Полный текст (2 778 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
من كلِّ وطفاء دان فضل هيدبها ... منحلةٌ في نضواحيها عزاليها
كم قد نعمنا بلذات الشباب بها ... في عيشة طاب مخليها لجانيها
أبدى لنا ملكٌ غاز محاسنه ... ما يطرف الطَّرف منَّا عن مساويها
تدبرت دولة الإسلام واعتصمت ... به العواصم واعتزَّت صياصيها
أعطاه قلعتها الشَّهباء خالصةً ... دون الملوك فأعطى القوس باريها
غلت على سائميها قلبه وعلت ... تبارك الله مغليها ومعليها
فليس يحكيه في خلق ولا خلق ... ملكٌ ولا قلعةٌ في الأرض تحكيها
أبت على خابيها فهي شامخة الـ ... ـعرنين باد ...............
/ ٦٣ أ/ .... بسماء الجوِّ واعتجرت ... بسحبها فهي أحمى من دراريها
[٣٥٧]
عبد المحسن بن إسماعيل بن حمدان، أبو علي الجزري.
شاعر كاتب عند شيء من علم النحو والأدب، وهو يكتب الإنشاء لصاحب الجزيرة المعمورة، المل المعظم محمود بن سنجر شاه بن غازي بن مودود بن زنكي:
ومن شعره: [من الطويل]
سيوفٌ بدت أم سحر بابل عيناه ... ووردٌ زاهم ام ذي الشقائق خدَّاه
وصبحٌ تجلَّى أم ضياء جبينه ... وليل دجى أم قد تعقرب صدغاه
رشا قدُّه غصنٌ من البان ناضرٌ ... نسيم الصَّبا في آخر الليل سكناه
رماني فأصماني بسهم لحاظه ... وكم عاشق مثلي رماه فأصماه
رمى ومماتي لحظةٌ من جفونه ... نأى وحياتي نظرةٌ من محياه
واستنجد العين القريحة للكرى ... لعلِّى أحظى في الرُّقاد برؤياه
واهوى نسيمًا هبَّ من نحو أرضه ... عساه راه أم تحمَّل ريَّاه
بروحي أفديه وما ملكت يدي ... تناضل ...... الغداة وأهواه
/ ٦٣ ب/ بعثت إليه في النسيم تحيَّةً ... فمرَّ به في الليل وهنًا فحيًّاه
أراه بعين الحبِّ والبين بيننا ... وأنظره حقَّاً على بعد مغناه
стр. 877
وما أتمناه لفحشٍ ولا خنًا ... ولكنَّني أهوى ملاحة معناه
لقد كذب الواشون بي وتقولوا ... وفاهوا بأنِّي بتُّ مرتشفًا فاه
لبسنا عفافًا وارتدينا بمثله ... وعفنا الخنافي في حبِّنا وأنفناه
سألزم نفسي حمل ما لا تطيقه ... وأحمل في .... ما ليس أقواه
وأركب أهوالا تجوب بي الفلا ... إلى بلدٍ لا تعرف الريح مسراه
[٣٥٨]
عبد المحسن بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن عيسى بن جامع، أبو محمد بن أبي العباس العقري.
وقد مرَّ شعر والده؛ وهو موصلي المولد والمنشأ.
أخبرني أنه ولد يوم الثلاثاء عاشر صفر سنه ست وتسعين وخمسمائة، درس فقه الشافعي – رضى الله عنه- على جماعة بالموصل وبغداد، وقرأ الأصول والخلاف والفرائض والحساب، وتميَّز على أقرانه، وجلس بعد أبيه لتدريس / ٦٤ أ/ الفقه، وقام مقامه.
وله شعر؛ أنشدني لنفسه كا كتبه إلى الأمير الكبير امين الدين أبي الماكرم لؤلؤ بن عبد الله البدري: [من الوافر]
امنت بوائق الزمن الخؤون ... ونلت مناي بالمولى الأمين
وهل أخشى وقد علقت يمني ... بحبل من مودَّته متين
فتىً حاز الفضائل والمعالي ... بجود سابغٍ وتقًى ودين
تفرَّد بالعلاء ولا نظيرٌ ... له فيمن تقدَّم في القرون
فأصبح جامعًا لجميع فنِّ ... تفرق في الأنام من الفنون
أمين الدِّين لا زلنا نهنِّي ... بك النَّيروز حينًا بعد حين
стр. 878
[ذكر من اسمه عبد الملك]
[٣٥٩]
/ ٥: ١٨٧ ب/ عبد الملك بن عبد الله بن عبد الرحمن بن الحسن بن عبد الرحمن بن طاهر بن محمد بن محمد بن أبي علىٍّ الحسن بن عليِّ بن يزيد الكرابيسيُّ، أبو المظفر صاحب الشافعيِّ ﵀.
وهو من أشهر أصحابه، وله قول في مذهبه، له في سيف كتب هذه الأبيات عليه، وقدم للسلطان الملك العزيز محمد بن الملك الظاهر غازي بن يوسف بن أيوب، في سنة ثلاث وثلاثين وستمائة -ومولده سنة إحدى وتسعين وخمسمائة-: [من الخفيف]
برق متني إذا سناه تبدَّى ... من سحاب العمود سحَّت دماء
بيمين الغياث خفيت حتَّى ... ظنَّ ما خفيت أنَّي هواء
كاد نهري يفيض ماءً ... في يد من ندًى بها فيَّ ماء
وقال أيضًا في دبوس حديد خالي البان وفيه قعة حديد إذا نكس
стр. 879
/ ٥: ١٨٨ أ/ تمشي فيه فيسمع لها حسٌّ، وكذا إذا استوى ... في التاريخ:
[من البسيط]
حس حديد ولكن بأس مالكه ... أذابه ففؤادي بعده قلق
خلا فلم يبق إلَّا ظاهرٌ حسنٌ ... وباطنٌ كلُّه من ذنوبه طرق
وقال في الورد في شهور سنة ستّ وعشرين وستمائه: [من البسيط]
كأنما احمر الورد الَّذي نظمت ... حبَّابه الصُّفر فيه عند ذي النَّظر
نارٌ مرودةٌ ترمي مضرِّمها ... إذا تناهت بمكفوفٍ من الشَّرر
وقال في اللينوفر في التاريخ: [من البسيط]
لينوفيٌ خضلٌ يحي لرامقه ... عند الصباح إذا ما لاح في الورق
نجوم جوٍّ بدت في الأرض ساطعةً ... والماء من تحتها ينساب كالشَّفق
وقال في دمّل أصابت الأمير شهاب الدين بن مجلى بن مروان الهكاري – ﵀ في ركبته في شهور سنة عشرين: [من البسيط]
/ ٥: ١٨٨ ب/ أظنُّ دمَّل موسى عند رؤيته ... خافاته فاجتمعت من عظم هيبته
وعندما عاينته عينها سجدت ... وقبَّلت شفتاها عين ركبته
وقال في الدواة والأقلام في التاريخ: [من الطويل]
ووالدة أولادها ليس فيهم ... دماءٌ ولا لحمٌ عليهم ولا جلد
إذا طمئوا روَّتهم من رضابها ... فينتج منه في الورى الحلُّ والعقد
وقال في العذار في التاريخ: [من الرجز]
واعجبًا من غفلت الخضَّار ... إذ لم يروا معجزة العذار
كأنه والخدُّ ذو أحمرار ... بنفسجٌ منضدٌ في نار
وقال في فوَّار في شهور سنة اثنتين وعشرين وستمائة: [من المتقارب]
وفوَّارة ماؤها كاللجين ... جماداً تذوبه فهو يجري
تصعده كقضيب قويم ... وتنثره نثر منظوم درِّ
وقال في مليح اسمه عيسى في التاريخ: [من السريع]
стр. 880
عادة عيسى بالورى أنَّه ... يعيد من مات لهم حيًّا
/ ٥: ١٨٩ أ/ والآن عيسى في الهوى قاتلي ... وهو الَّذي يحيي إذا حيَّا
وقال في لوزة مرود بعثها محبٌ لحبيب: [من السريع]
بعثت باللَّوزة مقرونةً ... ..... منها بقرب التَّلاق
وقلت: ياليت لنا مثل ما ... لها من الضَّمِّ وضيم العناق
فامنن على الصَّبِّ بما يرتجي ... واطفئ بماء الوصل نار الفراق
وقال في دير سمعان –وهو دير كبير، كثير الآثار، هائل البنيان، وهو ببلد حلب من غربيها- في شهور سنة ثمان وعشرين وستمائة: [من البسيط]
يا دير سمعان دارت فيك دائرةٌ ... هي الرَّدى طحنت فيك الألى ذهبوا
اخنت عليهم صروف الدَّهر فانقلبوا ... صرعى فلا فضَّةٌ اغنت ولا ذهب
وقال في النار في التاريخ: [من الكامل]
يا أيها الحبر الَّذي من شانه ... كشف الرُّموز وحلُّ عقد المشكل
ما بنت دهر في الصَّبايا عمرها ... نزرٌ وتهرم في الزمَّان المقبل
/ ٥: ١٨٩ ب/ وبناًتها في صدرها من جسمها ... يأكلن وهي تريد شرَّ المأكل
ونودُّها في بعدها وبقربها ... بلتذُّ لكن مع تنائي المنزل
زارت بلا ..... ... ...... أحل
وقال في حمام حياضها رخام أصفر، في شهور سنة اثنتين وعشرين وستمائة:
حمَّامنا اليوم حوت نزهةً ... يرى بها الرَّائي عجيب العجب
مياهها تجري بأحرواضها ... كفضَّة ذائبة في ذهب
وقال في يوم غيم وثلج كثير، هبَّت فيه ريح شديدة بارة كشفت السماء ونبت الثلح على الأرض، في شهور سنة ثلاث وعشرين وستمائة: : لأمن البسيط]
وجه السماء تجلَّى بارزاً نضراً ... وان عنَّا ..... السُّحب محتجبا
أظنُّ إذ صفَّقت فيه الرياح رمى ... به على الأرض من إيقاعه طربا
وقال أيضًا في نزول الثلج في التاريخ: [من المنسرح]
стр. 881
/ ٥: ١٩٠ أ/ كانما الثَّلج في الفضاء إذا ... بالريح منه الجناح ينتشر
رجل جراد انثر ساكنها ... فهي حيارى تعلو وتنحدر
وقال أيضًا في الثلج ونزوله في التاريخ: [من البسيط]
الجو ثوب لجينِ مرَّ مرتديًا ... فحفَّ من مجتدي الدنيا بأطماع
وحين أمسكه بخلًا وما وصلت ... إلى تناوله الأهواء بالباع
أثارت الريح منه ساكنًا فله ... ينثال فيهم بأنصاف وأرباع
وقال في كمة صقر أو بازي كتب عليها هذان البيتان، وقدمت للسلطان الملك العزيز – تغمده الله برحمته- في شهور سنة تسع وعشرين: [من الكوامل]
أنا كمَّةٌ صغرت وجلَّ محلُّها ... فبدت لوامعها كنجم زاهر
وبلمسها الملك العزيز تعززت ... فكأنَّما للعزِّ فوق النَّاظر
وقال في مليح في عنقه خال، في شهور سنة سبع وعشرين: [من البسيط]
/ ٥: ١٩٠ ب/ العزُّ بدرٌ ولكن ليس شامته ... مسروقةً من دجى صدغيه والغسق
وإنَّما حبَّة القلب التي احترقت ... في حبِّه علِّقت للظُّلم في العنق
وقال في مغن حاذق في الضرب للدف في التاريخ: [من المنسرح]
كأنما العزُّ حين يضرب بالكاس ضروبًا تطير بالنَّنفس
بدرٌ منيرٌ على قضيب نقًا ... يخطف بالرق بهجة الشمس
وقال في مليح يحُّز بطيخًا ويفرِّقه على جماعة يهوونه في التاريخ:
[من المتقارب]
أيا عاذلاً عدَّ عشقي لمن ... هوت لطلعته الشمس ذلَّه
اتعذل في عشق بدرِ غدا ... يقسِّم في عاشقيه أهله
وقال في مليح كان بين جماعة، وفيهم خادم أسود فأخذ يده وجعلها في يده، في التاريخ: [من السريع]
لا تعجبوا للبدر إن صافحت ... كفَّاه جوراً كفَّ ذا العبد
стр. 882
فالدَّهر لا يبعد عندي بان ... يجمع بين الرِّيم والقرد
/ ٥: ١٩١ أ/ وقال في مليح في عنقه حزر ذهب في التاريخ: [من الوافر]
إشارة حرز عزِّ الدِّين لمَّا ... بدا للنَّاظرين من النُّضار
مترجمةٌ بأنِّي سوف أرمي ... قلوب العاشقين بسهم نار
وقال فيه، في التاريخ: [من البسيط]
لا تحسبوا حرز عزِّ الدِّين حين بدا ... في جيده من لجين صيغ او ذهب
لكن شهابٌ بأفق الحسن ارصده ... لرجم شيان قلب العاشق الوصب
[٣٦٠]
عبد الملك بن علىِّ [بن] أبي صالح بن عبد الكريم بن المفضَّل بن أبي شيبة القرشيُّ العبدريُّ.
من بني شيبة أصحاب السدانة لبيت مكة –حرسها الله تعالى – من أهل منبج.
كان رجلا من الرؤساء الأجلاء، رفيع القدر، عالى المحل، كبير المنزلة عند السلاطين، كثير الاحترام؛ واستوزره الملك المنصور أبو المعالي محمد بن عمر بن شهنشاه –صاحب حماة- وقرب من قلبه. وكان ينفذه إلى /٥: ١٩١ ب/ أطراف البلاد رسولاً، فيرم لأجله ويبجِّل ويحترمونه. وكان أولاً قد خدم الملك الظاهر غياث الدين وتكمن منه، وعرض عليه عدة ولايات فلم يجبه إلى ذلك. وكان وزيرهه سرَّاَ وسيَّره رسولًا إلى عدة جهات، وبعده اتصل بالملك المنصور.
وبعد موته ارتحل على مدينة منبج. وكان مع ذلك واسطة خير عند من يلوذ به، كثير المروءة والعصبية، ريمًا أريحيًا ذا نفس واسعة، ونعمة وافرة، ومات ولم يدَّخر شيئا إلا قليلًا، لم .... ببعض ما كان عليه من الديوان. وكان مقصد من يرد عليه، لا يردّ آملاً، ولا يخيب سائلًا.
وكانت ولادته في حدود سنة خمس وخمسين وخمسمائة. وتوفى في ربيع الآخر
стр. 883
سنة ثلاث وعشرين وستمائة بمنبج – رحمه الله تعالى -.
فمن شعره قوله: [من الخفيف]
حيِّ حيَّاً بمنبج فيه هند ... بابلٌ من لحاظها والهند
إنَّما يبعث التحيَّة من نحـ ... ـوي إلى منبج غرامٌ ووجد
وتوخَّ الحنين فيها فمن تر ... ب حماها تشفى العيون الرُّمد
/٥: ١٩٢ أ/ مربع الحيِّ باللِّدان ولذَّا ... تي دواني الجنى قطافٌ شهد
والغواني فيها ظباءٌ عينٌ ... والمغاني بها ركابٌ وجرد
ألف الجسم تربها قبل أن يألف لحمي والعظم منِّي جلد
وتراني أحوم شوقًا إليها ... حومة الهيم حين يشرع ورد
هل لنا عودةٌ إلى طيب ريَّا ... ك فرؤياك بغيتي والقصد
يا خليليَّ خلِّياني فما طا ... ب وصالٌ إلَّا تعرَّض صدُّ
أسلماني إلى الغرام بسلمى ... ودعامي للوجد هاتيك دعد
يا لييلاتنا بمنبج هل ير ... جع ماض منكنَّ لي أو يردُّ
أم يروح الرِّكاب بالملك المنـ ... ـصور يومًا إلى ذراها ويغدو
[٣٦١]
عبد الملك بن يوسف بن عبد الملك بن رستم بن محمد بن على، أبو الوليد الديلمي الحلبي.
كانت ولادته في السابع والعشرين من شهرؤ رمضان سنة ست وستين وخمسمائة؛ [شيخ كبير السنِّ به عرج، شيعي المذهب من المغالين في الولاء، يميل إلى نوع الأدب والشعر؛ وعنده محفوظ جيد من نظم ونثر. وكان في بدء أمره يسافر تاجراً إلى الديار المصرية.
وهو ذو طبع مؤات في عمل الأشعار. غير أنَّ أثرها مرذول نازل يحذو فيها حذو ابن الحجاج في السخف والهجاء، فلم اثبت منها شيئًا لسقوطها ورداءة ألفاظها سوى
стр. 884
ابيات كتبها إلى الملك الظاهر.
أنشدني لنفسه. وكان قد قفل من الديار المصرية عقيب الغلاء الشديد الَّذي أصاب الناس / ٥: ١٩٢ ب/ سنة تسع وتسعين وخمسمائة، وفي صحيته ملاعق من .... أهداها للسلطان الملك الظاهر غيّاث الدين – رحمه الله تعالى – ويسأله قضاء حاجة عرضت له فكتب المملوك عبد الملك يقبل الأرض، وينهي ان هذه الملاعق الأربع: [من الطويل]
شكت ظماً لمَّا ثوت في فنائنا ... وجوعًا فقالت: ليت ربعكم قفر
رزءتم بموت أم رزءتم بفاقة ... أم انتهكتكم بالغلا والجلا مصر
قضى الجود والأجواد والزَّاد نحبهم ... ام ارتحلوا واستوطن الجوع والفقر
فكم انا في ضنك من الجوع ليتني ... قضيت ولن يقضى علىَّ به شهر
وتبًا لربع لا أرى فيه متجراً ... سوى باخل في ربحٍ رؤيته خسر
فقلت لها كفِّي سأعطيك مالكًا ... موائده فاستعمي واطعمي ....
مع الفلك الدَّوَّار دارت برزقنا ... ...... لا يستطاع لها حصر
هو الملك الغازي الغياث بن يوسف ... فإقطاعه جمٌّ وإيصاله وفر
هو الملك المحيي المميت ببأسه ... ونائله لا راعني فيهما الدَّهر
مليك يرى في الحرب أسهم عزمه ... تأجَّج نيرانًا ومنبعها بحر
فقالت، وقد أطلقت طوعًا سراحها ... وقد حفَّها إذ خفت في ...
/ ٤٠ أ/ وما عسرةٌ فاصبر لها إن تتابعت ... إلا سيتبعها يسر
لئن نلت ما منَّيتني من طعامه ... فبشراك إذ لا قلَّ من مالك البشر
وعشت سعيداً لا تضام بدولة ... غياثيَّة بالسَّعد يخدمها النَّصر
وكنت الَّذي أهدى بكوراً عرائساً ... قلائدها من درِّ منظومه بكر
стр. 885
/ ٦٤ أ/ ذكر من اسمه عبد المنعم
[٣٦٢]
عبد المنعم بن عمر بن عبد الله بن أحمد بن خضر بن مالك بن حسان، أبو الفضل الغساني السِّندي الجليانيُّ الحكيم الأديب.
كانت ولادته بقرية، تدعى جليانة من قرى غرناطة من مدن الأندلس، في سابع المحرم سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة.
/ ٦٤ ب/ وكان صاحب رياضة وحكم ومعرفة قويه بالبِّ والأدب والعروض والنحو؛ وله تصانيف في علم الرياضيات والتشريح.
وكان شاعراً مطيلًا متوسعًا في الشعر، طاف البلدان واخترق الآفاق، ثم سكن بأخرة في دمشق في أيام الملك الناصر صلاح الدين أبي المظفر يوسف بن أيوب بن شاذى - رضى الله عنه -، وتوفي بها في صفر سنة إحدى وستمائة.
انشدني شيخنا أبو الخير بن أبي المعمر التبريزي المحدثِّ؛ قال أنشدني الحكيم أبو الفضل عبد المنعم بن عمر بن حسان الغساني ﵀ لنفسه، يمدح الملك الناصر صلاح الدين، ويهنئه بفتح بيت المقدس؛ وكان فتحه السبت السابع والعشرين من رجب سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة - حرسه الله تعالى وحماه بمنِّه ولطفه -: [من البحر الطويل]
стр. 886
لقد أوسع الله الفتوح بعامنا ... وخيَّس منها المصعب المتابدا
أمورٌ نبت عنها العقول وأذعنت ... بأنَّ اختصاص الحظِّ لله موحدا
/ ٦٥ أ/ تحرَّك شخصا حرَّك الأرض جائلاً ... وهزَّ من الشُّهب الذَّوائب مصعدا
ولقَّبه بالنَّاصر الملك يوسف ... ونقَّبه نور المهابة سيَّدا
والهمه حسن الشمائل مجملًا ... وفهَّمه أسمى الفضائل محمدا
يزيد على عظم المرام تواضعًا ... ويدنو على بعد المقما تودُّدا
أتته وفود الخافقين فعاينوا ... حلى مالك قد أتلع .... فرقدا
ينوِّع أثناء النهار سياسة ... ويقطع آناء الدُّجى متهجِّدا
ويرمق أحوال المدائن حافظاً ... وينفق أموال ... فتنفدا
أحاط بملك الأرض خبراً وقوةً ... وحاط ضروب الخلق خيراً ومرفدا
فوفَّى بفضل من قضاياه مترعًا ... وأصفى لكلِّ من عطاياه موردا
وأروت نفوس السائلين بنانه ... فلم أدر بحراٌ مدِّ للناس أم يدا
سا بحسام واسترقَّ بأنعم ... وما المجد إلاّ في الشجاعة والنَّدى
فنمدحه حبًا ويعي تبرعًا ... فيعجزنا شأواً ويشأى ممجَّدا
رأيت علاه مالها .... مثلها ... بدائع نظم وامتداحاً مخلَّدا
فقلَّدته سلكًا عزيزاً وجوده ... كما لم نجد ملكًا يضاهي المقلَّدا
كذا فليكن صوغ القريض مسمَّطًا ... تفاصيل إعجاز ووشيًا منجَّدا
/ ٦٥ ب/ ولفظًا كما تحكي الدَّراريُّ تحته ... معان كما ترمي الأشعة أنجدا
قرائن أحوال ومعلم سيرة ... وحكمة أمثال وعلمًا منضَّدا
إذا الشِّعر لم يحك العلوم فقد حكى ... جعاجع أصوات ولغواً مفنَّدا
ولولا اصطناع الحلم لم يك باقلٌ ... ليحضر في ميدانً سحبان منشدا
لاوجه أرباب السماح طلاوةٌ ... تعلِّم طلاَّب النجاح التَّرددا
وقيمة قدر الشيئ قيمة ذكره ... فما راق وصفًا فاق صيتًا منددا
стр. 887
وهذا مليكٌ أمره غيث عصره ... فسيرته تبقى حيّاً متورِّدا
فيسقى بها الظَّمان للعلم مسنتًا ... ويرقى لها الدَّيان في الحكم مسندا
ينال الفتى بالصبر مقسوم حظَّه ... وكم جاهد في الحرص ما نال مقصدا
عجبت من الأيام تطوى كمائنًا ... إذا انتشرت أعيت نجيباً ومنجدا
وكنت أرى ذا الفتح من قسم يوسف ... فلله ذاك القسم ما كان أسعدا!
ولله يومٌ هلَّ فيه ولادةٌ ... لقد اب مولوداً وبورك مولدا
لفى مطهراً من هَّر القدس واحتوى ... بني أصفر سبيًا وقتلاً تعمُّدا
هو المسجد الأقصى وهم شوكة الوغى ... فما كان لولا الله يخلص معبدا
/ ٦٦ أ/ هنيئاً لبيت القدي ألآن طهره ... وللنَّاصر المنصور غبطته غدذا
فيا خير ممدوح وأطهر مجتبى ... وأسعد ممنوح وأبهر محتدا
مديحك أحلى في فمي من جخى المنى ... ومن طعم برد الماء عذبًا على الصَّدى
وأشهى سماعًا من حديث حبائب ... يلدُّ لها عهد الصِّبا متجدَّدا
أسامر فيك الشِّعر مستمتعًا به ... فأبسطه بسط الحميَّة في النَّدى
أودُّ لو أنَّ البيت ألف قصيدة ... وكلُّ قصيد ألف حزب تردُّدا
وكيف اقتصارٌ في مدائح يوسف ... وقد بذَّ غايات السَّوابق في المدى
سرى وهو نورٌ قاهرٌ بلطافةً ... وحلَّ بن صوت العلا فتجسَّدا
ولو لم يلح للناس ما علموا فتى ... سما كلَّ عال وهو يرتاد مصعدا
فكل ابتداء في معاليه منتهى ... وكلُّ انتهاء في تعاليه مبتدا
وأنشدني قاضي اليمن لعبد المنعم بن حسان: [من مخلّع البسيط]
يا ساهراً في اقتناء علم ... بخطب منه مقام محكم
لا تطلب العلم في كتاب ... بل وسِّع الكمَّ ثمَّ عمِّم
والبس من .... طيلسانًا ... واعقده بالمنكبين واختم
واقعد مع القوم في جدال ... لا بالبخاري ولا بمسلم
/ ٦٦ ب/ إلّا صياحًا ونفض كمٍّ ... وجمع لا لا وعقد لم لم
وما أرى بينهم علوماً ... اكثر من لا ولا أسلِّم
стр. 888
وقال أيضًا: [من الوافر]
عجبت لخططوة حصلت لقوم ... تعاف سلوكهم همم الرَّجال
لهم زيٌّ وألقابٌ عظامٌ ... وهم في الجدِّ من همج الرِّجال
ونالوا ما أرادو بالدعاوى ... كما نال المبرِّز في الخصال
فقد ضاع اجتهاد أخي التَّحرِّي ... إذا حصل التَّقدم بالمحال
وقال وأنشدني عنه الشيخ حافظ أبو عبد الله محمد بن محمود بن الحسن البغدادي؛ قال أنشدني عبد المنعم لنفسه؛ وقد سئل عن إعراض زيارة الأكابر والرئساء: [من الكامل]
قالوا نراك عن الأكابر تعرض ... وسواك زوَّارٌ لهم متعرِّض
قلت الزِّيارة للزمان إضاعةٌ ... وإذا مضى وقتٌ فما يتعوَّض
إن كان يومًا لي إليهم حاجةٌ ... فبقدر ما ضمن القضاء تقيَّض
/ ٦٧ أ/ انشدني شهاب الدين القوصي، بمنزله المعمور بدمشق في المحرم سنة أربعين وستمائة. أنشدني عبد المنعم الحكيم لنفسه: [من المتقارب]
اشدُّ بلاء الرجال النسا ... بهم أبدا الدهر منهنَّ داء
إذا ما بعدن فعيشٌ يسوء ... ومهما قربن فنفسٌ تساء
يكلفن ذغ المال ما لا يطيق ... ويلزمن ذغ الحال ما لا يشاء
ويقضين لابدَّ ما يشتهين ... ولو ان حارسهنَّ القضاء
وأنشدني، قال أنشدني لنفسه: [من البسيط]
قالوا نرى نفراً عند الملوك سموا ... وما لهم همَّةٌ تسمو ولا ورع
وأنت ذو همَّة في الفضل عالية ... فلم ظمئت وهم في الجاه قد كرعوا؟
فقلت باعوا نفوسًا واشتروا ثمنًا ... وصنت نفسي فلم أخضع كما خضعوا
قد يكرم القرد إعجابًا بخسَّته ... وقد يهاب لفرط النَّخوة السبع
وأنشدني: قال أنشدني من شعره: [من الكامل]
стр. 889
إن قيل من فحل الرجال فقلت في ... مستحكم الأقوال والآراء
ذربٌ بتقليب القلوب مجاذبٌ ... للنافرات بألطف استهواء
/ ٦٧ ب/ وأنشدني أبو الفتوح بن أبي الغنائم بن أبي بكر البغدادي؛ قال أنشدني عبد المنعم بن عمر الجلياني لنفسه بحلب: [من الطويل]
وصفراء لولا نفحها ومذاقها ... لقلت نضارٌ في الأباريق ذائب
من الماء فيها للحباب عمائمٌ ... وللنُّور منها في الأكف ذوائب
وقال أيضًا: [من الكامل]
حاول مفازك قبل ان تتحوًّلا ... فالحال آخرها كحالك أولا
إنَّ المنيَّ من المنيَّة لفظة ... ليدُّل في أصل البناء على البلا
ومن شعره يقول: [من الطويل]
وقائلة كيف استطعت تجلُّداً ... لضحك فلان وافتراء فلان
فقلت لها يا هند لو كنت ناظراً ... إليهم مضى بين الفصول زماني
حعلت بني الدنيا جميعًا لواحد ... وقد حلَّ فيه الموت احة فاني
وماذا عسى أن يغني الموت وهو في ... تقاذف أمواج من الحدثان
فشمَّرت ذيلي عنهم متحلِّيا ... وألقت فيما قد عناني عناني
ولم ألتفت إن أعرضوا او تعرَّضوا ... أو اعترضوا مستهزئين ....
/ ٦٨ أ/ أرى مدحهم سهواً وذمهم سدًى ... وهل ذو نهى يصغي إلى الهذيان
فلو حصَّنوا الأوقات كان سلوكهم ... لتصحيح فعل او صفاء جنان
ولو شعروا في خصلة بفضيلة ... لما نطقوا في فضله بلسان
وقال أيضًا: [من البسيط]
قالوا رموك ببهتان فقلت لهم ... يا هند لو عقلوا لم يرتضوا الفندا
ما العاقل الحرُّ من تنسى معائبه ... وقد حضرن ويغتاب الَّذي بعدا
قالت: فما لك لا تنفي اعتراضهم ... وتدفع الوهم عمَّن ساء معتقدا
فقلت لي شغلٌ عنهم ولو شغلت ... نفسي بهم صرففت عن نهج من رشدا
إن كان دينهم يقضي لهم حسدا ... فديننا يقتضي أن ننفي الحسدا
стр. 890
إن أدرك المرء ما الإحسان ما وعدا ... فما نبالي بمن رام الأذى وعدا
وليس منا فتى للعرض منتصرٌ ... لسوء سعي ولا ماَّا فتًى حقدا
وكل نفسٍ لها شأنٌ ومنبعثٌ ... وغايةٌ نصبت ..... لها أمدا
وقال أيضًا: [من الكامل]
قالوا نحجُّ البيت قلت يجوز ... قالوا متى قلت القضاء عزيز
لولا الرِّيا ما حجَّ أكثر من ترى ... من ذا بإخلاص الضمير يفوز
/ ٦٨ ب/ فيالحجِّ أخطارٌ غنيٌ رُّبنا ... عن فعلها والشرع والتمييز
حشر اللصوص له كحشر حجيجه ... فبكلِّ شبر قاطعٌ مركوز
في يثرب جهراُ وفي أم القرى ... يسبى كريم المال وهو حريز
وعلى الظَّواف وفي الآل والورى ... ...... للصوص حفيز
حرم لدى حرم .... فتصدُّ عن صدر الكعاب عجوز
وعزيز وفر جاء مكَّة فانثنى ... والعزُّ عنه والعنا محجوز
وتشاغلٌ وقت الصلاة وفتنةٌ ... وتقاطع وتدابرٌ ونشوز
ولو انَّه أمنٌ وبرٌّ خالصٌ ... فبعشره الجمَّال ليس يحوز
ورأيت له كتاباً مشجراً، ترجمه: ب "منادح الممادح" وروضة المآثر والمفاخر من خصائص الملك الناصر" يعني صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شاذي –رحمه الله تعالى – وهو يحتوى على نظم ونثر، جعله منطويًا على أثنتي عشرة مدحةً وهو غريب في وضعه جداً.
/ ٦٩ أ/ حدثني القاضي أبو القاسم عمر بن أحمد بن أبي جرادة الحنفي – أيده الله تعالى -؛ قال: أخبرني السديد بن عمر القفصي؛ قال كان عبد المنعم الجلياني قليلًا ما يمتدح الناس، وكان يمدح الملك الناصر جالسًا، وعمل له كتابًا في مدائحه مشجراً، وكان السبب الَّذي دعاه إلى عمله، أنَّه لزمه دين مقداره ثلاثمائة دينار، وعمل في هذا الكتاب مشجرات في مدحه، وحمله إليه، فلما وقف عليه لم يهتد إلى قراءته، فطلب عبد المنعم ليحَّل المشجرات، وكان بحضرته إنسان يقصده، لم يسعه عند طلبه إلا إحضاره. فلما حضر حلَّ له المشجرات، فاستحسنها وساله عن حاجته؛ فقال: علي
стр. 891
دين أطلب قضاءه، فتقدم إلى الديوان أن ..... بدينه، فلما خرج؛ قال له ذلك الرجل الَّذي يقصده: هذا عليه ثلاثمائة دينار! فأمر الديوان أن ..... ثلاثمائة دينار، ويطلق له ثلاثمائة دينار أخرى. فأراد ذلك الرجل أن يضره فنفعه.
وقال القاضي؛ وسألت السديد عمر عن حاله فوصفهخ بالفضل والعلم؛ قال لي: وكان يميل إلى الحكمة.
/ ٦٩ ب/ وكان كاتبًا في بلاد المغرب للوزير عمر، فرجد عليه فضربه ثمانين سوطًا، فكان ذلك سبب خهروجه إلى هذه البلاد.
وحدثني القاضي أو القاسم، قال: حدثت عن عبد المنعم انه كان في مجلس الملك الناصر صلاح الدين؛ فقال له القاضي الفاضل ليغضّ من قدره نسبته إيّاه إلى قرية: كم بين جليانة والمريّة؛ فقال مجيبًا له في الحال: مثل ما بين بيسان وبيت المقدس.
قال أبو محمد عبد الرحمن بن بركات بن شحاتة، سمعت الأمير أبا الحسن علي بن إيداش يقول: سمعت عبد المنعم الجلياني يقول: لبست البلاس فعاتيني بعض أهلي على ذلك؛ فقلت: [من المتقارب]
وقائلة لم لبست البلاسا ... ولم تره قبل هذا لباسا؟
فقلت لها لو رأيت الَّذي ... رأيت لخالفت هذا القياسا
ولي بالرِّياض وربِّ الحمى ... حبيبٌ حمى مقلتيَّ النُّعاسا
أخاف إذا ما رأى لبستي ... سوى جبَّة أن يراها التباسا
ويحسبني ناسيًا عهده ... وبئي الحبيب حبيبٌ تناسى
/ ٧٠ أ/ قال أبو الحسن القطيعي: أنشدنا عبد المنعم لنفسه في الشوق:
[من الخفيف]
عيَّروني بأنني مستهام ... ولمثلي يلذُّ فيك الهيام
شوَّقوني إليك ثمَّ تولوا ... عجباً كيف أيقظوني وناموا
ونديم سقاني السِّر صرفًا ... فسكرنا وليس ثمَّ مدام
حثَّ كأسًا ممَّا هناك دهاقًا ... فاستطارت لدورها الأحلام
стр. 892
أين أهل الأذواق قوموا فشقُّوا ... كلَّ جيب فالآن طاب المقام
نسمت من حبيبنا نفحاتٌ ... فعلى العيش بعدهنَّ السَّلام
[٣٦٣]
عبد المنعم بن عبد الله بن الخضر بن محمد بن الحسين، أبو محمد بن أبي البركات الموصليُّ، المعروف بابن الشَّيرجِّى.
كان والده متقدمًا في الفقه، على مذهب الإمام الشافعي – رضى الله عنه – وابنه هذا أبو محمد كان فقيهًا جيداً، عالمًا فاضلًا من أهل الصلاح والدين، قرأ على والده الفقه، وروى شيئاً من الحديث عن أبى بكر محمد بن علي / ٧٠ ب/ بن ياسرؤ الجيّاني الأنصاري، وسمع عليه جماعة، وكان يقول المقطعات من الشعر في الآداب والحثّ على طلب العلم، وغير ذلك مما يتعلق بهذا الفن.
أنشدني الخطيب أبو النجا يالم بن عمر بن سالم الموصلي، قال: أنشدني أبو محمد عبد المنعم لنفسه: [من السريع]
قول الفتى لا علم لي بالذي ... سألتني من جملة الفضل
وما على العالم في قول لا ... أعلم من قوم ولا عذل
والجاهل الآنف من قول "لا" ... مخالفٌ للشرع والعقل
قد قال عن إبن أبي طالب ... وابن عبَّاس أولو النَّقل:
إنهمالم بأنفا قولها ... فكيف يأبى قولها مثلى
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني أبو محمد لنفسه: [من الخفيف]
ليس للعلم غايةٌ يقف الطَّالـ ... ـب عند التَّحصيل يومًا عليها
طالب العلم كلَّما ازداد علمًا ... ألبسته العلوم شوقًا إليها
شرفت نفس عالم تطلب العلـ ... ـم لتحوي علم الرجال لديها
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من البسيط]
/ ٧١ أ/ سأطلب العلم في الآفاق مجتهدا ... فالعلم بحرٌ وفيه الدُّرُّ مستتر
стр. 893
يا صاحب العلم لا تبغي به بدلاً ... فالمال يفنى وكنز العلم مدَّخر
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفيه: [من السريع]
صغير ما تجهله عندما ... تسأل عنه بين جمع كبير
لا تحتقر فائدة لم تكن ... عندك أن تأخذها من صغير
فالعلم مثل القطر في لطفه ... تمَّت ينمو منه بحرٌ غزير
[٣٦٤]
عبد المنعم بن عبد العزيز أبي بكر بن عبد المؤمن، أبو الفضل القرشي العبدري الاسكندري، المعروف بابن النَّطرونيِّ.
والنرون هو البورق، يكون بنواحي مصر.
كان فيها عالمًا فاضلًا فرضيًا حاسبًا خيراً، متفننًا في علم العربية والتصريف، قيِّمًا بعلم الأدب واللغة، شاعراً مدَّاحاً إمامًا في الشعر.
سافر إلى الملوك، وامتدحهم وسيَّر فيهم مدحًا كثيراً، وكان قد مضى / ٧١ ب/ إلى ..... في رسالة بإفريقية، فحصل لع منه عشرة آلاف دينار مغربية، فرَّقها جميعها على معارفه وأصدقائه.
وتوجَّه إلى العراق، فأقام ببغداد مسترفداً على عادة الشعراء، فمدح الإمام أمير المؤمنين الناصر لدين الله – رضى الله عنه – وأنعم عليه إنعامًا وافراً، وتعلَّق بخدمة ديوان الخلافة، وصار أحد شعرائه، وولي رباًا بجانبها الغربي، يعرف بربا العميد شيخ الصوفية، وناظراً في وقفه ومصالحه، إلى أن مات ليلة السبت خامس جمادى الآخرة سنة ثلاث وستمائة، ودفن في الشُّونيزيّ – رحمه الله تعالى -.
ووجدت له كتابًا بخط يده، ترجمه "النبذ الأبريزية في المدائح العزيزية" تحتوي
стр. 894
على ذكر نفر من الشعراء الذين امتدحوا الملك العزيز أبا الفوارس طغتكين بن أيوب بن شاذي، وختم الكتاب بقصيدة من قيله.
أنشدني أبو يوسف يعقوب بن علي بن نصر الله الموصلي؛ قال: أنشدني أبو الفضل عبد المنعم بن النروني لنفسه يمدح / ٧٢ أ/ اتابك نور الدين أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن زنكي بن آق سنقر –صابح الموصل ﵁:
[من السريع]
ماقبل العاشق ممَّن نهاه ... ولا درى الغافل ما قد جناه
ولو درى من تاه في حسنه ... أنَّ لمن يهواه جسمًا أتاه
هيهات يبقى جسمه بعدما ... ضاعف في يوم نواه جواه
يا قوم ما أقرب يوم النَّوى ... وأبعد المشتاق ممَّن نواه
ليت زمانًا كان عهدي به ... من قبل أن يجفو جفاه كراه
يزورني وهنًا فأشكو له ... وإنَّما يشكو المعنَّى عناه
وكيف لا يشكو الهوى مدنفٌ ... هوانه أيسر ما في هواه
ومن يبت مثلي قريح الحشا ... لم ير يومًا لأساه أساه
وفي الحمى ذو عبث لم تزل ... جوارحي مجروحةً من أذاه
ظبيٌ من التُّرك لبه مقلةٌ ... تغنيه في يوم الوغى عن ظباه
كأنما قامته صعدةٌ ... أو غصنٌ معتدلٌ من نقاه
لو أنَّه قابل شمس الضُّحى ... رأيتها في خجل من سناه
/ ٧٢ ب/ شهدت أنَّ الشَّهد في شغره ... ولم أن بالله ممَّن جناه
لكنَّني أعلم أنَّ الجوى ... شفاؤه ما قد حوته الشِّفاه
يا حاديًا بات بنا ساريًا ... والعيس لا تسأله عن سراه
في جنح ليل لو بدا صبحه ... لكاد يخفيه علينا دجاه
ومهمه متَّسع خرقه ... فيه عزيف الجنِّ عال صداه
قل لمطًايانا إذا ما اشتكت ... طول السُّرى أو قطع عرض الفلاه:
إذا وصلنا الموصل استبشري ... ويمِّمي درا أرسلان شاه
أتابك الملك الَّذي لا يرى ... خير ملو الأرض من لا يراه
стр. 895
العالم العادل بين الورى ... إلَّا على ما قد حةته يداه
من قاس بالبحر ندى كفِّه ... فإنِّه عظَّم قدر المياه
ومن يشبِّهه بأسد الشَّرى ... فإنه من أمره في اشتباه
ملكٌ إذا عدَّدت أهل العلا ... رأيتهم قد قصَّروا عن مداه
راحته فيها لمن أمَّه ... راحته بين الحيا والحياه
وكفُّه كفَّت صروف الرَّدى ... وشتَّت بالبطش شمل العداه
مهذَّب الآراء ذو همَّة ... تبلغ بالأمن إلى منتهاه
/ ٧٣ أ/ سار على سيرة آبائه ... في حلمه عنء قدرة والأناه
وقام بالملك قيام الألى ... قد أسسوا المجد وشادوا بناه
قالناس فيه بين داع له ... وشاكر ما عنجه من نداه
يا ملكًا موطنه في الثرى ... وفوق أفق النجم سامي علاه
ومن إذا أقبل في موكب ... تزاحمت فوق التراب الجباه
أنت الَّذي لله في ملكه ... سريرةٌ يظهر منها هداه
أنت الَّذي لم يحو ما قد حوى ... من العلا والمجد ملكٌ سواه
أنت الَّذي اختار صلاح الورى ... فاختاره الله لهم واجتباه
مولاي نور الدِّين خذ ضرمةً ... قد خلع الحسن عليها حلاه
وقد أتت باسمك موسومةً ... ووسمها باسمك عزٌ وجاه
وما أراها بلغت مقتضى ... وصفك بالمدح على مقتضاه
فابسط لها عفوك إن قصَّرت ... فإنه ما زال رحبا ذراه
واهنأ بعيد أنت عيدٌ له ... وواجبٌ فيك علينا هناه
ونقلت من خطِّه قوله يمدح العزيز أبا الفوارس / ٧٣ ب/ طغتكين بن أيوب بن شاذي: [من الخفيف]
ما لداء الهوى الدَّفين دواء ... فليقل عاذلي إذاً ما يشاء
كيف أيلو الهوى وللبيض ..... ... ما لقلب من أجلها سوداء
صاح إن كنت بالمدامة غرَّاً ... فأدر إنَّ الملام لي أغراء
بادر العيش فالتفاوت في الفر ... صة والناس في المنى أكفاء
стр. 896
لا تكن وانيًا عن السير في اللَّهـ ... ـو إذا أشرقت لك الصَّهباء
إنما لذَّة النَّديم مدامٌ ... وغناءٌ وروضةٌ غنَّاء
شعشع الراح فهي ويك النَّفـ ... ـس وفيها لكلِّ جسم عناء
وأجلها في الكأس فهي نجومٌ ... كلُّ أرض تدار فيها سماء
واسقنيها محروسة من أذى المز ... ج فما يطرب العقول الماء
واستبق للسُّرور في مجلس فيـ ... ـه سريرٌ يعزى إليه العلاء
واغتنم فالزمان فيه هناءٌ ... للبرايا وللغرير بقاء
ملكٌ ربعه خصيبٌ وداعيـ ... ـه مجابٌ ووعده إيفاء
كل يوم له التفاوتٌ لراجيـ ... ـه وفي كلِّ ساعة إعطاء
لا تقس بالبحار نائل كفَّيـ ... ـه فما إن لخنصريه كفاء
/ ٧٤ أ/ ومنها قوله:
هممٌ تفضل الوجود وقدرٌ ... دون أدنى غاياته الجوزاء
وعلاً لا ينالها الدَّهر راجٍ ... وندى لا يخيب فيه رجاء
سعدت أولياؤه بأياديـ ... ـه وخابت بعزمه الأعداء
شهدت بالنَّدى له العرب والعجـ ... ـم وسارت بفضله الأنباء
بهرت واصفيه أوصافه الغرُّ فماذا تقثوله الشعراء
ومنها يقول:
هكذا هكذا تكون السجايا ... هكذا هكذا يكون الثناء
فيك سيف الإسلام ما أعجز الدَّهـ .... ـر فما أنت والملوك سواء
دمت في عيشة تطيب وقدر لا يسامى وغبطة لا تساء
وبلغت الَّذي تؤمِّل في الدَّهـ ... ـر ونالت عدوَّك الاواء
وأنشد في الصاحب الوزير القاضي الأكرم أبو الحسن علي بن يوسف بن إبراهيم القفطي، قال: أنشدني عبد المنعم بن النطروني لنفسه / ٧٤ ب/ بقفط، يمدح الأعَّز يوسف بن صالح بن مهدي – قاضي فقط -: [من الطويل]
تقبلَّته في قلبة حين أسعفا ... وقبَّلته لمَّا وفى لي إذ وفى
стр. 897
وعاتبته إذ لاح بدراً مكملاً ... وعانقته إذ ماس غصناً مهفهفا
وعاينت من خدَّيه لمَّا توردا ... عذارين من أس وورداً مضعَّفا
أقيما له عذري عليَّ وعنده ... ولا تحسباني بنت عن أرضه جفا
وإن أنتما سوئلتما عن قضيتي ... فقولا جميعاً راح يقصد يوسفا
هو الماجد النَّدب الَّذي من يؤمه ... يؤم أعم الناس برَّاُ وأشرفا
[٣٦٥]
عبد المنعم بن عليِّ بن نصر بن منصور بن هبة الله النهريُّ، أبو محمد الحرَّاني، المعروف بابن الصَّيقل.
كان من فقهاء الحنابلة، عالمًا واعظًا، أخذ الفقه عن أبي الفتح نصر بن فتيان بن مطر الحنبلي الفقيه المعروف بابن المنى النهرواني، وسمع الحديث من أبي الفتح بن برشاتيك وأبي السعادات ابن زريق وتكلم / ٧٥ أ/ في الوعظ، وكان متديناً وراعًا، سكن بغداد إلى أن توفي بها يوم الخميس سادس عشر ربيع الأول سنة إحدى وستمائة، ودفن بباب حرب.
أنشدني أبو الفضل عمر بن علي بن محمد بن يحيى بن هبيرة حرّان، وأقمت بمصر في صدر كتاب: [من الطويل]
وكنَّا نرى حرَّان أطيب منزل ... فمذ غبتم عنها استبانت عيوبها
وبان لنا صدق الَّذي قال قبلنا: هوى كلِّ نفس حيث حلَّ خبيبها
وقال يرثى شيخه أبا الفتح أبن المنيّ: [من البسيط]
إن روَّق الليل جافى الجنب مضجعه ... يبكي بمدع غزير واكف هطل
وإن بدا مشكلٌ في الشرع منغلقٌ ... أتى به ظاهراً فوراً على عجل
стр. 898
فرحمة الله تتلوه وتنقله ... إلى الجنان وهذا غاية الأمل
[٣٦٦]
عبد المنعم بن نصر الله بن أحمد / ٧٥ ب/ ن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن حواريِّ بن حطَّان بن المعلى بن حطَّان بن سعد بن زيد بن لوذان بن غنم بن الساطع، وهو النعمان بن عدِّ بن غطفان بن عمرو بن شريحٍ، أبو الفضل بن أبي الفتح التنوخيّ.
أصله من معرّة النعمان، وهو دمشقي الولادة والمنشأ، فقيه حنفي عالم بالخلاف ومسائله، ..... لأصحاب أبي حنيفة (رضى الله عنه) وسمع حديثاً كثيراً بالشام، وكان يعظ الناس على المنبر، ويحفظ القرآن، وعرف تفسيره، وشخص إلى الديار المصرية، فتوفي بها في أحد الربيعين سنة تسع وعشرين وستمائة، وكانت ولادته سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة.
وكان منقطعاً إلى الملك المعظم شرف الدين عيسى بن محمد بن أيوب -صاحب دمشق- وبعده لأخيه الملك الأشرف مظفر الدين موسى.
أنشدني نصر الله ولده بمدينة إربل؛ قال: أنشدني والدي لنفسه يمدح الملك عيسى: [من الكامل]
إنِّي عتبت على العهاد بحلِّق ... فأجابني ودموعه تتقاطر
كيف القفول إليكم ومليككم ... عيسى المعظَّم وهو بحرٌ زاخر
/٧٦ أ/ وأنشدني؛ قال: أنشدني فيه أيضاً يمدحه: [من البسيط]
أحيا النفوس بإحياء الرَّجاء لها ... فلم يشكَّ الورى في أنَّه عيسى
وكم له من يدٍ بيضاء قد ظهرت ... للناظرين فقالوا إنَّه موسى
стр. 899
[٣٦٧]
عبد المنعم بن صالح بن أحمد بن محمد التيميُّ القرشيُّ الاسكندري النحويُّ الأديب.
إمام كامل ذو فنون من العلوم، متوحد فيها، / نزل تمصر وهو بها مقيم، يقرئ العلم والأدب، ويفيد الناس، وهو رجل مطبوع المعاشرة، طريف الجملة والتفصيل، له شعر حسن في الهوجو.
أنشدني أبو إسحاق إبراهيم بن أبي عبد الله إبراهيم الأسكندري؛ قال: أنشدني أبو الفضل صالح بن أحمد بن محمد التيمي النحوي الأسكندري لنفسه، في وزَّان كان بين يدي صفي الدين عبد الله بن علي بنشكر المصري، وكان اسمه "حسناً": [من المنسرح]
يا حسناً نونه مقدَّمةٌ ... فلا رعا الله من يؤحِّرها
/٧٦ ب/ كلُّ أيادي الصَّفيِّ صافيةٌ ... لكنَّ وزَّانها يكدِّرها
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه في إنسان يعرف بالهدهد جاءه ولدٌ أسود:
[من الرجز]
قد ولد الهدهد أعجوبةً ... غراب نوحٍ أسوداً حالكا
ما صدق الهدهد فيما ادَّعى ... بل كذب الهدهد في ذلكا
وأنشدني؛ قال: أنشدني عبد المنعم لنفسه في إنسان يعرف بالتالحيب بن شكر؛ قراءته على خر الفيل أبي الحسين: [من البسيط]
ذا التَّالحيب بن شكر في قراءته ... على خرا الفيل معنًى غير مشكول
ما كان يغمز منه طول لحيته ... وعرضها أبداً إلاَّ خرا الفيل
стр. 900
وقال في الشرف بن الحباب –قاضي ثغر الإسكندرية- من قصيدة أولها:
وماذا على البين الَّذي كان جائراً ... إذا ما تعدِّى الجور فينا إلى العدل
شفانا من البين اجتماعٌ من الشَّمل ... فصلنا على جيش القطيعة بالوصل
стр. 901
/١٥٣/
ذكر من اسمه عبد الواحد
[٣٦٨]
عبد الواحد بن أبي سالم بن جعفر بن محمدٍ، أبو محمد] المصريُّ.
كان فقيهًا شافعي المذهب، شاعراً يعرف الأدب والعروض، ويحفظ كثيراً من أشعار العرب.
ورد مدينة السلام، ونزل بالمدرسة النظامية واثبت بالخبز والمشاهرة، ودفن بجانبها الشرقي بدرب الخبازين.
وكان حاذي اللسان من الشعراء المذكورين في خدمة الديوان العزيز الناصري وله في الإمام الناصر لدين الله -أمير المؤمنين- مدائح كثيرة.
أنشدني أبو الحسن علي بن محمد بن صدقة الخفاجي البغدادي الشاعر؛ قال: أنشدني أبو محمد المصري لنفسه من قصيدة: [من الكامل].
بيضاء قد لعب الصِّبا بقوامها ... وأقام فيه قيامه العذَّال
رأت انهمال مدامعي فتبسمت ... فنضت عقيقاً عن عقود لآلي
/٧٧ ب/ ... معاطفها الوشاح فاسلمت ... شمل العبير إلى هبوب شمال
أو ضلَّ واشيها المضلِّل أنَّني ... سالي الهوى في ريقها السَّلسال
ومنها:
أو أنَّ قلبي راح منها خالياً ... أو من هواها في الزمان الخالي
ما روح بلبالي غداة تحمَّلت ... في الظَّاعنين مجدَّد بل بالي
قد قوبلت بالحسن كلُّ جهاتها ... من حيث عنَّت أقبلت بجمال
стр. 902
وأنشدني الشريف علي المظفر بن الفضل الحسيني؛ قال: أنشدني أبو محمد المصري لنفسه، يهجو إبن العصّار اللغويّ البغدادي: [من مجزوء الكامل].
أضحت عيوبك بادية ... لغريب جهلك حاشيه
يا كلب كلب بنى سليـ ... ـم عبيد أهل البادية
ما إن رأيتك مقبلاً ... كالدَّلو نيط برواية
إلاَّ قرأت كأنًّه ... ﴿إعجاز نخلٍ خاويه﴾
وقال أيضاً: [من البسيط]
/٧٨ أ/ الروح في لصمة الساقي إذا نعسا ... والوجد في قول مقتول الصُّدود عسى
ما للهوى مذهوى نجمي بساحته ... أحسنت فيه لمحبوب إلى أسا
لم يبق من جلدي عقبى .... .... إلاَّ الزفير وإنء أعلىً له نفسا
ومن نوى ذا اللَّما ظامٍ موشَّحه ... أغضي لديه فيبدي لحظه شوسا
قد أردف الرِّدف منه في الضّلوع حوّى ... والساق ساق رسياً في الفؤاد رسا
يسعى بكوكب راحٍ من زجاجته ... كأنَّه من سنى خدَّيه قد قبسا
مازلت أمزجهّا من خمر ريقته ... حتى أضاء من الدَّيجور ما التبسا
[٣٦٩]
عبد الواحد بن أبي سالم المصريُّ
يمدح تاج الدين التكريتي: [من الوافر]
بك الأيام مثمرة الأماني ... فدام بها سعودك والتَّهاني
ولازالت حليُّ الفضل يهنى ... ويرفل في مغانيك الحسان
لقد أصبحت تاج الدِّين تاجاً على الإسلام كلِّل بالجمان
وللعلماء قد أصبحت ظلًّا ... ظليلًا للأقاصي والأداني
/٧٨ ب/ وكم لك أوَّل في كلِّ مجدٍ ... ومالك أنت في العلياء ثاني
стр. 903
رددت إلى العلوم علوَّ شأن ... خفضت به مكانة كلِّ شاني
تعوَّد بالمثاني كلَّ يومٍ ... إذا القيت تفسير المثاني
فدم تحيا ليحيا كل ظنٍّ ... بجود منك للعافين داني
وعش لبنيك في عمرٍ طويلٍ .... بعيد الشَّأو ممتدَّ العنان
لتبلغ فيهم وليبلغوا في ... علاك الأمن من غير الزمان
فراقد قد لأحطن ببدر تمٍّ وما في الأفق إلاَّ الفرقدان
لمدرسة النِّظام بلا انتظامٍ ... رفعت محلَّها أعلى مكان
ولم لا تستنير وقد حواها ... إمامٌ جامعٌ كلَّ المعاني
تهزُّك أريحيَّات السَّجايا ... كما هزَّت شمالٌ غصن بان
ويأرج في المحافل منك ذكرٌ ... كنفح النسك في حلل الغواني
إذا ما جال مدحك في ضميري ... حبست به جناتي في جناني
فحلمك لا يزال ملاذ جاني ... وعلمك لايزال تشمار جاني
فدونك مدحةً عن ذي ولاء ... بنشر علاك مرتهن اللِّسان
/٧٩ أ/ فما حاك الوليد ولا ابن أوسً ... لها إبناً ولا الحسن بن هاني
ودم في المجد ما سجعت حمامٌ ... بألحانٍ كألحان الفيان
[٣٧٠]
عبد الواحد بن إبراهيم بن الحسن بن نصر الله بن عبد الواحد بن أحمد بن الحسين، أبو نصر المعروف بابن الفقيه، البغدادي منشاً، الموصليُّ أصلاً.
стр. 904
والدَّسكرة قرية في طريق خراسان، قريبة من شهرابان، من بيت ذوي أملاك وثناية، وثروة وكفاية، وفقه وولاية، ورواية وجراية.
دخل عبد الواحد بن أحمد بن الحسن المعروف بابن الفقيه، إلى بغداد ولازم الشيخ أبا إسحاق الشيرازي –﵀ واشتغل عليه، وانتفع به، وائتمَّ به بالفقه، وصار لا يعرف إلاَّ بالفقيه، وعرف بيته به حتى إنَّ أباه الحسن بن الحصين، صار لا يعرف ألاَّ بأبي الفقيه.
وحسن ظن الإمام المقتدي بالله فيه؛ فجعله وكيله. وجده الحسن بن نصر الله تولَّى أشراف المخزن. /٧٩ ب/ المعمور في أيام المستضيء بأمر الله، وثقة الدولة أبو القاسم الحسن وهو أخو نصر الله، تولى صدرية المخزن المعمور في أيام المستظهر بالله.
وأبو نصر كان شاعراً مجيداً، كاتباً سديداً، فصيح العبارة، متمكناً من القول، أديباً بارعاً فاضلاً، فمن شعره قوله: [من الوافر]
وما متكثِّر النَّظر ...... ... ولكن لا نظير له بمعنى
له وجهان هذا غير هذا ... ومن هذا فوائد ذاك تجنى
يهبِّر عن أمورٍ غائباتٍ ... متى ظهرت إلينا غاب عنَّا
ويركبه من الحشرات شيءٌ سعى فيما عناه وما تعنَّى
ويؤوي من ذوات الِّلف جمعاً ... وممَّا في قرار البحر ....
يثدير جوارحاً ويثير وحشاً ... ويحمل عدَّةً ويروض جنَّا
стр. 905
له تاجٌ ومنطقةٌ فإمّا ... ...............................
وله أيضاً: [من الطويل]
وما حيوانٌ إن يغب عنك شخصه ... فإنَّ فيما أحاجي تلاقيه
تكمَّل إنساناً بتضعيف نصفه ... وتبدي لك البيداء تضعيف باقيه
أملى علي جملة من أقاويله، وما نشدني وزعم /٨٠ أ/ أنه عمل هذه الأبيات بديهاً: [من الكامل]
قم عاطني خمراً يكاد شميمها ... يحيى به المقبور وهو رميم
فكأنَّها شمس الضُّحى ويروجها ... أيدي النَّدامى والحباب نجوم
يسعى بهارشأ كأنَّ رضا به ... ضربٌ زهاه لولوٌ منظوم
في كلِّ سهمٍ من سهام لحاظه ... أجلٌ لمرميَّ به محتوم
دَّبت إلى صدري عقارب صدغه ... فأنا السَّليم بهنَّ وهو سليم
ومن العجائب أنَّ هذا ظالمٌ ... لا يرعوي ومحبِّه المظلوم
وأنشدني لنفسه: [من البسيط]
قم عاطني من شمول الراح شمس ضحًى ... براح بدر دجًى حلو شمائله
مورَّد الخدِّداجي الفرع فاحمه ... عل الرَّوادف واهي الخصًر ناحله
يستل من بين جفنيه لسفك دمي ... مهنَّداً فوق خدَّيه جمائله
ما سحر هارت إلاَّ في لواحظه ... سبي القلوب وفي الأجفان بابله
تخال نور الأقاحي في مقبَّله ... والغصن ما ضمِّنت منه غلائله
من المعين على وجد به ومتى ... ودلَّت لواذعه لجَّت عواذله
أعجب به معرضاً عني بلا سببٍ ... وفي فأخطأ قلب الصَّبر نائله
كأنَّ في القلب مغناطيس أنصلها ... أو السِّهام كناناتٌ مقاتله
يروم رؤياه طرفي وهو مسهره ... ويشتهيه فؤادي وهو قاتله
وأنشدني أيضاً قوله: [من البسيط]
وشادن بابليِّ الطَّرف لو رشقت ... لحاظه قلب هاروتٍ لما سحرا
стр. 906
كأنَّ غانيةً فتَّ العبير بها ... في فيه لمَّا ترشَّفت اللَّما سحرا
لمَّا أقرَّت بقتلي وجنتاه بدا ... خطًّ العذار على خدَّيه معتذرا
عاطيته في ظلام الليل شمس ضحىً ... درُّ الثُّريّا على كاساته نثرا
فقال لي وثنى من قدِّه غصنا ... وشام مبتسماً من ثغره دررا:
كيف السبيل إليها أو إلى بها ... والشمس ما ينيغي أن تدرك القمرا
فقلت لمَّا رأى فيها محاسنه: ... دع ما سمعت وصدِّق ما ترى نظرا
وأنشدني أيضاً من شعره: [من مجزوء الرجز]
عش خاملاً لا حاملاً ... في رتبةٍ ثقل الحذر
ونم ولا تنم فإنَّ المرتقى فيه الخطر
فالمرء لا يسقط إلَّا إن علا وإن ظهر
والريح لا تقلع إلَّا ما علا من الشجر
/٨١ أ/ وأنشدني أيضاً لنفسه: [من البسيط]
كان الأخلاء في الماضي من الزمن ... نعم الذَّخائر في الأفراح والحزن
واليوم خيرهم من إن علت يده ... بعدُّ كفُّ أذاه اعظم المنن
وأنشدني لنفسه: [من الكامل]
نفسى الفداء لمن سميري ذكره ... وحشاشتي في أسره ووثاقه
رشاً لو أن البدر قابل وجهه ... في تمِّه لكساه ثوب محاقه
يناد ليناً قدُّه فكأنَّه ... غصن الأراك يميس في أوراقه
فمعاطف الأغصان في أثوابه ... ومطالع الأقمار في أزياقه
تبدو على وجناته لمحيِّه ... ما سأل يوم البين من آماقه
طعم السُّلافة ريقه وشعاعها ... في خدِّه والطف في أخلاقه
غفل الرقيب فزارني فوشى به ... في ليل طرَّته سنى إشراقه
حتى إذا ما الليل مدَّ رواقه ... وقضى بجمع الشَّمل بعد فراقه
стр. 907
هجم الصباح على الدُّجى بحسامه ... فظننت أنَّ الصبح من عشاقه
وأنشدني له؛ يلغز في البومة: [من الطويل]
وما حيوانٌ إنء يغب عنك شخصه ... فإنَّ اسمه فيما أحاجي نلاقيه
/٨١ ب/ تصحَّح بتضعيف نصفه ... وتبدي لك البيداء تضعيف باقيه
وأنشدني لنفسه أيضاً: [من الكامل]
قسماً يحبِّك إنَّ في قلبي إلى ... رؤياك حرَّاً منه صبري ذائب
فلو أنَّ أشواقي إليك تجسَّمت ... ضاقت بهنَّ مشارقٌ ومغارب
أو كنَّ لي عملاً يراد حسابه ... أعيا بها الملك الحفيظ الكاتب
وأنشدني لنفسه في ثقيل: [من مجزوء الكامل]
وثقيل طبع من رزا ... نته أديم الأرض شاكي
تقع الزلازل إن مشى ... فالأرض دائمة الحراك
وكأنَّما كره البسيـ ... ـطة تحته كره المحاكي
وأنشدني أيضاً من شعره: [من مجزوء الرجز]
من منصفي من ظالمٍ ... أسهر عيني ورقد
يضحك منَي كلَّماً ... بليت من طول الكمد
فأدمعي وثغره ... عقد عقيق وبرد
لكنَّ ذا منتظمٌ ... وذا على خدِّي بدد
بدر تمام ما بدا ... لناظرٍ إلَّا سجد
/٨٢ أ/ وقال ما قال النَّصا ... رى في المسيح واقتصاد
إذ لم يقل حين بدا ... بأنَّه الفرد الصَّمد
مقتدياً فيه بمن ... للبدر والشمس عبد
حتى إذا صار الضلا ... ل فيه ديناً يعتقد
خطَّ على أسيله ... عذاره لمَّا ورد:
يا قوم لا تفتتنوا ... ما اتَّخذ الله ولد
أعيذه بهل أتى ... وقل هو الله أحد
стр. 908
من كيد كل كائد ... وحاسد إذا حسد
ما فاتك الألحاظ لا ... يفتك في قتلى أحد
فما على المولى إذا ... ما قتل العبد قود
ووجدت له هذين البيتين في غلام رمدت عيناه: [من السريع]
قالوا أهذا رمدٌ أم خبت ... شقائق النُّعمان عيناه
فقلت: كلاَّ سيف الخاظه ... مختصبٌ من دم قتلاه
وقال أيضاً: [من الوافر]
/٨٢ ب/ إذا وردٌ تمرَّض بين قوم ... واحوج أن يداوى كالعليل
وصار الوصل بينهم سبيلاًّ ... إلى هجرٍ وهجران طويل
فذاك القرب أقرب منه نفعاً ... مقاطعةٌ على وجهٍ جميل
وقال أيضاً: [من الرمل]
أنت مادمت غنيًا موسراً ... لك كلُّ الناس خلُّ وحبيب
ذا يداجيك وهذا ودُّه ... لك مبذولٌ وذا منك قريب
فإن احتجت إليهم مرَّةً قلبت عنك وجوهٌ وقلوب
стр. 909
ذكر من اسمه عبد الرازق
[٣٧١]
عبد الرازق بن أحمد بن الخضر بن أحمد بن صالحٍ، أبو محمدٍ العامريُّ الأطرابلسيُّ، المدعو بالبديع.
من شعراء الشام، غزير الشعر يكثر من قوله. رحل إلى الديار المصرية، قاصداً الملك الناصر صلاح الدين أبي المظفر يوسف بن شاذي -رحمه الله تعالى- ليمدحه، واتصل ببني أيوب فسيَّر فيهم مديحاً كثيراً.
ولعلَّ /٨٣ أ/ ديوان شعره يزيد على عشرة أجلاد، ومعظمة مرذول قليل العيون، إلاَّ أنه ما يخلو من فائدة ومعانٍ، وربما مرَّ له أبيات صالحة.
ولم يكن شهر بالشعر كشعراء عصره، وكان يأخذ نفسه بصناعة الترسل، والإنشاء الكتابي؛ صار إلى من نظمه كتاب سمّاه "در المدائح ودرُّ المنائح" وجعل في مقدمته خطبة ذكر فيها فضيلة الشعر ومدحه.
وخرج من مصر طالباً البلاد الجزريّة، إلى مدينة آمد، فانحاز في جملة مليكها الصالح أبي الفتح محمود بن محمد بن داود بن سليمان بن أرتق، فأكرمه وصيَّره أحد ندمائه وجلسائه، فولاه الإشراف على .... بالعربيه ولم يزل متوالياً إلى أن مات بذلك.
وأخبرني من شاهده بآمد، سنة خمس وستمائة؛ وقال: كان شيخاً ربعة يتزيّا بزيِّ الجند، ويلبس القلنسوة ذات القنجس.
وكان مشغوفاًَ بالخمر، مصرَّاً عليها، ذا نعمة واسعة، وحشمة وزي حسن وغلمان، وكان الصاحب ضيائ الدين أبو القاسم أحمد بن شيخ السلامية وزير صاحب
стр. 910
آمد، ..... في حقَّه ويكرمه ويقرِّبه وينعم عليه.
/٨٣ ب/ وكان أبو الحسن علي بن محمد الساعاتي الشاعر بمصر، فاقتضت أن عمل إبن الساعاتي دعوى، وجمع إليه جماعة من أصدقائه، من الديار المصرية، وغيرهم وفي جملتهم عبد الرازق الشاعر، وكان يومئذ مقيمًا بمصر، وكان مع ابن الساعاتي ألف دينار مصرية، فحار أين يخبّئها، فألقاها في حبَّ الماء، وفي ظنِّه أنَّ أحداً لا يفطن لذلك، فشرب من كان عنده كم أصدقائه الماء، واستعملوه، ولم يبق في الحّبِّ ماء، فقام بعض من كان عنده يستقي ماء، فوجد الألف دينار، فأخذها فلما أراد ابن الساعاتي يعينه: [من البسيط]
يا عادم الألف من بعد التَّبذُّل في ... تحصيلها في زمان عزَّ لقياه
قد كان مالك ماء الحبِّ أمَّله ... كما عملت وماء الحبِّ أفناه
وأنشدني أسفنديار بن عثمان بن اسفنديار الديلمي البغدادي بحلب؛ قال أنشدني عبد الرازق له: [من السريع]
/٨٤ أ/ يا ظالماً لولاه ما كان لي ... عند إلهي في غد ذنب
كلَّفتني في الجبِّ ما لم أطق ... وبعض ما كلَّفتني صعب
وقال في الغزال: [من البسيط]
آس العذار أسًى للهائم الدَّنف ... ألفته مذ بدا في الخدِّ كالألف
تعانق الصُّبح والظلماء وائتلفا ... وما ائتلافهما إلاَّ على تلفي
وقال في مثله: [من السريع]
وشادن شدَّ فؤادي الأسى ... في حبِّه شدَّ الزاة البغاث
لمَّا تردَّى الحسن ردَّ الرَّدى ... نحوي وجسمي فيه للسُّقم لاث
عذاره الآسي في خدِّه الـ ... ـورديِّ في السَّلوة والصبر عاث
كالمسك في الجمر انتهى لبثه ... والمسك في الجمر قليل اللّباث
стр. 911
أسرف في الصَّدِّ ولا ذنب لي ... والصَّدُّ لا يحسن فوق الثلاث
وقال أيضاً: [من الوافر]
سياج الورد أحسن كلَّ وقت ... بعين الصَّبَّ من ورد السَّياج
فهذا كالسياج على ظلامٍ ... وهذا كالظلام على السِّراج
وقال في المعنى أيضاً: [من الوافر]
/٨٤ ب/ تبدَّى فوق عارضه عذارٌ ... بذلك عذري واحتجابي
فحار العاذلون له وقالوا ... يواقيتٌ موشَّاةٌ بزاج
فقلت سياج آس فوق وردٍ ... وهل وردٌ يكون بلا سياج
وقال أيضاً: [من الهزج]
عديم الناس من من كان إلى ذي البخل محتاجاً
وما يغنيه ان يفتـ ... ـح نحو الهجو منها منهاجاً
فدع عنط المهاجا ... ة فلن يفلح من هاجى
وقال يستدعي صديقاً له إلى مجلس شراب: [من الرمل]
يوم أنس وسرورٍ وفرح ... وكؤوس قد تغشت بالملح
وشموس كشموس أشرقت ... برجها الكأس وطاسٌ وقدح
ومغنَّ ليس يعدولفظه .... في التَّغنِّي كلَّ معنًى مقترح
وغلام يخجل البدر إذا ... لاح فالَّلا حي عليه ما ألح
فأتنا لا فاتنا منك المنى ... فالمنى معتبقٌ أو مصطبح
وله في القناعة: [من مجزوء الكامل]
إربأ بنفسك أن تكو ... ن لكلِّ من تلقاه عبدا
/٨٥ أ/ إن السؤال مذلَّةٌ ... والقنع يولي المرء مجدا
مرٌّ لم يبلى به ... وأمرُّ منه أن يردَّا
واقترح عليه حسام الدين دمرداش بن عز الدين الجاولي في مجلس شراب، أن يجيز له هذا البيت، وقد غني به بين يديه: [من مجزوء الخفيف]
لي حبيبٌ فديته ... مثله ما رأيته
стр. 912
والشعر للعماد الكاتب، فقال ارتجالاً: [من مجزوء الخفيف]
يا من القلب بيته ... أيُّ شيء جنيته
كلُّ ما ترتضيه لي ... من بلائي ارتضيته
في فؤادي سرُّ العوى ... عن فؤادي خفيته
فلماذا أراك تنـ ... ـشر ما قد طويته
ليت شعري وقلَّما ... نفع المرء ليته
لم غداً يؤثر القطيـ ... ـعة من لي اصطفيته
/٨٥ ب/ بيعة الغبن باعني ... من بقلبي اشتريته
بان لي منه ما اشتهيـ ... ـن وما لا اشتهيته
إن أقل قد سلوته ... منت فما ادعّيته
وإذا غيره ذكر ... ت فإنِّي عنيته
أيُّ سهمٍ إلى فؤا ... دي بكفِّي رميته
ما وقاني منه حسا ... مٌ بمدحٍ إنتضيته
لسماحٍ عنه وعن ... حاتمٍ قد رويته
دام لي مضا شدا امرؤٌ: ... لي حبيبٌ فديته
وتلاه بقوله: يا من القلب بيته
[٣٧٢]
عبد الرازق بن أبي الغنائم بن ياسين التيمي القرشي الضَّرير.
من أهل دقوقا؛ خرج عن بلده سنة خمس وثمانين وخمسمائة إلى إربل ونزل بقرية من قراها تدعى البشقرة، وحفظ القرآن بها على كثير بن عطية الباحباري.
ودخل إربل وأقام بها مدَّة، ورحل /٨٦ أ/ عنها إلى الموصل، ولزم الشيخ أبا الحرم، فجوَّد عليه قراءة القرآن تلقينا، وقرأ على العزّ عبد الكريم بن أحمد بن محمد بن حومية ..... تجويداً
стр. 913
وتوجه إلى بلاد الشام سنة ست وثلاثين، واستوطن دمشق، وتفقه على أبي القاسم عبد الملك بن زيد بن ياسين الدولعي الفقيه الشافعي، واشتغل على تاج الدين الكندي، وقرأ طرفًا من علم العربية، وسمع الحديث، وهو بهات مقيم له حلقة بالجامع يقرئ القرآن، وطرق القراءات وتعليلها.
سألته عن ولادته؛ فقال: تكون تقديراً سنة ثمان وستين وخمسمائة. ومع ذلك، اطبع في عمل الشعر، يقول منه القصائد والمقطعات.
أنشدتي لنفسه؛ بمدرسة الشيخ أبي عبد الله محمد بن أبي الفضل ابن زيد بن ياسين الدولعي في أوائل المحرم سنة أربعين وستمائة في النوق: [من الكامل]
وكريمة تحنو على أربابها ... فتقل أيديهم فويق المنكب
حتى إذا حملت به أهوى لها ... ضرباً وليست بالظلوم المذنب
فإذا العصيُّ تكنَّفت اكنافها ... جاءت كمثل العارض المتحلِّب
/٨٦ ب/ تهي إذا ضُربت بشهد جامدٍ ... وهنا وتحبسه إذا لم تُضرب
وأنشدني لنفسه: [من الوافر]
سل الركبان هن أمة الرَّحيم ... اباقيةٌ على العهد القديم
أم الأيام خلن دوين عهدي ... وصيَّرن المودَّة كالرَّمسم
سقى الله الفراق بكلِّ كفٍّ ... غداة البين شوباً من حميم
ولا برحت يد الأيّام صفراً ... من البين المشتِّ بكلَّ ريم
رويدك حادي الأضغان رفقاً ... بضبٍّ هائمٍ قلقٍ سقيم
رهين صبابة واسير شوقٍ ... مقيمٍ في جوانحه قديم
يعذبك البعاد وفي التَّداني ... فما يينفعك من ألم اليم
ويذكره دقوقة كل وقت ... على سخطٍ النَّوى مر النسيم
فيشرق بالزُّلال العذب طورًاً ... ويفهق تارةً بجوِّى مقيم
وما ينفكّ من ولهٍ وشوقٍ ... إلى تلك المعالم والرٌّسوم
وأنشدني أيضاً لنفسه: [من البسيط]
لا غرو ان صمّ يوم الدّين مسمعه ... وان جرى ساعة التّوديع مدمعه
стр. 914
واهاً المكتئب اودى الغرام به ... ما تاتلي زفرات الوجد تلدغه
/٨٧ أ/ تصرّع الأسد يوم الرّوع سطوته ... لكن عيون المها في السّلم تصرعه
لو لم يلذ بالهوى ما ان من اسف وهناً ولا ذرفت فى الدَّار ادمعه
فى ذا الَّذي لم يذب في الحبّ من كلف ... إذا تلظت بنار الهجر اضلعه
يا حادي العيس لا ذقت الفراق ولا ... ونت عهاد الحيا تسقيك ......
رفقاً بمن بات يرعى النّجم ارقه ... حرّ التفجّع لو يجدي تفجّعه
مولّه قلقٌ حيران اسلمه ... إلى الصّبابة والبلبال مطمعه
حليف شوقٍ اسأل البين عبرته ... لم يدر أن صروف الدّهر توقعه
يخادع الحبًّ خوقاً أن يموت به ... وما توهَّم انّ الحبّ يخدعه
يأوي إلى زفرات ليس يقكعها ... إلَّا التّأوّه آناً أو تقطِّعه
هو الغريب الَّذي أودى بغربته ... حرُّ الغرام وأرداه توجُّعه
إذا تذكر أيّاماً بكاظمةٍ ... فاضت نجيعاً على ما فات ادمعه
وأنشدني لنفسه يتذكر وطنه: [من الرمل]
إنَّ في قلبي من الشّوق حريقا ... يتلظى عند ذكراي دقوقا
موطنٌ كنت به في نعمةٍ ... لا أرى إلَّا ولياً أو صديقا
والغريب الدّار لا يصغو إلىّ ... شرب يوماً ولو كان رحيقا
/٨٧ ب/ وأنشدني لنفسه: [من الخفيف]
إنّ داعي الهوى إليه دعانب ... فدعاني من الملام دعاني
يا خليلي خلّياني وقلبي ... واتركاني شأن الغرام وساني
ضقتُ ذارعاً بذي الملامة في الحبّ ... إن كنتما تنصاحني
وادعواني إلى الصبابة إنّي ... ساجيب الدّاعي بغير تواني
وعداني بوصل من شفني سقـ ... ـم بحبّيه ساعةً فعداني
وانظراني حتى أعلّل قلبي ... بالأمانيّ ريثما تنظراني
لا يغرّنكما انيني ولوعا ... ت فؤداي وفيض دمعي القاني
وبكائي خلف الرّكائب ذيا ... ك سروري وعيشتي وأماني
стр. 915
[ذكر من اسمه عبد الباقي]
[٣٧٣]
عبد الباقي بن نصر بن هبة الله بن يحيى بن رضا، ابن العمرانيّ الأزديّ.
أصل آبائه من قرية تدعى العمرانيّة، من قرى الموصل الشرقية، يكنى أبا المظفر بن أبي الفتح؛ من أبناء الرؤساء الأجلاء، ومن بيت مشهور معروف في الولايات الديوانية، والأعمال /٨٨ أ/ الجليلة السلطانية.
قد صحب الشيخ عبد العزيز بن أحمد بن هاجر الموصلي المقري، وختم عليه القرآن المجيد، وحفظه حفظاً جيداً، وقرأه للسبعة والعشرة، وسمع الحديث، وأتقن صدراً وافراً من فقه الإمام الشافعي ﵁ على أبي المجد إسماعيل بن هبة الله بن باطيش الموصليّ، حتى تميّز فيه.
وكتب خطاص حسناّ؛ وكان يقول الشعر الرقيق، يمدح به الأعيان من الناس، ولم يقصد بذلك أجراً ولا رفداً، وحج بيت الله الحرام، وتزيّا بزيّ أهل الديانة والصلاح، ولم يكن في أهله وعترته مثله، في حسن طباعٍ وسلامة جانب.
نزل مدينة حلب في سنة أربع وعشرين وستمائة، واستوطنها، وكان يرتزق من جامكية المدرسة ... النورية، مضافاً إلى مسجد كان يصلي فيه إماماً الصلوات الخمس، وكان له يد قوية في خياطة السجاجيد والمرقعات وربما تمشت أحواله بها، لكونه لم يكن له جهة غيرها.
لقيته بحلب المحروسة في سنة أربع وثلاثين وستمائة، واستنشدته شيئاً من أشعاره /٨٨ ب/ فأنشدني كثيراً منها، إلاّ أني لم أقيد شيئاً عنه، لأنه كان يضنّ بها، ويعتذر إلى من قصوره في هذا الشأن.
следующие страницы →