Полный текст (2 778 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
[٣٢]
إبراهيم بن حامد بن عطا بن حامد بن محمد بن نبهان بن عيسى بن عبيد الله بن بشر بن ريان الأسديُّ الحورانيُّ.
مولده بشبهة –قرية من أعمال بصرى من الثغور الشامية- سنة إحدى عشرة وستمائة.
أنشدني لنفسه يمدح الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين –خلّد الله دولته:
[من الكامل]
حرم له من ذي الجلال ذمام ... وصلاة قدس طاهر وسلام
حرم يفوق النَّيِّرين ومنزل ... أضحى له فوق السِّمًاك مقام
/٥٦ ب/ فلئن سعدت بقربه وبلثمه ... فلأنت في الدَّارين لست تضام
قد زين الله البلاد بدولة ... ما شابها ظلم ولا إظلام
بإمامنا المنصور فاخر دينناً ... طود الحجى إن خفت الأحلام
جبل الحلوم رسا وخير خليفة ... نيطت به في الأعصر الأحكام
من ذا يحيط بوصفه وهو الَّذي ... قد قصَّرت عن كنهه الأفهام
لو رامت الأقلام تكتب فضله ... ما أدركت ما رامت الأقلام
تزهى المنابر حين يذكر وصفه ... طربا ويحسن في نهاه نظام
مستنصر بالله حافظ حرمة الإسلام ليس عن الأنام ينام
فيه قوام الدِّين والدُّنيا معًا ... والله شاهد ذاك والإسلام
ما همُّه في لذَّة بل همُّه ... أن تجبر الضُّعفاء والأيتام
هو بدر أرض الله والدُّنيا له ... فلك كواكبها له خدَّام
خير الخلائق وابن عمِّ محمَّد ... أحكأمه لزمانه إحكام
هو كعبة القصَّاد والحرم الَّذيً ... أبداً له الإحلال والإحرام
طافت به الآمال وهي نوافر ... ما قأدهن إلى سواه زمام
стр. 72
عمَّ الخلائق من فواضل جوده ... بنواله الأنفال والأنعام
/١٥٧ أ/ عدل الزَّمان بخلقه وبخلقه ... فتباشرت بخلاله الأيَّام
لولا هداه لما أستبان لذي النُّهى ... رشد ولا نقض ولا إبرام
يبقى أمير المؤمنين فإنَّه ... للدين والدُّنيا حيًا وقوام
..... دينًا أشاد عماده ... لعلاكم الإجلال والإعظام
وعلوتم في العالمين إلى مدى ... سأم يقصِّر دونه الأوهام
هم حجَّة ومحجَّة لولائه ... تتطهر الأوزار والآثام
تحيا به ذمم المكارم والنَّدى ... ويموت من إفضاله الإعدام
زهرت به الدُّنيا فطاب نعيمها ... وتواصلت بحنوه الأرحام
ففخاره في كلِّ فخر أوَّل ... وثناه للمسك الذّكيِّ ختام
ولكم قطعت إليه من ديمومة ... غبراء لا دبب ولا آرام
يمَّمتها ..... وقد حمي الحصى ... بهجيرها وبها النَّسيم سهام
والآل يلمع في القفار كأنه ... للناظرين يحوزها أعلام
علَّلتها بثنا الإمام فأرقلت ... مثل الظَّليم وقد حداه ظلام
حتَّى أفوز بلثم ترب لثمه ... شرف ومن جور الزَّمان ذمام
وموارد ما مسَ وارد فضلها ... أبداً على طول الزَّمان أوام
/٥٧ ب/ فالله يحرسه لأمَّة أحمد ... ما ناح في الغصن النَّضير حمام
[٣٣]
إبراهيم بن عمر بن سعد بن محمد، أبو إسحاق ......
الشهر كرديُّ، المعروف بابن البوريانيِّ الخطيب.
وهو من قرية تدعى شهر كرد بين دقوق وقلعة كرخيني. وكان يتولّى خطابتها.
شاهدته بإربل شيخًا من أهل الفضل والصلاح وحفظ القرآن والمتفقهة. ويرجع في الشعر إلى سلامة قريحة.
стр. 73
أنشدني لنفسه سنة ستٍّ وعشرين وستمائة ما كتبه إلى صديق له يستمد منه الشفاعة في حاجة عرضت له: [من البسيط]
شكوت دهري إلى خلٍّ فأرشدني ... إلى كريم يزيل الهمَّ والكربا
وقال: لا تلح دهراً فيه سيِّده ... فذا أقام منار الدِّين والأدبا!
فقلت: من ذاك قل لي ناصحي وحزت ... شكراً أضمنه الأوراق والكتبا
فقال: واعجبًا من ذي نهى ندس ... عداه فضل سديد الدِّين واعجبا
الألمعيِّ الَّذي ما خاب منتجع ... جناته من حوى من برِّه نشبا
/٥٨ أ/ الأريحي وستر الجود منسبل ... ومن .........................
وقد زففت إليه بكر قارفية ... عمداً ليمهرها من جوده الأربا
ولست أطلب لا تبراً ولا ورقًا ... بل اعتناء يفوق التِّبر والنَّسبا
وإن تحصل ما أبغي بهمَّته ... وإن تعجَّل من إحسانه الطَّلبا
[٣٤]
إبراهيم بن نصر بن عيسى بن عليِّ بن أحمد بن الحسين بن عليِّ بن خزريّ، أبو إسحاق بن أبي الفتح العباديُّ الموصليُّ.
رجل مكتهل أشقر اللون. كان والده إليه الإستيفاء في الدولة الأتابكية، نافذ الأمر فيها، مقبولاً في آرائه؛ وأخباره في ذلك مأثورة على ما يأتي ذكره في موضعه –إن شاء الله تعالى-.
ونشأ ولده وتخلّق بأخلاقه، وتولّى التصرف في الأعمال السلطانية، ونظر في الأشغال الديوانية، ولم يزل كذلك بسيط الجاه، ذا أمر ونهي حتى فارق الموصل متوجهًا نحو البلاد الشامية [هاربًا فهدمت داره بالموصل، أمر بهدمها بدر الدين لؤلؤ مليكها]. واتصل بملوكها بني أيوب فأحسنوا إليه إحسانًا عظيمًا.
стр. 74
/٥٨ ب/ ثم إنَّه عاود الموصل في جمادى الأولى سنة ثلاثين وستمائة، فرتبه الملك الرحيم بدر الدين سلطانها –أعز الله أنصاره- عارض الجيش، وولاّه النظر في ملكه الخاص، وزيد في إكرامه.
سألت أبا إسحاق عن مولده، فقال: ولدت يوم الأربعاء سابع عشر المحرم سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة بالموصل.
وحفظ القرآن الكريم، وقرأ شيئًا من الفقه والأدب، وسمع كتاب "جامع الأصول في أحاديث الرسول" على مصنفه أبي السعادات المبارك بن محمد بن عبد الكريم الجزري؛ وله إجازات من عدّة مشايخ.
وهو متفرّد بعلم الحساب والمساحة، ومعرفة مسائله. والتبريز في التصرف وقوانينه.
أنشدني لنفسه يمدح الملك الرحيم بدر الدين أبا الفضل –أنفذ الله أمره ونهيه- بالخلعة التي شرفه بها الخليفة المستنصر بالله أمير المؤمنين أبو جعفر المنصور –خلّد الله ملكه وسلطانه-: [من السريع]
مولاي يا مالك رقِّي الَّذي ... ببأسه يدفع صرف اللَّيال
/٥٩ أ/ ملكت بالعدل قلوب الورى ... وحاميًا عنهم بعضب ومال
أعطيهم فوق الَّذي أمَّلوا ... وجدت للسائل قبل السُّؤال
فجاءك السُّلطان عفواً وقد ... نصَّ الإمام العصر قبلكم وقال
طاعة بدر الدِّين لي طاعة ... ومن عصاه ذاق طعم الوبال
يا واحد الدَّهر وسلطاننا ... ومن له في كلِّ ناد نوال
ومنها يقول:
فاسعد بهذا الملك في دولة ... خالدة محروسة من زوال
وليهن عصر أنت سلطانه .. وليلفك الرَّحمان عين الكمال
стр. 75
[وقال أيضًا يمدح الملك القاهر عزّ الدين مسعود بن أرسلان شاه:
[من الكامل]
يا أيَّها الملك الَّذي بمغيبه ... حجب الكرى عن مقلتي ونفَّرا
عوفيت من ألم غدا متعرِّضًا ... بمزاجك المحروس يا خير الورى
يا ليته إذ لم يجد إلاَّك ذا ... عفو أتى من ذنبه مستغفراً]
[٣٥]
إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الواحد، أبو نصر بن أبي الفضائل الشيبانيُّ، المعروف بابن القفطيِّ.
وهو أخو الوزير القاضي الأكرم وزير حلب، وسيأتي نسبه مستوعبًا في ترجمة أخيه –إن شاء الله تعالى-.
أخبرنا أنه ولد في رابع عشر المحرّم /٥٩ ب/ سنة أربع وتسعين وخمسمائة بالبيت المقدس –حمى الله حوزته-.
وكان والده القاضي الأشرف كاتبًا في دولة بني أيوب، يتولّى ذلك بالبيت المقدس، فهاجر إلى اليمن واستوطنها إلى أن توفي بها، وخلف ولده هذا أبا نصر صغيراً فتوجه إلى حلب وعمره يومئذ سبع سنين؛ فقرأ شيئًا من الأدب على أخيه، وسمع الحديث كثيراً على الشريف افتخار الدين الهاشمي، وأبي محمد عبد الرحمن بن الأستاذ الحلبي وغيره. [من الكامل]
/٦٠ أ/ وأهزم جيوش الهمِّ عنك بعانس ... بكر بغير القار لم تتلفَّع
стр. 76
شمطاء تذكر آدمًا في طينه ... وتريك في الظَّلماء معجز يوشع
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من البسيط]
طلَّقت لهوي ثلاثًا حين طالعني ... من ثغره ...... شيبي البادي
فهل يليق بي الرّجعى وقد شهرت ... ظباه من شفرتى همٍّ وميلاد
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الكامل]
ليست عهود هواك ممَّا تنقض ... أبداً ولا الحرمات ممَّا ترفض
فعلام تتَّخذ الملالة ملَّة ... وتميل ميل معاند يتعرَّض
أفردتني بالسُّقم مذ أوردتني ... في القسم مورد من يغصَّ ويجرض
أضرمت ناراً في ضميري وقدها ... وبوجنتيك لها شعاع مومض
حكم الجوى أنَّ الأسى لا ينقضي ... أبداً وأنَّ أخا الهوى لا يغرض
هيهات والذكرى تحرِّك ساكن البلوى وحادي الإشتياق يحرِّض
وبنفسي الغادون لو عاجوا على الوادي وعادوا مستهامًا أمرضوا
صرفوا عن الأجفان مذ سدفوا الكرى ... وإلى محاجرها المدامع قوَّضوا
إن فيَّضوا ماء العبون فإنَّهم ... عين التَّبصُّر والتَّجلُّد غيَّضوا
/٦٠ ب/ الله جارهم الجوارح بعدهم ... مجروحة والقلب دام مرمض
وعلى تجنِّيهم فليس سواهم ... غرض ولا عن حبِّهم متعوَّض
يا كم نهضت وقد نمى ضعفي بما ... شمُّ الجبال ببعضه لا ينهض
ولقيت من حبٍّ وخبٍّ ماكر .... أبداً بميدان الغواية يركض
متملِّق بادي النَّفاق وحالب ... أفواق مذق دهره لا يمخض
يبدي المحبَّة والولاء لسانه ... وجنانه صلٌّ عليَّ ينضنض
فمن الصَّفاء مبرَّأ ومن الرِّياء مملا ومن المروءة مفضض
ولكلِّ ما أكرمت زاد لامة ... وملاله أدرانه لا ترحض
стр. 77
فعلى إسعاف الصَّديق بكلِّ ما ... أسطعيه وله جناحي أخفض
فإذا قسا لا ينته وإذا نأى ... دانيته وإذا تجانف أغمض
وإذا وفاة وفائه صحَّت ولم ... تبق الخيانة فيه عزمًا ينبض
هاجرته الهجر الجميل ووجهه ... المسود عند لقًى ووجهي أبيض
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الطويل]
بكيت دمًا فأزورَّ سؤلي مكبراً ... فعالي فقلت: أرفق فما جئت بالنُّكر
نذرت إذا ما ورتني نحر مقلتي ... فلمَّا بدا مرآك وفَّيت بالنَّر
/٦١ أ/ وأنشدني أيضًا في المعنى لنفسه: [من الطويل]
ولمَّا بدا المحبوب سالت مدامعي ... دمًا فتولَّى مكبراً سوء فعلتي
فقلت: نحرت القلب من عظم اللِّقا ... لديك فهذا عيد نحر لمهجتي
وأنشدني أيضًا لنفسه في المعنى: [من السريع]
قال حبيبي لمَّا رآني ... أذري نجيعًا أرعت سربي
فقلت: من فرحة التَّلاقي ... يا نور عيني نحرت قلبي
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من المجتث]
لمَّا وقفت جنوني ... على الدُّموع الجواري
فرَّ المنام وقال العوار سكنى العواري
وأنشدني أيضًا لنفسه وقد اقترح هذا المعنى: [من الكامل]
حسد الهلال على الجمال معذِّبي ... فتزيد الأنوار كي يحكيه
ثمَّ اعتراه النَّقض عند كماله ... بقصوره عن بعض ما يحويه
وأنشدني لنفسه: [من السريع]
نشدت لمَّا فصلت عيرهم ... وحبُّ قلبي بالنَّوى حصيد
/٦١ ب/ يا سائقي أظعانهم ترفَّقوا ... ألأيس منكم رجل رشيد؟
قد كشف الشَّوق غطا صبرنا ... فبصر الدَّمع به حديد
стр. 78
وجنَّة الخدِّ وكوثر اللَّمى ... لحرقي عليهما خدود
لا تنطفئ بقربه وكلَّما ... عاودها تقول: هل مزيد
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الرجز]
أفدي بسيط الغدر مجتثَّ الوفا ... وافر سقمي من طويل صدِّه
ذهاب صبري ومقام ضرِّي ... من فضَّة مذهبة بخدِّه
وقال: كنت بميافارقين، وبلغني أن أخي أعيد إلى الوزارة للملك العزيز محمد ابن الملك الظاهر، فقلت، وأنشدنيها لنفسه: [من الكامل]
بشراي أبدى البشر بعد تجهُّم ... وأعاضني بشهادة عن علقم
نسخت سنين السُّخط ساعات الرِّضا ... ومحا محمَّدهنَّ كلّ مذمَّم
فرتعت من وجناته في جنَّة ... مسقيَّة بحيا الحياء المثجم
صفرت يدي من وصله إن لم يكن ... نومي زمان جفاه جدَّ محرَّم
وبمهجتي كلف بوصل قطيعة ... مغرى بتعذيب المحبِّ المغرم
/٦٢ أ/ يرمي المقاتل عن قسي حواجب ... من مقلتيه بصائبات الأسهم
سلب العقول مؤشَّر من ثغره ... سلب الرِّجال ربيعة بن مكدَّم
من خطِّ عارضه ومقلة خاله ... قد أفصحت عذبات دمعي الأعجم
يزورُّ إن خاطبته في زورة ... متشابهًا ويصول صولة ضيغم
لم أنسه إذ قال لي: يا راكب الشَّهباء خلِّ صبيًّا لراكب أدهم
فشكرت ليلاً من شبابي ظاعنًا ... وشكوت صبح مقيم شيبي المقتم
فأجابني يا ظالمي قدك أئَّئب ... وأشكر ثناي لمنجد ولمتهم
وأبشر بتجديد العليِّ الأكرم الصُّنع الجميل لدى عليِّ الأكرم
стр. 79
[٣٦]
إبراهيم بن عليِّ بن الحسن بن جريّ، أبو محمد النحويُّ الموصليُّ.
أخبرني أنه ولد سنة تسع وثمانين وخمسمائة بالموصل. زعم أنَّ والده من قرية من قرى العراق تدعى شنا.
استظهر كتاب الله تعالى، وأخذ علم النحو والعربية عن شيخه أبي حفص عمر بن أحمد النحوي ...... ، صحبه مدّة حياته.
وهو رجل قد وخطه [الشَّيب] /٦٢ ب/ ربعة أسمر. كان يخيط القلانس في ابتداء أمره، على أشد غاية ما يكون من الفقر؛ فلما تميّز في العربية ومهر، صار من أعيان تلامذة الشيخ أبي حفص عمر بن أحمد العسفي.
اتصل بالأمير أبي الفضل لؤلؤ بن عبد الله البدري بالموصل؛ لتأديب أولاده –فانتفع به وصار يصحبه إلى مدينة السلام حين ينفذ رسولاً، فتمشت أحواله. وحصل رزقًا صالحًا، وأغناه ذلك عن صناعة القلانس.
وكان يصلي الصلوات الخمس بالمدرسة البدرية إمامًا، ويختلف إليها جماعة من فقهائها، يقؤون عليه شيئًا من النحو والعربية. يتولّع بالشعر ويقول منه الشيء النزر.
أنشدني لنفسه يمدح الأمير أمين الدين لؤلؤ ويذكر أولاده من أبيات: [من الوافر]
سرور لا يزال على التَّوالي ... يدوم مع الأهلَّة واللَّيالي
وسعد لا يزال لكم قرينًا ... يصرِّف عنكم عين الكمال
لقد ظفرت بما تهوى الأماني ... واضحت في انتظام كالآلي
وساعدنا الزَّمان بطيب وقت ... وولَّى القرُّ منبتَّ الحبال
стр. 80
/٦٣ أ/ وقد جاء الرَّبيع بكلِّ فنٍّ ... من الأزهار مفقود المثال
شبيه خلائق عذبت بصفو ... من المولى الموفَّق في الفعال
أمين الدِّين مرموق السَّجايًا ... كريم الخيم مع كرم الخلال
فيا مولى صنائعه شموس ... تسير مع النُّعامي والشَّمال
بلغت من الأماني منتهاها ... فولدك بالمحاسن في اكتمال
تجمَّع فيهم من كلِّ فضل ... يسود به الأواخر والأوالي
فمن أسد يحمّل يوم روع ... ببيض في الجلاد وبالعوالي
وأحمد في ديانته حميد ... يعدُّ مع الأئمة في المقال
فلا زالا وأنت لهم كفيل ... يحوزان المفاخر والمعالي
وأنشدني لنفسه فيما يكتب على سيف أهدي لأمير المؤمنين المستنصر بالله أبي جعفر المنصور –خلّد الله ملكه-: [من الكامل]
ولقد سموت على البريَّة رفعه ... وقصمت كلَّ معاند متجبِّر
لو لم يكن فيَّ الَّذي قد قلته ... ما كنت فزت براحة المستنصر
وأنشدني أيضًا من شعره: [من الوافر]
/٦٣ ب/ أيا زمن الصِّبا ولَّيت عنَّا ... وما أبقيت من أمر بديع
سلبت الأنس من طرف وقلب ... وحلو العيش من .....
وقد كنت الأنيس لكل شيء ... فقد أذهبت أبهة الجميع
وأنشدني أيضًا قوله: [من الوافر]
أمتلفتي بوعد في تمادي ... وملبستي سواداً في سواد
لقد أسملت للأسقام جسمي ... وصار الجفن منِّي للسُّهاد
فكفِّي الآن عن هجري وعودي ... إلى قطع القطيعة والبعاد
وأنشدني أيضُا لنفسه: [من الطويل]
أما والَّذي سنَّ التَّحية في الكتب ... وفضَّل بالإحسأن في البعد والقرب
стр. 81
لقد سبقت منك الأيأدي تفضُّلاً ... وما زلت تولي ......
وأوليتني ما لا أقوم ببعضه ... فحسبي بما أوليتنيه به حسبي
أما والَّذي أحيا المودَّة بالكتب ... وأقصاك عن عيني وأدناك من قلبي
وأنشدني أيضًا قوله: [من الطويل]
/٦٤ أ/ كتبت وفي قلبي من الوجد لوعة ... وعندي شجون من فراق الحبائب
ولولا رجائي أن نعيش ونلتقي ... لما كنت من وجدي إليكم بكاتب
سلام إليكم ما حننت إليكم ... وما .......... مشتلق بمقدم غائب
وأنشدني أيضًا من شعره: [من الطويل]
كتبت وقلبي مستهام وحقُّه ... يهيم بمن أهدى المسرَّة برقه
فذكَّرني عهداً وما كنت ناسيًا ... وأوجب شكراً في الصَّحيفة نطقه
[٣٧]
إبراهيم بن أبي النجم بن ثريّ بن عليِّ بن ثريّ، أبو إسحاق الموصليُّ
أخبرني أنَّه ولد سنة سبع وثمانين وخمسمائة. [توفي في سنة أربع وخمسين وستمائة بحلب ودفن بالمقام ﵀].
شاب أشقر اللون، أزرق العينين؛ ربما دعي والده بنجم وأبي النجم، جميع ذلك تقوله العامة.
اشتغل وهو صغير بشيء من العلم، وطالع التواريخ وأيام الناس، واستظهر قطعة جيّدة من الأشعار العربية، وحفظ شعر أبي الطيب المتنبي حفظًا حسنًا وفهم معانيه، وقال الشعر؛ ثم أغرى بلعب /٦٤ ب/ النَّرد والشطرنج.
стр. 82
أنشدني لنفسه قصيدة يمدح بها الإمام أمير المؤمنين المستنصر بالله – خلّد الله أيامه وأنشدها في صفر سنة ثمان وعشرين وستمائة بحضرة الوزير مؤيد الدين محمد بن محمد العلقمي: [من الكامل]
دار السلام وقبلة الإسلام ... وأجلُّ مرتبع وخير مقام
فاستقص في نظم الكلام ونثره ... كالدُّر في سلك وحسن نظام
وأعلم بأنَّك واقف بمواقف ... وقف على التَّبجيل والإعظام
يكسى بها قس فهاهة باقلً ... ويرى الفصيح بحلبة التَّمتام
حيث المقر أقرَّ أنَّ سحابه ... هطل الفواضل صيِّب الإنعام
حرم البُنّوَّة والخلافة والتُّقى ... نادي النَّدى والفضل والإكرام
تتضاءل الأوصاف عن أوصأفه ... وتضلُّ فيه هوادي الأفهام
وأبت جلالته مقال كأنه ... وسما فقصَّر عنه كلٌّ مسامي
فافخروته شرفًا فإنَّك مادح ... خير المديح بمدح خير إمام
القائم المستنصر المنصور والبرِّ الرَّؤوف الصَّائم القوَّام
هو حجَّة الله البليغة في الورى ... والعروة الوثقى بغير فصام
/٦٥ أ/ وهو المقدًّس والمطهَّر محتداً ... من كلِّ رجس غائب وأثام
وهو الوسلية والمحجَّة والرِّضا ... والمرتضى في الحلم والأحكام
والمجتبى والمرتجى والمنتهى ... في كلِّ مطلوب ونيل مرام
هو موجد الجود المشتِّت جامع ... حسن المحاسن معدم الإعدام
ألف المروءة قدر ما ألفت به ... ما ريع مرضع درِّها بفطام
وتساويا حبًّا وفرط صبابة ... فكلاهما في صبوة وغرام
ومتى قرنت به الكرام فحالهم ... في جوده والحلم والإقدام
كعب ككعب في السِّماح وحاتم ... حتم عليه النَّقض بعد تمام
ويقلُّ قيس أن يقاس بعبده ... حلمًا وأحنف أحنف الأحلام
وابن الطُّفيل غدا كطفل مرضع ... عجزاً ومدَّرعًا بدرع ملام
وعتيبة المعتوب في تقصيره ... هو مقدم لكن على الإحجام
стр. 83
وإذا الوغى أحتدَّت وكلَّ حديدها ... حتَّى تشبَّه فاصل بكهام
وبقسطل النَّقع المثار كأنَّه ... ليل تطلَّع أو طلوع غمام
وكأنَّما لبست به شمس الضَّحى ... ثوبين ثوب دجى وثوب قتام
والخيل تعثر بالطُّلى وتقسَّمت ... قسمًا لقسَّام وسهم سهام
/٦٥ ب/ وترى الدِّماء على الثَّرى فكأنَّما ... علَّت به الدَّهناء كأس مدام
تلقى أمير المؤمنين بمنصل ... يبكي النَّجيع ومبسم بسَّام
وقد استعد لحزبه ولحربه ... رفق الشَّقيق وسطوة الضّرغام
يا بان الخلائف من قريش والألى ... خلفوا الكرام وخلِّفوا بكرام
يا موتمًا أبناء كلِّ معاند ... دين النَّبيِّ وكافل الأيتام
صلَّى الإله على ابن عمِّك أحمد ... وعلى أبيك مفضَّل الأعمام
وعليك يا خير البريَّة رتبة ... من كلِّ مكتهل وكلِّ غلام
وبقيت في نعم تقارن أنعمًا ... وسلامة مقرونة بسلام
ما أورقت شجر وأخصب مجدب ... وتهافتت في الدَّوح ورق حمام
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الكامل]
لولا التَّعرُّض بالظِّباء الغيد ... وولوع قلبك بالمهاة الرُّود
ما صاب خدَّك صيِّب من دمعه ... وأصاب جفنك صائب التَّسهيد
فغدوت في أرق ترق له العدا ... وعهاد دمع ليس بالمعهود
إن كان أمحل عارض من عارض ... وأهيل صوب الخدِّ بالتَّخديد
فصبابة حكمت عليك فحكَّمتً ... وبل المدامع في وبال خدود
/٧٠ أ/ واهًا لعان مولع بعنائه ... جلد على حمل الغرام جليد
كفلت لهيب حشائه نار الجوى ... وتكفَّلت بفؤاده المفؤود
فطةى على نارين نار واصلت ... وصل السَّقام به ونار صدود
هذا ولو سلم السَّلامة من ضنًى ... أقوى القوى منه وحرِّ وقود
قالت جهنَّمه لرِّبه ... هل من مزيد من لظًى ومزيد
ما ذاك إلاَّ أن تعذبت الهوى ... عذب لكلِّ متيَّم معمود
стр. 84
كلف بحبِّ الرَّملتين فرملة ... سكنت حشاه ورمله بزرود
يغدو يعالج لا عجًا من عالج ... فيبيد بالمسرى سرايا البيد
ويروم من آرام رامة موعدًاً ... يا بعد ما وعدوا وقرب وعيد
ما زال يشكو باللِّوى أشجانه ... جهد المقلِّ وقلَّة المجهود
حتَّى ترنَّج رنده فكأنَّما ... سلب القرار بوجده الموجود
وعلى الكثيب الفرد من جرعائه ... رشأ كخوط البانة الأملود
بهر الدُّجى لمَّا دجأ بذوائب ... ذابت لهأ مهج اللَّيالي السُّود
وأمدَّ نور الصُّبح نور جبينه ... حتَّى أهتدى بضيائه الممدود
والشَّمس والقمر المنير كلاهما ... لو مكِّنا همَّا له بسجود
/٧٠ ب/ وتودُّ غزلان الصَّريم بميحها ... جيداً تخصَّص عنهم في الجيد
ذرِّي مبتسم شتيت واضح ... حلو اللَّمى عذب الرُّضاب برود
لم أنس إذ يسعى بكأس سلافة ... حدَّث لطافتها عن التحَّديد
والخدُّ ورديُّ اللِّباس وكأسه ... ورديُّة ورد من التَّوريد
فكأنَّ حمرة كأسه من خدِّه ... كسيت وفاحمه من العنقود
وكأنَّ دقَّة حصره صبٌّ شكا ... وصب الضَّنى من بنده المعقود
مازال يوليني دنوَّ بعاده ... قربًا إلى وله عليه شديد
والقلب في صفد المحبَّة هائمًا ... وارحمتا للهائم المصفود
وله: [من الطويل]
سلامًا لقلب همُّه ربه القلب ... يملُّ من العتبى ويصبوا إلى عتب
كأنَّ علاج الحبِّ ضربة لازب ... عليه فما ينفكُّ من لاعج الحبَّ
إذا سمته سلمًا ليصبح سالمًا ... من الجهد عاصاني وجاهد في حربي
يراني من حزب الوصيِّ فما اعتنى ... لحزبي إلاَّ أنَّه من بني حرب
وقد كنت غرّاً بالغرام فغرَّني ... وجرًّد لي من خدِّه مطلق الغرب
وسهَّل لي حزن الهوى فسلكته ... وسهل الهوى لا حزنه أصعب الصَّعب
/٧١ أ/ وما برح التَّبريح عنِّي بجانب ... فها هو بعد البعد جاري بالجنب
стр. 85
وطاوعته رغمًا ومن ذا الورى ... تبرَّأ من قلب لأبراً من قلبي
عفا الله عنه الآن إن كان مقصراً ... وإن هو لم يقصر وإن لجَّ في العصب
ألم ير جسمًا قد تجسَّم من ضنًى ... فعيناه معنيَّان بالسَّلب والسَّكب
يهيم متى هبَّ النَّسيم ولم يزل ... لصبِّ الضَّبا مرُّ الضَّبا أبداً يصبي
ويأرق إمَّا لاح منهنَّ بارق ... ويسرب بي أنَّى رنت مقل السِّرب
وجارية جادت ففاتت بسيفها إلى ... الحسن من جاري وجادت على الصَّبِّ
محجَّبة لم يغن عنهأ حجابها ... وهل يختفي الصُّبح المنير مع الحجب
لعوب من الأتراك خاقات جدُّهأ ... فما نشأت في دار قيس ولا كعب
متى سفرت قلت الغزالة أشرقت ... أو انتقبت وابن الغزالة في النّقب
وما البدر إلاَّ لمحة من جمالها ... ولا الشُّهب إلاَّ من قلائدها الشُّهب
لها واضحى أبدى من العذر واضحًا ... لصحبي وقد لاموا فأغرى بها صحبي
وفاحم فرع مفخم كلَّ واصف ... يضلُّ به الهادي ويذهل ذو اللُّبِّ
وطرف طريف للعقائًل عقله ... وطرف لطيف للعقول به يسبي
وعقرب صدغ لسبها داخل الحشا ... تؤجِّج ناري كلَّما أكثرت لسبي
/٧١ ب/ وتبسم عن ثغر نقيٍّ كأنَّه ... سنا البرق يهدي في الدُّجى حافر الرًّكب
وما زال إذ لالي بعزِّ دلالها ... ويلصق إعظامي لها الخدَّ بالتُّرب
ويشتاقها قلب ثوت في صميمه ... وهذا من المشتاق في غاية العجب
إلى أن ألم الشَّيب وأحتلَّ لمتَّي ... فمالئت لوَّامي وملت إلى العتب
وقلت لجدِّي أقبل فقد فات ما مضى ..................... أبعد فما وللِّعب
وخلٍّ رأى لبثي بدار مهانة .... فجرَّأه إصرار لبثي على ثلبي
رآني أعاني ما يعنِّي أقلُّه ... وقد كاد أن يقضى .... بها نحبى
وبات يعاطيني كؤوس ملامة ... فأكسبني سكري بها حيرة الضَّبِّ
فقلت له: مأ في نزاعك منزع ... عن القدر الجاري وهذا إلى الرَّب
ولا بأس إن والى الزَّمان عناده ... فكم للأسى آس وللداء من طبِّ
وكم رضت أرضًا بالكريم مضرَّة ... ثراها من الإثراء متَّصل الحدب
стр. 86
قضمَّت عرأها في عراها على الَّذي ... عراها وأغراها فصرت إلى الخصب
فخلِّ الما وأعص الكرى تطع السُّرى ... وعج بي إلى صهيون فهي المنى عج بي
إلى المطلب الأقصى إلى صيِّب الحيا ... إلى الغاية القصوى إلى المنهل العذب
تجد بذرأها منبت الجود والنَّدى ... كما في ذراها بالنَّدى منبت العشب
/٧٢ أ/ وحيَّ هلاً فيها بملك تواترت ... إلينا به الأنباء عن فضله تنبي
ملاذ الورى طود الحجى قمر الدُّجى ... سمام العدا ترب العلا الأروع النًّدب
مظفَّر دين الله عثمان والَّذي ... يعافى به العافي ويعفو عن الذَّنب
فما سمعت أذن بما حاز من علاً ... ولا مرَّ في وهم ولا جاء في الكتب
أجار على جور الخطوب فبأسه ... على كلِّ خطب في الَّزمان من الخطب
وأخلاقه راقت فلو قد تمثَّلت ... لشرب لما أعتًاقت لديهم عن الشُّرب
فأغضى عن الفحشاء من جفن حرَّة ... وأمضىً لدى الخيجاء من مفصل عضب
ونمَّ على معروفه طيب عرفه ... كذا نفحات الرُّوض نمًّت على السُّحب
ونادى مناديه منادي سخائه ... فجاؤوه أفواجًا من البعد والقرب
فوافوا به عرضًا عن النًّقص معرضًا ... ومالاً لمن وافى صبوراً على النَّهب
وكفًا بما كفَّت من العدم تكتفي ... ودرّاً من النُّعمى بدر على الحلب
فقال الوفا نيلاً ولم يقل ........ على كثرة الإرفاد نائله حسبي
مليك لحجِّ البيت قصد جنابه ... يناجي بما يرجى فينحى من الكرب
إذا أحتدّ في يوم الهياج وهاجه ... جلاد يفلُّ الحدَّ من سورة الضَّرب
وقد راح بالأرواح عامل رمحه ... فأثنت على كرَّاته السن القضب
/٧٢ ب/ وأردى العدا تحت السًّنابك وأرتدى ... من المجد ثوبًا لا من الوشى والعصب
ولم يرض إلاَّ الهام عمداً لسيفه ... وأقنعه سلب النُّفوس عن السَّلب
أعأد على من عاد عائد عفوه ... وأشغله كسب الثَّناء عن الكسب
لك الله أشكو ضنك حالي فأشتكي ... فأنت الرَّحيب الباع والمربع الرّحب
ودونكها عذراً فلو قال قائل: هي الدُّرُّ لفظًا لم يكن فاه بالكذب
стр. 87
إذا أنشدت في محفل ناب نشرها ... عن العنبر الهنديِّ والمندل الرَّطب
وصار لها أبن العبدً عبداً ونقَّصت ... زياداً وكادت في فصاحتها تربي
وإن بلغت عنها البلاغة أخَّرت ... قدامة وأختالت على ابن أبي وهب
فدم وابق محروس الجناب مملَّكًا ... تدين لك الأملاك في الشَّرق والغرب
/٦٦ أ/ وأنشدني أيضًا لنفسه بحلب المحروسة في شهر ربيع الآخر سنة أربعين وستمائة، يمدح الأمير مظفر الدين عثمان بن منكورس –صاحب صهيون- وأنفذها إليه من حلب المحروسة: [من الطويل]
نعم هذه نعم وهاتيك دارها ... تشبُّ بأعلى الغور للعين نارها
هدت ضمَّراً بالبيد أضمرها السُّرى ... فأقطارها مهديًّة وقطارها
يريك سناها أنجمًا في سمائها ... إذا هاج عاديها وطار شرارها
يقول لي الخلُّ الخليُّ وما درى ... أزندي أورى من جوى أم أوارها
أنار القرى بين الحشا منك والقرا ... فعينك عبرى ما يقر قرارها
فقلت: لظاها ما تجنُّ أضالعي ... شهرت بها حينًا فبان أشتهارها
ولفتحها من زفرتي مستعارة ... ألم ترها يحكي سعيري أستعارها
فحقَّ لدمعي أن يواصل مقلة ... جفا ناظريها نورها ونوارها
إذا جاورت نعم بنعمان جيرة ... وأبعد عنها قربها وجوارها
وأوجد أنس الوجد منِّي نفورهًا ... ونفَّر طيب النَّوم عنِّي نفارها
وأعوز شكلي في الهوى حين أشكلت ... معاني مغانيها وشطَّ مزارها
/٦٦ ب/ لها الله إن جادت وإن هي أنصفت ... على جملة الحالين والله جارها
متى شئت تلقى الغصن ريًّان ناظراً ... على الدِّعص فانظر ما يضمُّ إزارها
خفاجيَّة الأنساب عذرية الهوى ... سما فرعها الزَّاكي وطاب نجارها
حمتها حماة عادلت كلَّ معرك ... فسلَّت مقبسات النُّفوس شعارها
ففي كلِّ لبٍّ روعة من مغارهم ... كما كلُّ قلب لم يفته مغارها
مليكة حسن الدَّهر فاللَّيل فرعها ... ووضَّاحها للنّاظرين نهارها
стр. 88
يحرن حسان الحور فيها إذا رنت ... ومن أين للحور الحسان أحورارها
وسيَّان نظمًا ثغرها وعقودها ... وشتَّان طعمًا رسقها وعقارها
لها معصم لا عاصم منه لو دعت ... به العصم لانقادت وبان أنهيارها
منى البدر أني يلوى إذا ما تسوَّرت ... ولم يسم بدراً بل تعالى سوارها
عجبت لنفسي كيف بالشَّام أصبحت ... وعن جيرة اتلحدباء كيف أصطبارها
أخيِّرها بين الثَّنيَّة واللِّوى ... فمأ ينثني إلاَّ إليها أختيارها
يؤرِّقني مرُّ النَّسيم بربعها ... ويوقظني عند الهجوع أدَّكارها
فللَّه ليلات قصرن لطيبها ... وأطيب أوقات السُّرور قصارها
ويا ليت شعري حيث كنَّ عواريًا ... فهل أنا يومًا قبل يومي أعارها
/٦٧ أ/ إذ الورق قينات علون أسَّرة ... من الأيك يصبي سجعها وثمارها
وصوت المثاني والمثالث معرب ... بلحن غرور في الخدور .....
إذا ردَّدت أقمارها نغماتها ... شدا طربًا قمريُّها وهزارها
فشقَّ قميص الهمِّ عنه شقيقها ... وبثَّ شحوب الوجد منه بهارها
وساق يدير الرُّوح روحًا فحبَّذا ... مدير حميَّا كأسها ومدارها
كسا راحه راحًا يريك مزاجها ... بياض لجين ذاب فيه نضارها
كأنَّ على الياقوت إكليل جوهر ... إذا أنفض مسلًوبًا وقاري وقارها
أو البدر أبدى الشَّمس للشّرب فاكتسبً ... حياءً بحباب .... فالدراري .....
سلاف أتانا سالف الدَّهر بعدها ... فأعوز عصر كان فيه أعتصارها
فهات كبيراً فالسَّعادة حثُّها ... كباراً كما أنَّ الصَّغار صغارها
إذا خفت عاراً واللَّيالي معارة ... فليس بعار أن يصيبك عارها
أرى هممًا لا تنثني عن دناءة ... أضرَّ عناهًا أم أضرَّ أضطرارها
ولي همَّة عن مركز العِّز ما خطتً ... ونفس إليه طعنها وسفارها
فيا ويحها ماذا دهاها فأقصرت ... وعن قصدها صهيون ماذا أنتظارها؟
به أسد إن صال ذلَّت أسودها ... وبحر إذا ما فاض غاضت بحارها
/٦٧ ب/ فتبًا لها إن خافت الضَّيم والأذى ... وناصرها عثمانها وانتصارها
стр. 89
مظفر دين الله ناشر عدله ... وقد ضاق عن عشم الطُّغاة أقتدارها
مليك على كلِّ البريَّة حكمه ... وفي قبضتيه برُّها وبوارها
تكفَّلت العافي بيمن يمينه ... وقد ضمنت يسر المقلِّ يسارها
ففي خمسه للناكثين خميسها ... وفي عشره للماكثين عشارها
له محتد أصل العلاء فروعه ... ودوحة فخر لا يبارى فخارها
إلى منكورس القيل والمجد تنتمي ... فمن دونه قحطانها ونزارها
ومسعر حرب إن سطا يوم معرك ... فربح الأعادي في الكفاح خسارها
إذا نازعت أقيالها وتنازعت ... رؤوس حمام لا يدواى خمارها
وظلَّ بها سمُّ المنيَّة نافعًا ... فأرخت ستور النَّقع خوفًا قعارها
جرى سابقًا من لا يشقُّ غباره ... بسبَّق خيل لا يشق غبارها
لها عثير بين السَّنابك معتق ... ولكن بأعتاق الكماة عثارها
لتروى ظوام من قنًا وقواضب ... أبت إذ أثيرت أن يعطَّل نارها
فيصدر عن فري الصدور صدورها ... وقد وردت ورد الوريد عقارها
وأضحى رفيعًا قدره واقتداره ... وظلَّ وضيعًا قدرها وأقتدارها
/٦٨ أ/ على أنَّها لم تأل جهداً وما وقى ... وقد حذرت لو كان يغني حذارها
وإن أمعنت في الفرِّ من سطواته ... فأين من اللَّيث الهصور فرارها
أيا ملكًا كلُّ الملوك مشارها ... إليه وفي دفع الأذى مستشارها
ورب أيأد لا يطاول طولها ... ولكن طوال الطول منها أحتصارها
وغيثًا يرينا غوثه من بنانه ... سحائب لا تنفَّك تهمي غزارها
لك الله من غضب على الشِّرك مقصل ... له صفحة أرضى الإله غرارها
فكم مأزق في مأزق رهن حدِّها ... وكم مهج هاجت إليه مصارها
تأمَّل قريضًا مأخلا عن مقرِّض ... وأبكار أفكار يروق أبتكارها
هدت بقوافيها من الفهم حائراً ... وأوضح سبل السَّالكين منارها
معان على جيد المعالي قلائد ... عرائس تجلى والفريد نثارها
يفوق شذاها المسك ليس كروضة ... يمجُّ النَّدى شيحانها وعرارها
стр. 90
ودم في سعود نيِّر بك بدرها ... ومكِّنه تمكين إليك بدارها
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الطويل]
تهادى فكاد الغصن يشبهه قدّاً ... وأهدى إليه الورد من لونه خدَّا
فجاد على جوريِّه ورد خدِّه ... وقدَّ قضيب البان أهيفه قدَّا
/٦٨ ب/ فريد جمال جوهر الحسن ذاته ... فلا غرو إن سمَّيته الجوهر الفردا
حبيب حبا الصَّهباء سلسال ريقه ... فراقت به طعمًا ورقَّت به بردا
كسا كأسها طيبًا وحلَّى حبابها ... فصار على إكليلها ثغره عقدا
وأشهد أن الشَّهد من فيه يختشى ... ومن ذا جنى في النَّاس من برد شهدا
هدى الصُّبح لمَّا ضلَّ في ليل فرعه ... بصبح جبين كلُّ صبح به يهدى
علاه دجوجيٌّ من الشَّعر حالك ... تخال به قطعًا من اللَّيل مسودَّا
ولمَّا رأى شمس الضُّحى تستمدُّه ... جملاً وبدر التَّم يلتمس الرِّفدا
ومن ذا لها لو أشرقت من لثامه ... وكيف له لو كان يرضى به عبدا
له عامل في ناظر تحت حاجب ... أمير يمير المستهام به الوجدا
تجلَّى فنالا من سناه سناهمًا ... ولولاه ما عادا ولولاه ما عدَّا
يجرِّد هنديًا من اللَّحظ مرهفا ... متى ما انتضاه جاز في حدِّه الحدَّا
مضاربه جارت وجادت وجالدت ... فلا جلداً تبقي لديها ولا جلدا
فبين قتيل لا ..... وبين أسير لا يفدَّى ولا يعدى
فيا ساريًا يغري العلاً بمناسم ... تبيد عراص البيد في سيرها وخدا
إذا جئت وادي المنحنى دون ضارح ... وعاينت ذاك الرِّيم والبان والرَّندا
/٦٩ أ/ فلذ بحمى ذاك الجناب فمن به ... إليه مطايا الشَّوق في شوقها تحدا
وقل يا مريح الرُّوح إن كان واصلاً ... ويا رابحًا بالرُّوح إن منح الصَّدَّا
خف الله في صبٍّ من الصَّبر مخفق ... فخفاقه من فرط حبِّك لا يهدا
تعمَّدت معمود الفؤاد سلبيه ... فعنَّفته شوقًا وأقصدته قصدا
فإن قال لم أعمد فقد صحًّ قتله ... لقيت بلاه إن وفاقًا وإن عمدا
وإن كان يومًا يحياه مسعداً ... فلا لقيت عتب ولا أسعدت سعدى
стр. 91
وكم لاح لاح في هواه أجبته ... وقد ظنَّ ما يبديه من غيِّه لاشدا
عدمتك إنَّ القلب أضحى زمامه ... بكفِّ مكاف ما أرى منه لي بدَّا
فمغسوله المسكيُّ أوردني الظَّمأ ... وعساله اللَّدنيُّ هدَّ القوى هدَّا
أرى حبَّه فرضًا وإن سنَّ قتلتي ... وإن هو أخفى من تعدِّيه أو أبدى
وإن هو أولى أو تولَّى وإن وفي ... بميعاده أفديه أو أخلف الوعدا
وها أنا تصبيني مذاكرة الحمى ... وأهوى الثَّنايا الغرَّ والفاحم الجعدا
ويطربني مرُّ النَّسيم إذا سرى ... سحيراً بريَّا جيرة سكنوا نجدا
وأنشدني لنفسه ما كتبه إلى بدر الدين لؤلؤ –صاحب الموصل-:
[من الكامل]
مولاي عبدك شاكر لم يثنه ... إبعاده عن شكره وثنائه
/٦٩ ب/ ووحقِّ نعمتك الَّتي عمَّ الورى ... إنعامها فعجزن عن إحصائه
قسمًا وراحتك الَّتي ما جاوزت ... جود الحيا إلاَّ أحتبى بحبائه
والبحر باراها فبار وكاد من ... نبط الكابة أن يغيض بمائة
لمَّا رفعت محلَّه في مجلس ... النَّصر والإقبال من جلسائه
ووعدته نظراً بعين عناية ... فغدا به يسمو على نظرائه
لم يبق في الدُّنيا سواك له رجًا ... فمتى يراك محقِّقًا لرجائه
وأنشدني أيضًا قوله يتغزل: [من البسيط]
قل لي عداك غرامي أيُّها البان ... أبان أهل الغضا للعين أم بانوا
وجيرة بالنَّقا ما خنت عهدهم ... ولا هم لعهودي في الهوى خانوا
أضيعوا العهد أم حالت معاهدهم ... فحال عهدهم أم هم كما كانوا
إن أضمروا سلوةً حيث اللِّوى سلكوا ... فإنَّهم في ضمير القلب سكَّان
أو أنكر الطَّرف مغناهم فلا عجب ... فالعقل معتقل واللُّب حيران
ومدمعي ضلَّ حتَّى ما أهتدى بصري ... أهذه رامة أم تيك نعمان؟
عهدي بعم وشتيت الوصل مجتمع ... على الحمى وهم أهل وجيران
فالآن لا الأهل أهل بعد بعدهم ... عن الطُّول ولا الأوطان أوطان
стр. 92
أبكتهم وجفون السُّحب تنجدني ... فالقطر والدَّمع هتَّان وهتان
وأسأل الربع عنهم من تشوِّقهم ... جهد المقلِّ وما بالربع إنسان
[٣٨]
إبراهيم بن المظفر بن أحمد بن المبارك بن موهوب بن غنيمة بن غالب، أبو إسحاق بن أبي العزِّ المستوفي الإربليُّ.
شاب أسمر اللونً؛ أخبرني أنه ولد في المحرم سنة إحدى وتسعين وخمسمائة؛ وهو ابن أخي الصاحب شرف الدين أبي البركات المستوفي –﵀؛ وهو من بيت جليل /٧٣ أ/ بإربل في الرئاسة؛ أجلاء معروفون، رؤساء موصوفون.
حفظ القرآن المجيد، ويحفظ حملة من الشعر؛ وهو يتولّى التصرف لأمراء بلده، وفيه ذكاء.
وله شعر أنشدني منه، وكتبه إلى بخطّه: [من الطويل]
إلى الله أشكو من هموم تواصلت ... أما تغلط الدُّنيا لنا بصديق
لقد خانني لمَّا هجرتم مواصلي ... وقد صدَّ عنِّي معشري وفريقي
فواحربا كم تضرمون بصدكم ... وإعراضكم في القلب نار حريق
أقاسي همومًا من أناس فعالهم ... قذًى لعيون أو شجى لحلوق
وأنشدني له: [من الطويل]
تجلُّ عن التَّشبيه يا متملَّكًا ... بمقدمك الميمون إنتظم النَّصر
لئن سرت في برً من الأرض فدفد ... فقد صار بحراً ماؤه مفعم غمر
[٣٩]
إبراهيم بن أبي المنى بن أبي الفضل بن عليٍّ، أبو إسحاق الحبّال الحلبيُّ.
رأيته بحلب في ربيع الآخر سنة خمس وثلاثين وستمائة؛ رجلاً كهلاً سوقيًا. وسألته /٧٣ ب/ عن ولادته، فقال: ولدت في سنة سبع وسبعين وخمسمائة.
وزعم أنَّه تأدب على جماعة من فضلاء الحلبيين، واستظهر مقدمة باب شاذ وسرّ
стр. 93
الأدب لمنصور الثعالبي؛ فرأيته ذا طبع موات في عمل الشعر وخاطر حسن.
وأنشدني كثيراً من شعره، وكتبت عنه مقطعات؛ فمما أملى علي قوله:
[من السريع]
سلطانة سلطانة الحسن ... سقى محيَّاها حيا المزن
فالشَّمس من لألائه تكتسي ... نوراً وبدر التَّم في الدّجن
أفديه وجهًا لو تراءى لدى ... حسن لأصباه إلى الزَّفن
يقودني منها إلى حبِّها ... قدٌّ رشيق كالقنا اللَّدن
ناديت لمّا أقبلت فرحةً ... من ذا رأى شمسًا على غصن
فنٌّ من الحسن يهيم الفتى ... وكم لها في الحسن من فنِّ
وأنشدني أيضًا: [من مجزوء الرمل]
ساعدي سلطانة الحسن ... أسارى ساعديك
فأرى بالي وبالي ... جسدي طوع يديك
وأرحمي من بات يشكو ... من تجنِّيك إليك
/٧٤ أ/ فلقد أشفق من عاقبة الظُّلم عليك
وله: [من الرمل]
سيِّدي إنَّ ودادي لصحيح ... وبسرِّي حاش لله أبوح
ولك اليوم بقلبي منزل ... ماله عن حبَّة القلب نزوح
خبري دلَّ عليه .... ...... العاشق في الوجه تلوح
فاغتنم أجري ودعني أغتدي ... عند رؤياك بنجح وأروح
وأشف جسمي من سقام شفَّه ........ الأسى إذا مات الجريح
يا لقومي آفتي من نظري ... لم يزل طرفي إلى السُّمر طموح
أيُّها السَّمح بهجري والقلى ... وهو بالوصل ...............
لك روحي خلِّها في بدني .... وهو لا تدعني جسداً ما فيه روح
أنت لي راح مزاح في فمي ... لذَّلي منه غبوق وصبوح
قد حويت الحسن والطَّرف معًا ... يا مليحًا لا يضاهيه مليح
стр. 94
ما لليلي .... لا أرقده ... ونهاري تعب لا أستريح
أرقب الصُّبح ودمعي كدمي ... من رآني قال في الفرش ذبيح
قرّة العين إلى كم ذا الجفا ... إن جفني من تجافيك قريح
/٧٤ ب/ إن تكم ساءتك منِّي ترحة ... توجب التَّقبيح ما العفو قبيح
وله: [من مجزوء الرجز]
رحة قلبي تعب ... وبرء جسمي وصب
ودمع عينيَّ دم ... في الخدِّ منه ندب
وبين جنبيَّ جوًى ... بوقده التهب
كأنَّما الدَّمع لنيران الجسوم الحطب
والهم عندي مقعد ... ما عشت لا يقترب
إن أقشعت نائبة ... منه تنامت نوب
وإن تناءى سبب ... عنِّي تدانى سبب
فيا إلهي فرجًا ... أو أجل يقترب
إذا أمرَّت عيشة ... فالموت منها أطيب
[٤٠]
إبراهيم بن أبي عبد الله بن إبراهيم بن محمد بن يوسف، أبو إسحاق الأنصاريُّ الإسكندريُّ.
شاب قصير أسمر شديد السمرة، كوسج، يتطلَّس بزي بلده /٧٥ أ/ أخبرني أنَّه ولد سنة خمس وتسعين وخمسمائة، تفقه على مذهب الإمام مالك ابن أنس –رشي الله عنه- وتأدّب على أبي زكريا يحيى بن معط بن عبد النور الزواوي النحوي المغربي؛ وذكر لي أنه سافر إلى بلاد اليمن والهند والعراق والشام والروم.
شاهدته بالموصل أواخر سن اثنتين وثلاثين وستمائة؛ فرأيته رجلاً ذا عناية بفن المنثور والمنظوم، حلو الحديث، لطيف المحاورة، جميل المحاضرة؛ له لسان وفصاحة، وقبول عند الكبراء، وفيه دماثة وكياسة، ترغب الناس في عشرته، ويتقبلونه ويقبلون عليه حلس منزله. لم يمدح أحداً رجاء نائله وجدواه إلاّ رياضة لخاطره.
стр. 95
أنشدني لنفسه: [من الطويل]
رعى الله أيَّامًا مضين بجلِّق ... لقلبي عليها أنَّه وتوجُّع
رحلت وأبراد الشَّباب قشيبة ... وعدت وأسمال المشيب ترقَّع
وأنشدني أيضًا شعره: [من الطويل]
تصفَّح تصانيف الأنأم تجد بها ... عقولاً صحاحًا تارة ومراضا
/٧٥ ب/ فإن زرت مرضاها وجدت رياضة ... وإن رضت أرضاها رأيت رياضا
وأنشدني أيضًا: [من المديد]
ليس لي في غيرهم طمع ... وصلوا في الحبِّ أم قطعوا
أوجعوا قلبي ببينهم ... واستمرَّ البين والوجع
[ف] كأنِّي بعد بعدهم ... في الورى بالعيش انتفع
وأنشدني أيضًا قوله: [من الرمل]
بات يسقيني رشًا كالقمر ... يمزج المرِّيخ لي بالمشتري
بكؤوس من لجين أبيض ... ملئت لي من نضار أصفر
فوق أرض بسطت من سندس ... رصِّعت فيه نجوم الدُّرر
ذات عرض حفَّ بالتُّرك فلمً ... أر فيه غير أحوى أحور
وله ثوب جمال أحمر ... ذو طراز من عذار أخضر
[٤١]
إبراهيم بن عرب بن عبد الرحمن .... الشيباني.
أخبرني أنه ولد سنة سبع وتسعين وخمسمائة بالبيت المقدس –حمى الله حوزته-.
أنشدني لنفسه: [من الرجز]
يا خاضب الشَّيب وفي ظنِّه ... أنَّ خضاب الشَّيب لا يشينه
.. ..... ..... ..... ............. في ذقنه
стр. 96
وأنشدني أيضًا لنفسه، وكتبها إلى تاج الدين الصرخدي يلتمس شيئًا من شعره، فأبطأ عليه إنفاذه: [من الخفيف]
.. ..... ...... تاج الدين عن شاكر عد إحسانه
هذه حالة عذرناك فيها ... درر التَّاج لا تزال مصانه
وأنشدني لنفسه في إنسان كبير الأنف: [من الخفيف]
.............. أنف عظيم ... في خياشيمه يضيع الفيل
ولأنفاسه صفير إذا ما ... سمعت قيل قام إسرافيل
وأنشدني أيضًا قوله في المعنى:
وأعجب شيء في الذي ... أنفه يوازي باقي اسمه
. ..... ...... ............... من أنفه في المجرّة]
стр. 97
ذكر من اسمه أحمد
[٤٢]
أحمد بن عبد الغني بن أحمد بن خلف بن المسلم اللَّخميُّ القطرسيُّ.
كان من أهل الديار /٧٦ أ/ المصرية. وبها نشأ خاملاً، وكفله شخص من مصر يقال له "القطرس" ورّباه فلا يعرف إلاّ به. وفتح مكتبًا يعلّم فيه الصبيان، وبقي زمانًا طويلاً يؤدّب الصبيان ويعلمهم الخط. هكذا حكى لي من أثق به.
وكان فاضلاً نبيلاً شاعراً جليلاً فقيهاً على مذهب الإمام مالك بن أنس ﵁ وعنده معرفة حسنة بالأصولين والفلسفة، وحصل من ذلك على الأمد الأقصة.
ثم ترك ذلك وخدم في الأشغال الديوانية وفي ديار مصر؛ وله شعر كثير لطيف الغزل رقيقه. وتوفي بقوص في شهر ربيع الأول من سنة ثلاث وستمائة.
وساق ذكره الإمام أبو حامد الكاتب في خريدته، وأثنى على فصاحته ومعرفته.
قال العماد أبو حامد محمد بن محمد الكاتب الأصفهاني في خريدته: النفسي بن القطرس شاب مصري فقيه في المدرسة المالكية بمصر له خاطر حسن ودراية، ولسن ويد في علوم الأوائل قوية وروية من منابع الأدب ومشارعه روية.
أنشدت له: [من البسيط]
/٧٦ ب/ يسرُّ بالعيد أقوام لهم سعة ... من الثَّراء وأمَّا المقترون فلا
هل سرَّني وثيابي فيه قوم سبا ... أو راقني وعلى رأسي به أبن جلا
стр. 98
عيد عداني الغنى فيه إلى ....... لا تعرف العرف أيديهم ولا القبلا
ظللت أنحر فيهم مهجتي أسفًا ... وهم به ينحرون الشَّاء والإبلا
..................... لكان أرفع ........ الَّذي سفلا
قال المبارك بن أبي بكر ........... ، أنشدني أبو الفضل زهير بن محمد بن علي الكاتب، أنشدني الفقيه النفسي أبو العباس أحمد بن عبد الغني بن أحمد بن عبد الرحمن بن خلف بن المسلم اللخمي القطرسي لنفسه بقوص: [من الوافر]
وأهيف كالقضيب إذا تثنَّى ... وكالقمر المنير إذا تبدَّا
سبى قلبي هواه وكنت حرّاً ... وأضرعني هواه وكنت جلدا
فديتك من يمان كاليماني ... إذا ما أهتَّز الحاظًا وقدَّا
رآني الحسن أهوى الثَّغر المى ... فألبسه اللمَّى المعسول بردت
/٧٧ أ/ لئن لانت معاطفه دلالاً ... فإنَّ السَّيف يقتل وهو يندى
وإن عذبت مرأشفه فممَّا ... يذيب حديثه فيهم شهدا
وأنشدني بالإسناد له: [من المنسرح]
وقامة كالقضيب مائسة ... تحمل جسمًا كأنه الذَّهب
شمائلً الحسن فيه شاهدة ... بأنَّه حيث ينتهي الطَّلب
.. تفته والدلال يجذبه ... والقلب منه إليه ينجذب
وذقت ريقًا مزاجه عجب ... الخمر والمسك فيه والضَّرب
ولم أزل في أنتهابه شرهًا ... فاعجب لملكي وكيف أنتهب
أنشدني زهير بن محمد بن علي الكاتب، قال: أنشدني أحمد بن عبد الغني لنفسه: [من الطويل]
وذي هيأة يزهى بحال مهندس ... أموت به في كلِّ يوم وأبعث
محيط بأشكال الملاحة وجهه ... كأن به أقليدسًا يتحدَّث
فعارضه خطُّ أستواء وخاله ... به نقطة والخدُّ شكل مثلَّث
/٧٧ ب/ وقال: [من مجزوء الكامل]
نفسي الفداء لبابليِّ اللَّحظ فضِّيِّ الثَّنايا
стр. 99
ساجي الجفون على عرامة لحظه دمث السَّجايا
المى كأنَّ المسك قبَّله فأدوعه بقايا
وقوله: [من الكامل]
وأغن أغنى وجهه عن روضة ... غنَّى وإن كان القضيب المائدا
وإذا رأيت جماله وسمعته ... أبصرت بدراً وأستمعت عطاردا
عطارد: مغن مشهور من القدماء.
وقال أيضًا: [من الرمل]
علق القلب غزالاً أحورا ... أهيفًا أسمر يحكي الأسمرا
بابليَّ اللَّحظ شهديَّ اللَّمى ... لؤلؤيَّ الثَّغر بدريَّ السُّرى
يوسفيَّ الحسن إلاَّ أنَّه ... ما له بالثَّمن البخس شرا
لو رأى إبليس في صورته ... آدمًا يأمره ما استكبرا
أرسل الطُّرَّة كاللَّيل على ... غرَّة كالبدر لمَّا بدرا
وأراني الورد والنَّرجس من ... مقلًة حورا وخدِّ أحمرا
/٧٨ أ/ وحباني أقحوانًا أشنبًا ... فضلً الخمر وفاق العنبرا
وقوله أيضًا: [من الوافر]
وأخضر مثل غصن البان لدن ... وأحسن ما يكون الغصن أخضر
كأنَّ عذاره وافاه عذراً ... ليظهر فيه حسنًا كان مضمر
جرى ماء الصِّبا فيه فأزهى ... وأشرف نوره فيه وأزهر
وأثمر بالدَّراري والدَّياجي ... وهل غصن بذلك قطُّ أثمر
وقالوا: ريقه خمر ومسك ... وقد جهلوا بأنَّ الطَّعم سكَّر
نعمت بوصله في جنح ليل ... تظاهر من ذوائبه بمغفر
إلى أن جرَّد الإصباح سيفًا ... مضارب حدِّه الله أكبر!
وقال أيضًا: [من الطويل]
وأهيف مثل الرُّمح لينًا ودقَّة ... وكالسَّيف قدّاً واهتزازاً ورونقا
يضيء الصِّبا في وجهه فجماله ... يجدَّد فيه كلَّما قيل أخلقا
стр. 100
سبت مهجتي منه جفون كحيله ... وما كحلت بالسِّحر إلاَّ لتعشقا
وقدم حلب أيام الملك الظاهر وامتدحه ومن شعره قوله: [من الكامل]
/٧٨ ب/ هلاَّ عطفت على المحبِّ المدنف ... فشفيت غلَّة قلبه المتلهِّف
يا محرقًا قلبي بناء صدوده ... لو شئت كان ببرد ريقك ينطفي
أتلفتني بهواك ثمَّ تركتني ... حيران أسكب دمعتي يا متلفي
أو ما علمت بإنَّني رهن الضًّنى ... وقف الهوى لعذارك المتوقِّف
لا شيء أحسن من محبٍّ مغرم ... وجد السَّبيل إلى حبيب منصف
من لي وقد سمح الزَّمان بخلسة ... لولا تذكُّر طيبها لمً تعرف
إذ بتُّ معتنق القضيب على النَّقا ... ونعمت مغتبق السُّلاف القرقف
ومن شعره أيضًا: [من الكامل]
يا من تعوِّذه محاسنه ... من عين عاشقه إذأ شكُّوا
فبوجهه ياسين طرَّته ... وعلى لماه ختامه مسك
وله يرثي صديقًا: [من البسيط]
يا راحلاً وجميل الصَّبر يتبعه ... هل من سبيل إلى لقياك تتَّفق
ما أنصفتك جفوني وهي دامية ... ولا وفي لك قلبي وهو يحترق
[٤٣]
أحمد بن أسعد بن أحمد /٧٩ أ/ بن عبد الرزاق بن بكران، أبو الفضل المزدقانيُّ الوزير.
استوزره عز الدين أبو سعيد فرخشاه بن شهنشاه بن أيوب بن شاذي –صاحب بعلبك- وكان متقنًا في كل نوع من العلوم؛ كعلم الفقه والحساب والكلام والنحو اللغة
стр. 101
والأدب والشعر، وقرضه ومعانيه. وتوفي يوم الجمعة ثامن المحرم سنة خمس عشرة وستمائة.
أنشدني أبو محمد عبد الله بن عبد الوهاب بن عبد الكافي الدمشقي الأنصاري المعروف بابن الحنبليّ، قال: أنشدني الوزير أبو الفضل المزدقاني لنفسه:
[من البسيط]
ردُّوا زمان الصِّبا واللَّهو والكاس ... وعلِّلوني بندماني وجلاَّسي
وأسنيقنوا أن أقصى ما أؤمِّله ... وأشتهي شربه من ماء بلناس
وإن تحقَّقتم أن ليس يمكنكم ... هذا فحسبي صباباتي ووسواسي
من ليس يقدر أن يقضي لصاحبه ... خقًّا يعدُّ من الأحياء في النَّاس
وأنشدني، قال: أنشدني أبو الفضل شعره: [من مجزوء الكامل]
واضيعتا إن لم تجد ... لي خالقي بالعفو عنِّي
/٧٩ ب/ أذهبت عمري في الهذاء ... وبالتَّرجَّي والتَّمنِّي
وأتيت أطلب عفوه ... فالذَّنب والتَّقصير منِّي
وأنشدني المفضل بن أحمد، قال: أنشدني والدي لنفسه: [من السريع]
قبِّل بساط الملك الشَّاغر ... عن عبد قنٍّ لنداه شاكر
الملك الأمجد دام ملكه ... سيف أمير المؤمنين النَّاصر
ذي الماثرات الباهرات في الورى ... ربِّ النَّوال الجمِّ والماثر
وقف أمام دسته إذا أحتبى ... لوفده كبدر تمٍّ سافر
وأتل لديه سورة الفتح تقل ... لك الجواد السَّمح لفظ العاثر
وقل له: يا ملكًا فاق الورى ... من أوَّل في عصره وآخر
عزَّ بك الإسلام يا ناصره ... وذلَّ منً خوفك كلُّ كافر
وفتَّ أرباب الفخار والعلا ... بما تدرَّعت من المفاخر
لو كنت قسَّ زمني فصاحة ... قصَّر عن وصف علاك خاطري
لأن أبناء الزَّمان وشل ... وأنت كالبحر الخضم الزَّاخر
حجَّ إليك أملي من دونهم ... فعاد بالأخر الكثير الوافر
стр. 102
/٨٠ أ/ فكيف لا أشكر مولًى منعمًا ... ملأت من نائله غرائري
قد كملا صفاته في ذاته ... وفاق بالأصل الشَّريف الطَّاهر
دم ملكًا على الزَّمان حاكمًا ... بقدرة الملك القديم القادر
ما لاحا النُّجوم في جنح الدُّجى ... وما بدا الصُّبح لعين النَّاظر
[٤٤]
أحمد بن جعفر بن أحمد بن محمد بن الحجاج، أبو العباس بن أبي محمد الواسطيُّ، المعروف بابن الدُّبيثيِّ.
وهو ابن عمِّ أبي عبد الله محمد بن سعيد الدُّبيثيِّ الواسطيِّ "صاحب المذيّل" الذي ذيّله على أبي سعد السمعانيِّ.
كانت ولادة أبي العباس سنة ثمان وخمسين وخمسمائة. وتوفي مستهل جمادى الأولى سنة إحدى وعشرين وستمائة. وكان ضامن البيع بواسط، والناس يسيئون الثناء عليه؛ لأنه كان غير محمود السيرة في ولايته.
سمع الحديث من أبي طالب محمد بن علي الكتانيّ، وكتب عنه جماعة. وكان عارفًا بالأدب شاعراً فاضلاً /٨٠ ب/ حسن الشعر، وديوان شعره كبير يحتوي على أصناف المدح والهجاء والغزل والنسيب وشرح رسالة أبي العلاء المعري المعروفة بالأغرضية.
أخبرني أبو عبد الله محمد بن سعيد الدّبيثي الواسطي، قال: أنشدني ابن عمي أحمد بن جعفر لنفسه –وهو مما عمله بدمشق-: [من البسيط]
يا بين روّعت بالبعاد وكم ... قد بات قلبي والأسى يروِّعه
يا دهر كم لك من جمع تبدَّده ... للعاشقين ومن شعب تصدِّعه
стр. 103
وأنت يا بين قلبي كم تجرعه ... مرَّ الأسى وفؤادي لم تقطِّعه
يا خالي القلب قلبي حشوه حرق ... وهاجع اللَّيل ليلي لست أهجعه
إن خنت عهدي فإنِّي أخنه وإن ... ضيَّعت ودِّي فإنِّي لا أضيِّعه
هذا مقام ذليل عزَّ ناصره ... يشكو إليك فهل شكواه ينفعه
يلومه في الهوى قوم وما علموا ... أنَّ الملامة تغريه وتولعه
من لا يكابد فيه ما أكابده ... فيه ويوجعني ما ليس يوجعه
من لي بمن قلبه فأسمعه ... بثِّي فيبسط من عذري ويوسعه
قلَّ الوفاء فما اشكو إلى أحد ... إلاَّ أكبَّ على قلبي يقطِّعه
/٨١ أ/ من منقذي من يدي من ليس يرحمني ... يقتادني للهوى المردي فأتبعه
آتيه بالصِّدق من حالي فيجحده ... ظلمًا ويكذبه الواشي فيسمعه
وليلة زارني فيها على عجل ... الشَّوق يحضره والوجد يفزعه
وبات مستنطقًا أوتار مزهره الفصاح يتبعها طبعًا وتتبعه
إذا بدت نغمة المثنى سمعت لها ... وقعًا يلذُّ على الأسماع موقعه
فبت أنظره بدراً وأرشفه ... خمراً وأقطفه ورداً وأسمعه
وقام والوجد يبطيه ويعجله ... ضوء الصَّباح وأنفاسي تشيِّعه
وأنشدني الشريف أبو العباس أحمد بن الحسين ابن نقيب العباسيين الوايطي ببغداد، قال: أنشدني جدّي لأمي لنفسه يصف الشمعة: [من الكامل]
ونديمة زارت لها بعد الكرى ... وجه إذا كلح الظَّلام صبيح
يقضي البقاء لها بلا روح كما ... يقضى الفناء لها وفيها الرُّوح
ممشوقة مثل القضيب قضيفة ... لم يضوها همُّ ولا تبريح
ومن العجائب أنَّ من جليت له ... ضحكت إليه ودمعها مسفوح
/٨١ ب/ وقال أيضًا وقد حبس في ديوان واسط حبسًا طويلاً: [من الخفيف]
من كفي طارق الخطوب فأكفا ... أم عفي من صروفهنَّ فأعفا
الدهري حقد عليَّ وعهدي ... زمني وهو بي أبرُّ وأحفى
стр. 104
أم لهذا الزَّمان عندي ترات ... تقتضيه لشدَّة البطش عنفا
كلَّ يوم يروعني منه خطب ... والَّذي راع قبله ما تقفى
مغرم بي إما حبيب أورايه ثرى الأرض أو أفارق إلفا
خصَّني منه بالنَّوائب حتَّى ... صرت رهنًا على الحوادث وقفا
أتفدَّى الرَّدى وأحتمل الخطب ... جسيمًا وأشرب الهمَّ صرفا
وفؤادي عليه وقدة جمر ... يشفع القلب جمرها ليس يطفا
قد طعمت الزَّمان حلواً ومراً ... وحملت الأنأم ثقلا وخفَّا
وتبدًّلت بعد أهلي عتاة ... يتمشَّون في الأساود عسفا
كلَّ عأن يئنُّ في ظلمة اللَّيل ... إذا أعتنَّ بأسه قال: لهفا
بوجوه أرقَّ من نطف المزن ... وأندى من السحائب كفَّا
نفس صبراً على الملمَّات صبراً ... وترجَّى لها من الله لطفا
/٨٢ أ/ كم رأينا من كان أشفى على ... الموت فتقضى له الحياة فيشفى
فأجابه شخص من الواسطيين ينقض عليه: [من الخفيف]
قل لمن ظلَّ يعتب الدَّهر عنفا ... لو كفيت الورى لقد كنت تكفى
أيَّ خير عملت بل أيَّ يوم ... لا ترى أرض واسط منك خسفا
أتظنُّ الرَّقيب يخفى عليه ... منك حال على الورى ليس يخفى
أتذمُّ الزُّمان من أجل ما أولادك ... صرفًا وكم لقي منك صرفا
طالما قد شربت نغمأه صرفًا ... وشربنا في وقتك البؤس صرفا
أترى قد نسيت أخذك للكتب وتقرا السُّطور حرفًا فحرفا
وضجيج النِّساء إذ هنَّ يبكين ... لضرب الرِّجال حزنًا ولهفا
كم ألوف قد أقترضت من النَّاس ولم تقضهأ وفرَّقت إلفا
وأناس من خوف ظلمك ضلُّوا ... في الفيافي ورسمه قد تعفَّى
إن أسرَّ المتاع منك أخذت ... الضِّعف عمَّا تريده منه ضعفا
أو أذاعوا لديك ما كتموه ... حزت ما تشتهيه منه مكفَّا
ثمَّ لمَّا عوقبت تنشد جهلاً: ... من كفى طارق الخطوب فأكفا
стр. 105
[٤٥]
/٨٢ ب/ أحمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن عبد القاهر بن هشام بن أحمد بن محمد ابن المظفر، أبو طاهر بن أبي الفضل الخطيب الطوسيُّ، الموصليُّ المولد والمنشأ.
من بيت الخطابة والعلم الغزير، والرواية والنسك والتصاون. له رواية بالحديث أخذه عن والده وجدّه وعمه أبي محمد عبد الرحمن بن أحمد، وأبي البركات محمد بن محمد بن خميس [الموصلي، وسمع ببغداد في سنة أربع وخمسمائة من أبي الفرج عبد الخالق أحمد بن يوسف] وغيرهم من المشايخ.
خطب على منبر الجامع العتيق بعد والده بالموصل- وكان ربما يرتجل الخطبة من وقته. وكان قارئًا للقرآن، محدّثًا شاعراً متأدّبًا جميل الأخلاق حسن الدعابة.
سمع عليه الحديث شيخنا أبو الخير التبريزي، والصاحب أبو البركات المبارك بن أحمد المستوفي وغيرهما.
وكان مقعداً من فالج عرض له في آخر عمره لا يقدر على النهوض، ولم يزل يقرأ عليه الحديث، إلى أن توفي يوم الأحد تاسع جمادى الآخرة سنة إحدى وستمائة. /٨٣ أ/ بالموصل. وكانت ولادته سادس رجب من سنة سبع عشرة وخمسمائة.
أنشدني أبو الثناء محمود بن أحمد بن الأنجب الإربلي، قال: أنشدني الخطيب أبو طاهر لنفسه: [من الوافر]
بدمع في الملاحة ما يمارى ... إذا ما العقل فكَّر فيه حارا
لنا من وجهه قمر منير ... ومن خدَّيه نجني الجلَّنارا
ومن ألحاظه نفحات سحر ... يثير شواظها في القلب نارا
стр. 106
وأنشدني، قال: أنشدني الخطيب قوله وقد سئل ذلك: [من الطويل]
خليلي مرَّابي على أجرع الحمى ... وعوجا على أثلاث يبين والهضب
... بين سلع وحاجر ... وقولا لهم ما بال قلبي من الحبِّ
عساهم يرقُّوا للَّذي ملَّك الهوى ... لهم رقّه حتَّى غدا موثق القلب
أجيروه من نار الصُّدود فإنَّه ... له أضلع في الحبِّ موصدة اللَّهب
إذا قيل هذي دار ميٍّ برامة ... تزايد شوقي واستطار به لبِّي
يقولون لي عنها تسلَّ يغيرها ... فقلت لهم: كفُّوا فما بيدي قلبي
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من الخفيف]
إن تناسيتم الوداد وحلتم ... لي قلب إلى التَّواصل صابي
/٨٣ ب/ لست أبغي عن الحبيب سلوّاً ... فأطيلوا وأقصروا في عتابي
ليس أذني تصغي للوم وقلبي ... ليس ممَّن يسلو عن الأحباب
إنَّ لوم العشَّاق لوم وعذل الصَّب ما فيه منهج للصواب
وقال أيضًا، رواها عنه محمد بن أحمد بن عمر بن الحسين بن خلف القطيعي:
[من الطويل]
دعيه ففي تذكاره ما يشيبه ... ولا تعذليه فالغرام حسيبه
ورقِّي له ممَّا يلاقي من الأسى ... لقد ذلَّ من قسم الصُّدود نصيبه
فكم بين أكناف العقيق وحاجر ... محاجر يصمي نبلها من يصيبه
وكم بربى تلك الرُّسوم مدلَّه ... قتيل بداء الحبِّ باد شحوبه
إذا مرَّ بالأعلام هيَّجن .... وأغراه من ذاك النَّسيم دبيبه
وفي عذبات الرَّمل من جانب الحمى ... مواقف للمشتاق فيها يجيبه
بها كلُّ نضو الهمِّ طاو على الحشا ... مروَّع مفقود الفؤاد سليبه
خليليَّ بالزًّوراء عوجًا فإنَّ لي ... بها قمراً في أفق قلبي غروبه
وفي نهر عيسى والصَّراة مرابع ... ونهر معلَّى دوره ودروبه
/٨٤ أ/ وله: [من السريع]
قد أبدت الأرض كلَّما خزنت ... من كلِّ نوع مدَّبج بهج
стр. 107
ترفل في بردها القشيب وقد ... ضمِّخ طيبًا من عرفها الأرج
تبسم بالبشر كلَّما سفرت ... سماؤها عن أديمها السَّمج
ألقت قناع الحياء مذ رشفت ... كأس حميَّا الحيأ بلا حرج
أنهارها بالغناء مفصحة ... غرائب اللَّحن من يد الدُّعج
خريرها زيرها ويبتعه ... من موجها البمُّ وهي في هزج
فانظر إلى مجلس قد أجتمعت ... فيه تحايا العقول والمهج
عجائبًا للربيع أبدعها ... بواعثًا للنُّفوس في الفرج
[٤٦]
أحمد بن عليِّ بن الحسن بن أبي زنبور، أبو الرّضا النّيليُّ.
الساكن بالموصل.
قرأ بها النحو والأدب على أبي محمد سعيد بن المبارك بن الدهان النحوي البغدادي، وقرأ القرآن العظيم على أبي بكر يحيى بن سعدون بن تمام القؤطبي المقرئ الأزدي.
/٨٤ ب/ وكان عارفًا باللغة العربية والقراءات السبع والعشر وغير ذلك من الشواذ. وكان يختلف إليه جماعة يقرؤون عليه، وبلغ سنًا عالية، ونظم أرجوزة مزدوجة سمّاها "وسيلة الإنسان" تتضمن مدح الملك الناصر صلاح الدين أبي المظفر يوسف بن أيوب صاحب بلاد الشام –﵁ وشرحها في نحو أربع مجلدات فأحسن صلته.
وكان أعلم الناس في زمانه بنعوت الخيل وأوصافها –وكان يتدين بمذهب
стр. 108
الشيعة الإمامية، ويقول الأشعار ويمدح بها، وتوفي بالموصل سنة ثلاث عشرة وستمائة.
أنشدني العباس بن بزوان الموصلي، قال: أنبأني أبو الرضا لنفسه يمدح بني أيوب سلاطين الشام: [من الرمل]
وصلكم يستنجح الفكر العقيم ... وهواكم كالصِّراط المستقيم
فإذا ما هدي العبد له ... كان عين العالم الحرِّ الحكيم
أصل من والى أصيل ناصع ... والمعادي ناصل الأصل زنيم
يا بني أيُّوب ما أشرفكم ... من صناديد كرام لكريم
عرَّفت أخلاقكم أعراقكم ... إنَّكم إرث صميم عن صميم
/٨٥ أ/ جمع الله بكم شمل العلا ... في ذرى ملك أخي فضل عظيم
ماجد قرم جواد باسل ... عارف عاف عن الجرم حليم
كلُّكم متبَّع سيرته ... يستفيد العلم من طبًّ عليم
رحم الله أمرءاً خلَّفكم ... ورعاكم فهو رحمان رحيم
هل رأيتم قطُّ عبداً هكذا ... إثر فتح في جهاد ونعيم
يحمل المجروح منَّا رُّبه ... وهو ذو جهد من الجرح أليم
وترى الأبطال كلُّ منهم ... يغبط المستلب النَّفس السَّليم
من يمت منَّا يبت في جنَّة ... وملاقونا يقيلون الجحيم
فأهنأوا طرّاً به وليهنه ... أنَّكم فيه ذوو عرف عميم
واكتبوا أعداء ما عشتم ... بمراعاة وليٍّ وحميم
يا بناة المجد قد عاملتكم ... بالَّذي نعضي بإكرام الغريم
بمديح وولاء مخلص ... من يلمني فيهما فهو المليم
وأرى الحال أقتضتني رحلةً ... نحو قوم شوقهم عندي مقيم
كلُّهم يرجو إيابي سالمًا ... غانمًا من نائل غير ذميم
من مليك كاد يحيا في الثَّرى ... من ندى راحته العظم الرَّميم
/٨٥ ب/ جوده للمرتجي إنعامه ... بالغنى عن كلِّ مرجو زعيم
ضاعف الله عليه فضله ... وتولاَّه بنصر لا يريم
стр. 109
وأسلموا في دولة محروسة ... بمواضيكم وجبَّار قديم
ولأنتم ..... الدَّهر لناً ... وغياث للهيف وعديم
ما شرى ركب وغنَّى راكب ... وبدا نجم .... لئيم
[من السريع]
الحمد لله على أنَّن ... قضيت خمسًا وثمانينا
بلَّغنيها مجزل مفضل ... فازددت فيها العلم والدِّينا
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني أحمد بن علي لنفسه:
[من السريع]
ما لي أرى الرَّغبة قد أصبحت ... تطلب منِّي عوض الظَّرف
قد ذدتها عنِّي بسوط المنى ... وكفَّ عنها اليأس عن كفِّي
[٤٧]
أحمد بن محمد، أبو نصر الآمدي.
فقيه عالم شافعي المذهب؛ وهو يتولى بماردين إعادة الفقه /٨٦ أ/ بالمدرسة العزيزية. وله أشعار في المقطعات.
أنشدني الأمير شرف الدين أبو حفص عمر بن أسعد بن عمار الموصلي، قال: أنشدني أحمد بن محمد الموصلي الآمدي لنفسه: [من الوافر]
ينمُّ بها وجنح اللَّيل داج ... ثلاث عن زيارتها تعوق
وساوس حليها عند التَّثنِّي ... ومبسمها وريَّاها الفتيق
ولو خلعت حلاها واستكنَّت ... بفاضله لما تمَّ العبيق
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه ما كتبه إلى صديق له مسافر: [من الطويل]
стр. 110
رحلتم ولا والله ما قرَّ في الحشا ... فؤادي ولا والله ما قرَّ لي جنب
وجفني على ما كنت تعهد دائم الدُّموع وقلبي في الهوى ذلك القلب
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه وكتب ذلك إلى ضياء الدين بن شيخ السلامية:
[من الطويل]
وما كنت إلاَّ في المحافل ناشراً ... علاك بأفواه الثَّنا باذلاً جهدي
محبٌّ على بعد الدِّيار وقلَّما ... أقام الهوى في قلب صبٍّ على البعد
/٨٦ ب/ فما عند ليلى لي سقى الله دارها ... وحيَّا مغانيها فهذا لها عندي
[٤٨]
أحمد بن سليمان بن حميد بن إبراهيم بن أحمد بن عليِّ بن إبراهيم المخزوميُّ الكسائيُّ، أبو العباس البلبيسيُّ المعروف بابن كساء.
من شعراء ديار مصر-وبلبيس إحدى قرى مصر-.
شاعر يرحل إلى الملوك وسلاطين الأنام فيسترفدهم بأشعاره واشتهر أمره بالشعر.
أدركت زمانه وكان رجلاً شديد سمرة اللون، يرد كل عام الموصل مادحًا مالكها الملك الرحيم بدر الدين أبا الفضائل –أدام الله اقتدراه- وكان متجملاً ذا هيأة وثروة وحال حسنة وغلمان ظراف، ومات بالقاهرة في صفر سنة أربع وثلاثين وستمائة؛ بعد أن دوَّخ قطعة من البلاد، وامتدح أكابرها.
وكان قبل ذلك قد تفقه على مذهب الإمام الشافعي –﵁ وفهم طرفًا صالحًا منه، وتأدّب وقال الشعر ومدح الملوك /٨٧ أ/ والوزراء، واشتهر بقول الشعر،
следующие страницы →