكأنَّما أوصيته هجراني إن لم تكن نفعت فكن أنت الذي ... بالنِّذر موفٍ غير ذي نسيان والحمد لله المهيمن ذي العطا ... ء الجمِّ والإحسان والغفران /٣٢ أ/ ثمَّ الصلاة على النبيِّ محمد الـ ... مبعوث من مضر ومن عدنان فاشرح بما أبغيه صدري إنَّه ... فرض عليك تعين ذا العرفان واسلم ودم في نعمة ومسرَّة ... يا خير من قد حلَّ في حرَّان

стр. 432

أنا منذ بنت بلوعة وكآبة ... وبنور وجهك صرت في لهثان أنت الوزير المستنير ومن له ... لفظ يفوق به على سحبان هين وليس إهانة في فعله ... لين ببسط يد ونطق لسان عجزت تفوه بوصف شكر صنيعه ... فيما تحاول وصفه الثقلان إنِّي أعيذك بالإله من الردَّى ... ومن الأذى وطوارق الشَّيطان لازال جدُّك ثابتًا حتى إلى ... مأواك عند الحور والولدان أنا لم أزل لك داعيًا ما أمتدَّ بي ... عمري وطاب لما أفوه جناني وذكرت أنَّك جئت تعبانًا فوا ... شوقي لرؤيا القادم التَّعبان ذهب العناء وفزت فيه برؤية الـ ... أصحاب والإخوان والسُّلطان الله يوليك السَّلامة ما دجا ... ليل ولاح بأفقه قمران فالسلم ودم لا زال جدُّك صاعدًا ... يعلو بتوفيق على كيوان [١٩٠] سليمان بن عبد الله بن الحسن بن علي بن عبد السلام بن محـ[ـمد بن] المبارك بن راشد بن عقال، أبو الربيع التميمي الدارمي الحلي، المعروف بابن الريحاني: كانت ولادته بمكة- حرسها الله تعالى- في السابع عشر من شهر ربيع الأول سنة أربع وسبعين وخمسمائة، نزل مصر /٣٣ أ/ وأقام بها. وهو شاعر حسن المعاني جيد الألفاظ، له عناية بالأدب والعربية، وحفظ الأشعار وروايتها، وسماع الأحاديث. أجازني جميع رواياته ومقولاته، أنبأني لنفسه ما نقلته من خط يده قال: كنا في مركب متفرجين بثغر دمياط في بركة بتشنين كالسماء، وفيها البتشنين، كالنجوم، فقلت: [من مخلّع البسيط] لله يوم به نعمنا ... لو أنَّ نعماءه تدوم

стр. 433

كأنما ماؤنا سماء ... فيها بتشنينه نجوم وقال أيضًا: [من المنسرح] وأسمر القدِّ ذي اعتدال ... يعجز عن وصفه اللِّسان كأنَّما قدُّه قناة ... وطرفه الأزرق السِّنان وقال أيضًا: [من البسيط] طال الثَّواء بأرض لا تخال بها ... مولى يجير من الإعسار والعدم إلا حثالة قوم لا خلاق لهم ... سادوا من اللُّؤم ما سادوا من الكرم [١٩١] سليمان بن دواد بن يوسف /٣٣ ب/ بن أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب، الملك الأجود، أبو سعيد بن الملك الزاهر: من أبناء الملوك والسلاطين، وأبوه صاحب إلبيرة، وهي بلدة بقرب سميساط على الفرات. شاهدته بمدينة حلب، سابع جمادى الأولى سنة أربع وثلاثين وستمائة، شابًا جميلًا مقرون الحاجبين، أسمر اللون، وسألته عن ولادته فقال: ولدت بقلعة حلب المحروسة في سنة تسعين وخمسمائة. وهو من الشعراء الظرفاء، فيه ذكاء وفطنة، وله عناية بصناعة النظم، وشغف بالطرب وأساليبه، يقول شعرًا حسنًا، ويفهم معانيه فهمًا جيدًا، ويتكلم في الطب، والنجوم، والعربية، والأدب كاملًا يستحسنه من له بهذا الشأن اعتناء، إلا أن في عقله تشوشًا وضعفًا في تدبير أحواله، ولم يكن عنده مما عند أهله وأبناء عمومته من الحشمة

стр. 434

والتصاون، وإقامة ناموس الأسرة على عادة أبناء الملوك، وزي أهلها، بل يصنع من نفسه ما يحط من قدره ويزري بنسبه، مما لا يفعله رعاع الناس/٣٤ أ/ والأراذل من التبذل في الأسواق، ووقوفه راجلًا فيها، واطراحه للتكلف، ومحادثته للعامة، ومعاشرته للسفلة، وأرباب الحرف الدنيئة، شديد الطيش، بادي الخرق، عنده تهور ونقصان. وكان قد جرت له وهلة مع أبيه، فأخذه وسجنه، وبقي مدة في السجن، ثم أطلق، ولم يكن في إخوته ممن له معرفة وفضل سواه، وهو منطلق اللسان، مغري بهجاء أسرته، وذوي الأقدار من الأمراء والصدور، وينشد شعره في الهجاء لمن يلقى من معارفه، ولا يستنكف من ذلك، ولا يتحاشى، ولا يؤاخذ فيما يفعله، لقربه من السلطنة. فمن شعره ما أنشدني لنفسه: [من الكامل] لو كان كأسك من مراشف فيه ... لصحا فؤادك من غرام فيه بل إنَّه المحميُّ منه بلحظه ... كيف الورود وصارم يحميه ووراء عقرب صدغه من خلفه ... ثعبان شعر عدوه يلويه وعلى أقاحي نبت فيه شقيقة ... شقّت فؤاد متيَّم يجنيه من وجهه الوضّاح يومًا أهتدي ... إذ لي بطرَّته ضلال التِّيه كالغصن منثنيًا بدا لو أنَّه ... عنّي يد للعدل لا تثنيه إنّي أشبِّهه وأعلم أنَّه ... جلَّت شمائله عن التَّشبيه سكران غادرني به متشبِّهًا ... سكري هوى إذ سكره من فيه وهو الَّذي ما إن يزال مقاطعًا ... حتى الكئيب لنحبه يقضيه إن يحترق بالهجر جسمي ممكن ... فالعود يسرع حرقه ذاويه وأنشدني في النارنج لنفسه: [من الكامل] لله نبت عذار بدر دجى ... يسعى به عصن على دعص لمّا استدار بوجنتيه كما ... دار الخسوف بحافة القرص كملت محاسنه ومن عجب ... بدر يتمُّ بحالة النقص

стр. 435

[أنشدني لنفسه ... من قصيدة: كم تشوِّقني الحمى وأصلائلا ... حيث الحبيب بهنَّ كان مواصلا قد انثنى شاقي الشَّمول مهفهف ... معاطفًا وشمائلا العذار لهنَّ لاح حمائلا ... وغدا لمخضرِّ الرَّياض حمائلا سقى من ريقه ... درياق أفعى الشَّعر صبَّا باطلا والرُّوضة الغنّاء تجمع شملنا ... أن تراه زائلا حلو المراشف والمعاطف لم يزل ... لك المسعول منه ولقد رأيت ... غصنًا من الرمان أضحى حاملا وتكاد ... عقارب صدغه ... من حيث تلبسني الحياة قواتلا بحر به السلسال أزرق صافيًا ... ترى على الحصباء منه سلاسلا ما إن يسيل من الجفون مناصلًا ... حتَّى تراه بهديهنَّ مناضلا وبخِّده الورد الجنيُّ مضاعفًا ... وبثغره الورد الجنيُّ مناهلا ولكم وقفت ببابه ذا حاجة ... لما رأيت الدَّمع منيِّ سائلا ولكم رأيت ... كالمغزل الأدماء إلاّ أنَّه ... أدمى قلوب العاشقين مغازلا] وكتب إلى أخيه الملك الصالح، يتقاضاه دينًا له عليه ويتشوق: [من البسيط] استغر الله لا إثم ولا سفه ... إذا تأوه للأسقام مفؤود وللشُّجون حديث في روايته ... عن الغريب غريب منه مسنود ولفظه لا تلمني إذا أبوح بها ... فرَّبما باح بالأسرار مفؤود ولا بها وحشة كلاّ ولا حرج ... لكنَّ مؤنسها من دونه البيد ولا بصالحها مولاي شائنة ... تسر شائنه إذ طبعه الجود /٣٥ أ/ لكنَّما الزُّهد منه لا ينجِّزه ... ففي مواعيده مطل وتفنيد فقل له عن أخيه غير محرجه ... أسير وعدك في الأغلال مصفود وكيف وهو سليمان تماطله ... أما علمت شفيع فيه داود؟

стр. 436

وقد دعاه إلى أوطانه زمن ... بجود كفِّك فيه أورق العود حيث النَّسيم على ضعف يجاذبه ... والطير فيه لدى الأشجار غرِّيد والروض قد راضت الأنواء شامسه ... ففي خمائله فرش وتمهيد وللفرات وقد أمددته كرمًا ... فيض به كلُّ عام منك موعود أعطته نشوتها الأغصان نائلة ... فماؤه صخب الآذيِّ عربيد كأنَّما سفنه الأحداق جائلة ... لهالك الثَّغر تصويب وتصعيد تجلى اللدائن في التيار مقلعة ... فكلُّ لدن عليه الندُّ معقود والطَّرف والطِّرف في ميدانه أبدًا ... كلُّ إلى سبق الغابات مطرود فاستغنم الأجر فمن لا يبلغه ... إلى الأحبَّة إلا الضُّمَّر القود [١٩٢] سليمان بن عبد الله بن عبد المؤمن بن عليِّ، الأمير السَّيِّد الفاضل، أبو الرَّبيع، وجده/٣٥ ب/ المستولي على بلاد المغرب. حدثني شيخ الشيوخ ابن حمويه بمدينة دمشق سنة أربعين وستمائة قال: لما وردت إلى مراكش، كان الأمير أبو الربيع في تلك المدة على مدينة سجلماسة

стр. 437

وأعمالها واجتمعت به حين قدم إلى مراكش بعد وفاة السيد أبي يوسف، يعقوب بن يوسف، لمبايعة ولده محمد، وزرته في داره لعله وفضله، فرأيت شيخًا بهي المنظر، حسن المخبر، فصيح العبارة باللغتين، متمكنًا من البراعة والبلاغتين، بلغني أنه كان يملي على كاتبه الرسائل الصَّنيعة بغير توقف، وإذا عرض له أمر يحتاج إلى الخطابة اخترعه بلا تكلف، وكذلك يفعل في اللغة البربرية، إلا أنني لم أسمعه يتكلم إلا بالعربية. فمن كلامه قوله في جواب رسالة إلى ملك السودان بغانة وأعمالها، ينكر عليه تعويق تجار، وردوا عليه من المغرب، قال لكاتبه: أجبه عن كتابه، واكتب إليه في اثنائه: "نحن نتجاوز بالإحسان، وإن تخالفنا في ٣٦ أ/ الأديان، ونتفق على السيرة المرضية، ونتألف على الرفق بالرعية، ومعلوم أن العدل من لوازم الملوك، في حكم السياسة الفاضلة، والجور لا يعانيه إلا النفوس الشريرة الجاهلة. وقد بلغنا احتباس مساكين التجار، ومنعهم من التصرف فيما هم بصدده، وتردد الجلابة إلى البلاد مفيد لسكانها، ومعين على التمكن من استيطانها، ولو شئنا لاحتبسنا [من] في جهاتنا من أهل تلك الناحية، ولكننا نستصعب فعله، ولا ينبغي لنا أن ننهى عن خلق ونأتي مثله. والسلام". ووقع إلى عامل له، كثرت الشكاوي منه: "قد كثرت فيك الأقوال وإغضائي عنك رجاء في أن تنصلح، فتنصلح الحال،

стр. 438

وفي مبادرتي إلى ظهور الإنكار عليك [ينسيني] إلى سوء الاختيار، فاحذر فإنك على جرف هار" ومن شعره المشهور، قصيدة يمدح فيها السيد يعقوب بن يوسف، وهو ابن عمه، وولي نعمته: [من الكامل] هبَّت بنصركم الرِّياح الأربع ... وجرت بسعدكم النُّجوم الطلَّع فأمدَّك الرحمن بالفتح الذي ... ملأ البسيطة نوره المتشعشع /٣٦ ب/ لم لا وأنت بذلت في مرضاته ... نفسًا تفدِّيها الخلائق أجمع ومضيت في نصر الإله مصمِّمًا ... بعزيمة كالسّيف بل هي أقطع لله جيشك والصَّوارم تنتضى ... والخيل تجري والأسنَّة تلمع من كلِّ من تقوى الإله سلاحه ... ما إن له غير التوكُّل مفزع لا يسلمون إلى النَّوازل جارهم ... يومًا إذا أضحى الجوار يضيع يقول فيها ويصف انهزام العدو: إن ظنَّ فراره منج له ... فبجهله قد ظنَّ ما لا ينفع أين المفر ولا فرار لهارب ... والأرض تنشر في يديك وتجمع أخليفة الله الرَّضشيَّ هنيته ... فتح يمد بما سواه ويشفع فلقد كسوت الدَّين عزًا شامخًا ... ولبست منه أنت ما لا يخلع هيهات سر الله أودع فيكم ... والله يعطي من يشاء ويمنع لكم الهدى لا يدَّعيه سواكم ... ومن أدَّعاه يقول ما لا يسمع إن قيل من خير الخلائق كلَّها ... فإليك يا يعقوب تومي الأصبع إن كنت تتلو السَّابقين فإنَّما ... أنت المقدّم والخلائق تتبع /٣٧ أ/ خذها أمير المؤمنين مديحة ... من قلب صدق لم يشبه تصنُّع فالمدح منِّي في علاك طبيعة ... والمدح من غيري إليك تطبُّع واسلم أمير المؤمنين لأمة ... أنت الملاذ لها وأنت المفزع وعليك يا علم الهداة تحية ... يفنى الزمان وعرفها يتضوَّع

стр. 439

وأنشدني أبو محمد عبد الله بن أحمد بن يوسف الغرباني قال: أنشدني عبد الرحمن بن محمد الجزولي قال: أنشدني السيد أبو الربيع لنفسه: [من الوافر] لقاؤك صيَّر الأيام عيدًا ... وأنشأ حسنها خلقًا جديدًا وقدَّ من الأديم لها خلاء ... تمايست من كواكبه عقودًا فقال العاقلون: ألمَّ موسى ... وقال الجاهل: العيدُ استعيدا وكلُّهم أثار قضاة صدق ... يقيم بها لدعوة شهودًا تعطَّر قرب مسراه فداست ... به الفرسان مسكًا لاصغيرًا وهمَّت أن تخرَّ له الدّراري ... فتلقاه ركوعًا أو سجودًا /٣٧ ب/ ولو حذيت مطاياه خدودًا ... وأرضاه حذوناه الخدودا نحيِّي من أبي عمران بدرًا ... نلقَّي في مطالعه السُّعودا تأنَّقت الفضائل فيه لمَّا ... أتاح الله منه لها الوجودا ورامت أن تزيَّد فيه حسنًا ... فلم يدع الكمال لها مزيدًا يفنَّد من يروم له لحاقًا ... ويعذر من يبيت به مسودًا وما عدمت به الأيام شيئًا ... يسرُّ به سوى الَّا يبيدا لعلَّ مصير الدُّنيا جنانًا ... به يقضي له فيها الخلودا وله: [من الكامل] يا سائلي ما لي أراك ضئيلًا ... إني أظنُّك بالهوى مشغولًا وأرى فؤادك مثل برق خافق ... وأرى دموعك قد جرين سيولا هذي شمائل من جفاه حبيبه ... أتريد أن أمضي إليه رسولا؟ إي والعليم بما تكنُّ جوانحي ... فاذهب هديت إلى الرَّشاد سبيلا وزر الدِّيار إذا وصلت مسلِّما ... واندب بها قلبي الصَّديع طويلا واقر السَّلام على ألوف وقل لها ... بتلطُّف إحيي فديت قتيلا قتلته اسهم لحظك الجاني فما ... أبقين فيه سوى السَّقام دخيلا /٣٨ أ/ قالت فسر نحو الحبيب وقل له ... بي مثل ما بك فاطَّرح ما قيلا

стр. 440

[١٩٣] سليمان بن داود بن نخلة الموصليُّ السلميُّ، المعروف بابن الكيمائية: كان ذا شعر رقيق. ومات في سنة سبع وستمائة. أنشدني محمد بن العباس الموصلي قال: أنشدني سليمان بن داود لنفسه: [من الطويل] ألمَّت صبا نجد بنا فنما الوجد ... تُخبَّرنا ما قاله البان والرَّند أتت سحرًا والليل مرخ ستوره ... عن الصُّبح والجوزاء فضَّ لها عقد عليلة أنفاس تداوي بقربها ... عليلًا أذاقته تباعدها هند تنمُّ على هند كأنَّ نسيمها ... ينشَّر فيه من ملابسها برد وعهدي بها تدني الخيال وبيننا ... فدافد قفر يقطع الإبل الوخد فما بالها ضنَّت بطيف خيالها ... وما ذاك إلّا أنَّه نقض العهد؟ خليليَّ مهلًا كلُّ لها هوى ... نعم والهوى العذريُّ معدنه نجد أكرِّر ذكر الأجرع الفرد كلَّما ... شدا طائلًا والعلَّة الأجرع الفرد سقى الموصل الحدباء كلُ مجلجل ... سحائبه يحدو بها البرق والرَّعد /٣٨ ب/ ليفعم واديها ويخضرَّ عودها ... ويزكو على أجراعها البقل والجعد [١٩٤] سليمان بن إبراهيم بن الخضر بن محمد بن الحسين، أبو الربيع الموصليُّ، المعروف بابن الشيرجي المؤدِّب: من بيت علم وفضل، وكان له مكتب يعلم الصبيان، وكان من أهل الدين والصلاح، عفيفًا، ثقة، يرغب الناس فيه لسداده وخبرته، وكان خبيرًا بالحساب

стр. 441

والفرائض، مع معرفة بعلم الأدب والعربية، وقول الشعر السهل، ينظم المقطعات، ويمدح بها الأكابر. أنشدني أبو العّز يوسف بن محمود بن سلطان الموصلي قال: أنشدني مؤدبي سليمان بن إبراهيم لنفسه: [من الرمل] جمعت فيك خلال جمَّة ... الوفا والجود ثمَّ الكرم وعفاف وحياء وتقى ... وسماح وعلا منتظم وأنشدنا عماد الدين قال: أنشدنا الشيخ أبو الربيع سليمان بن إبراهيم ابن الشيرجي لنفسه: [من المتقارب] /٣٩ أ/ ألا ما ترى فعل هذا المطر؟ أثار النَّبات وأنمى الشَّجر وأغنى العباد وأحيا البلاد ... وجدَّد للمملقين الوطر وأنشدني أيضًا قال: أنشدنا لنفسه، وألقاها على صبيان المكتب، فأنشدوها في الحذاق: [من الرجز] صُبِّحتم بالسَّعد يا آل سعد ... ما هطل الغيث يزجر الرَّعد وقرَّ عينًا يا زكيَّ الدِّين ... بالولد المبارك الأمين الكاتب الحاسب ذي الفنون ... ونزهة الأبصار والعيون [١٩٥] سليمان بن الفضل بن سليمان بن الحسين بن إبراهيم، أبو المحاسن الدمشقيُّ المعروف بابن البانياسي. أخو القاضي نبأ قاضي حلب. حدثني القاضي الإمام أبو القاسم عمر بن أبي الحسن الحنفي- أيده الله تعالى- قال: قدم علينا أبو المحاسن حلب، رسولًا من الملك العادل أبي بكر محمد بن أيوب- رحمه الله تعالى- إلى الملك الظاهر غياث الدين غازي بن يوسف/٣٩ ب/﵀ واجتمعت فيها به، بدار والدي- رحمه الله تعالى- ولم يتفق لي سماع شيء منه، واجتمعت به مرارًا بدمشق بعد ذلك.

стр. 442

وكانت ولادته سنة خمس وخمسمائة، توفي بدمشق في السنة التي مات فيها الملك العادل- ﵀ وكانت وفاته سنة أربع عشرة وستمائة. أنشدني النجيب نصر الله بن أبي العزّ بن أبي طالب الشيباني الدمشقي الصفار بمحروسة دمشق بمسجدها الجامع، يوم الأحد سابع ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وستمائة قال: أنشدني أبو المحاسن لنفسه في جزار رآه وفي يديه مدية: [من السريع] يا جازرًا في يده مدية ... من لي بأن أطمع في وعدك؟ مكِّن فمي من قبله مرَّة ... في الخدِّ واذبحني على زندك [١٩٦] سليمان بن بليمان بن أبي الجيش بن عبد الجبار بن بليمان الصَّائغ، أبو الربيع الإربلي: أخبرني أنه ولد سنة تسعين وخمسمائة برعبان، من نواحي حلب. من [كتاب] إنشاء الأربليين وهو أحد من /٤٠ أ/ لقيت بها من المتأدبين. شاب قصير لطيف الخلق، خفيف اللحية والعارضين، ذو حركات موزونة، ونوادر بالدعابة والمجون معجونة، صاحب أهاج ومدح، ومحاضرات وملح، ولم يزل يترامى إليّ القريض بصحة فهمه، حتى صار له طبع في إنشائه ونظمه، واستظهر من

стр. 443

الأشعار أحسنها وأفصحها، ومن غرائب الحكايات ألطفها وأملحها، جاري اللسان في الحديث، وإذا حضر مجلسًا لم يرض أحدًا فوقه في الكلام إلا وهو مستمع قوله، فتراه إذا أنشد يتشدق في إنشاده، ويحترز من اللحن في إيراده، ويستغرق في الثناء ويأتي به من المنظوم والمنثور، ويستحسنه غاية الاستحسان والظهور، فتارة يشير بيده، ومرة يحرك رأسه، وطورًا يهّز منكبيه، ثم لا يرى السكوت عن نادرة تقع له في محفل ناس ولو أن فيها إراقة دمه. فمن شعره ما كتبه إلى المولى الأمير الكبير الأصفهسلار عماد الدنيا والدين أبي المحاسن يوسف بن الأمير علاء الدين طاي بغا، متولي حلب أعلى الله قدره: [من الطويل] /٤٠ ب/ ألا يا عماد الدِّين والمالك الذي ... له راحة تربي على صيِّب القطر وأروع طلّاع الثَّنايا محلُّه ... وهمَّته أعلى من الأنجم الزُّهر وبحر نوال لا يغيض قراره ... وليث وغى يعدي على نوب الدَّهر لئن غبت يومًا عن فناك فإنَّ لي ... ثناء يفوق الدُّر بالنَّظم والنَّثر فلا زلت محمود العوارف ما شدت ... مطوَّقة ورقاء في الورق الخضر أنشدني يمدح الوزير الصاحب شرف الدين أبا البركات المستوفي- ﵀: [من الكامل] هل عند سكان اللِّوى والأجرع ... علم بما تطوى عليه أضلعي أم هل درى ذاك الغزال بأنَّني ... باك على آثار تلك الأربع؟ سكن، اللَّوى وله فؤادي منزل ... ورعى النَّقار مياهه من أدمعي ناء يمثِّله الضَّمير وأن غذا ... يحمى بأطراف الرماح الشُّرَّع إن يمس ممنوع الجناب فإنَّني ... فيه أخو خوف وقلب موجع يا سعد قف بلوى المحصّب ناشدًا ... قلبًا يسير مع الخليط المزمع

стр. 444

ومسائلًا هل أقفرت من بعدنا ... أرض الحمى من أهل ذات البرقع؟ إني ليطربني الحمام إذا شدا ... سحرًا وأهفو للبروق اللُّمَّع /٤١ أ/ ويشوقني مرُّ النَّسيم إذا سرى ... منهم وتتبعه سحائب مدمعي هل مسعد لي في البكاء عليهم ... أم هل يفيد تلهُّفي وتوجعي؟ كيف السَّبيل ولي رقاد نافر ... من بعدهم وسهاد جفن طيِّع؟ أتراك ما تجدي عليك شكاية ... من بعدهم لرسوم ربع لا تعي؟ خفِّض ودع عنك التَّعلُّل بالمنى واعدل إلى ربِّ الجناب الممرع نجل ابن موهوب الوزير وماجد ... شاد الفخار وذي المحلِّ الأرفع جبلت على حسن الفعال طباعه ... فأتت خلائقه بغير تطبُّع فإذا أتيت حماه فاسجد واقترب ... فهناك آمال البرايا ترتعي فإلى أبي البركات تخترق الفلا ... هو جاء تطوي كل قفر بلقع تبغي [تحجُّ بنا] لأروع ماجد ... وأعز منتجع وأعذب مشرع [مولى تفرَّد بالمكارم والعلا ... وسما بقوم كالنُّجوم الطُّلَّع] زهر [الوجوه] عريقة أنسابهم ... شادو الفخار بكلِّ ليث أروع تغنيك سطوة عزمه يوم الوغى ... عن كلِّ مسنون السِّنان مدرَّع شرف له برج السعادة منزل ... ناهيك من مرأى لديه ومسمع فبه أصول على الخطوب وأجتلى ... وجه الزَّمان وفيه يصدق مطمعي وبذكره يسمو القريض فمدحه ... أمسى يشوقك لا ظباء الأجرع /٤١ ب/ وأنشدني لنفسه في البهاء ابن صامح، ويذكر أنَّ أصله كان يهوديًا، وأنه لا يفي بعهد مسلم: [من الكامل] لا تطلبنَّ من البهاء مودَّة ... فلقد ثنته عن الجميل جدود

стр. 445

واعذره إن خان الوداد وضيِّعت ... يومًا لديه مواثق وعهود فشعاره لا يفي لخليله ... ومتى وفت للمسلمين يهود؟ وأنشدني أيضًا يمدح الصاحب شرف الدين أبا البركات: [من الطويل] ألا قل لمن يبغي الغنى متطلَّبًا ... وتعنق في نيل الأماني ركائبه رد المنهل العذب الذي طاب ورده ... وراقت على كلِّ [المياه مشاربه] متى شمت برقًا للوزير تدفَّقت ... عليك غوادي جوده وسحائبه وإن أنت وافيت المبارك طالبًا ... لرفد تلقَّاك الذي أنت طالبه جواد جرى في حلبة السَّبق والنَّدى ... وفاضت على كلِّ الأنام مواهبه هو الغيث يروي كلّ صاد على الثَّرى ... هو البحر حدِّث ما أرتك عجائبه ترفَّع عن حدِّ القياس مديحه ... كما ارتفعت فوق السِّماك مراتبه /٤٢ أ/ وكلَّ لسان الشُّكر في وصف ماجد تفرَّد حتَّى ما تعدُّ منا قبه ينيلك من قبل السؤال تكرُّمًا ... ويعطيك أضعاف الذي أنت طالبه ولما رأيت الدَّهر يعنو لأمره ... وما في بنيه ربُّ فضل يناسبه خطبت له أبكار نظمي لأنه ... يحقُّ له من كلِّ مدح غرائبه وأنشدني أيضًا فيه- ﵀: [من الكامل] يا أيُّها المولى الوزير وماجد ... في كفِّه البيضاء خمسة أبحر ورضيع درِّ المكرمات ومن له ... جود كمنهلِّ السحاب الممطر فاق الأنام بهمَّة مشكورة ... وعزيمة قرنت بسعد المشتري وخلاقه كالرَّوض باكره الحيًا ... فزهت خمائله بأحسن منظر مولاي [قد جاءتك] مدحة شاكر ... مثن على علياك غير مقصِّر أخنت عليه صروف دهر جائر ... أبدًا يجوز على اللَّبيب ويجتري فلقد بعثت بها وفي ألفاظها ... عتب ويقنع عن لقاك تأخُّري إذ لي ولاء يشرب صفاءه ... كذر وعهد مودَّة لم تخفر هب أنَّني لا أقتضيك بنائل ... أفما ترى درر الثَّناء فتشتري! ؟

стр. 446

فاقبض شوارد فكرة ألفاظها ... تغنيك حسنًا عن ظباء محجَّر /٤٢ ب/ وأستر محاسن وجهها عن باخل ... برزت له من بعد طول تخدُّر فإليك أشكو صرف دهر إنني ... بك استعين على العدو المفتري واسلم ودم في خفض عيش ما جلا ... جنح الدُّجى فلق الصّباح المسفر وأنشدني لنفسه: [من الخفيف] قيل لي لم تركت دار بهاء الد ... دين ذي الجود والنّجار العريق؟ وتبدَّلت صابحًا غير ذاك الـ ... ماجد السَّمح والودود الشَّفيق قلت ما إن تركته عن كلال ... بل تحقَّقت غاية التَّحقيق إنه لا يفي لخلِّ ولا ير ... غب إلا في فاسق زنديق قلَّ من يحفظ الذِّمام ومن تلـ ... ـقاه عونًا في كلِّ أمر مضيق وأنشدني أيضًا يمدح الصاحب شوف الدين أبا بركات المستوفي- ﵀: [من الوافر] ألا يا خائض اللَّيل البهيم ... مجدًّا في الذَّميل وفي الرَّسيم ومفني العمر في خدع الأماني ... ومغرورًا بتسآل الرُّسوم إذا جارًا الزَّمان عليك يومًا ... واعرض عنك كلُّ أخ حميم ولم تظفر بسمح أريحيِّ ... ولا من وجهه حرُّ الأديم /٤٣ أ/ وأسلمك الرجاء إلى أناس ... ترفَّع عندهم قدر اللَّئيم فلذ بحمى ابن موهوب المرجَّى أبي البركات ذي الطَّول العميم حمى ينجيك من صرف اللَّيالي ويدقع حادث الخطب الجسيم جواد لا يملُّ من العطايا ... سحاب نداه مرتجز الغيوم له شرف على كلِّ البرايا ... ومجد فوق مرتبة النُّجوم تزيد بمدحه الأشعار حسنًا ... كحسن الدَّرِّ في العقد النَّظيم فغنِّ بذكره وانشر ثناه ... ودعني من حديث ظبا الصَّريم فقد قدمت بطلعته سعودي ... وقد ذهبت برؤيته همومي

стр. 447

فلا برح الزمان له مطيع الـ ... أوامر ما سرى وفد النَّسيم وأنشدني أيضًا لنفسه فيه يمدحه: [من الكامل] يا أيها [المولى] الوزير وماجد ... شاد العلاء بجوده وبفضله ومن الَّذي بمقاله وفعاله ... أضحى يصول على الزَّمان وأهله قد أصبحت أيامنا بك غبطة ... وارتدَّ كلُّ ذوي عمى عن جهله فلتفخر الدُّنيا بمجدك ولتطب ... نفسًا فقد سمح الزَّمان بوصله مولاي كيف يروم شأوك باخل ... أمسى يضنُّ على العفاة ببذله؟ /٤٣ ب/ ويبيح في طلب المآثم ماله ... ويصون حسناه لطالب ظلِّه يكفيك منه إن حضرت بمجلس ... يثني عليك على ضغائن ذحله وكفاك حبُّك للنبي وآله ... من أن تضام وقد علقت بحبله [لا زال هذا الدَّهر طوعك دائمًا ... يسعى لديك بخيله وبرجله] وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الوافر] رويدك إن عذلك غير مجدي ... فلا تضرم بعذلك نار وجدي ففي أذنيَّ وقر عن سماع الـ ... ـملام وفي الهوى عيُّ كرشدي عذولي لا تزد بلواي بلوى ... فسقمي قد تجاوز كل حد فليس من المروءة عذل صب ... تطير بلبِّه نفحات نجد أسير لا يفكُّ له قياد ... بنرجس مقله وبورد خدِّ يعيد غرامه ذكر اللَّيال الّتي سلفت بنعمان ويبدي ألا يا صاحبي إن كنت ترعى ... مواثيقي الألى وقديم عهدي علام إذا تألق برق نجد ... يؤرقني خلاف الرّكب وحدي! ؟ وأسكب عند ملمعه دموعًا ... تفوق السُّحب إن هطلت برعد وإن نسمت نسيم الغور تهدي إلىَّ أريج حوذان ورند

стр. 448

/٤٤ أ/ أو ارتفعت بأعلى الغور نار ... تؤرقني على قرب وبعد أرحني صاح من ذكر البوادي ... وخلِّ عن القباب قباب سعد فقد ملكت بنو الأتراك رقيِّ ... بهزل من تجنّيهم وجد ظبًا صرعت أسود الغاب فاعجب ... لآرام لأسد الغاب تردي بدور دجى أقلَّها غصون ... غنوا عن كل خطِّي بقدّ يحل عزيمتي أنَّى تصدَّوا ... بحلٍّ من بنودهم وشدِّ كلفت بهم ولا كلفي بمولى ... أسيرُ إليه في حل وعقد فكم سير لغرس الدين سارت ... العافين من شكر وحمد له [أيد على كل] البرايا ... ولا سيما خلاف الناس عندي [سخا في المكر] مات جدود صدق ... صناديد الوغى وبناة مجد لهم في المنتدى حلم الرواسي ... ويوم الرّوع سطوة طلِّ ورد أداود الذي لولاه ضاقت ... لديَّ مذاهبي وأسيغ وردي ومن بمديحه ذهبت نحوسي ... وأقبل حيثما يمَّمت سعدي أتاك العيد يأذن بالبقاء ... الطويل وكلّ إقبال وجد /٤٤ ب/ تهنَّ به ودم ما دام رضوى ... على رغم الحسود وكلّ ضدّ وأنشدني لنفسه ما كتبه إلى بعض الرؤساء: [من الوافر] أيا مولى زكا أصلًا وفرعًا ... وجاد فما له في الجود ثاني ومن في راحتيه للمعادي ... وللراجي المنايا والأماني لقد عمَّت مكارمك البرايا ... ولكن قد تخطّت عن مكاني وما خابت قداحي فيك لكن ... أرى الحرمان من ذنب الزَّمان وما أشكو سوى حظّي وإني ... أعيذ علاك بالسَّبع المثاني

стр. 449

وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الوافر] ألا يا أيُّها المولى المرجَّى ... ومن حاز المكارم والمعالي وبحر للورى في راحتيه ... سحاب الجود منهل العزالي إذا ما يمَّم العافي حماة ... كفاه نداه عن ذلٍّ السُّؤال وإن بلغت إليه بنا المطايا ... فإنا بعد ذلك لا نبالي لقد حسنت به الأيام حتى ... لياليها أضاءت كاللآلي له القلم الذي أنّى انتضاه ... تدين لبأسه سمر العوالي وعزم يملأ الآفاق رعبًا ... تقصِّر دونه بيض النِّضال /٤٥ أ/ سما نحو العلا مذكان طفلًا ... فأصبح فيه جيد الشِّعر حالي ومذ حلَّت بمربعه ركابي ... أمنت بذاك حادثة الليالي أيا مولاي تاج الدِّين إنِّي ... أعيذ علاك من عين الكمال أمانًا لي من التقصير إني ... أجلك عن شبيه أو مثال وعفوًا عن تجاهل وصف مدحي ... لأنَّ العفو من شيم الموالي ولا زلت نجومك في سعود ... وأمرك نافذ الأحكام عالي وأنشدني لنفسه في إنسان يعرف بالمريض: [من المتقارب] وقالوا: المريض به خلقة ... وقد كاد يتلف من فعلها فقلت لهم قول ذي فطنة: ... تعود الطِّباع إلى أصلها وأنشدني لنفسه: [من الخفيف] قم بنا يا أخا المكارم نسعى ... لارتشاف الطَّلا وعضّ الخدود واغتنم غفلة الزمان وحاذر ... أن تبيع الموجود بالمفقود وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الكامل] مولاي تاج الدِّين عبدُك لم يزل ... يثني عليك بنظمه وبنثره

стр. 450

/٤٥ ب/ قد أضحت الدُّنيا بكم مسرورة ... وصحا الزَّمان وأهله من سكره وغدت لجودك في الزَّمان سحائبٌ ... تربي على فيض السَّحاب وقطره لا فارق الإقبال طلعتك التي ... تزهو على حلل الرَّبيع وزهره يا جوهري الشِّعر مدحة مادح ... وافى بمخشلب القريض وشذره فأعجب لقصَّة تاجر من جهله ... جاءت إلى هجر تجارة تمره وأنشدني لنفسه من قصيدة في شرف الدين المستوفي: [من الكامل] شرف المناصب أن يحَّل صدورها ... الشَّرف المبارك ذو النَّدى والجود مولى إذا ذكرت مناقب مجده ... اغنتك عن ذكر استماع العود ومنها: مولاي كم لي فيك من مدح غدت ... أبهى وأحسن من نظام فريد تربى على المسك السحيق بنشرها وتفرق شعري جرول ولبيد لو شام بارقها الوليد لما انبرى ... في ذكر رملي عالج وزرود

стр. 451

أو لو تأمَّلها ابن أوس لم تقل: ... (أريت أيَّ سوالف وخدود) وأنشدني لنفسه أيضًا: [من السريع] /٤٦ أ/ قل لفلان الدِّين يا من له ... رشح ندى يربي على القطر ومن إذا قصَّرت في وصفه ... فحلمه يبسط لي عذري يا أيها الصَّدر الكبير الذي ... فاق الورى بالنَّظم والنَّثر لقد تفرّدت ببكر غدت ... عذراء لم تفرغ مدى الدهر بدرَّة القصّار لكنَّها ... تفوق في الحسن على الدُّرِّ لها معان أودعت لفظها ... تقصر عنها دمية القصر فلا تملّكها لغير امرئ ... يبذل فيها أوفر المهر أنها شادت لأهل النّهى ... مآثرًا تبقى إلى الحشر وليس [من] يعرف مقدارها ... إلّا المليك الأشرف القدر لا [مثله بين] الورى رفعة ... وأعرف العالم بالشِّعر لا زال في هام العدا سيفه ... مؤيدًت بالعزِّ والنَّصر [١٩٧] سليمان بن جبرائيل بن محمد بن منعة بن مالك بن محمد بن سعد بن سعيد بن عاصم/٤٦ ب/ بن عائذ بن كعب بن قيس، أبو حامد ابن أبي القاسم العُقيليَّ الإربليَّ الفقيه الشافعيُّ، المدرِّس، الملقب بالجعل. ولقب بذلك؛ لأنه كان شديد سمرة اللون. وقد ذكرت والده في كتابي المتقدم المترجم بتحفة الوزراء، المذيل على معجم الشعراء، لأبي عبد الله المرزباني.

стр. 452

من أكبر بيت بإربل في الفقه والعلم، سافر إلى البلاد الخراسانية، في طلب العلم، ووصل بخارى وسمرقند، فأقام زمانًا، ثم انكفأ إلى بلده، وصار مدرس الشافعية وفقيهها. وأنفذ رسولًا عدة مرات إلى مدينة السلام، من قبل الملك المعظم مظفر الدين كوكبوري بن علي بكتكين- ﵁. وتولع بقول الشعر، ولا طائل له فيه، ويقول منه اليسير. أنشدني لنفسه: [من الرمل] لا تسل عن ذلك الربع وسل ... أين أرباب قدود كالأسل لعب البين بهم فافترقوا ... آه من جور زمان ما عدل وأنشدني أيضًا لنفسه يرثي صديقًا له: [من الكامل] /٤٧ أ/ في كلِّ بيت مأتم من فقده ... فكأنّه للعالمين نسيب يا أوحدًا فجعت به مهج الورى ... فبكت عليه نواظر وقلوب روَّى ثراك وآنستك تحيّة ... تغدو على طول المدى وتؤوب [١٩٨] سليمان بن أبي أبي طالب بن عيسى حامد الخيَّاطـ، أبو الرَّبيع البلديُّ، المعروف بابن بصيلة. رأيته شابًا أشقر طويلًا أبيض، يخضب بالحناء، وكان شاعرًا ذا طبع صالح في السعر، ويصنع الحكايات، وينشئ الأسمار، ويوشحها بالأبيات الحسنة من قوله، وربما ظهر في ذلك تعسف، وكان شيعيًّا مغاليًّا في ولائه، يتكسب بشعره، وله في أهل البيت- صلوات الله عليهم- مديح كثير. وبلغني أنه توفي ببلدة في جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين وستمائة، ليقيته بالموصل سنة اثنتين وعشرين وستمائة، وأنشدني لنفسه في الوزير الصاحب شرف

стр. 453

الدين أبي البركات المستوفي- ﵀ وقد قدم من غيبة، ويقتضيه/٤٧ ب/ رسمًا له عليه: [من الكامل] أهلًا بمقدمك السَّعيد ومرحبًا ... يا من يرى طلب المعالي مطلبًا فارقتنا فتفرقت أرواحنا ... شوقًا إليك وحنة وتلهبًا فإذا خلت منك البلاد فلا خلت ... أبدًا ولا وجدت محلًا مخصبًا طلت الأنام فصاحة وسماحة ... ورياسة ونفاسة وتهذَّبا وعلا محلَّهم محلُّك إذ غدا ... فوق السِّماك مخيِّمًا ومطنِّبًا مال الزَّمان إليك ميل مسأعد ... لمّارآك تحبُّ أصحاب العبا ألهمت نفسك نيل شأو ومتعب ... فنزلت للساعين شأوًا متعبًا رام العلا قوم فخيَّب ظنَّهم ... فيه وأشقاهم لذاك وأتعبا وأتى إليك مع السؤال قبوله ... متقرِّبًا ومناه أن يتقرّبا مولاي إني قد مُلئت تشتتا ... وتفرُّقا عن موطني وتغربا فاجمع بجودك لا عدمتك جائدًا ... شملي فقلبي نحو ذلك قد صبا رسم عليك مبين فأنعم به ... لأرى بذاك من الحبيب تقرُّبا فإذا رأى يسري تيسَّر أمره ... ويقول أهلًا بالمحبِّ ومرحبًا وأنشدني لنفسه من قصيدة/٤٨ أ/ يصف الممدوح: [من الخفيف] أذن الله للملائكة الأر ... بع ألا يوفدون فيما يقول فانثنوا طائعينه خيفة اللَّـ ... ـه وكلٌّ بكلِّ وجه كفيل فإذا كان ساخطًا أمَّ بالسُّخـ ... ط إلى ما يشاء عزرائيل وإذا كان راضيًا يتولَّى ... نصر من رام نصره جبريل وإذا ما أراد مجتمع الخلـ ... ـق كفاه المراد إسرافيل وإذا ما اجتدى سحابًا من الجو ... د أحلَّ السَّحاب ميكائيل وأنشدني لنفسه: [من الكامل] ومهفهف غنج اللِّحاظ تخال في ... أجفانه كُحلًا بلا تكحيل سلب [النفوس] وقد تبدَّى وجهه ... كالشَّمس مشرقة بغير أفول بسواد شعر كالدُّجى متسلسل ... ورياض خدٍّ كالصباح أسيل

стр. 454

قد طرَّز الشَّعر المنمنم خدَّه ... مسكًا فقلت مقالة المتبول تمَّت عذاراه فحاولت المنى ... في ثغره فهممت بالتَّقبيل فبدرن آساد اللحاظ مغيرة ... تسطو بكلِّ مهنَّد مصقول فتلبَّست وجناته لمّا انجلى ... نقع الوغى بنجيع كلِّ قتيل /٤٨ ب/ وأنشدني لنفسه: [من البسيط] سعيًا على الرأس لا سعيًا على القدم ... من فرط شوق إلى ريم يريق دمي أحنو عليه وقلبي منه في ألم ... يعيي الدَّواء وجسمي منه في سقم لي علَّة منك سدَّاها ملالك لي ... وبرؤها نهلة من ريقك الشبم كن كيف شئت فإنِّي كيف شئت وإن نقمت منِّي فإني غير منتقم أحبابنا لا تظنوني لبعدكم ... اضمرت غدرًا فليس الغدر من شيمي عندي قديم غرام ما تغيره ... يد التّناسخ بالأحداث والقدم ما لي أحنُّ إذا لاحت خيامكم ... واستلذُّ بنشر الضَّال والسَّلم؟ وما الخيام وادي المنحنى غرضي ... وإنما غرضي في ساكن الخيم وأنشدني أيضًا من شعره: [من الطويل] تحنُّ إلى قرب المزار وبعده ... وتصبو إلى شيح العذيب ورنده ويطربها الحادي فتهفو إلى الحمى ... لطيبة مرعاه ولذَّة ورده ويلهمها ذكر المحصَّب وجدها ... به وكذاك الصَّبُّ يُغرى بوجده ولولا الهوى ما كان في الأرض منزل ... يطيب ولا خلٌّ يسر بورده ألا أيُّها البرق اليمانيُّ لامعًا ... أماء حيًا يهمي انسكابًا برعده /٤٩ أ/ تعرَّض بآرام العقيق فإنَّ لي ... لديهنَّ ريمًا قدَّ قلبي بقدِّه تملكته عبدًا فلمَّا هويته ... ثناني الهوى عبدًا حقيرًا لعبده على أنني راضٍ ومن لي أن أرى ... رضاه بذلِّي في جلالة مجده وأنشدني لنفسه: [من الخفيف]

стр. 455

عجبوا بابتهاج لوني وألوا ... ن المحبيِّن من أذى الوجد صفر قلت لا غرو إن تمثَّل في وجـ ... ـهي نور ففي فؤادي بدر وأنشدني قوله: [من الكامل] قد قلت يومًا للحبيب وعيشنا ... صاف ومنهل قربنا لم يطرق أهجر وصدَّ وكان أصل مقالتي ... مزحًا وباغي المزح غير موفَّق فجفا وصدَّ بجهده فتضرَّمت ... كبدي وشاب من اتَّجافي مفرقي فعلمت حقًّا بعدها وتيقَّنا ... أن البلاء موَّكل بالمنطق وأنشدني أيضًا من شعره: [من البسيط] وقهوة تنعش الأرواح صافية ... تُسابق الرِّيق من مشروبها السَّلس صفراء حمراء بيضاء المزاج لها ... طعم ألذُّ وأحلى لي من اللَّعس نظرتها وظلام اللَّيل معتكرٌ والعين حاسرة من ظلمه الغلس /٤٩ ب/ فقلت جذوة نار غير كاذبة بدت كما قال موسى ليلة القبس فجئتها وإذا راح مشعشعة ... تزيد قوَّتها في النَّفس والنَّفس فشاقني نهلة منها فصرت بها ... ما بين منتهل ريًّا ومقتبس وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الخفيف] فاشرب الكأس وانهل الطَّاس واستثـ ... ـن على اللَّهو بالآواني الكبار من مدام إذا بدت في دجى اللَّيـ ... ـل أعارته مستضاء النَّهار أرسلوها في الكأس سرًّا فما ... مكَّنها من تحجب واستتار فاختفى كأسها فليس لنا علـ ... ـمٌ بما فيه جامدٌ أم جاري فكأن الحباب في الكأس ما بيـ ... ـن كبار منظومة وصغار وهي في راحة المدير وقد طا ... ف بها مسرعًا على السمَّار حقُّ درٍّ إلى التِّجار تهادي ... لازدياد في راحة السِّمسار

стр. 456

[١٩٩] سليمان بن المظفَّر بن موسى بن منصور بن عيسى بن نصر، أبو الربيع الإربليُّ، المعلِّم: ذكر لي أنه ولد بقلعة إربل سنة ست وستين وخمسمائة /٥٠ أ/ وهو أستاذي الذي علمني الخط، وله عليَّ حق الوالد على ولده. انتقل من الموصل إلى إربل، وفتح مكتبًا يؤدب فيه الصبيان، وانثال عليه خلق كثير، وأتوه من كل مكان، ورغب الناس فيه لعفته وديانته، وكان ذا هيبة على المتعلمين، وأكثر أبناء الرؤساء والمعتبرين بالموصل عليه تأدب، وبه تخرج، وبقي مدة طويلة في التعليم والتأديب، وصار له ثروة، ثم ترك ذلك، وسافر إلى البلاد تاجرًا، ثم أملق، ونفذ ما اكتسب، وساءت حاله، فرتب وكيلًا بين يدي القاضي أبي علي بن عبد القاهر الشهرزوري بالموصل. وكان يقول أشعارًا، يخلطها بالهزل، ويظهر فيها الإحماض، أنشدني لنفسه ما كتب إلى سعد [الدين]. منوجهر بن محمود بن محمد الأصفهاني الكاتب: [من الطويل] ألا قل لسعد الدِّين أسعده الله ... وحيَّاة من بين الأنام وأحياه وسلَّمه من كلِّ خطب يسوؤه ... وأعطاه من دنياه ما يتمنَّاه عبيدك يا مولاي قد جدَّ جدُّه ... وقد عضَّه الدَّهر الخؤون وعاداه فجد بالذي يرجوه منك ولا ترق ... بردِّك يا مولاي ماء محيَّاه /٥٠ ب/ وأنشدني أيضًا لنفسه: [من البسيط] قالوا المشيب نذير الموت قلت لهم ... كم من صغير قضى نحبًا وما شابا وكم رأينا فتيَّ السِّنِّ قد علقت ... به شعوب وشيخًا عاش أحقابًا وأنشدني أيضًا قوله: [من المقتضب]

стр. 457

بالمهيمن الصَّمد ... من هواك خذ بيدي وأكشف الثياب ترى ... ناحلًا من الكمد صل ولا تصدَّ فقد ... أنحل الهوى جسدي صاح قد أريق دمي ... أين طالب قودي؟ يا عذول دع عذلي ... كم تلجُّ في فندي لو نظرت طلعة من ... قد هويت من بعد كنت آمنًا آبدًا .. من نوازل الرًّمد وأنشدني قوله: [من الوافر] أهمُّ ودون همَّتي الثُّريا ... وحظِّي في الحضيض له قرار ولو قمر السماء جرى بسعدي ... لستَّره لشقوتي السّرار ولي شيم حسنَّ وطاب خيمي ... وخلقي لا يغادره وقار /٥١ أ/ فلو أني بعثت إلى ثمود ... لصالح صالحًا فيها قدار [٢٠٠] سليمان بن أبي البدر عبد الله بم محمد بن سلامة، أبو الرَّبيع البغداديُّ. شاب قصير، يتزيا بزي المتصرفة، يعرف بالمقاماتي، زعم أنه عمل خمسين مقامة على نهج القمامات الحريرية. عار من الفضل، لم يكن عنده من العربية ما يُقوِّم به لسانه، يلحن كثيرًا إذا أنشد شعرًا، ويخطئ إن أورد نثرًا، ويظهر في نثره ونظمه تكلف رديء، ولزوم يأخذ نفسه به من التعسف، ولم يحسن شيئًا من العلوم البتة. وذكر لي أنه صنَّف عدّة مصنفات، فشاهدته عدّة مرات يتناول كتابًا ذا خط معرب صحيح، فإذا ابتدأ بقراءته يصحف ويلحن، ويتلعثم في القراءة، ثم ينتمي إلى الكتابة وفن الإنشاء والرسائل، وله في ذلك مصنفات، ذكر لي أسماءها منها كتاب: "ملتمس

стр. 458

الجوانح"، يتضمن صنعة الإنشاء، وكتاب "إنهاء المصالح بالوزير الصالح" /٥١ ب/ وكتاب "مستنبط التسليك في معرفة المليك"، يشتمل على حكم وآداب وبلاغة وفقر، وكتاب "أنوار المسامرة وأزهار المحاضرة"، يحتوي على طرف من الإنشاء، واستدعاآت، وغير ذلك، وكتاب "المقامات"، انتهج فيها منهج الحريري في فنونها ومقاصدها، وكتاب "بلوغ الأمنية في التهاني الأمينية"، صنفه برسم أمين الدين أبي المكارم لؤلؤ بن عبد الله البدري، وهو مما كتبه إليه في المواسم والتهاني، وقال أشعارًا كثيرة. أنشدني لنفسه يمدح مولانا المالك الملك الرحيم بدر الدنيا والدين عضد الإسلام والمسلمين، شرف الملوك والسلاطين، أبا الفضائل نصير أمير المؤمنين- خلد الله دولته وكبت أعداءه وحسدته- ويُهنيه بالنيروز: [من الكامل] أبشر فطوع مرامك الأقدار ... يا ابن الملوك وحبَّذا الأنصار والدهر يحكم بالذي تختاره ... فأساله يا ابن الصِّيد ما تختار ورم التملُّك للبلاد فإنَّها ... ستجيئ مذعنة لك الأنصار وإذا عفوت عن البلاد وأهلها ... فالعفو عن زعمائها إيثار /٥٢ أ/ فافدح زناد القصد منك بعزمة ... فالنُّجح إضرام له وأوار للقاك أبعد ما تحاول مثلما ... في الوهم بثَّته لك الأفكار فاستجل نصرك من وجوه سعادة ... فحسامها بتأيُّد بتَّار يا خيرة الله العزيز وحبَّذا ... الملك الرحيم وملكه المختار لن يستحقَّ الأمر إلا ضيغم ... سامي السَّماحة مقدم كرَّار ولك الشَّجاعة والمراحم والنَّدى ... وبمثل ذلك تملك الأحرار وبنو الفضائل والفواضل والنُّهى ... والملك في غير التَّليد معار فالملك إسماعيل صالح دولة ... أمسى له ولها بك استنصار ملك فدتك وقد فدته نفوسًا ... وفداكما الأملاك والإكثار فسميته لمَّا تعظَّم قدره ... أضحى فداه الكبش لا الأعمار فسلالة الملك الرَّحيم قساور ... آجامها الآراء والأوطار فالملك أصبح والتمكن والنَّدى ... فلكًا وأنَّك بدره السَّيَّار

стр. 459

يا ابن العلا ولقد ظلمتك مادحًا ... وإليك يومى بالعلا ويشار حلمٌ وجودٌ والتزام مروءة ... ولدى الصَّريخ فعصمة وقرار فجميع ما في الخلق من مستحبس ... فرَّقتموه فأنتم الأخيار /٥٢ ب/ فمديح غيركم يعود عليكم ... إذ ليس تخلو منكم الأشعار أعمى عيون المدح شحَّ سواكم ... فتوارت الأضواء والأنوار وكحلتموها بالسَّماح فأبصرت ... فكأنها الزَّرقاء والأطيار فلك الهناء بيوم نيروز أتى ... في طيِّة التأييد والإيثار أعطيت آخره ثلاثة أحرف ... بالملك أمضته لك الأقدار وعليه علمت السعادة والعلا ... ومن الإله بحكمه الإقرار فاسلم لدى ظلَّ السعادة إنَّها ... عشَّاقة لك والهوى قهَّار فلقد صبت لك إذ رأتك لحبِّها ... أهلًا فحقَّ لقلبها التَّذكار فاحسن بحبِّ السِّعد ظنَّك آمنًا ... ففؤاده بعداكم غدّار وقال فيه أيضًا حين أجرى قناة بمدينة الموصل: [من الوافر] أمولانا علام على قناة ... خروج الماء مع تعب الولاة ألا فالمس بكفِّ نداك منها ... ترابًا أو فدس أرض القناة وقد أضحت وحقَّ نداك حقًّا ... تضاهي ماء دجلة والفرات فيحمدك الورى خصبًا ويثني ... عليك الطَّير مع وحش الفلاة /٥٣ أ/ وأنشدني لنفسه يهنيه بإبلاله من المرض: [من المجتث] تباشري بالفلاح ... يا أنفس المداح قد لاح بدر الأماني ... في أوج برج النَّجاح مهنِّيًا للقوافي ... بحقوق نفس السَّماح وأرسل السَّعد فينا ... على لسان الصَّلاح وأنشدني لنفسه أيضًا: [من الخفيف]

стр. 460

واقتناء الثَّناء أحلى لديه ... من مرام يناله بالنَّجاح فرَّ من بيت ما له بنداه ... مصفرًا من تزاحم المدَّاح وأنشدني لنفسه قوله: [من الخفيف] وانقراض القريض من قلَّة الرا ... غب فيه وفي العلا والسناء واللَّبيب الأريب حرَّضه معـ ... ـروفه والكساد في الحسناء وأنشدني لنفسه في قوس: [من الكامل] وتلين للرَّامي ويقسو قلبها ... فتحبُّ في بغض العدوِّ الكاشح ومتى تقيَّد تسع اسهمها ردى ... ففساد مطلبها برمي صالح /٥٣ ب/ وله من رسالة في المقامة الخيفاء، كلمة منقطعة وكلمة عارية: [من الوافر] وما حبُّ المحامد بثَّ حمد ... فخذ حمدًا يحبُّ ولا يحدُّ وما بذُّ الحلاحل في سماح ... يشين ولا يخيف ولا يعدُّ وله في مثل ذلك: [من السريع] وها فتى أمَّك في عسره ... فذٌّ ولم تفن عداه ففز ولم يفز إلا فتى ماله ... ينبت حمدًا في سماح نشز وقال في الأمير أمين الدين حين قدم من بغداد: [من السريع] قدمت مولانا بما تجتني ... من غصنه عصمة داعيكا غصن له الآراء جرثومة ... وشربه نجح مساعيكما وأنشدني لنفسه في الملوكي المالك، الملك الرحيم بدر الدين نصير أمير المؤمنين- ثبت الله دولته: [من البسيط] وقائل إنَّ مولى النَّاس قاطبة ... أمِّيُّ ملك وهذا العدل من نعمه /٥٤ أ/ فقلت إن كان أمِّيًا فلا عجب ... هذا النبيُّ بها قد خصَّ مع عظمه وله، وأنشدنيها بديهة، وقد حضر القاضي محيي الدين بن مهاجر، بالمدرسة
следующие страницы →