← Фикх шафии

Фикх шафии · id 20

مختصر تحفة المحتاج بشرح المنهاج

مصطفى سميط

Полный текст (2 142 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

فصل الْغَنِيمَةُ: مَالٌ حَصَلَ مِنْ كُفَّارٍ بِقِتَالٍ وَإِيجَافٍ. فَيُقَدَّمُ مِنْهُ السَّلَبُ لِلْقَاتِلِ، وَهُوَ ثِيَابُ الْقَتِيلِ وَالخُفُّ وَالرَّانُ وَآلَاتُ الحَرْبِ كَدِرْعٍ وَسِلَاحٍ وَمَرْكُوبٍ وَسَرْجٍ وَلِجَامٍ (فصل) في الغنيمة وما يتبعها (الغنيمة مال) وكذا اختصاص وإن كانت له أحكام خاصة (حصل من) مالكين له (كفار) أصليين حربيين (بقتال) أ (و إيجاف) لنحو خيل أو إبل منا، لا من ذميين فإنه لهم ولا يخمس، وأما ما أخذه الكافر من مسلم قهرا فيجب رده لمالكه كفداء الأسير يُردُّ إليه إن كان من ماله وإلا ردّ لمالكه. وأما ما حصل من مرتدين ففيء كما مر، ومن ذميين يرد إليهم، وكذا ممن لم تبلغه الدعوة أصلا، أو لم تبلغه دعوة نبينا ﷺ ولو لم يتمسك بدين حق (١) (٢). ولا يرد على التعريف ما هربوا عنه عند الالتقاء وقبل شهر السلاح وما صالحونا به أو أهدوه لنا عند القتال فإن القتال لما قرب وصار كالمتحقق الموجود صار كأنه موجود هنا بطريق القوة المنزلة منزلة الفعل بخلاف ما تركوه بسبب حصول نحو خيلنا في دارهم فإنه فيء; لأنه لما لم يقع تلاق لم تقو شائبة القتال فيه (فيقدم منه) أي من أصل المال (السّلَب للقاتل) المسلم ولو نحو صبي وقن وإن لم يشترط له وإن كان المقتول نحو قريبه وإن لم يقاتل، أو نحو امرأة أو صبي إن قاتلا ولو أعرض عنه؛ للخبر المتفق عليه ((من قتل قتيلا له عليه بيَّنة فله سلبه))، نعم القاتل المسلم القن لذمي لا يستحقه وإن خرج بإذن الإمام وكذا نحو مخذل وعين (وهو ثياب القتيل) التي عليه (والخف والران) وهو خف طويل لا قدم له يلبس للساق (وآلات الحرب كدرع) وهو المسمى اللامة (وسلاح)، قضيته أن الدرع غير سلاح وهو كذلك، وقد يطلق عليه (ومركوب) ولو بالقوة كأن قاتل راجلا وعنانه بيده مثلا، ولا يكفي إمساك غلامه له حينئذ وإن نزل لحاجة (وسرج ولجام) ومقود (٣)

стр. 1192

وَكَذَا سِوَارٌ وَمِنْطَقَةٌ وَخَاتَمٌ، وَنَفَقَةٌ مَعَهُ وَجَنِيبَةٌ تُقَادُ مَعَهُ فِي الْأَظْهَرِ، لَا حَقِيبَةٌ مَشْدُودَةٌ عَلَى الْفَرَسِ عَلَى المَذْهَبِ. وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِرُكُوبِ غَرَرٍ يَكْفِي بِهِ شَرَّ كَافِرٍ فِي حَالِ الحَرْبِ، فَلَوْ رَمَى مِنْ حِصْنٍ أَوْ مِنَ الصَّفِّ أَوْ قَتَلَ نَائِمًا أَوْ أَسِيرًا أَوْ قَتَلَهُ وَقَدِ انْهَزَمَ الْكُفَّارُ فَلَا سَلَبَ، ومهماز (١) ولثبوت يده على ذلك لأجل القتال حسا (وكذا سوار ومنطقة (٢) وهميان (٣) بما فيه وطوق (٤) (وخاتم ونفقة معه وجنيبة) فرس أو غيره ولو من غير جنس مركوبه كراكب فرس معه نحو ناقة أو بغل جنيب، لا أكثر من واحدة ولا ولد مركوبة، والخيرة في واحد من الجنائب للمستحق (تقاد) وإن لم يقدها هو (معه) أمامه أو خلفه أو بجنبه، ويلحق بها سلاح مع غلامه يحمله له (في الأظهر)؛ لاتصال هذه الأشياء به مع احتياجه للجنيبة (لا حقيبة مشدودة على الفرس) وما فيها من نقد ومتاع (على المذهب)؛ لانفصالها عن فرسه مع عدم الاحتياج إليها، نعم لو جعلها وقاية لظهره اتجه دخولها (وإنما يستحق) القاتل السلب (بركوب غرر يكفي به) أي الركوب أو الغرر المسلمين (شر كافر) أصلي مقبل على القتال (في حال الحرب) كأن أغرى به كلبا أو أعجميا (٥) يعتقد وجوب طاعته ووقف في مقابلته حتى قتله بمغراه; لأنه خاطر بروحه حيث صبر في مقابلته حتى عقره الكلب (فلو رمي من حصن أو من الصف أو قتل نائما) أو غافلا أو مشغولا أو نحو شيخ هم (أو أسيرا) لغيره وإلا فسيأتي (أو قتله وقد انهزم الكفار) بالكلية بخلاف ما إذا تحيزوا أو قصدوا نحو خديعة؛ لبقاء القتال، ولو انهزم واحد فتبعه حتى قتله مرتكبا الغرر فيه أن له سلبه وإن بَعُد عن الجيش وانقطعت نسبته عنه بخلاف المنهزم بانهزام جيشه؛ لاندفاع شره (فلا سلب)؛ لعدم التغرير بالنفس الذي جعل له السلب في مقابلته. ولو أثخنه واحد وقتله آخر فهو للمثخن؛ لما يأتي، فإن لم يثخنه فللثاني أو أمسكه واحد ولم يمنعه الهرب فقتله آخر فلهما، فإن منعه فهو الآسر.

стр. 1193

وَكِفَايَةُ شَرِّهِ أَنْ يُزِيلَ امْتِنَاعَهُ بِأَنْ يَفْقَأَ عَيْنَيْهِ أَوْ يَقْطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ. وَكَذَا لَوْ أَسَرَهُ أَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ فِي الْأَظْهَرِ. وَلَا يُخَمَّسُ السَّلَبُ عَلَى المَشْهُورِ. وَبَعْدَ السَّلَبِ يُخْرَجُ مُؤْنَةُ الحِفْظِ وَالنَّقْلِ وَغَيْرِهِمَا، ثُمَّ يُخَمَّسُ الْبَاقِي فَخُمُسُهُ لِأَهْلِ خُمُسِ الْفَيْءِ يُقَسَّمُ كَمَا سَبَقَ. وَالْأَصَحُّ أَنَّ النَّفَلَ يَكُونُ مِنْ خُمُسِ الخُمُسِ المُرْصَدِ لِلْمَصَالحِ إنْ نَفَلَ مِمَّا سَيُغْنَمُ فِي هَذَا الْقِتَالِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُنَفِّلَ مِنْ مَالِ المَصَالحِ الحَاصِلِ عِنْدَهُ، ولو كان أحدهما لا سلب له كمخذل كان ما يثبت له لولا المانع غنيمة (١) (وكفاية شره أن يزيل امتناعه بأن يفقأ) يعني يزيل ضوء (عينيه) أو العين الباقية له (أو يقطع يديه ورجليه) ; لأنه ﷺ ((أعطى سلب أبي جهل لعنه الله لمثخنيه ابني عفراء دون قاتله ابن مسعود ﵃) (وكذا لو أسره) فقتله الإمام أو مَنَّ عليه أو أرقه أو فداه، نعم لا حق للآسر في رقبة المأسور وفدائه; لأن اسم السلب لا يقع عليهما (أو قطع يديه أو رجليه) أو قطع يدا أو رجلا (في الأظهر) ; لأنه أزال أعظم امتناعه، وفرض بقائه مع هذا أو ما قبله نادر (ولا يخمس السلب على المشهور)؛ للاتباع (وبعد السلب يخرج) من رأس مال الغنيمة حيث لا متطوع (مؤنة الحفظ والنقل وغيرهما) من المؤن اللازمة؛ للحاجة إليها، ولا يجوز له إخراجها وثم متطوع ولا بأكثر من أجرة المثل; لأنه كولي اليتيم (ثم يخمس الباقي) وإن شرط عليهم عدم تخميسه فيجعل خمسة أقسام متساوية ويكتب على رقعة لله أو للمصالح وعلى أربعة للغانمين وتدرج في بنادق ويقرع فما خرج لله جعل خمسه للخمسة السابقين في الفيء كما قال: (فخمسه لأهل خمس الفيء يقسم كما سبق) والأربعة الباقية للغانمين وتقدم قسمتها بينهم لحضورهم، ويكره تأخيرها لدارنا بل يحرم إن طلبوا تعجيلها ولو بلسان الحال. ولا يصح شرط الإمام من غَنِم شيئا فهو له (والأصح أن النفَْل يكون من خمس الخمس المرصد للمصالح) ; لأنه المأثور كما جاء عن ابن المسيب، وإنما يجري هذا الخلاف (إن نَفَل) بأن شرط الإمام الثلث مثلا (مما سيغنم في هذا القتال) وغيره، ويغتفر الجهل؛ للحاجة، وأفهمت السين امتناع التنفيل مع الجهل بالقدر مما غُنِم وهو كذلك بخلاف ما إذا علم كما قال: (ويجوز أن ينفل من مال المصالح الحاصل (٢) عنده) في بيت المال. ويجب تعيين قدره؛ إذ لا حاجة لاغتفار الجهل

стр. 1194

وَالنَّفَْلُ زِيَادَةٌ يَشْتَرِطُهَا الْإِمَامُ أَوْ الْأَمِيرُ لِمَنْ يَفْعَلُ مَا فِيهِ نِكَايَةٌ فِي الْكُفَّارِ وَيَجْتَهِدُ فِي قَدْرِهِ، وَالْأَخْمَاسُ الْأَرْبَعَةُ عَقَارُهَا وَمَنْقُولُهَا لِلْغَانِمِينَ. وَهُمْ مَنْ حَضَرَ الْوَقْعَةَ بِنِيَّةِ الْقِتَالِ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ حينئذ، وما اقتضاه كلام المتن من تخييره بين الخمس ومال المصالح يحمل على ما إذا لم يظهر له أن أحدهما أصلح وإلا لزمه فعله (والنفَْل زيادة) على سهم الغنيمة (يشرطها الإمام أو الأمير) عند الحاجة لا مطلقا (لمن يفعل) ولو غير معين (ما فيه نكاية في الكفار) زائدة على نكاية الجيش كدلالة على قلعة وتجسس وحفظ مكمن سواء استحق سلبا أم لا. وللنفل قسم آخر وهو أن يزيد الإمام من صَدَر منه أثر محمود في الحرب كبراز وحسن إقدام وهو من سهم المصالح الذي عنده أو من هذه الغنيمة (ويجتهد) الإمام أو الأمير (في قدره) بحسب قلة العمل وخطره وضدهما. (والأخماس الأربعة) أي الباقي منها بعد السلب والمؤن (عقارها ومنقولها للغانمين)؛ للآية وفعله ﷺ (وهم من حضر الوقعة (١) يعني قبل الفتح ولو بعد الإشراف عليه (بنية القتال) بخلاف المخذل والمرجف (٢) (وإن لم يقاتل) أو قاتل وإن حضر بنية أخرى؛ لقول أبي بكر وعمر ﵄ إنما الغنيمة لمن شهد الوقعة ولا مخالف لهما من الصحابة، فعُلم أنه لو هرب أسير من كفار فحضر بنية خلاص نفسه دون القتال لم يستحق إلا إن قاتل لكن إن كان من غير هذا الجيش وإلا استحق. ولو انهزم حاضر غير متحرف ولا متحيزا إلى فئة قريبة لم يستحق شيئا مما غنم في غيبته، ولا يَرِد; لأن انهزامه أبطل نية القتال، فإن عاد أو حضر شخص الوقعة في الأثناء لم يستحق إلا مما غنم بعد حضوره. ويصدق متحرف لقتال أو متحيز لفئة قريبة بيمينه إن عاد قبل انقضاء الحرب فيشارك في الجميع. والسرايا المبعوثة من دار الحرب شركاء فيما غنمه كل الجيش وإن اختلفت الجهة وفَحُش البعد بينهم. أما المبعوثة من دارنا فلا يشاركون إلا إن تعاونوا واتحد أميرهم والجهة؛ إذ لا يكونون كجيش واحد إلا فيما ذكر، ويلحق بكل جاسوسها وحارسها وكمينها (٣) ; لأنهم في حكم

стр. 1195

وَلَا شَيْءَ لِمَنْ حَضَرَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْقِتَالِ، وَفِيمَا قَبْلَ حِيَازَةِ المَالِ وَجْهٌ. وَلَوْ مَاتَ بَعْضُهُمْ بَعْدَ انْقِضَائِهِ وَالحِيَازَةِ فَحَقُّهُ لِوَارِثِهِ وَكَذَا بَعْدَ الِانْقِضَاءِ وَقَبْلَ الحِيَازَةِ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ مَاتَ فِي الْقِتَالِ فَالمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْأَجِيرَ لِسِيَاسَةِ الدَّوَابِّ وَحِفْظِ الْأَمْتِعَةِ، وَالتَّاجِرَ وَالمُحْتَرِفَ يُسْهَمُ لَهُمْ إذَا قَاتَلُوا. وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ، وَلِلْفَارِسِ ثَلَاثَةٌ الحاضرين (ولا شيء لمن حضر بعد انقضاء القتال)؛ لما مر، (وفيما) لو حضر (قبل حيازة المال) جميعه وبعد انقضاء الوقعة (وجه) أنه يُعطى، (ولو مات بعضهم بعد انقضائه والحيازة فحقه) أي حق تملكه؛ لِمَا سيذكر أن الغنيمة لا تملك إلا بالقسمة أو اختيار التملك (لوارثه) كسائر الحقوق (وكذا) لو مات بعضهم (بعد الانقضاء) للقتال (وقبل الحيازة في الأصح)؛ لوجود المقتضي للتملك وهو انقضاء القتال (ولو مات في) أثناء (القتال) قبل حيازة شيء (فالمذهب أنه لا شيء له) فلا حق لوارثه في شيء. أو بعد حيازة شيء فله حصته منه، وفارق استحقاقه لسهم فرسه الذي مات أو خرج عن ملكه في الأثناء ولو قبل الحيازة بأنه أصل والفرس تابع فجاز بقاء سهمه للمتبوع. ومرضه وجرحه في الأثناء لا يمنع استحقاقه وإن لم يرج برؤه. والجنون والإغماء كالموت (١) (والأظهر أن الأجير) إجارة عين (لسياسة الدواب وحفظ الأمتعة والتاجر والمحترف) كالخياط (يسهم لهم إذا قاتلوا) ; لأنهم أولى ممن حضر بنية القتال ولم يقاتل. أما أجير الذمة فيستحق جزما إن قاتل أو نوى القتال كتاجر نوى القتال، وأجير الجهاد المسلم لا سهم له ولا رضخ ولا أجرة؛ لبطلان الإجارة له مع إعراضه عن القتال بالإجارة المنافية له (وللراجل سهم وللفارس) وإن غصب الفرس لكن من غير حاضر وإلا فلمالك الفرس كما لو ضاع فرسه في الحرب فوجده آخر فقاتل عليه فيسهم لمالكه (ثلاثة) واحد له واثنان لفرسه؛ للاتباع، وإن لم يقاتل عليه بأن كان معه أو بقربه متهيئا لذلك ولكنه قاتل راجلا، أو في سفينة بقرب الساحل واحتمل أن يخرج ويركب; لأنه قد يحتاج إليها. ولو حضرا بفرس مشترك أعطيا سهمه شركة بينهما فإن ركباها وكان فيها قوة الكر والفر بهما أعطيا أربعة أسهم سهمان لهما وسهمان للفرس وإلا فسهمان لهما فقط، نعم ينبغي أن لها الرضخ كما لا غناء فيه. ولو غزا نحو صبيان وعبيد ونساء قسم بينهم ما عدا الخمس بحسب ما

стр. 1196

وَلَا يُعْطَى إلَّا لِفَرَسٍ وَاحِدٍ عَرَبِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، لَا لِبَعِيرٍ وَغَيْرِهِ. وَلَا يُعْطَى لِفَرَسٍ أَعْجَفَ وَمَا لَا غَنَاءَ فِيهِ، وَفِي قَوْلٍ يُعْطَى إنْ لَمْ يُعْلَمْ نَهْيُ الْأَمِيرِ عَنْ إحْضَارِهِ. وَالْعَبْدُ وَالصَّبِيُّ وَالمَرْأَةُ وَالذِّمِّيُّ إذَا حَضَرُوا فَلَهُمْ الرَّضْخُ وَهُوَ دُونَ سَهْمٍ يَجْتَهِدُ الْإِمَامُ فِي قَدْرِهِ يقتضيه الرأي من تساوٍ وتفضيل ما لم يحضر معهم كامل وإلا فلهم الرضخ وله الباقي، فلو حضر ذميون مع مسلم كان لهم بعد الخمس الرضخ والباقي للمسلم (ولا يعطى) من معه أكثر من فرس (إلا لفرس واحد)؛ للاتباع (عربيا كان أو غيره)؛ لصلاح الكل للكرِّ والفرِّ (لا لبعير وغيره) كفيلٍ وبغل؛ إذ لا تصلح صلاحية الخيل، نعم يرضخ لها ولا يبلغ بها سهم فرس ويفاوت بينها وأعلاها الفيل فالبعير، قيل إلا الهجين فيقدم على الفيل وفيه نظر فالبغل فالحمار على الأوجه (ولا يعطى لفرس) لا نفع فيه كصغير وهو ما لم يبلغ سنة، و (أعجف) أي مهزول، ومثله الحرون (١) الجموح (٢) (وما لا غَناء) أي نفع (فيه) لنحو كبر وهرم؛ لعدم فائدته (وفي قول يعطي إن لم يعلم نهي الأمير عن إحضاره) كالشيخ الهم، وفرق الأول بأن هذا ينتفع برأيه ودعائه. والكلام في السهم أما الرضخ فيعطى له أي ما لم يعلم النهي عن إحضاره؛ إذ لا يدخل الأمير دار الحرب إلا فرسا كاملا، ولا يؤثر طرو عجفه ومرضه وجرحه أثناء القتال (والعبد والصبي) والمجنون ولو غير مميزين (والمرأة) ومثلها الخنثى ما لم تبن ذكورته والأعمى والزمن وفاقد الأطراف والتاجر والمحترف إذا لم يقاتلا ولا نويا القتال (والذمي) وألحق به معاهد ومستأمن وحربي بشرطهم الآتي (إذا حضروا) ولو بغير إذن سيد وزوج وولي (فلهم) إن كان فيهم نفع ولم يكن (٣) للمسلم منهم سلب (الرضخ) وجوبا؛ للاتباع في ذلك، وما للقن لسيده. أما المبعض فالرضخ بينه وبين سيده ما لم تكن مهايأة ويحضر في نوبته فيكون الرضخ له أو في نوبة سيده فلسيده (وهو دون سهم يجتهد الإمام في قدره) ; لأنه لم يرد فيه تحديد، ويفاوت بين مستحقيه بحسب تفاوت نفعهم ولا يبلغ برضخ راجل أو فارس سهم راجل، ولا برضخ الفرس سهمي الفرس الكامل وإن بلغ سهم الفارس؛ اعتباراً لكلّ

стр. 1197

وَمَحِلُّهُ الْأَخْمَاسُ الْأَرْبَعَةُ فِي الْأَظْهَرِ. قُلْتُ: إنَّمَا يَرْضَخُ لِذِمِّيٍّ حَضَرَ بَلَا أُجْرَةٍ، وَبِإِذْنِ الْإِمَامِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ … ... بجنسه (ومحله الأخماس الأربعة في الأظهر) ; لأنه سهم من الغنيمة بسبب استحقاقه حضور الوقعة (قلت إنما يرضخ لذمي) ومن ألحق به (حضر بلا أجرة) ولو بجعالة وإلا فلا شيء له غيرها جزما وإن زادت على سهم راجل وجازت الاستعانة به (وبإذن الإمام) أو الأمير (على الصحيح) وإلا فلا شيء له بل يعزره إن رأى ذلك؛ لتعديه (والله أعلم) وباختياره وإلا فإن أكرهه الإمام أو الأمير على الحضور فله أجرة مثله، ولو زال نقص ذي الرضخ بنحو إسلام وعتق وبلوغ أثناء القتال أسهم لهم ولو مما حيز قبل زوال نقصه، أو بعده فلا ولو قبل الحيازة.

стр. 1198

كتاب قسم الصدقات الْفَقِيرُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ وَلَا كَسْبَ يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ حَاجَتِهِ، وَلَا يَمْنَعُ الْفَقْرَ مَسْكَنُهُ وَثِيَابُهُ (كتاب قسم الصدقات) أي الزكوات لمستحقيها (الفقير من لا مال له (١)، ولا كسب) حلال لائق به (يقع) جميعهما أو مجموعهما (موقعا من حاجته) من مطعم وملبس ومسكن وسائر ما لا بد منه لنفسه وممونه الذي تلزمه مؤنته -لا غيره وإن اقتضت العادة إنفاقه- على ما يليق به وبهم من غير إسراف ولا تقتير كمن يحتاج عشرة ولا يجد إلا درهمين، وقضية الحد أن الكسوب غير فقير وإن لم يكتسب وهو كذلك إن وجد من يستعمله وقدر عليه أي بأن لم يكن عليه فيه مشقة لا تحتمل عادة، وحل له تعاطيه ولاق به كما يأتي وإلا أعطي. وقضيته أيضا أن من كان لديه مال وعليه دين بقدر ذلك المال أو أكثر (٢) غير فقير أيضا فلا يعطى من سهم الفقراء حتى يصرف ما معه في الدين. ومن له عقار ينقص دخله عن كفايته فقير أو مسكين بناء على ما يأتي أنه يعطى كفاية العمر الغالب، نعم إن كان نفيسا ولو باعه حصل به ما يكفيه دخله لزمه بيعه. (ولا يمنع الفقر) والمسكنة كما يأتي (مَسْكَنُهُ) الذي يحتاجه ولاق به وإن اعتاد السكن بالأجرة (٣) بخلاف ما لو نزل في موقوف يستحقه; لأن هذا كالملك بخلاف ذاك. ولا تكلف مكفية بإسكان زوجها بيع دارها لو احتاجت لنحو نفقة لعسر زوجها مثلا (وثيابه) -ولو للتجمل بها في بعض أيام السنة وإن تعددت إن لاقت به كالمسكين، ولذا فحليّ المرأة اللائق بها المحتاجة للتزين به عادة لا يمنع فقرها، وقنه المحتاج لخدمته، ولو لمروءته لكن إن اختلت مروءته بخدمته لنفسه أو شقت عليه مشقة لا تحتمل عادة، وكتبه التي يحتاجها ولو نادرا لعلم شرعي أو آلة له كتواريخ المحدثين وأشعار نحو اللغويين ولو مرة في السنة أو كطب أو وعظ

стр. 1199

وَمَالُهُ الْغَائِبُ فِي مَرْحَلَتَيْنِ، وَالمُؤَجَّلُ وَكَسْبٌ لَا يَلِيقُ بِهِ. وَلَوِ اشْتَغَلَ بِعِلْمٍ وَالْكَسْبُ يَمْنَعُهُ فَهُوَ فَقِيرٌ. وَلَوِ اشْتَغَلَ بِالنَّوَافِلِ فَلَا لنفسه أو غيره. ولو تكررت عنده كتب من فن واحد بقيت كلها لمدرس والمبسوط لغيره فيبيع الموجز إلا إن كان فيه ما ليس في المبسوط، أو تكررت نسخ من كتاب بقي له الأصح لا الأحسن، فإن كانت إحدى النسختين كبيرة الحجم والأخرى صغيرته بقيتا لمدرس; لأنه يحتاج لحمل هذه إلى درسه، وغير المدرس يبقى له أصحهما كما مر. وآلة المحترف كخيل جندي مرتزق وسلاحه إن لم يعطه الإمام بدلهما من بيت المال، ومتطوع احتاجهما وتعين عليه الجهاد، ولو استغنى بموقوف من كتب بِيع ما عنده، ويباع مصحف مطلقا؛ لأنه تسهل مراجعته (١). وثمن ما ذكر ما دام معه يمنع إعطاءه بالفقر حتى يصرفه فيه. [تنبيه] قولهم ((أيام السنة)) و ((لو مرة في السنة)) مبني على المرجوح أنه يُعطى كفاية سنة والمعتمد العمر الغالب فعليه لو احتاج لبعض الثياب أو الكتب مرة مثلاً في كل سنتين أو أكثر بقيت له (وماله الغائب في مرحلتين) أو الحاضر وقد حيل بينه وبينه (و) ماله (المؤجل) ; لأنه معسر الآن فيهما، فيأخذ حتى يصله أو يَحِلّ ما لم يجد من يقرضه; لأنه غني (وكسب لا يليق) شرعا أو عرفا (به) لحرمته أو لإخلاله بمروءته; لأنه حينئذ كالعدم كما لو لم يجد من يستعمله إلا مَن مالُهُ حرام أو فيه شبهة قوية (٢)، والأولى لمن أخل الكسب بمرؤته أن يكتسب فإن لم يكتسب أعطي. (ولو اشتغل) بحفظ قرآن أو (بعلم) شرعي -ومنه بل أهمه في حق من لم يرزق قلبا سليما علم الباطن المطهر للنفس عن أخلاقها الرديئة- أو آلة له وأمكن عادة أن يتأتى منه تحصيل فيه، ويلحق بذلك الاشتغال بالصلاة على الجنائز بجامع أنه فرض كفاية أيضا (والكسب) الذي يحسنه (يمنعه) من أصل العلم أو كماله (فهو فقير) فيعطى ويترك الكسب؛ لتعدي نفعه وعمومه، (ولو اشتغل بالنوافل) من صلاة وغيرها (فلا) يعطى شيئا من الزكاة من سهم الفقراء وإن استغرق بذلك جميع وقته; لأن نفعه قاصر عليه سواء الصوفي وغيره، نعم لو نذر صوم الدهر وانعقد نذره -بأن كان الصوم لا يضره- ومنعه صومه عن كسبه أعطي؛ للضرورة حينئذ كما لو احتاج للنكاح ولا شيء معه فيعطى ما

стр. 1200

وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الزَّمَانَةُ وَلَا التَّعَفُّفُ عَنِ المَسْأَلَةِ عَلَى الجَدِيدِ. وَالمَكْفِيُّ بِنَفَقَةِ قَرِيبٍ أَوْ زَوْجٍ لَيْسَ فَقِيرًا فِي الْأَصَحِّ. وَالمِسْكِينُ: مَنْ قَدَرَ عَلَى مَالٍ أَوْ كَسْبٍ يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِ وَلَا يَكْفِيهِ. وَالْعَامِلُ سَاعٍ وَكَاتِبٌ وَقَاسِمٌ وَحَاشِرٌ يَجْمَعُ ذَوِي الْأَمْوَالِ، يصرفه فيه (ولا يشترط فيه) أي الفقير (الزَّمانة) والمراد بها هنا ما يمنع الكسب من مرض ونحوه (ولا التعفف عن المسألة على الجديد) فيهما؛ لصدق اسم الفقر مع ذلك. (والمكفي بنفقة قريب) أصل أو فرع (أو زوج ليس فقيرا) ولا مسكينا (في الأصح)؛ لاستغنائه، وللمنفق وغيره الصرف إليه بغير الفقر والمسكنة، نعم لا يعطي المنفق قريبه من سهم المؤلفة ما يغنيه عنه؛ لأنه بذلك يسقط النفقة عن نفسه ولا ابن السبيل إلا ما زاد بسبب السفر. وللمزكي أن يعطي المكفي بنفقة من مر ليصرفها على نحو أولاده وعبيده (١) المساكين أو الفقراء بشرط أن لا يكون هؤلاء الأولاد ممن يلزم المزكي الإنفاق عليهم. ولو سقطت نفقتها بنشوز لم تُعط؛ لقدرتها على النفقة حالا بالطاعة، ومن ثم لو سافرت بلا إذن أو مع الزوج مع منعه لها من السفر أعطيت من سهم الفقراء أو المساكين حيث لم تقدر على العود حالا؛ لعذرها، وكذا من سهم ابن السبيل إذا تركت السفر وعزمت على الرجوع؛ لانتهاء المعصية. وأفهم قوله ((المكفي)) أنّ الكلام في زوج موسر، أما معسر لا يكفي فتأخذ تمام كفايتها بالفقر، ويؤخذ منه أن من لا يكفيها ما وجب لها على الموسر؛ لكونها أكولة تأخذ تمام كفايتها بالفقر ولو مِنْهُ، وأن الغائب زوجها ولا مال له ثَم تقدر على التوصل إليه وعجزت عن الاقتراض تأخذ وهو متجه، والمعتدة التي لها النفقة كالتي في العصمة. ويسن لها أن تعطي زوجها من زكاتها ولو بالفقر وإن أنفقها عليها (والمسكين من قَدَر على مال أو كسب) حلال لائق به (يقع موقعا من كفايته) وكفاية ممونه من مطعم وغيره مما مر (ولا يكفيه) كمن يحتاج عشرة فيجد ثمانية أو سبعة وإن ملك نصابا أو نُصُبا. ولا يمنع المسكنة المسكن وما معه مما مر مبسوطا. والمعتمد أن المراد بالكفاية هنا وفيما مر كفاية العمر الغالب لا سنة فحسب. (والعامل) المستحق للزكاة -بأن فرق الإمام أو نائبه ولم يجعل له أجرة من بيت المال- هو (ساع) يجيبها (وكاتب) ما وصل من ذوي الأموال وما عليهم، وحاسب (وقاسم وحاشر) وهو الذي (يجمع ذوي الأموال) أو يجمع من لهم الزكاة، وحافظ، وعريف وهو كالنقيب

стр. 1201

لَا الْقَاضِي وَالْوَالِي. وَالمُؤَلَّفَةُ مَنْ أَسْلَمَ وَنِيَّتُهُ ضَعِيفَةٌ أَوْ لَهُ شَرَفٌ يُتَوَقَّعُ بِإِعْطَائِهِ إسْلَامُ غَيْرِهِ، وَالمَذْهَبُ أَنَّهُمْ يُعْطَوْنَ مِنَ الزَّكَاةِ. وَالرِّقَابُ المُكَاتَبُونَ للقبيلة، وجندي وهو المشد (١) على الزكاة إن احتيج إليه، وكيال ووزَّان وعدَّاد يميز بين الأصناف (لا) الذي يميز نصيب المستحقين من مال المالك بل أجرته عليه، ولا نحو راع وحافظ بعد قبض الإمام لها بل أجرته من أصل الزكاة لا من خصوص سهم العامل، ولا (القاضي والوالي) على الإقليم إذا قاما بذلك بل يرزقهما الإمام من خمس الخمس المرصد للمصالح; لأن عملهما عام، وقضية المتن دخول قبض الزكاة وصرفها في عموم ولاية القاضي وهو كذلك إلا أن ينصب لها ناظرا (٢) خاصا. وإذا مُنِع القاضي حقه في بيت المال جاز له الأخذ بنحو الفقر والغرم مطلقا (والمؤلفة من أسلم) أما المؤلفة قلوبهم من الكفار فلا يعطون من الزكاة ولا من غيرها (ونيته ضعيفة) في أهل الإسلام أو في الإسلام نفسه، فيعطى ولو امرأة؛ ليتقوى إيمانه (أو) من نيته قوية لكن (له شرف) بحيث (يتوقع بإعطائه إسلام غيره) ولو امرأة. (والمذهب أنهم يعطون من الزكاة)؛ لنص الآية عليهم، فلو حرموا لزم أن لا محمل لها. والذي يعطي المؤلفة قلوبهم بسائر أقسامه الإمام وكذا المالك، نعم يتعين على الإمام أن يعطي مِن سهم المؤلفة مَن يقاتل أو يخوف مانعي الزكاة حتى يحملها منهم إلى الإمام، ومَن (٣) يقاتل من يليه من الكفار أو البغاة فيعطيان إن كان إعطاؤهما أسهل من بعث جيش (والرقاب المكاتبون) كما فسر بهم الآية أكثر العلماء. وشرطهم صحة كتابتهم كما سيذكره فخرج من علق عتقه بإعطاء مال فإن عتق بما اقترضه وأداه فهو غارم وأن لا يكون معهم وفاء بالنجوم وإن قدروا على الكسب، لا حلول النجم، ولا إذن للسيد في الإعطاء. ولا يَعطي مكاتبه من زكاته، ويُسترد منه ما أخذه من زكاة غيره إن رُق وكذا إن أُعتق بغير ما أخذه من الزكاة -في غير ما يأتي في التنبيه الآتي- نعم حينئذٍ إن أتلف شيئا قبل العتق من ما أخذه من الزكاة لم يغرم بدله; لأنه حال إتلافه كان ملكه.

стр. 1202

وَالْغَارِمُ إنِ اسْتَدَانَ لِنَفْسِهِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ أُعْطِيَ أَوْ لِمَعْصِيَةٍ فَلَا. قُلْتُ: الْأَصَحُّ يُعْطَى إذَا تَابَ، وَاَللهُ أَعْلَمُ، وَالْأَظْهَرُ اشْتِرَاطُ حَاجَتِهِ دُونَ حُلُولِ الدَّيْنِ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ اشْتِرَاطُ حُلُولِهِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ (والغارم) المدين، ومنه كما مر مكاتب استدان للنجوم وعتق، ثم (إن استدان لنفسه) أي لغرضها الأخروي والدنيوي (في غير معصية أعطي) -وإن صرفه فيها ولو لم يتب- إذا عُلم قصدُهُ الإباحةَ عند الاستدانة، لكنا لا نصدقه في قصده بل لا بد من بينة (أو) استدان (لمعصية) يعني أو لزم ذمته دين بسبب عصى به وقد صرفه فيها كأن اشترى خمرا في ذمته كذا ذكره الرافعي وهو مشكل; لأنه إذا اشتراها وأتلفها لا يلزم ذمته شيء إلا أن يحمل على كافر اشتراها وقبضها في الكفر ثم أسلم فيستقر بدلها في ذمته، أو يراد من ذلك أنه استدان شيئا بقصد صرفه في تحصيل خمر وصرفه فيها فالاستدانة بهذا القصد معصية، وتعبيره بالاستدانة جري على الغالب فلو أتلف مال غيره عمدا أو أسرف في النفقة كان كذلك، والمراد بالإسراف هنا الزائد على الضرورة، أما الاقتراض للضرورة فلا حرمة فيه (فلا) يعطى شيئا؛ لتقصيره بالاستدانة للمعصية مع صرفا فيها (قلت: الأصح يعطى إذا تاب) حالا إن غلب ظن صدقه في توبته (والله أعلم)، وكذا إذا صرفه في مباح كعكسه السابق، والعبرة في المعصية بعقيدة المدين لا غيره كالشاهد بل أولى. ولا يعطى غارم مات ولا وفاء معه; لأنه إن عصى به فواضح وإلا فهو لا يحبس بسببه عن مقامه الكريم (١) وإن أخذ الدائن من حسناته، نعم يعطى المستدين لنفع عام لو مات ولا وفاء معه كبقية أقسام الغارم الآتية، ومحل ما تقدم فيمن لم يملك حصته قبل موته؛ لكونه من المحصورين (والأظهر اشتراط حاجته) بأن يكون بحيث لو قضى دينه مما معه تمسكن فيترك له مما معه ما يكفيه أي الكفاية السابقة للعمر الغالب، ثم إن فضل معه شيء صرفه في دينه وتمم له باقيه وإلا قضى عنه الكل. ولا يكلف كسوب الكسب هنا; لأنه لا يقدر على قضاء دينه منه غالبا إلا بتدريج وفيه حرج شديد بل وظاهر كلامهم هنا أنه لا يكلفه عاصٍ بالاستدانة صرفه في مباح أو تاب (دون حلول الدين) ; لأنه يسمى الآن مدينا (قلت: الأصح اشتراط حلوله والله أعلم)؛ لعدم

стр. 1203

أَوْ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ أُعْطِيَ مَعَ الْغِنَى، وَقِيلَ: إنْ كَانَ غَنِيًّا بِنَقْدٍ فَلَا. وَسَبِيلُ اللهِ تَعَالَى غُزَاةٌ لَا فَيْءَ لَهُمْ فَيُعْطَوْنَ مَعَ الْغِنَى. وَابْنُ السَّبِيلُ مُنْشِئُ سَفَرٍ أَوْ مُجْتَازٌ، وَشَرْطُهُ الحَاجَةُ وَعَدَمُ المَعْصِيَةِ، حاجته إليه الآن (أو) استدان (لإصلاح ذات البين) بأن يخاف فتنة بين شخصين أو قبيلتين فيستدين ما تسكن به الفتنة (أعطي) إن حل الدين هنا أيضا (مع الغنى) ولو بنقد وإلا لامتنع الناس من هذه المكرمة. أما لو أعطى من ماله فلا يُعطى، ومثله ما لو استدان ووفَّى من ماله (وقيل إن كان غنيا بنقد فلا) يعطى. ومن أقسام الغارم الضامن لغيره فيعطى إن كان المضمون حالا وقد أعسر هو والأصيل وإن ضمن بالإذن، أو أعسر هو وحده إن لم يضمن بالإذن، ومن أقسامه أيضا من استدان لنحو عمارة مسجد وقرئ ضيف، ويعطى حينئذ مع الغنى ولو بنقد كمصلح ذات البين (١). [تنبيه] لا يتعين على مكاتب اكتسب قدر ما أخذ الصرف فيما أخذ له كما مر ، وكذا الغارم وابن السبيل بخلاف ما إذا أرادوا ذلك قبل اكتساب ما يفي وإن توقع لهم كسب يفي، ومحل هذا بالنسبة للآخذ أما الدافع فيبرأ بمجرد الدفع وإن لم يصرفه الآخذ فيما أخذ له. (وسبيل الله تعالى غزاة لا فيء لهم) أي لا سهم لهم في ديوان المرتزقة بل هم متطوعة يغزون إذا نشطوا إلا فهم في حرفهم وصنائعهم (فيعطون مع الغنى)؛ إعانة لهم على الغزو، ومرّ أنه لا حظَّ لهم في الفيء كما لا حظ لأهل الفيء في الزكاة، فإن عدم الفيء واضطررنا للمرتزقة لزم أغنياءنا إعانتهم من غير الزكاة، فإن امتنعوا ولم يجبرهم الإمام على الإعطاء حلّ لأهله -أي الفيء- الذين لم يحصل لهم منه كفايتهم الأخذ من الزكاة (وابن السبيل) وبنته (منشئ سفر) من بلد الزكاة وإن لم تكن وطنه (أو مجتاز) به. (وشرطه) من جهة الإعطاء لا التسمية (الحاجة) بأن لا يجد ما يقوم بحوائج سفره وإن كان له مال بغيره ولو دون مسافة القصر وإن وجد من يقرضه أو قدر على الكسب بلا مشقة (وعدم المعصية) الشامل لسفر الطاعة والمكروه والمباح ولو سفر نزهة بخلاف سفر المعصية بأن عصى به لا فيه كسفر الهائم; لأن إتعاب النفس والدابة بلا غرض صحيح حرام، وذلك؛ لأن القصد بإعطائه إعانته ولا يعان على المعصية، فإن تاب أعطيَ لبقية سفره.

стр. 1204

وَشَرْطُ آخِذِ الزَّكَاةِ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ الْإِسْلَامُ وَأَلَّا يَكُونَ هَاشِمِيًّا وَلَا مُطَّلِبِيًّا وَكَذَا مَوْلَاهُمْ فِي الْأَصَحِّ (وشرط آخذ الزكاة (١) من هذه الأصناف الثمانية) الحرية الكاملة إلا المكاتب فلا يعطى مبعض ولو في نوبته، و (الإسلام) فلا يدفع منها لكافر إجماعا، نعم يجوز استئجار كافر وعبد كيال أو حامل أو حافظ أو نحوهم من سهم العامل; لأنه أجرة لا زكاة بخلاف نحو ساعٍ وإن كان ما يأخذه أجرة أيضا; لأن الكافر لا أمانة له، ويؤخذ من ذلك جواز استئجار ذوي القربى والمرتزقة من سهم العامل لشيء مما ذكر بخلاف عمله فيه بلا إجارة; لأن فيما يأخذه حينئذ شائبة زكاة، وبهذا يخص عموم قوله: (وألا يكون هاشميا ولا مطلبيا) -وإن منعوا حقهم من الخمسـ؛ لخبر مسلم ((إنما هي أوساخ الناس وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد))، وبنو المطلب من الآل كما مر. وكالزكاة كل واجب كالنذر والكفارة ومنها دماء النسك بخلاف التطوع. وحُرم عليه ﷺ الكل; لأن مقامه أشرف وحلت له الهدية; لأنها شأن الملوك بخلاف الصدقة (وكذا مولاهم في الأصح)؛ للخبر الصحيح ((مولى القوم منهم))، وأن لا يكون ممونا للمزكي على ما مر فيه من التفصيل، وأن لا يكون لهم سهم في الفيء كما مر بما فيه آنفا، وأن لا يكون محجورا عليه، ومن ثم أفتى المصنف في بالغ تارك للصلاة كسلا أنه لا يقبضها له إلا وليه أي كصبي ومجنون فلا يعطى له وإن غاب وليه بخلاف ما لو طرأ تركه أي أو تبذيره ولم يحجر عليه فإنه يقبضها. ويجوز دفعها لفاسق -إلا إن علم أنه يستعين بها على معصية فيحرم الدفع له وإن أجزأ كما علم مما تقرر- ولأعمى كأخذها منه، والأولى أن يوكل.

стр. 1205

فصل مَنْ طَلَبَ زَكَاةً وَعَلِمَ الْإِمَامُ اسْتِحْقَاقَهُ أَوْ عَدَمَهُ عَمِلَ بِعِلْمِهِ، وَإِلَّا فَإِنِ ادَّعَى فَقْرًا أَوْ مَسْكَنَةً لَمْ يُكَلَّفْ بَيِّنَةً، فَإِنْ عُرِفَ لَهُ مَالٌ وَادَّعَى تَلَفَهُ كُلِّفَ، وَكَذَا إنِ ادَّعَى عِيَالًا فِي الْأَصَحِّ. وَيُعْطَى غَازٍ وَابْنُ سَبِيلٍ بِقَوْلِهِمَا، (فصل) في بيان مستند الإعطاء وقدر المُعْطَى (من طلب زكاة)، أو لم يطلب وأريد إعطاؤه وآثر الطلب; لأنه الأغلب (وعلم) أي ظنّ (الإمام) أو غيره ممن له ولاية الدفع (استحقاقه) لها (أو عدمه عمل بعلمه) ولا يُخرَّج على خلاف القضاء بالعلم؛ لبناء أمر الزكاة على السهولة، وليس فيها إضرار بالغير، وبه يعلم أنه لا يأتي هنا ما سيذكر ثَم أن القاضي إذا قامت عنده بينة بخلاف علمه لا يعمل بواحد منهما (وإلا) يعلم شيئا من حاله (فإن ادعى فقرا أو مسكنة) أو أنه غير كسوب وإن كان جلدا قويا (لم يكلف بينة)؛ لعسرها وكذا لا يُحلَّف وإن اتهم؛ لما صح ((أنه ﷺ أعطى من سألاه الصدقة بعد أن أعلمهما أنه لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب ولم يحلفهما مع أنه رآهما جلدين)) ويسن أن يتأسى مخرِج الزكاة به عليه ﵇ في ذلك الإنذار فيمن يشك في استحقاقه (فإن عرف له مال) يغنيه (وادعى تلفه كلف) بينة رجلين أو رجلا وامرأتين بتلفه وإن لم يكونا من أهل الخبرة الباطنة بحاله; لأن الأصل بقاؤه سواء (١) ادعى سببا ظاهراً أم خفياً (وكذا إن ادعى عيالاً) وهم من تلزمه مؤنتهم -أما غيرهم فيسألون أو يسأل هو لهم- (في الأصح) يكلف بينة بذلك؛ لسهولتها. (ويعطى) مؤلف بقوله بلا يمين إن ادعى ضعف نيته دون شرف أو قتال؛ لسهولة إقامة البينة عليهما وتعذرها على الأول، و (غاز وابن سبيل) بقسميه (بقولهما) بلا يمين; لأنه لأمر مستقبل، وإنما يعطيان عند الخروج؛ ليتهيآ له

стр. 1206

فَإِنْ لَمْ يَخْرُجَا اُسْتُرِدَّ، وَيُطَالَبُ عَامِلٌ وَمُكَاتَبٌ وَغَارِمٌ بِبَيِّنَةٍ، وَهِيَ: إخْبَارُ عَدْلَيْنِ، وَيُغْنِي عَنْهَا الِاسْتِفَاضَةُ، وَكَذَا تَصْدِيقُ رَبِّ الدَّيْنِ وَالسَّيِّدِ فِي الْأَصَحِّ. وَيُعْطَى الْفَقِيرُ وَالمِسْكِينُ كِفَايَةَ سَنَةٍ (فإن) أعطيا فخرجا ثم رجعا استُرِدَّ فاضلُ ابنِ السبيلِ مطلقا، وكذا فاضلُ الغازي بعد غزوه إن كان شيئا له وقع عرفا ولم يقتِّر على نفسه؛ لتبين أنهما أعطيا فوق حاجتهما. [تنبيه] مر أن لابن السبيل صرف ما أخذه من الزكاة لغير حوائج السفر -أي بعد أن يكتسب قدر ما أخذه- وحينئذ لا يتأتى استرداد منه; لأنه لا يعرف لو بقي ما أعطيه وصرف منه هل كان يفضل منه شيء، أوْ لا؟، فليحمل كلامهم على ما لو صرف في غير حوائج السفر من غير ما أعطيه، وإن (لم يخرجا) بأن مضت ثلاثة أيام تقريبا ولم يترصدا للخروج ولا انتظرا رفقة ولا أهبة (استُردّ) منهما ما أخذاه أي إن بقي وإلا فبدله، وكذا لو خرج الغازي ولم يغز ثم رجع، نعم لو وصل بلادهم ولم يقاتل لبعد العدو لم يسترد منه; لأن القصد الاستيلاء على بلادهم وقد وُجد. وخرج بقولنا ((رجع)) ما لو مات أثناء الطريق أو في المقصد فإنه لا يسترد منه إلا ما بقي، وكذا يسترد من مكاتب كما مر وغارم استغنيا عن المأخوذ بنحو إبراء أو أداء من الغير، (ويطالب عامل ومكاتب وغارم) ولو لإصلاح ذات البين (ببينة)؛ لسهولتها بما ادعوه، واستشكل تصوير دعوى العامل بأن الإمام يعلم حاله؛ إذ هو الذي يبعثه، ويجاب بتصوير ذلك بما إذا طلب من الإمام حصته من زكاة وصلت إليه من نائبه بمحل كذا لكون ذلك النائب استعمله عليها حتى أوصلها إليه، أو قال له الإمام أنسيت أنك العامل، أو مات مستعمله فطلب ممن تولى محله حصته (وهي) أي البينة فيما ذكر (إخبار عدلين) أو عدل وامرأتين ولو بغير لفظ شهادة واستشهاد ودعوى عند قاض. (ويغني عنها) في سائر الصور التي يحتاج للبينة فيها (الاستفاضة) بين الناس من قوم يبعد تواطؤهم على الكذب، وقد يحصل ذلك بثلاثة (و) إخبار من وقع في القلب صدقه ولو فاسقا، و (كذا تصديق رب الدين والسيد في الأصح) بلا بينة ولا يمين، ومحل الخلاف في الغريم والسيد إذا وثق بقولهما وغلب على الظن الصدق وإلا لم يفد قطعا. (ويعطى الفقير والمسكين) اللذان لا يحسنان التكسب بحرفة ولا تجارة (كفاية سنة) ; لأن وجوب الزكاة لا يعود إلا بمضيها.

стр. 1207

قُلْتُ: الْأَصَحُّ المَنْصُوصُ، وَقَوْلُ الجُمْهُورِ كِفَايَةَ الْعُمْرِ الْغَالِبِ فَيَشْتَرِي بِهِ عَقَارًا يَسْتَغِلُّهُ، وَاَللهُ أَعْلَمُ (قلت: الأصح المنصوص) في الأم (وقول الجمهور) يعطى (كفاية العمر الغالب) أي ما بقي منه; لأن القصد إغناؤه ولا يحصل إلا بذلك، فإن زاد عمره عليه أُعطى سنة؛ إذ لا حد للزائد على العمر الغالب، أما مَن يحسن حرفة تكفيه الكفاية اللائقة به -كما مر أول الباب- فيعطى ثمن آلة حرفته وإن كثر، ويأذن له في شراء ذلك، أو يشتري له. وإن أحسن تجارة أعطى رأس مال يكفيه كذلك ربحه غالبا باعتبار عادة بلده، ويختلف ذلك باختلاف الأشخاص والنواحي، ولو أحسن أكثر من حرفة والكل يكفيه أعطي ثمن أو رأس مال الأدنى، وإن كفاه بعضها فقط أعطي له، وإن لم يكفه واحدة منها أعطي لواحدة وزيد له شراء عقار يتم دخله بقية كفايته. [تنبيه] العمر الغالب ما بين الستين والسبعين من الولادة، والعبرة هنا بالستين فقط; لأنها المتيقن دخولها . وليس المراد بإعطاء من لا يحسن ذلك إعطاء نقد يكفيه تلك المدة؛ لتعذره، بل ثمن ما يكفيه دخلُه (فيشتري) من لا يحسن تجارة ولا حرفة (به) إن أذن له الإمام -ولا يكفي إذن المالك- وكان رشيدا وإلا فوليه (عقارا) أو نحو ماشية إن كان من أهلها (يستغله) ويغتني به عن الزكاة فيملكه ويورث عنه (والله أعلم)؛ للمصلحة العائدة عليه وعلى بقية المستحقين بإغنائه عنهم، وللإمام إلزامه بالشراء وعدم إخراجه عن ملكه؛ لما في ذلك من المصلحة العامة، وحينئذ ليس له إخراجه فلا يحل ولا يصح. ولو ملك من لا يحسن الكسب دون كفاية العمر الغالب كُمِّل له من الزكاة كفايته. [تنبيه] معلوم أن العقارات مختلفة في البقاء عادة وعند أهل الخبرة لكن ليس المراد هنا منع إعطاء عقار يزيد بقاؤه على العمر الغالب، بل منع إعطاء ما ينقص عنه، وأما ما يساويه أو يزيد عليه فإن وجدا تعين الأول، أو وجد الثاني فقط اشتري له ولا أثر للزيادة؛ للضرورة، ولو عرض انهدام عقاره المُعْطَى أثناء المدة أُعطِي ما يعمره به عمارة تبقى بقية المدة، نعم إن فرض وجود مبنيٍّ أخفَّ من عمارة ذاك تعين شراؤه له ويباع ذاك ويصرف ثمنه في هذا، هذا كله في غير محصورين أما المحصورون فسيأتي أنهم يملكونه أي يملكون ما يكفيهم على قدر حاجاتهم وما زاد يحفظ لوجودهم.

стр. 1208

وَالمُكَاتَبِ وَالْغَارِمِ قَدْرَ دَيْنِهِ، وَابْنِ السَّبِيلِ مَا يُوْصِلُهُ مَقْصِدَهُ أَوْ مَوْضِع مَالِهِ، وَالْغَازِي قَدْرَ حَاجَتِهِ نَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا وَمُقِيمًا هُنَاكَ وَفَرَسًا وَسِلَاحًا، وَيَصِيرُ ذَلِكَ مِلْكًا لَهُ، وَيُهَيَّأُ لَهُ وَلِابْنِ السَّبِيلِ مَرْكُوبٌ إنْ كَانَ السَّفَرُ طَوِيلًا أَوْ كَانَ ضَعِيفًا لَا يُطِيقُ المَشْيَ، (و) يُعطى (المكاتب والغارم) -لغير نحو إصلاح ذات البين؛ لما مر أنه يعطى مع الغنى (١) - أي كل منهما (قدر دينه) ما لم يكن معه وفاءً لبعضه وإلا فما يوفيه فقط. (وابن السبيل ما يوصله مقصِده) إن لم يكن له في طريقه إليه مال (أو موضع ماله) إن كان له في طريقه مال، فإن كان ببعضه بعض ما يكفيه كُمِّل له كفايته، ويعطى لرجوعه أيضا إن عزم عليه. والأحوط تأخير ما يعطاه لرجوعه إلى شروعه فيه إن تيسر، ووجد شرط نقل الزكاة إن كان المفرق المالك، وكان يبقى في مقصده مدة إقامة المسافرين وهي أربعة أيام لا ثمانية عشر (٢) ; لأن شرطها قد لا يوجد (و) يعطى (الغازي قدر حاجته) اللائقة به وبممونه لـ (نفقة وكسوة) له ولهم (ذاهبا وراجعا ومقيما هناك) أي في الثغر أو نحوه إلى الفتح وإن طال؛ لبقاء اسم الغزو مع الطول بخلاف السفر في ابن السبيل، ويعطيان جميع المؤنة -لا ما زاد بسبب السفر فقط- ومؤنة من تلزمهما مؤنته، نعم المُعطَى في مدة إقامة الغازي هو أقلّ ما يظن إقامته ثَمَّ، فإن زاد زيد له ويغتفر له نقل الزكاة حينئذ لدار الحرب؛ للحاجة (و) يعطيه الإمام -لا المالك؛ لامتناع الإبدال في الزكاة عليه- (فرسا) إن كان ممن يقاتل فارسا (وسلاحا) ولو بغير شراء؛ لما يأتي (ويصير ذلك) أي الفرس والسلاح (ملكا له) إن أعطي الثمن فاشترى لنفسه أو دفعهما له الإمام ملكا إذا رآه بخلاف ما إذا استأجرهما له أو أعاره إياهما؛ لكونهما موقوفين عنده؛ إذ له شراؤهما من هذا السهم وإبقاؤهما ووقفهما، وتسمية ذلك عارية مجازٌ؛ إذ الإمام لا يملكه والآخذ لا يضمنه لو تلف بل يُقبل قوله فيه بيمينه كالوديع (ويهيأ) من جهة الإمام (له ولابن السبيل مركوب) وهو غير فرس الغازي (إن كان السفر طويلا أو) كان السفر قصيرا، ولكنه (كان ضعيفا لا يطيق المشي) -بأن تلحقه مشقة شديدة لا تحتمل عادة- بخلاف ما إذا قصر وهو قوي.

стр. 1209

وَمَا يَنْقُلُ عَلَيْهِ الزَّادَ وَمَتَاعَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْرًا يَعْتَادُ مِثْلُهُ حَمْلَهُ بِنَفْسِهِ، وَمَنْ فِيهِ صِفَتَا اسْتِحْقَاقٍ يُعْطَى بِإحْدَاهُمَا فَقَطْ فِي الْأَظْهَرِ (وما ينقل عليه الزاد ومتاعه)؛ لحاجته إليه (إلا أن يكون قدرا يعتاد مثله حمله بنفسه)؛ لانتفاء الحاجة، وأفهم التعبير بيهيئ أنه يسترد منهما جميع ذلك إذا عادا، ومحله في الغازي إن لم يملّكه له الإمام إذا رآه; لأنه لحاجتنا إليه أقوى استحقاقا من ابن السبيل، فلذا استرد من ابن السبيل ولو ما ملكه إياه. ويعطى المؤلف ما يراه الدافع كما مر، والعامل أجرة عمله فإن زاد سهمه عليها رد الفاضل على بقية الأصناف، وإن نقص كمل من مال الزكاة أو من سهم المصالح. (ومن فيه صفتا استحقاق) للزكاة كالفقر والغرم أو الغزو (يعطى) من زكاة واحدة أي باعتبار ما وجبت فيه لا من وجبت عليه، فلو كان على واحد زكوات أجناس كانت زكوات متعددة، ولو اشترك جماعة في زكاة جنس واحد كانت متحدة (بإحداهما فقط) والخيرة إليه (في الأظهر) ; لأنه مقتضى العطف في الآية، نعم إن أخذ بالغرم أو الفقر مثلا فأخذه غريمه وبقي فقيرا أخذ بالفقر، فالممتنع إنما هو الأخذ بهما دفعة واحدة أو مرتبا قبل التصرف (١) في المأخوذ، أما من زكاتين فيجوز أن يأخذ من واحدة بصفة ومن الأخرى بصفة أخرى كغازٍ هاشمي يأخذ بهما من الفيء كما مر. [تنبيه] مرادهم بما يأتي أن الزكوات كلها في يد الإمام كزكاة واحدة جواز النقل وعدم الاستيعاب ونحوهما مما يقتضي التسهيل عليه ، فلا يمتنع عليه إعطاء واحد بصفة من زكاة وبأخرى من زكاة أخرى.

стр. 1210

فصل يَجِبُ اسْتِيعَابُ الْأَصْنَافِ إنْ قَسَّمَ الْإِمَامُ وَهُنَاكَ عَامِلٌ، وَإِلَّا فَالْقِسْمَةُ عَلَى سَبْعَةٍ، فَإِنْ فُقِدَ بَعْضُهُمْ فَعَلَى المَوْجُودِينَ، وَإِذَا قَسَمَ الْإِمَامُ اسْتَوْعَبَ مِنَ الزَّكَوَاتِ الحَاصِلَةِ عِنْدَهُ آحَادَ كُلِّ صِنْفٍ، وَكَذَا يَسْتَوْعِبُ المَالِكُ إنْ انْحَصَرَ المُسْتَحِقُّونَ فِي الْبَلَدِ وَوَفَّى بِهِمُ المَالُ، .. (فصل) في قسمة الزكاة بين الأصناف ونقلها وما يتبعهما (يجب استيعاب الأصناف) الثمانية بالزكاة (١) -؛ لإضافتها إليهم جميعاً- ولو زكاة الفطر لكن اختار جمع جواز دفعها لثلاثة فقراء أو مساكين مثلا (٢) (إن قَسَّم الإمام) أو نائبه (وهناك عامل) لم يجعل الإمام له شيئا من بيت المال، فيستحق العامل حينئذ وإن وجد متبرع أو إن شرط أن لا يأخذ شيئا; لأنه يستحق ذلك بالعمل فريضة من الله تعالى فلا يحتاج لشرط من المخلوق (وإلا) يقسم الإمام بل المالك أو قسم الإمام ولا عامل هناك -بأن حملها أصحابها إليه- أو جعل للعامل أجرة من بيت المال (فالقسمة على سبعة) منهم المؤلف كما مر بما فيه (فإن فقد بعضهم) -أي السبعة أو الثمانية- أي صنف فأكثر أو بعض صنف من البلد بالنسبة للمالك، ومنه ومن غيره بالنسبة للإمام (فعلى الموجودين) تكون القسمة فيعطى فيما إذا وجد بعض صنف حصة الصنف كله لمن وجد من أفراده; لأن المعدوم لا سهم له، والموجود غالباً فقير ومسكين وغارم وابن السبيل، (وإذا قسم الإمام) أو عامله الذي فوض إليه الصرف (استوعب) وجوبا (من الزكوات الحاصلة عنده) إن سدت أدنى مسد لو وزعت على الكل (آحاد كل صنف)؛ لسهولة ذلك عليه، ومن ثم لم يلزمه استيعابهم مِن كل زكاة على حدتها؛ لعسره بل له إعطاء زكاة واحد لواحد; لأن الزكوات كلها في يده كزكاة واحدة (٣) (وكذا يستوعب) وجوبا (المالك) أو وكيله الآحاد (إن انحصر المستحقون في البلد) بأن سهل عادة ضبطهم أو معرفة عددهم (ووفى بهم) أي بحاجاتهم الناجزة (المال)؛ لسهولته عليه

стр. 1211

وَإِلَّا فَيَجِبُ إعْطَاءُ ثَلَاثَةٍ، وَتَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْأَصْنَافِ. لَا بَيْنَ آحَادِ الصِّنْفِ، إلَّا أَنْ يُقَسِّمَ الْإِمَامُ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّفْضِيلُ مَعَ تَسَاوِي الحَاجَاتِ حينئذ (وإلا) ينحصروا أو انحصروا ولم يف بهم المال (فيجب إعطاء ثلاثة) فأكثر من كل صنف; لأنهم ذكروا في الآية بلفظ الجمع -وأقله ثلاثة- إلا ابن السبيل فإضافته للمعرفة أوجبت عمومه فكان في معنى الجمع، وكذا قوله في سبيل الله. نعم يجوز اتحاد العامل فإن أخلَّ بصنف غرم له حصته أو ببعض الثلاثة مع القدرة عليه غرم له أقل متمول، نعم الإمام إنما يضمن مما عنده من الزكاة لا من ماله. ثم التفصيل بين المحصور المذكور وغيره إنما هو بالنسبة للتعميم وعدمه أما بالنسبة للملك فمتى وجد وقت الوجوب من كل صنف ثلاثة فأقل ملكوها وإن كانوا ورثة المزكي بنفس الوجوب ملكا مستقرا يورث عنهم -وإن كان الوارث غنياً، أو كان الوارث هو المالك (١) - ولم يشاركهم من حدث، ولهم التصرف فيه قبل قبضه إلا بالاستبدال عنه والإبراء منه. ولو انحصر صنف أو أكثر دون البقية أعطي كل حكمه. ويجوز للمستحق الغير محصور ما دام في البلد أن يوكل غيره في قبض زكاة له، أما المنحصر فيجوز له التوكيل وإن خرج من البلد، ويملك الموكِّل غير المحصور بقبض وكيله إن نوى الدافعُ والوكيلُ الموكلَ أو نواه الوكيل ولم ينو الدافع شيئا، فإن قصد الوكيل نفسه وهو مستحق وقصد الدافع موكله لم يملكه واحد منهما، وإن قصد الدافع الوكيل ولم يقصد الوكيل شيئا ملكه، أو قصد موكله لم يملكه واحد منهما (٢)، ومر أنهم يملكون على قدر كفايتهم; لأنها المرجحة في هذا الباب كما علمته مما مر ويأتي (وتجب التسوية) لأنه مقتضى الشريك بالواو في الآية (بين الأصناف) سواء أقسم المالك أم العامل وإن تفاوتت حاجتهم، نعم حيث استحق العامل لم يزد على أجرة مثله فإن زاد الثمن عليها ردَّ الزائد للباقي، أو نقصت تمم من الزكاة، أو من بيت المال كما مر، ولو نقص سهم صنف آخر عن كفايتهم وزاد سهم صنف آخر رد فاضل هذا على أولئك (لا بين آحاد الصنف) فلا تجب التسوية إن قسم المالك؛ لعدم انضباط الحاجات التي من شأنها التفاوت، لكن يسن التساوي إن تساوت حاجتهم (إلا أن يقسم الإمام) أو نائبه وهناك ما يسد مسدا لو وزِّع (فيحرم عليه التفضيل مع تساوي الحاجات)؛ لسهولة التساوي

стр. 1212

وَالْأَظْهَرُ مَنْعُ نَقْلِ الزَّكَاةِ عليه; ولأن عليه التعميم كما مر، فكذا التسوية بخلاف المالك فيهما. أما لو اختلفت الحاجات فيراعيها، وإذا لم تجب التسوية فالمتوطنون أولى، (والأظهر منع نقل الزكاة) -لغير الغازي على ما مر فيه- عن محل المؤدَّى عنه الذي وجبت فيه مع وجود مستحق به إلى محل آخر به مستحق لتصرف إليه ما لم يقرب منه أي: بأن نسب إليه عرفا بحيث يعد معه بلدا واحدا وإن خرج (١) عن سوره وعمرانه. وإذا منعنا النقل حرم ولم يجز؛ لخبر الصحيحين ((تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم)). [تنبيه] يستثنى من منع نقل الزكاة الدين الذي في الذمة فللمالك أن يخرج زكاته في أي بلد شاء (٢)، ومحل ذلك إن كان الدين حالا وتيسر تحصيله وإلا فيحتمل اعتبار محل القبض ويحتمل التخيير المار . والكلام في المالك المقيم ببلد أو بادية لا يظعن عنها، أما الإمام فله نقلها مطلقا؛ لما مر أن الزكوات كلها في يده كزكاة واحدة، وكذا الساعي بل يلزمه نقلها للإمام إذا لم يأذن له في تفرقتها، ومثله قاض له دخل فيها بأن لم يولها الإمام غيره، ولمن جاز له النقل أن يأذن للمالك فيه لكن لا ينقل إلا في عمله لا خارجه، وقد يجوز للمالك أيضا كما إذا كان له بكل محل عشرون شاة فله مع الكراهة إخراج شاة بأحدهما؛ حذرا من التشقيص، وكأن حال الحول والمال ببادية لا مستحق بها فيفرقه في أقرب محل إليه به مستحق (٣). وللمنتجعين من أهل الخيام الذين لا قرار لهم صرفها لمن معهم ولو بعض صنف كمن بسفينة في اللجة فإن فقدوا فلمن بأقرب محل إليهم عند تمام الحول فإن تعذر الوصول للأقرب فإن رجا الوصول عن قرب انتظر وإلا نقل للأقرب إلى ذلك الأقرب وهكذا، ولو استوى بلدان في القرب إليه صارا كبلد واحدة فيجري في مستحقيهما ما مر في مستحق بلد واحدة، والحلل المتمايزة بنحو ماء ومرعى لكلٍّ كلُّ حلة منها كبلد فيحرم النقل إليها، وغير المتمايزة له النقل إليها لمن بدون

стр. 1213

وَلَوْ عُدِمَ الْأَصْنَافُ فِي الْبَلَدِ وَجَبَ النَّقْلُ، أَوْ بَعْضُهُمْ وَجَوَّزْنَا النَّقْلَ وَجَبَ، وَإِلَّا فَيُرَدُّ عَلَى الْبَاقِينَ، وَقِيلَ يُنْقَلُ. وَشَرْطُ السَّاعِي كَوْنُهُ حُرًّا عَدْلًا فَقِيهًا بِأَبْوَابِ الزَّكَاةِ فَإِنْ عُيِّنَ لَهُ أَخْذٌ وَدَفْعٌ لَمْ يُشْتَرَطِ الْفِقْهُ، وَلْيُعْلِمْ شَهْرًا لِأَخْذِهَا مسافة القصر من محل الوجوب (ولو عدم الأصناف في البلد) أي بلد الوجوب أو فضل عنهم شيء (وجب النقل) -لها أو للفاضل- إلى مثلهم بأقرب محل لمحل المال، فإن جاوزه حرم ولم يجز كالنقل ابتداء. وإذا جاز النقل فمؤنه على المالك قبل قبض الساعي، وبعده في الزكاة فيباع منها ما يفي بذلك كما لو خشي وقوعها في خطر أو احتاج لرد جبران (أو) عدم (بعضهم) من بلد المال ووجد بغيره، أو فضل عنه شيء بأن وجدوا كلهم وفضل عن كفاية بعضهم شيء، أو وجد بعضهم وفضل عن كفاية بعضه شيء (وجوزنا النقل) مع وجودهم (وجب) النقل لذلك الصنف بأقرب بلد إليه (وإلا) نجوزه -كما هو الأصح- (فَيَرُدَّ) وجوبا نصيب المفقود من البعض، أو الفاضل عنه أو عن بعضه (على الباقين) إن نقص نصيبهم عن كفايتهم ولا ينقل إلى غيرهم؛ لانحصار الاستحقاق فيهم، فإن لم ينقص نقله لذلك الصنف بأقرب بلد إليه (وقيل ينقل) إلى أقرب محل إليه؛ للنص على استحقاقهم فيقدم على رعاية المكان الناشئة عن الاجتهاد؛ إذ لا اجتهاد مع النص. [فرع] إذا امتنع المستحقون من أخذ الزكاة قوتلوا؛ لتعطيلهم هذا الشعار العظيم كتعطيل الجماعة . ولو قال فرِّق هذا على المساكين لم يدخل المخاطب فيهم ولا ممونه وإن نص على ذلك (وشرط الساعي) وهو العامل (كونه حرا) ذكرا (عدلا) -في الشهادة; لأنها ولاية- ليس من ذوي القربى ولا من مواليهم ولا من المرتزقة، ومرَّ أنه يغتفر في بعض أنواع العامل كثير من هذه الشروط; لأن عمله لا ولاية فيه بوجه فكأن ما يأخذه محض أجرة (فقيها بأبواب الزكاة) فيما تضمنته ولايته؛ ليعرف ما يأخذه ومن يدفع له (فإن عُيِّن له أخذ ودفع) بأن نص له على مأخوذ بعينه ومدفوع إليه بعينه (لم يشترط) فيه كأعوانه من نحو كاتب وحاسب ومشرف (الفقه) ولا الحرية ولا الذكورة؛ لأنها وكالة لا ولاية، نعم لا بد من الإسلام كغيره من بقية الشروط -إلا إن عيّن له المأخوذ والمأخوذ منه والمدفوع إليه-؛ لأن فيه نوع ولاية. ويجب على الإمام أو نائبه بعث السعاة لأخذ الزكوات (وليعلم) الإمام أو الساعي ندبا (شهرا لأخذها) -أي: الزكاة؛ ليتهيأ ذوو الأموال لدفعها والمستحقون لقبضها- وشهر المحرَّم أولى; لأنه أول السنة الشرعية، ومحل ذلك فيما يعتبر فيه الحول المختلف في حق الناس

стр. 1214

وَيُسَنُّ وَسْمُ نَعَمِ الصَّدَقَةِ وَالْفَيْءِ فِي مَوْضِعٍ لَا يَكْثُرُ شَعْرُهُ، وَيُكْرَهُ فِي الْوَجْهِ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ يَحْرُمُ وَبِهِ جَزَمَ الْبَغَوِيّ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ لَعْنُ فَاعِلِهِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ … بخلاف نحو زرع وثمر لا يسن فيه ذلك، بل يبعث العامل وقت وجوبه من اشتداد الحب وإدراك الثمر وهو لا يختلف غالبا في الناحية الواحدة كثير اختلاف. ومعلوم مما مر أن من تم حوله ووجد المستحق ولا عذر له يلزمه الأداء فورا ولا يجوز التأخير للمُحَرَّم ولا لغيره (ويسن وَسْم) وهو التأثير بنحو كي (نعم الصدقة والفيء) وخيله وحُمُرِهِ وبغاله وفيلته؛ للاتباع في بعضها وقياسا في الباقي، ولئلا يتملكها المتصدق بعدُ؛ فإنه يكره لمن تصدق بشيء أن يتملكه ممن دفعه له بغير نحو إرث، أما نحو نعم غيرهما فيباح وسمه، ويكون الوسم ندبا (في موضع) ظاهر صَلْب (لا يكثر شعره)؛ ليظهر، والأولى وسم الغنم في الأذن وغيرها في الفخذ، ويسن كون ميسم الغنم ألطف وفوقه البقر وفوقه الإبل وفوقه الفيل، وكتب صدقة أو زكاة في الزكاة وكذا الله بل هو أبرك وأولى; لأن الغرض منه مع التبرك التمييز لا الذكر. وكتب جزية أو صِغَار في الجزية. وكتب في نعم بقية الفيء ((فيء))، ويكفي كتب حرف كبير ككاف الزكاة (ويكره) الوسم لغير آدمي (في الوجه)؛ للنهي عنه (قلت الأصح تحريمه) أي وسم وجهها (وبه جزم البغوي، وفي صحيح مسلم) خبر فيه (لعنُ فاعله والله أعلم)، أما وسم الآدمي فيحرم مطلقا في الوجه أو في غيره; لأن التعذيب بالنار أو غيرها لا يجوز إلا إن ورد كما في الوسم هنا، أو كان لضرورة توقفت عليه فقط كالتداوي بالنجاسة بل أولى، وكذا يحرم ضرب وجه الآدمي كما يأتي في الأشربة، ويحرم الخصاء إلا لصغار المأكول ويظهر ضبط الصغر بالعرف أو بما يسرع معه البرء ويخف الألم. ويحرم كل إنزاء مضر ضررا لا يحتمل عادة كإنزاء الخيل البقر؛ لكبر آلتها، ويجوز بدون كراهة إنزاء الحمير على الخيل (١)، وبكراهة عكسه نعم إن لم يحتمل الأتانُ الفرسَ لمزيد كبر جثته اتجهت الحرمة.

стр. 1215

فصل صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ سُنَّةٌ: وَتَحِلُّ لِغَنِيٍّ، (فصل) في صدقة التطوع (١) (صدقة التطوع سنة (٢) مؤكدة؛ للآيات والأحاديث الكثيرة الشهيرة فيها، وقد تحرم كأن علم أو ظنَّ من الآخذ أنه يصرفها في معصية. ولا تجب للمضطر؛ لعدم وجوب البذل له إلا بثمن ولو في الذمة لمن لا شيء معه، نعم قد تجب له إن لم يكن المضطر أهلا للالتزام ولم ينو الرجوع. وسيأتي في السير أنه يلزم المياسير على الكفاية نحو إطعام المحتاجين (وتحل لغني) -بأن وجد ما يكفيه هو وممونه يومهم وليلتهم وسترتهم وآنية يحتاجون إليها-؛ للخبر الصحيح به، ويكره للغني -وإن لم يكفه ماله أو كسبه إلا يوما وليلة- التعرض لأخذها كما يكره له أخذها إن لم يظهر الفاقة أو يسأل، فإن أظهر الغنيُّ الفقرَ أو سأل حرم عليه قبولها، ولا عبرة في اعتبار غناه بكسب حرام أو غير لائق به، نعم يستثنى من تحريم سؤال القادر على الكسب ما إذا كان مستغرق الوقت في طلب العلم، والأوجه جواز سؤال ما يحتاج إليه بعد يوم وليلة إن كان السؤال غير متيسر عند نفاد ذلك وإلا امتنع، وعلى الجواز له أن يطلب ما يحتاج إليه إلى وقت يعلم عادة تيسر السؤال والإعطاء فيه. ولا يحرم على من علم غِنَى سائل أو مظهر للفاقة الدفع إليه. وظاهر أن سؤال ما اعتيد سؤاله بين الأصدقاء ونحوهم مما لا يشك في رضا باذله وإن علم غنى آخذه كقلم وسواك لا حرمة فيه؛ لاعتياد المسامحة به. ومن أعطي لوصف يظن به كفقر أو صلاح أو نسب -بأن توفرت القرائن أنه إنما أعطي بهذا القصد أو صرح له المعطي بذلك- وهو باطنا بخلافه حرم عليه الأخذ مطلقا، ومثله ما لو كان به وصف باطنا لو اطلع عليه المعطي لم يعطه، ويجري ذلك في الهدية أيضا، ومثلها سائر عقود التبرع كهبة ووصية ووقف ونذر، ويندب للفقير (٣) التنزه عن قبول صدقه التطوع إن شك في الحل أو كان فيه هتك للمرؤة أو دناءة في التناول، ومتى أذل نفسه أو ألحَّ في السؤال أو آذى المسئول حرم اتفاقا وإن كان محتاجا، وفي الإحياء ((متى أخذ من جوزنا له المسألة عالما بأن

стр. 1216

وَكَافِرٍ. وَدَفْعُهَا سِرًّا، وَفِي رَمَضَانَ، وَلِقَرِيبٍ، وَجَارٍ أَفْضَلُ باعث المعطي الحياء منه أو من الحاضرين ولولاه لما أعطاه فهو حرام إجماعا ويلزمه رده)) ا هـ، وحيث حرم الأخذ لم يملك ما أخذه; لأن مالكه لم يرض ببذله له. و يكره سؤال مخلوق بوجه الله؛ لخبر ((لا يسأل بوجه الله إلا الجنة))، نعم سؤال المخلوق بوجه الله ما يؤدي إلى الجنة كتعليم خير لا يكره، وسؤال الله بوجهه ما يتعلق بالدنيا يكره، (وكافر) ولو حربيا؛ لخبر الصحيحين ((في كل كبد رطبة أجر)). (ودفعها سرا) أفضل منه جهرا؛ لآية ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ البقرة: ٢٧١. وإبداؤها ليقتدي به غيره لا لغرض آخر حسن بل قال ابن عبد السلام إنه لمقصد صالح أفضل، وسبقه إليه الغزالي بشرط أن لا يتأذى الآخذ بالإظهار، أما الزكاة فإظهارها أفضل إجماعا (و) دفعها (في رمضان) لاسيما عَشْره الأُخر أفضل؛ لخبر أبي داود ((أيُّ صدقة)) أفضل قال ((في رمضان)) ولعجز الفقراء عن التكسب فيه، ويليه عشر الحجة، وفي الأماكن الشريفة كمكة ثم المدينة وعند الأمر المهم كغزو وحج ومرض وسفر وكسوف واستسقاء أفضل، وليس المراد بذلك أن من أراد صدقة يسن له تأخيرها لشيء مما ذكر بل الاعتناء عند وجود ذلك بالإكثار منها فيه; لأنه أعظم أجرا وأكثر فائدة (أو) دفعها (لقريب) سواء لزمته نفقته أوْ لا، والأفضل تقديم الأقرب فالأقرب من المحارم ثم الزوج أو الزوجة ثم غير المحرم -والرحم من جهة الأب ومن جهة الأم سواء- ثم محرم الرضاع ثم المصاهرة ثم المولى من أعلى ثم من أسفل، ويجري ذلك في نحو الزكاة أيضا إذا كانوا بصفة الاستحقاق، والعدو من الأقارب أولى؛ لخبر فيه، وألحق به العدو من غيرهم (و) دفعها بعد القريب إلى (جار أفضل) منه لغيره، فعلم أن القريب البعيد الدار في البلد أفضل من الجار الأجنبي، وفي غيرها الجار أولى منه؛ بناء على منع نقل الزكاة، وأهل الخير والمحتاجون أولى من غيرهم مطلقا. [فرع] يكره الأخذ ممن بيده حلال وحرام كالسلطان الجائر ، وتختلف الكراهة بقلة الشبهة وكثرتها، ولا يحرم إلا إن تيقن أن هذا من الحرام الذي يمكن معرفة صاحبه أي ليرده عليه وإلا فبدله، وإنما لم يحرم وإن غلب على الظن أنه ربا; لأن الأصل المعتمد في الأملاك اليد ولم يثبت لنا فيه أصل آخر يعارضه فاستصحب ولم يبال بغلبة الظن، ويجوز الأخذ من الحرام بقصد رده على مالكه إلا إن كان مفتيا أو حاكما أو شاهدا فيلزمه التصريح بأنه إنما يأخذه للرد على مالكه؛ لئلا يسوء اعتقاد الناس في صدقه ودينه فيردون فتياه وحكمه وشهادته

стр. 1217

وَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ لَهُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ يُسْتَحَبُّ أَلَّا يَتَصَدَّقَ حَتَّى يُؤَدِّيَ مَا عَلَيْهِ. قُلْت الْأَصَحُّ تَحْرِيمُ صَدَقَتِهِ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِنَفَقَةِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، أَوْ لِدَيْنٍ لَا يَرْجُو لَهُ وَفَاءً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي اسْتِحْبَابِ التَّصَدُّقِ بِمَا فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ أَوْجُهٌ: أَصَحُّها إنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ الصَّبْرُ اسْتُحِبَّ، وَإِلَّا فَلَا (ومن عليه دين) لله أو لآدمي (أو له من تلزمه نفقته يستحب) له (ألا يتصدق حتى يؤدي ما عليه)؛ تقديما للأهم، والمراد أن المسارعة لبراءة الذمة أولى وأحق من التطوع على الجملة. (قلت الأصح تحريم صدقته) ومنها إبراء مدين له موسر مقرٍّ أو له به بينة (بما يحتاج إليه) حالا، أي يومهم وليلتهم (لنفقة) ومؤنة (من تلزمه نفقته، أو لدين) ولو مؤجلا لله (١)، أو لآدمي (لا يرجو) أي يظن (له وفاء) حالا في الحال، وعند الحلول في المؤجل من جهة ظاهرة. (والله أعلم) ; لأن الواجب لا يجوز تركه لسُنَّة، ومع حرمة التصدق يملكه الآخذ، نعم يجوز التصدق إذا كان من تلزمه نفقته بالغا عاقلا وعُلم منه الرضا والصبر والإيثار، وأما ما يحتاجه لنفقة نفسه فإن صبر على الإضاقة جاز به التصدق به وإلا فلا. و أما إذا ظن وفاء الدين من جهة ظاهرة ولو عند حلول المؤجل فلا بأس بالتصدق حالا، بل قد يسن، نعم إن وجب أداؤه فورا لطلب صاحبه له أو لعصيانه بسببه مع عدم علم رضا صاحبه بالتأخير حرمت الصدقة قبل وفائه مطلقا كما تحرم صلاة النفل على من عليه فرض فوري (وفي استحباب التصدق بما فضل عن حاجته) السابقة من حاجة نفسه وممونه يومهم وليلتهم وكسوة فصلهم ووفاء دينه (أوجه) أحدها يسن مطلقا ثانيها لا يسن مطلقا ثالثها، وهو (أصحها) أنه (إن لم يشق عليه الصبر استحب) ; لأن ((الصِّدِّيْقَ ﵁ وكرم وجهه تصدق بجميع ماله وقبله منه النبي ﷺ ) (وإلا) بأن شق عليه الصبر (فلا) يستحب له بل يكره (٢)؛ للخبر الصحيح ((خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى)) أي: غنى النفس وهو صبرها على الفقر. أما التصدق ببعض الفاضل عن ذلك فيسن اتفاقا، نعم المقارب للكل كالكل. وخرج بالصدقة الضيافة فلا يشترط فضلها عن مؤنة من ذكر، ومحله إذا لم يؤدِّ إيثارُها إلى إلحاق أدنى ضرر بممونه الذي لا رضا له بذلك. [فرع] يكره إمساك الفضل وغير المحتاج إليه، وهو ما زاد على كفاية سنة .

стр. 1218

كتاب النكاح هُوَ مُسْتَحَبُّ لِمُحْتَاجٍ إلَيْهِ يَجِدُ أُهْبَتَهُ، فَإِنْ فَقَدَهَا اُسْتُحِبَّ تَرْكُهُ، وَيَكْسِرُ شَهْوَتَهُ بِالصَّوْمِ، فَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ كُرِهَ إنْ فَقَدَ الْأُهْبَةَ، (كتاب النكاح) وهو: لغة الضم والوطء، وشرعا: عقد يتضمن إباحة وطء باللفظ الآتي. وهو حقيقة في العقد مجاز في الوطء. والأصل فيه قبل الإجماع الآيات والأخبار الكثيرة. (هو مستحب لمحتاج إليه) أي تائق له بتوقانه للوطء ولو خصيا (يجد أهبته) -من مهر وكسوة فَصْلِ التمكين ونفقة يومه- وإن اشتغل بالعبادة؛ للخبر المتفق عليه ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة -أي الجماع مع المؤن- فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج))، نعم حيث ندب لوجود الحاجة والأهبة وجب بالنذر (١)، كما يجب أيضاً إذا طلّقَ (٢) مظلومة في القسم؛ ليوفيها حقها من نوبة المظلوم لها. و لا يسن لمن في دار الحرب النكاح مطلقا؛ خوفا على ولده من التدين بدينهم والاسترقاق، نعم محله إن لم يغلب على ظنه الزنا لو لم يتزوج؛ إذ المصلحة المحققة الناجزة مقدمة على المفسدة المستقبلة المتوهمة، ويلحق التسري بالنكاح في ذلك; لأن ما علل به يأتي فيه، (فإن فقدها استحب تركه)؛ لقوله تعالى ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ النور: ٣٣ الآية. (ويكسر) إرشادا، ومع ذلك يثاب; لأن الإرشاد الراجع إلى تكميل شرعي كالعفة هنا كالشرعي (شهوته بالصوم)؛ للحديث المذكور، فإن لم تنكسر به تزوج ولا يكسرها بنحو كافور فيكره، بل يحرم على الرجل والمرأة إن أدى إلى اليأس من النسل. ويحرم التسبب إلى إلقاء النطفة بعد استقرارها في الرحم (٣) (فإن لم يحتج) أي يتق النكاح بعدم توقانه للوطء خلقة أو لعارض ولا علة به (كره) له (إن فقد الأهبة)؛ لالتزامه ما لا يقدر عليه بلا حاجة.

стр. 1219

وَإِلَّا فَلَا لَكِنِ الْعِبَادَةُ أَفْضَلُ. قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَتَعَبَّدْ فَالنِّكَاحُ أَفْضَلُ فِي الْأَصَحِّ، فَإِنْ وَجَدَ الْأُهْبَةَ وَبِهِ عِلَّةٌ كَهَرَمٍ أَوْ مَرَضٍ دَائِمٍ أَوْ تَعْنِينٍ كُرِهَ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَيُسْتَحَبُّ دَيِّنَةٌ بِكْرٌ نَسِيبَةٌ لَيْسَتْ قَرَابَةً قَرِيبَةً، (وإلا) يفقد الأهبة مع عدم حاجته له (فلا) يكره له؛ لقدرته عليه ومقاصده لا تنحصر في الوطء، بل بحث جمع ندبه (١) لحاجة صلة وتآنس وخدمة، وعليه فيفرق بينه وبين ما يأتي فيمن به علة مزمنة بأن هذا قادر على الوطء فلا يخشى فساد زوجته بخلاف ذاك (لكن العبادة) أي التخلي لها من المتعبد (أفضل) منه; لأن ذات العبادة أفضل من ذات النكاح قطعا، وإن أمكن كون النكاح عبادة؛ إذ يثاب متى سن له فعله ولم يوجد منه صارف، أو لم يسن له وقصد به طاعة كولد وإلا فلا (قلت: فإن لم يتعبد فالنكاح أفضل) -أي فاضل؛ لأنه لا فضل في البطالة- (في الأصح) من البطالة؛ لئلا تفضي به إلى الفواحش (فإن وجد الأهبة وبه علة كهرم أو مرض دائم أو تعنين) كذلك بخلاف من يعن وقتا دون وقت (كره) له النكاح (والله أعلم)؛ لعدم حاجته مع عدم تحصين المرأة المؤدي غالبا إلى فسادها. ولو طرأت هذه الأحوال بعد العقد لم تلحق بالابتداء؛ لقوة الدوام. [تنبيه] ما اقتضاه سياق المتن من أن تلك الأحكام لا تأتي في المرأة غير مراد فيندب لمحتاجة له لنحو توقان أو حاجة للنفقة أو خوف من اقتحام فجرة وإلا كره، ومَن لا يندفع عنها الفجرة إلا به يجب في حقّها، ولا دخل للصوم فيها. ولو علمت من نفسها عدم القيام بحقوق الزوج ولم تحتج للنكاح حرم عليها (ويستحب دَيِّنَة) بحيث توجد فيها صفة العدالة لا العفة عن الزنا فقط؛ للخبر المتفق عليه ((فاظفر بذات الدين تربت يداك)). وهل الأَولى مسلمة تاركة للصلاة أو كتابية المتجه أن الأَولى لقوي الإيمان والعلم الكتابية؛ لأمنه من فتنتها وقرب سياسته لها إلى أن تسلم، ولغيره تلك؛ لئلا تفتنه (بكرٌ)؛ للأمر به، نعم الثيب أولى لعاجز عن الافتضاض ولمن عنده عيال يحتاج لكاملة تقوم عليهن. ويسن أن لا يزوج بنته البكر (٢) إلا من بكر لم يتزوج قط; لأن النفوس جبلت على الإيناس بأول مألوف، ولا ينافيه ما تقرر من ندب البكر ولو للثيب؛ لأن ذاك فيما يسن للزوج وهذا فيما يسن للولي (نسيبةٌ) أي معروفة الأصل طيبته؛ لنسبتها إلى العلماء والصلحاء، وتكره بنت الزنا والفاسق (ليست قرابة قريبة)؛ لأن الولد يأتي نحيفاً، والمراد بالقريبة من هي في

стр. 1220

وَإِذَا قَصَدَ نِكَاحَهَا سُنَّ نَظَرُهُ إلَيْهَا قَبْلَ الخِطْبَةِ وَإِنْ لَمْ تَأْذَنْ، أول درجات الخؤولة أو العمومة. وكل مما ذكر مستقل بالندب خلافا لما يوهمه ظاهر العبارة. ويسن أيضا كونها ودودا ولودا -ويعرف في البكر بأقاربها- ووافرة العقل (١) وحسنة الخلق وكذا بالغة وفاقدة ولد من غيره -إلا لمصلحة- وحسناء أي بحسب طبعه (٢) ; لأن القصد العفة وهي لا تحصل إلا بذلك، نعم تكره ذات الجمال البارع; لأنها تزهو به وتتطلع إليها أعين الفجرة، وخفيفة المهر وأن لا تكون شقراء، والأشقر من غلب الحمرة فيه البياض وقهرته بحيث تصير كلهب النار الموقدة؛ إذ هذا هو المذموم بخلاف مجرد تشرب البياض بالحمرة فإنه أفضل الألوان في الدنيا; لأنه لونه ﷺ الأصلي، ولا ذات مطلِّقٍ لها إليه رغبة أو عكسه، ولا من في حلها له خلاف كأن زنى أو تمتع بأمها أو بها فرعه أو أصله، أو شك بنحو رضاع. ولو تعارضت تلك الصفات قُدِّم الدين مطلقا ثم العقل وحسن الخلق ثم الولادة ثم أشرفية النسب ثم البكارة ثم الجمال ثم ما المصلحة فيه أظهر بحسب اجتهاده. [تنبيه] كما يسن له تحري هذه الصفات فيها كذلك يسن لها ولوليها تحريها فيه . (وإذا قصد نكاحها) ورجا الإجابة رجاء ظاهرا، ويشترط أيضا علمه بخلوها عن نكاح وعدة تحرم التعريض كالرجعية، فإن لم تُحرمه جاز النظر وإن علمت به; لأن غايته أنه كالتعريض (سن) ولو مع خوف الفتنة لكن بدون شهوة (٣) (نظره إليها)؛ للأمر به في الخبر الصحيح مع تعليله بأنه أحرى أن يؤدم بينهما أي تدوم المودة والألفة. وخرج بـ ((إليها)) نحو ولدها الأمرد فلا يجوز له نظره (٤) وإن بلغه استواؤهما في الحسن. أما لو انتفى شرط مما ذكر فيحرم النظر؛ لعدم وجود مسوغه. وبعد القصد الأَوْلَى كون النظر (قبل الخطبة)؛ لخبر ((إذا ألقى الله في قلب امرئ خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها))، ولا يندب النظر بعد الخطبة (٥) ; لأنه قد يعرض فتتأذى هي أو أهلها، ومع ذلك يجوز; لأن فيه مصلحة أيضا (وإن لم تأذن) هي

стр. 1221

وَلَهُ تَكْرِيرُ نَظَرِهِ وَلَا يَنْظُرُ غَيْرَ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، وَيَحْرُمُ نَظَرُ فَحْلٍ بَالِغٍ إلَى عَوْرَةِ حُرَّةٍ كَبِيرَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ وَكَذَا وَجْهُهَا وَكَفُّهَا عِنْدَ خَوْفِ الفِتْنَةِ، ولا وليها؛ اكتفاءً بإذن الشارع، بل الأولى عدم علمها; لأنها قد تتزين له بما يغره (وله تكرير) وإن خاف الفتنة (١) (نظره) -ولو أكثر من ثلاثة- ما دام يظن أن له حاجة إلى النظر؛ لعدم إحاطته بأوصافها، ومن ثم لو اكتفى بنظرة حرم الزائد عليها; لأنه نظر أبيح لضرورة فليتقيد بها (ولا ينظر) من الحرة (غير الوجه والكفين) من رؤس الأصابع إلى الكوع ظهرا وبطنا بلا مس شيء منهما؛ لدلالة الوجه على الجمال والكفين على خصب البدن، ويمتنع نظر غيرهما، أو نظرهما إن أدى إلى نظر غيرهما. ورؤيتهما لا تستلزم تعمد رؤية ما عداهما. أما من فيها رق فينظر ما عدا ما بين سرتها وركبتها. وإذا لم تعجبه سُنَّ له أن يسكت ولا يقول لا أريدها، ولا يترتب عليه منع خطبتها; لأن السكوت إذا طال وأشعر بالإعراض جازت الخطبة كما يأتي. ومن لا يتيسر له النظر أو لا يريده بنفسه يسن له أن يرسل من يحل له نظرها ليتأملها ويصفها له ولو ما لا يحل له نظره فيستفيد بالبعث ما لا يستفيد بالنظر، وهذا لمزيد الحاجة إليه مستثنى من حرمة وصف امرأة لرجل (ويحرم نظر فحل) وخصي ومجبوب بخلاف الممسوح، أما الخنثى فيحرم نظره للرجال أو النساء أو خنثى مثله والعكس في الجميع احتياطاً (بالغ) -ولو شيخا هَمَّا ومخنثا وهو المتشبه بالنساء- عاقل مختار (إلى عورة حرة) خرج مثالها فلا يحرم نظره في نحو مرآة. ومحل ذلك حيث لم يخش فتنة ولا شهوة، وليس من العورة الصوت فلا يحرم سماعه إلا إن خشي منه فتنة وكذا إن التذَّ به (٢)، ومثلها في ذلك الأمرد (كبيرة) ولو شوهاء بأن بلغت حَدَّاً تُشتهى فيه لذوي الطباع السليمة لو سلمت من مشوه بها كما يأتي (أجنبية)، وعورتها حينئذ هي ما عدا وجهها وكفيها بلا خلاف؛ لقوله تعالى ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ النور: ٣٠ (وكذا وجهها) أو بعضه ولو بعض عينها أو من وراء نحو ثوب يَحكى ما وراءه (وكفها) -أو بعضه أيضا- وهو من رأس الأصابع إلى الكوع (عند خوف الفتنة) -إجماعا- من داعية نحو مس لها أو خلوة بها، وكذا عند النظر بشهوة بأن يلتذ به وإن أمن الفتنة قطعاً.

стр. 1222

وَكَذَا عَنْدَ الْأَمْنِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَا يَنْظُرُ مِنْ مَحْرَمِهِ بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ، وَيَحِلُّ مَا سِوَاهُ، وَقِيلَ مَا يَبْدُو فِي المُِهْنَةِ فَقَطْ، وَالْأَصَحُّ حِلُّ النَّظَرِ بِلَا شَهْوَةٍ إلَى الْأَمَةِ إلَّا مَا بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ. وَإِلَى صَغِيرَةٍ إلَّا الْفَرْجَ (وكذا) بلا شهوة، بل و (عند الأمن) من الفتنة فيما يظنه من نفسه، وإن كانت عجوزاً (على الصحيح)؛ لاتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه (١) ولو حلَّ النظر لَكُنَّ كالمرد ولأن النظر مظنة الفتنة أو الشهوة ففطم الناس عنه؛ احتياطا، ثم محل وجوب الستر عليهن إن منعهن الإمام من كشف وجوههن، نعم من تحققت نظر أجنبي لها (٢) يلزمها ستر وجهها عنه وإلا كانت مُعِيْنةً له على حرام (٣) فتأثم، ومحل ما مر في الوجه أما بقية البدن فيحرم كشفه حتى اليد؛ لأنه لا حاجة لكشفها (ولا ينظر من محرمه) بنسب أو رضاع أو مصاهرة (بيْن سرة وركبة) ; لأنه عورة، ويُلحق به (٤) هنا وفيما يأتي نفس السرة والركبة؛ احتياطا (ويحل) نظر (ما سواه) حيث لا شهوة ولو كافرا لا يرى نكاح المحارم; لأن المحرمية تحرم المناكحة فكانا كرجلين أو امرأتين (وقيل) يحل نظر (ما يبدو في المُِهنة) وهو الرأس والعنق واليدان إلى العضدين والرجلان إلى الركبتين (فقط)؛ إذ لا ضرورة لنظر ما عداه (والأصح حل النظر بلا) خوف فتنة ولا (شهوة) القيد لجميع ما في كلام المصنف (إلى الأمة) خرج بها المبعضة فهي كالحرة قطعا (إلا ما بين سرة وركبة) ; لأنه عورتها في الصلاة فأشبهت الرجل وسيصحح أنها كالحرة (و) الأصح حل النظر بدون شهوة (إلى صغيرة) لا تُشتهى لذوي الطباع السليمة كما عليه الناس في الأعصار والأمصار، فإن لم تشته لهم لتشوه بها قدّر زوال تشوهها فإن اشتهوها حينئذ حرم نظرها وإلا فلا (إلا الفرج) فيحرم اتفاقا، نعم يجوز نظره ومسه لنحو الأم زمن الرضاع والتربية؛ للضرورة. أما الصبي فيحل (٥) نظر فرجه ما لم يميز.

стр. 1223

وَأَنَّ نَظَرَ الْعَبْدِ إلَى سَيِّدَتِهِ وَنَظَرَ مَمْسُوحٍ كَالنَّظَرِ إلَى مَحْرَمٍ، وَأَنَّ المُرَاهِقَ كَالْبَالِغِ. وَيَحِلُّ نَظَرُ رَجُلٍ إلَى رَجُلٍ إلَّا مَا بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ. وَيَحْرُمُ نَظَرُ أَمْرَدَ بِشَهْوَةٍ (و) الأصح (أن نظر العبد) العدل -ولا تكفي العفة عن الزنا فقط- غير المشترك والمبعض وغير المكاتب (إلى سيدته) المتصفة بالعدالة أيضا (و) الأصح أن (نظر ممسوحٌ) ذكرُهُ كُلُّهُ وأنثياه. بشرط أن لا يبقى فيه ميل للنساء أصلا، وبشرط إسلامه في المسلمة، وعدالته ولو أجنبيا لأجنبية متصفة بالعدالة أيضا (كالنظر إلى محرم) فينظران منها ما عدا ما بين السرة والركبة وتنظر منهما ذلك؛ لقوله تعالى ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ النور: ٣١، ويلحقان بالمحرم أيضا في الخلوة والسفر (١)، لا في نحو حل المس وعدم نقض الوضوء به، وإنما حل نظره لأمته المشتركة; لأن ملحظ نظر السيدة الحاجة، وهي منتفية مع الكتابة أو الاشتراك ولا كذلك في السيد، وقد اتفقوا على أن العبد لا يلزمه الاستئذان إلا في الأوقات الثلاثة؛ لكثرة حاجته إلى الدخول والخروج والمخالطة، ومثله في ذلك مراهق أجنبي ومحرم بالغ (و) الأصح (أن المراهق) وهو من قارب الاحتلام أي باعتبار غالب سنه وهو قرب الخمسة عشر (٢) لا التسع ولو كان مجنونا متيقضاً (كالبالغ) فيلزمها ستر ما عدا وجهها وكفيها منه بل والوجه والكفين إن علمت منه تعمد النظر إليها. ويلزم وليه منعه النظر كما يلزمه منعه من سائر المحرمات، ولو ظهر منه تشوف للنساء فكالبالغ قطعا، والمراهقة كالبالغة. وخرج بالمراهق غيره، ثم إن كان بحيث يحكي ما يراه على وجهه فكالمحرم وإلا فكالعدم. (ويحل نظر رجل إلى رجل) مع أمن الفتنة بلا شهوة اتفاقا (إلا ما بين سرة وركبة) ونفسهما (٣) كما مر، فيحرم نظره مطلقا ولو من محرم; لأنه عورة والمراهق كالرجل ناظراً ومنظوراً. ويجوز للرجل دلك فخذ الرجل بشرط حائل وأمن فتنة، وأُخذ منه حل مصافحة الأجنبية مع ذينك بخلاف مس غير وجهها وكفيّها بحائل؛ لأنه مظنة للفتنة والشهوة، ويلحق بها الأمرد في ذلك. (ويحرم) ولو على أمرد (نظر) شيء من بدن (أمرد) -وهو من لم يبلغ أوان طلوع اللحية غالبا، ويظهر ضبط ابتدائه بأن يكون بحيث لو كان صغيرة لاشتهيت للرجال- مع خوف فتنة بأن لم يندر وقوعها، أو (بشهوة)

стр. 1224

قُلْتُ: وَكَذَا بِغَيْرِهَا فِي الْأَصَحِّ المَنْصُوصِ. وَالْأَصَحُّ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ أَنَّ الْأَمَةَ كَالحُرَّةِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَالْمَرْأَةُ مَعَ الْمَرَأَةٍ كَرَجُلٍ وَرَجُلٍ. وَالْأَصَحُّ تَحْرِيمُ نَظَرِ ذِمِّيَّةٍ إلَى مُسْلِمَةٍ. وَجَوَازُ نَظَرِ المَرْأَةِ إلَى بَدَنِ أَجْنَبِيٍّ سِوَى مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ إنْ لَمْ تَخَفْ فِتْنَةً. قُلْتُ: الْأَصَحُّ التَّحْرِيمُ كَهُوَ إلَيْهَا، وَاَللهُ أَعْلَمُ إجماعا، وكذا كل منظور إليه، وضابط الشهوة أن يتأثر بجمال صورته بحيث يدرك من نفسه فرقا بينه وبين الملتحي (قلت: وكذا) يحرم نظره (بغيرها) أي الشهوة ولو مع أمن الفتنة (في الأصح المنصوص (١) وذلك; لأنه مظنة الفتنة كالمرأة. وشرط الحرمة مع أمن الفتنة وانتفاء الشهوة أن لا يكون الناظر محرما بنسب وكذا رضاع (٢) ولا سيدا، ويظهر حل نظر مملوكِهِ وممسوح إليه بشرطهما السابق وأن يكون المنظور جميلا بحسب طبع الناظر; لأن الحسن يختلف باختلاف الطباع. وخرج بالنظر المس (٣) والخلوة به فتحرم لكن إن حرم النظر (والأصح عند المحققين أن الأمة كالحرة والله أعلم)؛ لاشتراكهما في الأنوثة وخوف الفتنة (والمرأة مع المرأة كرجل ورجل) فيحل حيث لا خوف فتنة ولا شهوة لها نظر ما عدا سرتها وركبتها وما بينهما; لأنه عورة (والأصح تحريم نظر ذمية) وكل كافرة ولو حربية (إلى) ما لا يبدو في المهنة من (مسلمة) غير سيدتها ومحرمها؛ لمفهوم قوله تعالى ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ النور: ٣١، وقضية المتن أنها معها كأجنبي، نعم ولا يحرم نظر المسلمة لها، ومثلها (٤) فاسقة بسحاق أو غيره كزنا أو قيادة فيحرم التكشف لها (و) الأصح (جواز نظر المرأة إلى بدن أجنبي سوى ما بين سرته وركبته) وسوى السرة والركبة (٥) أيضاً كما مر (إن لم تخف فتنة) ولا نظرت بشهوة (قلت: الأصح التحريم كهو) أي كنظره (إليها والله أعلم)؛ للخبر الصحيح أنه ﷺ ((أمر ميمونة وأم سلمة وقد رآهما ينظران لابن أم مكتوم بالاحتجاب منه فقالت له أم سلمة: أليس هو أعمى لا يبصر فقال أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه)). ومر ندب نظرها إليه للخطبة كهو إليها.

стр. 1225

وَنَظَرُهَا إلَى مَحْرَمِهَا كَعَكْسِهِ. وَمَتَى حَرُمَ النَّظَرُ حَرُمَ المَسُّ. وَيُبَاحَانِ لِفَصْدٍ وَحِجَامَةٍ وَعِلَاجٍ (ونظرها إلى محرمها كعكسه) أي كنظره إليها فتنظر منه ما عدا ما بين السرة والركبة، ومر إلحاقهما (١) بما بينهما، (ومتى حرم النظر حرم المس) بلا حائل، وكذا معه إن خاف فتنة بل وإن أمنها. ويحرم مس شيء من الأمرد على ما مر ومن عورة المماثل، أو المحرم، ويحرم مس ونظر عضو أجنية مُبان. وقد يحرم النظر دون المس كأن أمكن طبيبا معرفة العلة بالمس فقط. وحيث حل النظر حل المس كدبر الحليلة، وهذا أغلبي أيضا (٢) فلا يحل لرجل مس وجه أجنبية وإن حل نظره لنحو خطبة أو شهادة أو تعليم، ولا لسيدة مس شيء من بدن عبدها وعكسه وإن حل النظر وكذا الممسوح. وما حل نظره من المحرم قد لا يحل مسه كبطنها ورجلها وتقبيلها بلا حائل لغير حاجة ولا شفقة (٣) بخلاف يدها (ويباحان) أي النظر والمس (لفصد وحجامة وعلاج)؛ للحاجة لكن بحضرة مانع خلوة كمحرم أو زوج أو امرأة ثقة؛ لحل خلوة رجل بامرأتين ثقتين يحتشمهما، وليس الأمردان كالمرأتين (٤) ; لأن ما عللوا به فيهما من استحياء كل بحضرة الأخرى لا يأتي في الأمردين، وبشرط عدم امرأة تحسن ذلك كعكسه، وأن لا يكون غير أمين مع وجود أمين، ولا ذميا مع وجود مسلم، أو ذمية مع وجود مسلمة، ويتحصَّل أنه يقدم في المرأة مسلمة فصبي مسلم غير مراهق فممسوح فمراهق فكافر غير مراهق فممسوح فمراهق فمحرم مسلم فمحرم كافر فامرأة كافرة، نعم يقدم أمهر ولو من غير الجنس، والدَّيِّن على غيره. ووجود من لا يرضى إلا بأكثر من أجرة المثل كالعدم. ويتأتى في الأمرد نظير ذلك الترتيب فيقدم من يحل نظره إليه فغير مراهق فمراهق فمسلم ثقة فكافر بالغ، ويعتبر في الوجه والكف أدنى حاجة وفيما عداهما مبيح تيمم إلا الفرج وقريبه فيعتبر زيادة على ذلك وهي أن تشتد الضرورة حتى لا يعد الكشف لذلك هتكا للمروءة.

стр. 1226

قُلْتُ: وَيُبَاحُ النَّظَرُ لِمُعَامَلَةٍ وَشَهَادَةٍ وَتَعْلِيمٍ وَنَحْوِهَا بِقَدْرِ الحَاجَةِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَلِلزَّوْجِ النَّظَرُ إلَى كُلِّ بَدَنِهَا (قلت ويباح النظر) للوجه فقط (لمعاملة) كبيع وشراء ليرجع بالعهدة ويطالب بالثمن مثلا (وشهادة) تحملا وأداء لها أو عليها، كنظر الفرج للشهادة بزنا أو ولادة أو عبالة أو التحام إفضاء، والثدي للرضاع؛ للحاجة. وتعمد النظر للشهادة لا يضر وإن تيسر وجود نساء أو محارم يشهدون، والنظر لغير ما ذكر من الأمور المجوزة له غير مفسق (١) لأنه صغيرة. وتُكَلَّف الكشف للتحمل والأداء فإن امتنعت أُمرت امرأة أو نحوها بكشفها، وعند نكاحها لا بد أن يعرفها الشاهدان بالنسب أو بكشف وجهها. ولو عرفها الشاهدان في النقاب لم يحتج للكشف، فعليه يحرم الكشف حينئذ؛ إذ لا حاجة إليه، ومتى خشي فتنة أو شهوة لم ينظر إلا إن تعين، ومع ذلك يأثم بالشهوة إن كانت باختياره وإلا فلا (وتعليم) لأمرد وأنثى، ويشرط في تعليم الأنثى كونه فيما يجب تعلمه وتعليمه كالفاتحة وما يتعين فيه ذلك من الصنائع المحتاج إليها، وفقد جنس ومحرم صالح، وتعذره من وراء حجاب ووجود مانع خلوة (٢) لا فيما لا يحب (٣). ولا تشترط هذه الشروط في الأمرد كما عليه الإجماع الفعلي، ويتجه اشتراط العدالة فيهما كالمملوك بل أولى (ونحوها) كأمة يريد شراءها فينظر ما عدا عورتها، وحاكم يحكم لها أو عليها أو يحلفها. وإنما يجوز النظر في جميع ما مر (بقدر الحاجة والله أعلم) فلا يجوز أن يجاوز ما يحتاج إليه; لأن ما حل لضرورة يقدر بقدرها، ومن ثم لو عرفها الشاهد بنظرة لم تجز ثانية أو برؤية بعض وجهها لم يجز له رؤية كله. وكل ما حلَّ له نظره منها للحاجة يحل لها نظره منه للحاجة أيضا كالمعاملة وغيرها مما مر (٤). [فرع] يجوز بلا كراهة وطئ حليلته متفكرا في محاسن أجنبية، ولا يأثم بذلك إلا إن صمم على فعل المعصية بتلك المتخيَّلة لو ظفر بها في الخارج أو تمنى الزنا بها (و للزوج) والسيد في حال الحياة (النظر إلى كل بدنها) -أي الزوجة والمملوكة التي تحل وعكسه وإن

стр. 1227

فصل تَحِلُّ خِطْبَةُ خَلِيَّةٍ عَنْ نِكَاحٍ وَعِدَّةٍ، منعها (١) - ولو الفرج وحلقة دبرها لكن مع الكراهة، وباطن الفرج أشد، وذلك; لأنها محل استمتاعه وعكسه وللخبر الصحيح ((احفظ عورتك إلا من زوجتك وأمتك)) أي فهي أولى أن لا تحفظ منه; لأن الحق له لا لها، ومن ثم لزمها تمكينه من التمتع ولا عكس، وخرج بالنظر المس فلا خلاف في حله ولو للفرج، وبحال الحياة ما بعد الموت فهو كالمحرم، وبالتي تحل زوجة معتدة عن شبهة ونحو أمة مجوسية فلا يحل له إلا نظر ما عدا ما بين سرتها وركبتها. [تنبيه] كل ما حرم نظره منه أو منها متصلا حرم نظره منفصلا كقلامة يد أو رِجل وشعر امرأة وعانة رجل فتجب مواراتهما، وكدم فصد مثلا . وتحرم مضاجعة رجلين أو امرأتين عاريين في ثوب واحد وإن لم يتماسا. وإذا بلغ الصبي أو الصبية عشر سنين وجب التفريق بينه وبين أمه وأبيه (٢) وأخته وأخيه، وعليه فيحرم تمكينهما من التلاصق ولو مع عدم التجرد (٣) ومن التجرد ولو مع البعد وقد جمعهما فراش واحد. ويكره للإنسان نظر فرج نفسه عبثا. (فصل) في الخِطبة وهي التماس النكاح (تحل خطبة) وهي بمعنى الالتماس وسيلة للنكاح لها حكمه في ندبه أو وجوبه أو غيره، وبمعنى الإتيان لأوليها مع الخطبة سنة (خلية عن) جميع الموانع كـ (نكاح وعدة) تصريحا وتعريضا. وتحرم خطبة المنكوحة كذلك إجماعا فيهما، وسيعلم من كلامه أنه يشترط خلوها أيضا من بقية موانع النكاح ومن خطبة الغير (٤). ولا يحل خطبة الأمة المستفرشة ما لم تقم قرينة ظاهرة على إعراض السيد عنها ومحبته لتزويجها، ويحرم على ذي أربع الخطبة إلا إذا كان قصده أنها إذا أجابت أبان واحدة وكذا في نحو أخت زوجته،

стр. 1228

لَا تَصْرِيحٌ لِمُعْتَدَّةٍ، وَلَا تَعْرِيضٌ لِرَجْعِيَّةٍ، وَيَحِلُّ تَعْرِيضٌ فِي عِدَّةِ وَفَاةٍ وَكَذَا لِبَائِنٍ فِي الْأَظْهَرِ. وَيَحْرُمُ خِطْبَةٌ عَلَى خِطْبَةِ مَنْ صُرِّحَ بِإِجَابَتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ، وتحل خطبة نحو مجوسية لينكحها إذا أسلمت. وخرج بالخلية المزوجة فتحرم خطبتها تصريحا وتعريضا كما مر (لا تصريح) من غير ذي العدة لمستبرأة، أو (لمعتدة) عن وفاة أو شبهة أو فراق بطلاق بائن أو رجعي أو بفسخ أو انفساخ فلا يحل إجماعا; لأنها قد ترغب فيه فتكذب على انقضاء العدة. أما ذو العدة فتحل له إن حل له نكاحها بخلاف ما إذا لم يحل كأن طلقها ثلاثا والحال أنها في عدته، وكأن وطئ معتدة بشبهة فحملت فإن عدته تقدم، ولا يحل له خطبتها؛ إذ لا يحل له نكاحها (ولا تعريض لرجعية) ومعتدة عن ردة; لأنهما في معنى الزوجة؛ لعودهما للنكاح بالرجعة والإسلام (ويحل تعريض) بغير جماع (في عدة وفاة) ولو حاملا؛ لآيتها وهي ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ البقرة: ٢٣٥ (وكذا) يحل التعريض (لبائن) بطلاق أو فسخ معتدة بالأقراء أو الأشهر (في الأظهر)؛ لعموم الآية، وأورد عليه بائن بثلاث أو رضاع أو لعان فإنه لا خلاف في حل التعريض لها وقد يجاب بأن بعضهم أجراه أيضا فلعل المصنف يرتضيه، ولجواب الخطبة حكمها في التفصيل المذكور. ثم التصريح ما يقطع بالرغبة في النكاح كإذا انقضت عدتك نكحتك والتعريض ما يحتمل ذلك وعدمه كأنت جميلة، من يجد مثلك، إن الله سائق إليك خيرا، لا تَبْقَي أيِّما، رُبَّ راغب فيك، إني راغب فيك، والتعريض بالجماع حرام كعندي جماع مُرْضٍ وأنا قادر على جماعك بخلاف التعريض به في غير نحو هذه الصورة فإنه مكروه. ونحو الكناية -وهي الدلالة على الشيء بذكر لازمه- قد تفيد ما يفيده الصريح كأريد أن أنفق عليه نفقة الزوجات وأتلذذ بك فتحرم، وقد لا فيكون تعريضاً كذكر ذلك ما عدا وأتلذذ بك. (ويحرم) على عالم بالخطبة وبالإجابة وبصراحتها وبحرمة الخطبة على الخطبة (خطبة على خطبة من) جازت خطبته وإن كرهت، و (قد صرح) لفظا (بإجابته) ولو كافرا محترما؛ للنهي الصحيح عن ذلك. ويحصل التصريح بالإجابة بأن يقول له المجبر (١) -ومنه السيد في

стр. 1229

فَإِنْ لَمْ يُجَبْ وَلَمْ يُرَدَّ لَمْ تَحْرُمْ فِي الْأَظْهَرِ. وَمَنِ اسْتُشِيرَ فِي خَاطِبٍ ذَكَرَ مَسَاوِئَهُ بِصِدْقٍ. أمته غير المكاتبة والسلطان في مجنونة بالغة لا أب لها ولا جد- أو تقول هي والولي (١) ولو مُجْبَرةً في غير الكفء، أو تقول غير المجبرة وحدها (٢) في الكفء أو وليها وقد أذنت في إجابته أو في تزويجها -ولو من غير معين كزوجني ممن شئتـ، أو تقول مكاتبة كتابة صحيحة مع سيدها وكذا مبعضة لم تجبر- وإلا فهو ووليهاـ ((أجبتك أو رضيتك زوجا مثلا)) وذلك; لأن القصد إجابة لا يتوقف العقد بعدها على أمر متقدم عليه، وسكوت البكر غير المجبرة ملحق بالصريح (٣) (إلا بإذنه) -أي الخاطب له من غير خوف ولا حياء- أو إلا أن يترك أو يُعْرِض عنه المجيب، أو يعرض هو كأن يطول الزمن بعد إجابته حتى تشهد قرائن أحواله بإعراضه، ومنه سفره البعيد المنقطع (فإن لم يجب ولم يرد) صريحا بأن لم يذكر له واحد منهما أو ذكر له ما أشعر بأحدهما أو بكل منهما (لم يحرم في الأظهر) المقطوع به في السكوت (٤)؛ إذ لم يبطل بها شيء مقرر، وكذا إن أجيب تعريضا مطلقا، أو تصريحا ولم يعلم الثاني بالخطبة أو علم بها ولم يعلم بالإجابة، أو علم بها ولم يعلم كونها بالصريح، أو علم كونها به ولم يعلم بالحرمة، أو علم بها لكن وقع إعراض من أحد الجانبين كما مر، أو حرمت الخطبة، أو نكح من يحرم جمع المخطوبة معها، أو طال الزمن بعد الإجابة بحيث يعد معرضا كما مر أيضا، أو كان الأول حربيا أو مرتدا؛ لأصل الإباحة مع سقوط حقه بنحو إذنه أو إعراضه والمرتد لا ينكح فلا يخطب وطروّ ردته قبل الوطء يفسخ العقد فالخطبة أولى. ومن خطب خمسا معا أو مرتبا لم تجز خطبة إحداهن حتى يحصل نحو إعراض، أو يعقد على أربع. ويسن خطبة أهل الفضل من الرجال فمن خُطِبَ وأجاب والخاطبة مكملة للعدد الشرعي أو لم يرد إلا واحدة حرم على امرأة ثانية خطبته بالشروط السابقة، فإن لم يكمل العدد ولا أراد الاقتصار على واحدة فلا حرمة مطلقا؛ لإمكان الجمع. (ومن استشير في خاطب) أو نحو عالم لمن يريد الاجتماع به أو معاملته هل يصلح أوْ لا يصلح، بل يجب عليه ذكر ذلك ولو لم يستشر (ذكر) وجوبا (مساوئه) أي عيوبه الشرعية وكذا العرفية، والمراد أنه يقول له أولاً لا يصلح لك فإن لم ينزجر بذلك ذكر من عيوبه ما ينزجر به (بصدق) ليحذر؛ بذلا للنصيحة

стр. 1230

وَيُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ خُطْبَةٍ قَبْلَ الخِطْبَةِ، وَيُسْتَحَبُّ أُخْرَى قَبْلَ الْعَقْدِ، وَلَوْ خَطَبَ الْوَلِيُّ فَقَالَ الزَّوْجُ: الحَمْدُ للهِ وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللهِ قَبِلْتُ صَحَّ النِّكَاحُ عَلَى الصَّحِيحِ، الواجبة، وصحَّ ((أنه ﷺ استشير في معاوية وأبي جهم، فقال: أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له))، نعم إن علم أن الذكر لا يفيد أمسك كالمضطر لا يباح له إلا ما اضطر إليه، وقد يؤخذ منه أنه يجب ذكر الأخف فالأخف من العيوب. وهذا أحد أنواع الغيبة الجائزة، وهي: ذكر الغير بما فيه أو في نحو ولده أو زوجته أو ماله مما يكره عرفا أو شرعا، لا بنحو صلاح وإن كرهه ولو بإشارة أو إيماء، بل وبالقلب بأن أصرَّ فيه على استحضار ذلك، ومن أنواعها الجائزة أيضا التظلم لذي قدرة على إنصافه، أو الاستعانة به على تغيير منكر أو دفع معصية، والاستفتاء بأن يذكر حاله وحال خصمه مع تعيينه للمفتي وإن أغنى إجماله; لأنه قد يكون في التعيين فائدة، ومجاهرته -بفسق أو بدعة أو صغيرة- بأن لم يبال بما يقال فيه من جهة ذلك؛ لخلعه جلباب الحياء فلم يبق له حرمة لكن لا يذكره بغير ما تجاهر به، وشهرته بوصف يكرهه فيذكر للتعريف -وإن أمكن تعريفه بغيره-، وليس له ذكره للتنقيص بخلاف ذكره بذلك مطلقا عن قصد فيجوز. ولو استشير في نفسه وفيه مَسَاوٍ قال لا أصلح لكم فإن رضوا به مع ذلك فواضح وإلا لزمه الترك أو الإخبار بما فيه من كل مذموم شرعا أو عرفا، بل يلزمه ذكر ذلك ولو لم يستشر. والنص على أنها لو أذنت في العقد لم يجز ذكر المساوي محمول على ما إذا ظهر بقرائن الأحوال عدم رجوعها عنه وإن ذكرت. (ويستحب) للخاطب أو نائبه إن جازت الخطبة بالتصريح لا بالتعريض (تقديم خُطبة قبل الخِطبة)؛ لخبر ((كل أمر ذي بال)) السابق، فيبدأ بالحمد والثناء على الله تعالى ثم بالصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ثم يوصي بالتقوى ثم يقول: جئتكم، وإن كان وكيلا قال: جاءكم موكلي أو جئتكم عنه خاطبا كريمتكم أو فتاتكم، فيخطب الولي أو نائبه كذلك، ثم يقول لست بمرغوب عنك، أو نحوه (ويستحب) خطبة (أخرى) كما ذكر (قبل العقد) عند إرادة التلفظ به سواء الولي أو نائبه، والزوج أو نائبه وأجنبي، وهي آكد من الأولى (ولو خطب الولي) كما ذكر، ثم قال زوجتك إلى آخره (فقال الزوج الحمد لله والصلاة) والسلام (على رسول الله قبلت) إلى آخره (صح النكاح) وإن تخلل ذلك (على الصحيح) ; لأنه مقدمة القبول مع قصره فليس أجنبيا عنه.
следующие страницы →