«إني رأيت النحويين - رحمة الله عليهم - قد وضعوا صناعة النحو لحفظ كلام العرب من اللحن وصيانته عن التغيير، فبلغوا من ذلك إلى الغاية التي أمُّوا، وانتهوا إلى المطلوب الذي ابتغوا، إلا أنهم التزموا ما لا يلزمهم، وتجاوزوا فيها القدر الكافي فيما أرادوه منها، فتوعَّرت مسالكُها، ووهَنَتْ مبانيها، وانحطَّت عن رُتْبَة الإقناع حججُها.
على أنها إذا أخذت المأخذ المبرَّأ من الفضول، المجرَّد عن المماحكات والتخييل، كانت من أوضح العلوم برهاناً، وأرجح المعارف عند الامتحان ميزاناً»
(من كتاب: الرد على النحاة)
لابن مضاء القرطبي
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة:
عاشت صورة هذا الكتاب في عقلي ووجداني زمنا طويلا، وكانت هناك مجموعة أسباب تعاونت جميعًا على هذه المعايشة الطويلة، ثم دفعتْ أخيرا إلى تنفيذه بعد أن هيّأتُ نفسي لأهلية تأليفه، ورسمت خطته التي التزمتها في كل أبوابه وأفكاره، وهذه المقدمة ينبغي أن توضح للقارئ -بإيجاز- الجانبين السابقين من دوافع التأليف والنهج الذي التزمته في تنفيذ هذا المؤلف.
من هذه الأسباب أن طول الصحبة لكتب مسائل النحو القديمة -مطولة ومختصرة، نثرا ونظما- تؤكد لدى كل منصف أن هذه الكتب صعبة الفهم على الشّادين في النحو، بل إن بعضها يتعذر استيعابه على الدارسين المتخصصين أنفسهم، وذلك لامتلائها بالحشو والفضول، أو كما يقول ابن مضاء: "بالمماحكات والتخييل" ففيها حشود من المجادلات الذهنية العقيمة وألوان من العلل والعوامل التي يسوغها منطق العقل لا منطق اللغة، يضاف لذلك كله تخريجات مجهدة واستطرادات شتى وفروع من المسائل متفرقة وغير ذلك، مما ينطمس معه وجه النحو الأصيل تحت ركام المزيف الدخيل.
لذلك أحسست -بعد طول الصحبة مع هذه المؤلفات- أن هذا الجهد المشكور للنحاة ﵏ بعضه مفيد للغة، وبعضه طفيلي معوق عن الوصول لما هو مفيد، بل إن هذا الأخير هو الغالب على مطولات النحو من مؤلفات المتأخرين، ورأيت أن الواجب بذل جهد مخلص لتخليص المفيد من الطفيلي المعوق والإبقاء على "نحو اللغة" لا "نحو الصنعة".
ومن هذه الأسباب أن تخصصي في الدراسات العليا هيأ لي -بكل ظروفه-
стр. 3
أن أعايش القضية السابقة في وجهيها الأصيل والدخيل درسًا وتقويمًا وموازنة وكان مجال ذلك كله "منهج النحو العربي" أو بعبارة أخرى: الأسس التي أحكمته وتحكمت فيه، مما كشف لي بطريقة علمية محددة ما كنت أحس به من قبل غائمًا غير محدد، فتعرفت -على قدر جهدي واجتهادي- على مسار التفكير في النحو، وكيف نما وتعقد ثم كان لي من ذلك كله موقف علمي يستند إلى الدراسات اللغوية الحديثة أعانني على فهمه أستاذي العالم الجليل الدكتور "تمام حسان" ولم يكن قوام هذا الموقف النقد فقط، بل النقد والتصحيح، لم يكن قوامه تشخيص الداء وحده، بل تشخيص الداء والدواء جميعا، هذا مع التعاطف التام مع كل ما في كتاب النحو العربي من أصيل صحيح ورفض ما هو طفيلي مزيف.
صار الإحساس الغائم إذن حقيقة محددة، وأصبحت الشكوى الممرورة منهجًا مدروسًا، وانتهت مرحلة الرفض الانفعالي المهوّش، وبدأت مرحلة الفهم المتزن المدروس، وخرجت من دخان الظنون والتخمين إلى مناخ أقرب ما يكون إلى التحديد واليقين، فازددت اقتناعا بضرورة تصفية النحو من أوشابه وعلاجه من أوصابه والكشف عن وجهه الصحيح المشرق.
وفي أثناء ذلك كنت أعيش التجربة في صورة أخرى غير صورة الكتب القديمة والمنهج، كنت أعيشها مع الدارسين المتخصصين من طلاب اللغة الذين يجأرون بالشكوى كل حين من النحو وصعوباته التي تتمثل في تشتت أفكاره وكزازة عرضه، وتجمد أمثلته، وغرابة شواهده وتهافت الكثير منها، مما يترتب عليه تلقائيا التمزق والتململ والكراهية والشكوى المستمرة، مع أن هؤلاء الحانقين الشاكين هم الذين سيحملون -فيما بعد- أمانة تعليم اللغة للصغار والكبار في العالم العربي ومسئولية الكلمة المكتوبة والمنطوقة في حياتنا الأدبية والعلمية.
وفي هذا التصوير السابق للشكوى والتذمر كثير من الحق مع الأسف!! وهو أحد الأسباب التي دفعتني للخروج من الاقتناع الفكري المجرد إلى التصميم العملي على تأليف هذا المكتوب "النحو المصفى" ملتزما في تأليفه النهج التالي:
стр. 4
١ - قبل كتابة أي موضوع "كالحال مثلا" أراجع كثيرًا من كتب مسائل النحو القديمة كشروح الألفية ومؤلفات ابن هشام وغيرهما للإحاطة التامة بكل أفكار الباب كما عرضته هذه المصادر الأصيلة.
٢ - أقوم -بعد ذلك- بتصفية ما لا فائدة فيه وما لا ضرر في تركه كالمجادلات الذهنية والاستطرادات الجانبية والتمارين غير العملية والمسائل المقحمة في غير موضعها وفلسفات العوامل والخلاف حولها والعلل والتعلات والتخريجات الظنية وغير ذلك مما لا يفيد نطقًا وأساء إلى كتاب النحو العربي، وعوق فهمه وأطال نصه، ليبقى بعد ذلك جوهر الموضوع وخطه الواضح الأصيل.
ولا حاجة بي إلى القول بأن هذه التصفية تتم في إطار منهج مدروس -وإن كان غير منظور- هو ما أفدته في دراستي العليا للماجستير والدكتوراه، فهي تصفية مضبوطة لا مندفعة، واعية لاعشوائية.
وسيجد القارئ في بعض الأحيان هزًّا لبعض المسائل التقليدية ونقضا لها مع ذكر الرأي فيها بعد عرضها في إيجاز شديد كما قررها النحاة ﵏ وهذا عمل متعمد وراءه منهج علمي مدروس، وهو في الوقت نفسه جانب من جوانب التصفية التي استهدفها هذا الكتاب ومؤلفه.
٣ - نظمت الأفكار المصفاة للموضوع -كل موضوع- بطريقة تصل إلى الذهن متكاملة، ومن أقرب طريق، وقدمت هذه الأفكار المنظمة ملخصة في سطور قليلة عند بدايته لتقدم للقارئ بنظرة واحدة سريعة ما هو قادم عليه من دراسة الباب كله.
٤ - عرضت الأفكار -بترتيبها في مقدمة الباب- بأسلوب سهل مساوٍ لا كزازة فيه ولا غموض ولا تزيّد، أسلوب مفهوم معاصر واضح لا يقف أبدًا حاجزا بين القارئ وفهم الأفكار، فلا يضيع منه أيّ جهد في غير الفهم نفسه.
стр. 5
٥ - استخدمت أمثلة حديثة "بدل زيد وعمرو" تنمي عقل الدارس وتصقل وجدانه وتزيد خبرته، وتقربه من لغة الحياة المعاصرة وما تعبر عنه من ثقافة وتجارب، بالإضافة إلى مهمتها الأساسية في إفهام القواعد دون تكلف أو صنعة وكثيرًا ما بدأت بتلك الأمثلة بين يدي الأفكار، لتكون وسيلة الاستقراء والاستنتاج، للتخفيف من منهج عرض النحو المعياريّ الجاف.
ومع ذلك التزمت -في أثناء عرض الأفكار- ذكر ثروة النحو من الشواهد نثرًا وشعرًا إلا ما تهافت نصه أو أدى إلى مجادلات لا طائل وراءها، وفي بعض الأحيان لا أقتصر على تقديم الشاهد يتيمًا ضائع المعنى، بل أقدمه ضمن مقطوعته التي توضح معناه، وتعطف الدارس إليه.
٦ - وضعت بعد كل قسم مجموعة من النصوص للتدريب، اخترتها من الأدب العربي القديم نثرًا وشعرًا، ووراء هذا الاختيار مضمونها الراقي إنسانيا واجتماعيا ووضعت بعد كل منها أسئلة لم أقدم حلها، وهذه الأسئلة لتطبيق قواعد القسم الذي جاءت بعده على النص، ليكون حلها وسيلة الفهم والمراجعة والتطبيق.
وبعد: فقد يكون الكلام السابق أهون الأشياء إذا مر عليه القارئ مرًّا سريعًا وهو يتجشأ أو يتثاءب، ولكنه -في حقيقة الأمر- أصعب الأشياء إذا ما تصورنا أن خطاه تنقلت عبر أكثر من سبعمائة صفحة هي حجم هذا الكتاب، وأنه جشمني من الجهد والإجهاد ما أهبه خالصا لوجه الله .. والعلم.
وإني لأدعو الله أن ينتفع به القارئ قدر ما تعبت فيه!! وأن يتحقق المرجوّ منه بقدر نبل الهدف من تأليفه: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾.
القاهرة في ٢٠ أغسطس سنة ١٩٧١
محمد عيد
стр. 6
الكلمة والكلام:
١ - المقصود بالكلمة لدى النحاة، وإطلاقها أحيانًا على الكلام
٢ - صور الكلمة العربية "الاسم، الفعل، الحرف" معناها، علاماتها
٣ - المقصود بالكلام لدى النحاة، والفرق بينه وبين الكَلِم
٤ - صور الكلام العربي وحصرها في الجملتين الاسمية والفعلية
معنى الكلمة:
البُشْرى، اليُسْر، السُّهولة، العذْب، بَشَّر، يَسَّر، سَهُل، عَذُب، نَعَمْ، أجَلْ، مِنْ، لَيْتَ، لَعَلَّ.
كل من الألفاظ السابقة يطلق عليها "كلمة" سواء أكانت اسمًا أم فعلًا أم حرفًا.
لكن ينبغي قبل الفهم النظري للمقصود بالكلمة لدى النحاة التعرف على ما يقصد بالكلمات: "اللفظ، القول، المفرد".
فاللفظ: هو النطق المشتمل على بعض الحروف سواء أكان هذا المنطوق له معنى أم لم يكن.
فالكلمات "نبيه، رائع، المقْتَحِف، التَّرّان" كلها ألفاظ، ومن البيّن أن للأوليين معنى، أما الأخيرتان فلا معنى لهما.
والقول: هو النطق الدال على معني فقط، فالكلمتان "نبيه، رائع" قول، أما الكلمتان "المقْتَحِف، التَّرّان" فليستا من القول في شيء.
والمفرد: يقصد به هنا ما لا يدل جزؤه على جزء معناه، فمثلا كلمة
стр. 7
"عَذْب" مكونة من حروف ثلاثة هي "ع. ذ. ب" فلو أخذ كل منها مستفردا ما دل على شيء من العذوبة التي تفيدها الكلمة مجتمعة الحروف.
وعلى هذا: يمكن فهم التعريفين التاليين للكلمة، وهما يمثلان تحديد الكلمة لدى معظم النحاة.
جاء في ابن عقيل: الكلمة هي اللفظ الموضوع لمعنى مفرد. ا. هـ.
وجاء في قطر الندى: الكلمة قول مفرد. ا. هـ.
وهذان التحديدان متساويان تمامًا؛ لأن "اللفظ الموضوع لمعنى" تساوي تمامًا "القول".
والمهم من ذلك كله أن الكلمة -وستتردد كثيرا في دراستنا- تطلق على ما له الصفات التالية مجتمعة:
أ- النطق، فدراسة النحو كلها تقوم على النطق فعلا لا على الخط أو غيره من الأمور الدالة.
ب- أن يكون هذا النطق دالا على معنى، فلا علاقة لنا إذن بما لا معنى له من الهراء أو الألفاظ المشوهة.
ج- المفرد -كما حدد فيما سبق- فإن النطق المركب له موقف آخر سيأتي في الحديث عن الكلام.
هذا التحديد السابق هو المعنى المشهور "للكلمة" لغة ونحوا، لكنها قد تستخدم عن طريق المجاز البلاغي دالة على كلام كثير جملة أو عبارة أو قصيدة أو خطبة، فلنتأمل ما يلي:
- قول القرآن في حديث عن الكافر: ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ (١)
стр. 8
- قول القرآن: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (١).
- ما روي عن الرسول من قوله: "أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد":
ألا كلُّ شيءٍ ما خلا اللهَ باطلُ … وكلُّ نعيمٍ لا محالةَ زائلُ (٢)
- ويتردد بيننا كثيرًا قولنا: "بدأ الحفلُ وتوالى الخطباءُ يلقون كلماتِهم".
صور الكلمة العربية:
الإحْسَان، الجميل، الشُّكر، خيرٌ، محبةٌ، جمالٌ. "أسماء".
أحسَنَ، شكَرَ، يُجَامِل، يُواسِي، اصْنَع المعروف. "أفعال".
مِنْ، إلَى، في، ليت، لمْ، هلْ. "حروف".
الكلمة العربية تأتي في صور ثلاث "اسم، فعل، حرف".
جاء في قطر الندى: الدليل على انحصار أنواع الكلمة في هذه الثلاثة "الاستقراء" فإن علماء هذا الفن تتبعوا كلام العرب، فلم يجدوا إلا ثلاثة أنواع، ولو كان ثمَّ نوع رابع لعثروا على شيء منه ا. هـ.
فالنظر في الكلام العربي وملاحظته وتصنيفه هو ما يطلق عليه "الاستقراء" والاستقراء هو الأساس الذي أدى إلى معرفة أن الكلمة العربية أنواع
стр. 9
ثلاثة اسم وفعل وحرف، وينبغي التعرف على كل من هذه الأنواع الثلاثة تعرفًا كاملًا من ناحيتين:
أ- تحديد معناه.
ب- علاماته التي يعرف بها.
الاسم:
يقصد به: ما دلَّ على معنى في نفسه، وليس الزمن جزءًا منه، مثل "محمد، خالد، النَّدى، الزرع، البهجة".
والعلامات التي يتميز بها الاسم عن كل من الفعل والحرف خمس هي:
١ - الجر: مثل قولنا "عَلَى البَاغِي تدورُ الدَّوائر".
٢ - التنوين: مثل "قوةٌ خيرٌ من ضعف، وصراحةٌ خيرٌ من نفاق".
٣ - النداء: مثل "يا محمد، يا خالد" ومن ذلك قول القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ (١) وقوله: ﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ﴾ (٢).
٤ - أل: كما جاء في قول المتنبي:
الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني … والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ (٣)
٥ - الإسناد للاسم: بمعنى أن يكون الاسم متحدثًا عنه، بأن يكون مثلا مبتدأ وله خبر يتحدث عنه به، أو أن يكون فاعلا أو نائب فاعل
стр. 10
ويتحدث عنه بالفعل، كقولنا "أخذتُ موضعي بين شَبابِ الوطنِ فنحن جميعًا مسئولون عن مستقبله" فالتاء في "أخذتُ" اسم، دل على ذلك إسناد الفعل "أخذ" إليها، والضمير "نحن" اسم، دل على ذلك أيضًا الإسناد إليه، حيث أكمله الخبر "مسئولون".
يقول ابن هشام: وهذه العلامة هي أنفع علامات الاسم، وبها تعرف اسميَّة "ما" في قوله تعالى:
﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾ (١)، ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ (٢) ألا ترى أنها قد أسند إليها "الأخيرية" في الآية الأولى، و"النفاد" في الآية الثانية، و"البقاء" في الآية الثانية، فلهذا حكم بأنها فيهن اسم موصول ا. هـ.
تلك علامات الأسماء، وينبغي التنبه للملاحظتين الآتيتين:
الأولى: أنه ليس من اللازم أن تكون هذه العلامات أو واحدة منها موجودة فعلا في الاسم، بل المقصود أنه بالإمكان قبولها وإن لم توجد فيه بمعنى أن الاسم يمكن أن يقبلها أو واحدة منها وإن لم توجد فيه.
الثانية: لا يعني ذكر هذه العلامات الخمس أنه لا بد لكل اسم أن يقبلها جميعًا، ولكن يكفي أن يقبل واحدة منها فقط، ليعلم أنه اسم، فبعض الأسماء يقبل العلامات الخمس، مثل كلمة "رجل" وبعضها الآخر يقبل أربعا منها مثل "محمد" فإنه لا تدخل عليه "أل"، وبعضها الآخر يقبل واحدة فقط مثل بعض "الضمائر" فإنها لا تقبل إلا الإسناد، تقول "ظُلِمْتُ وأنتَ شاهِدٌ".
стр. 11
وخلاصة الأمر في ذلك أنه يكفي في تمييز الاسم مجرد قبول علامة من العلامات، كما أنه يكفي من ذلك علامة واحدة فأكثر.
الفعل:
يقصد به: ما دل على معنى في نفسه والزمن جزء منه، مثل: "ثَابَرَ، تَفَوَّقَ، يُثَابِرُ، يَتَفَوَّقُ، ثَابِرْ، تَفَوَّقْ".
والفعل يأتي في ثلاث صور هي: "الماضي، المضارع، الأمر" ولكل منها علامة تميزه.
فالماضي: علامته أحد أمرين:
١ - قبول تاء التأنيث الساكنة -وهي حرف- مثل: "من حقّ الأمّ التكريمُ والاحترامُ، فقد حملتْ ابنَها وغَذَّتْه ومنحتْه العطفَ والرعاية".
٢ - تاء الفاعل -وهي اسم ضمير- سواء أكانت للمتكلم أم المخاطب تقول "أخلصتُ إليك فرَعيتَ إخلاصي ووفيتُ لك فاحترمتَ وفائي".
المضارع: علامته مجموع أمرين:
١ - قبول الحرف "لمْ" في أوله، كقول القرآن: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ (١).
٢ - أن يكون مبدوءًا بحرف من أربعة: "الهمزة، النون، الياء، التاء".
وهي ما يطلق عليها حروف "أَنَيْتُ"، وتسمى أيضًا "أحرف المضارعة" وهذه الحروف يبدأ بها المضارع، فتجيء مضمومة إذا كان عدد أحرف الماضى أربعة أحرف، مثل: "أُجاهد، أُقْدم، نُحرّر" وتكون مفتوحة فيما عدا ذلك مثل "تَهدِي، يَنْصَح، يَرْتَقِي، يَنْتَصِر، يَستمع".
стр. 12
والأمر: علامته مجموع أمرين:
١ - أن يدل على الطلب: بأن يكون معناه موجها للمخاطب يطالبه بفعل شيء ما، مثل "عامِل النَّاس بما تُحِبُّ أنْ يُعاملوك به" ومثل "استفْتِ قلبَك ولو أفتاك المُفْتُون".
٢ - أن يقبل ياء المخاطبة، فالفعلان السابقان "عَامِلْ، استفْتِ" يمكن إسنادهما إلى ياء المخاطبة، كقول الطبيب مخاطبا إحدى الممرضات: "عامِلِي المرْضى برفْق، وخُذي رأيي قبل تنفيذِ العلاج"
الحرف:
هو ما لا يظهر معناه في نفسه، بل مع غيره.
فالحروف "الواو، الفاء، لا، بلْ، ليت، لعلَّ" لا يظهر معناها ولا يتضح إلا إذا انضم إليها غيرها من الأسماء والأفعال في الجمل، كأن تقول مثلا "ظهر الحقُّ والباطلُ فاتَّبعتُ الأوّل لا الأخيرَ".
وعلامة الحرف التي يتميز بها عن الاسم والفعل أنه لا يقبل شيئًا من علامات الأسماء ولا الأفعال، فالحرف "بلْ" مثلا -من حروف العطف- لا يتصور معه تنوين أو جر أو غيرهما من علامات الأسماء، كذلك لا يتصور معه تاء التأنيث أو تاء الفاعل أو "لمْ" أو ياء المخاطبة من علامات الأفعال.
هذا .. وفي نهاية هذا الموضوع ينبغي معرفة عدة أمور جانبية تتفرع على ما سبق من معرفة الأسماء والأفعال والحروف وهي:
أولا: من شعر الفرزدق يهجو أعرابيًّا من "بني عذرة" قدَّم إليه عبد الملك بن مروان الشعراء الثلاثة "جريرًا والفرزدق والأخطل"، ففضل جريرا على صاحبيه، قال:
стр. 13
يا أَرْغَمَ اللهُ أنفًا أنت حامِلُه … يا ذا الخنَى ومقالِ الزُّورِ والخَطَلِ
ما أنتَ بالحكَم الترْضَى حكومَتُه … ولا الأصيلِ ولا ذي الرّأيِ والجدلِ (١)
ففي البيت الأول دخل حرف النداء على الفعل في "يا أرغم" وهي من علامات الأسماء، والرأي أن المنادى اسم محذوف، والتقدير "يا هذا أرغم الله" أو أن "يا" حرف للتنبيه لا للنداء، ومثل ذلك أيضا قول القرآن: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ (٢)، وقول الرسول: "يا رُبَّ كاسيةٍ في الدُّنيا عاريةٌ يوم القيامة" حيث دخلت "يا" في الآية على الحرف "ليت" وفي الحديث على الحرف "رُبّ".
وفي البيت الثاني دخلت "أل" على الفعل في "التُرضَى"، وهي من علامات الأسماء.
وقد علق ابن هشام على هذا البيت الثاني بقوله: ذلك ضرورة قبيحة، وإن استعمال مثل ذلك في النثر خطأ بإجماع ا. هـ.
стр. 14
ثانيا: دخلت تاء التأنيث على حروف ثلاثة هي "رُبَّ، ثُمَّ، لا" فجاء في نصوص فصيحة قولهم "رُبَّتَ، ثُمَّتَ، لاتَ" والتاء علامة للفعل الماضي.
والرأي أن هذه التاء -كما ترى- محركة، بخلاف ما إذا جاءت مع الفعل فإنها تكون ساكنة، وهذه التاء -مع هذه الحروف- لا تفيد التأنيث الحقيقي، بل هي لتأنيث اللفظ فقط، بمعنى أنها تدل على أن لفظ هذه الحروف مؤنث دون أن تفيد معنى التأنيث بوجود شيء مؤنث.
ثالثا: الكلمات "لَيْسَ، عَسَى، نِعْمَ، بِئْسَ" أفعال ماضية -في أحسن الآراء- إذ تقبل علامة الماضي وهي تاء التأنيث، تقول: "ليستْ الآمالُ قريبةً، لكن عستْ أن تتحقَّق" وتقول "نعمت الأخلاقُ الفضائل وبئست الانحرافاتُ الرَّذائلُ" ومن ذلك قول الشاعر:
نعمتْ جزاء المتَّقين الجنَّة … دارُ الأمانِي والمُنَى والمِنَّة (١)
رابعا: الكلمتان "هاتِ، تعالَ" من أفعال الأمر -في أحسن الآراء- إذ تقبلان علامة فعل الأمر وهي الدلالة على الطلب مع قبول ياء المخاطبة، وتقول الطالبة لزميلتها "تَعَالَيْ إليَّ اليومَ وهاتِي معكِ المحاضراتِ والمراجع".
стр. 15
ومن ذلك قول امرئ القيس:
إذا قلتُ هاتِي نَوِّليني تمايَلَتْ … عليَّ هَضِيمَ الكَشْحِ رِيَّا المخلخل (١)
قال ابن هشام:
والعامة تقول: "تعالِي" بكسر اللام، وعليه قول بعض المحدثين: "أبو فِرَاس يخاطب حمامة":
أيا جارتَا ما أنصفَ الدَّهرُ بيننا … تعالِي أقاسِمْك الهمومَ تعالِي (٢)
والصواب الفتح، كما يقال: "اخْشَيْ واسعيْ" ا. هـ.
معنى الكلام:
لاحظ الأمثلة الآتية:
الغِنى عفَّةُ النَّفس عما في أيدي الناس كلام
стр. 16
إذا استغنيت عما في أيدي الناس فأنت أغنى الناس. "كلام".
إذا تطلعت لما في أيدى الناس. . . . . . . . . . . "كلام".
ينبغي أن نتذكر مرة أخرى هنا ما قلناه تمهيدًا لمعرفة "الكلمة" عن "اللفظ، القول" من أن "اللفظ" هو النطق المشتمل على بعض الحروف سواء أكان له معنى أم لم يكن، وأن "القول" هو النطق الدال على معنى فقط فلنصطحب مفهوم هاتين الكلمتين ابتداء قبل تحديد المقصود من الكلام.
جاء في ابن عقيل: الكلام المصطلح عليه عند النحاة عبارة عن "اللفظ المفيد فائدة يحسن السكوت عليها" ا. هـ.
وجاء في شذور الذهب "الكلام: قول مفيد" ا. هـ.
ومن البيّن أن هذين التعريفين متساويان تمامًا، فإن "اللفظ المفيد فائدة يحسن السكوت عليها" في الأول تساوي تمامًا "القول المفيد" في الثاني وتوضيح الأمر في ذلك أن "الكلام" في عرف النحاة هو ما توافرت له الصفات الآتية مجتمعة:
١ - النطق: لأن النطق هو أساس دراسة النحو، فلا شأن للنحو إذن بالكلام النفسي الذى يدور في خواطر الإنسان دون أن تنطقه الشفاه فعلا كما قال الأخطل:
إن الكلامَ لَفِي الفؤاد وإنَّما … جُعِل اللِّسان على الفؤاد دليلًا (١)
فالنحو لا شأن له بكلام الفؤاد، وإنما يوجه همَّه لما نطقه اللسان فقط
стр. 17
كما أنه لا شأن للنحو بالكلام الذي يفهم من الخط وحده دون أن ينطق وهو ما يفهم من النظر بالعين دون نطق اللسان، كقول العرب "القلمُ أحدُ اللِّسانين" وتسميتنا ما في المصحف "كلام الله".
كما أنه لا شأن للنحو أيضًا بالكلام الذي يفهم من الإشارة، أي بحركات العين أو اليدين أو الرأس أو غيرهما من أجزاء الجسم، وكذلك إضاءة علامات المرور باللون الأحمر أو الأخضر، فكل ذلك وإن كان يشير إلى كلام يفهم منه، كما قال عمر بن أبي ربيعة:
أشارتْ بطرْف العينِ خيفةَ أهلها … إشارةَ محزونٍ ولمْ تَتَكَلَّمِ (١)
فأيقنتُ أن الطَّرْفَ قد قال مرحبًا … وأهلا وسهلًا بالحبيبِ المُتَيَّم
لكنه كلام غير منطوق، ولذلك لا يدخل في الكلام الذي يعترف به النحو.
كما أنه لا شأن للنحو بالكلام الذي تدل عليه الحال، وفي الدلالة التي تفهم من المشهد دون نطق، كأن تنظر إلى مستشفى فتعرف أن "هنا مرضى" أو أن تمر على الجامعة، فتدلك على أن "حضارة الأمة تصنع هنا" وكما قال نصيب بن رباح يمدح سليمان بن عبد الملك:
فعاجُوا فأثْنَوا بالذي أنت أهلُه … ولو سكتوا أثنتْ عليك الحقائب (٢)
стр. 18
"فثناء الحقائب" دلالة حال، لكنه ليس نطقا، فهو خارج عن مصطلح النحو في الكلام.
ب- أن يكون لهذا المنطوق معنى يفهم منه، فلا شأن لنا بالهراء اللغوي الذي لا معنى له.
ج- أن يكون هذا المنطوق مفيدا فائدة يحسن السكوت عليها، وذلك أن يتم بها معنى متكامل يتكون منه ومن أمثاله الفكرة أو الموضوع الذي يريد المتكلم نقله إلى السامع.
وبهذه الصفة الأخيرة يفرق بين الكلام وما يسمى "الكلم" -بفتح الكاف وكسر اللام- فإن هذا الأخير يطلق على ما تكون من ثلاث كلمات فأكثر، أفاد أم لم يفد، فلنتأمل الآتي:
- قولنا "الصحافةُ لسانُ الأمة" كلام، وهو في الوقت نفسه كلم.
- قولنا "الصحافة رسالة" كلام، لكن ليس كلمًا، لنقصه عن ثلاث كلمات.
- قولنا "إذا تحررت الصحافة" كلم، لكنه غير كلام لأنه غير مفيد، ولا شأن للنحو بدراسة "الكلم" وإنما شأنه أن يدرس "الكلام" سواء صح أن يطلق عليه أنه "كلم" أم لا.
صور الكلام:
ورد في بعض كتب النحو تقسيم الكلام إلى "خبر، إنشاء" فالأول مثل قولنا "صدرت الصحفُ اليومَ وهي تحملُ أنباء مثيرة" والثاني مثل "هل نشرت الصحف الخبر اليوم؟! ".
стр. 19
والحق أن هذا التقسيم بلاغي لا شأن للنحو به، وإنما هو من اهتمام دارسي الأدب، أما الصور التي يتكون منها الكلام -كما فهم فيما سبق- فإنها تنحصر في أمرين:
الجملة الاسمية: وهي ما تكونت من اسمين أسند أحدهما للآخر لإفادة المعنى، مثل "العلمُ حضارةٌ، والجهلُ تخلفٌ".
الجملة الفعلية: وهي ما تكونت من فعل واسم بحيث يتم بهما المعنى مثل "يصنعُ العلماءُ حضارة الأمة ويُعَوِّقُ الجُهَّالُ تقدمها".
هذا، ويتفرع على هذين الركنين الأساسيين للكلام صور كثيرة بدخول الحروف معهما، وكذلك في اختلاف الأسماء بين الجامدة والمشتقة وأيضا في اختلاف صور الأفعال بين الماضي والمضارع والأمر، وأيضا في وجود الفضلات -كالمفعول به وأمثاله- مع هذه الجمل، وأيضا دخول حروف الشرط -الجازمة وغير الجازمة- عليهما.
ومن أجل ذلك كله يمكن أن يتصور أن صور الكلام الذي تنطق به العربية لا يكاد يحيط به الحصر، وإن كان الأمر كله يرجع إلى الجملتين الاسمية والفعلية.
وخلاصة هذا الموضوع كله ونتيجته تتلخصان في الآتي:
أ- وحدة الجملة العربية هي "الكلمة" بمفهومها السابق تحديده.
ب- وحدة اللغة العربية هي "الكلام" بمفهومه السابق تحديده أو بعبارة أقرب: الجملتان الاسمية والفعلية.
ج- موضوع دراسة النحو العربي هو الجملتان الاسمية والفعلية وما يتعلق بكلتا الجملتين.
стр. 20
الإعراب والبناء:
أولا: الإعراب
تمهيد:
يحدد معنى الإعراب عبارة واحدة هي: "أثر ظاهر أو مقدَّر يجليه العامل في آخر الكلمة" ا. هـ قطر الندى.
يقول شوقي:
وللحرِّيَّةِ الحمراءِ بابٌ … بكلّ يدٍ مضرّجةٍ يُدَقُّ
فكلمات هذا البيت جميعا "الحرّيّة، الحمراء، كل، يد، مضرجة، يُدق" معربة، والإعراب في آخر الكلمات "الحريةِ، الحمراءِ، كلِّ، يدٍ، مضرجةٍ" -كما وردت في البيت- هو الكسرة التي هي شكل آخرها أما الإعراب في آخر الكلمتين "باب، يدق" -كما وردتا في البيت أيضا- فهو الضمة، والأولى اسم، والثانية فعل مضارع …
وينبغي قبل دراسة ما يتعلق بهذا الباب عرض التعليقات الآتية حول التعريف السابق:
أولا: أن الإعراب يقصد به شكل أواخر الكلمات فقط، فهو في قول "شوقي" السابق ضمة الباء في "بابٌ" وضمة القاف في "يدقُّ" وكسر التاء في كلمة "الحريةِ" والهمزة في "الحمراءِ" واللام في "كلِّ" والدال في "يدٍ" والتاء في "مضرجةٍ" أما بقية حروف الكلمة -غير الآخر- مما يطلق عليه علميًّا اسم "بقية الكلمة" فلا شأن للنحو بالبحث فيه، وإنما هو من اختصاص علم آخر هو "علم الصرف".
стр. 21
ثانيا: الإعراب لا يتحقق إلا في جملة كاملة، فشكل أواخر الكلمات -الإعراب- لا يتحدد إلا بدخولها ضمن "الكلام" كما سبق تحديده، فالكلمات المفردة وحدها لا يعرف إن كانت معربة أو مبنية إلا بتصور دخولها في جملة مفيدة، وحيئنذٍ تأخذ وظيفة نحوية "مبتدأ، خبر، فاعل، مفعول .. إلخ" فيظهر عليها الشكل الذي هو الإعراب معبّرا عن هذه الوظيفة.
وهذا يفسر لنا جانبا من اهتمام النحو بدراسة كيفية تأليف الجملة العربية اسمية أم فعلية.
ثالثا: يترتب على الأمر السابق مباشرة أن نعرف أن الكلمة المعربة هي الكلمة التي تدخل جملا مختلفة، وحين تتغير وظيفتها النحوية من جملة لأخرى يتغير شكل آخرها أيضا، ومثال ذلك كلمة "الحرية" فهي كلمة معربة يدل على ذلك وضعها في الجمل الثلاث الآتية:
الحرِّيَّةُ أثمنُ شيءٍ في الحياة.
تعشقُ النفوسُ العاليةُ الحريةَ وتموتُ من أجلها راضيةً.
فقد الحريةِ يساوي فُقدَانَ الحياةِ.
فالكلمة في الجملة الأولى مبتدأ، وهي مُشَكَّلَةٌ بالضمة، وحين تغيرت وظيفتها في الجملة الثانية فصارت "مفعولا به" شكلت بالفتحة، وحين تغيرت وظيفتها في الجملة الثالثة فصارت "مضافة إليه" شكلت بالكسرة، هذه الكلمة "الحرية" معربة بتغير وظيفتها في الجمل المختلفة.
رابعا: إن الإعراب -فيما يرى النحاة- أثر لعامل يجلبه في آخر الكلمة من فعل أو غيره، والحق أن العامل موضوع ذهني شائك لا داعي
стр. 22
مطلقا للإكثار فيه، وينبغي الاقتصار على القدر الضروري منه وفي أضيق الحدود، ويجب الانصراف عما دار حوله من مناقشات مجهدة لا طائل وراءها.
خامسا: الدراسة للإعراب تتكون من جوانب ثلاثة هي:
١ - ألقاب الإعراب وتوزيعها بين المعرب من الأسماء والأفعال.
٢ - الإعراب الأصلي والفرعي.
٣ - الإعراب الظاهر والمقدر.
وسنتناول كل واحد من هذه الثلاثة بالشرح المفصل.
стр. 23
أنواع الإعراب:
لاحظ الأمثلة الآتية:
يستفيدُ الذكيُّ من أخطائه
يُكرِّرُ الغبيُّ الأخطاء نفسَها رفع للاسمين (الذكي - الغبي) وللفعلين المضارعين (يستفيد - يكرر) وإن الحياةَ لن تُخيِّبَ الأذكياء
ولكنّ الفرصةَ لن تنتظرَ الأغبياء نصب للاسمين (الحياة - الفرصة) وللفعلين المضارعين (تخيب - تنتظر) فليس من العيبِ أنْ تخطئَ
لكن إن تخطئ فاستفدْ من خطئك جر
جزم للاسم (العيب)
للفعل المضارع (تخطئ)
أنواع الإعراب أربعة هي:
١ - الرفع: ويوصف به الاسم المعرب والفعل المضارع المعرب، وذلك إذا أخذ كل منهما في الجملة وظيفة نحوية من وظائف الرفع كالمبتدأ أو الخبر أو الفاعل أو اسم كان للاسم، وكذلك تجرد الفعل من الناصب والجازم، تقول "يعرفُ العقلاءُ وهم صامتون ويتحدثُ الحمقى وهم جاهلون".
٢ - النصب: ويوصف به أيضا الاسم المعرب والفعل المضارع المعرب وذلك أيضا إذا أخذ كل منهما في الجملة وظائف النصب كالمفعول به أو الظرف أو الحال بالنسبة للاسم، وكذلك إذا وقع الفعل المضارع بعد أداة من أدوات النصب، قال القرآن: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ﴾ (١) فكلمة "يُضلُّ"
стр. 24
فعل مضارع منصوب بعد لام الجحود، وكلمة "قوما" اسم منصوب مفعول به وكلمة "بعد" اسم منصوب ظرف مكان.
٣ - الجر: ويوصف به الاسم المعرب فقط، فالجر من خصائص الأسماء وإنما يكون الاسم مجرورًا إذا جاء في جملته في إحدى وظائف الجر، وذلك بعد حرف من حروف الجر، أو وقع "مضافًا إليه" بعد اسم آخر، كقول الرسول: "مِنْ حُسْنِ إسلامِ المرءِ تركُه ما لا يَعنيه" فكلمة "حُسنِ" مجرورة بالحرف "من" وكلمة "إسلام" مجرورة "مضاف إليه" لكلمة "حسن" وكلمة "المرء" مجرورة أيضا "مضاف إليه" لكلمة "إسلام".
٤ - الجزم: ويوصف به الفعل المضارع المعرب فقط، إذا جاء في موضع للجزم بعد حروفه أو بعد أدوات الشرط التي تجزمه، كقول القرآن: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ (١).
والخلاصة أن ألقاب الإعراب أربعة، رفع ونصب ويوصف بهما الاسم المعرب والفعل المضارع المعرب، وجر ويكون في الاسم المعرب فقط، وجزم ويكون في الفعل المضارع المعرب فقط.
стр. 25
الإعراب الأصلي والفرعي:
كان الرسولُ عظيمًا في رِضاهُ وغضبِه.
يتسامحُ في أذاه، لكن من أخلاقِهِ أن يغضبَ لمحارمِ الله.
ولم يؤثرْغيرُ ذلك من حياتِه الشَّريفة.
فسلوكُه قدوةٌ للمهتدين يستمدون منه الهُدَى.
سبق أن الإعراب هو الشكل الذي يكون في آخر الكلمات المعربة من الأسماء والأفعال، إذ تأتي في مواضع الإعراب الأربعة: الرفع والنصب والجر والجزم.
هذا الشكل يكون أصليًّا كما يكون فرعيًّا، وكل من الأصلي والفرعي -فيما أرى- مجرد مصطلحين دراسيين في النحو لحصر الشكل الذي يرد في آخر الكلمات المعربة دون أن يعني ما يتبادر إلى الذهن من هذه التسمية فلم يكن أحدهما أصلا للآخر في استعمال اللغة على الإطلاق.
فالإعراب الأصلي مظاهره أربعة هي:
١ - الضمة للرفع -في الأسماء والأفعال- كما هو واضح في الأمثلة السابقة في الكلمات "الرسول، يتسامح، غير، سلوك، قدوة".
٢ - الفتحة للنصب -في الأسماء والأفعال- كما هو واضح في الأمثلة
стр. 26
السابقة في الكلمات "عظيما، يغضب، الهدَى" والكلمة الأخيرة منصوبة بفتحة مقدرة على آخرها كما سيأتي شرح الإعراب المقدر فيما بعد.
٣ - الكسرة للجر -في الأسماء فقط- كما وردت في الأمثلة في الكلمات "رِضَى، غضَب، أخلاق، محارم، الله، حياة، الشريفة" والكلمة الأولى مجرورة بكسرة مقدرة.
٤ - السكون للجزم -في الأفعال فقط- كما هو واضح في الأمثلة في جزم الفعل "يؤثر" بعد الحرف "لم".
وخلاصة الأمر أن علامات الإعراب الأصلية هي الضمة للرفع والفتحة للنصب والكسرة للجر والسكون للجزم!
الإعراب الفرعي: يقصد به ما لم يكن واحدا من الأربعة السابقة فهو ما جاء شكلا في آخر الكلمات المعربة في حالة الرفع غير الضمة، وفي حالة النصب غير الفتحة، وفي حالة الجر غير الكسرة، وفي حالة الجزم غير السكون، فكلمة "المهتدين" -في الأمثلة السابقة- مجرورة بالياء لا بالكسرة أو بعبارة أخرى مجرورة بالياء نيابة عن الكسرة، وكلمة "يستمدون" في الأمثلة مرفوعة بثبوت النون، أو بعبارة أخرى مرفوعة بثبوت النون نيابة عن الضمة، وهكذا.
هذا، والأبواب التي فيها الإعراب الفرعي سبعة، إجمالها في الجدول الآتي:
стр. 27
اسم الباب كيفية إعرابه، والتمثيل له (١) الأسماء الستة • ترفع بالواو: من كلام الرسول: المسلمُ أخو المسلم لا يظلمُه ولا يحقِرُه.
• تنصب بالألف: من كلام الرسول: انصُرْ أخاك ظالما أو مظلوما.
• تجر بالياء: من كلام الرسول: لا يُؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبُّ لنفسه. (٢) ما لا ينصرف • يرفع بالضمة: كانت فاطمةُ بنت الرسول أحبَّ الناس إليه.
• ينصب بالفتحة: وظل يذكر خديجة بعد وفاتها وفاء وحبًّا.
• يجر بالفتحة: وذكر لعائشة من الأحاديث ما لم يروه عنه غيرها. (٣) المثنى • يرفع بالألف: يتنازع العالم الآن قوتان هائلتان.
• ينصب بالياء: ومن حسن حظ الإنسانية أن تبقيا متعادلتين.
• يجر بالياء: فذلك ضمان لمنع الحرب بعد مأساة الحربين الماضيتين.
стр. 28
اسم الباب كيفية إعرابه، والتمثيل له (٤) جمع المذكر السالم يرفع بالواو: • لا يستوي في الحياة العاملون والعاطلون.
• ينصب بالياء: فإن العاملين يمنحون الأمة الخير والازدهار.
• يجر بالياء: ولكن مظهرَ العاطلين في الأمةِ ذلّ وعارٌ. (٥) جمع المؤنث السالم "ما جمع بألف وتاء" • يرفع بالضمة: من كلام الرسول: الظلمُ ظلماتٌ يوم القيامة.
• ينصب بالكسرة: من كلام الرسول: لعن الله المتشبهاتِ من النساء بالرجال.
• يجر بالكسرة: جاء في الحديث: نهى رسول الله عن الجلوس في الطرقات. (٦) الأفعال الخمسة • ترفع بثبوت النون: المنافقون يقولون ما لا يفعلون.
• تنصب بحذف النون: قال القرآن: كبُرَ مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون.
• تجزم بحذف النون: من توجيهات الإسلامِ للمسلمين: لا تكذِبُوا ولا تُنافقوا.
стр. 29
اسم الباب كيفية إعرابه، والتمثيل له (٧) المضارع المعتل الآخر "بالألف أو الياء أو الواو" • يرفع بالضمة المقدرة: يسمو كبيرُ النَّفسِ فوق المظاهرِ الخادعة.
• ينصب بفتحة مقدرة على الألف فقط وتظهر على الواو والياء: ولن يغريَه بريقها عن جوهرها.
• يجزم بحذف حرف العلة: فلا تغدُ وراء الزائف وتنسَ الأصيل.
هذه هي الأبواب السبعة إجمالا، وإليك الحديث عن كل واحد منها تفصيلا.
стр. 30
الأسماء الستة:
١ - الأسماء الستة وإعرابها
٢ - عددها، خمسة أو ستة، من استعمال العرب لها
٣ - الصفات العامة لإعرابها بالحروف
٤ - الصفات الخاصة بكل من الكلمتين "ذو، فم"
الأسماء الستة وإعرابها:
هذه الأسماء هي: "أب، أخ، حم، فم، ذو، هن"، ويقصد بكلمة "حم" -كما جاء في قطر الندى- أقارب زوج المرأة كأبيه وعمه وابن عمه، على أنه ربما أطلق على أقارب الزوجة. ا. هـ.
وعلى هذا فالأكثر في اللغة أن يقال: "حموها" والقليل في اللغة أن يقال: "حموه" وأما كلمة "هن" فهي كناية عما يستقبح ذكره، أو هي كناية عن العورة في الرجل والمرأة.
هذه الأسماء السابقة ترفع بالواو نيابة عن الضمة، وتنصب بالألف نيابة عن الفتحة، وتجر بالياء نيابة عن الكسرة، نقول: "أخوك رِحمُكَ وقوتُك فهو جديرٌ بعطفِك ونُصرتك"، وتقول: "فقد الرّسول أباه وهو في بطن أمه فاستقبل الحياة يتيما"، وتقول: "لا تسخرْ مِنْ ذي الحاجة فربَّما احتجْت يوما مثلَه". فكلمة "أخوك" في المثال الأول مبتدأ مرفوع بالواو، وكلمة "أباك" في المثال الثاني مفعول به منصوب بالألف، وكلمة "ذي الحاجة" في المثال الثالث مجرورة بحرف الجر "من" وعلامة الجر الياء.
стр. 31
عددها من استعمال العرب لها:
يصف بعض المعربين هذه الأسماء بأنها "ستة" ويصفها آخرون بأنها "خمسة" وكلا الفريقين مصيب في وصفه، فما حقيقة الأمر في هذا الموضوع وما أساسه العلمي؟
ينبغي أن يعلم -باختصار شديد- أن العرب الفصحاء الذين اعتمد عليهم النحاة في وضع القواعد لم يكونوا قبيلة واحدة متحدة النطق دائما وإنما كانوا مجموعة من القبائل المختلفة النطق أحيانا في المسلك اللغوي الواحد، مما يترتب عليه في دراسة النحو وجود آراء مختلفة -حول المسألة الواحدة- وكل رأي يعتمد على نطق عربي فصيح لإحدى القبائل الموثَّقة.
وخير مثال للفكرة السابقة هذه الأسماء التي معنا، فقد ورد فيها عن العرب الفصحاء الاستعمالات الثلاثة الآتية:
الأول: الاستعمال المشهور "لغة التمام".
وهو إعرابها بالحروف، حيث تستعمل في حالة الرفع بالواو، وفي حالة النصب بالألف، وفي حالة الجر بالياء، وإنما سميت "لغة التمام" لأن كلمة "أب" على حرفين فقط، والأسماء المعربة في اللغة تبدأ بثلاثة أحرف، فإذا انضم إلى هذين الحرفين الواو أو الألف أو الياء في الإعراب فقد تمت الكلمة وكملت بهذه الحروف، ويستعمل هذا الاستعمال ستة أسماء هي التي سبقت معرفتها في أول هذا الموضوع.
الثاني: لغة القصر
ويكون بإلزامها الألف دائما رفعًا ونصبًا وجرًّا، فهي اسم مقصور تقدر
стр. 32
عليه الحركات الثلاث -كما سيعلم في إعراب المقصور- مثلها في ذلك مثل الكلمات "هُدَى، مصطفَى، مَرْمَى" ومن ذلك قول الراجز مما هو منسوب لرؤبة بن العجاج:
إن أباها وأبا أباها … قد بلغا في المجد غايتاها (١)
ومن أمثال العرب "مُكْره أخاك لا بطل" (٢)
والذي يستعمل هذا الاستعمال كلمات ثلاث هي "أب، أخ، حم".
الثالث: لغة النقص
ويكون باستعمالها على حرفين فقط: فهي ناقصة عن ثلاثة أحرف، وهذا أقل عدد للكلمات العربية المعربة، وحينئذٍ تعرب بالعلامات الأصلية، فتشكل بالضمة رفعا والفتحة نصبا والكسرة جرا، ومن ذلك قول القرآن
стр. 33
﴿إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً﴾ (١) وقول الرسول: "من تعزى بعزاء الجاهلية فأعِضُّوه بهَنِ أبيه ولا تكنوا" (٢) وقول رؤبة يمدح عديّ بن حاتم الطائي:
بأبِه اقتدى عَدِيّ في الكَرَم … ومن يُشَابِهْ أَبَهُ فما ظلم (٣)
والذي يستعمل هذا الاستعمال أربع كلمات هي "أب، أخ، حم، هن"
فما علاقة ذلك كله بعدد هذه الأسماء وكونها خمسة أو ستة؟
إن بعض النحاة يرى أن كلمة "هن" لم يستعملها العرب الاستعمال الأول "التمام" ولا الاستعمال الثاني "القصر" ولم تستعمل إلا الاستعمال الأخير فقط "لغة النقص" ورتب على ذلك أن الأسماء التي تعرب بالحروف خمسة لا ستة.
стр. 34
وهناك رأي مقابل لهذا الرأي، وهو أن العرب الفصحاء استعملوا كلمة "هن" على لغة "التَّمام" وسمع عنهم مثل "هَنُوكَ مِمَّا يَعِيبُك" وقولهم أيضًا "استُرْ هَنَا أهْلِك" فهو أيضًا يعرب بالحروف، فالأسماء التي تعرب بالحروف إذن ستة لا خمسة.
جاء في ابن عقيل: وأما "هن" فالفصيح فيه أن يعرب بالحركات الظاهرة على النون ولا يكون في آخره حرف علة، والإتمام جائز، لكنه قليل جدا وأنكر الفراء جواز إتمامه، وهو محجوج بحكاية سيبويه الإتمام عن العرب ومن حفظ حُجَّةٌ على من لم يحفظ. ا. هـ.
الصفات العامة لإعرابها بالحروف:
المقصود بأنها "عامة" أنه يجب أن تتوافر في كل هذه الأسماء السابقة فليست خاصة باسم منها دون الآخر.
وهذه الصفات تلخصها عبارة واحدة هي: "أن تكون هذه الأسماء مفردة مكبرة مضافة لغير ياء المتكلم".
وهذه العبارة المجملة تحمل الصفات الآتية تفصيلا:
стр. 35
أ- أن تكون هذه الأسماء مفردة لا مثناة ولا مجموعة.
ب- أن تكون هذه الأسماء مكبرة لا مصغرة، مثل "أُبَيّ، أخي".
ج- أن تكون مضافة لاسم ظاهر مثل "أبو العباس" أو لضمير مثل "أخوك".
د- أن تكون مضافة لغير ياء المتكلم.
هذه الصفات الأربع يجب توافرها مجتمعة في الأسماء الستة لتعرب بالواو رفعًا وبالألف نصبًا وبالياء جرًّا.
- جاء في القرآن: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (١).
- وجاء في الحديث: "ولو كنت متخذًا خليلًا لاتَّخذت أبا بكر خليلا" (٢).
فالكلمات "أخوه، أبينا، أبانا" في الآية معربة بالحروف وهي مستوفاة للشروط الأربعة السابقة، والأولى مرفوعة بالواو، والثانية مجرورة بالياء، والثالثة منصوبة بالألف، وكلمة "أبا بكر" في الحديث معربة أيضا بالحروف، لاستيفائها الشروط، وهي منصوبة بالألف "مفعول به" للفعل "اتخذ".
فإذا لم تتوافر إحدى هذه الصفات أو أكثر، فإن الاسم لا يعرب إعراب الأسماء الستة، بل يكون له إعراب آخر على حسب نسبته إلى باب غير هذا الباب مما لا داعي هنا لتفصيل القول فيه
стр. 36
الصفات الخاصة بالكلمتين "ذو، فم":
المقصود بأنها "خاصة" أنها يجب أن تتوافر في هاتين الكلمتين فقط بالإضافة إلى الشروط العامة السابقة.
- ذو:
تقول "ذو الفضل، ذو العلم، ذو الخلق، ذو ثروة، ذو نجابة، ذو إحساس" ففي هذه الأمثلة وأشباهها تعرب "ذو" بالحروف -بالواو رفعًا وبالألف نصبًا وبالياء جرًّا- لاستيفائها الصفات العامة السابقة بالإضافة إلى الصفتين الخاصتين التاليتين:
أ- أن تكون بمعنى صاحب، يعني إذا قلت: "ذو خلق" فهو بمعنى "صاحب خلق" وإذا قلت: "ذو ثروة" فهو بمعنى "صاحب ثروة".
ب- أن تكون مضافة لاسم ظاهر فقط، لا لضمير، فإن إضافتها لضمير لا يكاد يستعمل في اللغة، قال المتنبي:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله … وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم (١)
وقال زهير:
стр. 37
ومَنْ يَكُ ذا فَضْلٍ فيبخلْ بفضله … على قومِهِ يُستَغنَ عنه ويُذْممِ (١)
- فم:
تقول: "فُو المنافِق يُخْرِجُ الكذب، فمِنْ فِيهِ تَخْرُجُ نَارُ الضغائن" وتقول: "أَغلِق فاك عن الكلام الضَّار" فهي في "فو المنافق" مبتدأ مرفوع بالواو، ثم استعملت في "من فيه" مجرور بالحرف "من" بالياء، أما في "أغلق فاك" فهي مفعول به منصوب بالألف، ولكي تعرب هذا الإعراب يجب أن تتجرد من الميم، فكلمة "فم" لا تعرب بالحروف
стр. 38
بل بالحركات الأصلية، وهذا بالإضافة إلى الصفات العامة التي سبق شرحها.
قال عمر بن أبي ربيعة:
قالتْ ورأسِ أبي ونعمةِ والدي … لَأُنَبِّهَنَّ الحيَّ إن لم تَخرجِ
فخرجْتُ خوف يمينها فتبسَّمتْ … فعلمتُ أن يمينها لم تحرج
فلثمتُ فاها آخِذًا بقُرونها … فعلَ النزيفِ بِبَرْدِ ماءِ الحشرجِ (١)
стр. 39
الاسم الذي لا ينصرف:
١ - العلاقة بين ما ينصرف وما لا ينصرف
٢ - عرض عام لصفات منع الصرف
٣ - يتفرع على هذا الباب المسائل الآتية:
أ- عودة الممنوع من الصرف للإعراب الأصلي
ب- صرف الممنوع من الصرف عند الحاجة
ج- منع صرف الأسماء المنصرفة عند الحاجة
العلاقة بين المنصرف وغير المنصرف:
لاحظ المجموعتين الآتيتين من الجمل:
الاستشهادُ في سبيل المبدأ رجولةٌ وشرفٌ … "رجولةٌ، شرفٌ" منونتان مرفوعتان بالضمة
ويعيش الأحرارُ حياتهم رجولةً وشرفًا … "رجولةً، شرفًا" منونتان منصوبتان بالفتحة
ويسقطون -حين موتهم- على رجولةٍ وشرفٍ … "رجولةٍ، شرفٍ" منونتان مجرورتان بالكسرة
يقول الرسول: الساكتُ عن الحق شيطان أخرسُ … "أخرسُ" غير منون، مرفوع بالضمة
ونقول، من تكلم فيما لا يعنيه كان إنسانًا أحمقَ … "أحمق" غير منون، منصوب بالفتحة
والعاقل من لا يثرثر بحديث أحمقَ … "أحمقَ" غير منون مجرور بالفتحة
стр. 40
ينبغي أولا أن يفهم المقصود من الكلمتين "منصرف، غير منصرف" فإن المنصرف هو الاسم المنون تنوين التمكن مثل "رجولة، شرف، قوة، عزة، أمين، عادل" وأما غير المنصرف فهو الاسم غير المنون -لأسباب سيأتي شرحها- مثل "أخرس، أحمق، معاوية، يزيد، أحمد، عمر، عثمان، ظمآن، ريَّان" والتنوين يقصد به علميا: نون ساكنة تلحق آخر الاسم لفظًا لا خطًّا، بمعنى أنها تنطق ولا تكتب.
إذا علم ذلك، فما هي العلاقة بين الاسم المنصرف والاسم الممنوع من الصرف؟ أو بعبارة أخرى: ما هي وجوه الموازنة بين الاثنين؟ إن ذلك يتلخص في الآتي:
أولا: يتفق المنصرف وغير المنصرف في شيئين:
١ - أن كلا منهما يرفع بالضمة، تقول: "كان إبراهيمُ خليلَ الله، وكان محمدٌ خاتمَ الأنبياء".
٢ - أن كلا منهما ينصب بالفتحة، تقول: "بعث الله إبراهيمَ ومحمدًا لهداية الناس".
ثانيا: يفترق المنصرف وغير المنصرف في شيئين:
١ - أن المنصرف منون، وغير المنصرف لا ينون، مثل: "محمد" و "إبراهيم".
٢ - أن المنصرف يجر بالكسرة على الأصل، وغير المنصرف يجر بالفتحة على خلاف الأصل، تقول: "يرجع نَسَبُ محمدٍ إلى إبراهيمَ ﵉".
صفات ما يمنع الصرف:
تتدرج هذه الصفات -بصورة عامة- تحت صنفين رئيسين:
الصنف الأول: ما يمنع من الصرف لوجود صفة واحدة فيه
الصنف الثاني: ما يمنع من الصرف لوجود صفتين فيه
وكل من هذين الصنفين في حاجة إلى بيانه تفصيلا.