Полный текст (2 778 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
/٢٩٠ ب /ظبيٌ غريرٌ أحورٌ ... يسبي بخدٍّ كاللُّجين
ترمي سهام جفونه ... فينا قسيُّ الحاجبين
كم يسترق متيَّمًا ... بعذاره والسَّالفين
سفكت دمي ألحاظه ... عمدًا بسهم المقلتين
ما لي ألوم على الهوى ... قلبي وطرفي جرَّ حيني؟
أنا كلَّ يومٍ معهما ... في حرب بدرٍ أو حنين
أألام في قمرٍ على ... خدَّيه صورة عقربين؟
دبَّت على قلبي وما ... جلب البلية غير عيني
وأنشدني أيضًا قال: أنشدني عبد العزيز بن أبي المعالي يرثي شيخنا الإمام أبا المظفر محمد بن علوان بن مهاجر، [وكان قد] توفي يوم الأحد، ثالث المحرّم من سنة خمس عشرة وستمائة- رحمه الله تعالى-: [من الخفيف]
أوحشتنا لمَّا تولّى الدُّروس ... والفتاوى بكته والتَّدريس
آه واحسرتاه على شرف الدِّين ... ومن كان صمته تقديس
وإذا فاه بالفوائد تملى ... صحفٌ من علومه وطروس
ولكم كان ينشر الدُّرًّ إن نا ... ظر في محفلٍ وتجلى عروس
ولكم عمَّ حزنه وتساوى ... في عزاه الرئيس والمرؤوس
كلُّ عينٍ عرى وكلُّ فؤادٍ ... فيه من حزنه الطويل رسيس
ولقد ألبس الزَّمان حدادًا ... فهو بالحزن ظلمةٌ خندريس
عجبًا كيف حلَّ في اللَّحد طودٌ ... وهو في ضيق تربه مرسوس
ولبحرٌ ثوى بقعر الثَّرى فيه ... من المأثرات درٌّ نفيس
ولقبرٌ حوى بضيقته ليـ ... ثًا هزبرًا له ثراه حبيس
ولئن أظلمت لحودٌ ففي قبـ ... ـرٍ حواه من العلوم شموس
أو شكت وحشةً فقد حلَّ في لحـ ... ـدٍ به حلَّ من بقاه أنيس
وبه الدَّهر كان طلق المحيّا ... وهو الآن حين بان عبوس
ولو أنَّ المصاب يفدى بشيءٍ ... لفدته من الحمام النُّفوس
وأنشدني القاضي الإمام كمال الدين عمر بن أحمد بن أبي جرادة الفقيه الحنفي
стр. 772
المدرس- أدام الله تأييده- بحلب في سنة أربعين وستمائة قال: أنشدني أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن أبي الفضائل بن أبي البركات الفقيه الشافعي البغدادي الواعظ المعروف بابن الديناري لنفسه بحلب سنة اثنتين وعشرين وستمائة:
[من الطويل]
غزالٌ سباني فاتر الطَّرف أحور ... يقدُّ الردينيات بالقدِّ أسمر
إذا ما رنا أصمى الرَّميَّة لحظه ... وفي طرفه سيفٌ من اللَّحظ أبتر
وكم قتلت ألحاظه من متيَّمٍ ... يسلُّ عليه باللواحظ خنجر
وقد أمرضت جسمي مراض جفونه ... ومذ فترت سقمي بها ليس يفتر
بخدٍّ نقيٍّ كاللُّجين بياضه ... ومن فوقه وردٌ من الحسن أحمر
وثغرٌ هو الإغريض لا بل لآليءٌ ... منضدةٌ عند التَّبسُّم تبهر
ترى الدرَّ منظومًا إذا كان باسمًا ... ولكنَّه للدُّرِّ بالنُّطق ينثر
ونكهته المسك الذكيُّ تخالها ... بعيد الكرى بل مازج المسك عنبر
وريقته يشفي المتيَّم رشفها ... ورائقها عند الترشُّف يسكر
بأجفانه إمَّا دنا سحر بابلٍ ... ومن لفظه أو لحظه الصَّبُّ يسحر
إذا صدَّ الصَّبر عنّي بصدِّه ... ويهجرني طيف الكرى حين يهجر
وأنشدني أيضًا قال: أنشدني لنفسه: [من المتقارب]
حفظت العهود وضيَّعتم ... فأين الحفاظ وأين العهود؟
ففي القلب منكم جوىً ناره ... لها في الحشا مذ حللتم وقود
أأكتم ما بي من حبِّكم ... وقد خدِّدت بالدُّموع الخدود
وإن أنا أنبأت سرَّ الهوى ... فها زفرتي ودموعي شهود
وقد كنت قبل الهوى صابرًا ... جليدًا وفي الحبِّ يفنى الجليد
سقى الله نجدًا وأرض الحمى ... ملثًّا بتلك المغاني يجود
أحبُّ زرودًا وتلك الرُّبوع ... فكم جمعتنا قديمًا زرود
زكم قد سحبت برود الشَّباب ... بها فازهتني تلك البرود
وكان الشَّباب شفيعي ولي ... غدائر تسبي المحبِّين سود
فشبت وما شاب وجدي بكم .. وإن كنت شبت فحبي وليد
стр. 773
وأنشدني أيضًا قال: أنشدني لنفسه أبياتًا عملها في طريق مكة، وقد حجَّ من العراق في سنة ثلاث وستمائة، وحجَ في تلك السنة صدر جهان وكانت الوقفة الجمعة، وهلك من الحاج خلق كثير من العطش، ولا سيَّما في منزلة به تسمى العسيلة: [من مجزوء الكامل]
يا سائلي عمّا جرى ... إنِّي اختصرت لك العبارة
إنَّ العسيلة أصبحت ... فينا حلاوتها مرارة
وكذا النُّقيرة قبلها ... عدم الفتى فيها قرارة
كم من شبابٍ شاحبٍ ... بعد الملاحة والنّضارة
أضحى بقفرٍ عادمًا ... فيه أقاربه وجاره
مستوطنًا بمفازةٍ ... وفراشه فيها الحجارة
لا ليله ندري به ... عند الظَّلام ولا نهاره
ولكم رأى من يستجيـ ... ـر به ولكن ما اجاره
ترك النِّساء أراملًا ... وجفا لسفرته دياره
كم من وقورٍ عادمٍ ... بالموت بينهم وقاره
متوسِّد يمناه فو ... ق جبينه ألقى يساره
كم مرضعٍ ورضيعها ... تومي إلينا بالإشارة
من ذا يبرِّد غلَّتي ... بالماء يربح بالتِّجارة؟
كم مترفٍ ومنَّعمٍ ... والرمل قد أضحى دثاره
كم مات منهم جالسٌ ... بين الحجارة والمحارة
كم من وجوهٍ سوِّدت ... من قبل كانت مستشارة
كم من قطارٍ مات والـ ... ـجمَّال متَّبعٌ قطاره
وجميعهم صرعى كأنَّ ... السُّكر ألأبسهم خماره
وأتاهم البيت الحرا ... م إلى العسيلة للزِّيارة
إنَّ الملائكة الكرا ... م أتت إليهم بالبشارة
стр. 774
إنَّ الإله رضي لهم ... في جنة المأوى جواره
قد كان ينتفع الفتى ... بالذِّكر لو أبدى ادِّكاره
أو كان يفتكر اللَّبيـ ... ـب ويكثر الدَّهر افتكاره
لرأى بعين العقل أنَّ ... محاسن الدُّنيا معاره
فاترك تجارتها فإنَّ ... تجارة الدُّنيا خسارة
فالملك فيها لا يدو ... م فكيف يفرح بالإمارة
واعدل إذا ولِّيت أمـ ... ـرًا فالإمارة بالعمارة
وقوله:
وأتاهم البيت الحرا ... م إلى العسيلة للزِّيارة
قيل: رأى بعض الحاج في منامه كأنَّ البيت الحرام مشى، فقيل: إلى أين؟ فقال: إلى زيارة الموتى بالعسيلة.
[٣٢٠]
عبد العزيز بن قرّى، ينعت بالقاضي الأمجد المصري:
كان من الفضلاء في زمانه أدبًا، وفضلًا، وعلمًا، وتبريزًا، له يدٌ في كتابة الإنشاء، مع حفظ القرآن، وتدريس الفقه، وقول الشعر، والأدب الوافر.
ومن شعره: [من الكامل]
قد كنت أحذر من وقوع فراقكم ... وأعافه وأخافه حتَّى جرى
سبق القضاء به فقدَّر يومه ... حتمًا فلا ردٌّ لما قد قدِّرا
ساروا فلو ألقي يسير تشوُّقي ... يومًا على الصَّخر الأصم تفطّرا
ولو أنَّ بحرًا صادفته قطرةٌ ... من دمعتي لجرى نجيعًا أحمرا
يا عاذل العشَّاق جهلًا بالهوى ... ما كان أحسن أن ترقَّ وتعذرا
إن كنت لم تر قطُّ يومًا قيمة الـ ... ـدُّنيا ففارق من تحبُّ لكي ترى
стр. 775
[٣٢١]
عبد العزيز بن محمَّد بن عليِّ بن حمزة بن القبَّيطيِّ، أبو البركات، الحرَّانيُّ الأصل، البغداديُّ المولد:
شيخ فاضل حافظ القرآن العظيم، متقن له، مجيد لأدائه، حسن التلفّظ به، شيخ صالح، ذو سكون ظاهر، سمع الحديث، وكان فيه فضل وأدب، سمع شهدة بنت الإبري، ومن بعدها، وحدث وسمع، وكانت وفاته في منتصف ربيع الأول سنة أربع وثلاثين وستمائة بمدينة السلام.
أنشدني أبو طالب علي بن الحسن بن عثمان بن عبد الله البغدادي، بمدينة السلام سنة تسع وثلاثين وستمائة [قال] أنشدني عبد العزيز بن محمد بن القبيطي لنفسه من قصيدة طويلة في المستنصر بالله- ﵁: [من الطويل]
حمى شرعة الإسلام من كلّ باطل ... إمام هدى برٌّ كريم الشمائل
إمام هدىً أعطى الخلافة حقَّها ... وقام بمفروضاتها والنوافل
وأعلى من الإسلام كلَّ دعامةٍ ... وشيَّد من أركانه كلَّ مائل
يذبُّ عن الإسلام منه حميَّةً ... يبيد أعاديه عديد الجحافل
стр. 776
ويحمي ثغور الدِّين في كل وجهةٍ ... ويدفع عنها بالرِّماح الذَّوابل
يسحُّ على العافين سيب نواله ... كما سحَّ هطَّال العيون الهواطل
برحمته عمَّ الخلائق كلَّهم ... ونال المنى من برِّه كلُّ آمل
بمستنصرٍ بالله نسأل ربَّنا ... فيكشف عنَّا كلَّ لأواء باطل
به تكشف البلوى ويستنزل الحيا ... وتدنو الثُّريا من يد المتطاول
لقد منح الله الخلافة راحمًا ... رؤوفًا جوادًا جامعًا للفضائل
فنسأل ربَّ العرش تطويل عمره ... على مرِّ دهرٍ دائمٍ متطاول
[٣٢٢]
عبد العزيز بن عثمان بن منصور بن أبي الفوارس، أبو أحمد الفزاريُّ الإربليُّ:
كان شابًا، لهج بقول الشعر، وأكثر النظم، وادّعى أنَّه من بني فزارة، وكثيرًا ما يذكر ذلك في شعره ويردِّده مفتخرًا به، خرج من إربل قاصدًا ملوك الشام أبناء أيوب، فامتدحهم، وأخذ صلاتهم وحسنت حاله، ثم توجه نحو إربل، فوصل نصيبين في أوائل صفر سنة ست وعشرين وستمائة، وكانت ولادته في حدود سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، وكان معه غلامان له، فتحاملا على قتله، وأخذا الموجود من ماله ومتاعه، وهربا.
وذكر لي بإربل أنه كان يسرق الأشعار، ويمدح بها، وقد عثر له جماعة على السرقة. أنشدني أبو القاسم بن أبي النجيب بن أبي يزيد التبريزي قال: أنشدني أبو أحمد عبد العزيز بن عثمان لنفسه، ما كتبه إلى الوزير الصاحب شرف الدين أبي البركات المستوفي يهنيه بعيد الأضحى، وزعم أنه عمل ذلك بديهو: [من الطويل]
أبا البركات العيد وافاك مقبلًا ... بسعدٍ فكن يا سعد للبرِّ قابلا
стр. 777
أتاك أناسٌ للتَّهاني فصادفوا ... من اسمك فألًا فيه للخلق شاملا
فولُّوا وجاء الدَّهر في إثر سعيهم ... يقيم لهم عذرًا ويخضع سائلًا
ونقلت من خطه قوله، وقد جاء ولد، وهو ما كتبه إلى الشرف أبي بكر محمد بن علي بن حامد، يسأله أن يضع له اسمًا: [من الكامل]
حيِّ الفتى الشَّرف بن حامد إنَّه ... غيثٌ بغير عطائه لا أقنع
يحدو الركاب وفي يده ورأسه ... رمحٌ أشقُّ وصارمٌ لا يطبع
يسعى على شرف الطُّروس بغربه ... كيلا تلوح به الشُّموس الطُّلَّع
تروى أحاديث النَّدى مأثورةً ... عنه وأصدقها عليه تسمع
فبكفِّه شمل اللُّهى متفرِّقٌ ... ولديه شمل المكرمات مجمَّع
لله كم لفتىً شقيٍّ من يدٍ ... يضاء تبرع في السَّماح وتبدع
ما إن قصدتك في اكتساب فضيلةٍ ... إلَّا وبرُّك للفضائل يتبع
ألبست [فيك الشعر ما يزهو] به ... يثني عليك معمَّمٌ ومقنَّع
نوَّهت بي بعد الخمول وزدتني ... شرفًا به تومي إليَّ الإصبع
ولقد صحا جدِّي العثور وأقبل الإقبال نحوي في خطاه يسرع
وأتى يبشِّرني البشير بدرَّةٍ ... في غير تاج فزارةٍ لا ترضع
بدرٌ تكامل نوره في ليله ... وتزيده عشرٌ تمرُّ وأربع
فاختر له اسمًا يبق فوق جبينه ... وسمًا ..... والمرصع
وقال من قصيدة: [من الطويل]
تفرَّق شعب الحيِّ وانصدع الشَّمل ... فلا كثبٌ تدنو إلينا ولا رمل
وشطَّت بمن نهواهم غربة النَّوى ... وأقصاهم عن ناظري الحزن والسَّهل
فما ساعدت سعدى محبًّا بوصلها ... ولا أجملت من قبل وشط النَّوى جمل
وأنشدني الحسن بن علي بن محاسن قال: أنشدني عبد العزيز لنفسه من قصيدة: [من الكامل]
جاد العهاد ملاعبًا ومعاهدًا ... وسقى وهادًا باللِّوى ومعاقدا
وصبت بدمنتها الصَّبا وتنسَّمت ... فيها الشَّمال تجرُّ بردًا باردا
стр. 778
دمنٌ سحبت بها ذيول شبيبتي ... وهصرت غصن العيش لدنًا مائدا
أيام لا أخشى الوشاة ولم أخف ... في حبِّ علوة كاشحًا ومعاندا
وسعاد تسعد بالوصال وقد سها ... جفن الرَّقيب وبات عنّا راقدا
ونديمنا خنث المعاطف وجهه ... بدرٌ لديه البدر أمسى ساجدا
حيّا بكأسٍ خلتها في كفِّه ... برقًا تحدَّر أو ضرامًا صاعدا
مدَّت على وجناته من نورها ... شفقًا فصار بوجنتيه جامدا
رشا له دين المسيح عقيدةٌ ... وبذاك للزُّنَّار أضحى عاقدا
كم قد نصبت له الحبائل ابتغى ... صيدًا له فغدا لقلبي صائدا
يا شاردًا بالأمس يلقي نظرةً ... إياك تتلف فيك قلبًا شاردا
لا تسفكنَّ دم المحبِّ تعمُّدًا ... فالإثم لا يلقاك إلَّا عامدا
إن أنكرت جفناك قتلي أظهرت ... لي من دمي وجنات خدٍّ شاهدا
ته في الملاحة كيف شئت فلم أطع ... في دين حبِّك لائمًا أو حاسدا
يا راقدًا عنِّي وحبِّك إنَّني ... مذ غبت ما صاحبت حبًّا راقدا
أأنام والنِّيران حشو حشاشتي ... يذكي الرفيق بها زنادًا زائدا
يا سعد هل لك أن تعين أخا هوىً ... لم يلق غيرك في الغرام مساعدا
قف دون ما حوت الخيام مناشدًا ... قلبًا غدوت له برغمي فاقدا
نكِّب بها طيب العذيب مجانبًا ... وازجر قعودك عن قعودك واخدا
وصل الوجيف إلى الذَّميل بجسرةٍ ... تذر الرِّياح العاصفات رواكدا
خرقت بطون الخرق في إرقالها ... وغدت تقدُّ أما عزًا وجلامدا
فإذا وصلت إلى الحمى من رامةٍ ... وشممت للقيصوم عرفًا صاعدا
ورأيت ثمَّ قنابلًا وقبائلًا ... وذوابلًا وصواهلًا ومجالدا
فهناك حيُّ بني فزارة قف به ... وأغث بنصرهم محبًّا واجدا
وقل: السَّلام عليكم من ناحلٍ ... لم يلق بعدكم الصَّبابة عائدا
ابني فزارة كيف ذلَّ فتاكم ... ويراكم أسدًا له وأساودا
стр. 779
أأخذتم بدلًا به واهًا له ... من بعد قربٍ لم غدا متباعدا
وأنشدني أبو إبراهيم فارس بن عسكر بن الحسن الإربلي قال: أنشدني عبد العزيز لنفسه من قصيدة: [من الطويل]
نعم هذه نعمٌ وتلك المعالم ... فهل أنت للبرق الشاميِّ شائم؟
حمتها من السُّمر الدِّقاق ذوابلٌ ... ومن جوهر البيض الرِّقاق صوارم
ومن أسدٍ أسدٌ ضوارٍ لسمرها ... ثعالب تردى من سطاها الضَّراغم
تثنَّت فأثنى الغصن لمَّا تمايلت ... على قدِّها والغصن ريَّان ناعم
إذا أقبلت تختال في حلل الصِّبا ... غدا غادرًا فيها عذولٌ، ولائم
تعذِّب قلبي والجوى يستزيدها ... فآثمة والمستزيد ............
لها حاجبٌ يسطو بعامل قدِّها ... وناظرها بين الرَّعيَّة ظالم
رفعت إليها قصَّةً لي فوقَّعت ... على رأسها ما في الهوى لك راحم
أحلَّت دم العشَّاق في مذهب الهوى ... وفي الشَّرع حقًّا ما تحلُّ المحارم
بكيت دمًا في حبِّها فتبسَّمت ... وإن أعجب الأشياء باكٍ وباسم
ونهنهت دمعي إذ تولَّت بها النَّوى ... وللدَّمع شؤبوبٌ على الخدِّ ساجم
ولما دعا داعي الفراق وحثَّت النِّياق غدا قلبي بها وهو هائم
وحلَّت بأكناف العقيق من الحمى ... وحالت بها غيطانه والمحارم
تعسَّست حتى قال صحبي صريمة ... من النَّار هاجتها الرِّياح النَّواسم
خليليَّ إلَّا تسعداني على الهوى ... فقلبي في سحر الصَّبابة عائم
نشدتكما إن جئتما بانة اللِّوى ... سلا هل سليم العامريَّة سالم؟
وإياكما ماء العذيب فحوله ... حماةٌ بأيديها رماحٌ حوائم
وإلَّا قفا لي أنَّني بعد بعدها ... بحتفي إن لم أدن منكم لعالم
سأركب ظهر العزم نحو خيامها ... وما تحمل الأثقال إلَّا العزائم
وأسأل خفَّاق النَّسيم فإنَّه ... عليمٌ بما تحوي الرُّبى والمعالم
قطعت إليها كلَّ بيداء سملق ... بعيد المهاوى حيث تدمى المناسم
стр. 780
ومرَّت بمرت ضلَّ فيه دليله ... وما صاحبي إلَّا جوادٌ وصارم
وخضت ظلام اللَّيل وهو أنيسه ... وبحر المنايا موجه متلاطم
فإنِّي قد آليت لا أطعم الكرى ... وللرُّمح أنبوبٌ وللسيف قائم
إلى أن بدت حزوى ولاحت خيامها ... وناحت على رند العقيق الحمائم
وقد نصبت سود الأسود ببابها ... بروج قنىً أفلاكهنَّ اللَّهازم
تخطَّيتها والليل ملق جرانه ... وقد غفل الواشون والدَّهر راغم
وبتنا وقلب اللَّيل يخفق خيفةً ... علينا وحول الخافقين النمائم
إلى أن سرت ريح النَّسيم عليلةً ... وفرَّ سهيلٌ هازئًا والنَّعائم
ومالت نجوم الشَّرق للغرب جنَّحًا ... ورقَّت حواشي الليل والصُّبح قادم
ومنها يقول:
متى رمت عن أهلي رحيلًا تعرَّضت ... إليَّ خطوبٌ بالمقام لوازم
وما إربلٌ لي دار سكنى أقيمها ... وإن عقدت فيها عليَّ التمائم
حللت بها في معشر هان عندهم ... مديحي [وعزَّت دون ذاك] الدَّراهم
متى لم أزر قالوا ثقيلٌ وأحمقٌ ... وإن زرتهم قالوا العطايا مواسم
فيا ليت شعري كيف أصنع فيهم ... وحظَي منهم حالك اللون عاتم
سأرحل عنهم لا قلىً بل تغرُّبًا ... ففي الهند ما للمندل الرَّطب سالم
وأقصد أبواب الملوك فإنَّني ... كفيلٌ لنفسي بالَّذي أنا عازم
متى قلت إنِّي ما ترخَّصت بالذي ... ادَّعيت وقال الخلق إنِّي ناظم
تم الجزء الثالث
والحمد لله أولًا وآخرًا
يتلوه في الجزء الرابع إن شاء الله تعالى
عبد العزيز بن إبراهيم بن علي
بلغ المقابلة من أصل مؤلفه بخط يده
والحمد لله على .........
стр. 781
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١/ب/
تتمة حرف العين
تتمة ذكر من اسمه عبد العزيز
[٣٢٣]
عبد العزيز بن إبراهيم بن علي بن علي بن أبي حرٍب، أبو الفضل بن أبي إسحق الموصلي
يعرفون بالموصل ببيت الوالي.
كان والده يتقلد الوزارة بإربل، لسلطانها الملك المعظم مظفر الدين أبي سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكين ﵁، ثم قبض عليه وعلي أولاده، أواخر ذي الحجة سنة ثمان وعشرين وستمائة.
وكان أبو الفضل ينوب عن والده في الوزارة، أيام ولايته، وأنفذه رسولا غير مرّة إلى الديوان العزيز ببغداد .... عظيمًا، وأنعم عليه. ولما توفي الملك المعظم مظفر الدين ﵁. أفرج عن والده وإخواته من الاعتقال، وكان في جملتهم؛ فرحل عن إربل.
وكان عبد العزيز شابًا أبيض اللون، مشربًا بحمرة، أشقر عبلًا وسيمًا ذا جمال ومنظر، مترفًا متجملًا في زيه من المتنعمين؛ يتأنق في مأكوله وملبوسه، مالا يفعله أحد من الرؤساء /٢ أ/ في زمانه، يلبس الثياب المرتفعة الثمن، طلبًا للصيت والحشمة، وكان فيه كبر عظيم وتيه؛ مغرمًا معجبًا بنفسه ونعمته، حتي تجاوز في ذلك الحدود، وذلك الَّذي كان يشينه عند الناس. اجتمعت بعبد العزيز سنة خمس وعشرين وستمائة في إربل بداره، واخبرني انه ولد ليلة الأربعاء سابع عشر رمضان سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة بالموصل.
стр. 782
وأنشدني لنفسه: [من البسيط]
لا تولني من أياد طالما حسنت ... حتي أؤدِّي ما أسلفت من نعم
ذرني أقوم بحسنًاك التي سبقت ... فقد عجزت عن الآلاء والكرم
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الطويل]
إذا أمَّت الآمال كعبة رفدكم ... فلا عجبٌ أن تنتحي بالرَّغائب
ومن عذبت منه الموارد أجمعت ... عليه رجال الوفد من كلِّ جانب
[٣٢٤]
عبد العزيز بن أبي عليِّ بن أبي غالب بن أبي عبد الله بن أبي المجد، أبو الخير النحوي الإربلُّي.
شاب أحمر اللون أشقر، أخبرني انه ولد بإربل في صفر سنة/٢ ب/ثلاث وستمائة؛ وهو من فتيانها الأذكياء قي زمانه، برَّز بفضله على أشكاله وأقرانه، واشتغل مدَّة بفنِّ النحو والعربية، وحقق معرفته، ونظر في مسائله وأصوله، ثم حفظ شعراً كثيراً من أشعار المحدثين وغيرهم، وله شعر يسير.
أنشدني لنفسه ما كتبه متشفعاً إلى الوزير الصاحب شرف الدين أبي البركات المستوفي؛ في أقوام ألزموهم الولاية بإربل فامتنعوا منها، فنفاهم الملك المعظم؛ مظفر الدين أبو سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكين – ﵁ – فأقاموا بظاهر البلد: [من الخفيف]
هل لطعن القنا ووقع الحديد ... مثل فعل العيون بي والقدود
أم لشرب الطِّلا ونيل الأماني ... مثل رَّشف اللَّما ولئم الخدود
وعلي رامة فتنت وقبلي ... (كم قتيل كما قتلت شهيد)
نقض الغانيات عهدي ولكن ... عادة الغانيات نقض العهود
حَّبذا وصلنا بنجد وطوبي ... لي بعيش مضي بجبلي زرود
ومن العيش أن يزورك طيفٌ ... أو يعود الوصال بعد الصُّدود
/٣ أ/ أو تري طلعة المبارك تبدو ... يسرع الناس كلُّهم للسُّجود
стр. 783
لم أجد من رأيت إلاَّ ويختا ... رله أن يكون بعض العبيد
جهل المجد في الوري فهو لا يو ... جد إلاَّ وأهله .....
لم يزل منصب الوزارة يدعو ... قبله الله ما لها من مزيد
حينما بشَّروه بالقرب منه ... وحَّده الله غاية التوَّحيد
شرف الديَّن يا كثير العَّطايا ... يا ملاذ الملهوف والمجهود
خاطب الملك في مصائب قومٍ ... أهلكتهم مقالةٌ من حسود
اخرجوهم من دارهم مثل قومٍ ... عقروا الناقة الَّتي لثمود
فإذا كنت ذخرهم صار منهم ... طيِّب العيش مثل حبل الوريد
كلَّ هذا فان صفحت عن العبد فقد حلَّ في جنان الخلود
[٣٢٥]
عبد العزيز بن عمر بن يحيي السراج الإربلي، أبو العزّ.
كان شاباً سرياً جميلاً، لطيف العشرة مع أصدقائه، محباً لأهل الأدب والفضل، وكان ربما كلف خاطره وصنع قطعاً من /٣ ب/ الشعر لا بأس بها، أنشدني منها جملةٌ، ولم تطل به الأيام حتى اخترمته المنون، أكمل ما كان شباباً، وذلك يوم الاثنين عاشر رمضان سنة ثلاثين وستمائة بإربل. وكان مولده بها سنة خمس وستمائة-يرحمه الله تعالي-.
أنشدني لنفسه يهجو إربل: [من السريع]
لا بارك الرَّحمن في بلدةٍ ... يدحض فيها الحقُّ بالباطل
ولا أقام الله راياتها ... ولا سقاها من حيا هاطل
وأنشدني لنفسه: [من المتقارب]
.. مذ صدَّصدَّ الكري ... جفوني واأحلني بعده
علي كلَّ حالٍ وان خانني ... هو العبد لي وأنا عبده
стр. 784
[٣٢٦]
عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد بن هبه الله بن عليِّ بن المطهر بن أبي عصرون، أبو الفضائل بن أبي البركات الموصليُّ الحمويُّ.
كانت ولادته بحماة، عاشر ذي القعدة سنة سبع وتسعين، له الحظ الموفور في إنشاء المنظوم والمنثور، والبديهة /٤ أ/ الحاضرة، والغريزة النادرة.
ومما أنشدني لنفسه، بلغه الله مناه، وأسعده في آخرته ودنياه، وضاعف في إقباله، بمحمد وآله؛ هذه القصيدة الفريدة في الباري-سبحانه وتعالي – ورسوله (صلي الله عليه وسلم) وجعلها خالصةً لوجهه الكريم، عملها حين قصد بيت الله الحرام – حرسه الله تعالي:
[من الكامل]
ملك الملوك اليك من دون الوري ... أرسلت في الفلوات أنضاء السُّري
.. ذا الثَّقلين منك بنظرة ... نعم المبيع ونعم ذاك المشتري
قدمي لأول خطوة أسعي إليك بها ...... .................
يا باعثي بعد الوفاة وصاحبي ... عند الهنات وواهبي طيب الكري
إني أعوذ بنور وجهك بعدما ... يممت بابك أن أعود القهقري
أنا جارك اللاَّجي فهل انا آمنٌ ... أنا ضيفك الراَّجي وان .....
أنت الَّذي اغني واقني والَّذي ... أرضي المقلَّ حجيً وراض المكثرا
[فودادك الحبل المتين ............ ...... غيرك مفتري]
جلَّت صفاتك أن تحد وقدِّست ... تلك المكارم كثرة أن تحصرا
ظميت إليك حشاشة لا ترتوي ... حتى أراك ولو وردت الكوثرا
стр. 785
وعلمت أنَّك للخطايا غافرٌ ... فخطوت نحوك خاضعاً مستغفرا
/٤ ب/ أضع الجبين علي الثري متذللِّاً ... وأمرُّ خدِّي في التُّراب معفِّرا
وأقبِّل العتبات من شغف بها ... وأقوم في أفنائها مستغفرا
فلعلَّ ليل الهجر يقضي نحبه ... وصباح يوم وصالنا أن ينشرا
ويعود قلبي بالمسرةَّ آهلاً ... فلطالما كان اليباب المقفرا
يا سادًة هزموا جموعي في الهوي ... ودعوا دموعي فاستجابت نفَّرا
بكم حلفت ليظفرنَّ مؤمِّلٌ ... بكم عليكم قد اتي مستنصرا
يا فاطري كن حاضراً في خاطري ... فمتي خطرت يحقُّ لي أن أخطرا
.. القلوب علي العيون وإنَّها ... لجديرةٌ بمكانها ان تفخرا
هاتيك ناظرةٌ إليك وهذه ... محجوبةٌ ممنوحةٌ أن تنظرا
لا يشمت الاعدا فمدحي فائزٌ ... ولسان شكري عاجزٌ أن يشكرا
بعد ازورارهم زيارة أحمد ... وخرجت من حلب إلى أمِّ القري
بلد أقلِّب من حصاه جواهراً ... واشمُّ مسكاً من ثراه اذفرا
فيه النهار بواكرٌ وأصائلٌ ... واللَّيل لا ينفكَّ فيه مقمرا
تملي الرِّياح رسائلاً عن بره ... فتميل من أرج يفوق العنبرا
ومتي جري ..... مركبٌ ... ناهيك في الدَّارين ذلك متجرا
/٥ أ/ ما أبرد الحرَّ الشَّديد لغلَّة الحر السَّديد اذا تحَّنف في حرا
وألذَّ خوف الخيف في قلب امرئ ... حسر الأماني عنده أن يحسرا
يا ليت شعري هل تعود عوارفٌ ... عرَّفتني عرفاتها والمشعرا
صفر الرِّداء من التُّقي وسلنني ... ثوب الرَّدي كرماً وضنَّ المئزرا
ايام طيبة في خفارة طيِّب ... رفع المنارة ذكره والمنبرا
لما تر الابصار خلقاً مثله ... مذكنَّ في مقل العيون ولا تري
فتبارك الملك الَّذي أحيا به ... ميت الهدي وبه امات المنكرا
كم ..... أبغيه وعدت مفلساً ... فرجعت من شوق إليه مبكرا
стр. 786
من دون قربك لي بحارٌ سبعةٌ ... أرجو الشَّفاعة منك فيها معبرا
عسرٌ لقاؤك غير إنِّي آملٌ ... أبداً بفضل الله ان يتيَّسرا
[من كان يؤمن ............. نكبراذا أتى والمنكرا]
واخجلتا إن زاغ عندك موقفي ... فمددت كفَّا في ندائك ابترا
أنت الخليق من الخليقة كلِّها ... بحقيقة البيت الحفيف علي السُّري
من ذا ينافحني وذكرك مندلٌ ... أوردته من نار فكري مجمرا
ذكر يعار المسك طيِّب عرفه ... ويغار منه النيَّرَّان إذا جري
يا سيِّد الكونين هل من نظرة ... فلعلَّ كسر قلوبنا أن يجبرا
/٥ ب/ قد كان عبدك بالعراء مضيعًا ... واليوم عندك لا يبالي ما عرا
أنا لائذٌ بك مستجير عائذٌ ... أرجو الشَّفاعة يوم نأتي المحشرا
لا ينثني أملي وعيشك عن فتي ... ألله فضَّله علي كلِّ الوري
من دون بهجته سني شمس الضُّحي ... والزّبر قان إذا تبدَّي مبدرا
افني الضَّلال بصارم وبضامرٍ ... وأعاد يضمر ما أتاه مظهراً
في جهل كسري إذ أتاه كتابه ... عبر [اً] وفي أدب أتى من قيصرا
وخمود نار الفرس عند سفوره ... والماء من يدهً الكريمة إذ جري
وتحنّف الفاروق بعد تحيُّف ... لما أتاه ... لن ينكرا
يا من أعاد الدِّين أبيض ناصعاً ... ودعا البريةً بدوها والحضَّرا
وأقام معوجَّ الأمور وقام في ... ذات المهيمن منذراً ومبشّرا
لو رام أهل الأرض ضبط مناقب ... لك والبحار تمدُّهم لتعذَّرا
لم اقتصر حتي علمت بانني ... أبداً وان طوالت كنت مقصِّرا
ولربَّ بيت ألف بيت دونه ... قد قيل كلُّ الصَّيد في جوف الفرا
تحلو القصيدة فلو تعاد تجمَّعت ... ما كلُّ شعر يستلذ مكرَّرا
ليل المداد إذا دجت آثاره ... أبدي ثناؤك فيه فجراً مسفرا
/٦ أ/ فعليك صلَّي الله عدَّ صلاته ... وعلي ضجيعيك اللذين توزَّرا
стр. 787
وعلي القرابة والصحابة مثلما ... قد كان فضلهم لديك مقدَّرا
وكسا قبوركم سحائب أعيٍن ... تهوي لقاءكُّم رداءً اخضرا
عدم النَّظير فلا يزال مكللاّ ... بالقطر بالنَّهر النَّمير مجوهرا
وأنشدني لنفسه أسعده الله تعالي، في الله- ﷻ وتقدَّست أسماؤه:
[من الطويل]
جلالك اعلي أن يحدَّ له كنه ... وجودك ادني أن يحاد بنا عنه
وأنت الَّذي كل الأمور حقيقةً ... إليه انتهاها وابتداءتها منه
إذا أنت لم تغفر ذنوبي تكرُّمًا ... فقل لي الَّذي ارجوه يغفرها من هو
كما صنت وجهي عن عبادة عاجز ... فقلبي الَّذي يخشاه أو يرتجي صنه
صحبت أناساً اخلفوا الظَّنَّ فيهم ... فما قال قلبي قطُّ عن واحد خنه
فلا تقبلن يا صاح في الحبِّ حبَّةٌ ... جزافا@ ولكن بالوفا في الخفا زنه
وأنشدني أيضاً لما قصد الحجَّ ثم توجه إلى زيارة النبي صليٍ الله عليه وسلم وأنشدها عند قبره
الشريف: [من الكامل]
/٦ ب/ عظم المقام وجلَّ عن أن يوصفا ... فأحفظ جفونك هيبة أن تطرفا
نور النُّبوَّة ساطعٌ متلألئٌ ... فاغضض لحاظك خشيةً أن تخطفا
قبر النّبيِّ محمَّدٍ ومكانه ... لله ذلك ما اجلَّ واشرفا
قف بين منبرة الشريف وقبره ... واهتف بشعرك في مديح المصطفي
واذكر خلائقه الكريمة إنَّه ... يغنيك صدقك فيه عن أن تحلفا
سلَّ الإله علي الطُّغاة ....... صلي الإله عليه سيفاً مرهفا
وأنشدني لنفسه، في القاضي الإمام زين الدين أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن ابن علوان الأسدي الحلبي، وهو يومئذ متولي الحكم بحلب المحروسة، أنشدها بعض الوعاظ بين يديه، وهي صورة دعوي تعرض فيها بمديح السلطان الملك العزيز بن غازي بن يوسف – رحمة الله تعالي – [من الخفيف]
إدَّعي أيُّها الإمام المرجَّي ... حاكم المسلمين قاضي القضاة
أنَّ هذا السلطان خير ملوك الأرض [طراً] وواحد العزمات
стр. 788
/٧ أ/ مالكٌ حائزٌ قلوب رعاياه بإحسانه وبالحسنات
وله شاهدان عدلان عدلٌ ... في نوال كنيلها والفرات
لم يبغ منصب الشَّريعة بالمال ولا اعتاضً عنه بالتُّرَّهات
فاستخر ربك المهيمن واحكم ... لعلاه بأشرف الدَّرجات
حكم اتقي الورى لخير بني ... الدُّنيا جميعًا بأوضح البيَّنات
وأنشدني لنفسه أيضاً، في القاضي زين الدين، واتفق يوم جلس للقضاء جاء الغيث متوالياً، وكثر مجيئة: [من المسرح]
قد عجب العالمون إذ نظروا ... يوم تولَّيت كثرة المطر
لا تعجبوا إنَّها لمنقبة ... خصَّ بها دون سائر البشر
تكدَّر الجوُّ من مشاركة ... أمَّلها الجاهلون لم تصر
فهذه نعمة الإله علي الأرض طهورٌ من ذلك الوضر
وأنشدني لنفسه: [من الكامل]
أنا إن عجبت لمن أضاع مودتي ... فمن المضيع وفعله أنا عجب
ما في البرية كلهم من واحد ... يرجي ولا في الناس شخصٌ يصحب
/٧ ب/ وأنشدني من شعره أيضاً: [من مجزوء الكامل]
قد كنت أعجب انَّني ... في ظلِّ شمس لا تغيب
حتىَّ بدا بقدومه ... للعالم العجٌب العجيب
الريح تكنس طرفه ... ويرشها الغيث السَّكوب
ويري فيحسب وحده ... وعليه تزدحم القلوب
وأنشدني لنفسه، ما كتبه إلى صديق له وقد اجتمع به يومًا: [من المجزوء الكامل]
يومٌ سرقت سروره ... من حزر صرف الدًّهر حرصا
ليقوم عذرك بعدها ... فاذا قطعت قطعت لصَّا
وأنشدني أيضاً قوله: [من الكامل]
جاء الشِّتاء وليس عندي جبةٌ ... تدفي ولا تصحيفها في الكيس
.. ألدُّيون علي كلِّ ........ جمل من التَّنجيش والتَّدليس
стр. 789
حتَّى لقد البست من نسجيهما ... عمداً علي شرف ثياب حسيس
ما ضرَّ فقر يد لمن كانت له ... نفسٌ تجود غنيً بكلِّ نفيس
/٨ أ/ ضاقت عليّ يدي وصدري واسع ... ثقةً بمن بيديهم تنفيسي
ولأركبنَّ العيس نحوهم عسي ... يدني لقاءهم ركٌوب العيس
[٣٢٧]
عبد العزيز بن عبد الرحمن بن أحمد بن هبه الله بن أحمد بن عليِّ بن الحسين بن محمد بن جعفر بن عبيد الله بن عبد الله بن طاهر بن الحسين بن مصعب بن رزيق – بتقديم الراء المهملة وضمَّة علي الزاي المعجمة -، أبو بكر الحمويُّ، المعروف بابن قرناصً.
من بيت معروف بحماه شاهدته بحلب المحروسة في سنة ثمان وثلاثين وستمائة، وهو نازل بخانقاه القاضي بهاء الدين أبي المحاسن يوسف بن نافع بن تميم بن شداد الأسدي الموصلي.
وسألته عن ولادته؛ فقال: ولدت في ليلة الجمعة تاسع عشر ربيع الأول سنة ثمان وثمانين وخمسمائة؛ فرأيته رجلاً عاقلاً ليبياً فاضلاً متديناً ذا سمت حسن وسكون، له يد في النظم والنثر، يتفقه علي مذهب الإمام الشافعي-﵁ وله رسائل مدونة، وشعر إلاَّ انه /٨ ب/ لم يثبت من أشعاره شيئاً، ولم يعترف بها لكونها غير مرضية عنده، فاستمليت منه أن أكتب شيئاً منها، فلم يجب إلى ذلك وأبي، ثم أملي عليَّ هذه القصيدة اللامية، يمدح بها النبيّ صلي الله عليه وسلم وقال: لو لم تكن هذه الأبياتَّ مديحاً في الرسول صلي الله عليه وسلم لما أنشدتك شيئاً من شعري: [من البسيط]
هبت عيون القوافي من كري الخطل ... لها خشوعٌ وإغراءٌ عن الغزل
واصلت الجد عضباً منه مقتحماً ... حمي القريض فاضحي منه في وهل
стр. 790
ونافست فيه اوزان العروض فما ... سعي السَّريع إليه سابق الرمَّل
وأقبلت تنهادي شرعاً ذبل اليراع تهزأ بالخطيَّة الذُّبل
كلُّ يؤمّل بالسَّعي القبول لدي ... من لم يبؤ منه بالإخفاق ذو أمل
فذر يراعك يذري ادمعا طللاً ... علي زخارف هذر لا علي طلل
واجعل توسُّله بالصَّفح مفتتحاً ... بحمد من حمده من أفضل الوسل
فالحمد لله ذي الطول الَّذي قصرت ... عنه يد الشُّكر من قول ومن عمل
رب السموات والأرض الَّذي خشعت ... لأمره فعنت كالخضَّع الذُّلل
/٩ أ/ حتى قضاهنَّ سبعًا هنَّ ممسكةٌ ... بغير ما عمد منها ولم تزل
وزينِّت بالنُّجوم الزُّهر موضحةً ... في كل برٍّ وبحًر مبهم السبل
وسخَّر الشمس تجري في مفازتها ... لمستقر لها جرياً إلى أجل
يزجي نهاراً فلا ينفكٌّ يولج في ... ليل ويولج فيه اللَّيل بالطفل
والأرض بعد دحاهأ ثمَّ فجَّر في ... أنهارها في أديم السهل والجبل
وبثَّ فيها صنوفاً من بدائع ما ... تظل في فهمه الأّفهام كالظلل
وللرياح انبعاثٌ حين يبعثها ... لواقحاً منشات الذَّرِّ في الهطل
همت علي الأرض واهتزَّت له وربت ... وانبتت كلَّ زوج رائق الأكل
فتبدل البشر من بعد القطوب به ... وتكتسي وشي روض معلم الحلل
صنع الإله الَّذي في كنه حكمته ... تظل عن كنهه الأفهام في شغل
وهل تحيط به علمًا وفي يده ... زمامها فهي تسري وهي في عقل
لا قطر يحويه في الأقطار أنشأها ... ولم تكن معه إذ كان في الأزل
وعالم السِّر والنَّجوي وغامض ما ... تحوي البحار ومحصي الرَّمل والسيل
وقدرةٌ أحكمت إنشاء فطرتها ... لتحكم العلم بالتَّفصيل والجمل
/٩ ب/ سبحانه سارت الأفكار جائلة ... في كنهه ثمَّ عادت وهي كالذهل
فبين معترف بالعجز ذي درك ... ومدَّعٍ دركاً بالعجز مشتمل
عنت لعزَّته الألباب خاضعةً ... وثقفِّت من ضلال الزِّيغ والميل
بنور معرفة أهداه فجر هدًي ... للناس مطلعة من خاتم الرُّسل
محمَّد المصطفي خير البريَّة من ... بهديه أفترَّ ثغر الدَّهر من جذل
стр. 791
من خصَّه الله بالزلفي فأرسله ... في آخر الرسُّل ذا فضل علي الأول
وخصَّ بالمعجزات الباهرات أضاءت في البصائر ضوء الشَّمس في المقل
عنت له أرؤسٌ للحقِّ صاغرةٌ ... لم تعن من غيره للبيض والأسل
فجاءهم بكتاب أخرس اللُّسن الفصاح ... من آخر منهم ومن أول
وعاد عنه جذاذاً حدُّ السنة ... غلب إذا عاًد حدُّ السَّيف ذا فلل
وحلُّ من شرف الإسراء منزلةً ... يفوت شأو مداها ناظر الأمل
وانشقَّ في افقه البدر المنير له ... لما نأي عن ذراه نأي منتقل
فضمَّه رحمةً منه فسكَّنه ... وعاد يبدي أنين المدنف الوجل
واخجل الشُّهب لمَّا فجِّرت غدرٌ ... من بين أنمله كالواكف الهمل
وطالما كفلت بالرِّيِّ إذ بسطت ... للغيث تبسط منه السُّحب كالطَّلل
/١٠ أ/ وطالما طعم الجيش اللُّهام بها ... حدَّ الكفاية ما لم يكف للرَّجل
وطالما صافحت من شفهم علل ... للوقت منهم شفت ما كان من علل
ولو غدت السن الأقلام محصية ... أياته نالها عسي ولم تنل
إلى مكارم أخلاقٍ تبَّين من ... نقص البليغ تعاطي وصفها الكمل
ومحتذ في العلا والنبل اثبت من ... طود ولكنه اسري من المثل
وما الَّذي يبلغ المثني عليه وقد ... أثني الإله علي اخلاقه الفضل
فلم يزل في رضا الرَّحمن يدأب في ... أنضاء عزم لصون الدِّين مبتذل
مبلِّغاً كلمات الله موضحةً ... سبل الرشاد بقوم ضلَّلٍ غفل
والشِّرك يجمع في فضل العنان فما ... لذي يد ... منه من قبل
حتى تزحزح ليل لغي يدأب في السُّري يفخر هدي في إثره عجل
افديه من ناصر لله منتصرٍ ... أباد فرداً عديد الجحفل الزَّجل
وقلَّ ذاك لمن كانت ملائكة ال ـ ... ـرحمن أنصاره في الحرب كالخول
وليت شعري إلى ما ينتهي ولها ... طرف اللِّسان ..... غير ذي مهل
وكلَّ نبل مقالٍ رام مدحته ... يغدو ضئيلاً لدى أوصافه النُّبل
لكنَّ مدحي له جهد المقلِّ عسي ... جسني من القول تمحو سيِّئ العمل
/١٠ ب/ يا خير من أعملت أيدي الركاب له ... وخير هادٍ هدانا أشرف الملل
стр. 792
إنَّ الشَّقاوة عاقت شائقاً فله ... نزوع ظمآن ممنوع من النَّهل
يودُّ لو كان في ذاك المقام له ... تعفير مستغفرٍ في الذُّل منجدل
كم انتحي منك أقداماً مكرَّمةً ... في ارغد الحلم بالتَّعفير والقبل
وقلَّ ذاك لمن لو كان منتعلاً ... وجهي لقلَّ له فعلاً لمنتعل
وقد سرت نفثات الصَّدر يحملها ... رجاء عفو بحبل منك متَّصل
فأنت خير شفيعٍ للأنام إلى ... عفو الإله وعفو النَّائل النَّفل
فسله لي أجلاً إحماد خاتمه ... وعاجلاً لطف صنع مصلح خللي
وسله رضوانه عن والديَّ إذا ... دعاهما ليحلَّا أكرم النُّزل
يا من يجيب لداعية وقد بسط ... الرَّجاء منه إليه كفُّ مبتهل
أدعوك دعوة عبدٍ خاشعٍ فرقٍ ... مَّما تكنَّفه من سالف الزَّلل
ألهاه عن رشده تسويف معتمدً ... لبطء توبته مع سرعة الأجل
وحكم أشتات أهواء مصرفةً ... عنان آرائه في مهمة الأمل
وليس تعنو له نفسٌ لحكم هدًي ... ألَّا لحظٍ لها تحظي به جلل
فكيف تبصر رشداً من مذاهبه ... أحكامها أبداً مدخولة العلل
/١١ أ/ وقد أتيتك أرجو لطف صنعك في ... مبرَّأ العزم من حولي ومن حيلي
مستشفعاً بشفيع لا يردَّ إذا ... ما رجَّت الأرض والألباب من وجل
صلَّي عليه الإله زاده شرفًا ... وخصَّه بسلامٍ عاطر ِهمل
وخلص روح ضجيعيه بروح رضا ... يروي ضريحيهما كالعارض الهمل
وسائر الآل والأصحاب ما هتفت ... ورق الحمائم بالأسحار والأصل
[٣٢٨]
عبد العزيز بن محمد بن عبد المحسن بن محمد بن منصور بن خلف، أبو محمد بن أبي عبد الله الأنصاريُّ، المعروف بابن الرَّفاًء.
стр. 793
من أهل دمشق، وجدّه عبد المحسن كان رفَّاء، وكان والد عبد العزيز هذا، فقيهاّ شافعياّ، يتولي القضاء بمدينة حماة.
وأبو محمد عبد العزيز نزل حماة واستقرَّ مقامه مرتزقاَ بجراية المدرسة، يتناولها، وترقت به الحال إلى أن اتصل بصاحبها الملك المظفر آبي الفتح محمود بن محمد بن عمر بن شهنشاه بن أيوب بن شاذي، واستخلصه من بين نظرائه وأشكاله وقدمه، وكان ينفذه رسولاَ إلى البلاد الرومية /١١ ب/ والديار المصرية وغيرها، وجعله شيخ الشيوخ، وحظي لديه، وقرب منه، ومشت أحواله، واكتسب بالترسل وفراً صالحاَ، وصار له نعمة واسعة.
صار إلى من شعره قصيدة، ثم بعد ذلك خبرت انه قدم حلب المحروسة في رسالة، فمضيت إليه، وهو نازل بظاهر المدينة، واستصبحت القصيدة، وكان اجتماعي به يوم الأحد سادس صفر سنة خمس وثلاثين وستمائة.
وهو رجل ربعهٌ، كهلٌ إلاَّ أن البياض غالب عليه، كثّ اللحية. رسالته عن ولادته، فذكر أنَّه ولد بكرة يوم الأربعاء الثاني والعشرين من جمادي الأولي سنة ست وثمانين وخمسمائة بدمشق.
стр. 794
وأخذ طرفًا من فقه الإمام الشافعي عن والده، ثم علي تقي الدين عبد الله قاضي حماة، وسمع الحديث علي جماعة كثيرة من المشايخ؛ كعبد المنعم بن الحراني وغيره، وتأدّب وقرأ القرآن الكريم علي الشيخ أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي، وقال أشعاراً مستجادة في مدح وغزل وأوصاف، وغير ذلك، اشتهرت عنه، وتداولها /١٢ أ/ الناس، ولم يكن في الوقت مجال لأعلق عنه شيئا من قيله غير أني استنشدته القصيدة التي صحبتني فأنشدنيها، وهي مديح في الملك المظفر أبي الفتح محمود بن محمد بن عمر- صاحب حماة – ثم قال لي مخاطباً: أتيتني في وقت ضيِّق، ونحن علي أهبه السفر غداة غد، فإن وفق الله تعالي بعد ذلك بالاجتماع علقت لك مقطعات مختارة حسنة ما ينبغي أن تسطر في تاريخ.
وأنشدني مقطوعة لنفسه، كتبها إلى القاضي أبي الفضائل عبد العزيز بن نباته الشاعر، والقصيدة هذه: [من الكامل]
اهدي إلىَّ لواعج الاشواق ... نظر الغريق وقد أجدَّ فراقي
ليس الفرائض بالمقاتل إنَّما ... بين الجفون مقاتل العشَّاق
من لي بريان المعاطف أهيف ... واهي عقود الخصر والميثاق
راعت حلاوته وراق جماله ... فاخاف كل ميتَّم مشتاق
بسقيم صدِّ ماله من مبرئٍ ... وسليم صدغٍ ماله من راقي
/١٢ أ/ ملكته رقِّي وعفت لحبِّه ... ذنب الاباق وقربة الاعتاق
نامت عيون وشاتنا سلماَ فكم ... قامت لحرب عتابنا من ساق
جاذبته أطراف كلّ طريفة ... في العتب لم تنفق بسوق نفاق
وتعارضت أقوالنا فتعارضت ... سعر القلوب وأبحر الآماق
في روضةٍ للنَّار من نوَّارها ... لهب بفائض مائها الرَّقراق
راحي بها عذب الرَّضاب ونزهتي ... ورد الخدود ونرجس الأحداق
أفديه من حلو الفكاهة واللَّما ... أضحي يساقيني الهوي وأساقي
متلون أشفقت عند وصاله ... من هجره فضنيت من إشفاقي
بدرٌ يزيد سني أزيد به ضني ... حتى كأنَّ تمامه لمحاقي
стр. 795
قبح الصُّدود تقيه عين كماله ... والله للملك المظفَّر واقي
ملكٌ تكامل في بهاه وحده ... وفخاره والخلق والأخلاق
وقَّي تحلم سخطه ورضاه في ... سلب النُّفوس وقسمة الأرزاق
يردي ويحيي في وغاه وسلمه ... فيذيق طعم السُّمِّ والدِّرياق
لسطاه في التَّهذيب والتعذيب ما ... للنَّار في الإنضاج والإحراق
كالغيث في الأزمات أو كاللًّيث مثله ... الإفراق أو كالشمس في الإشراق
/٣١ أ/ عقم الحواضن عن سليلٍ مثله ... فحوي عقيم الملك باستحقاق
وأمدَّ ثابت جأشه بيقينه ... فالنَّصر تحت لوائه الخفَّاق
شهمٌ يحمِّل في الخطوب همومه ... ما شاء من خيل لديه عتاق
تغدو محجَّلةً به فيعيدوها ... حمر القوائم بالدُّم المهراق
سدَّ الثُّغور بصدر كل مسددٍ ... مازال مراقاً من المراق
نفاذ كلِّ مفاضةٍ سقَّي بها ... ألخطيَّ مثل الخطِّ في الأوراق
وبكلِّ مطرور الغرار مهنًّدٍ ... رقراق مَّاء الَّصفحتين رقاق
عصبٍ لأبطال الفرنج مصحطحٍ ... ولهامها في بيضهأ فلاَّق
وكتائبٍ تمحو بثابت حقِّها ... ما للعدا من باطلٍ زهَّاق
أهدت إلى الصيف الشِّتاء بسحبها ... والويل والإرعاد والإبراق
تركت جموع المشركين لجمعها ... رهني حديد قواضب ووثاق
قتلت كرامهم بلا قودٍ كما ... نكحت كرائمهم بغير صداق
حتَّى أعاد بها ضراغم صيدهم ... في خيسها كالصَّيد في الأوهاق
أعياهم قاضي العزيمة ماجدٌ ... زاكي الفروع مطهر الأعراق
فإذا جري وجري الملوك إلى العلا ... لم يطمعوا لغباره بلحاق
/١٣ ب/ وتيقَّنوا أنَّ المكارم حلبةٌ ... ما زال فيها اسبق السبَّاق
لجأوا إلى اليأس المريح ولجَّ في ... حدٍّ إلى غايأتها توَّاق
حفظ البلاد بسيفه الفتَّاك إذ ... أغني العباد بسيبه الدَّقاق
نرجوه في إعساره ويساره ... ونهابه في البشر والإطراق
رحب الذُّري لمَّا منيت ببعده ... ضاقت عليَّ مسالك الآفاق
стр. 796
والآن إذ سمح الزَّمان بقربه ... فالشَّام شامي والعراق عراقي
محمود يا ابن محمَّد فقت الوري ... مجداً يقصِّر عنه جهد الراقي
وعممتهم بالجود ثمَّ خصصتني ... فأطاع دهري بعد طول شقاقي
لم يرم نطقي بالفهاهة عن مدي ... شكري ولا مسعأي بالإخفاق
حبَّست من نظمي عليك قلائداً ... أبقي من الأطواق في الأعناق
ولبست من جدواك أنفس حلَّة ... لكنَّها تفني من الأطواق في الأعناق
ماذا يصدُّ قصائدي عن قصدهاً ... وجداك عن برِّي وعن إرفاقي
بذر الندي عندي بأخصب منبت ... والمدح عندك نافق الأعلاق
شرفت بنات قرائحي فتكرَّمتًّ ... فعرضتها في اشرف الأسواق
وزففتها زفَّ الهديِّ مهِّناً ... بقدوم عيد سيق خير مساق
/٤١ أ/ قّلَّدتنا في النَّحر درَّ مواهبٍ ... أغرقت فيهّا غاية الإغراق
قبلت ضحاياك العداة قبول ما ... ضحَّاه إبراهيم عن إسحق
فاسعد بنحر الظلم والإظلام والأعداء والإنعام والإملاق
لازلت تطلق عانياً من حبسه ... بلهًي محبَّسه علي الإطلاق
وبقيت ملكاً للخلائق واحداً ... ترعاك عين الواحد الخلاَّق
стр. 797
[ذكر من اسمه عبد الغني]
[٣٢٩]
عبد الغنِّي بن عبد الكريم بن نعمةً بن مسرّة بن كتائب، أبو محمد الخندقيُّ الثوريُّ لأمِّه ولأبيه الشَّافعيُّ.
أنشدني أبو عبد الله محمد بن عبد القاهر بن هبه الله بن النصيبي، بحلب؛ قال: أنشدني أبو محمد الخندقي لنفسه: [من الخفيف]
يا دعيَّ الحساب سحقاً وبعداً ... فلقد زدت في الحماقة جدَّا
رمت بالجهل ترتقي رتبة الفضـ ... ـل وتبني بسخف عقلك مجدا
والإمام الرَّشيد في الأرض حيٌّ ... نجمة لم يزل يقارن سعدا
من له العنصر الزكَّىُّ ومن أصـ ... بح مذ كان في الفضائل فردا
/١٤ ب/ كعبة الوافدين في كلِّ فنٍّ ... فإلى بابه الرَّكائب تحدي
ما رأي خطَّه ابن مقلة إلَّا ... ودَّلو يرتضيه في النَّاس عبدا
وكذا في الحسابٍ فاق شجاعاً ... وعلا رتبةً عليه وجدًّا
كم له طالب جوي كلَّ فضّلٍ ... ساحب في ذري البلاغة بردا
فاق سبحان في البلاغة والفضـ ... ـل فما إن رأي له الناس ندَّا
فدع الحمق إنَّ بين دعاويـ .... ـك وببن الَّذي بدا منك سدَّا
واغنم الرِّبح في السُّكوت فيكفي ... أنَّك اليوم بيننا لن تعدَّا
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه: [من الطويل]
لئن كنت لم أبصر دمشق وحسنها ... وطيبة أيام بها للأفاضل
فحسبي بما قد قلت عنها وما به ... يحدِّث عنها كل حافٍ وناعل
وقال بالإسناد: [من الطويل]
إذا شئت أن تحظي برؤية جنَّةٍ ... علي الارض فيها كل ما تشتهي النَّفس
وحورٍ من العين الحسان صبت لماً ... بدا من جمال حزنه الجنُّ والإنس
فبادر إلى تلقا دمشق فإنَّها ... محل سرور النَّفس طاب بها الأنس
стр. 798
وقم واغتنم طيب الحياة بها فما ... تراه من الأمصار من دونها حبس
/١٥ أ/ وقال بالإسناد: [من السريع]
يا سيداً في عصرنا أوحد ... وقدره من دونه الفرقد
قل لي: أفي شرع الهوي جائزٌ ... محبكم إذ جاءكم يبعد
[٣٣٠]
عبد الغنِّي بن يوسف بن عبد الواحد بن الحسن بن الحسين أبو محمدٍ البكري المعروف بابن المؤذّن.
من أهل حرّان، شابٌّ لهجٌ بقول الشِّعر، واستكثر النظم منه، وامتدح به خلقاً من الأكابر والرؤساء، ولم يكن له حرفة سوي عمله الارتزاق به.
أنشدني من شعره كثيراً بحلب، ومما أنشدني لنفسه بحرّان في أواخر سنة ثمان وثلاثين وستمائة:
[من الطويل]
بنفسي من لو مرَّ برد بنانه ... علي كبدي كانت شفاءً من الوجد
نبيُّ سنا في فترة من جفونه ... أتي وصلالٍ في دجى شعره الجعد
تبارك من أنشاهٌّ للنَّاس فتنةً ... وصيَّرني في حبِّه أمَّه وحدي
جري جعفراً سفَّاح دمعي تشوقًا ... إلى وجهه الهَّادي إلى سنن الرُّشد
[٣٣١]
/١٥ ب/ عبد الغني بن محمد بن أبي القاسم بن محمد بن تيميُّة، أبو محمد الخطيب بن الخطيب أبي عبد الله الحرّانيُّ.
قاضي حرَّان وخطيبها ونقيبها وعالمها وفقيهها علي المذهب الأحمدي، له
стр. 799
ولأسلافه مكانة عند أهل بلده وجاه طويل، سمع الحديث كثيراً، وقال الشعر الحسن، وتوفي بحرَّان بكرة الأحد سابع عشر المحرم سنة تسع وثلاثين وستمائة.
أنشدني القاضي الإمام أبو القاسم عمر بن احمد بن أبي جرادة الحنفي – أيده الله تعالي – من لفظه، سنة أربعين وستمائة؛ قال: أنشدني القاضي الخطيب أبو محمد عبد الغني بن محمد بن تيميه لنفسه في الملك الناصر، صلاح الدين ابن أبي المظفر يوسف بن محمد بن غازي بن يوسف – سلطان حلب، خلد الله ملكه – وقد فتح حديثه حران من أيدي الخوارزمية – خذلهم الله تعالي – سنة ثمان وثلاثين وستمائة. ووفد كبير الحرانيين عليه، مهنئين له، وهو فيهم، فخلع عليهم وأحسن /١٦ أ/ إليهم، وأورد بين يديه في القلعة فصلاً في الهناء: [من الخفيف]
قد شفي الله غلَّة الأكباد ... ببلوغ المني ونيل المراد
وتبدَّي الزَّمان غضاً جديداً ... حيث وفَّي سوالف الميعاد
وبلغنا المني وغاية ماكـ ـ ... ـنَّا نرجِّيه من ضروب الأيادي
اخصبت ارضنا بكلِّ مرامٍ ... وأضاءت لنا بروق الغوادي
وحبانا بجوده كلُّ نوءً ... وأتانا بسيله كلُّ وادي
وقضي الدَّهر حاجةً طالما طول بالمطل وعدها في الفؤاد
هذه ذروة الكمال وقد نيلت علي رغم أنفس الحسَّاد
نالها ذو السَّعادة الملك الناصر كافي الإصدار والإيراد
قال فيها:
فتهنَّ السُّرور فالوقت مصقول الحواشي محبَّر الأبراد
أن تعيش ..... فعش ألف عام ... كل يوم عيدٌ من الأعياد
أنت شبل السُّلطان حقاً وما الأشـ ... بال إلاَّ طبائع الآساد
فتوَّل البلاد وانهض لبعزم الـ ـ ... جد فالسعد في نما وازدياد
وابسط العدل واعتمد همَّم الاخـ ... ـيار والصَّالحين والزُّهاد
/١٦ ب/ واغتنم منهم الدُّعاء فما نصرك إلاَّ بهَّمة العبَّاد
стр. 800
وتحقق إنَّ الرَّعيَّة في حرَّان ... قد اخلصوك محض الوداد
فتوخ الإحسان جهدك فيهم ... والغ قول الحسَّاد والأضداد
يا لها من سعادة تمًّ بشراها ويا بردها علي الأكباد
وأنشدني أيضاً؛ قال: أنشدني لنفسه، وقد خلع عليه السلطان الملك الناصر صلاح الدين – أدام الله دولته -: [من الطويل]
بأيِّ لسانٍ يشكر العبد مولاه ... وتقصيره في كلِّ حال قصاراه
وكيف يطيق الجزر ان يشكر الحيا ... أذا جاده الجود النَّمير فّأحياه
وانَّي لمن اضحت عليه سوابغٌ ... من المنِّ ممَّن عرَّفتني عطاياه
عقيد الندي لا زال جودك جائداً ... وكفك وكَّافاً علي الخلق جدواه
بسطت يدي حتّى ظننتك قابضاً ... يدُّ الدَّهر عني مع تفاقم بلواه
وعيلَّتني حتَّى ظننت بأننًّي ... سأعبر عن برج السِّماك ومأواه
وشرفَّتني طول الزَّمان بخلعة ... بلغت بها من شامخ العزِّ اقصاه
لئن كان جلباب التطوّل صافياً ... علي باديك الكريم محيِّاه
كأنَّ جلابيب المحبَّة قد حوت ... فؤادي فأنت اليوم سرِّي ومعناه
/١٧ أ/ وإن كان رسم الثَّوب باللُّبس دارساً ... فرسم هواك الدَّهر لا اتناساه
فلا قلب لي إلَّا وأنت نزيله ... ولا سرَّ لي إلاَّ وذكرك مأواه
بقيت علي مرِّ الليالي وكرِّها ... بعيش هنيٍّ يحمد المرء عقباه
стр. 801
ذكر من اسمه عبد القادر
[٣٣٢]
عبد القادر بن إبراهيم بن شجاع بن بقاء بن علي بن احمد بن محمد بن يحيي بن عرفجة، أبو محمد البغداديُّ.
كان فقيهاً حنفياً، عالماً بالأصول، حسن النظر في الكلام، ومسائل الخلاف، وله معرفة بالمنطق والفرائض والحساب وعلم القراءات.
وجدت من شعره قصيدة مطولة بخط يده، يمدح بها أمير المؤمنين الناصر لدين الله أبا العباس احمد - رضوان الله عليه -.
وكانت وفاة أبي محمد في رجب سنة اثنتين وعشرين وستمائة، ببغداد. أنشدني ولده إبراهيم؛ قال: سمعت والدي ينشد لنفسه: [من البسيط]
/١٧ ب/ وجدٌ أقام غداة الجيزة ارتحلوا ... وصاح حادي المطايا زمَّت الإبل
ووكلوا بالماقي درَّ أدمعها ... يا بئس ما عوَّضوا من بعد ما رحلوا
ليت الَّذين ألفناهم ما ألفوا ... يوم النَّوي سألوا من ذا الَّذي قتلوا
نفسي فداء أصيحاب وهبت لهم ... قلبي فمذ ملكوا جاروا وما عدلوا
وطالما وصلوا حتّى إذّا علموا ... حبِّي لهم قطعوا حبلي وما وصلوا
اروم كتمان مابي من جوًي وهوًي ... وكيف يخفي ودمع العين منهمل
أم كيف اكتمه والنَّاس قد علموا ... بأنَّ بي وبوجدي يضرب المثل
بالله يا معشر العذَّال حسبكم ... كفُّوا الملام فعندي منكم شغل
نار الغرام بقلب الصَّبِّ يوقدها ... حرُّ الملام ويذكي جمرها العذل
قد خاب من يرتجي سلوان مكتئب ... جارت عليه لحاظ الغنج والمقل
لهفي علي زمني والدار دانيةٌ ... وشملنا ووشاه الحيِّ قد غفلوا
في مجلس جمع الدَّهر السُّرور به ... وشرَّد الهمَّ عن أنيابه الجذل
والكأس كالشَّمس تبدو من مطالعها ... منفضَّ ة في بدور ......
من كلِّ احوي كأنَّ البدر طلعته ... واغيد طرفه بالسِّحر مكتحل
стр. 802
إذا تثني فغصن ألبان مجسده ... أو لاح فالشَّمس يعلو نورها خجل
/١٨ أ/ والورد والآس والمنثور مختلفٌ ... ألوانه وربيع الدَّهر مقتبل
والليَّل منسدلٌ والوقت معتدلٌ ... والورد زاه وشمل الوصل متَّصل
يحكي زمان أبي العباس احمده ... خليفة الله مولًي جوده جلل
مولي عوارفه عمَّت رعيتَّه ... فالقفر مرتبعٌ والفقر مرتحل
مولًي تفنَّن في إحسانه فأتي ... بما يضيق التَّمنِّي عنه والامل
مولًي إذا جارت الأيَّام قوَّمها ... بسطوة زال عنها الجوز والميل
مولًى له عزماتٌ ليس يدركها ... وهمٌ وأصغرها بالنَّجم متَّصل
مولي إذا رام أمراً عز مطلبه ... بوهمه كاد قبل الكون ينفعل
يقيم في الأرض حد الله مجتهداً ... يبغي رضاه بحلمٍ زانه عمل
ماضي السِّنان شديد البأس لا هلعٌ ... يثني عنان مرامية ولا وجل
ثبت الجنان إذا نار الوغي اضطرمت ... بالحرب فهو الشُّجاع المقدم البطل
له بديهة رأي لا يقوم بها ... فكر إذا ضاقت الآراء والحيل
له أياد إذا قابلت أيسرها ... بالغيث زادت عليه حين ينهمل
كأنما الناس في أيام دولته ... لجنة الخلد لا صابٌ ولا شل
إذا سري جيشه في يوم معركة ... قيدت لهيبته الأبطال والخول
/١٨ ب/ بهمَّة لو بدت يوم الوغي فعلت ... ما ليس تفعله الخطيَّة الذُّبل
سوابل الغيث في أهداف وابلها ... تحكي عطاياه لا منعٌ ولا بخل
يراقب الله في ادني رعيته ... ولا تراه بنار البأس تشتعل
لو اقشعرت فجاج الأرض من ظمأ ... لجادها من نداه الطَّيبَّ الهطل
أو استطالت صروف الدَّهر قوَّمها ... بصولة رهبتها البيض والأسَّل
لو قال للدَّهر لا تلمم بحادثة ... لعاد أسرع ممشًي وهو ممتثل
أو جاز في الدهر يوم .... حائره ... أو همَّ بالخطب ولَّي وهو منخذل
أو رام من قدرٍ حتمٍ فمانعه ... كادت لهيبته الأقدار تنفعل
стр. 803
أو شلَّ كفَّ المنايا بعد ما اتَّصلت ... بجسم حيّ لكادت منه تنفصل
يخبِّر اللَّحظ عنه أنُّه رجلٌ ... ولو دري لم يقل إلاَّ هو الرَّجل
يعطي ويحيي بلا من ولا عضلٍ ... كالماء بيديه الرزق والأجل
طابت بسيرته الدُّنيا وزاولها ... ظلامها واستنار السَّهل والجبل
جلُّ الملوك بدون الدِّين قد شغلوا ... وناصر الدِّين بالإسلام منشغل
/١٩ أ/ ملائك الله أنصارٌ له فهم ... يوم الضِّراب له بالنًّصر قد كفلوا
ليثٌ هزبرٌ مكرٌّ باسلٌ بطلٌ ... مستبشرٌ وليوث الحرب قد ذهلوا
قيلٌ شجاعٌ مطاعٌ ضغيمٌ قدامٌ ... غيثٌ مغيثٌ كريم الخيم ....
به من الله تستقي الغمام اذا ... ضنَّت بوابلها الشَّحَّاحة الهطل
يا نائب الله حقّاً في بريَّته ... ومن بدولته قد عزَّت الدُّول
ومن أوامره فرضٌ به نطقت ... أي الكتاب ووحي الله والرُّسل
آباؤه خلفاء الله وهو لهم ... فخرٌ وليس لهم من فخره بدل
آل الرسول وأعلام الورى وبهم ... يهدي الأنام إذا ما استحوذ الزَّلل
هم النُّجوم ولكن أنت شمسهم ... لمَّا بدا نورك السَّاري لهم أفلوا
أنت الإمام الَّذي لولا خلافته ... صبا الأنام إلى الطَّاغوت وانتقلوا
أنت الَّذي خضعت هام الملوك له ... طوعاً وكرهاً ودانت أمره الملل
أنت الَّذي طاعة الرحمن طاعته ... في الأرض لولاك عمَّ الخطب والخطل
لو كان في الأرض إنسانٌ يخالفه ... ضاقت عليه فجاج الأرض والسُّبل
فان تداركه من جود رحمته ... لطف وإلَّا اقتراه الذئِّب والوعل
وصار للوحش بعد العزِّ مأكلةً ... والميت للوحش في بيدائها أكل
/١٩ ب/ أما رأيتم أحاديث الَّذين عصوا ... رأي الإمام وفيما أيَّه نزلوا
رموا عساكرهم بالبغي واجتمعوا ... في الغيَّ واطَّرحوا الإسلام واعتزلوا
واحكم الشَّر والشَّيطان بغيهم ... وعاندوا الله بالطُّغيان واحتفلوا
ففرق الله منهم كلَّ ما جمعوا ... وردَّ بأسهم بالخزي واتخذلوا
تيقَّنوا بعد ما حلُّوا معاقلهم ... أن ليس يعصمهم عن بأسك القلل
تزلزلت بهم اعلي جواسقهم ... من بعد أمنٍ وذاقوا سوء ما عملوا
стр. 804
لاقوا منيتَّهم من دون منيتهم ... بالرَّغم وادَّرعوا بالذُّلِّ واشتملوا
بادتهم حادثات الدَّهر ما نفعت ... تلك الأسرَّة والتِّيجان والحلل
واصبحوا قد اباد الله ملكهم ... أعزُّ من فيهم بالهون مبتذل
سوء الصَّنيع لقوا بعد النَّعيم شقوا ... في حشرهم حرقوا بالنَّار واشتعلوا
أتاهم الله بالبأساء إذ جحدوا ... حقوق مولًي علي باريه متكل
تنعموا وطغوا في عيشهم وبغوا ... فأصبحوا بعد رغد العيش قد أكلوا
يا ابن البطاح ويا غيث النَّواح ويا ... بحر السَّماح إذا اجواده بخلوا
عام الرَّمادة مشهورٌ لجدُّكم ... سري وغنَّت به الرُّكبان والرَّجل
عمِّ النَّبيِّ وشيخ المأزمين ومن ... له السِّقاية والإعظام والنَّفل
/٢٠ أ/ عليكم نزُّل التنزيل وانتشرت ... آياته واليكم حجَّت الرَّسل
يا صاحب الدَّهر يا من لا شبيه له ... في العصر قولاً صحيحاً ليس ينتحل
الملك فيكم فمن ملكتهم ملكوا ... والفضل منك فمن فضَّلتهم فضلوا
عش وابق واسم وصل وانعم ودم وانل ... فالأكرمون لما أوليت قد خجلوا
أيَّامك الغر ُّلا زالت مخلَّدة ... يقضي الزَّمان ولا يقضي لها ـجل
ما غنتَّ الطيَّر في غنًّاء مورقةٍ ... وحنَّ صبٌّ براه الصدُّ والملل
[٣٣٣]
عبد القادر بن أميريّ بن بختيار بن الخلِّ بن محمد بن داود بن عبد الله، أبو محمدٍ بن أبي الخير الأشهي والداً واصلاً، الإربلي مولداً ومنشأ.
كانت ولادته بإربل تقديراً سنة أربع وثمانين وخمسمائة، وتوفي بها حادي عشر جمادي الأولي سنة إحدي وعشرين وستمائة، ودفن شرقها بمقبرة تعرف بمشهد الكفّ.
وكان والده رجلاً صالحاً من الفقهاء المتبعدين، محدِّثاً يلقَّب قطب الدين؛ وابنه أبو محمد اعتني بالحديث، فسمع منه كثيراً علي جماعة /٢٠ ب/ علي جماعة من المشايخ، وكان ذكياً مطبوعاً، له طبع النظم من غير اشتغال بالأدب.
стр. 805
أنشدني أبو عبد الله محمد بن أرسلان لاجين الإربلي؛ قال: أنشدني عبد القادر بن أميري لنفسه من قصيدة يرثي بها والده – ﵁: [من الطويل]
شجا قلبي العاني فراق الحبائب ... فأضحي عليَّ الهمَّ ضربه لازب
وسحت جفوني بعد بعد أميمة ... بدمعٍ كما سحَّت جفون السَّحائب
وكنَّا جميعاً في رياض مسرَّةً ... وطيب امان من صروف النوائب
فلم يبق إلَّا حسرةٌ بعد حسرةً ... وتعليل نفسٍ بالظُّنون الكواذب
وفرقة قطب الدّين والدي الَّذي ... لها بفؤادي مثل وقع القواضب
تباعد عنَّا بعد أن كان دانيّا ... بنفسي ابي من غائب غير آثب
لقد كان يدعو ليله ونهاره ... لمالك أعناق الورى بالمواهب
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه في إنسان: [من الوافر]
لنا جيران سوء لا نبالي ... بصحَّتهم لأنَّهم كسالي
/٢١ أ/ رجوت نوالهم من فرط جهلي ... ودون نوالهم طعن العوالي
لقد صدق الَّذي قال قبلي ... مقالة رب صدِّق في المقال:
امن دار الكلاب تريد عظماً ... لقد أطمعت نفسك بالمحال
رجوناهم يعينونا فباعوا ... هداياهم بأنواع الضلال
ولم انس الإساءة من أناسٍ ... وزجرهم الصَّوافن بالنعال
عتبناهم لأنُّهم جواري ... وحفظ الجار من شيم الموالي
وأنشدني أبو عبد الله بن عبد السيد بن احمد الإربلي البغدادي؛ قال: أنشدني أبو محمد عبد القادر لنفسه في الوزير الصاحب شرف الدين أبي البركات المستوفي – ﵀ تعالي – كان قد خرج ليلاً، فوثب عليه شخص سوء فضربه بسكين ليقتله، وانهزم فصادف في طريقه إنساناً اسمه غزال، فقتله: [من الطويل]
عجبت لكلب أمَّم اللَّيث بالرَّدي ... فكانت فداء اللَّيث روح غزال
/٢١ ب/ بإحسانك الجمَّ العميم إلى الورى ... وقاك الرَّدى: ربُّ الورى المتعالي
стр. 806
وحبُّ رسول الله للمرء عصمهٌ ... وآل رسول الله أكرم آل
[٣٣٤]
عبد القادر بن مسلم بن سلامة بن أبي البهاء الحرّانيُّ.
وقع إلى من شعره قصيدة مدح بها الوزير الصاحب شرف الدين أبا البركات المستوفي – ﵀ – أنشدنيها عنه أبو عبد الله محمد بن احمد بن عمر الإربليّ الحنفي؛ قال: أنشدني عبد القادر بن مسلم لنفسه: [من الكامل]
الدَّمع يظهر ما اجنُّ وأضمر ... والسُّقم يهتك في الَّذي ما أستر
لو أنَّ قيساً قيس بي لفضلته ... وكثيِّراً عداً يقلُّ ويكثر
يا من تقر بقتلتي وجناته ... حتَّى م تجحد مقلتاك وتنكر
كم ذا التمادي في الصُّدود وعبرتي ... بمدى المدامع فوق نحري تنحر
ماذا يضرَّك لو سمحت بزوره ... زوراً عسي بالنَّوم طرفي يظفر
من لي بمرَّ الهجر حلو وصلهً ... يصحو من الشَّوق العنيف واسكر
/٢٢ أ/ أدنو فيبعد بعد وصلً جافياً ... ويخون عهدي إذ وفيت ويغدر
يا من يميل إلى الملالةٍ والقلي ... وينام عن ليلي الطَّويل واسهر
حتَّى م لا ألقاك إلَّا معرضاً ... متجِّنياً عنِّي تصدُّ وتهجر
ألَّا رثيت لرثِّ حالٍ لم يزل ... يصفيك محض وداده وتكدِّر
أمسى غريقاً في بحار دموعه ... والنَّار حشو حشاشه تسعَّر
يا غصن بان شعره أوراقه ... من فوق أعلاه هلالٌ يثمر
خدَّاك ورد واللَّوحظ نرجسٌ ... والصدع آسٌ والمقبَّل جوهر
حكت الغزالة نور وجهك إذ بدت ... ورنا لمقلتك الغزال الأحور
ما قلت إنَّك قد حكيت بجؤذر ... بل قلت انك قد حكاك الجؤذر
ويلاه من ثمل المعاطف قدُّه ... رمحٌ ومقلته الكحيلة خنجر
في فيه ورد كالسُّلاف مذاقه ... وبخدِّه وردٌ جنيٌ أحمر
стр. 807
فضح القضيب بقدِّه لَّما بدا ... يهتزُّ من مرح الشَّباب ويخطر
وغدا الفؤاد بأسره من أسره ... لمَّا بدا في مشية يتبختر
فاق الغصون المايسات نضارةً ... فحلت شمائله وراق المنظر
من سود جفتيه يجرد أبيضٌ ... ويهزُّ من عطفيه لدنٌ اسمر
/٢٢ ب/ يا منذري بالعذل في من خدُّه ... لشقائق النُّعمان بئس المنذر
لو عاينت عيناك خطَّ عذاره ... ما لمتني ولكنت فيه تعذر
عدَّ الملامة فهي لومٌ واقتصر ... يا من أطال ملام من لا يقصر
لا تخذلني يا عذول فإنَّ بالمولي ... أبا البركات أضحى ينصر
الماجد الحبر الجواد ومن غدت ... عنه أحاديث المكارم تسطر
ما زال من جدوي يديه موردٌ ... عذبٌ لمن يرجو نداه ومصدر
بحر علي قصَّاده متدفِّقٌ ... نارٌ علي حسَّاده تتسعَّر
عمَّ الورى بالمكرمات فلا ترى ... إلَّا فتًى يثني عليه ويشكر
ولقد طويت البيد نحو فتًي له ... صحف النَّدي في كلِّ ناد تنشر
يا عامراً بالمال آمال الورى ... لا زلت تعمر بالنَّوال وتغمر
لو أنَّ كفَّك صافحت حجراً غدت ... منه ينابيع الندي تتفجَّر
يا من سماء ندى يديه لم تزل ... في أرض عافية تسح وتمطر
إ، جدت للعافي فإنَّك حاتمٌ ... أو صلت في الباغي فإنكَّ عنتر
الله خصَّك دون سائر خلقه ... ببلاغةٍ معروفةٍ لا تنكر
فإذا نظمت نظمت أكباد العدا ... وإذا نثرت فكم رؤوس تنثر؟
/٢٣ أ/ يا من له القلم الَّذي دانت له ... بيض الصَّفائح والوشيج الأسمر
يا من إذا سارت كتائب كتبه ... في النَّاس تطلق من تشاء وتأسر
بك قامت الأرواح أرواح الورى ... إذ كلهم عرضٌ وأنت الجوهر
[وقال في غلام عليه قباء أزرق: [من الوافر]
стр. 808
وبدرٍ في دجي شعر تبدَّا ... يقلُّهما قضيبٌ في كثيب
غريب الحسن يطلع في قباء ... سماوي ويغرب في القلوب
وقال أيضاً وقد ودع محبوباً له: [من البسيط]
ودعته وحشاي حشوها حرقٌ ... ومدمعي بالَّذي أخفيه قد نطقا
فما تفارقت الأجسام حين سري ... ألَّا وروحي وجسمي بعده افترقا
[٣٢٥]
عبد القادر بن زنكي بن بنيمان، أبو بكرٍ الأشتريُّ.
ينسب إلى الأشتر، أحد [أعيان] البلاد الجبلية.
فقيه شافعي المذهب، تفقه ببغداد علي أبي القاسم بن فضلان وغيره، وحصل طرفاً من المذهب والخلاف، وتكلّم في المسائل وأعاد بالمدرسة النظامية، ثم درس بعد ذلك بالمدرسة التي أنشأها فخر الدولة أبو المظفر بن المطلب بعقد المصطنع، وولي النظر في أوقافها فلم تحمد طريقته، وعزل عن ذلك في جمادي الآخرة سنة ست وتسعين وخمسمائة.
وكان سمع الحديث من أبي المعالي بن الفراوي، واحمد بن إسماعيل القزويني، ذكر لي أبو المجد إسماعيل بن هبه الله بن باطيش /٢٣ ب/ الموصلي، انه شاهده بمدينة السلام في سنة ثلاث وستمائة، علي قدم البطالة.
وجدت له قصيدة مزدوجة، ترجمها بكتاب التبيان في ذكر الفتوة والفتيان، وقدّم من مشاهير الفتيان آدم، ثم تلاه في فتوة إبراهيم، ثم إسماعيل، ثم يوسف، وفتوة يوشع؛ وذكر الفتوة والفتيان في آي القرآن، وفتوة أصحاب الكهف، وفتوة النبي المصطفي، والمرتضي، وفتوة الأخيار من المهاجرين والأنصار، وختمة بفتوة الإمام الناصر لدين الله، والثناء علي المواقف المقدسة الشريفة الإمامية – زادها الله عزاً وشرفاً – وذكر حقيقتها وشروطها وأركانها وحدها وأحكامها وأضدادها، وماهية
стр. 809
محصولها، وقول العلماء الزُّهاد فيها مثل: الجنيد بن محمد، وسهل بن عبد الله التستري، واحمد بن حنبل، وإبراهيم النصر اباذي، وعمرو المكي، والحارث المحاسبي، والفضيل بن عياض، وأبي القاسم القشيري، وافتتحها بقوله في الثناء علي الله تعالي وعلي رسوله سيد /٢٤ أ/ الأنبياء صلي الله عليه وسلم:
[من الرجز]
ثناء ربِّ العزَّة القديم ... أولي لدي المقال بالتقديم
فالحمد لله الَّذي برانا ... ثمَّ إلى توحيده هدانا
والحمد لله وليِّ النِّعم ... مبدي الأقاليم وبادي النَّسم
مصوِّر الأفلاك والأملاك ... مقدِّر الإخلاص والإشراك
مزيِّن الأنفس بالعقول ... مقسِّم الفصول والأصول
موشح الأشباح بالأرواح ... مروِّح الأرواح بالأفراح
باسط ارض العرش في السماء ... واضع فرش الأرض فوق الماء
موجد كلِّ ما سواه وجدا ... هو الَّذي حق له أن يعيدا
من علينا بفنون النِّعم ... مقسومةً ولم يجر في القسم
شرَّفنا بملَّة الإسلام ... عرفنا تجنُّب الآثام
نحمده حمداً كما يستوجبه ... والحمد منَّا هو أيضاً واهبة
وهي تربو علي مائتي بيت، وآخرها ما هذا شرحه:
أقول معتذراً إلى الحضرة الكريمة الشمسية – أكرمها الله تعالي: [من الطويل]
/٢٤ ب/ خزانة شمس الدُّين دام ظلاله ... بها غنيةٌ عن كلِّ مبتكر ندر
هو البحر ... إلَّا أنَّه البرُّ بالورى ... وها اهديت الجمال إلى البحر
بعثت له من بعض ما منه نقتني ... لذا البحر تأتيه السحابة بالقطر
стр. 810
[٣٣٦]
عبد القادر بن يحيي بن أبي القاسم بن أبي المعالي بن هود بن حماد بن أبي بكر بن خبيرٍ، أبو الفضل الحميريُّ البوازيجيُّ
من أشهر بيت بالبوازيج، حفظ القرآن العظيم، وقال شعراً كثيراً، مدح به الناس، وما مدح أحداً إلَّا وعاد هجاه، وهو شاعر مجيد، سخيف الهجاء، خبيث اللسان.
أنشدني لنفسه؛ يمدح الإمام العلامة حجّة الإسلام كمال الدين أبا المعالي موسي بن يونس بن محمد بن منعه بن مالك الفقية المدرس، الموصلي الشافعي – رحمة الله -: [من الطويل]
مغانيالصِّبا لا زال ربعك غانيا ... وأصبح خاليه من النُّور حاليا
عدتك العوادي من زمانك واغتدت ... إلى ربعك الأنواء تهدي الغواديا
نثرت لآلي الدَّمع فيك وطالما ... نظمت بوصل الغانيات الَّلاليا
/٢٥ أ/ ومنها:
يسائلني عن علَّةٍ ما شكوتها ... أليه خليلٌ ليس يعلم حاليا
ويأبي الهوى أن يكشف السِّتر بيننا ... فيصبح سرُّ الحب للنَّاس باديا
وكنت إذا ما جئت أسماء زائراً ... نظرت يميني تارةً وشماليا
فأدنوا ولم يشعر من الحيِّ كاشحٌ ... وامضي وقد سلُّوا عليَّ المواضيا
إذا رمت من أسماء في اللَّيل خلوةً ... تنبِّه في جنح الظَّلام الأعاديا
كأنَّ ظلام اللَّيل كل نجمة ... عليَّ رقيباً أو به مثل ما بيا
كأنَّك يا نجم السَّماء حمامةٌ ... تهيِّج للأعداء ليلاً حماميا
كأنَّك دهر عاندتني صروفه ... فكدَّر من أسماء ما كان صافيا
نأي النَّوم عنِّي بالهموم كأننَّي ... وهبت لطرّاق الهموم رقاديا
وخيفاء كلَّفت المطيَّ اعتساقها ... ذميلاً وقد القي الظَّلام المراسيا
وهبَّت لنا ريحٌ من الأرض قرَّةٌ ... ولا نار إلَّا جذوةٌ في فؤاديا
следующие страницы →