Полный текст (2 778 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
وحبُّ رسول الله للمرء عصمهٌ ... وآل رسول الله أكرم آل
[٣٣٤]
عبد القادر بن مسلم بن سلامة بن أبي البهاء الحرّانيُّ.
وقع إلى من شعره قصيدة مدح بها الوزير الصاحب شرف الدين أبا البركات المستوفي – ﵀ – أنشدنيها عنه أبو عبد الله محمد بن احمد بن عمر الإربليّ الحنفي؛ قال: أنشدني عبد القادر بن مسلم لنفسه: [من الكامل]
الدَّمع يظهر ما اجنُّ وأضمر ... والسُّقم يهتك في الَّذي ما أستر
لو أنَّ قيساً قيس بي لفضلته ... وكثيِّراً عداً يقلُّ ويكثر
يا من تقر بقتلتي وجناته ... حتَّى م تجحد مقلتاك وتنكر
كم ذا التمادي في الصُّدود وعبرتي ... بمدى المدامع فوق نحري تنحر
ماذا يضرَّك لو سمحت بزوره ... زوراً عسي بالنَّوم طرفي يظفر
من لي بمرَّ الهجر حلو وصلهً ... يصحو من الشَّوق العنيف واسكر
/٢٢ أ/ أدنو فيبعد بعد وصلً جافياً ... ويخون عهدي إذ وفيت ويغدر
يا من يميل إلى الملالةٍ والقلي ... وينام عن ليلي الطَّويل واسهر
حتَّى م لا ألقاك إلَّا معرضاً ... متجِّنياً عنِّي تصدُّ وتهجر
ألَّا رثيت لرثِّ حالٍ لم يزل ... يصفيك محض وداده وتكدِّر
أمسى غريقاً في بحار دموعه ... والنَّار حشو حشاشه تسعَّر
يا غصن بان شعره أوراقه ... من فوق أعلاه هلالٌ يثمر
خدَّاك ورد واللَّوحظ نرجسٌ ... والصدع آسٌ والمقبَّل جوهر
حكت الغزالة نور وجهك إذ بدت ... ورنا لمقلتك الغزال الأحور
ما قلت إنَّك قد حكيت بجؤذر ... بل قلت انك قد حكاك الجؤذر
ويلاه من ثمل المعاطف قدُّه ... رمحٌ ومقلته الكحيلة خنجر
في فيه ورد كالسُّلاف مذاقه ... وبخدِّه وردٌ جنيٌ أحمر
стр. 807
فضح القضيب بقدِّه لَّما بدا ... يهتزُّ من مرح الشَّباب ويخطر
وغدا الفؤاد بأسره من أسره ... لمَّا بدا في مشية يتبختر
فاق الغصون المايسات نضارةً ... فحلت شمائله وراق المنظر
من سود جفتيه يجرد أبيضٌ ... ويهزُّ من عطفيه لدنٌ اسمر
/٢٢ ب/ يا منذري بالعذل في من خدُّه ... لشقائق النُّعمان بئس المنذر
لو عاينت عيناك خطَّ عذاره ... ما لمتني ولكنت فيه تعذر
عدَّ الملامة فهي لومٌ واقتصر ... يا من أطال ملام من لا يقصر
لا تخذلني يا عذول فإنَّ بالمولي ... أبا البركات أضحى ينصر
الماجد الحبر الجواد ومن غدت ... عنه أحاديث المكارم تسطر
ما زال من جدوي يديه موردٌ ... عذبٌ لمن يرجو نداه ومصدر
بحر علي قصَّاده متدفِّقٌ ... نارٌ علي حسَّاده تتسعَّر
عمَّ الورى بالمكرمات فلا ترى ... إلَّا فتًى يثني عليه ويشكر
ولقد طويت البيد نحو فتًي له ... صحف النَّدي في كلِّ ناد تنشر
يا عامراً بالمال آمال الورى ... لا زلت تعمر بالنَّوال وتغمر
لو أنَّ كفَّك صافحت حجراً غدت ... منه ينابيع الندي تتفجَّر
يا من سماء ندى يديه لم تزل ... في أرض عافية تسح وتمطر
إ، جدت للعافي فإنَّك حاتمٌ ... أو صلت في الباغي فإنكَّ عنتر
الله خصَّك دون سائر خلقه ... ببلاغةٍ معروفةٍ لا تنكر
فإذا نظمت نظمت أكباد العدا ... وإذا نثرت فكم رؤوس تنثر؟
/٢٣ أ/ يا من له القلم الَّذي دانت له ... بيض الصَّفائح والوشيج الأسمر
يا من إذا سارت كتائب كتبه ... في النَّاس تطلق من تشاء وتأسر
بك قامت الأرواح أرواح الورى ... إذ كلهم عرضٌ وأنت الجوهر
[وقال في غلام عليه قباء أزرق: [من الوافر]
стр. 808
وبدرٍ في دجي شعر تبدَّا ... يقلُّهما قضيبٌ في كثيب
غريب الحسن يطلع في قباء ... سماوي ويغرب في القلوب
وقال أيضاً وقد ودع محبوباً له: [من البسيط]
ودعته وحشاي حشوها حرقٌ ... ومدمعي بالَّذي أخفيه قد نطقا
فما تفارقت الأجسام حين سري ... ألَّا وروحي وجسمي بعده افترقا
[٣٢٥]
عبد القادر بن زنكي بن بنيمان، أبو بكرٍ الأشتريُّ.
ينسب إلى الأشتر، أحد [أعيان] البلاد الجبلية.
فقيه شافعي المذهب، تفقه ببغداد علي أبي القاسم بن فضلان وغيره، وحصل طرفاً من المذهب والخلاف، وتكلّم في المسائل وأعاد بالمدرسة النظامية، ثم درس بعد ذلك بالمدرسة التي أنشأها فخر الدولة أبو المظفر بن المطلب بعقد المصطنع، وولي النظر في أوقافها فلم تحمد طريقته، وعزل عن ذلك في جمادي الآخرة سنة ست وتسعين وخمسمائة.
وكان سمع الحديث من أبي المعالي بن الفراوي، واحمد بن إسماعيل القزويني، ذكر لي أبو المجد إسماعيل بن هبه الله بن باطيش /٢٣ ب/ الموصلي، انه شاهده بمدينة السلام في سنة ثلاث وستمائة، علي قدم البطالة.
وجدت له قصيدة مزدوجة، ترجمها بكتاب التبيان في ذكر الفتوة والفتيان، وقدّم من مشاهير الفتيان آدم، ثم تلاه في فتوة إبراهيم، ثم إسماعيل، ثم يوسف، وفتوة يوشع؛ وذكر الفتوة والفتيان في آي القرآن، وفتوة أصحاب الكهف، وفتوة النبي المصطفي، والمرتضي، وفتوة الأخيار من المهاجرين والأنصار، وختمة بفتوة الإمام الناصر لدين الله، والثناء علي المواقف المقدسة الشريفة الإمامية – زادها الله عزاً وشرفاً – وذكر حقيقتها وشروطها وأركانها وحدها وأحكامها وأضدادها، وماهية
стр. 809
محصولها، وقول العلماء الزُّهاد فيها مثل: الجنيد بن محمد، وسهل بن عبد الله التستري، واحمد بن حنبل، وإبراهيم النصر اباذي، وعمرو المكي، والحارث المحاسبي، والفضيل بن عياض، وأبي القاسم القشيري، وافتتحها بقوله في الثناء علي الله تعالي وعلي رسوله سيد /٢٤ أ/ الأنبياء صلي الله عليه وسلم:
[من الرجز]
ثناء ربِّ العزَّة القديم ... أولي لدي المقال بالتقديم
فالحمد لله الَّذي برانا ... ثمَّ إلى توحيده هدانا
والحمد لله وليِّ النِّعم ... مبدي الأقاليم وبادي النَّسم
مصوِّر الأفلاك والأملاك ... مقدِّر الإخلاص والإشراك
مزيِّن الأنفس بالعقول ... مقسِّم الفصول والأصول
موشح الأشباح بالأرواح ... مروِّح الأرواح بالأفراح
باسط ارض العرش في السماء ... واضع فرش الأرض فوق الماء
موجد كلِّ ما سواه وجدا ... هو الَّذي حق له أن يعيدا
من علينا بفنون النِّعم ... مقسومةً ولم يجر في القسم
شرَّفنا بملَّة الإسلام ... عرفنا تجنُّب الآثام
نحمده حمداً كما يستوجبه ... والحمد منَّا هو أيضاً واهبة
وهي تربو علي مائتي بيت، وآخرها ما هذا شرحه:
أقول معتذراً إلى الحضرة الكريمة الشمسية – أكرمها الله تعالي: [من الطويل]
/٢٤ ب/ خزانة شمس الدُّين دام ظلاله ... بها غنيةٌ عن كلِّ مبتكر ندر
هو البحر ... إلَّا أنَّه البرُّ بالورى ... وها اهديت الجمال إلى البحر
بعثت له من بعض ما منه نقتني ... لذا البحر تأتيه السحابة بالقطر
стр. 810
[٣٣٦]
عبد القادر بن يحيي بن أبي القاسم بن أبي المعالي بن هود بن حماد بن أبي بكر بن خبيرٍ، أبو الفضل الحميريُّ البوازيجيُّ
من أشهر بيت بالبوازيج، حفظ القرآن العظيم، وقال شعراً كثيراً، مدح به الناس، وما مدح أحداً إلَّا وعاد هجاه، وهو شاعر مجيد، سخيف الهجاء، خبيث اللسان.
أنشدني لنفسه؛ يمدح الإمام العلامة حجّة الإسلام كمال الدين أبا المعالي موسي بن يونس بن محمد بن منعه بن مالك الفقية المدرس، الموصلي الشافعي – رحمة الله -: [من الطويل]
مغانيالصِّبا لا زال ربعك غانيا ... وأصبح خاليه من النُّور حاليا
عدتك العوادي من زمانك واغتدت ... إلى ربعك الأنواء تهدي الغواديا
نثرت لآلي الدَّمع فيك وطالما ... نظمت بوصل الغانيات الَّلاليا
/٢٥ أ/ ومنها:
يسائلني عن علَّةٍ ما شكوتها ... أليه خليلٌ ليس يعلم حاليا
ويأبي الهوى أن يكشف السِّتر بيننا ... فيصبح سرُّ الحب للنَّاس باديا
وكنت إذا ما جئت أسماء زائراً ... نظرت يميني تارةً وشماليا
فأدنوا ولم يشعر من الحيِّ كاشحٌ ... وامضي وقد سلُّوا عليَّ المواضيا
إذا رمت من أسماء في اللَّيل خلوةً ... تنبِّه في جنح الظَّلام الأعاديا
كأنَّ ظلام اللَّيل كل نجمة ... عليَّ رقيباً أو به مثل ما بيا
كأنَّك يا نجم السَّماء حمامةٌ ... تهيِّج للأعداء ليلاً حماميا
كأنَّك دهر عاندتني صروفه ... فكدَّر من أسماء ما كان صافيا
نأي النَّوم عنِّي بالهموم كأننَّي ... وهبت لطرّاق الهموم رقاديا
وخيفاء كلَّفت المطيَّ اعتساقها ... ذميلاً وقد القي الظَّلام المراسيا
وهبَّت لنا ريحٌ من الأرض قرَّةٌ ... ولا نار إلَّا جذوةٌ في فؤاديا
стр. 811
ولاح لنا وهنًا من الغور بارقٌ ... أضاءت به الآفاق لمَّا اضاليا
فقلت لصحبي حين عاينت ومضه ... وقد بلَّ بالعلل النسيم ردائيا
ـما في الَّتي لاحت لموسي بدت لنا ... من الطُّور أم أنوار موسي أماميا
/٢٥ ب/ من الفضل آياتٌ له لو دعا بها ... إلى سبله أضحى إلى الحقِّ داعيا
ولو أنَّه يوماً تحدَّي بفضله ... لأعجز في الدُّنيا قريباً وقاصيا
لئن كان موسى ضلَّ طوراً بقومه ... فإن كمال الدين ما زال هاديا
له طور فكر من حجاه إذا ارتقي ... علي ظهره أضحي كليماً مناجيا
ولو أنَّه ألقيً عصاً من علومه ... علي سمع فرعون لما كان عاصيا
تسير العلا أنَّي سري في ركابه ... ويسعي إلى اكنافه العز ماشيا
ولو فر إنسانٌ من الموت هارباً ... إلى ظله أضحى من الموت ناجيا
وأنشدني أيضاً لنفسه؛ يمدح الملك الناصر صلاح الدين داود بن عيسي:
[من الطويل]
بآلاء ذا الملك الَّذي عمَّ نائله ... تبلَّج وجه الملك واشتدَّ كاهله
وسالم دهرٌ كان حرباً وأصبحت ... بداود عنَّا راحلات نوازله
وأقبلت العلياء تسري إلى فتًي ... جميل محيَّاه كريمٍ شمائله
من القوم مطعام العشَّية والضُّحي ... يعمُّ البرايا فرضه ونوافله
فيحيي ويردي جوده وانتقامه ... فبيضٌ أياديه وحمرٌ مناصله
/٢٦ أ/ كذا الدَّهر يرجي منه للمعدم الغني ... وتخشي علي أهل النَّعيم غوائله
سما بحر هذا الملك فالحظُّ وافرٌ ... لداود منه حين شرَّف كاملة
تهنُّي به الدُّنيا وأنَّي لمثله ... يهنَّي به الشَّئ الَّذي لا يماثله
ولكنَّني هنيَّت كلَّ فضيلة ... بأكرم من تغشي الأنام فواضله
لسان نضالٍ أفحم النَّاس نطقه ... فما آمنٌ في العالمين يناضله
وذو حكم لو أنَّ سقراط في النذُهي ... مسائله هانت عليه مسائله
له سطواتٌ تملأ الأفق هيبةً ... وعارض جود طبَّق الأرض وابله
ففي كلِّ قلب خلَّف الرُّعب بأسه ... وفي كل شعب خلَّف الحمد نائله
ففي الحرب تِّهمي بالدِّماء سيوفه ... وفي السِّلم تهمي بالعطايا أنامله
стр. 812
ألا أيها الملك الَّذي سار خوفه ... إلى كل قلب ثم حطت رواحله
إلي م عدوُّ الدين تهجره القنا ... وقد نحلت شوقاً إليها مقاتله
ذر السَّيف يروي فيهم فلسانه ... فصيحٌ بهذا الدّين ما النَّصر قائله
فإن كنت لا ترضي لنفسك قتله ... فإنَّ الَّذي في نفسه منك قاتله
فكم ملكٍ تحت العجاج تصادمت ... قناتك في يوم الوغي وقنابله
شهرت عليه المشرفيَّة والقنا ... فولَّت كعانات الفلاه جحافله
/٢٦ ب/ أقلَّت رياحٌ من سطاك عليهم ... سحاباً بصوب الموت جادت مخايله
همي فحدود المشرفيَّة سيله ... علي كلِّ هام والنُّحور جداوله
واعملت في اللَّبَّات كلَّ مثقَّفٍ ... يسيغ دماً حتَّى تبزَّل عامله
فلو أنَّ ملك الارض يوماً دعوته ... أجابك حقُّ الملك يوماً وباطله
فأنت حسام الله في يد قهره ... وأنت لواء الدِّين والله حامله
ومن كان في الآفاق بالجود قابلاً ... فإنَّ صلاح الدِّين في النَّاس فاعله
ولو لم يحاول جود كفَّيه آملٌ ... سري نحو ربع الآملين يحاوله
وأنشدني لنفسه يمدح الوزير الصاحب شرف الدين أبا البركات المستوفي – رحمة الله -: [من مجزوء الرمل]
يا لقومي الأقارب ... للقنا والقواضب
قتلتني تعمُّداً ... لحظات الكواعب
ورمتني بأسهمٍ ... عن قسيِّ الحواجب
ضرهَّ الشمس لو بدا ... وجهها في الغياهب
منع الطرَّف ان يري ... مشرفات الكواعب
تتعاطي لقومها ... باجتناب المعايب
/٢٧ أ/ فهي لا شكَّ أنَّها ... من لؤيِّ بن غالب
كيف أدنو ودونها ... بالظُّبا كلُّ ضارب
وحرابٌ يهزُّها ... كلُّ ليث محارب
ولها من عفافها ... حاجب أيُّحاجب
ظلت من فرط حبِّها ... هائماً في السباسب
стр. 813
هكذا كلُّ قابض ... مولعٌ بالرَّبارب
نجل موهوب يممِّوا ... تظفروا بالمواهب
لو دنا كلَّ راهبٍ ... من حماه وراغب
لاغتدي غير خائفٍ ... وانثني غير خائب
[ولقد قلت للركا ... ئب بعد الركَّائب]
هو مازال راغباً ... في ابتذال الرَّغائب
أنت يمٌّ يؤمُّه ... كلُّ ماش وراكب
ومغانيك كعبةٌ ... للمني والمارب
شرف الدِّين دعوةً ... من محبٍّ وصاحب
فاستجب دعوة أمرئٍ ... في الهوي غير كاذب
بنوالٍ مسحِّب ... ذيله كالسَّحائب
/٢٧ أ/ وابق للحلم والنَّدي ... والعلا والمناصب
وأنشدني أيضاً لنفسه: [من مخلّع البسيط]
مرَّ أبو مرَّة علينا ... وقد تجلَّت لنا المدام
فظلَّ منَّا لهًا سجودٌ ... طوعاً ومنَّا لها قيام
في زيِّ حبر عليه مسحٌ ... من لونه ينشر الظَّلام
قال: سلامٌ، فقلت: منَّا ... عليك سيِّدي السَّلام
فقال: مالي اراك عنهم ... بمعزلٍ أيُها الغلام
رغبت عن مذهب الحميَّا ... ما هكذا تفعل الكرام
فقلت: شرب المدام حلُّ ... فقال لي: تركها حرام
إشرب فقال النَّديم: خذها ... أفتاك في شربها الإمام
فخضت بالإثم في بحور ... يموج في لجِّها الأنام
كم طاح شهرٌ، وراح دهرٌ ... ومرَّ عامٌ، وجاء عام
стр. 814
ونحن في جنَّةٍ الحميًّا ... يسمح في دوحها الحمام
يدبر ماساتها علينا ... بدر الدُّجي زانه التمام
تسعي إلى السُّكر بعد سكرٍ ... فلا صلاةٌ ولا صيام
/٢٨ أ/ وأنشدني لنفسه يمدح السلطان الملك الأشرف موسي بن أبي بكر بن ايوب: [من البسيط]
مالي وذكر الرُّبي والمنزل الحرب ... وترك ما رمت من لهو ومن طرب
لا أبتغي غير رشف الكأس تكرمةً ... من الزَّمان ولثم الواضح الشَّنب
من كفِّ راهبة في الوصل راغبةٍ ... تلين من رهبٍ طوراً ومن رغب
شمس تراءت لنا ليلاً علي غصنٍ ... كأنَّها طلعت صبحاً ولم تغب
ظلَّت مصفِّقةً بالرَّاح ما زال يعصمها ... من الخطوب فلم تفرع ولم تشب
حتَّى إذا كان منها غفلةٌ بررزت ... للنَّاس من خدرها في منظر عجب
زني بها الماء فاصفرَّت له خجلاً ... منا وبرقعتٍ الخدِّين بالحبب
رقت فلا جوهرٌ أمست ولا عرضاً ... وليس من فضة كانت ولا ذهب
حتّى تحيَّر فيها الواصفون فلم ... يحظ المبالغ في وصف ولم يصب
تخال أنَّك في الإسلام تشربها ... لو لم تمل برؤوس الشَّرب عن كئب
لولا تنصُّرها في الكأس ما سبيت ... وشدَّ راووقها الباقي إلى الصَّلب
ولا سعينا إلى الحانات تسلبها ... بالطَّاس لا بالمواضي والقنا السلب
/٢٨ ب/ لكنَّها اعربت عن كفرها وغدت ... حرب الأعاجم في الإسلام والعرب
صالوا عليها، وصالت في عقولهم ... فليس ينفكُّ بعد النَّهب في نهب
تحكَّمت فيهم سكراً كما حكمت ... أشباع موسي علي الاعداء بالقضب
القائد الجيش كالآذيِّ يتبعه ... وسائق الجيش بالخطيِّ في العقب
وفتيةٍ سبقوا بالطَّعن اذ علموا ... أن التاخُّير لا ينجي من الهرب
المقدمون وفي الإقدام حتفهم ... يوم النزال كأنَّ الخير في العطب
لو أنَّهم جزعوا يوم الوغى حتفهم ... يوم النزال كأنَّ الخير في العطب
أبت تقرٌّ علي جسم رؤوسهم ... لو لم تقرَّ لك الهيجاء بالرُّتب
стр. 815
فاستسلمت للعدا في الحرب إذ نصرت ... أعلامهم ودعت بالويل والحرب
ناداك والملك قد شالت نعامته ... صونا فلبيَّته بالفيلق اللجب
فزرته ورماح الشِّرك تحسبها ... في ساحل البحر آجاماً من القصب
لقبتهم مغضباً فانقض جمعهم ... خوفاً فكان الرَّضا في ذلك الغضب
ضربتهم بالظُّبا حتَّى نثرتهم ... ضرباً علي هامهم احلي الضرب
فاقبل الوحش يبغي من أماكنه ... قري الأسنَّة والهنديَّة الشُّطب
علماً بأنَك تردي ما يميرهم ... جاءوك فانقلبوا في خير منقلب
/٢٩ أ/ ردَّت كتائب عيسي وهي طالعةٌ ... أيات موسي التي اثبتن في الكتب
لم يحيي امواتهم لكنَّها ظهرت ... لقوم في سلب الأرواح والسلب
فأنهل العجم في الهيجاء ما نهلوا ... وعلَّهم من حياض الرُّزء والنُّوب
فإن بأسك بأسٌ لو قذفت به ... صدر المجرَّو أجرها على العقب
واعلم بأنَّك إن لم تلق خيلهم ... كانت لها قثب الخطيِّ كالعشب
إنَّ الكلاب إذا لم يلقها أسدٌ ... كانت كأسد الشَّري من شدَّة الكلب
وجمرة الشَّرِّ ان لم يطفها غدقٌ ... من الأسنَّة لم تفتر عن اللَّهب
يا أيُّها الملك الميمون طائره ... ومن إليه انتهاء المجد والطّلب
أني أتيتك أبغي منك ما ضمنت ... لي الظنون واشكو حرقة الأدب
وأنشدني أيضاً: [من الوافر]
إذا طلعت وليل الهمِّ داجي ... كؤوس من الرَّاح في كفِّ النَّديم
ودارت بيننا خمساً وخمساً ... درات بنورها ظلم الهموم
وطارت في وجوههم وأمسى ... حقير القوم في خلق العظيم
تبسَّطنا علي الآثام حتَّى ... شربنا بين زمزم والحطيم
ويغمرنا علي الالحان بحرٌ ... فنغرق منه في لجج النَّعيم
/٢٩ ب/ وأنشدني لنفسه، وقد قصد بعض الرؤساء، فححبه البواب: [من الكامل]
ما زلت أكره من جنابك زورةً ... حتَّى كفاني شرَّها البوَّاب
واراك تتَّخذ الحجاب تعلُّلاً ... وحقير برِّك للاتي حجاب
стр. 816
قد كنت اعلم أنَّ الك في الوري ... أل ترفِّعه رُّبي وهضاب
لكن سمعت بأنَّ جودك لجَّةٌ ... فإذا الَّذي غرَّ الأنام سراب
وأنشدني لنفسه في مغن يهجوه: [من المنسرح]
غنَّي ابن أخت الزَّعيم والشَّرب قد ... دار عليه الشَّراب فانشعبا
فما شككنا وقد مضوا فرقاً ... أن غراباً عليهم نعبا
ورجَّع القول في بقيَّتهم ... فاطنبوا بالمقال واحربا
وهو علي جهله بصنعته ... يظنُّهم قد تهتكوا طربا
وأنشدني لنفسه في مستنيب يهجوه: [من المتقارب]
كأنَّ أبن افشين في زيره ... رياح الشِّتاء جرت بالأّصيل
فتلك تجمد صوب الغمام ... وهذا يجمِّد صوب العقول
له نفسٌ باردٌ يابسٌ ... يردِّده في الخفيف الثَّقيل
/٣٠ أ/ وانشدني أيضاً قوله: [من الوافر]
ومعتدل القوام اذا تثَّني ... أراك معاطف الغصن الرَّشيق
كأنَّ عذاره والخدُّ منه ... غضيض النَّبت احدق بالشَّفيق
إذا سقَّاك في درٍّ عقيقاً ... تقبِّل منه دراً في عقيق
ففي ألفاظه واللَّحظ سحرٌ ... يرد الطَّائعين إلى الفسوق
دعاني فاهتديت إلى طريق ... يضلُّ المهتدين إلى الطَّريق
رشفت رضابه وشربت خمراً ... ففضَّلت الرَّحيق علي الرَّحيق
وأنشدني لنفسه أيضاً: [من الكامل]
قدم الرَّبيع بورده وبهاره ... فاستجل نبت الدَّهر في ازهاره
وتوقَّ غرته اذا أبرزتهأ ... للناس إنَّ الرَّاح من ابكاره
زمنٌ اعار الارض ثوب سمائه ... وبدت كواكب ليلة بنهاره
فاخلع عذارك في الملام لأهيفظس ... تسيبك مقلته وحسن عذاره
وأنشدني أيضاً من شعره: [من الطويل]
بعثت إلى المولي الوزير شكايةً ... واظهرت فيها ما تجنُّ الضَّمائر
стр. 817
ليعلم إنِّي قاطعٌ حبل وصله ... وأنِّي من بعد المودَّة هاجر
/٣٠ ب/ وأنَّي مع هجري له واجتنابه ... علي القري والنَّأي المفرِّق شاكر
فكم موطن يا ابن الكرام لديكم ... تساوي الحصافي جوِّه والجواهر
ولم أنس فيضٍ الدَّمع حلماً لأنَّني ... صفحت عن الازمان وهي غوادر
ولكنني احببتكم وأخو الهوي ... علي كلِّ مكروه من الحبِّ صابر
وأنشدني لنفسه يمدح النقيب محيي الدين أبا طاهر محمد بن حيدر بن محمد بن زيد الحسيني الموصلي:
[من الطويل]
جهلت من المعروف ما أنت عالمه ... إذا لم تزر ربعًا تعفَّت معالمه
وما هاج وجدي معلمٌ بان اهله ... ولكنَّ عهداً في ... تمائمه
وقفت به والصَّبح قد هزم الدُّجي ... إلى الغرب لمَّا سلَّ بالشَّرق صارمه
وللطير في شجراته وقصوره ... ترنُّم زنجيٍّ شجتني طماطه
فأسبل دمعي كالعقيق واسلمت ... فؤادي إلى ايدي الحمام حمائمه
سقت تربه الأنواء حتي تصرَّمت ... وحيَّاه من نوء السِّماكين رازمه
واغيد فتَّان اللَّوحظ لو رنا ... إلى بارحٍ لانهلَّ بالماء قائمة
أغار علي ألبابنا بلحاظه ... فراح وألباب الرِّجال غنائمه
/٣١ أ/ إذا البرق أمسي ثغره مبتسِّماً ... حكته وقد لاح الصَّباح مباسمه
أري الدَّهر للحرِّ الكريم محارباً ... وإن كان بالرَّغم الكريم يسالمه
فيخفضه ان رام في الناس رفعهً ... ويصرفه عن حقِّه وهو ظالمه
ولكنَّ سمحاً تسلب الدَّهر حكمه ... إذا برزت آراؤه وعزائمه
يخوض إلى العلياء كلَّ كريهة ... يصادم اطراف القنا وتصادمه
لأجدر أن يلقي الَّذي لا يسوؤه ... من الدَّهر او يعنو له وهو راغمه
وإن أخا الإعدام من بات طالباً ... مزيد غنًي في نفسه وهو عادمه
ومظلمة الأرجاء قفرٍ قطعتها ... علي خاضبٍ كا ..... تترو قوادمه
تجهَّمها واللَّيل ملق جرانه ... وقد لاح راميٍه وطارت نعائمه
كأن نجوم اللَّيل نور خميلة ... تفتَّح وهنا والنَّهار كمائمه
كأنَّ الدُّجي سارٍ بحيٍّ تفاذفتً ... براكبها الأمواج والركّب عائمه
стр. 818
رسمنا البلد الغبر لمَّا تغشمرت ... إلى ابن عبيد الله .... رواسمه
إلى ذي ندي ينهلُّ قبل سؤاله ... كما انهلَّ من نوء السِّماكين رازمه
إذا ما أتاه طالب ...... .... يعارضه ثمَّ استهلَّت غمائمه
نداه يعمُّ المعتفين وبرُّه ... يزور اليتامي قائم الدَّهر صائمه
/٣١ ب/ من القوم لا المَّعروف فيهم بمنكرٍ ... ولا البرق من آلائهم خاب شائمه
ولو لم يكن من معشرٍ طاب خيمهم ... كرامٍ كفتهم في الفخار مكارمه
وإنَّ لمحيي الدِّين فضلاً عليهم ... كما فضل الحيَّ اليمانيَّ حاتمه
لئن فخرت أبناء فهر بما بنت ... وزاد علي ما شيَّد القوم هاشمه
بكم جلَّ هذا البيت حتَّى تواضعت ... لديه المعالي واشمخرت دعائمه
وأنتم من الهادي اذا انتسب الورى ... يداه وما ضمت عليه حيازمه
وأنتم لهذا الدِّين آل محمَّد ... علي الخصم عضبٌ في يد النَّصر قائمه
أبوكم إمام المتَّقين فمن عصي ... أوامره اصلته ناراً جرائمه
إمامٌ له جبريل ما زال خادماً ... وحسبك فخراً أنَّ جبريل خادمه
ولولاكم ما قام للدِّين منبرٌ ... ولا خطبت اعرابه واعاجمه
بجدَّكم المبعوث جلَّت فروعه ... ومن علمه دون الوري قال عالمه
وكنتم علي الآفاق عارض رحمةٍ ... بوارقه محمودة وهماهمه
وأنشدني أيضاً لنفسه من قصيدة يمدح بها: [من الوافر]
لسعدك يخضع الفلك الآثير ... وأنت الحيُّ تخدمك الدُّهور
/٣٢ أ/متي خاضت بحدِّ ظباك حرب ... فليس لها وإن هزمت ظهور
تسيل بها دماً مهج الأعادي ... إذا افترعت بكارتها الذُّكور
ويوم ظلَّ مسودَّ الحواشي ... تحلقه بأنفسها الصُّدور
كأنَّ تناوح الجيشين فيه ... جبال الرُّوم قابلها ثبير
شهرت عليهم بيض المواضي ... من الأغماد وهي لها خدور
وقد انكحتهنّ الهام ضرباً ... وكان نتاجهنَّ دماً يمور
وأنشدني له: [من المنسرح]
стр. 819
ربع الهوي ما وقفت في كثبه ... وقد رماك الغرام عن كثبه
وقفت عن اهله تسائله ... والدَّمع قد عمه بمنسكبه
أضحي خلاءً فما به طللٌ ... يعرب بعد المحول عن عذبه
كيف يلذُّ الفتي بعيشته ... والعمر سفرٌ والدَّهر في نهبه
والمرء ما زال في تقلَّبه ... تسلم آماله علي عطبه
ومنها:
وأهيف كالقضيب أهدي لك السِّرَّ من مأسه ومن شنبه
علي ريلض تحكي الظَّلام ويحكي نورها النَّيَّران من شبهه
/٣٢ ب/ يلثمني كأسها والثمه ... حبّاً فسكري بها وصحوي به
[٣٣٧]
/٣٤ أ/ عبد القادر بن أبي عبد الله الخياط – والده من أهل دمشق – الدمشقيُّ
كان شاباً ذكي القريحة في قرض الشعر، وقرأ شيئاً من الادب علي شيخه أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي.
أنشدني الخطيب عبد الرحمن بن منصور بن /٣٤ ب/ جامع الدمشقي؛ قال: أنشدني عبد القادر بن العجيل؛ يمدح شيخه تاج الدين الكندي، وهو زيد بن الحسن: [من الكامل]
أفض الدِّما بمرابع الأدم ... واندب معالمهنَّ بالعلم
برزت غصوناً في كثيب نقاً ... وبدت بدوراً في دجي لمم
وسروا بليل مدلجين كما ... تسري بدور التَّم في الظلم
ما انجدوا بل أتهموا ولها .. بالصبر اضحي غير متَّهم
يا وفقة التَّوديع طلت بها ... ومدامعي تنهلُّ كالدِّيم
أبكي وأندب أربعاً درست ... بعد الفراق بأدمع سجم
стр. 820
حيِّ الظِّباء بحيِّ كاظمةٍ ... وأقر السَّلام مهًا بذي سلم
من سافر بالحسن ملتثمٍ ... فاق الهلال وغير ملتثم
بقناة قدٍّ ما بها خورٌ ... وبسيف جفن غير منثلم
لله ليلة زارني ولها ... طرف الدًّجي والصُّبح لم ينم
باتت مضاجعنا جشاً حشاً ... وغدت مراشفنا فماً لفم
حتَّي بدا ضوء الصَّباح بطلعة زيد الكنديِّ في الظُّلم
العالم الحبر الجواد سليل الجود ربِّ المجد والكرم
/٣٥ أ/ ندبٌ اذا انتدب اليراع تري ... في الطِّرس يبدي غاية الحكم
فكأنَّما اقلامه أسدٌ ... بين الأنامل منه في أجسم
يا كعبةً للجود قد نصبت ... للوفد من قاصٍ ومن امم
تالله ما ...... .... أذن إلَّا لملتمس ومستسلم
стр. 821
[ذكر من اسمه عبد القاهر]
[٣٣٨]
/٣٢ ب/ عبد القاهر بن الحسن بن عبد القاهر بن ثمامه بن الحسين بن شجاع، أبو القاسم بن أبي عليٍّ الكلبيُّ، المعروف بابن المطهَّر.
كان في أجداده من يلقب بالمطهَّر، اصله من حماة وجدّه عبد القاهر، كان خطيبها، وبنو عمَّه قضاتها. وأبو القاسم ولد بدمشق في حدود سنة اثنتين وستين وخمسمائه؛ قرأ الفقه بها علي القاضي محيي الدين، واشتغل بالخلاف علي الخطيب الدولعي، وسمع الحديث علي ابي المفرج الثقفي وغيره، وعنده فضل، ويقول شعراً حسناً.
شاهدته بدمشق بمسجدها الجامع شرقيه، يكتب بها المشروط، وهو أحد عدولها المتميزين، شيخنا كبيراً، طلق اللسان، وذلك في ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وستمائه.
ووجدته كثيراً ما يشكو من الزمان ويتظلم من أبنائه، وخبِّرت أنه كان في أيام الملك المعظم عيسي بن أبي بكر /٣٣ أ/ ابن أيوب - صاحب دمشق - بخير وحسن حال، وله ثروة ويسار متجمِّلاً يتولي الأمر ناظراً فطمحت نفسه، وامتدت يده في مال السلطان، فتناول منه فوِّبخ عليه وحبس وصودر، فاستوصل منه عشرة آلاف درهم، فتضعضع امره، ورقت حاله، وأثَّر الفقر عليه، وهو يجتدي بشعره صدور دمشق فيثاب علي ذلك بأنزر شئ وأطفِّه فيقنع به.
стр. 822
وقيل لي عنه: إنذَه يبيع لمنتحلي صناعة الشعر قصائد من نظمه ليمحوا بها الناس بأحقر ثمن، يبعثه على ذلك قلّة ذات يده، والحاجة والإملاق، فالله تعالي يغنينا بفضله عمن سواه، إنَّه جواد كريم.
فارقته بدمشق وهو حي يرزق في سنة اربعين وستمائة، وذُكر لي انه لحق باللطيف الخبير.
أنشدني من شعره في التاريخ المذكور: [من البسيط]
تصرُّف الدَّهر في هذا الورى عجب ... تصرُّفٌ فيه من خلف به ريب
وحكمه في بنيه من تناقضه ... أن التناقض منه يعجب العجب
يعطي ويسلب ما يعطي مفاجأةً ... ويستردُّ علي الفور الَّذي يهب
/٢٣ ب/ وقد تدَّبرت ما قد قاله مثلاً ... ذو خبرة قول صدق ما به كذب
فقال حيث أجاد القول منتخباً ... معانياً مثلها في الشِّعر ينتخب
[ما النَّاس إلَّا مع الدُّنيا وصاحبها ... فكيفما انقلبت يوماً به انقلبوا]
يعظمون أخا الدنيا فإن وثبت ... يوماً عليه بما لا يشتهي وثبوا]
إن يسمعوا الخير اخفوه وإن سمعوا ... شراً أذاعوا وإن لم يسمعوا كذبوا
واحزم النَّاس من يخشي غوائلهم ... ومن يظنُّ بهم شرّاً فيجتنب
ولا تصاحب منهم صاحباً أبداً ... إلّا وتحذره طبعاً وتجتنب
والصَّاحب الوغد يعدي من يصاحبه ... كأنَّما هو في إعدائه الجرب
والعاقل الفطن النَّدب اللبَّيب ومن ... في كلَّ حالاته مستيقظٌ درب
لا تركننَّ إلى الدُّنيا فراحتها ... للرَّاكنين إليها كلُّها تعب
لأنها دار آفات سلامتها ... لمن تسالمه من أهلها عطب
ما إن بخيرٍ إلى من ينتهي انقلبت ... إلَّا بشرٍّ إليه بعد تنقلب
تالله لولا عياٌل كلُّهم حرمٌ ... كدِّي عليهنَّ شرعاً بعض ما يجب
طلَّقتها قبل ما فيها يطلِّقني ... هذي الحياة الَّتي بالموت تغتصب
بئس الحياة يعود المرء مستلباً ... منها وما حاز فيها للعدا سلب
/٣٤ أ/ هذا سجيُّه هذا الدَّهر قد ذهبت ... في أهله وعليها أهله ذهبوا
стр. 823
ولست عنه براضٍ، والرَّضا خلقي ... وإن غضبت عليه حقَّ لي الغضب
والعلم في صغري مازلت اطلبه ... من اهله راعياً يا حبّ! ذا الطلب
وما برحت حليف الفضل في كبري ... لمَّا تكسَّبته والفضل مكتسب
وقد عرفت بني الدُّنيا كمعرفتي ... نفسي إلى حسب التقوي لها حسب
وقد خبرت أناساً ران من طبعٍ ... علي قلوبٍ حووها اللَّهو واللَّعب
في القول الذي ما كانوا إذا صدقوا ... والفعل أبعد ما كانوا اذا قربوا
عبيد من كانت الدُّنيا له فإذا ... ولَّت عن المرء ولَّوا عنه وانجذبوا
[٣٣٩]
عبد القاهر بن الفضل بن عبدالقاهر بن محمدٍ القرشيُّ، أبو غانمٍ.
من أهل حلب، كانت ولادته بها في شهر الله رجب سنة سبع وستين وخمسمائة، وهو عدل من عدولها، ويتولّي النظر في وقف المدارس، وهو شيخ طويل له حرمه وقدر سمع حماد البزاغي، وابن اخيه أبا الفوارس البزاغي.
أنشدني لنفسه هذة الابيات، وأوصي ان تكتب علي قبره بعد موته: [من الرمل]
هذة تربة عبد مذنبٍ ... بخطاياه ثوي في لحده
ترك الأولاد والمال معاً ... ليس يدري ما جري من بعده
كان إن مسَّ من ترابٌ برده ... خاف من تأثيره في برده
/٣٥ ب/ أصبح اليوم بقبر موحش] ... والثَّري ملتصقٌ في خدِّه
يسأل الله نعيماً ورضاً ... ثمَّ يرجو رحمةً من عنده
стр. 824
[٣٤٠]
عبد القاهر بن محمد بن الحسن بن علي بن عبد الله بن عبد العزيز، أبو محمدٍ البغداديُّ، المعروف بابن الفوطي.
من حفاظ القرآن الكريم، ومن أهل المعرفة، طلق اللسان في الكلام إذا شرع، وأخذ في المحادثة، وهو شاب أسمر ربع القامة.
اجتمعت به غير مرة بالموصل وبغداد، ولم ينشدني شيئاً من أشعاره، وبعد ذلك عثرت له علي هذة القصيدة البائية؛ يقولها في شيخه حين لبس الحرير ومال إلى رياسة الدُّنيا وزينتها، وحبّ المال والجاه والعزّ والحشمه والأمر والنهي، وطلب المناصب الدنيوية، وكان ينهي عن ذلك كلّه ويرزي علي من يروم بنفسه حبّ المراتب، وجمع المال ونهي أصحابه ومريديه عن التعرض للدنيا. وكان قبل ذلك فقيراً مملقاً /٣٦ أ/ علي قدم التجردّ، زاهداً في الدنيا، راغباً في الاخره، يلبس الصوف، ويسلك طريق الزهد، والانقطاع إلى الله – – والاجتهاد والرياضة؛ فأنشأ أبو محمد هذة القصيدة، زارياً عليه فيما صدر عنه.
ثم اجتمعت به بمدينة السلام؛ بالمدرسة الشريفة المستنصرية، وذلك في اواخر ربيع الاخر من سنة تسع وثلاثين وستمائة، فاستنشدته القصيدة جميعها وغيرها من شعره، وسألته عن ولادته، فذكر إنَّه ولد ببغداد ليلة الخميس الثالث والعشرين من ربيع الاول سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة.
وسمع جملة من الحديث، ورأيت له طبعاَ جيداً في الكتابة الانشائية، وفصولاً املاها علي، وتفقه علي المذهب الاحمدي، وتأدب، وتولي في الايام المستنصرية، مشرفأ علي منشر التمور: [من المنسرح]
ناديت شيخي من شدَّة العجب ... وشيخنا في الحرير والذَّهب
في دسته جالساً ببسملة ... بين يديه ان قام في أرب
وركبه منه كنت أعهده ... يذم أبناؤها علي الرَّيب
/٣٦ ب/ وكان أربابها لديه علي ... سخط من الله شامل الغضب
أصافي الرَّأي من دعاك لها ... وأنت لمَّا أجبت لم تصب
стр. 825
أول صوت دعاك عن عرض ... لبيته مقبلاً علي السَّبب
قد كنت ذاك الَّذي يظنُّ به ... لو لم تكن مسرعاً إلى الرُّتب
إن كان ما قد منحت ممتحناً ... فما صبرت اصطبار ذي أرب
أو كنت مستخفياً سعيت لها ... يا خسرها صفقةً علي النصب
شيخي أين الَّذي يعلَّمنا الزُّهد ويعتدُّه من القرب
أين الَّذي لم يزل يسلَّكنا ... إلى خروجٍ عن كلِّ مكتسب
أين الَّذي لم يزل يعرِّفنا ... فضل التعري والجوع والسَّغب
أين الَّذي لم يزل يرغِّبنا ... في الصُّوف لبساً له وفي الجشب
وأين من كان مزعجاً اسقاً ... زفيره قلب كل مرتغب
وأين من كان قابلاً نسكاً ... فضل قميص من أكثف الحجب
وأين من كان في بدايته ... يهيج هيج الجمال في الجرب
وأين من غرَّنا بزخرفه ... حتَّى اعتقدناه زاهد العرب
وأين ذاك .... يشعرنا ... أن سواه في السَّعي لم يجب
/٣٧ أ/ وأين من لم يزل يذمُّ لنا ... الدُّنيا وقول المحال والكذب
وأين من لم يزل يوهَّمنا ... منها فراراً بشدة الهرب
وأين من لم يزل بأدمعه ... يخدعنا باكياً علي الخشب
واين تلك الأنفاس صاعدةً ... من شدَّة الخوف مورد الخطب
وأين من كان في مواعظه ... يصول زجراً عن كل محتسب
ويقطع القول لا يتمِّمه ... منقلباً بالسَّماع والطَّرب
ومن ير الشَّيخ بعد خطبته ... ير أمراً غائباً ولم يؤب
فيقسم العمر أئَّه رجلٌ ... ليس له في الوجود من أرب
لو كانت الأرض كلُّها ذهباً ... أعرض عنها إعراض مكتئب
أسفر ذاك النَّاموس مختبئاً ... عن راغب في التُّراث مستلب
وكان ذاك الصُّراخ يزعجنا ... شكوي فقيرٍ علي الدُّني وصب
لو كان مولي الأنام عاينه ... يخطبنا في خشوع منتحب
أيقن منه بعد القبول إذا ... دعاء في رتبةٍ علي الرُّتب
стр. 826
وكان حاشاه حين وافقه ... قد ساء ظناً في كلِّ مقترب
شيخي بعد الذظذضمِّ الصرَّيح لما ... أتيته جئته علي طلب
/٣٧ ب/نسيت ما قلته علي ورعٍ ... عنّي لمَّا اكتسبت بالدَّأب
ويلٌ له إن يمت بخدمته ... يمت كفوراً وليس بالعجب
ما كان مال السُّلطان مكتسباً ... لمؤمنٍ سالمٍ من العطب
هذا ورزقي في وقفٍ أربطه ... قدرٌ طفيفٌ أعطاه بالتَّعب
ولست في تروة اسرُّ بها ... دنياي منها موفورة النَّشب
فليت شعري ماذا اقول وقد ... حللت منها في مربع خصب
في المال والجاه والتَشرَّف والعزِّ وأمرٍ يطاع في النَّسب
أعطيت كرَّاثةً فتنت بها ... عن طلب كان أشرف الطلب
لو أنها لحمةٌ جنيت علي ... دينك تركاً يكون عن كثب
وكان ذاك التَّحنيك منعطفاً ... لجام من يدَّعي ولم ينب
شيخي بعد التَّفصيل متقياً ... ثوباً قصيراً مجاور الركُّب
إختلت في ملبسٍ دلادله ... تسحب من طولها علي التُّرب
يرفعها كلذُ شادن غنج ... يفتن نسَّاكناً علي الرَّهب
واعتضت عن عصبة الزَّهادة ... مثني الغلمان بالقضب
لو كنت ما قلت زاهداً ورعاً ... لم ترض دنيا الغرور واللَّعب
/٣٨ أ/ وكان في الله شاغلٌ أبداً ... عمَّا تراه بعين محتجب
وبعد هذا فأنت مفتتناً ... خيرٌ لها من سؤال ......
لا يغترر بعدها اخو ثقةٍ ... بمحسنٍ في جميل مطَّلب
وليتَّعظ مدعي تقربُّه ... بحال شيخي المفتون وليتب
стр. 827
ذكر من اسمه عبد القوي
[٣٤١]
عبد القويِّ بن حرميِّ بن وهيبٍ، أبو محمدٍ الأنصاريُّ الارتجيُّ.
من أهل مصر، كان شاباً أدبياً ذكياً، روي عنه الحافظ أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي المنقدي؛ أخبرني عبد العظيم المذكور آنفاً إجازة؛ قال: أنشدني الارتاجي لنفسه: [من مجزوء الرجز]
مرَّ بنا فاستعبرت ... أجفاننا إذ عبراً
فقلت: لا غرو علي ... دمعٍ عليه قد جري
فالشَّمس تبكي الطَّرف إن ... كرَّر فيها نظراً
[٣٤٢]
عبد القويِّ بن عبد العزيز/٣٩ ب/ بن الحسين بن عبدالله بن الجبَّاب السعديُّ الاغلبيُّ، القاضي الأسعد، أبو البركات بن أبي المعالي.
كان والده من المتصدرين في قرض الشعر، وإنشاء الرسائل بالديار المصرية، وابنه أبو البركات هذا كان شاعراً لطيفاً فاضلاً مليح النظم، جيد الشعر، حسن الأدب؛ ذا ذكاء وفطنة، توفي سنة اثنتين وعشرين وستمائه.
стр. 828
أنشدني أبو عبد الله محمد بن محمود بن النجار البغدادي بها، عن أبي البركات لنفسه: [من السريع]
أسكرني الحبّ فما إن أري ... يا صاح من سكرته صاحي
وهمت بالظَّبي فمن خدَّه ... وردي ومن ريقته راحي
وأنشدني عن القاضي الأسعد لنفسه: [من البسيط]
وظبيةٍ من ظباء الإنس هائمة ... بحبِّ ظبيٍ مليح الدَّلَّ والحور
باتت ترفِّع استار الغرام له ... حتَّى اغتدي في هواها غير مستتر
فبتُّ اعجب والأهواء جائزةٌ ... من مهجة الشَّمس يحويها سني القمر
ومما وجدت من الشعر المنسوب إليه؛ قوله: [من الخفيف]
/٣٩ أ/ بين قلبي وبين عينك سرُّ ... فيه للعاشقين طيٌّ ونشر
كلَّما مسَّني لأجلك عذل ... قام لي من جمال وجهك عذر
اأقصدتني سهام عينك حتي ... صرعتني وغرَّني ما يغر
لي قلبٌ وناظرٌ فهما بالـ ... وجد من وجنتيك ماءٌ وخمر
أنت كالبدر في وصالك والهجـ ... ـر وحال البدور ما تستقرٌ
ليِّنٌ في مراسه وهو صعبٌ ... عسلٌ في وصاله وهو مرُّ
وكذا عادة المحبذش مع المحـ ... بوب في حالتيه يسرٌ وعسر
لك قلبي وناظري ولساني ... وجناني فأين منك المفرُّ
قصرت بي محبتَّي عن مدي سحـ ـ ... ـرك اذ كلُّ مفصل فيك سحر
اشتكي علَّتي اليك فهل قلـ ... بك يا لِّين المعاطف صخر
كن كما تشتهي فما منك بدٌّ ... مذ تملَّكتني ولا عنك صبر
ليس لي في الخلاص منك سوي الصَّبـ ... ـر عليك ونعم ذلك ذخر
стр. 829
ذكر من اسمه عبد الكريم
[٣٤٣]
عبد الكريم بن أبي السعادات /٣٩ ب/ بن كرم بن كنصا، أبو محمدٍ البغدادي الحنفيُّ.
والد إبراهيم الَّذي تقدّم ذكره، نزل الموصل ولم يزل مقيماً، إلى أن توفي عشية السبت ثامن جمادي الآخرة سنة عشرة وستمائة ودفن ذلك اليوم بمقبرة الجامع العتيق قبليَّه ﵁ وكان قد جاوز الثمانين، وخدم الأمراء من بيت أتابك، وأنفذ رسولاً إلى عدّة جهات من قبلهم، وكان أثيراً مقبولاً ذا منزلة وحرمة.
وكان شيخاً طويلاً متواضعاً سخياً، حسن المروءة، واسع النفس تفقّه علي مذهب الامام ابي حنيفة ﵁.
وكان يقول أشعاراً رائقة، في أغراض تقع له، ومنها ما انشدني ولده أبو إسحاق ابراهيم ﵀ تعالي. قال: أنشدني والدي لنفسه؛ ما كتبه إلى اتابك نور الدين أبي الحارث أرسلان شاه بن مسعود بن زنكي - صاحب الموصل ﵁ /١٩٣: ٥ أ/: [من الخفيف]
بعد سبعين حجَّة قد تقضَّت ... عند ملكٍ جم النَّوال عظيم
ذهب الناس في الزيادة والنَّقصـ ... ـص وعبد الكريم عبد الكريم
وأنشدني، قال: أنشدني والدي لنفسه ما كتبه في صدر كتاب إلى اتابك عزِّ الدين بن مسعود بن مودود: [من الخفيف]
لا تضعني من بعد حفظك يا ما ... لك رقي في حادثي وقديمي
انا عبد الكريم أنت ومن أعـ ـ ... جب شئٍ ضياع عبد الكريم
стр. 830
وقال أيضاً: [من السريع]
إن مسَّك الناس بسوءٍ فكن ... بما قضي الله به راضياً
ودع أذاهم وتوكَّل علي الـ ... ـله تجده ابداً كافيا
وقوله: [من السريع]
كن أوثق الناس بما في يد الله ودع الله ودع ما في يد الناس
لا تقطع العمر ولا تفنه ... لا برجاء لا ولا ياس
لا يوحشنك البعد عنهم وإن ... ساء ففيه كل إيناس
وله في الشيب: [من المتقارب]
/١٩٣: ٥ أ/ وقالوا: جزعت لفقد الشَّباب ... فقلت: ومالي لم اجزع
نعاني المشيب إلى أسرتي ... ونفسي بصوت له مفظع
ونادي فلبَّيته سامعاً ... وكلكم إن يعش يسمع
[٣٤٤]
/١٩٣: ٥ أ/ عبد الكريم بن يوسف بن الحسين بن محمّد بن العباس، أبو الكرم الموصليُّ المعروف بالمهذّب الأّفطس.
كان رجل زمانه في الدهاء والحيل، قد حاز كل فضل. وكان بصيراً بعلم النجوم، وتعبير الرؤيا، عارفاً بأمور الناس وأحوالهم، ذا يد باسطة في صناعة الشعبذة والنارنجيّات والسَّيمياء والطلسمات والكيمياء، وما يتعلق بهذة الأجناس الغريبة مع حفظه للحكايات الظريفة، والأشعار المستحسنة، وقول الشعر، ومعرفة الادب.
وذكر لي عنه؛ إنه كان مستهتراً بشرب الخمر، منعكفاً عليها. وكان متشعياً مغالياً؛ شاهدته غير مرة. وهو شيخ يعلم نفراً من الصبيان /١٩٥: ٥ أ/ الخطَّ في حانوت، ولم آخذ عنه شيئاً. وتوفي اواخر سنة ثلاث عشرة وستمائة.
أنشدني الشيخ الأديب أبو عبد الله أحمد بن الحسين بن الخبّاز النحوي اللغوي الضرير، قال: انشدني أبو الكرم عبد الكريم عبد الكريم بن يوسف بن الحسين الموصلي المعلم
стр. 831
لنفسه يرثي كبشاً كان له: [من الكامل]
لهفي علي كبشٍ انست به ... رَّبيته وبذلت مجتهدي
قد كان لي خلا اسرُّ به ... يجري كمجري الرُّوح في الجسد
حتَّى إذا ما اشتدَّ هيكله ... عندي وصار كجبهة الأسد
أودت به أيدي المنون ضحًي ... والموت لا يبقي علي أحد
[٣٤٥]
/١٩٥: ٥ أ/ عبد الكريم بن محمد بن علوان بن مهاجرٍ، أبو الفضل بن ابي المظفر الموصليُّ.
القاضي الفقيه المدرس الشافعيُّ.
كان والده من جلّة الفقهاء الشافعية بالموصل وعلمائهم. وابن أبو الفضل اخذ الفقه عن والده، وقام مقامه في /١٩٥: ٥ ب/ التدريس بعده، ونظر في المسائل وتلمذ له جماعة. وكان من قبل قد حفظ القرآن العزيز، وسمع الحديث علي أبي الفرج محمد بن عبد الرحمن بن ابي العز الواسطي.
وهو من أكبر بيت في الموصل في الجاه وكثرة المال واليسار والعلم، وقلّده المولي المالك الملك الرحيم بدر الدين عضد الإسلام والمسلمين أتابك أبو الفضائل غرس امير الحسن بن عبد القاهر بن الحسن الشهرزوري.
لقيت القاضي أبا الفضل بالموصل في شوال سنة سبع وعشرين وستمائة؛ وسألته عن ولادته، فقال: ولدت بالموصل سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة.
وأنشدني لنفسه: [من الطويل]
وأضمر في نفسي إذا ما لقيتهم ... أبثُّ الَّذي ألقاه من ألم الوجد
стр. 832
فتبرد انفاسي ويخفق ساكني ... وأُذهل حتَّى لا أعيد ولا أبدي
[٣٤٦]
عبد الكريم بن منصور /١٩٦: ٥ أ/ بن أبي بكر بن عليِّ بن إبراهيم بن جابرٍ، أبو محمدٍ الاثريُّ الباوشناويُّ.
ينسب إلى قرية من أعمال الموصل اسمها باوشنايا، ولد بها في شهر الله رجب سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة. سمع الحديث الكثير واقتفي اثره؛ فلذلك يسمي نفسه بالأثري. سمع ببغداد والشام والموصل وديار مصر وغيرها من البلاد، ولقي جماعة من القراء والفقهاء والمحدثين والعلماء.
وهو من حفّاظ القرآن العزيز وحملة العلم ورواة الحديث والمتفقهة، وله أشعار في الرقائق والزهديات؛ كتبت عنه بالموصل وبغداد.
أنشدني لنفسه ما كتبه إلى كمال الدين أبي الكرم محمد بن علي بن مهاجر الموصلي في غرضٍ له:
[من الكامل]
أكمال دين الله دم في رفعة ... وسيادةٍ وسعادةٍ تتجدَّد
في حفظ ربَّ العالمين وصونه ... عن كلِّ ما أمل الحسود الأبعد
تسدي إلى أهل العفاف عوارفًا ... ومكارماً فيها تؤمُّ وتقصد
وهب الإله لك التُّقي ووقاك محذور الدُّني وكلاك مولي يعبد
واقرَّ عينك بالمعين وحاطه ... من شرِّ ذي شرٍّ وعين تحسد
/١٩٦: ٥ ب/ واأاله حفظ الكتاب وفهمه ... ومن العلوم سواه ممَّا يحمد
خذها ابيات امرئٍ ما شانه ... صوع القريض ولا له يتعمَّد
داعٍ لكمٍ بالصَّالحات مواصلٌ ... للمسلمين نداكم يتفقَّد
стр. 833
ما رغبتي في حاجة من رغبة ... عندي لدنيا بل بها أتزهَّد
قصدي زراعة ما يحلُّ لطعمةً ... مرضيَّة عند امرئ يتعبَّد
والله لولا ذا لحضت كحائض ... في كلِّ مورد شهوةً تتورَّد
لكنَّني أخشي الإله ومقته ... وعقاب زلاَّتٍ لها يتوعَّد
جاد الإله علي الجميع بجوده ... فضلاً فذلكم الإله الأجود
وأنشدني لنفسه، وذكر أنَّه عمل هذة الابيات بديهة عقيب درسه عقيدة لبعض اصحاب الإمام مالك بن أنس – ﵁. وكان علي منهاج السلف: [من مخلع البسيط]
عقيدة المالكيِّ نورٌ ... فدم علي درسها بجدِّ
وأعمد إلى مالها يضاهي ... وعن سواه أخي فعدِّ
/١٩٧: ٥ أ/ مخرجة من كتاب ربِّي ... وسنَّة المصطفي المؤدِّي
عن ربِّه ما إليه أوحي ... ببذل وسعٍ وفرط جهد
فرضٌ علي الخلق قفو هذا ... مع أمتثال من غير ردِّ
فاعقد عليه وارفض سواه ... من قول جهمٍ او قول جعد
أو قول من جاءنا بقولٍ ... مموَّه في الضَّلال يردي
أربي علي من وصفت ممَّن ... ذكرت من أخوة التَّعدِّي
... . قولاً إلى مقال ... لجهمٍ المعتدي يؤدِّي
ابن أبي بشر انتقده ... رابعهم يا أخا التَّهدِّي
فالحمد لله إذ هدانا ... إلى طريقٍ للفوز تهدي
وأنشدني أيضاً لنفسه، يحرض علي سماع سنن أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي: [من الكامل]
سنن النِّسائي واجبٌ ان تسمعا ... إذ كان جامعها إماماً مقنعا
فيها أحاديث النَّبيِّ وصحبه ... فجزاه رِّبي الخير فيما اودعا
стр. 834
/١٩٧: ٥ ب/ الله أسأل أن يتمَّ سماعها ... فهو المجيب بلطفه عبداً دعا
يا طالبي سنن النَّبيِّ ألا أبشروا ... وخذوا بها تكفوا وعيداً مفزعا
إنَّ المجامع في العلوم كثيرةٌ ... والمجمع الآثار خيرٌ مجمعا
فبهمَّة المولي الأجلِّ تحصَّلت ... أشياء يبعد مثلها ان يجمعا
إلَّا إذا ذهبت شهورٌ عدةٌ ... والله يأجره علي سعيٍ سعي
أعني بهاء الدِّين نجل الفاضل القاضي إلى الخيرات يلفي مسرعا
فالله يصحبه السَّلامة دائماً ... مهما أقام هنا ومهما أنعما
وأنشدني أيضاً لنفسه: [من السريع]
عاص هوي نفسك يا عاصي ... وادن من الخيرات يا قاصي
لا تعقلن عن ذكر مولي الوري ... وليكن الذَّكر بإخلاص
وأنشدني أيضاً لنفسه: [من المديد]
تب علي عبد له عملٌ ... لو به جازيته هلكا
غافلٌ عما يراد به ... مسلك العاصين قد سلكا
وقال يمدح الأئمة الثلاثة مالك بن انس، والشافعي، واحمد بن حنبل /١٩٨: ٥ أ/ ﵃.
[من الرجز]
وقائل عبد الكريم مالكا ... لا تمدح الحبر الإمام مالكا
وتمدح المطليَّ بعده ... وابن هلالٍ أحمد المباركا
قلت له: فأسمع مديحي فيهم ... فإنَّني لست لذاك تاركا
وكيف لا أمدح أشياخ الهدى ... وكلّهك للجقَّ كان سالكاً
أمَّا الإمام الأصبحي مالكٌ ... فحبُّه للقلب أمسي مالكا
فقيه دار الهجرة المفتي بها ... ناهيك من فخر له بذلكا
стр. 835
نجم الرُّواة ذو الوقار لا تري ... في مجلس العلم لديه ضاحكا
طوبي له من رجلٍ مؤيَّد ... بالحقِّ قوَّال به طوبي لكا
والشَّافعيُّ لست انسي ذكره ... ألق لمدحيه خليلي بالكا
ذاك الشريف العالم الحبر الَّذي ... مع العلوم كان براً ناسكا
حوي التُّقي والعلم غير زائغٍ ... عن سنَّة المختار فاعلم ذلكا
جزاه رَّبي الخير عن صنيعه ... وعظَّم الاجر له هنالكا
والثَّالث ابن حنبل أكرم به ... قدوة اهل الحقِّ لن يشاركا
في محنة القرآن والضرب الَّذي ... لجسمه في الله اضحي ناهكا
/١٩٨: ٥ ب/ لو أنَّه أجابهم في قوله ... تبدَّل الُسلام كفراً حالكا
قام مقاماً لم يقمه غيره ... وناصح الله الكريم المالكا
فأعظم اللَّهمَّ في جواركا ... في جنًّة الخلد له ثوابكا
وبلَّغ اللَّهمَّ عنَّا أحمداً ... نبَّينا وآله سلامكا
وصحبه والتَّابعين بعده ... وكلَّ عبد كان من عبادكا
واغفر لي اللَّهمَّ ذنبي كلَّه ... إن لم تجد كنت بجر مي هالكا
وقال أيضاً: [من الكامل]
أيعاب من اهدي لبيت نبِّيه ... مدحاً ويحمل في القضاء ملامه
بيتٌ هم سفن النَّجاة وحبُّهم ... ريٌّ لمن في الجهل طال أوامه
هم أنجم الدين الحنيفي الَّذي ... شرع الإله لنا وهم أعلامه
وهم المهداة القائلون بحقِّه ... وهم الدُّعاة له وهم حكَّامه
نطق الكتاب بفضلهم حتَّى لقد ... حكمت بحكمتهم لهم أحكامه
طوبي لمن طابت سريرته لهم ... والي خيامهم تضم خيامه
ذاك امرؤٌ حاز المفاز فجنَّة الفردوس مسكنه وثمَّ مقامه
منهم عليٌّ ذو الفخار متبِّر الفجار أم الخير فهو إمامه
/١٩٩: ٥ أ/ علمٌ عليمٌ بالعلوم معلِّمٌ ... حسم الضَّلال لسانه وحسامه
стр. 836
يحيي قلوب العارفين كلامه ... ويميت اجساد الطُّغاة كلامه
والبضعة النَّبوَّية الطهر الَّتي ... أن عد طيب الذَّكر فهي ختامه
سادت نساء العالمين كذا أتي ... في النَّقل جاريةً به اقلامه
وكذلك الحسنان نجلاها اللَّذا ... بهما جمال العقد ثمَّ نظامه
صلَّي الإله عليهم ما أورقت ... شجرٌ وغرَّد في الأراك حمامه
[٣٤٧]
عبد الكريم بن أحمد بن محمَّد الضرير البوازيجُّي، أبو الفضل المقرئ المعروف بابن حرمية.
نزيل الموصل وحرميّة كانت امرأة يعرفون بها.
تفقه علي أبي الفضل يونس بن محمد بن منعه الإربلي العقيلي، ومكث عنده اثنتي عشرة سنة، وقرأ عليه كتابي "التشبيه" و"المهذب" للإمام ابي إسحاق إبراهيم ابن علي بن يوسف الشيرازي – ﵁
ورأي القاضى أبا الفرج منصور بن الحسن بن علي بن عاذل بن يحيي البوازيجي /١٩٩: ٥ ب/ البجليّ الفقيه الشافعي غلام الإمام أبي إسحاق الشيرازي، وسمع المقامات علي ابي سعيد محمد بن علي الحلي – صاحب الحريري-. وأخبر عنه أنه قراها علي الحريري ستين مرة. وقرأ للسبعة علي أبي بكر يحيي بن سعدون القرطبي، وسمع الحديث علي القاضي الإمام تاج افسلام أبي عبد الله الحسن بن نصر بن خميس الجهني. وروي عنه أكثر مصنفاته ونبذاً من مصنفات غيره.
وكان – ﵀ – يقرئ القرآن الكريم، ويفيد الناس، وتخرج عليه عالم كثير إلى ان توفي بالموصب سنة إحدي عشرة وستمائة، ودفن ظاهر البلد غربيهبباب الميدان بمقبرة تعرف "بمكيكة" وكان قد شارف المائة.
стр. 837
وحدثني الشيخ العالم أبو العباس أحمد بن الحسين الأديب النحوي، قال: كان شيخنا أبو الفضل قيماً بتفسير القرآن خيراً ديناً. وكان يقول لنا: إذا ألحدتموني وحثثتم علي التراب، وانصرف الناس عني، فقفوا عند القبر يسيراً آنسوني بذلك، وخلوا بين الكريم وبين عبد الكريم.
/٢٠٠: ٥ أ/ وكان ينشدني أشعاراً كثيرة لغيره ولنفسه، ولم يعلق من شعره بقلبي طائل، فمما التقطت منها قوله من قصيدة: [من البسيط]
والشمل منتظمٌ والدَّهر ملتئمٌ ... والهمُّ مقسمٌ والوصل مأمول
ونحن بالموصل الفيحاء في زمنٍ ... كأنَّه منهلٌ بالرَّاح معلول
وقوله من قصيدة في مرثية: [من الطويل]
وكنت لهم كالليَّث والغيث دائماً ... تميت وتحيي بالوعيد وبالوعد
[٣٤٨]
عبد الكريم بن إبراهيم بن عبد الكريم بن عبد الرحمن النفربيُّ الشاطبيُّ القصار، أبو محمد المراكشيُّ.
كان رجلاً جليلاً، ذا نعمة واسعةً، وثروة ظاهرة، يرحل إلى الملوك فيسترفدهم بأشعاره ولديه فضل ومعرفة باللغة والادب، وله قصائد مطولات كثيرة، ولم يكن شعره سائغاً بل متوسطاً يظهر فيه التعسف.
انشدني أبو محمد عبد الله بن أحمد بن يوسف الغرياني بحلب المحروسة، قال أنشدني أبو محمد /٢٠٠: ٥ ب/ عبد الكريم بن إبراهيم لنفسه: [من البسيط]
يا من شمائله احكي من القمر ... ومن فضائله احلي من السَّمر
سموت قدراً، فقلت: النَّجم في فلك ... وطبت ذكراً، فقلت: الرَّوض بالزهر
يا احوذيَّ الوري، والألمعي ومن ... قد بذَّ جمعهم بالذَّات والقدر
أمَّا النَّوادي فقد عمرت ساحتها ... بطيب ذكرك في الإمساء والسحر
ماذا أقول وقد البستني حللاً ... أبهي فواتق من زهر ومن زهر
أفضت افضلت في سر وفي علنٍ ... أحميت أكسبت من بيضٍ ومن صفر
стр. 838
حسنت أحسنت في قرب وفي بعدٍ ... منحت انحلت من وفرٍ ومن بدر
أوليت من منن جلَّت جلت كربي ... نمت وتمَّت كروض مزهر نضر
ماذا ليمناك من يمن ومن منن ... ماذا ليسراك من يسرٍ ومن يسر
جادت عليَّ سحابٌ من اكفَّكم ... فاطلعت في أكفي دوحة البدر
مازال واكفها ينصبُّ في غدق ... حتّى ..... بناني بالِّندي الهمر
يا محسناً كل إحسان بلا كذب ... ومغنياً كل إغناء بلا قدر
فقت الأكارم في سر خصصت به ... فأنت من مالك ما أنت من بشر
هذي أياديك لا أحصي لها عدداً ... ما ينقضي سردها أو ينقضي عمري
/٢٠١: ٥ أ/ قد احدقت وأحاطت بي إحاطة من لبي وطاف ببيت الله والحجر
والشكر فرض عليه لازم فأصخ ... لسمع شكر كمثل السِّمط بالدُّرر
ما شابه دخلٌ كلاً ولا خللٌ ... صفا صفاءً يميز الماء في الغدر
شكري لنعماك شكر الرَّوض للمطر ... أو مقترٍ لغني وافي علي وطر
أو شكر عبد لمولّي كان أعتقه ... أو شكر حام لصفو السَّلسل الخضر
أو كالغريق لما انجاه من خطر ... أو كالطليق لمن نجاه من ضرر
أو كالسَّقيم لبرءٍ إثره فرحٌ ... أو كالكريم لضيفٍ جاء من سفر
أو كالمحبَّ لمحبوَّب يؤانسه ... أو كالنَّزيف زمانَ النَّور للسَّكر
والحمد يتبعه عجلان في مهلٍ ... حثا بلاً مهلٍ نصّاً علي الأثر
لو كان للشكر شخص يا مني أملي ... يري لجئت به في أحسن الصُّور
حتَّى تراه وتدري أنَّني رجلٌ ... شكري لك الدَّهر شكر السَّمع والبصر
السَّمع يشكر للأصوات ما حسنت ... والعين تشكر طول الدَّهر للنَّظر
لكنَّه في ضميري والكلام محرِّكٌ بلسان الخبر والخبر
لو حلَّ شكري وسط البحر في مدد ... لصار في حينه احلي من السَّكر
أو حلَّ في فلواتٍ تربها حجرٌ ... لأنبت ...... .. بالثَّمر
стр. 839
/٢٠١: ٥ ب/ الشُّكر أحسنه ما كان قائله ... يبثُّه بين أهل البدو والحضر
ينصه بكلامٍ مرتضي حسنٍ ... نص الحديث لأهل العلم والنَّظر
وقائلٍ قال: فيمن ذا الثَّناء فقد ... نظمت شكراً له نظماً علي صور
فقلت في النَّدس العدَّ الَّذي شهرت ... أوصافه كأشتهار الشَمس والقمر
محمَّد بن نحيل من سما قدراً ... نجل لآحمدي ذي الآثار والآثر
للعالم العلم الصِّنديد من شرفت ... به الكتابة في الإيراد والصَّدر
فاق البديع بما قد حاز من بدعٍ ... فأبن العميد وما يحويه من غرر
والصَّاحب الملك والصَّابي وقبلهم ... عبد الحميد وكلٌّ قاله العصر
راعت براعته الكتَّاب قاطبةً ... لما أنارت من الإبداع والغرر
إأشرعت في حجال الطرس عاملها ... علت محاجتها للبيض والسُّمر
وإن أقرَّت علي صفح ...... ... أزرت بوشي الرُّبي والرَّوض والحبر
انسي ابن مقلة في اعمال انمله ... وهو النِّهاية فيما شاع من خبر
لولا .... يديه لليراع لما ... حكت أنامله حرفاً مع الكبر
إن االكتابة بعضٌ من مناقبه ... كما اللآلئ بعضٌ من ندي البحر
الطّيب الخيم والميمون طائره ... من قد سما وعلا دأبًا علي السُّور
/٢٠٢: ٥ أ/ مفرِّج الضِّيق واللأواء قد حميت ... ومخرج العسر بالإيسار واليسر
الكامل الذَّات في خلق وفي خلقٍ ... صنو الغمامة في صوب وفي همر
كأن طلعته والسَّعد حفَّ بها ... بدرٌ أحاط به جيشٌ من الزُّهر
يا طالب الخير في بدوٍ وفي حضر ... وجالب اليسر في ورد وفي صدر
يمِّم لتونس فهي الان مربعةً ... واربع بها تأمن من سطوة الغير
روض أريضٌ بلا لولا لمعتذرٍ ... بستان أمنٍ بلا شئ من الذُّعر
أنوار اسعده حلَّت بساحتها ... فليس يدركها شئ مدي العمر
إن تلقه تلق آمالاً مجمعةً ... وفق الطراد بلا شئٍ من الكدر
стр. 840
من أمَّه مرَّةً في الدَّهر واحدةً ... ألقي عصاه فلم يبرح ولم يسر
لا زال يصعد في سعد يساعده ... تتري عليه مع الآصال والبكر
ثمَّ الصَّلاة عليه صيِّباً غدقاً ... ما غرد الطَّير يوماً في ذري سحر
ثم ختم هذة القصيدة بهذة الأبيات: [من مجزوء الكامل]
خذها إليك قصيدةً ... بالشكر تنطق والثَّنا
قد اشبهت في حسنها ... طرفاً كحيلاً قد رنا
أو حبَّ صبٍّ مدنف ... بعد التَّباعد قد دنا
/٢٠٢: ٥ ب/ كلَّا وما إن أشبهت ... ألَّا نداك المقتني
وقال: [من المنسرح]
لازال ذاك المقام الأسمي ... يهمي علي قاصديه هميا
ما اكتحلت مقلة بضوءٍ ... وأقبلت بالشَّباب لميا
وأنشدني أبو عبد الله محمد بن عبد القاهر بن هبة الله بن النصيبي بحلب، قال: انشدني أبو محمد عبد الكريم بن إبراهيم لنفسه: [من الكامل]
إصبر علي مضض الزَّمان وعضِّه ... فالصِّبر أحسن مكسب الكسَّاب
والصَّبر أجمل بالفتي وبفعله ... والحرُّ لا يرض بغير صواب
كم من فتًي في الأرض حر مقترٍّ ... متظلِّم من ظالمٍ غصَّاب
لم يتَّرك من ماله من تالد ... أو طارف شيئاً من الانشاب
من بعد ذا جبر الإله مصابة ... فأثابه ضعفين من ......
فاصبر هديت ولا تخف من عسرةٍ ... فالصبر يفتح مغلقات الباب
فالصَّابرون هم غداً في فرحة ... يعطون اجرهم بغير حساب
/١٩٤: ٥ أ/ يكفيك أنَّ الله ذاكر فضلهم ... في الرَّعد والتَّنزيل والأحزاب
стр. 841
[٣٤٩]
/١٩٤: ٥ أ/ عبد الكريم بن أحمد بن مقلد بن أبي الفرج بن عبد المنعم بن جليق، أبو الفضل التغلبي الجشميُّ.
شاب قصير من أهل حماة، استوطن حلب، ورأيته بها ينسخ الكتب اللطاف والمتوسطة بالأجر. ويكتب القصص في باب مسجدها الجامع؛ ومن ذلك معيشته وارتزاقه.
ويعاني قول الأشعار الغزلية، وله في نظمها طبع مؤات، ويقول منها المقطعات والقصائد. وذكر لي: أنه تأدب علي ابي الحسن علي بن محمد السخاوي النحوي المقرئ، وربما أحوجه وقته إلى الاسترفاد بالشعر
انشدني لنفسه، وكتبه لي بخط يده: [من الكامل]
خبر الغضا أم نشره الفيَّاح ... هذا الَّذي عبثت به الارواح
نقلته عن أرج الخزامي مسنداً ... عن ساكنيه فهم له شرِّاح
يروي عن الرشأ الَّذي سكن الحمي ... فيه عليَّ ثنّيه وجماح
/١٩٤: ٥ ب/ إن قد بذلت لك التَّواصل في الكري ... فاقنع بأنَّ تتواصل الأشباح
ولقد طرقتك والمحصَّب بيننا ... ومهامهٌ مجهولةٌ وبطاح
ومفاوزٌ للنيِّرات مجاهلٌ ... ما دونها مجهولةٌ وبطاح
يجتازها المرَّيخ شاهر سيفه ... ويميل عنها الأعزل الرَّماح
اهلاً بمقتحم الدجي لزيارتي ... ولديه من وضح الدي إيضاح
وله دليلٌ عارفٌ من عرفه ... جواب كل مفازة فتاح
يا طيب العبقات ما لقلوبنا ... أبداً إليك صبابةً ترتاح
طبعت كذاك علي هواك فما لها ... كف عن التبريح فيك براح
стр. 842
وأغن نستجلي محاسن وجهه ... لهواً ويجلي من يديه الراح
كالشَّمس في الإشراق يجلو كأسها ... للشهب من شهب الحباب مباح
نزلت بأرجاء الصُّدور فرحَّلت ... هما تحلُّ مكانه الأفراح
شربت لخسران العقول ولم يزل ... في الرَّاح خسران العقول رباح
ووشي بأسرار الغرام لشربها ... ثمل لأسرار الهوي فضاح
وقال أيضاً: [من الوافر]
حديثك أيُّها النَّشر العليل ... إلىَّ فلست أجهل ما تقول
/١٨٣: ٥ أ/ أهجت بذكرهم ثملاً بعقلي ... فأنت له شمال أم شمول
نسيم هبَّ من هضبات نجد ... له أرجٌ تفِّتقه القبول
سرى مسرى الخيال له حثيثاً ... وما للبدر لولاه دليل
ولمَّا ان تواقفنا لعتب ... تشابهت الصَّبابة والنُّحول
فلم يشعر لوجد كيف يشكوً ... ولا أنا للتَّشوق ما أقول
ولكنَّا سألناه حديثاً ... عن الأحباب إذ أؤف الرَّحيل
فروَّي ما روي من بين ريَّا ... معاهدها ...... السُّيول
وعرَّض بالطلُّول فجدا وجدي ... لأنِّي من تتِّيمه الطُّلول
سقي جبلي حماة والمصلَّي ... أجشُّ الرَّعد موَّارٌ هطول
إذا ضحكت بوارقه بكتها ... عيون سماً مدامعها هطول
فكم شقت بها لحياً جيوبٌ ... وجرت بالنَّسيم لها ذيول
لها واد عزيز الجار يرعي ... ويعذب في خمائله الخمول
تري الاحزان تطردها حزونٌ ... وإن صعبت تسهِّلها السُّهول
تغازل أعين النوَّار فيها ... فهمنَّ بها صحيحاتٌ وحول
كأنَّ المسك ضوَّع في قراها ... وسلسل في البطون السَّلسبيل
/١٨٣: ٥ ب/ فهذا الطَّير من طربٍ يغنِّي ... وهذا الغصن من ثملٍ يميل
стр. 843
يعاصي أرضها العاصي فتثني ... أعنَّته مرناتٌ ثكول
ينحن وما أصبن بفقد إلف ... ولا أودي بهنَّ جوًي دخيل
فتسفح دمعها في خدِّ روضٍ ... أريضٍ دونه الخدُّ الأسيل
وقال أيضاً: [من الخفيف]
أتراني من لوعة الحبِّ ناجي ... بغزال ممرَّض الطَّرف ساجي
أم لقلبي مجبِّر بعد كسرٍ ... كيف يرجي انجبار صدع الزًّجاج
فوحقِّ الهوي وعهد التِّداني ... وافتقاري إلى الوفا واحتياجي
ما دهاني إلا صدودك عني ... بعد ما كنت للتواصل راجي
والذي غدا اسمه كف صبر ... حين اضمرته بلفظ الأحاجي
يا عز الا كناسه في فؤادي ... فهو فيه مصور ومناجي
عد إلى وصلي القديم ولا ... تعدل عم حسن ذلك المنهاج
لا تطع في لائماً من بني الدهر مسراً حديثه أو مفاجي
واثن عطف الوصال نحوي وقلل ... من صدودي ..... في اللجاج
ثَّم زرني عسي تسكن ما بي ... من حنين ولوعةٍ وانزعاج
/١٨٤: ٥ أ/ وتعلَّم من لطف أخلاق نجم الدِّين ربِّ الفضائل بن سراج
فهو كالراح صفقت فكساها ... ساطع النور مستطاب المزاج
لو دعيٌ لولاه قد كان باب الفضل والجود محكم الإرتاح
ذو بنان ينسي العلا وبيانٍ ... كلَّ درٍّ من بحره العجَّاج
هو لي قدوةٌ بنظم القوافي ... حين اضحي مثقِّفاً لاعوجاج
غير أنِّي اخاف منه عتاباً ... يورث القلب شعلة الإنضاج
حين اهدي إلى عذباً فراتاً ... ثم قابلته بملح أجاج
ليس هذا عادات مثلي وحاشاي ولكن دهري أحال مزاجي
كلَّما رمت منه منجي أتاني ... منه ضيقٌ ولم يجد بانفراج
ورماني بنوه مثل أبيهم ... قد شغلنا عن مدحهم بالآهاجي
سوَّدوا اوجه المحامد والأعراض في ردِّ قاصد باحتياج
ثم صانوا تلك الجسوم الخسيسات ... بلبس الحرير والدِّيباج
стр. 844
ولأنت المنجي وفي ظلِّك الملجا ... جوادٌ لكل عافٍ ولاجي
فاغفر الذَّنب واعف عن زلَّة العبد ودم في مسرة وابتهاج
/١٨٤: ٥ ب/ ثمَّ كن قانعاً من الكل بالبعض ... إلى حين يسرةٍ من نتاج
فوحقِّ الباري المصوِّر إنساناً ... أدبياً من نطفة أمشاج
ليس تحوي يدي ولا البيت عندي ... غير ما قد بعثته بالروَّاج
فاقبل العذر ثمَّ صدَّق يميني ... يا رجائي وعمدة المحتاج
وقال أيضاً: [من الكامل]
ذكر التَّلافي بالظِّباء تلاف ... أذ ما لسالف عصره إخلاف
أيام لهوك مع جاذر جاسمٍ ... وظباؤه بك أنسٌ ألاف
إذ روض أرض حماة زاه زاهرٌ ... بأريجه مشتي لنا مصطاف
تغدو الكؤوس من المدام خفيفةً ... بأكفِّنا وتروح وهي خفاف
ومهفهف صحبته لصبوحه ... بالكأس ..... الراَّح وهي سلاف
حمراء مشبهةٍ تورُّد خدِّه ... فكأنَّما هي في الكؤوس رعاف
مزجت فراقت فهّي نورٌ ساطعٌ ... يغشي سناها الجوهر الشَّفاف
وسبقته حتَّى غداً ولقدِّه ... من غصن بانه حاجز أعطاف
وتنرجست لحظاته فقتلن في العشَّاق ما لا تقتل الأسياف
رشاً من الأتراك كل حديثه ... مذقٌ وكل وعوده إخلاف
/١٨٥: ٥ أ/ لا يستقرُّ علي ربيع واحدا ... ويسير ليلاً والمطي عجاف
متنقلٌ كالبدر إلَّا أنَّه ... لا يعتريه النَّقص والإجحاف
يا من عقارب صدغة تهدي إلى ... أحشاي صرف السم وهو زعاف
لو ان صدغك واو عطف جدت لي ... بالوصل لكن واوها استئناف
لله اسمر احورٌ ما عنده ... من تيهه لمتيمٍ إنصاف
تحميه سمر السمهرية في الوغي ... فكأنها لقوامه أحلاف
فسقي الحيا زمناً نعمت بوصله ... وجني عليه البارق الخطَّاف
ولياليا بتنا نعانق بعضنا ... بعضاً وكل عتابنا الطاف
ومع الهوي لا يستخف بنا هوًي ... ومع العناق بنا تقي وعفاف
стр. 845
اشكو إليه فيشتكي من مثله ... شعفاً ونحن لدي الغرام كفاف
لا من محب له بوصل مسعف ... يوماً ولا لي عنده إسعاف
يا حسنة ثمراً ولكن لي ... بقطو تعطي يدي قطاف
وقال أيضاً: [من الطويل]
هو البرق يبدو في الدُّجنذَة من ذوي ... دان لذكراكم به كبدي يكوي
إذا اقدحت ايدي الغمام زناه ... فلاح علي بعدٍ من الغاية القصوي
/١٨٥: ٥ ب/ تتَّبعته نوءاً من الجفن ماطراً ... يشحُّ إذا ما شحَّ منبجس الأنوا
أري كل من يعزي إلى الوجد قلبه ......... .. مع الأيام ...... .. الأدوا
ووجدي ينمي والغرام مجدَّدٌ ... بها ولعمري ما الصَّبابة كالدَّعوي
ونيران حيَّ من حماةً بدت لنا ... ونحن علي الاكوار نرتقب الاضوا
علي كلَّ معتاد الوحي ضامر الحشا ... دعاك إلى التَّيسار في مهمة ألوى
بلادٌ إذا ما ذٌبت من شدَّة الجوي ... إليها فلا لومٌ عليَّ ولا عدوي
أعاصي بها العاصي فيعطفني له ... نوازع شوق قادراتٌ علي اللأوي
كأنَّي مذ فارقتها آدمٌ وقد ... نأي كارها بالرغم عن جنَّة المأوي
وإني لمشتاقٌ إلى هضباتها ... فجد لي بها يا عالم السِّرِّ والنِّجوي
следующие страницы →