فصل
يُسَنُّ الْإِيصَاءُ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ وَتَنْفِيذِ الْوَصَايَا
(فصل في الإيصاء)
وهو لغة: الإيصال، وشرعا: إثبات تصرف مضاف لِمَا بعد الموت (يسن) لكل أحد (الإيصاء بقضاء الدين (١) الذي لله كالزكاة أو لآدمي و رَدِّ المظالم كالمغصوب وأداء الحقوق كالعواري والودائع إن كانت ثابتة بفرض إنكار الورثة وإلا وجب أن يعلم بها غير وارث تثبت بقوله ولو واحدا ظاهر العدالة، أو يردها حالا؛ خوفا من خيانة الوارث، ويكفي خَطُّه بها إن كان في البلد من يثبته بخلاف من كان بإقليم يتعذر فيه من يثبت بالخط أو يقبل الشاهد واليمين (وتنفيذ الوصايا) إن أوصى بشيء، وإنما صحت في نحو رد عين وفي دفعها حالا والوصية بها لمعين وإن كان لمستحقها الاستقلال بأخذها من التركة- بل لو أخذها أجنبي من التركة ودفعها إليه لم يضمنهاـ; لأن الوارث قد يخفيها أو يتلفها. وليطالب الوصي الوارث بنحو ردها؛ ليبرأ الميت ولتبقى تحت يد الوصي لا الحاكم لو غاب مستحقها. وهي قبل قبول الموصى له ملك للوارث -أي بفرض عدم القبول- فله الامتناع من دفعها للوصي فيأخذها الحاكم إلى أن يستقر أمرها. وإذا أوصى للفقراء مثلا فإن عيَّن لذلك وصيا لم يكن للقاضي دخل فيه إلا من حيث المطالبة بالحساب ومنع إعطاء من لا يستحق وإلا تولى التصرف هو أو نائبه. ولو أخرج الوصي الوصية من ماله ليرجع في التركة رجع إن كان وارثا وإلا فلا -أي إلا إن أذن له الحاكم أو جاء وقت الصرف الذي عينه الميت وفُقد الحاكم ولم يتيسر بيع التركة فأشهد بنية الرجوع- ولو أوصى ببيع بعض التركة وإخراج كفنه من ثمنه فاقترض الوصي دراهم وصرفها فيه امتنع عليه البيع ولزمه وفاء الدين من ماله لكن محله حيث لم يضطر إلى الصرف من ماله وإلا كأن لم يجد مشتريا رجع إن أذن له حاكم أو فقده وأشهد بنية الرجوع نظير ما تقرر. ولو أوصى بقضاء الدين من عين بتعويضها فيه وهي تساويه أو تزيد وقَبِل الوصية بالزائد، أو من ثمنها تعين فليس للورثة إمساكها، ومنه يؤخذ أنه لا يلزم استئذانهم
стр. 1157
وَالنَّظَرِ فِي أَمْرِ الْأَطْفَالِ. وَشَرْطُ الْوَصِيِّ تَكْلِيفٌ وَحُرِّيَّةٌ وَعَدَالَةٌ وَهِدَايَةٌ إلَى التَّصَرُّفِ المُوصَى بِهِ،
فيها بخلاف ما إذا لم يعين لا يتصرف حتى يستأذنهم; لأنها ملكهم فإن غابوا استأذن الحاكم. ولو قال إذا مت ففرق ما لي عليك من الدين للفقراء صحّ ويكون وصيا. وللمشتري من نحو وصي وقيم ووكيل وعامل قراض أن لا يسلمه الثمن حتى تثبت ولايته عند القاضي، ولو قال ضع ثلثي حيث شئت لم يجز له الأخذ لنفسه -أي وإن نص له على ذلك-؛ لاتحاد القابض والمقبض، ولا لمن تقبل شهادته له أي إلا أن ينص الموصي -بقدر مستقلٍ- على الأخذ لمن تقبل شهادته له؛ إذ لا اتحاد ولا تهمة حينئذ (والنظر في أمر الأطفال (١) والمجانين والسفهاء، وكذا الحمل الموجود عند الإيصاء (٢) ولو مستقلا (٣). ويدخل من حدث بعد الإيصاء على أولاده تبعا. بل يجب الإيصاء في أمر نحو الأطفال إلى ثقة مأمون وجيه كاف إذا وجده وغلب على ظنه أن تركه يؤدي إلى استيلاء خائن من قاض أو غيره على أموالهم.
وأركانه أربعة موص ووصي وموصى فيه وصيغة (وشرط الوصي) تعيين و (تكليف) أي بلوغ وعقل; لأن غيره لا يلي أمر نفسه فغيره أولى، وسيذكر أنه لو أوصى لفلان حتى يبلغ ولده فإذا بلغ فهو الوصي جاز ولا يرد على هذا; لأنه في الإيصاء المنجز وذاك إيصاء معلق (وحرية) كاملة ولو مآلا كمدبر ومستولدة; لأن الوصاية تستدعي فراغا ومنه فيه رقٌّ ليس من أهله، ولذا يمنع (٤) الإيصاء لمن آجر نفسه في عمل مدة لا يمكنه التصرف فيها بالوصاية (وعدالة) ولو ظاهرة فلا تصح لفاسق إجماعا; لأن الإيصاء ولاية، ولو وقع نزاع في عدالته اشترط ثبوت العدالة الباطنة (وهداية إلى التصرف الموصى به (٥) فلا يجوز لمن لا يهتدي إليه لسفه أو هرم أو تغفل؛ إذ لا مصلحة فيه. ولو فرق فاسق مثلا ما فوض له تفرقته غرمه وله استرداد بدل ما دفعه ممن عرفه؛ لتبين أنه لم يقع الموقع فإن بقيت عين المدفوع استرده القاضي
стр. 1158
وَإِسْلَامٌ لَكِنِ الْأَصَحُّ جَوَازُ وَصِيَّةِ ذِمِّيٍّ إلَى ذِمِّيٍّ. وَلَا يَضُرُّ الْعَمَى فِي الْأَصَحِّ. وَلَا تُشْتَرَطُ الذُّكُورَةُ، وَأُمُّ الْأَطْفَالِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهَا. وَيَنْعَزِلُ الْوَصِيُّ بِالْفِسْقِ،
وأسقط عنه من الغرم بقدره (وإسلام) فلا يصح من مسلم لكافر؛ لتهمته، بل وإن كان المسلمُ وصيَّ ذميٍّ فَوَّض إليه وصاية على أولاده الذميين فلا يجوز له الإيصاء عليهم إلا لمسلم (١)، فأن لم تجتمع الشروط في مسلم واجتمعت في ذمي جاز (لكن الأصح جواز وصية ذمي) أو نحوه ولو حربيا (إلى) كافر معصوم (ذمي) أو معاهد أو مستأمن فيما يتعلق بأولاده الكفار، بشرط كون الوصي عدلا في دينه كما يجوز أن يكون وليا لأولاده. وتعرف عدالته بتواترها من العارفين بدينه أو بإسلام عارفين وشهادتهما بها، ويشترط أيضا أن لا يكون الوصي عدوا للموصي عليه عداوة دنيوية، وتصور وقوع العداوة للطفل والمجنون من صغره بأن يكون قد عرف من الوصي كراهتهما لموجب أو غيره. والعبرة في هذه الشروط بوقت الموت; لأنه وقت التسلط على القبول فلا يضر فقدها قبله ولو عند الوصية، ولذا لا يحرم الإيصاء لنحو فاسق عندها; لأنه لم يتحقق فساده؛ لاحتمال عدالته عند الموت ولا إثم مع الشك، (ولا يضر العمى في الأصح) ; لأن الأعمى كامل ويمكنه التوكيل فيما لا يمكنه. وتصح لأخرس له إشارة مفهمة إذا وجدت فيه بقية الشروط (ولا تشترط الذكورة) إجماعا (وأم الأطفال) المستجمعة للشروط عند الوصية -ثم إن استجمعت الشروط عند الموت بقيت على وصايتها وإلا فلا- (أولى) بإسناد الوصية إليها بل وبتفويض القاضي -حيث لا وصي- أمرهم إليها، ولا يبطل تزوجها وصايتها إلا إن نص عليه الموصي (من غيرها) ; لأنها أشفق عليهم، وإنما يظهر كونها أولى إن ساوت الرجل في الاسترباح ونحوه من المصالح التامة (وينعزل الوصي) وقيم الحاكم بل والأب والجد (بالفسق) وإن لم يعزله الحاكم؛ لزوال أهليته، نعم تعود ولاية الأب والجد بعود العدالة; لأن ولايتهما شرعية بخلاف غيرهما؛ لتوقفها على التفويض فإذا زالت احتاجت لتفويض جديد، وكذا ينعزلون بالجنون والإغماء لا باختلال الكفاية، بل يضم له القاضي معينا، بل يجوز له ضم آخر للوصي عند قوة الريبة، ومحل ما مر في متبرع أما من يتوقف ضمه على جُعْل فلا يعطاه إلا عند غلبة الظن؛ لئلا يضيع مال اليتيم بالتوهم من غير
стр. 1159
وَكَذَا الْقَاضِي فِي الْأَصَحِّ لَا الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ. وَيَصِحُّ الْإِيصَاءُ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ، وَتَنْفِيذُ الْوَصِيَّةُ مِنْ كُلِّ حُرٍّ مُكَلَّفٍ. وَيُشْتَرَطُ فِي أَمْرِ الْأَطْفَالِ مَعَ هَذَا أَنْ تَكُونَ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَيْهِمْ، وَلَيْسَ لِوَصِيٍّ إيصَاءٌ فَإِنْ أُذِنَ لَهُ فِيهِ جَازَ لَهُ فِي الْأَظْهَرِ. وَلَوْ قَالَ: أَوْصَيْتُ إلَيْك إلَى بُلُوغِ ابْنِي أَوْ قُدُومِ زَيْدٍ فَإِذَا بَلَغَ أَوْ قَدِمَ فَهُوَ الْوَصِيُّ جَازَ
دليل ظاهر. ويعزل القاضي قيمه بمجرد اختلال كفايته; لأنه الذي ولاه (وكذا القاضي) ينعزل بما ذكر (في الأصح)؛ لزوال أهليته أيضا. ويتجه في فاسق ولاهُ ذو شوكة مع علمه بفسقه أنه لا يؤثر إلا طرو مفسق آخر أقبح; لأن موليه قد لا يرضى به (لا الإمام الأعظم) فإنه لا ينعزل بما ذكر؛ لتعلق المصالح الكلية بولايته. (ويصح الإيصاء بقضاء الدين) ورد الحقوق (وتنفيذ (١) الوصية من كل حر) سكران أو (مكلف) مختار نظير ما مر في الموصي بالمال، ومن ثم يأتي هنا نظير ما مر هناك فلو أوصى السفيه بمال وعيَّن من ينفذه تعين، (ويشترط) في الموصي (في أمر الأطفال) والمجانين والسفهاء (مع هذا) المذكور من الحرية والتكليف وغيرهما مما أشرنا إليه (أن تكون له ولاية عليهم) مبتدأة من الشرع وهو الأب أو الجد المستجمع للشروط وإن علا دون الأم وسائر الأقارب والوصي والحاكم وقيمه ومنه أب أو جد نصبه الحاكم على مال من طرأ سفهه; لأن وليه الآن الحاكم دونهما (وليس لوصي (٢) توكيل إلا فيما يعجز عنه أو لا يتولاه مثله على ما مر في الوكالة، ولا (إيصاء) استقلالا قطعا (فإن أذن له فيه) من الموصي وعين له شخصا أو فوضه لمشيئته بأن قال له أوص بتركتي فلانا أو من شئت، فإن لم يقل بتركتي لم يصح (جاز في الأظهر) ; لأنه استنابه فيه كالوكيل يوكل بالإذن، ثم إن قال له أوص عني أو عنك فواضح وإلا وصَّى عن الموصي لا عن نفسه (٣). (و) يأتي جواز التعليق والتأقيت فعليه (لو قال (٤) أوصيت) لزيد ثم من بعده لعمرو أو (إليك إلى بلوغ ابني أو قدوم زيد فإذا بلغ أو قدم فهو الوصي جاز) بخلاف
стр. 1160
وَلَا يَجُوزُ نَصْبُ وَصِيٍّ وَالجَدُّ حَيٌّ بِصِفَةِ الْوِلَايَةِ. وَلَا الْإِيصَاءُ بِتَزْوِيجِ طِفْلٍ وَبِنْتٍ. وَلَفْظُهُ أَوْصَيْتُ إلَيْكَ أَوْ فَوَّضْتُ وَنَحْوُهُمَا، وَيَجُوزُ فِيهِ التَّوْقِيتُ وَالتَّعْلِيقُ. وَيُشْتَرَطُ بَيَانُ مَا يُوصِي فِيهِ
أوصيت إليك فإذا مت فقد أوصيت إلى من أوصيت إليه أو فوصيك وصيي; لأن الموصى إليه مجهول من كل وجه. ولو بلغ الابن أو قدم زيد غير أهل لم ينعزل الأول; لأن المراد إذا بلغ أو قدم أهلا لذلك. (ولا يجوز) للأب (نصب وصي) على الأولاد (والجد حي بصفة الولاية) عليهم حال الموت أي لا يعتد بمنصوبه إذا وجدت ولاية الجد حينئذ; لأن ولايته ثابتة بالشرع كولاية التزويج، أما لو وجدت حال الإيصاء ثم زالت عند الموت فيعتد بمنصوبه، نعم يجوز نصبه عند غيبة الجد إلى حضوره إذا خاف من أكل ظالم له؛ للضرورة. وخرج بحال الموت حال الوصية فلا عبرة بها بل يجوز نصب غيره وإن كان هو بصفة الولاية حينئذ ثم ينظر عند الموت لتأهل الجد وعدمه، أما على الديون والوصايا فيجوز مع وجود الجد فإن لم يوص بها فالجد أولى بأمر الأطفال، والحاكم أولى بتنفيذ الوصايا ووفاء الدين (١) ونحوه، (ولا) يجوز (الإيصاء بتزويج طفل وبنت) ولو مع عدم ولي; لأن الوصي لا يعتني بدفع العار عن النسب، وسيأتي توقف نكاح السفيه على إذن الولي ومنه الوصي.
(ولفظه) أي الإيصاء (أوصيت إليك أو فوضت) إليك (ونحوهما) كأقمتك مقامي، وقياس ما مر اشتراط بعد موتي فيما عدا أوصيت، ويظهر أن وكلتك بعد موتي في أمر أطفالي كناية بخلاف وليّتك (٢)؛ لأنه أقرب إلى مدلول فوضت إليك الصريح من وكلتك. وتكفي إشارة الأخرس (٣) المفهمة وكتابته وكذا الناطق إذا سكت وأشار برأسه أنْ نعم وقد قرئ عليه كتاب الوصية، ولا يكفي من غير قراءة، وإشارة من اعتقل لسانه يأتي فيها تفصيل الأخرس، (ويجوز فيه التوقيت) كأوصيت إليك سنة، أو إلى بلوغ ابني (والتعليق) كإذا مت أو إذا مات وصيي فقد أوصيت إليك كما مر (ويشترط بيان ما يوصى فيه)، وكونه تصرفا ماليا مباحا كأوصيت إليك في قضاء ديوني أو في التصرف في أمر أطفالي أو في رد آبقي أو ودائعي أو في
стр. 1161
فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى أَوْصَيْتُ إلَيْكَ لَغَا. وَالْقَبُولُ، وَلَا يَصِحُّ فِي حَيَاتِهِ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ وَصَّى لاثْنَيْنِ لَمْ يَنْفَرِدْ أَحَدُهُمَا
تنفيذ وصاياي، فإن جمع الكل ثبت له أو خصصه بأحدها لم يتجاوزه، ولو أطلق كأوصيت إليك في أمري أو تركتي أو في أمر أطفالي ولم يذكر التصرف صح، ثم إن قوله أوصيت إليك في أمري أو تركتي عام في ذلك وقوله في أمر أطفالي ينصرف للحفظ والتصرف في مالهم بخلاف ما لو قال القاضي وليتك مال فلان فينصرف للحفظ فقط. ولو أطلق ثم أوصى لآخر في معين فالقياس أن ذلك يصير عزلاً للأول عنه فيتصرف الثاني فيما عيّن له، ويبقى الأول على ما عداه، فإن وصَّى لثانٍ فيما وصَّى به للأول ولم يتعرض له شاركه ووجب اجتماعهما; لأنه الأحوط. ومر آخر الحجر بيان أن قاضي بلد المال يتصرف فيه بالحفظ ونحوه وقاضي بلد المحجور يتصرف فيه بالبيع وغيره (١)، وسيأتي جواز النقل في الوصية فليست كالزكاة حتى يعتبر فيها بلد المال (فإن اقتصر على أوصيت إليك لغا) كوكلتك ولأنه لا عرف يحمل عليه (و) يشترط (القبول) من الوصي; لأنها عقد تصرف كالوكالة، ومن ثم اكتفي هنا بالعمل كهو ثم (ولا يصح) القبول ولا الرد (في حياته في الأصح) ; لأنه لم يدخل وقت تصرفه كالموصى له بالمال بخلافه بعد الموت، ولا يشترط بعده الفور في القبول ما لم يتعين تنفيذ الوصايا أو يعرضها عليه الحاكم بعد ثبوتها عنده أو يكون هناك ما تجب المبادرة إليه (ولو وصى لاثنين) وشرط اجتماعهما أو أطلق بأن قال أوصيت إليكما أو إلى فلان ثم قال ولو بعد مدة أوصيت إلى فلان أو قال عن شخصٍ هذا وصيي ثم قال عن آخر هذا وصيي، ولو قال أوصيت إليه فيما أوصيت فيه لزيد كان رجوعا (لم ينفرد أحدهما) فيما إذا قبل بتصرف، بل لا بد من اجتماعهما عليه بأن يصدر عن رأيهما ولو بإذن أحدهما للآخر أو يأذنا لثالث فيه أو بأن يشتري أحدهما لأحد الطفلين من الآخر شيئا للطفل الآخر فيما إذا شرط عليهما الاجتماع في تصرف كل منهما؛ عملا بالأحوط فيه وهو الاجتماع; لأن أحدهما قد يكون أعرف والآخر أوثق، وإنما يجب الاجتماع فيما يتعلق بالطفل وماله وتفرقة وصية غير معينة وقضاء دين ليس في التركة جنسه بخلاف رد وديعة وعارية ومغصوب وقضاء دين في التركة جنسه فلكل
стр. 1162
إلَّا إِنْ صَرَّحَ بِهِ. وَلِلْمُوصِي وَالْوَصِيِّ الْعَزْلُ مَتَى شَاءَ
الانفراد به; لأن لصاحبه الاستقلال بأخذه، والأوجه -مع الاعتداء بذلك الرد- جواز الإقدام عليه. أما إذا قبل أحدهما فقط أو قبلاه ثم رد أحدهما ففي الصورتين الأخيرتين (١) للباقي التصرف ولا يعوض الحاكم بدل الراد؛ لأن التشريك مأخوذ في احتمال إرادة التشريك وليس من تصريح الموصي بخلاف ما لو رد أحدهما في نحو أوصيت إليكما فيعوض بدله; لأن الموصي جعل لكل النصف صريحا فلم يبطل برجوع الآخر لكنه لم يرض بنظره وحده فوجب التعويض. ولو اختلفا وصِيَّا التصرف المستقلان فيه نفذ تصرف السابق، أو غير المستقلين أُلزِما العمل بالمصلحة التي رآها الحاكم، فإن امتنعا أو أحدهما أو خرجا أو أحدهما عن أهلية التصرف أناب عنهما أو عن أحدهما أمينين أو أمينا، أو في المصرف أو الحفظ والمال مما لا ينقسم (٢) -استقلا أوْ لا- تولاه القاضي فإن انقسم قسمه بينهما ولكل التصرف بحسب الإذن، فإن تنازعا في عين النصف المحفوظ أقرع بينهما. فإن نص على اجتماعهما في الحفظ لم ينفرد أحدهما بحال (إلا إن صرح به) أي الانفراد فيجوز حينئذ كالوكالة، وكذا لو قال إلى كل منكما أو كل منكما وصي في كذا أو أنتما وصياي في كذا، ويفرق بين هذا وأوصيت إليكما بأنه هنا أثبت لكلٍّ وصف الوصاية فدل على الاستقلال بخلافه ثم. ولو جعل عليه أو عليهما مشرفا أو ناظرا لم يثبت له تصرف وإنما يتوقف على مراجعته إلا في نحو شراء بقل مما لا يحتاج لنظر. ولو فوض لاثنين صرف ثلثه لقراءة ختمات معلومة فقسما ثلثه نصفين واستأجر كلٌّ الآخر لقراءة النصف جاز إن استقل كلٌّ منهما وإلا فلا (وللموصي والوصي العزل) أي للموصي عزل الوصي وللوصي عزل نفسه لكن يلزمه إعلام الحاكم فورا وإلا ضمن (متى شاء)؛ لجوازها من الجانبين كالوكالة، نعم إن تعين على الوصي بأن لم يوجد كاف غيره أو غلب على ظنه تلف المال باستيلاء ظالمٍ أو قاضي سوءٍ لم يجز له عزل نفسه ولم ينفذ لكن لا يلزمه ذلك مجانا بل بالأجرة، بل له أن يتولى أخذ تلك الأجرة إن خاف من إعلام قاض جائر -؛ لتعذر التحكيم والرفع إليه- لكن بشرط إخبار عدلين عارفين له بقدر أجرة مثله ولا يعتمد معرفة نفسه؛ احتياطا، ويلزمه القبول في هذه الحالة، ويمتنع عزل الموصي له حينئذ؛ لما
стр. 1163
وَإِذَا بَلَغَ الطِّفْلُ وَنَازَعَهُ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ صُدِّقَ الْوَصِيُّ،
فيه من ضياع نحو ودائعه أو مال أولاده، ويمتنع عليه عزل نفسه أيضا إذا كانت إجارة بعوض فإن كانت بعوض من غير عقد فهي جعالة، وصورة الإجارة هنا أن يستأجره الموصي على أعمال لنفسه في حياته ولطفله بعد موته أو يستأجره القاضي على الاستمرار على الوصية لمصلحة رآها بعد موت الموصي. وإذا لزمت الوصاية بإجارة وعجز عنها استؤجر عليه من ماله من يقوم مقامه فيما عجز عنه.
[تنبيه] بما تقرر في مسألة الإجارة يُعْلَم بطلان جعله لمن يتجر لطفله شيئا أجرة، وكذا تبطل الوصية له كل سنة بكذا أو ما دام وليا على ولده في غير السنة الأولى كما مر؛ لأن الجهل بآخر مدة استحقاقه يصيرها مجهولة لا يمكن اعتبارها من الثلث. ولو جعل لوصيه جعلا قدر أجرة المثل لم يجز العدول عنه لمتبرع، نعم محله إن كان الوصي كافيا والجعل يفي به الثلث فإن لم يكف أو زاد الجعل على الثلث ولم يرض بالثلث جاز العدول للمتبرع (وإذا بلغ الطفل) أو أفاق المجنون أو رشد السفيه (ونازعه) أي الوصي (في) أصل أو قدر نحو (الإنفاق) اللائق بحاله (عليه) أو على ممونه (صدق الوصي) بيمينه، وكذا قيم الحاكم (١)؛ لأن كلا منهما أمين ويتعذر عليه إقامة البينة عليه بخلاف البيع للمصلحة (٢). أما غير اللائق فيصدق الولد فيه قطعا بلا يمين إن عُلِم أنه غير لائق، ثم إن كان من مال الولي فلغو أو من مال الولد ضمنه. ولو تنازعا في الإسراف وعين القدر نظر فيه وصدق من يقتضي الحال تصديقه، وإن لم يعين صدق الوصي، ولو اختلفا في شيء أهو لائق أوْ لا؟ ولا بينة صدق الوصي بيمينه; لأن الأصل عدم خيانته، أو في تاريخ موت الأب وأوَّلِ ملكه للمال المنفق عليه منه صدق الولد بيمينه، وكالوصي في ذلك وارثه. وللأصل الإنفاقُ من ماله؛ للمصلحة، ويصدق بيمينه في قصده الرجوع فيرجع بخلاف نحو الوصي لا يرجع إلا إن أذن له القاضي، وكذا إذا وفّى الوصايا أو مؤن التجهيز من ماله لا يرجع إلا إن أذن له فيه أو قصد الرجوع وأشهد عليه عند فقد الحاكم كما مر وكان ذلك لمصلحة تعود على المولى ككساد ماله ورجاء ربحه بتأخير بيعه،
стр. 1164
أَوْ فِي دَفْعٍ إلَيْهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ صُدِّقَ الْوَلَدُ
نعم إن دفع الوصي -ولو وارثا- بإذن الورثة في الأولى وبقيتهم في الثانية رجع عليه (أو) تنازعا (في دفع) المال (إليه بعد البلوغ) أو الإفاقة أو الرشد أو في إخراجه الزكاة من ماله (١) (صدق الولد) بيمينه ولو على الأب; لأنه لا تعسر إقامة البينة عليه. ويصدق الولي والقيم في عدم الخيانة وتلف بنحو غصب أو سرقة كالوديع لا في نحو بيع لحاجة أو غبطة أو ترك أخذ بشفعة لمصلحة إلا ببينة بخلاف الأب والجد يصدقان بيمينهما، والأوجه أن الحاكم الثقة الأمين مثلهما (٢) وإلا فكالوصي.
ولا يطالب أمين كوصي ومقارض وشريك ووكيل بحساب بل إن ادعى عليه خيانة حلف. ولو لم يندفع نحو ظالم إلا بدفع نحو مال لزم الولي دفعه ويجتهد في قدره ويصدق فيه بيمينه ولو بلا قرينة، أو إلا بتعييبه جاز له بل يلزمه أيضا لكن لا يصدق فيه؛ لسهولة إقامة البينة عليه. ولو أراد وصي شراء شيء من مال الطفل رفع للحاكم ليبيعه أو اشترى من وصي آخر مستقل. ولا يجوز له أن يبيع ممن لا يبيع له الوكيل، وينعزل بما ينعزل به، ولا تقبل شهادته لموليه فيما هو وصي فيه إن قبل الوصاية وإلا قبل -وإن قال أوصى إلي فيه- وكذا لو عزل نفسه قبل الخوض فيه. ولو اشترى شيئا من وصي وسلمه الثمن فكَمُل المولى عليه وأنكر كون البائع وصيا عليه واسترد منه المبيع رجع المشتري على الوصي بما أداه إليه وإن وافقه على أنه وصي، وكذا لو اشترى شيئا من وكيل وسلمه الثمن وصدقه على الوكالة ثم أنكرها الموكل ونزع منه المبيع فيرجع على الوكيل. ومن اعترف أن عنده مالا لفلان الميت وزعم أنه قال له هذا لفلان أو أنت وصيي في صرفه في كذا لم يصدق إلا ببينة، نعم يلزمه باطنا دفعه للمقر له. ولو أوصى بثلث تركته لمن يصرفها في وجوه البر وهي مشتملة على أجناس مختلفة باع الوصي الثلث بنقد البلد، ولو أوصى بأنه نذر بشيء ليصرف في وجوه البر والقربات صرف في ذلك، ووجوه البر ما تضمنه قوله تعالى ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى﴾ البقرة: ١٧٧ .. الآية والقربات كل نفقة في واجب أو مندوب. وإذا فوض للوصي التفرقة بحسب ما يراه لزمه تفضيل أهل الحاجة لاسيما من محارم الميت الذين لا يرثونه. ولو أوصى لإنسان بجزء من
стр. 1165
ماله يصرفه فيما أوصى به و في جهات الخير فمات ولم يعلم ما أوصى به بطلت الوصية في نصف ما عينه إذا أيس من معرفة وصيته، ولك أن تقول ينبغي الصحة; المطرد الغالب في الوصية أنها لا تكون إلا في جهة خير فإذا جهل ما أوصى به حُمِل على أنه من جملة جهات الخير التي ذكرها.
стр. 1166
كتاب الوديعة
مَنْ عَجَزَ عَنْ حِفْظِهَا حَرُمَ عَلَيْهِ قَبُولُهَا، وَمَنْ قَدَرَ وَلَمْ يَثِقْ بِأَمَانَتِهِ كُرِهَ لَهُ،
(كتاب الوديعة)
هي: لغة ما وضع عند غير مالكه لحفظه، وشرعا: العقد المقتضي للاستحفاظ أو العين المستحفظة فهي حقيقة فيهما. ثم عقدها في الحقيقة توكيل من جهة المودع وتوكل من جهة الوديع في حفظ مال أو اختصاص كنجس منتفع به فخرجت اللقطة والأمانة الشرعية كأن طَيَّر نحو ريح شيئا إليه أو إلى محله وعلم به، والحاجة بل الضرورة داعية إليها.
وأركانها بمعنى الإيداع أربعة وديعة ومودع ووديع وصيغة. وشرط الوديعة -كما علم مما تقرر- كونها محترمة كنجس يقتنى وحبة بر بخلاف نحو كلب لا ينفع وآله اللهو (من عجز عن حفظها حرم عليه قبولها) أي أخذها; لأنه يعرضها للتلف وإن وثق بأمانة نفسه (ومن قدر) على حفظها (و) هو أمين ولكنه (لم يثق بأمانته) فيها حالا أو مستقبلا بأن جوَّز وقوع الخيانة منه فيها مرجوحا أو على السواء، ويؤخذ منه الكراهة بالأولى إذا شك في قدرته وإن وثق بأمانة نفسه (كره له) أخذها من مالكها الرشيد الجاهل بحاله حيث لم يتعين عليه قبولها، أما لو غلب على ظنه وقوع الخيانة فيحرم قبوله. وأما غير مالكها كوليه فيحرم عليه إيداع من لم يثق بأمانته وإن ظن عدم الخيانة ويحرم عليه قبولها منه، وأما إذا علم المالك الرشيد بحال من قدر على الحفظ ولم يثق بأمانة نفسه فلا حرمة وكراهة في قبولها، أو علم المالك بحال العاجز عن الحفظ حرم (١) عليه الإيداع وعلى الوديع القبول إن كان في ذلك إضاعة مال محرمة؛ لما يأتي، وبقيت كراهة القبول في غير ظن الخيانة وحرم فيها، وأما إذا تعين عليه قبولها فلا يكره القبول في غير الأولى (٢) ويحرم فيها (٣)؛ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وحيث قبل مع الحرمة أثم ولم يضمن إن أودعه المالك الجائز التصرف، أما إذا أودعه وديع له
стр. 1167
فَإِنْ وَثِقَ اُسْتُحِبَّ. وَشَرْطُهُمَا شَرْطُ مُوَكِّلٍ وَوَكِيلٍ. وَيُشْتَرَطُ صِيغَةُ المُودِعِ كَاسْتَوْدَعْتُكَ هَذَا أَوِ اسْتَحْفَظْتُكَ أَوْ أَنَبْتُكَ فِي حِفْظِهِ. وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ لَفْظًا وَيَكْفِي الْقَبْضُ
الإيداع وولي فيضمن الدافع والآخذ بمجرد القبض، (فإن وثق) بأمانة نفسه وقدر على حفظها (استحب) له قبولها; لأنه من التعاون المأمور به، ومحله إن لم يخف المالك من ضياعها لو تركها عنده -أي غلب على ظنه ذلك- وإلا لزمه قبولها حيث لم يخش منه ضررا يلحقه لكن لا مجانا بل بأجرة لعمله وحرزه; لأن الأصح جواز أخذ الأجرة على الواجب العيني (١) كإنقاذ غريق وتعليم نحو الفاتحة. ولو تعدد الأمناء القادرون فالأوجه تعينها على كل من سأله منهم؛ لئلا يؤدي التواكل إلى تلفها، ولو علموا حاجته إلى الإيداع لكنه لم يسأل أحدا منهم فلا وجوب هنا; لأنه لا تواكل حينئذ، ويستحب لكل منهم أن يُعَرِّض له بقبوله الإيداع إن أراده.
(وشرطهما شرط موكل ووكيل)؛ لما مر أنها توكيل في الحفظ، فلا يجوز إيداع مُحْرِم صيداً، ولا كافر نحو مصحف. ويجوز إيداع مكاتب لكن بأجرة؛ لامتناع تبرعه بمنافعه من غير إذن السيد (ويشترط) المراد بالشرط هنا ما لا بد منه (صيغة المودع) بلفظ أو إشارة أخرس مفهمة صريحة كانت (كاستودعتك هذا أو استحفظتك) ـه (أو أنبتك في حفظه) أو أودعتكه أو أستودعه أو أستحفظه، أو كناية كخذه وككتاية مع النية، فلا يجب على حمامي حفظ ثياب من لم يستحفظه ولا يضمنها بخلاف ما إذا استحفظه وقبل منه أو أعطاه أجرة لحفظها فيضمنها إن فرط كأن نام أو نعس أو غاب ولم يستحفظ غيره -أي وهو مثله- وإن فسدت الإجارة. وليس من التفريط فيهما ما لو كان يلاحظه كالعادة فتغفله سارق أو خرجت الدابة في بعض غفلاته; لأنه لم يقصر في الحفظ المعتاد، وظاهرٌ أنه يقبل قوله فيه بيمينه; لأن الأصل عدم التقصير (والأصح أنه لا يشترط القبول) من الوديع لصيغة العقد أو الأمر (لفظا، و يكفي) مع عدم اللفظ والرد منه (القبض) ولو على التراخي كما في الوكالة، والمراد بالقبض هنا حقيقته السابقة في البيع؛ لقولهم لا يكفي الوضع هنا بين يديه مطلقا، أي حيث لم يقل مثلا ضعه؛ لما يأتي فيه، ولا يشترط مع القبول قبض، فلو قال هذا وديعتي عندك أو احفظه
стр. 1168
وَلَوْ أَوْدَعَهُ صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ مَالًا لَمْ يَقْبَلْهُ فَإِنْ قَبِلَهُ ضَمِنَ. وَلَوْ أَوْدَعَ صَبِيًّا مَالًا فَتَلِفَ عِنْدَهُ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ أَتْلَفَهُ ضَمِنَ فِي الْأَصَحِّ. وَالمَحْجُورُ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ كَصَبِيٍّ
أو هذا وديعة لكن إن قامت حينئذ قرينة على المراد فقال الوديع قبلت أو ضعه فوضعه في موضع بحيث عُدَّ مستوليا عليه كان إيداعا، أما نحو انظر إلى متاعي في دكاني فقال نعم فليس بإيداع، وعلى ذلك فلو قال لآخر عن متاعه الذي بمسجد أو دار بابُهُ مفتوحٌ احفظه فقال: نعم ثم خرج المالك ثم الآخر وترك الباب مفتوحا ضمنه إن عد مستوليا عليه بخلاف ما لو أغلق المالك الباب ثم قال لآخر: احفظه وانظر إليه فأهمله فسرق فلا يضمنه، ومتى لم يقبلها بل ردها المطلوب منه الحفظ ثم ضيع كأن ذهب وتركها ولم يكن قبضها، أو قبضها حسبة -بأن صانها عن ضياع عرضت له ولو من مالكها الرشيد- لم يضمنها، ومن الرد ما لو ذهب بدونها والمالك حاضر ولا إثم عليه هنا مطلقا; لأنه بعد الرد الذي علم به المالك لا ينسب إليه تقصير بوجه بخلافه فيما إذا لم يقبل ولم يقبض فإنه يأثم إن ذهب وتركها بعد غيبة المالك; لأنه غره. ولو وجد لفظ من الوديع وأعطاءٌ من المودع كان إيداعا أيضا فالشرط هذا من أحدهما وفعل من الآخر. ويدخل ولد الوديعة تبعا لها، فلا يجب رده إلا بالطلب. ولا يصح تعليق الوديعة بشرط فإن نجزها وشرط للتصرف شرطا جاز كما مرّ في الوكالة (ولو أودعه صبيٌّ) ولو مراهقا كامل العقل (أو مجنون مالا لم يقبله) أي لم يجز له قبوله; لأن فعله كالعدم (فإن قبله ضمن) ـه بأقصى القيم إذا قبضه ولم يبرأ إلا برده لمالك أمره; لأنه كالغاصب لوضعه يده عليه بغير إذن معتبر، والكلام حيث لم يخف ضياعها فإن خافه وأخذها حسبة لم يضمن كما مر، وكذا لو أتلف نحوُ صبيٍّ مودِع وديعة نفسه; لأن فعله لا يمكن إحباطه وتضمينه مال نفسه محال فتعينت براءة الوديع (ولو أودع) مالك كامل (صبيا) أو مجنونا (مالا فتلف عنده) ولو بتفريطه (لم يضمن) ـه؛ إذ لا يصح التزامه للحفظ (وإن أتلفه) وهو متمول؛ إذ غيره لا يضمن (ضمن (١) ـه (في الأصح) وإن قلنا إنه عقد; لأنه من أهل الضمان ولم يسلطه على إتلافه، أما لو أودعه غير مالك أو ناقص فإن الصبي يضمن بمجرد الاستيلاء التام (والمحجور عليه لسفه كالصبي) مودعا ووديعا فيما ذكر فيهما بجامع عدم الاعتداد بفعل
стр. 1169
وَتَرْتَفِعُ بِمَوْتِ المُودِعِ أَوِ المُودَعِ وَجُنُونِهِ وَإِغْمَائِهِ، وَلَهُمَا الِاسْتِرْدَادُ وَالرَّدُّ كُلَّ وَقْتٍ. وَأَصْلُهَا الْأَمَانَةُ، وَقَدْ تَصِيرُ مَضْمُونَةً بِعَوَارِضَ مِنْهَا أَنْ يُودِعَ غَيْرَهُ بِلَا إذْنٍ وَلَا عُذْرٍ فَيَضْمَنُ
كلٍّ وقوله. أما السفيه المهمل فالإيداع منه وإليه كسائر تصرفاته فيصح، والقن بغير إذن مالكه كالصبي فلا يضمن بالتلف (١) وإن فرط (٢) بخلاف ما إذا أتلف فيتعلق برقبته (وترتفع) الوديعة أي ينتهي حكمها بما ترتفع به الوكالة مما مر فترتفع (بموت المودِع أو المودَع وجنونه وإغمائه) -إن استغرق إغمائه وقت صلاة- وبالحجر عليه لسفه، أما حجر الفلس فإن كان على المالك فلا ترتفع به؛ لبقاء أهلية المفلس وتسلم للحاكم حينئذ، أو كان على الوديع فترتفع به، وترتفع أيضا بعزل الوديع لنفسه وبعزل المالك له وبالإنكار لغير غرض; لأنها وكالة في الحفظ وهي ترتفع بذلك، وبكل فعل مضمن، وبالإقرار بها لآخر، وبنقل المالك الملك فيها ببيع أو نحوه، وفائدة الارتفاع أنها تصير أمانة شرعية فعليه الرد لمالكها أو وليه إن عرفه أي إعلامه بها أو بمحلها فورا عند التمكن وإن لم يطلبه كضالة -ومنها طائر- وجدها وعرف مالكها فإن غاب ردها للحاكم الأمين وإلا ضمن، ومن الضالة قنٌّ أو حيوان هرب من مالكه ودخل في داره وعلم به ومالكه فيجب عليه حفظه إن لم يُعلم مالكه فخرج ضمنه (ولهما) يعني للمالك (الاسترداد و) للوديع (الرد كل وقت)؛ لجوازها من الجانبين، نعم يحرم الرد حيث وجب القبول ويكون خلاف الأولى حيث ندب القبول ولم يرض المالك الرد.
(وأصلها) ولو بجعل، أو فاسدة إن قبضت بإذنٍ معتبر (الأمانة (٣) لقوله تعالى ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ البقرة: ٢٨٣. وعُلم من قولي ((أو فاسدة)) أنه لو شرط ركوبها أو لبسها كانت قبل ذلك أمانة وبعده عارية فاسدة، ومن كلامه أنها لو بقيت في يده مدة بعد التعدي لزمه أجرتها؛ لارتفاع الأمانة به (وقد تصير مضمونة بعوارض منها أن يودع غيره (٤) ولو ولده وزوجته وقنه، نعم له كما سيأتي الاستعانة بهم حيث لم تزل يده؛ لجريان العرف به (بلا إذن ولا عذر)
стр. 1170
وَقِيلَ إنْ أَوْدَعَ الْقَاضِيَ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِذَا لَمْ يُزِلْ يَدَهُ عَنْهَا جَازَتِ الِاسْتِعَانَةُ بِمَنْ يَحْمِلُهَا إلَى الحِرْزِ أَوْ يَضَعُهَا فِي خِزَانَةٍ مُشْتَرَكَةٍ. وَإِذَا أَرَادَ سَفَرًا فَلْيَرُدَّ إلَى المَالِكِ أَوْ وَكِيلِهِ
أما مع العذر كسفر مباح ومرض وخوف فلا يضمن بإيداعها عند تعذر المالك ووكيله لقاض أمين ثم لعدل (فيضمن) الوديعة; لأن المالك لم يرض بأمانة غيره ولا يده، أي يصير طريقا في ضمانها، فعُلم أن القرار على من تلفت عنده ما لم يكن الثاني جاهلا; لأن يده يد أمانة، وللمالك تضمين من شاء فإن ضمن الثاني وهو جاهل رجع -وإن كان التلف عنده- على الأول، أو عالمٌ فلا; لأنه غاصب، أو ضمّن الأول رجع على الثاني إن علم لا إن جهل (وقيل إن أودع القاضي لم يضمن) ; لأنه نائب الشرع، والأصح أنه لا فرق وإن غاب المالك; لأنه قد لا يرضى به، نعم إن طالت غيبته عرفا -وإن كان لدون مسافة القصر- جاز إيداعها للقاضي، ومحل ذلك في قاضٍ ثقة أمين (١). ويلزم القاضي قبول عين الغائب إن كانت أمانة بخلاف الدين والمضمونة; لأن بقاءهما في ذمة المدين ويد الضامن أحفظ (٢) (وإذا لم يُزِل يده عنها جازت) له (الاستعانة بمن يحملها) ولو خفيفة أمكنه حملها من غير مشقة (إلى الحرز) أو يحفظها ولو أجنبيا إن بقي نظره عليها كالعادة، نعم يشترط كونه ثقة إن غاب عنه لا إن لازمه كالعادة، ويؤيده قولهم متى كانت بمخزنه فخرج واستحفظ عليها ثقة يختص به -أي بأن يقضي العرف بغلبة استخدامه له- لم يضمن وإن لم يلاحظه بخلاف ما إذا استحفظ غير ثقة، أو من لا يختص به، أو وضعها بغير مسكنه ولم يلاحظها (٣) (أو يضعها في خِزانة) من خشب أو بناء مثلاً (مشتركة) بينه وبين الغير. ويظهر أنه يشترط ملاحظته لها وعدم تمكين الغير منها إلا إن كان ثقة (وإذا أراد سفرا) مباحا كما مر وإن قصُر، والتقييد بالمباح هنا ليس بالنسبة للرد للمالك أو وكيله بل لمن بعدهما (فليرد) الوديع بنفسه لا وكيله إلا إن كان من عيال الموكل وكان ثقة مأمونا (٤) (إلى المالك) أو وليه (أو وكيله) العام أو الخاص بها حيث لم يعلم رضاه
стр. 1171
فَإِنْ فَقَدَهُمَا فَالْقَاضِي، فَإِنْ فَقَدَهُ فَأَمِينٌ. فَإِنْ دَفَنَهَا وَسَافَرَ ضَمِنَ فَإِنْ أَعْلَمَ بِهَا أَمِينًا يَسْكُنُ المَوْضِعَ لَمْ يَضْمَنْ فِي الْأَصَحِّ
ببقائها عنده، لاسيما أن قصر السفر كالخروج لنحو ميل مع سرعة العود، ومتى ردها -مع وجود أحدهم (١) - لقاضٍ أو عدل ضمن، نعم لا يجوز الرد للوكيل إذا علم فسقه وجهله الموكل وعلم من حاله أنه لو علم فسقه لم يوكله (فإن فقدهما) لغيبة أو حبس مع عدم تمكن الوصول لهما (فالقاضي) يردها إليه إن كان ثقة مأمونا; لأنه نائب الغائب، ويلزمه القبول كما مر والإشهاد على نفسه بقبضها (٢). ولو أمره القاضي بدفعها لأمين كفى؛ إذ لا يلزمه تسلمها بنفسه (فإن فقده فأمين) بالبلد يدفعها إليه؛ لئلا يتضرر بتأخير السفر، ويلزمه الإشهاد (٣) على الأمين بقبضها، وتكفي فيه العدالة الظاهرة ما لم يتيسر عدل باطنا. ومتى ترك هذا الترتيب مع قدرته عليه ضمن، وبه يعلم أنه لا عبرة بوجود القاضي الجائر، نعم محل العدول بها عن الحاكم الجائر ما لم يخش منه على نحو نفسه أو ماله وحينئذ يظهر أن سفره بها مع الأمن خير من دفعها للجائر. ولو عاد الوديع من السفر جاز له استردادها. ولو أذن له المالك في السفر بها إلى بلد كذا في طريق كذا فسافر في غير تلك الطريق مع إمكان السفر فيما نص له عليه ووصل لتلك البلد فنهبت منها ضمنها؛ لدخولها في ضمانه بمجرد عدوله عن الطريق المأذون فيها، ولو كان للبلد طريقان تعين سلوك آمنهما فإن استويا ولا غرض له في الأطول فأقصرهما (فإن دفنها) ولو في حرز (وسافر ضمن) ; لأنه عرَّضها للضياع (فإن أعلم بها أمينا) -ولو امرأة لم تحضر الدفن- وإن لم يره إياها (يسكن الموضع) وهو حرز مثلها، أو يراقبه -من سائر الجوانب أو من فوق- مراقبة الحارس، واكتفى جمع بكونه في يده (لم يضمن) -ولا بد أن يشهد (٤) عليه إن تمكن الأمين من أخذها وإلا فلا- (في الأصح) ; لأن ما في الموضع في يد ساكنه فكأنه أودعه إياه، ومنه يؤخذ أن محل ذلك عند تعذر القاضي الأمين وإلا ضمن.
стр. 1172
وَلَوْ سَافَرَ بِهَا ضَمِنَ إلَّا إذَا وَقَعَ حَرِيقٌ أَوْ غَارَةٌ وَعَجَزَ عَمَّنْ يَدْفَعُهَا إلَيْهِ كَمَا سَبَقَ، وَالحَرِيقُ وَالْغَارَةُ فِي الْبُقْعَةِ وَإِشْرَافُ الحِرْزِ عَلَى الخَرَابِ أَعْذَارٌ كَالسَّفَرِ. وَإِذَا مَرِضَ مَرَضًا مَخُوفًا فَلْيَرُدَّهَا إلَى المَالِكِ أَوْ وَكِيلِهِ، وَإِلَّا فَالحَاكِمِ أَوْ أَمِينٍ أَوْ يُوصِي بِهَا،
(ولو سافر) من أُوْدِعها في الحضر ولم يعلم المالك أن من عادته السفر أو الانتجاع (بها) وقدر على دفعها لمن مر بترتيبه (ضمن) وإن كان في بر آمن; لأن حرز السفر دون حرز الحضر. أما إذا أودعها في السفر فاستمر مسافرا، أو أودع بدويا -ولو في الحضر- أو منتجعا فانتجع بها فلا ضمان؛ لرضا المالك بذلك حين أودعه عالما بحاله، ومن ثم لو دلت قرينة حاله على أنه إنما أودعه فيه؛ لقربه من بلده امتنع إنشاؤه لسفر ثان (إلا إذا وقع حريق أو غارة وعجز عمن يدفعها إليه) من المالك أو وكيله ثم الحاكم ثم أمين (كما سبق) قريبا فلا يضمن؛ للعذر، بل إذا علم أنه لا ينجيها من الهلاك إلا السفر لزمه بها وإن كان مخوفا، فإن لم يعلم ذلك فإن كان احتمال الخوف في الحضر أقرب وجب. وتجب مؤنة نحو حملها هنا على المالك; لأن المصلحة له لا غير، ويأتي في الرجوع بها ما يأتي قريبا في النفقة. وما اقتضاه سياقه أنه لا بد في نفي الضمان من العذر والعجز المذكورين غير مراد بل العجز كاف كما علم من كلامه قبل (والحريق والغارة في البقعة وإشراف الحرز على الخراب) ولم يجد في الكل ثم حرزا ينقلها إليه (أعذار كالسفر) في جواز إيداع من مر بترتيبه. (وإذا مرض) مرضا (مخوفا فليردها إلى المالك) أو وليه (أو وكيله) العام أو الخاص بها (وإلا) يمكنه ردها لأحدهما (فالحاكم) الثقة المأمون يردها إليه (أو أمين) يردها إليه إن فقد القاضي، وسواء فيه هنا وفي الوصية الوارث وغيره. ولو ظنه أمينا فكان غير أمين ضمن; لأن الجهل لا يؤثر في الضمان مع تقصيره في البحث عنه، ومحله إن وضع المظنون أمانته يده عليها وإلا لم يضمن الوديع; لأنه لم يحدث فيها فعلا (أو يوصي بها) إلى الحاكم فإن فقد فإلى أمين، والمراد بالوصية الأمر بردها بعد موته من غير أن يسلمها للوصي وإلا كان إيداعا فيضمن به إن كان الوصي غير أمين أو أمكن الرد إلى قاض أمين. ويشترط الإشهاد على ما فعله من ذلك؛ صونا لها عن الإنكار، وأن يشير لعينها أو يصفها بمميزها، وحينئذ فإن لم يوجد في تركته ما أشار إليه أو وصفه فلا ضمان على الورثة، فعُلم أن قوله ((عندي وديعة لفلان أو ثوب له)) لا يدفع الضمان عن المورث سواء وجد في
стр. 1173
فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ضَمِنَ، إلَّا إذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ بِأَنْ مَاتَ فَجْأَةً. وَمِنْهَا إذَا نَقَلَهَا مِنْ مَحَلَّةٍ أَوْ دَارٍ إلَى أُخْرَى دُونَهَا فِي الحِرْزِ ضَمِنَ
الثانية (١) في تركته ثوب واحد أو أثواب أو لم يوجد، وكذا لو وصفه ووجد عنده أثواب بتلك الصفة؛ لتقصيره في البيان، ولا يُعطى شيئا مما وجد في هذه الصور بل يكون الواجب له البدل الشرعي فيعينه الوارث مما شاء. ولا ضمان فيما إذا علم تلفها بعد الوصية بلا تفريط في حياته أو بعد موته وقبل تمكن الوارث من الرد، نعم يُضمّن وارث قصّر بعدم إعلام مالك جهل ذلك المالك الإيصاء، أو بعدم الرد بعد طلبه وتمكنه منه. وإن وجد ما هو بتلك الصفة من غير تعدد لم يقبل قول الوارث أنها غير الوديعة؛ لمخالفته لما أقر به مورثه أن ما بهذه الصفة ليس له. وكالمرض المخوف ما أُلحق به مما مر، نعم الحبس للقتل في حكم المرض هنا لا ثم (فإن لم يفعل) كما ذكر (ضمن) إن لم تكن بها بينة باقية؛ لتقصيره بتعريضها للفوات; لأن الوارث يعتمد ظاهر اليد ويدعيها له وإن وجد خط مورثه; لأنه كناية، ومحل الضمان إذا لم تكن بها بينة باقية كما هو معلوم (إلا) منقطع; لأن المقسم ((مَرِضَ مخوفا)) (إذا لم يتمكن بأن مات فجأة) أو قتل غيلة؛ لانتفاء التقصير. ولو أوصى بها على الوجه المعتبر فلم توجد بتركته لم يضمنها كما مر، وكذا لو لم يوص فادعى المودِع أنه قصر وقال الوارث لعلها تلفت قبل أن ينسب لتقصير فيصدق الوارث. وتقبل دعوى الوارث تلفها عند مورثه بلا تعدٍّ أو رد مورثه لها. ولو جهل حالها ولم يقل الوارث شيئا بل قال لا أعلم وأجوِّز أنها تلفت على حكم الأمانة فلم يوص بها لذلك ضمنها (٢) ; لأنه لم يدع مسقطا، هذا كله إن لم يثبت تعديه فيها، أو يوجد في تركته ما هو من جنسها أو ما يمكن أن يكون اشتراه بمال القراض في صورته، ولم يكن قاضيا أمينا أو نائبه; لأنه أمين الشرع فلا يضمن إلا إن تحققت خيانته أو تفريطه سواء مات عن مرض أوْ لا. ولا يقبل قول وارث الأمين أنه رد بنفسه أو تلفت عنده إلا ببينة، وسائر الأمناء كالوديع فيما ذكر، (ومنها) ما تضمَّنه قوله (إذا نقلها) لغير ضرورة (من محلة) إلى محلة أخرى (أو دار إلى) دار (أخرى دونها في الحرز) وإن كانت حرز مثلها (٣) (ضمن) ; لأنه
стр. 1174
وَإِلَّا فَلَا. وَمِنْهَا أَلَّا يَدْفَعَ مُتْلَفَاتِهَا. فَلَوْ أَوْدَعَهُ دَابَّةً فَتَرَكَ عَلْفَهَا ضَمِنَ،
عرضها للتلف سواء أتلفت بسبب النقل أم لا، نعم إن نقلها بظن الملك لم يضمن بخلاف ما لو انتفع بها بظنه; لأن التعدي هنا أعظم (وإلا) يكن دونه بأن تساويا فيه أو كان المنقول إليه أحرز (فلا) يضمن وإن كان النقل لقرية أخرى لا سفر بينهما ولا خوف. ولو حصل الهلاك (١) بسبب النقل فلا ضمان؛ لعدم التفريط من غير مخالفة. وخرج بإلى أخرى نقلها بلا نية تعدٍّ من بيت لبيت في دار وخان واحد فلا ضمان به حيث كان الثاني حرز مثلها، هذا كله حيث لم يعين المالك حرزا ولا نهى عن النقل ولا كان الحرز مستحقا له أما إذا عينه فلا أثر لنقلها لمثله أو أعلى منه إحرازا ولو في قرية أخرى بقيده السابق (٢)؛ حملا لتعينه على اعتبار الحرزية دون التخصيص؛ إذ لا غرض فيه بخلافه من غير ضرورة لدونه وإن كان حرز مثلها فإنه يضمن، وكذا بأحد الأولين (٣) إن هلكت بسبب النقل كأن انهدم عليها المنقول إليه وكذا إن سرقت أو غصبت منه، وأما مع النهي أو كون الحرز مستحقا للمالك فيضمن بالنقل لغير ضرورة حتى للأحرز؛ لتعديه بخلافه لضرورة نحو غرق أو أخذ لص فإنه يجب ويضمن بتركه. ويتعين مثل الحرز الأول إن وجد، نعم إن نهاه عنه ولو مع الخوف فلا وجوب ولا ضمان بتركه ولا بفعله، ولا أثر لنهي نحو ولي. ويطالب الوديع بإثبات الضرورة الحاملة له على النقل، (ومنها ألا يدفع متلفاتها) التي يتمكن من دفعها على العادة; لأنه من أصول حفظها، فعلم أنه لو وقع بخزانته حريق فبادر لنقل أمتعته فاحترقت الوديعة لم يضمنها إلا إن أمكنه إخراج الكل دفعة من غير مشقة لا تحتمل لمثله عادة. ولو تعددت الودائع لم يضمن ما أخره منهما ما لم يكن الذي أخره يسهل عادة الابتداء به، أو جمعه مع ما أخذه منها (فلو أودعه دابة فترك علْفها) أو سقيها مدة يموت مثلها فيها جوعا أو عطشا ولم ينهه عنه (ضمن) ـها أي صارت مضمونة عليه وإن لم تمت؛ لتسببه إلى تلفها، حتى لو تلفت بسبب آخر غرم قيمتها.
стр. 1175
فَإِنْ نَهَاهُ عَنْهُ فَلَا فِي الْأَصَحِّ، فَإِنْ أَعْطَاهُ المَالِكُ عَلَفًا عَلَفَهَا مِنْهُ، وَإِلَّا فَيُرَاجِعُهُ أَوْ وَكِيلُهُ، فَإِنْ فُقِدَا فَالحَاكِمُ،
وموتها قبل تلك المدة لا شيء فيه ما لم يكن بها جوع أو عطش سابق ويعلمه وحينئذ يضمن الكل.
[فرع] لو رأى أمين كوديع وراع مأكولا تحت يده وقع في مهلكة فذبحه جاز، وإن تركه حتى مات فإن كان ثَم من يشهده على سبب الذبح فتركه ضمن وإلا فلا؛ لعذره (١)؛ لأن قوله ذبحتها لذلك لا يقبل، ولا يقبل (٢) قوله بعد ذبحها لم أجد شهودا على سببه وكذا بعد البيع لنحو السوس؛ احتياطا لإتلاف مال الغير (فإن نهاه) المالك (عنه) أي علفها (فلا) ضمان عليه (في الأصح) وإن أثم كما لو أذن له في الإتلاف، ولا أثر لنهي نحو ولي إن علم الوديع الحال. ويجب عليه أن يأتي الحاكم ليجبر مالكها إن حضر أو ليأذن له في الإنفاق ليرجع عليه إن غاب. ولو نهاه لنحو تخمة امتثل وجوبا فإن علفها مع بقاء العلة ضمن إن علم بها (٣) (فإن أعطاه المالك علَفا علفها منه، وإلا) بأن لم يعطه شيئا (فيراجعه أو وكيله) ليردها أو ينفقها، وإذا أعطاه علفا لم يحتج لتقديره بل له العمل فيه بالعادة (فإن فقدا فالحاكم) يراجعه ليؤجرها وينفقها من أجرتها، فإن عجز اقترض على المالك حيث لا مال له حاضر أو باع بعضها أو كلها بالمصلحة. والذي ينفقه على المالك هو الذي يحفظها من التعيب لا الذي يسمنها، ولو كانت سمينة عند الإيداع وجب علفها بما يحفظ نقصها عن عيب ينقص قيمتها. ولو فقد الحاكم أنفق بنفسه ثم إن أراد الرجوع أشهد على ذلك إن أمكن وإلا نوى الرجوع (٤)، نعم يجوز له نحو البيع أو الإيجار أو الاقتراض كالحاكم عند تعذر الإنفاق عليها مطلقا إلا بذلك. هذا كله في معلوفة أما الراعية فيجب تسريحها مع ثقة إن كان الزمن أمنا ووجد ثقة متبرعا أو بأجرة مثله ولم تزد على قيمة العلف، وحينئذ يأتي فيها ما تقرر في العلف، فلو ترك ذلك وأنفق عليها لم يرجع، أما لو كان الزمن مخوفا أو لم يجد الثقة المذكور وتعذرت مراجعة المالك
стр. 1176
وَلَوْ بَعَثَهَا مَعَ مَنْ يَسْقِيهَا لَمْ يَضْمَنْهَا فِي الْأَصَحِّ. وَعَلَى المُودَعِ تَعْرِيضُ ثِيَابِ الصُّوفِ لِلرِّيحِ كَيْلَا يُفْسِدَهَا الدُّودُ، وَكَذَا لُبْسُهَا عِنْدَ حَاجَتِهَا. وَمِنْهَا أَنْ يَعْدِلَ عَنِ الحِفْظِ المَأْمُورِ بِهِ وَتَلِفَتْ بِسَبَبِ الْعُدُولِ فَيَضْمَنُ،
فتساوي حينئذ المعلوفة فيما مر فيها (١). ولو اعتيد رعيها بلا راع مع غلبة سلامتها كان له ذلك؛ مراعاة للعادة، وخرج بالدابة نحو النخل إذا لم يأمره بسقيه فتركه ومات فإنه لا يضمنه (٢) بخلافها؛ لحرمة الروح، وعليه فلو أمره به لزمه لا مجانا فإن تركه حينئذ ضمن. (ولو بعثها) في زمن الأمن (مع من يسقيها) وهو ثقة أو غيره ولاحظه كما علم مما مر (لم يضمنها في الأصح) وإن لاق به مباشرته بنفسه; لأنه العادة. وهو استنابة لا إيداع. أما في زمن الخوف أو مع غير ثقة ولم يلاحظه فيضمن قطعا. (وعلى المودَع تعريض ثياب الصوف) ونحوها من شعر ووبر وغيرهما (للريح) وإن لم يأمره المالك به فيخرجها حتى من صندوق مقفل علم بها فيه فيفتحه لنشرها، ويظهر أنه إن أعطاه مفتاحه لزمه الفتح وإلا جاز (كي لا يفسدها الدود، وكذا لبسها عند حاجتها) إليه ولو في نحو نوم توقف الدفع عليه بأن تعين طريقا لدفع الدود بسبب عبق ريح الآدمي بها، نعم إن لم يلق به لبسها ألبسها من يليق به بهذا القصد قدر الحاجة مع ملاحظته ولو كان ثقة، فإن ترك ذلك ضمن ما لم ينهه، ولابد من نية نحو اللبس لأجل ذلك. ولو لم يندفع نحو الدود إلا بلبس تنقص به قيمتها نقصانا فاحشا تعين فعل الأصلح من ذلك أو بيعها. ولو خاف من نحو النشر أو اللبس ظالما عليها ولم يتيسر دفعها لنحو مالكها تعين البيع. وأفهم قوله ((كي لا إلى آخره)) وجوب ركوب دابة أو تسييرها خوفا عليها من الزمانة. ولو تركها لكونها بنحو صندوق ولم يعلم بها أو لم يعطه مفتاحه لم يضمنها. ولو ترك الوديع شيئا مما لزمه لجهله بوجوبه عليه وعذر لنحو بعده عن العلماء لم يبعد (٣) أن يقال أنه لو علم المالك بجهله ولم ينبهه فهو المقصر فلا ضمان وإلا فالمقصر الوديع فيضمن. (ومنها أن يعدل عن الحفظ المأمور) به من المودع (وتلفت بسبب العدول) المقصر هو به (فيضمن)؛ لحصول التلف
стр. 1177
فَلَوْ قَالَ لَا تَرْقُدْ عَلَى الصُّنْدُوقِ فَرَقَدَ وَانْكَسَرَ بِثِقَلِهِ وَتَلِفَ مَا فِيهِ ضَمِنَ، وَإِنْ تَلِفَ بِغَيْرِهِ فَلَا عَلَى الصَّحِيحِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ لَا تُقْفِلْ عَلَيْهِ قُفْلَيْنِ فَأَقْفَلَهُمَا. وَلَوْ قَالَ ارْبِطِ الدَّرَاهِمَ فِي كُمِّك فَأَمْسَكَهَا فِي يَدِهِ فَتَلِفَتْ فَالمَذْهَبُ أَنَّهَا إنْ ضَاعَتْ بِنَوْمٍ وَنِسْيَانٍ ضَمِنَ، أَوْ بِأَخْذِ غَاصِبٍ فَلَا، وَلَوْ جَعَلَهَا فِي جَيْبِهِ بَدَلًا عَنِ الرَّبْطِ فِي الْكُمِّ لَمْ يَضْمَنْ،
من جهة مخالفته وتقصيره (فلو قال لا ترقد على الصُّندوق فرقد وانكسر بثقله وتلف ما فيه ضمن)؛ لذلك (وإن تلف بغيره) أي العدول أو الثقل كأن سرق وهو في بيت محرز من أي جانب كان، أو صحراء من رأس الصندوق (فلا) يضمن (على الصحيح) ; لأنه زاد خيرا ولم يأت التلف مما عدل إليه. أما إذا سرق من جانب صندوق من نحو صحراء فيضمن لكن إن سرق من جانبٍ كان يرقد فيه عادة لو لم يرقد فوقه; لأنه بالرقاد فوقه أخلى جانبه فنسب التلف لفعله بخلاف ما لو سرق من غير مرقده أو في بيت محرز أوْ لا مع نهي -وإن سرق من محل مرقده-; لأنه زاد احتياطا ولم يحصل التلف بفعله، ويضمن أيضا لو أمره بالرقاد أمامه فرقد فوقه فسرق من أمامه. (وكذا لو قال لا تقفل عليه) فأقفل، أو لا تقفل (قُفلين فأقفلهما) فلا ضمان؛ لما مر (ولو قال اربِط الدراهم في كمك فأمسكها في يده فتلفت فالمذهب أنه) أي الشأن (إن ضاعت بنوم) أ (ونسيان ضمن)؛ لحصول التلف من جهة المخالفة إذ لو ربطت لم تضع بأحد ذينك (أو) تلفت (بأخذ غاصب فلا) ضمان; لأن اليد أمنع له من الربط، نعم إن نهاه عن أخذها بيده ضمن مطلقا. ولو امتثل الربط فإن جعل الخيط من خارج الكم ضمن إن أخذها الطرار (١) ; لأنه أغراه عليها بإظهارها له، وإن استرسلت فلا إن أحْكم الربط، وإن جعله داخله انعكس الحكم (ولو جعلها) وقد قال له اربطها في كمك (في جيبه) وهو المعروف، أو الذي بإزاء الحلق (بدلا عن الربط في الكم) فضاعت من غير ثقب فيه؛ لما يأتي (لم يضمن) ; لأنه أحرز ما لم يكن واسعا غير مزرور.
[تنبيه] صريح كلامهم أن الواسع غير المزرور لا يكتفى به وإن سُتر بثوب فوقه وأن الضيق (٢) أو المزرور يكفي وإن لم يستر وللنظر فيهما مجال; لأن ستر الأول يمنع الأخذ منه غالبا لكنه لا يمنع السقوط منه بنوم أو نحوه وظهور الثاني مغر للطرار عليه وإن منع سقوطه
стр. 1178
وَبِالْعَكْسِ يَضْمَنُ. وَلَوْ أَعْطَاهُ دَرَاهِمَ بِالسُّوقِ وَلَمْ يُبَيِّنْ كَيْفِيَّةَ الحِفْظِ فَرَبَطَهَا فِي كُمِّهِ وَأَمْسَكَهَا بِيَدِهِ أَوْ جَعَلَهَا فِي جَيْبِهِ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ قَالَ احْفَظْهَا فِي الْبَيْتِ فَلْيَمْضِ إلَيْهِ وَيُحْرِزْهَا، فَإِنْ أَخَّرَ بَلَا عُذْرٍ ضَمِنَ
ولو قيل في الأول يضمن إن سقط لا إن أخذه طرار وفي الثاني بالعكس لم يبعد (وبالعكس) بأن أمره بوضعها في الجيب فربطها في الكم (يضمن) قطعا؛ لما تقرر أن الجيب بشرطه أحرز منه (ولو أعطاه دراهم بالسوق) مثلا (ولم يبين كيفية الحفظ) فإن عاد بها إلى بيته لزمه إحرازها فيه وإلا اتبعت العادة في الإحراز.
وإن لم يعد بها إلى بيته (فربطها في كمه وأمسكها) مثلا (بيده) فإن ربطها فيه ولم يمسكها أتى فيه ما مر فيما لو أمره بربطها في كمّه (١) (أو جعلها في جيبه) المذكور بشرطه (لم يضمن (٢) ; لأنه احتاط في الحفظ بخلاف ما إذا كان الجيب واسعا غير مزرور، أو مثقوبا قبل الوضع وإن جهله، ولا يضمن إن حدث الثقب بعد الوضع إن كان حدوثه لا بسبب الوضع ولا بسبب آخر يظن حصوله عادة بخلاف ما لو وضعها في كمه بلا ربط فسقطت فإنه يضمن الخفيفة; لأنه لا يشعر بها إذا سقطت بخلاف الثقيلة أي مما يعتاد وضع مثله في الكم. ولو ربطها في التكة (٣) أو وضعها في كور (٤) عمامته وشدها لم يضمن، ومحله إن أخذت من غير طرّ وإلا وقد ظهر جرمها ضمن; لأنه أغراه عليها حينئذ، (وإن قال) له وقد أعطاها له في السوق مثلا (احفظها في البيت) فقبل (فليمض إليه) حالا (ويحرزها) عقب وصوله (فإن أخر) شيئا من ذلك (بلا عذر ضمن)؛ لتفريطه وإن كانت خسيسة أو كان في سوقه وحانوته وهو حرز مثلها ولو لم تجر عادته بالقيام منه إلا عِشاء، والمراد بالعذر هنا الضروري أو القريب منه وليس هو الآتي في التأخير بعد الطلب; لأن ما هنا أضيق. ولو قال له وقد أعطاها له في البيت احفظها
стр. 1179
وَمِنْهَا أَنْ يُضَيِّعَهَا بِأَنْ يَضَعَهَا فِي غَيْرِ حِرْزِ مِثْلِهَا، أَوْ يَدُلُّ عَلَيْهَا سَارِقًا أَوْ مَنْ يُصَادِرُ المَالِكَ. فَلَوْ أَكْرَهَهُ ظَالِمٌ حَتَّى سَلَّمَهَا إلَيْهِ فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُهُ فِي الْأَصَحِّ
في البيت فخرج بها، أو لم يخرج وربطها في نحو كمه مع إمكان حفظها في نحو صندوق ضمن بخلاف ما إذا لم يجد مفتاحه مثلا، لا إن شدَّها مما يلي أضلاعه فلا يضمن -إن لم يكن التلف في زمن الخروج بسبب المخالفة-; لأن هذا أحرز من البيت، فإن لم يقل شيئا اتبعت العادة. ولو نام ومعه الوديعة فضاعت فإن كان بحضرة من يحفظها أو في محل حرز لها لم يضمن وإلا ضمن. (ومنها أن يضيعها) ولو لنحو نسيان (بأن) بمعنى كأن؛ إذ أنواع الضياع كثيرة: منها أن ينام عنها إلا إن كانت بِرَحْله ورفقته حوله أي مستيقظين؛ إذ لا تقصير بالنوم حينئذ، وأن (يضعها في غير حرز مثلها) بغير إذن مالكها وإن قصد إخفاءها كما لو هجم عليه قطاع فألقاها بِمَضِيْعَة (١) أو غيرها إخفاءً لها فضاعت.
[تنبيه] ضابط الحرز هنا كما فصلوه في السرقة بالنسبة لأنواع المال والمحال ، وعليه فالدار المغلقة ليلا ولا نائم فيها غير حرز هنا أيضا وإن كانت ببلد آمن، ولو قال -أي لمن معه في الدار- احفظ داري فأجاب فذهب المالك وبابها مفتوح ثم الآخر ضمن بخلاف المغلقة على التفصيل الآتي ثَمّ، ولو سرق الوديعة من الحرز من يساكنه فيه ضمن الوديع مطلقاً حيث وضعها في غير حرز مثلها، ولو ذهب بها فأر من حرزها في جدار لم يجز لمالكها حفره مجانا; لأن مالكه لم يتعد بخلاف ما إذا تعدى نظير ما قالوه في دينار وقع بمحبرة، أو فصيل ببيت ولم يمكن إخراجه إلا بكسرها أو هدمه يكسر ويهدم بالأرش إن لم يتعد مالك الظرف وإلا فلا أرش (أو يدل) لكن الضمان إن تلفت بسبب الدلالة (عليها) مع تعيين محلها (سارقا) أو نحوه (أو من يصادر المالك) ; لأنه أتى بنقيض ما التزمه من الحفظ، ومن ثم كان طريقا في الضمان وإن أكره على الدلالة. ولو قال لا تخبر بها فخالف فإن أخذها مخبره أو مخبر مخبره ضمن وإن لم يعين موضعها وإلا فلا.
[فرع] أعطاه مفتاح حانوته أو بيته فدفعه لأجنبي أو ساكنٍ معه ففتح وأخذ المتاع لم يضمنه ; لأنه إنما التزم حفظ المفتاح لا المتاع، ومن ثم لو التزمه ضمنه أيضا (فلو أكرهه ظالم) وإن كانت ولايته عامة (حتى سلمها إليه) أو لغيره (فللمالك تضمينه) أي الوديع (في الأصح)؛
стр. 1180
ثُمَّ يَرْجِعُ عَلَى الظَّالِمِ. وَمِنْهَا أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا بِأَنْ يَلْبَسَ أَوْ يَرْكَبَ خِيَانَةً، أَوْ يَأْخُذَ الثَّوْبَ لِيَلْبَسَهُ أَوِ الدَّرَاهِمَ لِيُنْفِقَهَا فَيَضْمَنَ. وَلَوْ نَوَى الْأَخْذَ وَلَمْ يَأْخُذ لَمْ يَضْمَنْ عَلَى الصَّحِيحِ
لمباشرته للتسليم، ولو مضطرا؛ إذ لا يؤثر ذلك في ضمان المباشرة (ثم يرجع) الوديع (على الظالم) -وإن علم أنه لا يتسلمها لو لم يسلمها إليه-؛ لأنه استولى عليها حقيقة. أما لو أخذها الظالم قهرا من غير فعل من الوديع فلا ضمان عليه قطعا، ويلزم الوديع دفع الظالم بما أمكنه أي ولو بتعييبه لها، فإن لم يندفع إلا بالحلف بالله -دون الطلاق- جاز وكفَّر، نعم يجب الحلف بالله إن كانت الوديعة حيوانا يريد قتله أو قنا يريد الفجور به، ومتى حلف بالطلاق حنث; لأنه لم يكرهه عليه بل خيّره بينه وبين التسليم بخلاف ما لو أخذ قطاعٌ مالَ رجلٍ ولم يتركوه حتى يحلف به أنه لا يخبر بهم فأخبر بهم; لأنهم أكرهوه على الحلف عينا. (ومنها أن ينتفع بها) بعد أخذها لا بِنِيَّةِ ذلك (بأن يلبس) نحو الثوب أو يجلس عليه مثلا (أو يركب) الدابة، أو يطالع في الكتاب (خيانة) أي لغير ما أذن له فيه فيضمن لتعديه بخلاف الخاتم إذا لبسه الرجل في غير الخنصر فإنه لا يعد استعمالا له، وكذا في لخنصر بقصد الحفظ، ويصدّق فيه؛ إذ لا يعلم إلا منه، نعم لو اعتاد لبسه في غير الخنصر كالإبهام مثلا لم يضمن إلا بلبسه في الإبهام من غير نية الحفظ، وإنما صدّق المالك فيما لو اختلفا في وقوع الخوف؛ لسهولة البينة به، ولا يرد عليه ما لو استعملها ظانا أنها ملكه فإن ضمانها مع عدم الخيانة معلوم من كلامه في الغصب فإن لم يستعملها لم يضمنها (أو) بأن (يأخذ الثوب) مثلا (ليلبسه، أو الدراهم لينفقها فيضمن) قيمة المتقوم بأقصى القيم، ومثل المثلي إن تلف، وأجرة المثل إن مضت مدة عنده لمثلها أجرة وإن لم يلبس وينفق; لأن العقد أو القبض لَمَّا اقترن بنية التعدي صار كقبض الغاصب. وخرج بقوله ((الدراهم)) أخذ بعضها كدرهم فيضمنه فقط ما لم يفضّ ختما أو يكسر قفلا فإن رده لم يزل ضمانه حتى لو تلف الكل ضمن درهما، أو النصف ضمن نصف درهم ولا يضمن الباقي بخلطه به وإن لم يتميز بخلاف رد بدله إذا لم يتميز أو نقصت به; لأنه ملكه فجرى فيه ما لو خلطها بماله، (ولو نوى) بعد القبض (الأخذ) أي قصده قصدا مصمما (ولم يأخذ لم يضمن على الصحيح) ; لأنه لم يحدث فعلا ولا وضْعَ يدٍ تعديا لكنه يأثم. أما إذا أخذ فيضمن بالأخذ لا بالنية السابقة عليه; لأن مجرد النية لا يُضَمِّن، ويجري الخلاف السابق فيما إذا نوى عدم
стр. 1181
وَلَوْ خَلَطَهَا بِمَالِهِ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ ضَمِنَ، وَلَوْ خَلَطَ دَرَاهِمَ كِيسَيْنِ لِلْمُودِعِ ضَمِنَ فِي الْأَصَحِّ. وَمَتَى صَارَتْ مَضْمُونَةً بِانْتِفَاعٍ وَغَيْرِهِ ثُمَّ تَرَكَ الخِيَانَةَ لَمْ يَبْرَأْ، فَإِنْ أَحْدَثَ لَهُ المَالِكُ اسْتِئْمَانًا بَرِئَ فِي الْأَصَحِّ. وَمَتَى طَلَبَهَا المَالِكُ لَزِمَهُ الرَّدُّ بِأَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا. فَإِنْ أَخَّرَ بَلَا عُذْرٍ ضَمِنَ
الرد وإن طلب المالك. (ولو خلطها) عمدا أو سهوا (بماله) أو مال غيره ولو أجود (ولم يتميز) بأن عسر تمييزها كبر بشعير (ضمن) ضمان الغصب بأقصى قيم المتقوم ومثل المثلي؛ لأن المالك لم يرض بذلك، ولدخولها في ملكه بمجرد الخلط الذي لا يمكن فيه التمييز، أما لو تميزت بنحو سكة فلا يضمنها إلا إن نقصت بالخلط. (ولو خلط دراهم كيسين للمودع) ولم تتميز وقد أودعهما غير مختومين (ضمن) تلك الدراهم بما مر (في الأصح)؛ لتعديه، أما لو كانا مختومين فيضمن ما في كل بفض الخاتم فقط كفتح الصندوق المقفل بخلاف حل خيط يشد به رأس الكيس، أو رزمة القماش; لأن القصد هنا منع الانتشار لا كتمه عنه، (ومتى صارت مضمونة بانتفاع وغيره ثم ترك الخيانة لم يبرأ) كما لو جحدها ثم أقر بها ويلزمه ردها فورا (فإن أحدث له المالك) الرشيد قبل أن يردها له (استئمانا) أو إذنا في حفظها أو إبراء أو إيداعا (برئ) الوديع من ضمانها (في الأصح) ; لأنه أسقط حقه. ولو أتلفها فأحدث له استئمانا أو نحوه في البدل لم يبرأ. وخرج بأحدث قوله له قبل الخيانة ((إن خنت ثم تركت عدت أمينا)) فلا يبرأ به قطعا; لأنه إبراء عما لم يجب، وكذا لو أبرأه نحو وكيل وولي (ومتى طلبها) لا على وجهٍ يلوح بجحدها كأن طالبه بحضرة ظالم متشوف إليها (المالك) لكلها المطلقُ التصرف ولو سكران (لزمه الرد) على الفور، ولا يجوز له التأخير للإشهاد وإن سلمها له بإشهاد؛ لقبول قوله في الرد (بأن يخلي بينه وبينها) ومؤنة الرد على المالك. أما مالك حجر عليه لنحو سفه أو فلس فلا يرد إلا لوليه وإلا ضمن كالرّد لأحد شريكين أو دعاه فإن أبى إلا أخذ حصته رفعه لقاضٍ أو محكم يقسمها له، وعُلم من ذلك أن من أعطى غيره خاتمه مثلا أمارة لقضاء حاجة وأمره برده إذا قضيت فتركه بعد قضائها في حرزه فضاع لم يضمنه؛ لما تقرر أنه إنما يلزمه التخلية لا غير وهي لا تكون إلا بعد الطلب، (فإن أخر) التخلية بعد الطلب، أو أخرّ إعلام المالك (١) بحصول ماله بيده بنحو هبوب ريح إن لم يعلمه، أو بحصوله في حرز كذا إن علمه لا بقيد كونه في ذلك الحرز (بلا عذر) أثم، و (ضمن (٢)؛ لتعديه بخلافه لنحو صلاة وطهر
стр. 1182
وَإِنِ ادَّعَى تَلَفَهَا وَلَمْ يَذْكُرْ سَبَبًا أَوْ ذَكَرَ خَفِيًّا كَسَرِقَةٍ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ ذَكَرَ ظَاهِرًا كَحَرِيقٍ فَإِنْ عُرِفَ الحَرِيقُ وَعُمُومُهُ صُدِّقَ بَلَا يَمِينٍ، وَإِنْ عُرِفَ دُونَ عُمُومِهِ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ جُهِلَ طُولِبَ بِبَيِّنَةٍ، ثُمَّ يُحَلَّفُ عَلَى التَّلَفِ بِهِ
وأكل دخل وقتها وهي بغير مجلسه، وملازمة غريم، ومن العذر أيضاً التأخير للإشهاد على التسليم إلى وكيل (١) أو ولي أو حاكم طلب الوديعة ممن أودعه إياها؛ لاحتمال عزله فلا يقبل قول الوديع في الدفع إليه حينئذ فكان تأخيره الدفع إليه حتى يشهد على نفسه بالأخذ منه عذرا. ولو طال زمن العذر كنَذْرِ اعتكاف شهر متتابع لزمه توكيل أمين يردها إن وجده متبرعا وإلا يوكل رَفَعَ المودِع الأمرَ للحاكم ليلزمه ببعث من يسلمها له، فإن أبى الوديع البعث وكان خروجه لذلك يقطع تتابع اعتكافه أرسل الحاكم أمينه ليسلمها له كما لو غاب الوديع، فإن عجز عن التوكيل لزمه الخروج ولا ينقطع به تتابعه، وحينئذ يلزمه الحاكم بالخروج بنفسه. ومتى ترك ما لزمه هنا مع القدرة عليه ضمن وأثم.
[تنبيه] محل ما ذكر من الإثم والضمان إن دلت قرينة على إرادة الفور كما هنا ؛ إذ طلب المالك أو وكيله وقوله مثلاً لأحد: أعطها أين أو من قدرت عليه من وكلائي فقدر على أحدهما أو أحدهم ظاهر في احتياجه لها أو في نزعها منه، ومن ثم ضمن بالتأخير بخلاف ما لو قال ادفعها لمن شئت من ذين أو من وكلائي فأبى فلا ضمان ولا إثم (وإن ادعى) الوديع (تلفها (٢) ولم يذكر سببا) له أو ذكر سببا (خفيا كسرقة) وغصب (صدق بيمينه) إجماعا، ولا يلزمه بيان السبب، نعم يلزمه الحلف له أنها تلفت بغير تفريط منه، ولو نكل عن اليمين على السبب الخفي حلف المالك أنه لا يعلمه وغرَّمه البدل (وإن ذكر ظاهرا كحريق) وموت (فإن عُرِف) بالبينة أو الاستفاضة (الحريق وعمومه صدق بلا يمين)؛ لإغناء ظاهر الحال عنها، نعم إن اتهم بأن احتمل سلامتها حلف وجوبا (وإن عرف دون عمومه) واحتمل سلامتها (صدق بيمينه)؛ لاحتمال ما ادعاه (وإن جهل طولب ببينة) على وقوعه (ثم بحلف على التلف به)؛ لاحتمال سلامتها، وإنما لم يكلف ببينة على التلف به; لأنه مما يخفى، فإن نكل حلف مالكها
стр. 1183
وَإِنِ ادَّعَى رَدَّهَا عَلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، أَوْ عَلَى غَيْرِهِ كَوَارِثِهِ أَوِ ادَّعَى وَارِثُ المُودَعِ الرَّدَّ عَلَى المَالِكِ أَوْ أَوْدَعَ عِنْدَ سَفَرِهِ أَمِينًا فَادَّعَى الْأَمِينُ الرَّدَّ عَلَى المَالِكِ طُولِبَ بِبَيِّنَةٍ، وَجُحُودُهَا بَعْدَ طَلَبِ المَالِكِ مُضَمِّنٌ
على نفي العلم بالتلف ورجع عليه (وإن ادعى) وديع لم يضمن الوديعة بتفريط أو تعد (ردها على من ائتمنه) وهو أهل للقبض حال الرد مالكا كان أو وليه أو وكيله أو قيما أو حاكما (صدق بيمينه) ; لأنه رضي بأمانته فلم يحتج لإشهاد عليه به، كما يصدق جابٍ ادعى تسليم ما جباه لمستأجره على الجباية كوكيل بجعل ادعى تسليم الثمن لموكله (أو) ادعى الوديع الرد (على غيره) أي غير من ائتمنه (كوارثه، أو ادعى وارث المودَع الرد) منه (على المالك) للوديعة (أو أودع) الوديع (عند سفره أمينا) لم يعينه المالك (فادعى الأمين الرد على المالك طولب) كل ممن ذكر (ببينة) كما لو ادعى من طيرت الريح ثوبا لنحو داره وملتقط الرد على المالك; لأن الأصل عدم الرد ولم يأتمنه. أما لو ادعى وارث الوديع أن مورثه ردها على المودع أو أنها تلفت في يد مورثه أو يده قبل التمكن من الرد من غير تفريط فيصدق بيمينه كما مر; لأن الأصل عدم حصولها في يد الوارث وعدم تعديهما. وأفهم المتن تصديق الأمين في الأخيرة في ردها على الوديع وهو كذلك; لأنه ائتمنه؛ بناء على أن للوديع أخذها منه بعد عوده من السفر كما مر، (وجحودها) بأن قال لم تودعني (بعد طلب المالك) لها يمنع قبول دعواه الرد أو التلف المسقط للضمان قبل ذلك؛ للتناقض، لا طلبه تحليف المالك، ولا البينة بأحدهما؛ لاحتمال نسيان الوديع أصل الإيداع بخلاف قوله لا وديعة لك عندي فيقبل منه الكل أي دعوى الرد أو التلف أو البينة. هذا كله حيث تلفت وإلا فهو بقسميه (مضمن (١) -وإن ادعى غلطا أو نسيانا لم يصدقه فيه المالك-; لأنه خيانة، نعم إن طلبها منه بحضرة ظالم خشي عليها منه فجحدها؛ دفعا للظالم لم يضمن; لأنه محسن بالجحد حينئذ. وخرج بطلب المالك قوله ابتداء أو جوابا لسؤال غير المالك -ولو بحضرته- أو لقول المالك ((لي عندك وديعة)) ((لا وديعة لأحد عندي)) ; لأن إخفاءها أبلغ في حفظها. ولو أنكر أصل الإيداع الثابت بنحو بينة حبس، ويكفي جوابه بلا تستحق علي شيئا؛ لتضمنه دعوى تلفها أو ردها.
стр. 1184
[تنبيه] من كان عنده وديعة أيس من مالكها بعد البحث التام أو كان عنده لقطة من الحرم صرفها في أهم المصالح إن عرف وإلا سأل عارفا، ويقدم الأحوج ؛ لأنه مال ضائع فمتى لم ييأس من مالكه أمسكه له أبدا مع التعريف ندبا أو أعطاه للقاضي الأمين فيحفظه له كذلك، ومتى أيس منه -أي بأن يبعد في العادة وجوده- صار من جملة أموال بيت المال فيصرفه في مصارفها من هو تحت يده أو يدفعه للإمام ما لم يكن جائرا. والأفضل أن لا يبني به مسجدا (١).
стр. 1185
كتاب قَسم الفيء والغنيمة
الفَيءُ مَالٌ حَصَلَ مِنْ كُفَّارٍ بَلَا قِتَالٍ وَإِيجَافِ خَيْلٍ وَرِكَابٍ كَجِزْيَةٍ وَعُشْرِ تِجَارَةٍ وَمَا جَلَوْا عَنْهُ خَوْفًا وَمَالِ مُرْتَدٍّ قُتِلَ أَوْ مَاتَ وَذِمِّيٍّ مَاتَ بَلَا وَارِثٍ فَيُخَمَّسُ. وَخُمْسُهُ لِخَمْسَةٍ: أَحَدُهَا مَصَالحُ المُسْلِمِينَ كَالثُّغُورِ وَالْقُضَاةِ
(كتاب قَسم الفيء والغنيمة)
القسم النصيب والقيمة الربح والمشهور تغايرهما (الفيء مال) أو اختصاص (حصل) لنا (من كفار) حربيين أو غيرهم، نعم يشترط كونه ملكهم ليخرج ما استولوا عليه لنحو مسلم فإنه يجب رده إليه كما يأتي قريبا، وخرج به نحو صيدُ دارِهم الذي لم يستولوا عليه فإنه مباح فيملكه آخذه كما في أرضنا (بلا قتال وإيجاف) أي إسراع نحو (خيل وركاب) أي إبلٍ وبلا مؤنة لها وقع، فالكلام في حصول ذلك بغير عقد ونحوه مما لا منة فيه للمأخوذ فلا يدخل نحو إهداء الكافر (كجزية) وخراج وغيره مما هو في حكم الأجرة حتى لا يسقط بإسلامهم ويؤخذ من مال من لا جزية عليه; لأنه وإن كان أجرة يصدق عليه حد الفيء، ومنه نحو صبي دخل دارنا فأخذه مسلم وضالة حربي ببلادنا بخلاف كامل دخل دارنا فأخذ; لأن أخذه يحتاج لمؤنة أي غالبا (وعُشْر تجارة) يعني ما أخذه من أهلها ساوى العشر أوْ لا، وما صولح عليه أهل بلد من غير نحو قتال (وما جلوا) أي هربوا (عنه خوفا) ولو من غيرنا، بل ما تركوه لا لمعنى أو لنحو عجز دوابهم عن حمله هو فيء أيضا، وما جلوا عنه بعد تقابل الجيشين غنيمة (ومال) واختصاص (مرتد قتل أو مات) على الردة (و) مال واختصاص (ذمي) أو معاهد أو مستأمن (مات بلا وارث) مستغرق بأن لم يترك وارثا أصلا أو ترك وارثا غير حائز فجميع ماله في الأول وما فضل عن وارثه في الثاني لبيت المال، فإن خلَّف مستغرقين لميراثه بمقتضى شرعنا ولم يترافعوا إلينا لم نتعرض لهم في قسمته (فيخمس) جميع الفيء خمسة أسهم متساوية (وخُمُسُهُ لخمسة) متساوية:
(أحدها مصالح المسلمين كالثغور) وهي محال الخوف من أطراف بلادنا فتشحن بالعدة والعدد (والقضاة) أي قضاة البلاد، لا قضاة العسكر وهم الذين يحكمون لأهل الفيء في مغزاهم فيرزقون من الأخماس الأربعة -لا من خمس الخمس- كأئمة العسكر ومؤذنيهم
стр. 1186
وَالْعُلَمَاءِ يُقَدَّمُ الْأَهَمّ فَالْأَهَمُّ، وَالثَّانِي بَنُو هَاشِمٍ وَالمُطَّلِبِ يَشْتَرِكُ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ وَالنِّسَاءُ وَيُفَضَّلُ الذَّكَرُ كَالْإِرْثِ، وَالثَّالِثُ الْيَتَامَى، وَهُوَ صَغِيرٌ لَا أَبَ لَهُ، وَيُشْتَرَطُ فَقْرُهُ عَلَى المَشْهُورِ،
(والعلماء) يعني المشتغلين بعلوم الشرع وآلاتها ولو مبتدئين، والأئمة والمؤذنين ولو أغنياء، وسائر من يشتغل عن نحو كسبه بمصالح المسلمين؛ لعموم نفعهم، وأُلحق بهم العاجزون عن الكسب. والعطاء إلى رأي الإمام معتبرا سعة المال وضيقه، ولثبوت الاستحقاق من هذا الخمس لابد من بينة.
[فائدة] منع السلطان المستحقين حقوقهم من بيت المال جاز للمستحق أن يأخذ ما يعطى إذا كان قدر حقه والباقون مظلومون ; لأن المال ليس مشتركا بين المسلمين، ومن ثم من مات وله فيه حق لا يستحقه وارثه، وأفتى المصنف بأن من غصب أموالا لأشخاص وخلطها ثم فرقها عليهم بقدر حقوقهم جاز لكل أخذ قدر حقه، أو على بعضهم لزم من وصل له شيء قسمته عليه وعلى الباقين بنسبة أموالهم. ولا يعارض ما مر هذا الإفتاء; لأن أعيان الأموال يحتاط لها ما لا يحتاط لمجرد تعلق الحقوق (يقدم الأهم فالأهم) وجوبا وأهمها سد الثغور.
(والثاني بنو هاشم و) بنو (المطلب) المسلمون; لأنه ﷺ وضع سهم ذوي القربى الذي في الآية فيهم. والعبرة بالانتساب للآباء دون الأمهات; لأنه ﷺ لم يعط الزبير وعثمان ﵄ شيئا مع أن أميهما هاشميتان (يشترك) فيه (الغني والفقير)؛ لإطلاق الآية، نعم محله إن وسع المال وإلا قُدِّم الأحوج (والنساء) ; لأن فاطمة وصفية عمة أبيها ﵄ كانا يأخذان منه (ويُفَضَّل الذكر كالإرث) بجامع أنه استحقاق بقرابة الأب فله مثل حظي الأنثى بخلاف الوصية، فإن قلت ينافي ذلك أخذ الجد مع الأب، وابن الابن مع الابن واستواء مدلٍ بجهتين ومدل بجهة قلت: لا ينافيه; لأن التشبيه بالإرث من حيث الجملة لا بالنسبة لكل على انفراده، نعم الخنثى يعطى كالأنثى ولا يوقف له شيء.
(والثالث اليتامى)؛ للآية (وهو) أي اليتيم (صغير) لم يبلغ بسن أو احتلام؛ لخبر ((لا يتم بعد احتلام)) (لا أب له) وإن كان له جد ولو لم يكن من أولاد المرتزقة، ويدخل فيه ولد الزنا والمنفي لا اللقيط. أما فاقد الأم فيقال له منقطع، ويتيم البهائم فاقد أمه، والطيور فاقدهما، (ويشترط) إسلامه و (فقره) أو مسكنته (على المشهور) ; لأن لفظ اليتم يشعر
стр. 1187
وَالرَّابِعُ وَالخَامِسُ المَسَاكِينُ وَابْنُ السَّبِيلِ، وَيَعُمُّ الْأَصْنَافَ الْأَرْبَعَةَ المُتَأَخِّرَةَ، وَقِيلَ يَخْتَصُّ بِالحَاصِلِ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ مَنْ فِيهَا مِنْهُمْ، وَأَمَّا الْأَخْمَاسُ الْأَرْبَعَةُ فَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا لِلْمُرْتَزِقَةِ، وَهُمُ الْأَجْنَادُ المُرْصَدُونَ لِلْجِهَادِ، فَيَضَعُ الْإِمَامُ دِيوَانًا، وَيَنْصِبُ لِكُلِّ قَبِيلَةٍ أَوْ جَمَاعَةٍ عَرِيفًا، وَيَبْحَثُ عَنْ حَالِ كُلِّ وَاحِدٍ وَعِيَالِهِ
بالحاجة. ولا بد في ثبوت اليتم والإسلام والفقر هنا من البينة، وكذا تشترط البينة في إعطاء القسم الأول، فلو ادعى شخص القيام بشيء من مصالح المسلمين كالاشتغال بالعلم وكونه إماماً طولب ببينة تُثبت دعواه، أما في الهاشمي والمطلبي فلا بد مع البينة فيهما من الاستفاضة لنسبه.
(والرابع والخامس المساكين وابن السبيل) -ولو بقولهم بلا يمين وإن اتهموا، نعم يظهر في مدعي تلفِ مالٍ له عُرِف، أو مدعي عيالٍ أنه يكلف بينة- وذلك؛ للآية، ويأتي بيانهما، والمساكين يشملون الفقراء، ولهما مال ثان وهو الكفارة وثالث وهو الزكاة. ويشترط الإسلام في الكل والفقر في ابن السبيل أيضا. ولو اجتمع وصفان في واحد أعطي بأحدهما إلا الغزو مع نحو القرابة فيعطى بهما. (ويعم) الإمام أو نائبه (الأصناف الأربعة) وجميع آحادهم (المتأخرة) بالعطاء -غائبهم عن محل الفيء وحاضرهم- وجوبا؛ لظاهر الآية، نعم يجوز التفاوت بين آحاد الصنف غير ذوي القربى؛ لاتحاد القرابة وتفاوت الحاجة المعتبرة في غيرهم لا بين الأصناف. ولو قلَّ الحاصل بحيث لو عمَّ لم يسد مسدا خص به الأحوج؛ للضرورة (وقيل يخص بالحاصل في كل ناحية من فيها منهم. وأما الأخماس الأربعة فالأظهر أنها للمرتزقة) وقضاتهم وأئمتهم ومؤذنيهم وعمالهم ما لم يوجد متبرع (وهم الأجناد المرصدون) في الديوان (للجهاد)؛ لحصول النصرة بهم بعده ﷺ . وخرج بهم المتطوعة بالغزو إذا نشطوا فيعطون من الزكاة دون الفيء عكس المرتزقة أي ما لم يعجز سهمهم عن كفايتهم فيكمل لهم الإمام من سهم سبيل الله؛ أخذا من قولهم أنه إذا عدم مال الفيء من يد الإمام والمرتزقة مفقود فيهم شرط استحقاق سهم سبيل الله لم يجز صرفه إليهم، فإن لم يفقد فيهم ولو لم يكفهم لضاعوا ورأى صرفه إليهم وأن انتهاضهم للقتال أقرب من انتهاض المتطوعة لم يعترض عليه (فيضع) ندبا (الإمام ديوانا) أي دفترا؛ اقتداء بعمر ﵁، فإنه أول من وضعه؛ لَمَّا كثر المسلمون (وينصب) ندبا (لكل قبيلة، أو جماعة عريفا) يعرفه بأحوالهم ويجمعهم عند الحاجة (ويبحث) الإمام وجوبا بنفسه أو نائبه الثقة (عن حال كل واحد) من المرتزقة (وعياله) وهم
стр. 1188
وَمَا يَكْفِيهِمْ فَيُعْطِيهِ كِفَايَتَهُمْ وَيُقَدِّمُ فِي إثْبَاتِ الِاسْمِ وَالْإِعْطَاءِ قُرَيْشًا، وَهُمْ وَلَدُ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ، وَيُقَدِّمُ مِنْهُمْ بَنِي هَاشِمٍ وَالمُطَّلِبِ ثُمَّ عَبْدِ شَمْسٍ ثُمَّ نَوْفَلٍ ثُمَّ عَبْدِ الْعُزَّى ثُمَّ سَائِرَ الْبُطُونِ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ثُمَّ الْأَنْصَارَ، ثُمَّ سَائِرَ الْعَرَبِ، ثُمَّ الْعَجَمَ وَلَا يُثْبِتُ فِي الدِّيوَانِ أَعْمَى وَلَا زَمِنًا وَلَا مَنْ لَا يَصْلُحُ لِلْغَزْوِ،
من تلزمه نفقتهم (وما يكفيهم فيعطيه) ولو غنيا (كفايتهم) من نفقة وكسوة وسائر مؤنهم مراعيا الزمن والغلاء والرخص وعادة المحل والمروءة وغيرها لا نحو علم ونسب؛ ليتفرغ للجهاد، ويزيد من زاد له عيال ولو زوجة رابعة، ويعطي لأمهات أولاده وإن كثرن، ولعبيد خدمته الذين يحتاجهم لا لِمَا زاد على حاجته إلا إن كان لحاجة الجهاد، وتُلحق إماؤه الموطوآت بعبيد الِخدْمَة فلا يُعطى إلا لمن يحتاجهن؛ لعفة أو دفع ضرر، ثم ما يدفع إليه لزوجته وولده وأصوله وسائر فروعه يملكه المرتزق ويصيّر إليهم من جهته (ويقدم) ندبا (في إثبات الاسم) في الديوان (والإعطاء قريشا)؛ لخبر الشافعي ((قدموا قريشا ولا تقدموها))، ولا يلحق بهم مواليهم هنا (وهم ولد النضر بن كنانة) بن خزيمة (ويقدم منهم بني هاشم)؛ لشرفهم بكونه ﷺ منهم (و) بعدهم (المطلب) ; لأنه ﷺ قرنهم بهم (ثم) بني (عبد شمس) ; لأنه شقيق هاشم (ثم) بني (نوفل) ; لأنه أخوه لأبيه (ثم) بني (عبد العزى) ; لأن خديجة ﵂ منهم (ثم سائر البطون) من قريش (الأقرب فالأقرب إلى رسول الله ﷺ فبعد بني عبد العزى بني عبد الدار ثم بني زهرة بن كلاب أخوال النبي ﷺ ثم بني تميم; لأن أبا بكر وعائشة منهم وهكذا (ثم) بعد قريش يقدم (الأنصار)؛ لآثارهم الحميدة في الإسلام (ثم سائر العرب)، نعم يقدم من كان أقرب منه ﷺ وهو من غير قريش على الأنصار، ويقدم أيضا بعد الأنصار مضر ثم ربيعة ثم ولد عدنان ثم ولد قحطان (١) (ثم العجم) معتبرا فيهم النسب كالعرب، فإن لم يجتمعوا على نسب اعتبر ما يرونه أشرف فإن استوى هنا اثنان فكما يأتي، وذلك; لأن العرب أقرب منهم إلى رسول الله ﷺ وأشرف. ومتى استوى اثنان قربا قدم السبق للإسلام ثم بالدين ثم بالسن ثم بالهجرة ثم بالشجاعة ثم يتخير الإمام (ولا يثبت) وجوبا (في الديوان) مع المرتزقة (أعمى ولا زمنا ولا من لا يصلح للغزو) لنحو جبن أو فقد
стр. 1189
وَلَوْ مَرِضَ بَعْضُهُمْ أَوْ جُنَّ وَرُجِيَ زَوَالُهُ أُعْطِيَ، فَإِنْ لَمْ يُرْجَ فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يُعْطَى، وَكَذَا زَوْجَتُهُ وَأَوْلَادُهُ إذَا مَاتَ فَتُعْطَى الزَّوْجَةُ حَتَّى تَنْكِحَ وَالْأَوْلَادُ حَتَّى يَسْتَقِلُّوا. فَإِنْ فَضَّلَتِ الْأَخْمَاسُ الْأَرْبَعَةُ عَنْ حَاجَاتِ المُرْتَزِقَةِ وُزِّعَ عَلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِ مُؤْنَتِهِمْ،
يد أو جهل بالقتال وصفة الإقدام؛ لعجزهم، ومحله في مرتزق كذلك أما عيال مرتزق بهم ذلك فيثبتون تبعا له. ويجوز إثبات أخرس وأصم وكذا أعرج إن كان يقاتل فارسا لا راجلا (ولو مرض بعضهم أو جن ورجي زواله) ولو بعد مدة طويلة (أعطي) -وإن لم يكن مسكينا- وبقي اسمه في الديوان؛ لئلا يرغب الناس عن الجهاد (فإن لم يرج فالأظهر أنه يعطى) أيضا؛ لذلك لكن يمحى اسمه من الديوان وجوبا، والذي يعطاه كفاية ممونه اللائقة به الآن، (وكذا) يعطى ممون المرتزق ما يليق بذلك الممون وهو: (زوجته) وإن تعددت ومستولداته (وأولاده (١) وإن سفلوا وأصوله الذين تلزمه مؤنتهم في حياته، ولا يشترط إسلامهم (٢)؛ لاغتفارهم في التابع المحض ما لم يغتفروا في المتبوع (إذا مات) وإن لم يرج كونهم من المرتزقة بعدُ؛ لئلا يعرضوا عن الجهاد إلى الكسب لإغناء عيالهم، والأوجه إعطاء ممون العالم من مال المصالح إلى الاستغناء (فتعطى) المستولدة (والزوجة حتى تنكح) أو تستغني بكسب أو غيره، فإن لم تنكح فإلى الموت (٣) (والأولاد) الذكور والإناث (حتى يستقلوا) أي يستغنوا ولو قبل البلوغ بكسب أو نحو وصية أو وقف أو نكاح للأنثى أو جهاد للذكر، وكذا بقدرته على الكسب إذا بلغ; لأنه بالبلوغ صلح للجهاد فإذا تركه وله قدرة على الكسب لم يعط. ثم الخيرة في وقت العطاء إلى الإمام كجنس المعطى، نعم لا يفرق الفلوس وإن راجت، وله إسقاط بعضهم لكن بسبب، ويجيب من طلب إثبات اسمه إن رآه أهلا وفي المال سعة، ولبعضهم إخراج نفسه لعذر مطلقا ولغيره إلا إن احتجنا إليه، ويظهر أن المراد بالعذر المقدم على حاجتنا إليه ما يترتب عليه ضرر لنا أو له أعظم مما يترتب على ترك حاجتنا إليه (فإن فضَّلت الأخماس الأربعة عن حاجات المرتزقة) أي ما يحتاجونه في المدة المضروبة للتفرقة عليهم من نحو شهر أو سنة (وزّع) الفاضل (عليهم) ولا يختصّ بالرجال المقاتلة (٤) (على قدر مؤنتهم) ; لأنه حقهم
стр. 1190
وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُصْرَفَ بَعْضُهُ فِي إصْلَاحِ الثُّغُورِ وَالسِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ، هَذَا حُكْمُ مَنْقُولِ الْفَيْءِ. فَأَمَّا عَقَارُهُ فَالمَذْهَبُ أَنَّهُ يُجْعَلُ وَقْفًا، وَتُقَسَّمُ غَلَّتُهُ كَذَلِكَ
(والأصح أنه يجوز) له (أن يصرف بعضه) أي الفاضل لا كله (في إصلاح الثغور و) في (السلاح والكراع) وهو الخيل; لأنه معونة لهم، ولا يدخر من الفيء في بيت المال شيئا ما وجد له مصرفا ولو نحو بناء رباطات ومساجد اقتضاها رأيه وإن خاف نازلة؛ تأسيا بأبي بكر وعمر ﵄، فإن نزلت فعلى أغنياء المسلمين القيام بها (١). ولا خلاف في جواز صرفه للمرتزقة عن السنة القابلة، وله صرف مال الفيء في غير مصرفه وتعويض المرتزقة إذا رآه مصلحة. (هذا حكم منقول الفيء فأما عقاره) من بناء أو أرض (فالمذهب أنه) لا يصير وقفا بنفس الحصول، بل الإمام مخير بين أنه (يُجْعَل وقفا وتقسم غلته) في كل سنة مثلا (كذلك) أي على المرتزقة بحسب حاجاتهم; لأنه أنفع لهم، أو تقسم أعيانه عليهم، أو يباع ويقسم ثمنه بينهم. والأخماس الأربعة من الخمس الخامس حكمها ما مر بخلاف الخمس الخامس الذي للمصالح فإنه لا يقسم بل يباع أو يوقف -وهو أولى- ويصرف ثمنه أو غلته فيها. ومن مات من المرتزقة بعد جمع المال وتمام المدة المضروبة للتفرقة كالحول مثلا فنصيبه لوارثه، أو قبل تمام الحول كان لورثته قسط المدة، أو بعد الحول وقبل الجمع فلا شيء لوارثه. ولو ضاق المال عنهم بأن لم يسد بالتوزيع مسدا بدئ بالأحوج وإلا وزع عليهم بنسبة ما كان لهم، ويصير الفاضل هنا ونصيب من لم يعط في الأولى دينا لهم على بيت المال لا على ناظره.
стр. 1191
فصل
الْغَنِيمَةُ: مَالٌ حَصَلَ مِنْ كُفَّارٍ بِقِتَالٍ وَإِيجَافٍ. فَيُقَدَّمُ مِنْهُ السَّلَبُ لِلْقَاتِلِ، وَهُوَ ثِيَابُ الْقَتِيلِ وَالخُفُّ وَالرَّانُ وَآلَاتُ الحَرْبِ كَدِرْعٍ وَسِلَاحٍ وَمَرْكُوبٍ وَسَرْجٍ وَلِجَامٍ
(فصل) في الغنيمة وما يتبعها
(الغنيمة مال) وكذا اختصاص وإن كانت له أحكام خاصة (حصل من) مالكين له (كفار) أصليين حربيين (بقتال) أ (و إيجاف) لنحو خيل أو إبل منا، لا من ذميين فإنه لهم ولا يخمس، وأما ما أخذه الكافر من مسلم قهرا فيجب رده لمالكه كفداء الأسير يُردُّ إليه إن كان من ماله وإلا ردّ لمالكه. وأما ما حصل من مرتدين ففيء كما مر، ومن ذميين يرد إليهم، وكذا ممن لم تبلغه الدعوة أصلا، أو لم تبلغه دعوة نبينا ﷺ ولو لم يتمسك بدين حق (١)(٢). ولا يرد على التعريف ما هربوا عنه عند الالتقاء وقبل شهر السلاح وما صالحونا به أو أهدوه لنا عند القتال فإن القتال لما قرب وصار كالمتحقق الموجود صار كأنه موجود هنا بطريق القوة المنزلة منزلة الفعل بخلاف ما تركوه بسبب حصول نحو خيلنا في دارهم فإنه فيء; لأنه لما لم يقع تلاق لم تقو شائبة القتال فيه (فيقدم منه) أي من أصل المال (السّلَب للقاتل) المسلم ولو نحو صبي وقن وإن لم يشترط له وإن كان المقتول نحو قريبه وإن لم يقاتل، أو نحو امرأة أو صبي إن قاتلا ولو أعرض عنه؛ للخبر المتفق عليه ((من قتل قتيلا له عليه بيَّنة فله سلبه))، نعم القاتل المسلم القن لذمي لا يستحقه وإن خرج بإذن الإمام وكذا نحو مخذل وعين (وهو ثياب القتيل) التي عليه (والخف والران) وهو خف طويل لا قدم له يلبس للساق (وآلات الحرب كدرع) وهو المسمى اللامة (وسلاح)، قضيته أن الدرع غير سلاح وهو كذلك، وقد يطلق عليه (ومركوب) ولو بالقوة كأن قاتل راجلا وعنانه بيده مثلا، ولا يكفي إمساك غلامه له حينئذ وإن نزل لحاجة (وسرج ولجام) ومقود (٣)
стр. 1192
وَكَذَا سِوَارٌ وَمِنْطَقَةٌ وَخَاتَمٌ، وَنَفَقَةٌ مَعَهُ وَجَنِيبَةٌ تُقَادُ مَعَهُ فِي الْأَظْهَرِ، لَا حَقِيبَةٌ مَشْدُودَةٌ عَلَى الْفَرَسِ عَلَى المَذْهَبِ. وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِرُكُوبِ غَرَرٍ يَكْفِي بِهِ شَرَّ كَافِرٍ فِي حَالِ الحَرْبِ، فَلَوْ رَمَى مِنْ حِصْنٍ أَوْ مِنَ الصَّفِّ أَوْ قَتَلَ نَائِمًا أَوْ أَسِيرًا أَوْ قَتَلَهُ وَقَدِ انْهَزَمَ الْكُفَّارُ فَلَا سَلَبَ،
ومهماز (١) ولثبوت يده على ذلك لأجل القتال حسا (وكذا سوار ومنطقة (٢) وهميان (٣) بما فيه وطوق (٤) (وخاتم ونفقة معه وجنيبة) فرس أو غيره ولو من غير جنس مركوبه كراكب فرس معه نحو ناقة أو بغل جنيب، لا أكثر من واحدة ولا ولد مركوبة، والخيرة في واحد من الجنائب للمستحق (تقاد) وإن لم يقدها هو (معه) أمامه أو خلفه أو بجنبه، ويلحق بها سلاح مع غلامه يحمله له (في الأظهر)؛ لاتصال هذه الأشياء به مع احتياجه للجنيبة (لا حقيبة مشدودة على الفرس) وما فيها من نقد ومتاع (على المذهب)؛ لانفصالها عن فرسه مع عدم الاحتياج إليها، نعم لو جعلها وقاية لظهره اتجه دخولها (وإنما يستحق) القاتل السلب (بركوب غرر يكفي به) أي الركوب أو الغرر المسلمين (شر كافر) أصلي مقبل على القتال (في حال الحرب) كأن أغرى به كلبا أو أعجميا (٥) يعتقد وجوب طاعته ووقف في مقابلته حتى قتله بمغراه; لأنه خاطر بروحه حيث صبر في مقابلته حتى عقره الكلب (فلو رمي من حصن أو من الصف أو قتل نائما) أو غافلا أو مشغولا أو نحو شيخ هم (أو أسيرا) لغيره وإلا فسيأتي (أو قتله وقد انهزم الكفار) بالكلية بخلاف ما إذا تحيزوا أو قصدوا نحو خديعة؛ لبقاء القتال، ولو انهزم واحد فتبعه حتى قتله مرتكبا الغرر فيه أن له سلبه وإن بَعُد عن الجيش وانقطعت نسبته عنه بخلاف المنهزم بانهزام جيشه؛ لاندفاع شره (فلا سلب)؛ لعدم التغرير بالنفس الذي جعل له السلب في مقابلته. ولو أثخنه واحد وقتله آخر فهو للمثخن؛ لما يأتي، فإن لم يثخنه فللثاني أو أمسكه واحد ولم يمنعه الهرب فقتله آخر فلهما، فإن منعه فهو الآسر.
стр. 1193
وَكِفَايَةُ شَرِّهِ أَنْ يُزِيلَ امْتِنَاعَهُ بِأَنْ يَفْقَأَ عَيْنَيْهِ أَوْ يَقْطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ. وَكَذَا لَوْ أَسَرَهُ أَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ فِي الْأَظْهَرِ. وَلَا يُخَمَّسُ السَّلَبُ عَلَى المَشْهُورِ. وَبَعْدَ السَّلَبِ يُخْرَجُ مُؤْنَةُ الحِفْظِ وَالنَّقْلِ وَغَيْرِهِمَا، ثُمَّ يُخَمَّسُ الْبَاقِي فَخُمُسُهُ لِأَهْلِ خُمُسِ الْفَيْءِ يُقَسَّمُ كَمَا سَبَقَ. وَالْأَصَحُّ أَنَّ النَّفَلَ يَكُونُ مِنْ خُمُسِ الخُمُسِ المُرْصَدِ لِلْمَصَالحِ إنْ نَفَلَ مِمَّا سَيُغْنَمُ فِي هَذَا الْقِتَالِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُنَفِّلَ مِنْ مَالِ المَصَالحِ الحَاصِلِ عِنْدَهُ،
ولو كان أحدهما لا سلب له كمخذل كان ما يثبت له لولا المانع غنيمة (١) (وكفاية شره أن يزيل امتناعه بأن يفقأ) يعني يزيل ضوء (عينيه) أو العين الباقية له (أو يقطع يديه ورجليه) ; لأنه ﷺ ((أعطى سلب أبي جهل لعنه الله لمثخنيه ابني عفراء دون قاتله ابن مسعود ﵃) (وكذا لو أسره) فقتله الإمام أو مَنَّ عليه أو أرقه أو فداه، نعم لا حق للآسر في رقبة المأسور وفدائه; لأن اسم السلب لا يقع عليهما (أو قطع يديه أو رجليه) أو قطع يدا أو رجلا (في الأظهر) ; لأنه أزال أعظم امتناعه، وفرض بقائه مع هذا أو ما قبله نادر (ولا يخمس السلب على المشهور)؛ للاتباع (وبعد السلب يخرج) من رأس مال الغنيمة حيث لا متطوع (مؤنة الحفظ والنقل وغيرهما) من المؤن اللازمة؛ للحاجة إليها، ولا يجوز له إخراجها وثم متطوع ولا بأكثر من أجرة المثل; لأنه كولي اليتيم (ثم يخمس الباقي) وإن شرط عليهم عدم تخميسه فيجعل خمسة أقسام متساوية ويكتب على رقعة لله أو للمصالح وعلى أربعة للغانمين وتدرج في بنادق ويقرع فما خرج لله جعل خمسه للخمسة السابقين في الفيء كما قال: (فخمسه لأهل خمس الفيء يقسم كما سبق) والأربعة الباقية للغانمين وتقدم قسمتها بينهم لحضورهم، ويكره تأخيرها لدارنا بل يحرم إن طلبوا تعجيلها ولو بلسان الحال. ولا يصح شرط الإمام من غَنِم شيئا فهو له (والأصح أن النفَْل يكون من خمس الخمس المرصد للمصالح) ; لأنه المأثور كما جاء عن ابن المسيب، وإنما يجري هذا الخلاف (إن نَفَل) بأن شرط الإمام الثلث مثلا (مما سيغنم في هذا القتال) وغيره، ويغتفر الجهل؛ للحاجة، وأفهمت السين امتناع التنفيل مع الجهل بالقدر مما غُنِم وهو كذلك بخلاف ما إذا علم كما قال: (ويجوز أن ينفل من مال المصالح الحاصل (٢) عنده) في بيت المال. ويجب تعيين قدره؛ إذ لا حاجة لاغتفار الجهل
стр. 1194
وَالنَّفَْلُ زِيَادَةٌ يَشْتَرِطُهَا الْإِمَامُ أَوْ الْأَمِيرُ لِمَنْ يَفْعَلُ مَا فِيهِ نِكَايَةٌ فِي الْكُفَّارِ وَيَجْتَهِدُ فِي قَدْرِهِ، وَالْأَخْمَاسُ الْأَرْبَعَةُ عَقَارُهَا وَمَنْقُولُهَا لِلْغَانِمِينَ. وَهُمْ مَنْ حَضَرَ الْوَقْعَةَ بِنِيَّةِ الْقِتَالِ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ
حينئذ، وما اقتضاه كلام المتن من تخييره بين الخمس ومال المصالح يحمل على ما إذا لم يظهر له أن أحدهما أصلح وإلا لزمه فعله (والنفَْل زيادة) على سهم الغنيمة (يشرطها الإمام أو الأمير) عند الحاجة لا مطلقا (لمن يفعل) ولو غير معين (ما فيه نكاية في الكفار) زائدة على نكاية الجيش كدلالة على قلعة وتجسس وحفظ مكمن سواء استحق سلبا أم لا. وللنفل قسم آخر وهو أن يزيد الإمام من صَدَر منه أثر محمود في الحرب كبراز وحسن إقدام وهو من سهم المصالح الذي عنده أو من هذه الغنيمة (ويجتهد) الإمام أو الأمير (في قدره) بحسب قلة العمل وخطره وضدهما. (والأخماس الأربعة) أي الباقي منها بعد السلب والمؤن (عقارها ومنقولها للغانمين)؛ للآية وفعله ﷺ (وهم من حضر الوقعة (١) يعني قبل الفتح ولو بعد الإشراف عليه (بنية القتال) بخلاف المخذل والمرجف (٢) (وإن لم يقاتل) أو قاتل وإن حضر بنية أخرى؛ لقول أبي بكر وعمر ﵄ إنما الغنيمة لمن شهد الوقعة ولا مخالف لهما من الصحابة، فعُلم أنه لو هرب أسير من كفار فحضر بنية خلاص نفسه دون القتال لم يستحق إلا إن قاتل لكن إن كان من غير هذا الجيش وإلا استحق. ولو انهزم حاضر غير متحرف ولا متحيزا إلى فئة قريبة لم يستحق شيئا مما غنم في غيبته، ولا يَرِد; لأن انهزامه أبطل نية القتال، فإن عاد أو حضر شخص الوقعة في الأثناء لم يستحق إلا مما غنم بعد حضوره. ويصدق متحرف لقتال أو متحيز لفئة قريبة بيمينه إن عاد قبل انقضاء الحرب فيشارك في الجميع. والسرايا المبعوثة من دار الحرب شركاء فيما غنمه كل الجيش وإن اختلفت الجهة وفَحُش البعد بينهم. أما المبعوثة من دارنا فلا يشاركون إلا إن تعاونوا واتحد أميرهم والجهة؛ إذ لا يكونون كجيش واحد إلا فيما ذكر، ويلحق بكل جاسوسها وحارسها وكمينها (٣) ; لأنهم في حكم
стр. 1195
وَلَا شَيْءَ لِمَنْ حَضَرَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْقِتَالِ، وَفِيمَا قَبْلَ حِيَازَةِ المَالِ وَجْهٌ. وَلَوْ مَاتَ بَعْضُهُمْ بَعْدَ انْقِضَائِهِ وَالحِيَازَةِ فَحَقُّهُ لِوَارِثِهِ وَكَذَا بَعْدَ الِانْقِضَاءِ وَقَبْلَ الحِيَازَةِ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ مَاتَ فِي الْقِتَالِ فَالمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْأَجِيرَ لِسِيَاسَةِ الدَّوَابِّ وَحِفْظِ الْأَمْتِعَةِ، وَالتَّاجِرَ وَالمُحْتَرِفَ يُسْهَمُ لَهُمْ إذَا قَاتَلُوا. وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ، وَلِلْفَارِسِ ثَلَاثَةٌ
الحاضرين (ولا شيء لمن حضر بعد انقضاء القتال)؛ لما مر، (وفيما) لو حضر (قبل حيازة المال) جميعه وبعد انقضاء الوقعة (وجه) أنه يُعطى، (ولو مات بعضهم بعد انقضائه والحيازة فحقه) أي حق تملكه؛ لِمَا سيذكر أن الغنيمة لا تملك إلا بالقسمة أو اختيار التملك (لوارثه) كسائر الحقوق (وكذا) لو مات بعضهم (بعد الانقضاء) للقتال (وقبل الحيازة في الأصح)؛ لوجود المقتضي للتملك وهو انقضاء القتال (ولو مات في) أثناء (القتال) قبل حيازة شيء (فالمذهب أنه لا شيء له) فلا حق لوارثه في شيء. أو بعد حيازة شيء فله حصته منه، وفارق استحقاقه لسهم فرسه الذي مات أو خرج عن ملكه في الأثناء ولو قبل الحيازة بأنه أصل والفرس تابع فجاز بقاء سهمه للمتبوع. ومرضه وجرحه في الأثناء لا يمنع استحقاقه وإن لم يرج برؤه. والجنون والإغماء كالموت (١) (والأظهر أن الأجير) إجارة عين (لسياسة الدواب وحفظ الأمتعة والتاجر والمحترف) كالخياط (يسهم لهم إذا قاتلوا) ; لأنهم أولى ممن حضر بنية القتال ولم يقاتل. أما أجير الذمة فيستحق جزما إن قاتل أو نوى القتال كتاجر نوى القتال، وأجير الجهاد المسلم لا سهم له ولا رضخ ولا أجرة؛ لبطلان الإجارة له مع إعراضه عن القتال بالإجارة المنافية له (وللراجل سهم وللفارس) وإن غصب الفرس لكن من غير حاضر وإلا فلمالك الفرس كما لو ضاع فرسه في الحرب فوجده آخر فقاتل عليه فيسهم لمالكه (ثلاثة) واحد له واثنان لفرسه؛ للاتباع، وإن لم يقاتل عليه بأن كان معه أو بقربه متهيئا لذلك ولكنه قاتل راجلا، أو في سفينة بقرب الساحل واحتمل أن يخرج ويركب; لأنه قد يحتاج إليها. ولو حضرا بفرس مشترك أعطيا سهمه شركة بينهما فإن ركباها وكان فيها قوة الكر والفر بهما أعطيا أربعة أسهم سهمان لهما وسهمان للفرس وإلا فسهمان لهما فقط، نعم ينبغي أن لها الرضخ كما لا غناء فيه. ولو غزا نحو صبيان وعبيد ونساء قسم بينهم ما عدا الخمس بحسب ما