فصل
لَا يُزَوَّجُ مَجْنُونٌ صَغِيرٌ، وَكَذَا كَبِيرٌ إلَّا لِحَاجَةٍ فَوَاحِدَةً. وَلَهُ تَزْوِيجُ صَغِيرٍ عَاقِلٍ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ، وَيُزَوِّجُ المَجْنُونَةَ أَبٌ أَوْ جَدٌّ إنْ ظَهَرَتْ مَصْلَحَةٌ، وَلَا يُشْتَرَطُ الحَاجَةُ وَسَوَاءٌ صَغِيرَةٌ وَكَبِيرَةٌ ثَيِّبٌ وَبِكْرٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَبٌ وَجَدٌّ لَمْ تُزَوَّجْ فِي صِغَرِهَا، فَإِنْ بَلَغَتْ زَوَّجَهَا السُّلْطَانُ فِي الْأَصَحِّ
(فصل) في تزويج المحجور عليه
(لا يُزوَّج مجنون صغير) أي لا يجوز ولا يصح تزويجه؛ إذ لا حاجة به إليه حالا وبعد البلوغ لا يُدْرَى حاله بخلاف صغير عاقل فإن الظاهر حاجته إليه بعده، نعم يجوز تزويج (١) مجنون مراهق للخدمة؛ لأنه في النظر كالبالغ، (وكذا) لا يزوج مجنون (كبير) أي بالغ؛ لأنه يغرم المهر والنفقة (إلا لحاجة) لشيء مما مر في مبحث وجوب تزويجه فيزوجه -إن أطبق جنونه (٢) - الأب فالجد فالسلطان إذا علم أن تزويجه للحاجة (فواحدة) يجب الاقتصار عليها؛ لاندفاع الحاجة بها، فإن لم تعفَّه أو تكفه للخدمة زيد عليها (٣) وكالمجنون. (وله) أي الأب فالجد (تزويج صغير) وإن كان بينه وبين وليّه عداوة ظاهرة (عاقل) غير ممسوح (أكثر من واحدة) ولو أربعا إن رآه مصلحة؛ لأن له من سعة النظر والشفقة ما يحمله على أن لا يفعل ذلك إلا لغرض صحيح. (ويزوج) جوازا (المجنونة) إن أطبق جنونها نظير ما مر (أب أو جد) إن فقد الأب أو انتفت ولايته (إن ظهرت) فلا يكفي أصلها (مصلحة) كزيادة مهر (ولا يشترط الحاجة) إلا في الوجوب كما مر بخلاف المجنون؛ لأن تزويجه يُغرِّمه (وسواء) في جواز تزويج الأب فالجد المجنونة للمصلحة (صغيرة وكبيرة ثيب وبكر) بلغت مجنونة أو عاقلة ثم جنت؛ لأنه لا يُرجى لها حالة تستأذن فيها والأب والجد لهما ولاية الإجبار في الجملة (فإن لم يكن) للصغيرة المجنونة (أب وجد لم تزوج في صغرها) ولو لغبطة؛ إذ لا إجبار لغيرهما ولا حاجة في الحال (فإن بلغت زوجها) ولو ثيبا (السلطان) الشامل لمن مر (في الأصح) كما يلي
стр. 1262
لِلْحَاجَةِ، لَا لِمَصْلَحَةٍ فِي الْأَصَحِّ، وَمَنْ حُجِرَ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ لَا يَسْتَقِلُّ بِنِكَاحٍ بَلْ يَنْكِحُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ أَوْ يَقْبَلُ لَهُ الْوَلِيُّ،
مالها، ويسن له مراجعة أقاربها -ولو نحو خال- وأقارب المجنون فيما مر؛ تطييبا لقلوبهم (للحاجة) المار تفصيلها (لا لمصلحة) كنفقة، ويؤخذ من جعل هذا مثالا للمصلحة أن الفرض فيمن لها منفق أو مال يغنيها عن الزوج وإلا كان الإنفاق حاجة أي حاجة (في الأصح)، وسيأتي أن الزوج ولو معسرا يلزمه إخدام نحو المريضة مطلقا، وغيرها إن خدمت في بيت أبيها. أما المجنونة فإن احتيج لإخدامها ولم تندفع حاجتها إلا بالزوج كان للسلطان تزويجها لحاجة الخدمة إن جعلناها كالمريضة أو إن كانت تخدم؛ لوجوب خدمتها على الزوج. وإذا زوجت ثم أفاقت لم تتخير، وقضية كلامه أن الوصي لا يزوج وهو المعتمد لقصور ولايته وبه فارق السلطان (ومن حجر عليه بسفه) لبلوغه سفيها، والحجر في هذا بمعنى دوامه وإن اختلف جنسه فإنه لا يحتاج لإنشائه، أو طرو تبذير عليه بعد رشده، ولا بد في هذا من إنشاء حجر وإلا صحّ تصرفه ومنه نكاحه (لا يستقل بنكاح) كي لا يفني ماله في مؤنه، ولا يصح إقرار وليه عليه به، ولا إقراره هو حيث لم يأذن له فيه وليه (بل ينكح بإذن وليه أو يقبل له الولي) النكاح بإذنه؛ لصحة عبارته فيه بعد إذن الولي له (١). وولي من بلغ سفيها الأب فالجد (٢)، وولي من طرأ تبذيره القاضي أو نائبه، ويشترط حاجته للنكاح بنحو ما مر في المجنون، ولا يُكتفى فيها بقوله بل لا بد من ثبوتها في الخدمة وظهور قرائن عليها في الشهوة. ولا يزوج إلا واحدة، فإن كان مطلاقا بأن طلق بعد الحجر أو قبله ثلاث زوجات أو ثنتين، وكذا ثلاث مرات ولو في زوجة واحدة سُرِّي أمة، فإن تضجر منها أبدلت، ولا يزاد له على حليلة وإن اتسع ماله، نعم يأتي هنا ما مر في المجنون (٣). والذي يتجه أنه يتعين الأصلح من التسري أو التزويج ما لم يرد التزويج بخصوصه؛ لأن التحصين به أقوى منه بالتسري.
стр. 1263
فَإِنْ أَذِنَ لَهُ وَعَيَّنَ امْرَأَةً لَمْ يَنْكِحْ غَيْرَهَا، وَيَنْكِحُهَا بِمَهْرِ المِثْلِ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ، فَإِنْ زَادَ عَلَيْهِ فَالمَشْهُورُ صِحَّةُ النِّكَاحِ بِمَهْرِ المِثْلِ مِنَ المُسَمَّى، وَلَوْ لَهُ: قَالَ انْكِحْ بِأَلْفٍ وَلَمْ يُعَيِّنِ امْرَأَةً نَكَحَ بِالْأَقَلِّ مِنْ أَلْفٍ وَمَهْرِ مِثْلِهَا، وَلَوْ أَطْلَقَ الْإِذْنَ فَالْأَصَحُّ صِحَّتُهُ، وَيَنْكِحُ بِمَهْرِ المِثْلِ مَنْ تَلِيقُ بِهِ،
[تنبيه] ظاهر كلامهم هنا أن المطلاق يُسَرَّى وإن تكرر طلاقه لعذر، نعم يتجه أن العذر لو ظهر بقرائن قطعية أنه يبدل زوجة كإعفاف الأب . (فإن أذن له) الولي (وعين امرأة) تليق به دون مهر (لم ينكح غيرها)، فإن فعل لم يصح ولو بدون مهر المعينة بخلاف ما لو عيَّن مهرا فنكح بأزيد منه أو أنقص؛ لأنه تابع (وينكحها) أي المعينة (بمهر المثل)؛ لأنه المردُّ الشرعي (أو أقل منه)؛ لأن فيه رفقا به (فإن زاد عليه فالمشهور صحة النكاح بمهر المثل) أي بقدره (من المسمى) الذي نكح بعينه المأذون له في النكاح منه ويلغو ما زاد؛ لأنه تبرع من سفيه، ويأتي في الصداق أنه لو نكح لطفله بفوق مهر المثل أو أنكح موليته القاصرة أو التي لم تأذن بدونه فسد المسمى وصح النكاح بمهر المثل أي في الذمة من نقد البلد فيوافق ما هنا. (ولو قال له: انكح بألف ولم يعين امرأة نكح بالأقل من ألف ومهر مثلها)؛ لامتناع الزيادة على إذن الولي وعلى مهر المنكوحة، فإذا نكح امرأة بألف وهو مساوٍ لمهر مثلها أو ناقص عنه صحَّ به، أو أزيد منه صح بمهر المثل منه ولغا الزائد وإن كانت الزوجة سفيهة، أو نكحها بأكثر من الألف بطل النكاح إن نقص الألف عن مهر مثلها؛ لتعذر صحته بالمسمى وبمهر المثل؛ لأن كلا منهما أزيد من المأذون فيه وإلا صَحَّ بمهر المثل؛ لأنه أقل من المأذون فيه أو مساوٍ له، أو بأقل من ألف والألف مهر مثلها أو أقل صحَّ بالمسمى؛ لأنه أقل من مهر المثل، أو أكثر صح بمهر المثل إن نكح بأكثر منه وإلا فبالمسمى. أما إذا عين له قدرا وامرأة كأنكح فلانة بألف فإن كان الألف مهر مثلها أو أقل فنكحها به أو بأقل منه صح بالمسمى؛ لأنه لم يخالف الإذن بما يضره، أو بأكثر منه لغا الزائد في الأولى؛ لزيادته على مهر المثل وانعقد به؛ لموافقته للمأذون فيه وبطل النكاح في الثانية؛ لتعذره بالمسمى وبمهر المثل؛ لأن كلا منهما أزيد من المأذون فيه نظير ما مر، أوكان أكثر منه فالإذن باطل من أصله (ولو أطلق الإذن) بأن قال: انكح ولم يعين امرأة ولا قدرا (فالأصح صحته)؛ لأن له مردَّا كما قال: (وينكح بمهر المثل) -لأنه المأذون فيه شرعا- أو بأقل منه فإن زاد لغا الزائد (من تليق به) من حيث المصرف المالي، فلو نكح من يستغرق مهر مثلها ماله لم يصح النكاح؛ لانتفاء المصلحة فيه، وهذا من حيث الغالب وإلا
стр. 1264
فَإِنْ قَبِلَ لَهُ وَلِيُّهُ اُشْتُرِطَ إذْنُهُ فِي الْأَصَحِّ، وَيَقْبَلُ بِمَهْرِ المِثْلِ فَأَقَلَّ، فَإِنْ زَادَ صَحَّ النِّكَاحُ بِمَهْرِ المِثْلِ، وَفِي قَوْلٍ يَبْطُلُ. وَلَوْ نَكَحَ السَّفِيهُ بِلَا إذْنٍ فَبَاطِلٌ، فَإِنْ وَطِئَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وَقِيلَ مَهْرُ مِثْلٍ، وَقِيلَ أَقَلُّ مُتَمَوَّلٍ. وَمَنْ حُجِرَ عَلَيْهِ بِفَلَسٍ صَحَّ نِكَاحُهُ،
فلو كان كسوبا أو المهر مؤجلا صح، نعم المتجه النظر إلى القرائن أيضاً فإن شهدت باضطراره لنكاحها مع عدم تأثره بفقد ما بيده صح النكاح أيضاً، ولو لم يستغرق مهر مثلها ماله وكان الفاضل تافها بالنسبة إليه عرفا كان كالمستغرق. ولو زوج الولي المجنون بهذه لم يصح؛ لاعتبار الحاجة فيه كالسفيه وهي تندفع بدون هذه. ولو قال له: انكح من شئت بما شئت لم يصح؛ لأنه رَفْعٌ للحجر بالكلية فبطل الإذن من أصله، ومن ثم لم يتأت فيه تفريق الصفقة. وليس لسفيهٍ أُذِنَ له في نكاح توكيل فيه؛ لأن حجره لم يُرفع إلا عن مباشرته. (فإن قبل له وليه اشترط إذنه في الأصح)؛ لما مر من صحة عبارته هنا (ويقبل) له (بمهر المثل فأقل) كالشراء له (فإن زاد صح النكاح بـ) قدر (مهر المثل) من المسمى ولغت الزيادة؛ لأنه ليس أهلا للتبرع (وفي قول يبطل) النكاح. (ولو نكح السفيه) السابق وهو المحجور عليه (بلا إذن) من وليه الشامل للحاكم عند فقد الأصل أو امتناعه وإن تعذرت مراجعة السلطان (فباطل) نكاحه؛ لإلغاء عبارته، فيفرق بينهما، نعم محله إن لم ينته إلى خوف العنت وإلا فالأصح (١) صحة نكاحه كامرأة لا ولي لها بل أولى (فإن وطئ) منكوحته الرشيدة المختارة (لم يلزمه شيء) أي حدٌّ قطعا؛ للشبهة، ومن ثم لحقه الولد، ولا مهر -ولو بعد فك الحجر عنه أو لم تعلم سفهه- ظاهرا بخلافه باطنا (٢)، وخرج ((بالرشيدة المختارة)) صغيرة ومجنونة ومكرهة ومزوجة (٣) بالإجبار ونائمة فيجب مهر المثل؛ إذ لا يصح تسليطهن، ومن ثم لو كَمُلت بعد العقد وعلمت سفهه ومكنته مطاوعة لم يجب لها شيء، وكذا سفيهة حالة الوطء فيجب لها مهر المثل أيضا وإن علمت الفساد وطاوعته، (وقيل) يلزمه (مهر المثل)؛ لئلا يخلو الوطء عن مقابل، (وقيل) يلزمه (أقل متمول)؛ حذرا من الخلو المذكور. (ومن حجر عليه بفلس صح نكاحه)؛
стр. 1265
وَمُؤَنُ النِّكَاحِ فِي كَسْبِهِ، لَا فِيمَا مَعَهُ. وَنِكَاحُ عَبْدٍ بِلَا إذْنِ سَيِّدِهِ بَاطِلٌ، وَبِإِذْنِهِ صَحِيحٌ، وَلَهُ إطْلَاقُ الْإِذْنِ، وَلَهُ تَقْيِيدُهُ بِامْرَأَةٍ أَوْ قَبِيلَةٍ أَوْ بَلَدٍ، وَلَا يَعْدِلُ عَمَّا أُذِنَ فِيهِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلسَّيِّدِ إجْبَارُ عَبْدِهِ عَلَى النِّكَاحِ وَلَا عَكْسُهُ، وَلَهُ إجْبَارُ أَمَتِهِ بِأَيِّ صِفَةٍ كَانَتْ ..
لصحة عبارته (ومؤن النكاح في كسبه لا فيما معه)؛ لتعلق حق الغرماء به مع اختياره لإحداثها بخلاف الولد المتجدد، فإن لم يكن له كسب ففي ذمته ولها الفسخ بإعساره بشرطه. (ونكاح عبد) ولو مدبرا ومبعضا ومكاتبا ومعلقا عتقه بصفة (بلا إذن سيده) ولو أنثى (باطل)؛ للحجر عليه، وللخبر الصحيح ((أيما مملوك تزوج بغير إذن سيده فهو عاهر (١)، وعليه فالموقوف كله أو بعضه على جهة (٢) يتعذر تزويجه. وإذا بطل النكاح؛ لعدم الإذن تعلق مهر المثل بذمته فقط، نعم محله في غير نحو الصغيرة وإلا تعلق برقبته نظير ما مر في السفيه (و) نكاحه (بإذنه) -أي السيد الرشيد غير المحرم- نطقا ولو أنثى بكرا (صحيح)؛ لمفهوم الخبر (وله إطلاق الإذن) فينكح حرَّة أو أمة ببلده وغيرها، نعم للسيد منعه من الخروج إليها (وله تقييده بامرأة) معينة (أو قبيلة أو بلد ولا يعدل عمَّا أذن فيه) وإلا بطل وإن كان مهر المعدول إليها أقلَّ من مهر المعينة، نعم لو قدَّر له مهرا فزاد، أو زاد العبد الرشيد على مهر المثل عند الإطلاق صحت الزيادة ولزمت ذمته فيتبع بها إذا عتق؛ لأن له ذمة صحيحة بخلاف ما مر في السفيه، ومحل صحة النكاح فيما لو قدَّر لها مهراً فزاد إن لم ينهه عن الزيادة وإلا بطل النكاح؛ لأنه غير مأذون فيه حينئذ ولا يحتاج إلى إذن في الرجعة بخلاف إعادة البائن. ولو نكح فاسدا جاز له أن ينكح ثانيا نكاحا صحيحا بلا إنشاء إذن؛ لأن الفاسد لم يتناوله الإذن الأول و رجوعه عن الإذن كرجوع الموكل وكذا ولي السفيه. (والأظهر أنه ليس للسيد إجبار عبده على النكاح) صغيرا (٣) كان أو كبيرا بسائر أقسامه السابقة؛ لأنه يلزم ذمته مالا كالكتابة (ولا عكسه) أي لا يجبر السيد على نكاح قنه بأقسامه السابقة أيضا إذا طلبه منه في الأظهر؛ لأنه يشوش عليه مقاصد الملك وفوائده كتزويج الأمة، (وله إجبار أمته) التي يملك جميعها ولم يتعلق بها حق لازم على النكاح لكن ممن يكافئها في جميع ما مر وإلا لم يصح بغير رضاها، نعم له إجبارها على رقيق ودنيء النسب؛ إذ لا نسب لها (بأي صفة كانت)؛ لأن
стр. 1266
فَإِنْ طَلَبَتْ لَمْ يَلْزَمْهُ تَزْوِيجُهَا، وَقِيلَ إنْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ لَزِمَهُ، وَإِذَا زَوَّجَهَا فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ بِالمِلْكِ لَا بِالْوِلَايَةِ فَيُزَوِّجُ مُسْلِمٌ أَمَتَهُ الْكَافِرَةَ وَفَاسِقٌ وَمُكَاتَبٌ، وَلَا يُزَوِّجُ وَلِيٌّ عَبْدَ صَبِيٍّ وَيُزَوِّجُ أَمَتَهُ فِي الْأَصَحِّ
النكاح يَرِدُ على منافع البضع وهي ملكه ولانتفاعه بمهرها ونفقتها بخلاف العبد. أما المبعضة والمكاتبة فلا يجبرهما كما لا يجبرانه. ومر أنه ليس للراهن تزويج مرهونة لزم رهنها إلا من مرتهن، ومثلها جانية تعلق برقبتها مال وهو معسر وإلاّ صحّ وكان اختيارا للفداء، وإنما لم يصح البيع حينئذ؛ لأنه مفوت للرقبة، وصح العتق؛ لتشوف الشارع إليه، وكذا لا يجوز لمفلس تزويج أمة بغير إذن الغرماء، ولا لسيد تزويج أمة تجارةِ عاملِ قراضِهِ بغير إذنه؛ لأنه ينقص قيمتها فيتضرر به العامل وإن لم يظهر به ربح، و تجارة قنه المأذون له المدين بغير إذنه وإذن الغرماء (فإن طلبت) منه أن يزوجها (لم يلزمه تزويجها) مطلقا؛ لنقص قيمتها ولفوات استمتاعه بمن تحل له، (وقيل إن حرمت عليه) مؤبدا، وأُلحق به ما إذا كان امرأة (لزمه) إجابتها؛ تحصينا لها. (وإذا زوجها) أي الأمة سيدها (فالأصح أنه بالملك لا بالولاية)؛ لأن التصرف فيما يملك استيفاؤه ونقله إلى الغير إنما يكون بحكم الملك كاستيفاء المنافع ونقلها بالإجارة (فيزوج) على الأول مبعض أمته، و (مسلم أمته الكافرة) التي تحل من قن وحر كتابي بخلاف المرتدة؛ إذ لا تحل بحال، نعم المجوسية والوثنية له إن يزوجهما بكافر قنٍّ أو حرٍّ كما يزوج السيد محرمه بنحو رضاع وإن لم يكن له عليها ولاية من جهة أخرى. أما الكافر فلا يزوج أمته المسلمة على ما مر؛ لأنه ممنوع من كل تصرف فيها إلا إزالة ملكه عنها (وفاسق) أمته كما يؤجرها (ومكاتب) كتابة صحيحة أمته لكن بإذن سيده، وليس للسيد الاستقلال بتزويجها كعبده. (ولا يزوج ولي عبد) موليه من (صبي) ومجنون وسفيه ذكرا وأنثى؛ لعدم المصلحة فيه بانقطاع كسبه عنه، ولم ينظروا إلى أنها ربما تظهر مع تزويجه؛ لندرته (ويزوج) ولي النكاح والمال وهو الأب فالجد فالسلطان (أمته) إجبارا التي يزوجها المولى بتقدير كماله (في الأصح) إذا ظهرت الغبطة فيه؛ اكتسابا للمهر والنفقة، نعم لا بد من إذن السفيه في نكاح أمته. وخرج بوليهما -أي النكاح والمال- أمةُ صغيرةٍ عاقلةٍ ثيبٍ فلا تزوَّج؛ لأنه لا يلي أحدٌ نكاحا تلك الصغيرة، وأمةُ صغير وصغيرة مجنونة (١) فلا يزوجها السلطان، ولا يَجبِر الولي على نكاح أمة المولى.
стр. 1267
باب
تَحْرُمُ الْأُمَّهَاتُ، وَكُلُّ مَنْ وَلَدَتْك أَوْ وَلَدَتْ مَنْ وَلَدَكَ فَهِيَ أُمُّك، وَالْبَنَاتُ،
(باب ما يحرم من النكاح)
أي النكاح المحرم لذاته لا لعارض كالإحرام، وبمعنى آخر موانع النكاح، ومنها اختلاف الجنس فلا يصح لإنسي نكاح جنية (١) وعكسه، نعم العبرة في الإنسيين إذا اختلف مقلدهما وتعارض غرضاهما ولم يترافعا لحاكم باعتقاد الزوج لا الزوجة، ومحل هذا في نحو التمتع وما يحصل به من نحو النشوز والتقذر المنافي لكمال التمتع، لا فيما عدا ذلك مما يترتب عليه ضررها الذي لا يحتمل ككونه مالكيا يمس الكلب رطبا ثم يريد مسها وهي شافعية فيمنع من ذلك؛ لأنه لا حاجة به إليه مع سهولة إزالته.
[فائدة] لا يسقط عنا ما كلفنا به من نحو إقامة الجمعة أو فروض الكفايات بفعل الجن ؛ لأن لهم تكاليف اختصوا بها لا نعلم تفاصيلها، ولا ينافي هذا إجراء غير واحد عليهم بعض الأحكام كانعقاد الجمعة بهم معنا وصحة إمامتهم لنا.
ثم إن التحريم إما مؤبد وإما غيره، وأسباب المؤبد قرابة ورضاع ومصاهرة؛ لآية النساء ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ النساء: ٢٣ مع آية الأحزاب ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ﴾ الأحزاب: ٥٠ إلى آخرهما. وأخصر ضابط للقرابة أنه يحرم جميع من شملته القرابة ما عدا ولد العمومة وولد الخؤولة، فحينئذ (تحرم الأمهات) أي نكاحهن (وكل من ولدتك أو ولدت من ولدك) وهي الجدة من الجهتين وإن علت (فهي أمك) حقيقة عند عدم الواسطة ومجازا عند وجودها (والبنات) ولو احتمالا كالمنفية باللعان، ومن ثم لو أكذب نفسه لحقته، ومع النفي لا يثبت لها من أحكام النسب سوى تحريم نكاحها (٢) سواء في تحريمه أَعُلِم دخوله
стр. 1268
وَكُلُّ مَنْ وَلَدْتَهَا أَوْ وَلَدْتَ مَنْ وَلَدَهَا فَهِيَ بِنْتُك. قُلْتُ: وَالمَخْلُوقَةُ مِنْ زِنَاهُ تَحِلُّ لَهُ، وَيَحْرُمُ عَلَى المَرْأَةِ وَلَدُهَا مِنْ زِنًا، وَاَللهُ أَعْلَمُ، وَالْأَخَوَاتُ وَبَنَاتُ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ وَإِنْ سَفُلْنَ، وَالْعَمَّاتُ وَالخَالَاتُ، وَكُلُّ مَنْ هِيَ أُخْتُ ذَكَرٍ وَلَدَكَ فَعَمَّتُك، أَوْ أُخْتُ أُنْثَى وَلَدَتْك فَخَالَتُك. وَيَحْرُمُ هَؤُلَاءِ السَّبْعُ بِالرَّضَاعِ أَيْضًا، وَكُلُّ مَنْ أَرْضَعَتْك أَوْ أَرْضَعَتْ مَنْ أَرْضَعَتْك أَوْ مَنْ وَلَدَكَ أَوْ وَلَدَتْ مُرْضِعَتَك أَوْ ذَا لَبَنِهَا فَأُمُّ رَضَاعٍ، وَقِسِ الْبَاقِي.
بأمها أم لا (وكل من ولدتها أو ولدت من ولدها) وإن سفل (فهي بنتك) حقيقة ومجازا نظير ما مر (قلت: والمخلوقة من) ماء (زناه تحل له)؛ لأنها أجنبية عنه إذ لا يثبت لها توارث ولا غيره من أحكام النسب، نعم يكره له نكاحها؛ للخلاف فيها (ويحرم على المرأة) وعلى سائر محارمها (ولدها من زنا والله أعلم) إجماعا؛ لأنه بعضها وانفصل منها إنسانا ولا كذلك المني، ومن ثم أجمعوا هنا على إرثه (والأخوات) من جهة أبويك أو أحدهما، نعم لو زوجَّه الحاكم مجهولة ثم استلحقها أبوه بشرطه ولم يصدقه هو ثبتت أخوتها له وبقي نكاحه، ولو أبانها حينئذ لم تحل له، (وبنات الإخوة والأخوات وإن سفلن، والعمات والخالات وكل من هي أخت ذكر ولدك) وإن علا من جهة الأب أو الأم سواء أخته لأبويه أو أحدهما (فعمتك أو أخت أنثى ولدتك) وإن علت من جهة الأب أو الأم سواء أختها لأبويها أو أحدهما (فخالتك. ويحرم هؤلاء السبع بالرضاع أيضا) أي كما حرمن بالنسب؛ للنص على الأمهات والأخوات في الآية، وللخبر المتفق عليه ((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)) (وكل من أرضعتك أو أرضعت من أرضعتك أو) أرضعت (من وَلَدَك) ولو بواسطة (أو ولدت مرضعتك أو) ولدت أو أرضعت (ذا) أي صاحب (لبنها) شرعا كحليل المرضعة الذي اللبن له وإن ولدته بواسطة (فأم رضاع وقس) بذلك (الباقي) من السبع المحرمة بالرضاع، فالمرتضعة بلبنك أو بلبن فرعك ولو رضاعا وبنتها كذلك وإن سفلت بنت رضاع، والمرتضعة بلبن أبيك أو أمك ولو رضاعا ومولودة أحدهما رضاعا أخت رضاع، وبنت ولد المرضعة أو الفحل نسبا أو رضاعا وإن سفلت ومرتضعة بلبن أخيك أو أختك وبنتها نسبا أو رضاعا وإن سفلت وبنت ولد أرضعته أمك أو ارتضع بلبن أبيك نسبا أو رضاعا وإن سفلت بنت أخ أو أخت رضاع، وأخت فحل أو مرضعة وأخت أصلهما نسبا أو رضاعا ومرتضعة بلبن أصل نسبا أو رضاعا عمة رضاع أو خالته.
стр. 1269
وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْك مَنْ أَرْضَعَتْ أَخَاك وَنَافِلَتَك، وَلَا أُمُّ مُرْضِعَةِ وَلَدِك وَبِنْتُهَا، وَلَا أُخْتُ أَخِيكَ بِنَسَبٍ وَلَا رَضَاعٍ، وَهِيَ أُخْتُ أَخِيك لِأَبِيك لِأُمِّهِ وَعَكْسُهُ، وَيَحْرُمُ زَوْجَةُ مَنْ وَلَدْتَ أَوْ وَلَدَكَ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ وَأُمَّهَاتُ زَوْجَتِك مِنْهُمَا
(ولا تحرم عليك من أرضعت أخاك) أو أختك، وإنما حرمت أم أخيك نسبا؛ لأنها أمك أو موطوءة أبيك (و) لا من أرضعت (نافلتك) أي ولد ولدك؛ لأنها كالتي قبلها أجنبية عنك، وحرمت أمه نسباً؛ لأنها بنت أو موطوءة ابن، (ولا أم مرضعة ولدك)؛ لذلك، وهي نسبا أم موطوءتك (وبنتها) أي المرضعة لذلك، وهي نسبا بنت أو ربيبة، وزيد على الأربعة المذكورة في المتن أم العم وأم العمة وأم الخال وأم الخالة وابن الأخ فهؤلاء أيضا يَحرُمنَ نسبا لا رضاعا؛ لما تقرر، وصورة الأخيرة امرأة لها ابن ارتضع من أجنبية ذات ابن فلها نكاح أخي ابنها رضاعا وإن حرم نسبا؛ لكونه ابنها أو ابن زوجها. (ولا) يحرم عليك أيضا (أخت أخيك) الذي من النسب أو الرضاع (بنسب ولا رضاع) متعلق بأخت بدليل قوله: (وهي) نسبا (أخت أخيك لأبيك لأمه) بأن كان لأم أخيك لأبيك بنت من غير أبيك (وعكسه) أي أخت أخيك لأمك لأبيه بأن كان لأبي أخيك لأمك بنت من غير أمك، ورضاعا أخت أخيك لأب أو أم رضاعا بأن أرضعتهما أجنبية عنك.
[فرع] ادعت أمة أنها أخته رضاعا فإن كان قبل أن يملكها حرمت عليه، وكذا بعده وقبل التمكين (١)، بل وبعد تمكين مع نحو صغر بخلافه بعد تمكينٍ معتبر إلا إن ادعت غلطا أو نسيانا، وبخلاف ما لو ادعت أنها أخته نسبا، وفُرِّق بأن النسب لا يثبت بقول النساء بخلاف الرضاع فكذا التحريم به. (ويحرم) عليك بالمصاهرة (زوجة من ولدت) وإن سفل من نسب أو رضاع (أو ولدك) وإن علا (من نسب أو رضاع)؛ لقوله تعالى ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ النساء: ٢٣. (و) يحرم عليك (أمهات زوجتك منهما) أي النسب أو الرضاع ولو لطفلة طلقتها وإن علون وإن لم تدخل بها؛ لإطلاق قوله تعالى ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ النساء: ٢٣، وتحرم كسابقتيها بنفس العقد، نعم يشترط حيث لا وطء صحة العقد؛ لأن الفاسد لا حرمة له ما لم ينشأ عنه وطء أو استدخال؛ لأنه حينئذ وطء شبهة واستدخال وهو محرم كما
стр. 1270
وَكَذَا بَنَاتُهَا إنْ دَخَلْتَ بِهَا، وَمَنْ وَطِئَ امْرَأَةً بِمِلْكٍ حَرُمَ عَلَيْهِ أُمَّهَاتُهَا وَبَنَاتُهَا وَحَرُمَتْ عَلَى آبَائِهِ وَأَبْنَائِهِ، وَكَذَا المَوْطُوءَةُ بِشُبْهَةٍ فِي حَقِّهِ، قِيلَ أَوْ حَقِّهَا، لَا المَزْنِيُّ بِهَا،
يأتي (وكذا بناتها) أي زوجتك ولو بواسطة -سواء بنات ابنها وبنات بنتها وإن سفلن- (إن دخلت بها) بأن وطئتها في حياتها ولو في الدبر وإن كان العقد فاسدا، وكذا إن استدخلت ماءك المحترم في حال نزوله وإدخاله؛ إذ هو كالوطء في أكثر أحكامه في هذا الباب وغيره؛ لقوله تعالى ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ النساء: ٢٣ .. الآية.
[تنبيه] لم يُنَزِّلوا الموت هنا منزلة الوطء بخلافه في الإرث وتقرير المهر ويوجه بأن التنزيل هنا يلزم عليه أن العقد محرم وهو خلاف النص ولا كذلك ثَم؛ للنص فيه على أن الموت موجب للإرث والتقرير. (ومن وطئ امرأة) حية وهو واضح الذكورة (بملك) ولو في الدبر وإن كانت مُحرَّمة عليه أبدا (حرم عليه أمهاتها وبناتها وحرمت على آبائه وأبنائه) إجماعا وتثبت هنا المحرمية أيضا (وكذا) الحية (الموطوءة) ولو في الدبر (بشبهة) إجماعا أيضا لكن لا يثبت بها محرمية؛ لعدم الاحتياج إليها، ثم المعتبر هنا أي في تحريم المصاهرة وفي لحوق النسب ووجوب العدة أن تكون شبهة (في حقه) -كأن وطئها بفاسد نكاح، وكظنها حليلته وكونها مشتركة أو أمة فرعه، وكوطئها بجهة قال بها عالم يعتد بخلافه- وإن علمت، (قيل أو) توجد شبهة في (حقها) -كأن ظنته حليلها، أو كان بها نحو نوم- وإن علم، فعلى هذا بأيهما قامت الشبهة أثرت، نعم المعتبر في المهر شبهتها فقط، ومنها أن توطأ في نكاح بلا ولي وإن اعتقدت التحريم فليست مستثناة؛ لما مر أن معتقد تحريمه لا يحد للشبهة. ولا أثر لوطء خنثى؛ لاحتمال زيادة ما أُوْلج به أو فيه (١).
[تنبيه] الاستدخال كالوطء بشرط احترامه حالة الإنزال ثم حالة الاستدخال (٢) بأن يكون لها شبهة فيه، نعم لا يثبت بالاستدخال بشرطه إلا النسب والمصاهرة والعدة وكذا الرجعة بخلاف نحو الإحصان والتحليل، وغير المحترم كماء زنا الزوج لا يثبت به شيء (لا المزني بها) فلا يثبت لها ولا لأحد من أصولها وفروعها حرمة مصاهرة بالزنا الحقيقي بخلافه
стр. 1271
وَلَيْسَتْ مُبَاشَرَةٌ بِشَهْوَةٍ كَوَطْءٍ فِي الْأَظْهَرِ. وَلَوِ اخْتَلَطَتْ مَحْرَمٌ بِنِسْوَةِ قَرْيَةٍ كَبِيرَةٍ نَكَحَ مِنْهُنَّ، لَا بِمَحْصُورَاتٍ، وَلَوْ طَرَأَ مُؤَبَِّدُ تَحْرِيمٍ عَلَى نِكَاحٍ قَطَعَهُ كَوَطْءِ زَوْجَةِ أَبِيهِ بِشُبْهَةٍ
من نحو مجنون أو مكره عليه (١)؛ لأن الله تعالى امتَّن على عباده بالنسب والصهر ولأنه لا حرمة له (وليست مباشرة) بسبب مباح كمفاخذة (بشهوة كوطء في الأظهر)؛ لأنها لا توجب عدة فكذا لا توجب حرمة. (ولو اختلطت محرم) بنسب أو رضاع أو مصاهرة أو محرمة بسبب آخر كلعان أو توثن (بنسوة قرية كبيرة) بأن كن غير محصورات (نكح) إن شاء (منهن) وإن قدر بسهولة على متيقنة الحل مطلقا؛ رخصة له من الله تعالى، وينكح إلى أن يبقى محصور (٢) على ما رجحه الروياني وعليه فلا يخالفه ترجيحهم في الأواني أنه يأخذ إلى بقاء واحدة؛ لأن النكاح يحتاط له أكثر من غيره (لا بمحصورات) فلا ينكح منهن فإن فعل بطل؛ احتياطا للأبضاع مع عدم المشقة في اجتنابهن بخلاف الأول. ولا مدخل للاجتهاد هنا، نعم لو تيقن صفة بمحرمه كسواد نكح غير ذات السواد مطلقا واجتنبها إن انحصرن. ثم ما عسر عده بمجرد النظر -كالألف- غير محصور، وما سهل -كالمائة- محصور، وبينهما (٣) أوساط تلحق بأحدهما بالظن، وما يشك فيه فحرام (٤). ولو اختلطت عشرون من محارمه بغير محصور لكنه لو قُسِّم عليهن صار ما يخص كلا منهن محصورا لم يحرمن؛ نظرا للجملة. ولو اختلطت زوجته بأجنبيات لم يجز وطء واحدة منهن مطلقا؛ لأن الوطء إنما يُباح بالعقد دون الاجتهاد. (ولو طرأ مؤبَِّد تحريم على نكاح قطعه كوطء زوجة أبيه) بالياء أو النون (بشبهة) وكوطء الزوج أم أو بنت زوجته بشبهة فينفسخ النكاح؛ إلحاقا للدوام بالابتداء؛ لأنه معنى يوجب تحريما مؤبدا فإذا طرأ قطع كالرضاع، وبهذا يتضح أنه لا فرق بين كون الموطوءة مَحرَما للواطئ وغيرها، فلو وطئ بنت أخيه أو بنت خالته التي تحت ولده بشبهة حرمت على ولده أبدا. وخرج بطروه على نكاح طروُّه على ملك يمين كوطء أب جارية ابنه فإنها -وإن حرمت به
стр. 1272
وَيَحْرُمُ جَمْعُ المَرْأَةِ وَأُخْتِهَا أَوْ عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا مِنْ رَضَاعٍ أَوْ نَسَبٍ، فَإِنْ جَمَعَ بِعَقْدٍ بَطَلَ، أَوْ مُرَتَّبًا فَالثَّانِي. وَمَنْ حَرُمَ جَمْعُهُمَا بِنِكَاحٍ حَرُمَ فِي الْوَطْءِ بِمِلْكٍ، لَا مِلْكُهُمَا فَإِنْ وَطِئَ وَاحِدَةً حَرُمَتِ الْأُخْرَى حَتَّى يُحَرِّمَ الْأُولَى
على الابن أبدا- لا ينقطع به ملكه حيث لا إحبال، ولا شيء عليه بمجرد تحريمها؛ لبقاء المالية ومجرد الحل هنا غير متقوم. (ويحرم جمع المرأة وأختها أو عمتها أو خالتها من رضاع أو نسب (١) ولو بواسطة لأبوين أو أب أو أم ابتداء ودواما؛ للآية في الأختين وللخبر الصحيح في الباقي. وضبطوا من يحرم جمعهما بكل امرأتين بينهما قرابة أو رضاع يحرم تناكحهما لو قدرت إحداهما ذكرا، فخرج بالقرابة والرضاع المصاهرة فيحل الجمع بين امرأة وأم أو بنت زوجها أو زوجة ولدها؛ إذ لا رحم هنا يخشى قطعه، والملك فيحل الجمع بين امرأة وأمتها بأن يتزوجها بشرطها الآتي ثم يتزوج سيدتها أو يكون قنا وإن حرمت كل بتقدير ذكورة الأخرى؛ إذ العبد لا ينكح سيدته والسيد لا ينكح أمته، ويحل الجمع أيضا بين بنت الرجل وربيبته وبين المرأة وربيبة زوجها من امرأة أخرى وبين أخت الرجل من أمه وأخته من أبيه؛ إذ لا تحرم المناكحة بينهما بتقدير ذكورة إحداهما، (فإن جمع) بين نحو أختين (بعقد) واحد (بطل) النكاحان؛ إذ لا مرجح (أو) بعقدين يأتي هنا ما مر في نكاح اثنين فإن وقعا معا أو عرف سبق ولم تتعين سابقة ولم يرج معرفتها أو جهل السبق والمعية بطلا، أو وقعا (مرتبا) وعرفت السابقة ولم تُنس (فالثاني) هو الباطل إن صح الأول؛ لأن الجمع حصل به، فإن نسيت ورجيت معرفتها وجب التوقف حتى يتبين، والأوجه أنه لا يحتاج لفسخ الحاكم وأنه لو أراد العقد على إحداهما امتنع حتى يطلق الأخرى بائنا؛ لاحتمال أنها الزوجة فتحل الأخرى يقينا من غير مشقة عليه في ذلك بوجه، أما إذا فسد الأول فالثاني هو الصحيح سواء أعلم بذلك أم لا، وفي حكم الجمع بين الأختين فيما مر جمع أكثر من أربع. (ومن حرم جمعهما بنكاح) كأختين (حرم) جمعهما (في الوطء بملك)؛ لأنه إذا حرم العقد فالوطء أولى؛ لأنه أقوى (لا ملكهما) إجماعا؛ لأن الملك قد يقصد به غير الوطء، ولهذا جاز له ملك نحو أخته (فإن وطئ) في فرج واضح أو دبر ولو مكرها أو جاهلا (واحدة) غير محرمة عليه بنحو رضاع وإن ظنها تحل له، وليس الاستدخال هنا كالوطء (حرمت الأخرى حتى يحرم الأولى)؛ لئلا
стр. 1273
بِبَيْعٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ كِتَابَةٍ لَا حَيْضٍ وَإِحْرَامٍ، وَكَذَا رَهْنٌ فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ مَلَكَهَا ثُمَّ نَكَحَ أُخْتَهَا أَوْ عَكَسَ حَلَّتِ المَنْكُوحَةُ دُونَهَا. وَلِلْعَبْدِ امْرَأَتَانِ. وَلِلْحُرِّ أَرْبَعٌ فَقَطْ، فَإِنْ نَكَحَ خَمْسًا مَعًا بَطَلْنَ أَوْ مُرَتَّبًا فَالخَامِسَةُ. وَتَحِلُّ الْأُخْتُ، وَالخَامِسَةُ فِي عِدَّةِ بَائِنٍ لَاجْعِيَّةٍ
يحصل الجمع المنهي عنه، ولا يؤثر وطؤها -وإن حبلت- تحريم الأولى؛ إذ الحرام لا يحرم الحلال، ثم التحريم يحصل بمزيل الملك (ببيع) ولو لبعضها إن لزم أو شرط الخيار فيه للمشتري، وهبة ولو لبعضها مع قبضها بإذنه (أو) بمزيل الحل نحو (نكاح أو كتابة) صحيحة؛ لارتفاع الحل، فإن عاد حِلُّ الأولى بنحو فسخ أو طلاق قبل وطء الثانية تخيَّر في وطء أيتهما شاء بعد استبراء للعائدة إن أرادها، أو بعد وطئها لم يطأ العائدة حتى يحرم الأخرى. وعلم مما مر أنه لو ملك أُمَّا وبنتها حرمت إحداهما مؤبدا بوطء الأخرى (لا حيض وإحرام) ونحو ردة وعدة؛ لأنها أسباب عارضة قريبة الزوال (وكذا رهن) مقبوض (في الأصح)؛ لبقاء الحل لو أذن له المرتهن. (ولو ملكها) أي امرأة وطئها أم لا (ثم نكح أختها) أو عمتها أو خالتها الحرة أو الأمة بشرطه (أو عكس) أي نكح امرأة ثم ملك نحو أختها أو تقارن الملك والنكاح (حلَّّت المنكوحة دونها)؛ لأن فراش النكاح أقوى للحوق الولد فيه بالإمكان ولا يجامعه الحل للغير بخلاف فراش الملك فيهما. (وللعبد) ولو مبعضا (امرأتان)؛ لإجماع الصحابة عليه و لأنه على النصف من الحر (وللحر أربع فقط)؛ للخبر الصحيح أنه ﷺ قال لمن أسلم على أكثر من أربع ((أمسك أربعا وفارق سائرهن)). وقد تتعين الواحدة كما مر في نكاح السفيه والمجنون. (فإن نكح) الحر (خمسا) أو أكثر (معا بطلن) أي نكاحهن؛ إذ لا مرجح، ومن ثم لو كان فيهن من يحرم جمعه بطل فيه فقط وصح في الباقيات إن كن أربعا فأقل أو نحو مجوسية أو ملاعنة أو أمة بطل فيها فقط لذلك (أو مرتبا فالخامسة) هي التي يبطل فيها ويأتي هنا ما مر آنفاً في جمع نحو الأختين من بقية الأقسام، ويأتي نظير ذلك في جمع العبد ثلاثا فأكثر. (وتحل الأخت) ونحوها (والخامسة) للحر والثالثة لغيره (في عدة بائن)؛ لأنها أجنبية منه (لا رجعية) ومتخلفة عن الإسلام ومرتدة بعد وطء وقبل انقضاء العدة؛ لأنها في حكم الزوجات.
стр. 1274
وَإِذَا طَلَّقَ الحُرُّ ثَلَاثًا أَوِ الْعَبْدُ طَلْقَتَيْنِ لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ، وَتَغِيبَ بِقُبُلِهَا حَشَفَتُهُ أَوْ قَدْرُهَا، بِشَرْطِ الِانْتِشَارِ، وَصِحَّةِ النِّكَاحِ، وَكَوْنِهِ مِمَّنْ يُمْكِنُ جِمَاعُهُ لَا طِفْلًا عَلَى المَذْهَبِ فِيهِنَّ
(وإذا طلق) قبل الوطء أو بعده (الحر ثلاثا (١) والعبد) ولو مبعضا (طلقتين) وكان قنا عند الثانية، وإلا كأن عُلِّقت الثانية بعتقه ثبتت له الثالثة (لم تحل له) تلك المطلقة (حتى تنكح) زوجا غيره ولو كان صبيا حرا عاقلا، أو عبدا بالغا عاقلا كان أو مجنونا، أو خصيا أو ذميا في ذمية لكن إن وطئ في نكاح لو ترافعوا إلينا أقررناهم عليه، وكالذمي نحو المجوسي (وَتِغيْبَ (٢) بقبلها حَشَفَتُهُ) ولو مع نوم ولو منهما مع زوال بكارتها -ولو غوراء- وإن لف على الحشفة خرقة كثيفة ولم ينزل أو قارنها نحو حيض أو صوم أو عدة شبهة عرضت بعد نكاحه، نعم لو لم تزل بكارة الغوراء لرقة الذكر أجزأ في التحليل (أو قدرها) من فاقدها الذي يراد تغييبه، فالعبرة بقدر حشفته التي كانت دون حشفة غيره فكل ما أوجب دخوله الغسل مما مر أجزأ هنا وما لا فلا (٣)، ثم بعد أن يغيب ذلك يطلقها وتنقضي عدتها؛ لقوله تعالى ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ البقرة: ٢٣٠ أي ويطأها؛ للخبر المتفق عليه ((حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك))، وقيس بالحر غيره. وخرج بـ ((تنكح)) وطء السيد بالملك، بل لو اشتراها المطلق لم تحل له، وبقبلها وطء الدبر، وبقدرها أقل منه كبعض حشفة السليم وكإدخال المني (بشرط الانتشار) بالفعل وإن قلَّ أو أعين بنحو أصبع (وصحة النكاح) فلا يؤثر فاسد وإن وقع وطء فيه؛ لأن النكاح في الآية لا يتناوله، ومن ثم لو حلف لا ينكح لم يحنث به، ويشترط أيضا عدم اختلاله فلا يكفي وطء مع ردة أحدهما أو في عدة طلاق رجعي بأن استدخلت ماء وإن راجع أو أسلم المرتد (وكونه ممن يمكن جماعه) أي يتشوف إليه منه عادة بأن يُشْتَهَى طبعا (٤) (لا طفلاً) وإن انتشر ذكره؛ لأنه لا أهلية فيه لذوق عسيلة، وهو هنا من لم يشتهى طبعا (على المذهب فيهن)
стр. 1275
وَلَوْ نَكَحَ بِشَرْطِ إذَا وَطِئَ طَلَّقَ أَوْ بَانَتْ أَوْ فَلَا نِكَاحَ بَطَلَ، وَفِي التَّطْلِيقِ قَوْلٌ
أي الانتشار وما بعده. (ولو نكح) مريد التحليل (بشرط) وليها وموافقته هو أو عكسه في صلب العقد (أنه إذا وطئ طلق أو) أنه إذا وطئ (بانت) منه (أو) أنه إذا وطئ (فلا نكاح) بينهما أو نحو ذلك (بطل) النكاح؛ لمنافاة الشرط فيهن لمقتضى العقد، وعلى ذلك حمل الحديث الصحيح ((لعن الله المحلل والمحلل له)) (وفي التطليق قول) أنه لا يضر. وخرج بشرط ذلك إضماره فلا يؤثر وإن تواطآ عليه قبل العقد لكنه مكروه؛ لأن كل ما لو صرح به أبطل يكره إضماره. ويكره تزوُّج من ادعت التحليل (١) لزمن إمكان ولم يقع في قلبه صدقها ومع ذلك فهو صحيح وإن كذبها زوج محلل عينته في النكاح أو الوطء وإن صدقناه في نفيه حتى لا يلزمه مهر أو نصفه ما لم ينضم لتكذيبه في أصل النكاح تكذيب الولي والشهود بخلاف نحو الشهود والزوج فقط. ومرَّ أنه يقبل إقرارها بالنكاح لمن صدقها وإن كذبها الولي والشهود. ولو أنكر الزوج الثاني الطلاق صدق ما لم يعلم الزوج الأول كذبه، ولو كذبها ثم رجع قُبِل. ومر أنها متى أقرت للحاكم بزوج معين لم يقبلها في فراقه إلا ببينة. ولو أخبرته بالتحليل ثم رجعت فإن كان قبل الدخول -يعني قبل العقد- لم تحل أو بعده لم يرتفع، ولو اعترف الثاني بالإصابة وأنكرتها لم تحل أيضاً بخلاف عكس كما تقدم.
[تنبيه] ظاهر ما تقرر أن للمطلق قبول قولها هنا بلا يمين ، نعم لو تزوجته فرفعا لقاضٍ فادعت التحليل الممكن فتحلف هي حينئذ ويمكنه منها، و يقبل قولها أيضا بيمينها عند الإمكان في انقضاء عدتها، ولو نكح بلا ولي ثم طلقها ثلاثا قبل حكم حاكم بالصحة لم يقع ولم يحتج لمحلل (٢).
стр. 1276
فصل
لَا يَنْكِحُ مَنْ يَمْلِكُهَا أَوْ بَعْضَهَا، وَلَوْ مَلَكَ زَوْجَتَهُ أَوْ بَعْضَهَا بَطَلَ نِكَاحُهُ، وَلَا تَنْكِحُ مَنْ تَمْلِكُهُ أَوْ بَعْضَهُ. وَلَا الحُرُّ أَمَةَ غَيْرِهِ إلَّا بِشُرُوطٍ: أَلَّا تَكُونَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ تَصْلُحُ لِلِاسْتِمْتَاعِ، قِيلَ وَلَا غَيْرُ صَالحَةٍ، وَأَنْ يَعْجِزَ عَنْ حُرَّةٍ تَصْلُحُ، قِيلَ أَوْ لَا تَصْلُحُ، …
(فصل) في نكاح من فيها رق وتوابعه
(لا ينكح من يملكها) ولو مستولدة ومكاتبة (أو) يملك (بعضها)؛ لتناقض أحكام الملك والنكاح. ومملوكة مكاتبه كمملوكته؛ لأنه عبد ما بقي عليه درهم، وكذا مملوكة فرعه الموسر (١)؛ لأنه يلزمه إعفافه بخلاف المعسر. ويجوز للمرأة تزوج عبد فرعها؛ لأنه لا يلزمه إعفافها كما يأتي (ولو ملك) هو أو مكاتبه لا فرعه؛ لأن تعلق السيد بمال مكاتبه أقوى منه بمال فرعه (زوجته أو بعضها) ملكا تاما (بطل نكاحه)؛ لأن النكاح أضعف من الملك. أما لو لم يتم كأن اشتراها بشرط الخيار له ثم فسخ فإنه يستمر نكاحه، وكذا في عكسه الذي تضمنه قوله: (ولا تنكح) المرأة (من تملكه أو بعضه) ملكا تاما؛ لتضاد أحكامهما هنا أيضا. وخرج بمن تملكه عبد أبيها أو ابنها فيحل لها نكاحه (ولا الحر) كله (أمة غيره) ويُلحق بها حرَّة ولدها رقيق بأن أوصى لرجل بحمل أمة دائما فأعتقها الوارث (إلا بشروط) أربعة بل أكثر.
أحدها: (ألا تكون تحته حرة) أو أمة (تصلح للاستمتاع) ولو كتابية؛ للنهي عن نكاح الأمة على الحرة. وخرج بالحر كله العبد والمبعض فله نكاح الأمة؛ لأن إرقاق ولده غير عيب، (قيل ولا غير صالحة) للاستمتاع لنحو هرم؛ لعموم النهي السابق.
(و) ثانيها (أن يعجِز عن حرة) ولو كتابية بأن لم يفضل عما معه أو مع فرعه الذي يلزمه إعفافه مما لا يباع في الفطرة ما يفي بمهر مثلها وقد طلبته أو لم ترض إلا بزيادة عليه وإن قلَّت وقدر عليها (تصلح) للاستمتاع عرفا وكانت تحتمل الوطء، وليس بها عيب خيار ولا هرمة ولا زانية ولا غائبة (٢) ولا معتدة، وكذا ليست متحيرة؛ لمنع وطئها شرعا (٣) (قيل أو لا تصلح)؛ نظير ما مر.
стр. 1277
فَلَوْ قَدَرَ عَلَى غَائِبَةٍ حَلَّتْ لَهُ أَمَةٌ إنْ لَحِقَهُ مَشَقَّةٌ ظَاهِرَةٌ فِي قَصْدِهَا أَوْ خَافَ زِنًا مُدَّتَهُ، وَلَوْ وَجَدَ حُرَّةً بِمُؤَجَّلٍ أَوْ بِدُونِ مَهْرِ مِثْلٍ فَالْأَصَحُّ حِلُّ أَمَةٍ فِي الْأُولَى، دُونَ الثَّانِيَةِ، وَأَنْ يَخَافَ زِنًا،
[تنبيه] في المعتدة تفصيل حاصله أن الرجعية والمتخلفة عن الإسلام والمرتدة بعد الوطء كالزوجة كما مر آنفا فلا تحل له الأمة قبل انقضاء العدة وإن وجدت فيه شروطها، وأما البائن فتحل له في عدتها الأمة كأختها وأربع سواها، ومثلها الموطوءة بشبهة (فلو قدر على) حرة (غائبة حلت له أمة إن لحقه مشقة ظاهرة) وهي ما ينسب متحملها في طلب زوجة إلى مجاوزة الحد (في قصدها، أو خاف زنا) بالاعتبار الآتي (مدته) أي مدة قصدها وإلا لم تحل له ولزمه السفر لها إن أمكن انتقالها معه لبلده وإلا فكالعدم؛ لأن في تكليفه التغريب أعظم مشقة، ولا يلزم قبول هبة مهر أو أمة؛ للمنة.
[تنبيه] التفصيل المذكور في الحرة الغائبة التي يريد تزوجها يأتي فيما لو غابت زوجته وكذا يأتي فيما لو غاب ماله، نعم لا فرق في المال بين أن يكون على مرحلتين أو أقل؛ احتياطا لخوف الوقوع في الزنا.
[فرع] ليس للمحجور عليه بفلس نكاح أمة ؛ لأنه متهم في دعواه خوف الزنا لأجل الغرماء، نعم تحل له باطنا؛ لعجزه. (ولو وجد حرة) ترضى (بمؤجل) ولم يجد المهر وهو يتوقع القدرة عليه عند المحل ولو من جهة ظاهرة (أو بدون مهر مثل) وهو يجده (فالأصح حل أمة في الأولى)؛ لأنه قد لا يجد وفاءً فتصير ذمته مشغولة. ولا يكلف بيع ما يبقى في الفطرة، ومنه مسكنه وخادمه الذي يحتاج إليه ولو أمة لا تحل أو لا تصلح للخدمة، نعم يتجه في نحو خادم أو مسكن نفيس قدر على بيعه وتحصيل خادم ومسكن لائق ومهر حرة أنه يلزمه (دون الثانية)؛ لاعتياد المسامحة في المهور فلا منة بخلاف المسامحة به كله؛ لأنه لم يعتد مع لزومه له بالوطء.
(و) ثالثها (أن يخاف) ولو خصيا (زنا) بأن يتوقعه لا على الندور (١) بأن تغلب شهوته تقواه بخلاف من غلبت تقواه أو مروءته المانعة منه أو اعتدلا، وذلك؛ لقوله تعالى ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ النساء: ٢٥ أي الزنا، والمرعي عندنا عمومه فلو خافه من أمة بعينها لقوة ميله إليها
стр. 1278
فَلَوْ أَمْكَنَهُ تَسَرٍّ فَلَا خَوْفَ فِي الْأَصَحِّ، وَإِسْلَامُهَا، وَتَحِلُّ لِحُرٍّ وَعَبْدٍ كِتَابِيَّيْنِ أَمَةٌ كِتَابِيَّةٌ عَلَى الصَّحِيحِ، لَا لِعَبْدٍ مُسْلِمٍ فِي المَشْهُورِ، وَمَنْ بَعْضُهَا رَقِيقٌ كَرَقِيقَةٍ. وَلَوْ نَكَحَ حُرٌّ أَمَةً بِشَرْطِهِ ثُمَّ أَيْسَرَ أَوْ نَكَحَ حُرَّةً لَمْ تَنْفَسِخِ الْأَمَةُ،
لم تحل له وإن فقد الطول. ولا تحلّ للمجبوب (١) أو العنين أو الممسوح (٢) بخلاف المجنون فيتزوجها إذا أعسر وخيف عليه العنت. وليس لمن توفرت فيه شروط نكاح الأمة نكاح أمة لا تصلح للوطء كصغيرة لا توطأ ورتقاء وقرناء؛ لأنه لا يأمن به العنت (فلو) كان معه مال لا يقدر به على حرة، و (أمكنه تسرٍّ) بشراء صالحة للاستمتاع به بأن قدر عليها بثمن مثلها فاضلا عما مر (فلا خوف) من الزنا حينئذ فلا تحل له الأمة (في الأصح)؛ لأمنه العنت به فلا حاجة لإرقاق ولده، فإن كانت بملكه فكذلك قطعا.
(و) رابعها (إسلامها) فلا يحل لمسلم نكاح أمة كتابية؛ لقوله ﵎ ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ النساء: ٢٥، بل أمة مسلمة وإن كانت لكافر، (وتحل لحر وعبد كتابيين أمة كتابية على الصحيح)؛ لتكافئهما في الدين. ويشترط عند ترافعهم إلينا -لا مطلقا؛ لصحة أنكحتهم- خوف العنت وفقد طول الحرة؛ لأنهم جعلوه كالمسلم إلا في نكاح أمة كافرة (لا لعبد مسلم في المشهور)؛ لأن مدرك المنع فيها كفرها فاستوى فيها المسلم الحر والقن كالمرتدة، ويحل لمسلم وطء كتابية بالملك لا نحو مجوسية كما يأتي.
وخامسها: أن لا تكون موقوفة (٣) عليه ولا موصى له بخدمتها على التأبيد، ولا مملوكة لمكاتبه أو ولده (ومن بعضها رقيق كرقيقة) فلا ينكحها الحر إلا بالشروط السابقة؛ لأن إرقاق بعض الولد محذور أيضا، ومن ثم لو قدر على مبعضة وأمة لم تحل له الأمة. (ولو نكح حر أمة بشرطه ثم أيسر أو نكح حرة لم تنفسخ الأمة) أي نكاحها؛ لأنه يغتفر في الدوام لقوته بوقوع العقد صحيحا ما لا يغتفر في الابتداء، نعم طروُّ رق على كتابية زوجة حر مسلم يقطع نكاحها؛ لأن الرق أقوى تأثيرا من غيره.
стр. 1279
وَلَوْ جَمَعَ مَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ أَمَةٌ حُرَّةً وَأَمَةً بِعَقْدٍ بَطَلَتِ الْأَمَةُ، لَا الحُرَّةُ فِي الْأَظْهَرِ
(ولو جمع من) أي حر (لا تحل له أمة) أمتين بطلتا قطعا، أو (حرة وأمة بعقد) وقدم الحرة كزوجتك بنتي وأمتي بكذا، أو يكون وكيلا فيهما، أو وليا في واحد ووكيلا في الآخر فقبلهما (بطلت الأمة) قطعا؛ لأن شرط نكاحها فقد القدرة على الحرة (لا الحرة في الأظهر)؛ تفريقا للصفقة. أو جمعهما من تحل له كأن وجد حرة بمؤجل أو بلا مهر بطلت الأمة قطعا أيضا وفي الحرة طريقان والراجح عدم بطلانها فالتقييد بمن لا تحل له؛ لأن الأظهر إنما يأتي فيه، أما من فيه رق فيصح جمعهما إلا أن تكون الأمة كتابية وهو مسلم، وأما بعقدين كزوجتك بنتي بألف وأمتي بمائة فقبل البنت ثم الأمة فإنه يصح في الحرة قطعا وفي هذه (١) لو قدم الأمة إيجابا وقبولا وهي تحل له صحّ نكاحهما؛ لأنه لم يقبل الحرة إلا بعد صحة نكاح الأمة، ولو فصل في الإيجاب فجمع في القبول أو عكس فكذلك (٢).
[فرع] نكاح الأمة الفاسد كالصحيح في أن الولد رقيق ما لم يشرط في أحدهما عتقه بصيغة تعليق لا مطلقا ، ومع هذا الشرط بصيغة التعليق لا تحل الأمة؛ لأن بقاءها بملك الشارط المقتضي لحرية الولد غير متيقن (٣).
стр. 1280
فصل
يَحْرُمُ نِكَاحُ مَنْ لَا كِتَابَ لَهَا كَوَثَنِيَّةٍ وَمَجُوسِيَّةٍ. وَتَحِلُّ كِتَابِيَّةٌ، لَكِنْ يُكْرَهُ حَرْبِيَّةٌ وَكَذَا ذِمِّيَّةٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَالْكِتَابِيَّةُ يَهُودِيَّةٌ أَوْ نَصْرَانِيَّةٌ لَا مُتَمَسِّكَةٌ بِالزَّبُورِ وَغَيْرِهِ،
(فصل) في حل نكاح الكافرة وتوابعه
(يحرم) على مسلم وكذا كتابي ووثني ومجوسي ونحوهما (نكاح من لا كتاب لها كوثنية) أي عابدة وثن أي صنم (ومجوسية) وعابدة نحو شمس وقمر وصورة، ووطؤها بملك اليمين (١)؛ لقوله تعالى ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ البقرة: ٢٢١ خرجت الكتابية؛ لما يأتي فيبقى من عداها على عمومه. (وتحل كتابية (٢) لمسلم وكتابي وكذا مجوسي، وذلك؛ لقوله تعالى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ المائدة: ٥ أي حِلٌّ لكم، نعم الأصح حرمتها عليه ﷺ نكاحا لا تسريا، (لكن يكره) للمسلم حيث لم يخش العنت كتابية (حربية) ولو تسريا؛ لئلا يرق ولدها إذا سبيت حاملا فإنها لا تصدق أن حملها من مسلم ولأن في الإقامة بدار الحرب تكثير سوادهم، ومن ثَمَّ كرهت مسلمة مقيمة ثَمَّ (وكذا ذمية على الصحيح)؛ لئلا تفتنه -بفرط ميله إليها- أو ولده وإن كان الغالب ميل النساء إلى دين أزواجهن وإيثارهم على الآباء والأمهات، نعم الكراهة في الذمة أخف منها في الحربية، نعم قد يندب نكاحها إذا رجي به إسلامها ولم يخش فتنة بها بوجه، ومحل الكراهة إن وَجَدَ مسلمة أي تصلي وإلا فهي أولى من مسلمة لا تصلي إن كان قوي الإيمان والعلم (٣) (والكتابية يهودية أو نصرانية)؛ لقوله تعالى ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ الأنعام: ١٥٦ (لا متمسكة بالزبور وغيره) فلا تحل وإن أقروا بالجزية سواء أثبت تمسكها بذلك بقولها أم بالتواتر أم بشهادة عدلين أسلما؛ لأنه أوصي إليهم
стр. 1281
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْكِتَابِيَّةُ إسْرَائِيلِيَّةً فَالْأَظْهَرُ حِلُّهَا إنْ عُلِمَ دُخُولُ قَوْمِهَا فِي ذَلِكَ الدِّينِ قَبْلَ نَسْخِهِ وَتَحْرِيفِهِ، وَقِيلَ يَكْفِي قَبْلَ نَسْخِهِ. وَالْكِتَابِيَّةُ المَنْكُوحَةُ كَمُسْلِمَةٍ فِي نَفَقَةٍ وَقَسْمٍ وَطَلَاقٍ، وَتُجْبَرُ عَلَى غُسْلِ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ،
معانيها لا ألفاظها أو لكونها حِكَما ومواعظ لا أحكاما وشرائع (فإن لم تكن الكتابية) أي لم يتحقق كونها (إسرائيلية) بأن عرف أنها غير إسرائيلية أو شك أهي إسرائيلية أو غيرها؟ (فالأظهر حلها) للمسلم والكتابي (إن علم) بالتواتر أو ظن ظنا قويا بشهادة عند قاضٍ من عدلين أسلما لا بقول المتعاقدين، ثم إن اشتراط نحو شهادة العدلين إنما هو للحل ظاهرا، أما باطناً فيكفي ولو إخبار شاهدٍ عدل (دخول قومها) أي أول آبائها (في ذلك الدين) أي دين موسى أو عيسى صلى الله على نبينا وعليهما وسلم (قبل نسخه وتحريفه) أو قبل نسخه وبعد تحريفه واجتنبوا المحرف يقينا؛ لتمسكهم به حين كان حقا فالحل لفضيلة الدين وحدها، (وقيل يكفي) دخولهم بعد تحريفه وإن لم يجتنبوا المحرف إذا كان ذلك (قبل نسخه)؛ لأن الصحابة ﵃ تزوجوا منهم ولم يبحثوا. وخرج بعلم ما لو شك هل دخلوا قبل التحريف أو بعده أو قبل النسخ أو بعده فلا تحل مناكحتهم ولا ذبائحهم؛ أخذا بالأحوط، وبـ ((قبل ذلك)) -الذي ذكره وذكرناه- ما لو دخلوا بعد التحريف ولم يجتنبوا ولو احتمالا أو بعد النسخ كمن تهود أو تنصر بعد بعثة نبينا ﷺ أو تهود بعد بعثة عيسى؛ بناء على الأصح أنها ناسخة لشريعة موسى صلى الله عليهما وسلم. أما الإسرائيلية يقينا بالتواتر أو بقول عدلين لا المتعاقدين فتحل مطلقا؛ لشرف نسبها ما لم يتيقن دخول أول آبائها في ذلك الدين -أي دين موسى أو عيسى- بعد بعثته ﷺ فقط؛ لأن بعثته ﷺ ناسخة قطعا ولا يؤثر هنا تمسكهم بالمحرف قبل النسخ.
[تنبيه] المراد بقولهم هنا في الإسرائيلية وغيرها ((أول آبائها)) أول المنتقلين منهم، ويكفي في تحريمها دخول واحد من آبائها بعد النسخ أو التحريف على ما مر وإن لم ينتقل أحد منهم غيره؛ لأنها حينئذ صارت متولدة بين من يحل ومن تحرم، بل يكفي هنا بعض آبائها من جهة الأم. (والكتابية المنكوحة) الإسرائيلية وغيرها (كمسلمة) منكوحة (في نفقة) وكسوة ومسكن (وقسم وطلاق) وغيرها -ما عدا نحو التوارث والحد بقذفها-؛ لاشتراكهما في الزوجية المقتضية لذلك (وتجبر) كحليلة مسلمة أي له إجبارها (على غسل حيض ونفاس) عقب الانقطاع؛ لتوقف حل الوطء عليه، بل للحنفي أن يجبرها؛ لأنه احتياط عنده، فإن أبت
стр. 1282
وَكذَا جَنَابَةٌ، وَتَرْكِ أَكْلِ خِنْزِيرٍ فِي الْأَظْهَرِ، وَتُجْبَرُ هِيَ وَمُسْلِمَةٌ عَلَى غَسْلِ مَا نَجُسَ مِنْ أَعْضَائِهَا. وَتَحْرُمُ مُتَوَلِّدَةٌ مِنْ وَثَنِيٍّ وَكِتَابِيَّةٍ، وَكَذَا عَكْسُهُ فِي الْأَظْهَرِ، وَإِنْ خَالَفَتِ السَّامِرَةُ الْيَهُودَ وَالصَّابِئُونَ النَّصَارَى فِي أَصْلِ دِينِهِمْ حَرُمْنَ،
غسَّلها، وتشترط أن تنوي استباحة التمتع إذا اغتسلت اختيارا كمغسل المجنونة والممتنعة، ولا يشترط ذلك في مكرهة على غسلها؛ للضرورة مع عدم مباشرته للفعل، (وكذا جنابة) أي غسلها ولو فورا وإن كانت غير مكلفة (وترك أكل خنزير) وشرب ما يسكر وإن اعتقدت حله، ونحو بصل نيئ، وإزالة وسخ وشعر ولو بنحو إبط وظفر ككلِّ منفِّرٍ عن كمال التمتع (في الأظهر)؛ لما في مخالفة كل مما ذكر من الاستقذار (وتجبر هي ومسلمة على غسل ما تنجَّس من أعضائها) وشيء من بدنها ولو بمعفو عنه؛ لتوقف كمال التمتع على ذلك، وغسل نجاسة ملبوس ظهر ريحها أو لونها، وعلى عدم لبس نجس أو ذي ريح كريه، وخروج ولو لمسجد أو كنيسة، واستعمال دواء يمنع الحمل، وإلقاء أو إفساد نطفة استقرت في الرحم؛ لحرمته ولو قبل تخلقها، وعلى فعل ما اعتاده منها حال التمتع مما يدعو إليه ويرغب فيه، نعم لا تجبر على مكروه ككلام حال جماع (١). (وتحرم متولدة من وثني) أو مجوسي وإن علا (وكتابية) جزما؛ لأن الانتساب إلى الأب وهو لا تحل مناكحته (وكذا عكسه) فتحرم متولدة من كتابي ونحو وثنية (في الأظهر)؛ تغليبا للتحريم إلا إن بلغت واختارت دين الكتابي منهما؛ لاستقلالها حينئذ (٢).
[تنبيه] المتولد بين آدمي أو آدمية ومغلظ لا يحلُّ مناكحته ولو لمن هو مثله وإن استويا في الدين (٣). ولو وطئ آدمي بهيمة فولدها الآدمي مملوك لمالكها ولا يلحق نسبه بنسب الواطئ حتى يرثه (٤). (وإن خالفت السامرة اليهود) وهم طائفة منهم، أصلهم السامري عابد العجل (والصابئون) من صبأ إذا رجع (النصارى) وهم طائفة منهم (في أصل دينهم) ولو احتمالا كأن نفوا الصانع أو عبدوا كوكبا (حرمن) كالمرتدين؛ لخروجهم عن ملتهم إلى نحو
стр. 1283
وَإِلَّا فَلَا. وَلَوْ تَهَوَّدَ نَصْرَانِيٌّ أَوْ عَكْسُهُ لَمْ يُقَرَّ فِي الْأَظْهَرِ، فَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً لَمْ تَحِلَّ لِمُسْلِمٍ، وَإِنْ كَانَتْ مَنْكُوحَتَهُ فَكَرِدَّةِ مُسْلِمَةٍ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ إلَّا الْإِسْلَامُ، وَفِي قَوْلٍ أَوْ دِينُهُ الْأَوَّلُ، وَلَوْ تَوَثَّنَ لَمْ يُقَرَّ، وَفِيمَا يُقْبَلُ الْقَوْلَانِ، وَلَوْ تَهَوَّدَ وَثَنِيٌّ أَوْ تَنَصَّرَ لَمْ يُقَرَّ، وَيَتَعَيَّنُ الْإِسْلَامُ كَمُسْلِمٍ ارْتَدَّ. وَلَا تَحِلُّ مُرْتَدَّةٌ لِأَحَدٍ، وَلَوِ ارْتَدَّ زَوْجَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا قَبْلَ دُخُولٍ تَنَجَّزَتْ الْفُرْقَةُ،
رأي القدماء الآتي (وإلا) يخالفوهم في ذلك بأن وافقوهم فيه يقينا وإنما خالفوهم في الفروع (فلا) يحرمن إن وجدت فيهم الشروط السابقة ما لم تكفرهم اليهود والنصارى كمبتدعة ملتنا، نعم قد تطلق الصابئة على المنسوبين لصابئ عم نوح ﵇ ولكن هؤلاء لا تحل مناكحتهم ولا ذبائحهم ولا يقرون بجزية وهم يعبدون الكواكب السبعة ويقولون أن الفلك حي ناطق. (ولو تهود نصراني أو عكسه) أي تنصر يهودي في دار الحرب أو دارنا (لم يقر في الأظهر)؛ لأنه أقر ببطلان ما انتقل عنه وكان مقرا ببطلان ما انتقل إليه فلم يُقرَّ كمسلم ارتد، وهذا التعلل من حيث الغالب وإلا فلو انتقل عقب بلوغه من يهودية إلى نصرانية لم يقر أيضا وإن كان لم يقر ببطلان النصرانية، (فإن كانت) المنتقلة (امرأة لم تحل لمسلم)؛ لأنها لا تقر كالمرتدة (وإن كانت) المنتقلة (منكوحته) أي المسلم، ومثله كافر لا يرى حل المنتقلة (فكردة مسلمة) فتتنجز الفرقة قبل الوطء، وكذا بعده إن لم تسلم قبل انقضاء العدة (ولا يقبل منه إلا الإسلام (١) إن لم يكن له أمان فنقتله إن ظفرنا به وإلا بُلِّغ مأمنه وفاء بأمانه (وفي قول) لا يقبل منه إلا الإسلام (أو) أي فيطلب منه الإسلام فإن أبى ورجع لـ (دينه الأول) لم يتعرض له؛ لأنه كان مُقَرَّا عليه (ولو توثن) كتابي (لم يقر)؛ لما مر (وفيما يقبل) منه (القولان) المذكوران، أظهرهما تعيُّن الإسلام، فإن أبى فكما مر من التفصيل بين من له أمان وغيره (ولو تهود وثني أو تنصر لم يقرَّ)؛ لذلك (ويتعين الإسلام كمسلم ارتد) ولم يجرِ هنا القولان؛ لأن المنتقل عنه أدون، فإن أبى فكما مر من التفصيل أيضا. (ولا تحل مرتدة لأحد) مسلم؛ لإهدارها، وكافر؛ لعلقة الإسلام، ومرتد؛ لإهداره أيضا. (ولو ارتد زوجان) معا (أو أحدهما قبل دخول) أي وطء أو وصول مني محترم لفرجها (تنجزت الفرقة)؛ لأن النكاح لم
стр. 1284
أَوْ بَعْدَهُ وُقِفَتْ، فَإِنْ جَمَعَهُمَا الْإِسْلَامُ فِي الْعِدَّةِ دَامَ النِّكَاحُ، وَإلَّا فَالفُرْقَةُ مِنَ الرِّدَّةِ وَيَحْرُمُ الْوَطْءُ فِي التَّوَقُّفِ وَلَا حَدَّ.
باب نكاح المشرك
أَسْلَمَ كِتَابِيٌّ أَوْ غَيْرُهُ وَتَحْتَهُ كِتَابِيَّةٌ دَامَ نِكَاحُهُ أَوْ وَثَنِيَّةٌ أَوْ مَجُوسِيَّةٌ فَتَخَلَّفَتْ قَبْلَ دُخُولٍ تَنَجَّزَتِ الْفُرْقَةُ، أَوْ بَعْدَهُ وَأَسْلَمَتْ فِي الْعِدَّةِ دَامَ نِكَاحُهُ، وَإِلَّا فَالْفُرْقَةُ مِنْ إسْلَامِهِ، وَلَوْ أَسْلَمَتْ وَأَصَرَّ فَكَعَكْسِهِ. وَلَوْ أَسْلَمَا مَعًا دَامَ النِّكَاحُ،
يتأكد لفقد غايته (أو) ارتدا أو أحدهما (بعده) أي الدخول (وقعت) الفرقة كطلاق وظهار وإيلاء، (فإن جمعهما الإسلام في العدة دام النكاح) بينهما؛ لتأكده ونفذ ما ذكر من نحو الطلاق (وإلا فالفرقة من) حين (الردة) منهما أو من أحدهما ولا ينفذ ما ذكر من نحو الطلاق (ويحرم الوطء في) مدة (التوقف)؛ لتزلزل ملك النكاح بإشرافه على الزوال (ولا حَدَّ) فيه؛ لشبهة بقاء النكاح، ومن ثم وجبت له عدة، نعم يعزَّر فليس له في زمن التوقف نكاح نحو أختها.
[تتمة] من قال لزوجته يا كافرة مريدا حقيقة الكفر جرى فيها ما تقرر في الردة، أو الشتم فلا، وكذا إن لم يرد شيئا؛ لأصل بقاء العصمة .
(باب نكاح المشرك)
هو هنا الكافر على أي ملة كان. لو (أسلم كتابي أو غيره) كمجوسي أو وثني (وتحته كتابية) حرة يحلُّ له نكاحها ابتداء، أو أمة وعتقت في العدة أو أسلمت فيها وهو ممن يحل له نكاح الأمة كما يعلم مما يأتي (دام نكاحه) إجماعا (أو) أسلم وتحته كتابية لا تحل، أو (وثنية أو مجوسية) مثلا (فتخلفت) عنه بأن لم تسلم معه (قبل دخول) أو استدخال ماء محترم (تنجزت الفرقة) بينهما؛ لما مر في الردة (أو) تخلفت (بعده) أي الدخول أو نحوه (وأسلمت في العدة دام نكاحه) إجماعا (وإلا) تسلم فيها بل أصرت لانقضائها وإن قارن الانقضاء إسلامها؛ تغليبا للمانع (فالفرقة) بينهما حاصلة (من) حين (إسلامه) إجماعا. (ولو أسلمت) زوجة كافر (وأصرَّ) زوجها على كفره كتابيا كان أو غيره (فكعكسه) المذكور، فإن كان قبل نحو وطء تنجزت الفرقة أو بعده وأسلم في العدة دام نكاحه وإلا فالفرقة من حين إسلامها، والفرقة في هذه وما قبلها فرقة فسخ لا طلاق؛ لأنها بغير اختيارهما. (ولو أسلما معا) قبل وطء أو بعده (دام النكاح)
стр. 1285
وَالمَعِيَّةُ بِآخِرِ اللَّفْظِ. وَحَيْثُ أَدَمْنَا لَا تَضُرُّ مُقَارَنَةُ الْعَقْدِ لِمُفْسِدٍ هُوَ زَائِلٌ عِنْدَ الْإِسْلَامِ وَكَانَتْ بِحَيْثُ تَحِلُّ لَهُ الْآنَ، وَإِنْ بَقِيَ المُفْسِدُ فَلَا نِكَاحَ فَيُقَرُّ عَلَى نِكَاحٍ بِلَا وَلِيٍّ وَلا شُهُودٍ، وَفِي عِدَّةٍ هِيَ مُنْقَضِيَةٌ عِنْدَ الْإِسْلَامِ، وَمُؤَقَّتٍ، إنِ اعْتَقَدُوهُ مُؤَبَّدًا،
بينهما إجماعا على أي كفر كانا (والمعية) في الإسلام إنما تعتبر (بآخر اللفظ) المحصل له؛ لأن المدار في حصوله عليه دون أوله ووسطه.
[تنبيه] يجرى ما ذكر في غير هذا المحل، وعليه فلو شرع في كلمة الشهادة فمات مورثه بعد أولها وقبل آخرها لم يرثه، نعم لو أسلمت الزوجة البالغة وكان إسلامها مع أسلام أبي زوجها الصغير أو المجنون والحال أن زوجها لم يدخل بها دام النكاح (١)؛ لأن الشارع نزَّل نطق الأب منزلة نطق الطفل والمجنون فكأن نطقهما وقع في زمن واحد، فإن أسلمت عقب إسلام الأب بطل، ويأتي ذلك في إسلام أبي الزوجة الطفلة أو المجنونة مع الزوج البالغ قبل نحو الوطء. (وحيث أدمنا النكاح لا تضر مقارنة العقد) أي عقد النكاح الواقع في الكفر (لمفسد) من مفسدات النكاح (هو زائل عند الإسلام)؛ لأن الشروط لما أُلغي اعتبارُها حال نكاح الكافر رخصة وجب اعتبارها حال التزام أحكامنا بالإسلام؛ لئلا يخلو العقد عن شرطه في الحالين معا، نعم إن اعتقدوا إفساد المفسد الزائل فلا تقرير. ولو اختلف دين قوم الزوج والزوجة اعتبر الأول (وكانت بحيث تحل له الآن) أي يحل له ابتداء نكاحها وقت الإسلام (وإن بقي المفسد) المقارن لعقد الكفر إلى وقت إسلام أحدهما بحيث كانت محرمة عليه وقته كنكاح مَحْرَم وملاعنة ومطلقة ثلاثا قبل تحليل. (فلا نكاح) بينهما؛ لامتناع ابتدائه حينئذ، إذا تقرر ذلك (فيقر على نكاح بلا ولي ولا شهود) أو مع إكراه أو نحوه؛ لحل نكاحها الآن، فالضابط أن تكون الآن بحيث يحل ابتداء نكاحها مع تَقَدُّم ما تسمى به زوجة عندهم (و) يقر على نكاح وقع (في عدة) للغير سواء عدة الشبهة وغيرها (هي منقضية عند الإسلام) بخلافها إذا بقيت؛ لما تقرر (و) يقر على غصب حربي أو ذمي لحربية إن اعتقدوه نكاحا، وعلى نكاح (مؤقت إن اعتقدوه مؤبدا)؛ إلغاء لذكر الوقت بخلاف ما إذا اعتقدوه مؤقتا فإنهم لا يقرون عليه وإن أسلما قبل تمام المدة؛ لأن بعدها لا نكاح في اعتقادهم وقبلها يعتقدونه مؤقتا ومثله لا
стр. 1286
وَكَذَا لَوْ قَارَنَ الْإِسْلَامَ عِدَّةُ شُبْهَةٍ عَلَى المَذْهَبِ، لَا نِكَاحُ مَحْرَمٍ. وَلَوْ أَسْلَمَ ثُمَّ أَحْرَمَ ثُمَّ أَسْلَمَتْ وَهُوَ مُحْرِمٌ أُقِرَّ عَلَى المَذْهَبِ. وَلَوْ نَكَحَ حُرَّةً وَأَمَةً وَأَسْلَمُوا تَعَيَّنَتِ الحُرَّةُ وَانْدَفَعَتِ الْأَمَةُ عَلَى المَذْهَبِ. وَنِكَاحُ الْكُفَّارِ صَحِيحٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ فَاسِدٌ، وَقِيلَ إنْ أَسْلَمَ وَقُرِّرَ تَبَيَّنَّا صِحَّتَهُ، وَإِلَّا فَلَا، فَعَلَى الصَّحِيحِ لَوْ طَلَّقَ ثَلَاثًا ثُمَّ أَسْلَمَا لَمْ تَحِلَّ بِمُحَلِّلٍ
يحل ابتداؤه. (وكذا) يقر (لو قارن الإسلام) من أحدهما أو منهما (عدة شبهة) كأن أسلم فوطئت بشبهة ثم أسلمت أو عكسه، أو وطئت بشبهة ثم أسلما في عدتها (على المذهب) وإن امتنع ابتداء نكاح المعتدة؛ لأن طرو عدة الشبهة لا يقطع نكاح المسلم فهذا أولى، نعم إن حَرَّمها وطء ذي الشبهة عليه لكونه أباه أو ابنه فلا تقرير، وحيث لم يقترن بمفسد لا يؤثر اعتقادهم لفساده؛ لأنه لا رخصة في رعاية اعتقادهم حينئذ (لا نكاح محرم) كبنته وزوجة أبيه فإنه لا يقر عليه إجماعا، نعم لا نتعرض لهم فيه إلا إن ترافعوا إلينا، ولا نكاح زوجةٍ لآخر لكن حيث لم يقصد الاستيلاء عليها وهي حربية وإلا ملكها وانفسخ نكاح الأول، ولا نكاح بشرط الخيار ولو لأحدهما قبل انقضاء المدة إلا إن اعتقدوا إلغاء الشرط وأنه لا أثر له. (ولو أسلم ثم أحرم) بنسك (ثم أسلمت) في العدة (وهو محرم) أو أسلمت ثم أحرمت ثم أسلم في العدة وهي محرمة (أُقرَّ) النكاح بينهما (على المذهب)؛ لأن طرو الإحرام لا يؤثر في نكاح المسلم فهذا أولى نظير ما مر. أما لو أسلما معا ثم أحرم أحدهما فيقر جزما. (ولو نكح حرة) صالحة للتمتع (وأمة) معا أو مرتبا (وأسلموا) أي الثلاثة معا ولو قبل وطء أو أسلمت الحرة قبله أو بعده في العدة (تعينت الحرة واندفعت الأمة على المذهب)؛ لامتناع نكاحها مع وجود حرة صالحة تحته، وكذا تندفع الأمة بيسار أو إعفاف طارئ قارن إسلامهما معا وإن فقد ابتداءً وإلا فلا وإن وجد ابتداء؛ لأن وقت اجتماعهما فيه هو وقت جواز نكاح الأمة. (ونكاح الكفار) الأصليين الذي لم يستوف شروطنا (صحيح) أي محكوم بصحته لكن لا نقرهم عليه لو ترافعوا إلينا (١)، وإنما صحّ؛ رخصة وتخفيفا (على الصحيح)؛ لما مر من التخيير بين إحدى الأختين. أما ما استوفى شروطنا فهو صحيح جزما (وقيل فاسد، وقيل إن أسلم وقُرِّر) عليه (تَبَيَّنَا صحته وإلا فلا، فعلى الصحيح) وهو الحكم بصحة أنكحتهم (لو طلق) كتابية (ثلاثا) في الكفر ثم أسلم هو، أو غيرها (ثم أسلما) ولم تتحلل في الكفر (لم تحل) له (إلا بمحلل)
стр. 1287
وَمَنْ قُرِّرَتْ فَلَهَا المُسَمَّى الصَّحِيحُ. وَأَمَّا الْفَاسِدُ كَخَمْرٍ، فَإِنْ قَبَضَتْهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَلَا شَيْءَ لَهَا، وَإِلَّا فَمَهْرُ مِثْلٍ، وَإِنْ قَبَضَتْ بَعْضَهُ فَلَهَا قِسْطُ مَا بَقِيَ مِنْ مَهْرِ مِثْلٍ. وَمَنِ انْدَفَعَتْ بِإِسْلَامٍ بَعْدَ دُخُولٍ فَلَهَا المُسَمَّى الصَّحِيحُ إنْ صُحِّحَ نِكَاحُهُمْ، وَإِلَّا فَمَهْرُ مِثْلٍ
بشروطه السابقة وإن لم يعتقدوا وقوع الطلاق؛ إذ لا أثر لاعتقادهم مع الحكم بالصحة وعلى الأخيرين لا يقع. ولو نكحها في الشرك من غير محلل ثم أسلما لم يقر. ولو طلق أختين أو حرة وأمة ثلاثا ثلاثا قبل إسلام الكل لم ينكح واحدة إلا بمحلل، أو بعد إسلام لم ينكح مختارة الأختين للنكاح أو الحرة إلا بمحلل. (و) اعلم أنه كلما ثبتت الصحة للنكاح ثبت المسمى على غير قول الفساد، فحينئذ (من قررت فلها المسمى الصحيح)، أما على قول الفساد فالأوجه أن لها مهر المثل. (وأما) المسمى (الفاسد كخمر) معينة أو في الذمة (فإن قبضته) أي الرشيدة، أو قبضه ولي غيرها، أما إن قبضته غير الرشيدة بنفسها فيرجع لاعتقادهم (قبل الإسلام فلا شيء لها)؛ لانفصال الأمر بينهما قبل أن يجري عليهم حكمنا، نعم إن أصدقها حرا مسلما استرقوه فلها مهر المثل وإن قبضته قبل الإسلام؛ لأنا لا نقرهم في كفرهم عليه بخلاف نحو الخمر، وكالمسلم سائر ما يختص به كأم ولده. ويظهر أن الحر الذمي الذي بدارنا وما يختص به كذلك؛ لأنه يلزمنا الدفع عنهم، (وإلا) تقبضه قبل الإسلام (فلها مهر مثل)؛ لتعذر المطالبة بالخمر (وإن قبضت بعضه) في الكفر (فلها قسط ما بقي من مهر مثل)؛ لتعذر قبض البعض الآخر بالإسلام، نعم لو كانت حربية ومنعها من قبض ذلك البعض أو من قبض المسمى الصحيح قاصدا تملكه سقط كما لو نكحوا تفويضا واعتقادهم أن لا مهر للمفوضة بحال ثم أسلموا بعد وطء أو قبله فلا مهر؛ لأنه استحق وطئا بلا مهر. والاعتبار في تقسيط قدرها في صورة مثلي كخمر بالكيل، وفي صورة متقوم كخمرين زادت إحداهما بوصف يقتضي زيادة قيمتها وكخنزيرين بالقيمة عند من يراها، وبها أيضاً في صورة اجتماع المثلي والمتقوم كخمر وكلبين وثلاثة خنازير وقبضت أحد الأجناس أو بعضه. (ومن اندفعت بإسلام) منها أو منه (بعد دخول) أو استدخال مني محترم بأن أسلم أحدهما ولم يسلم الآخر في العدة (فلها المسمى الصحيح إن صحح نكاحهم)؛ لاستقراره بالدخول (وإلا) يصحح أو كان قد سمَّى فاسدا ولم تقبضه في الكفر (فمهر مثل) لها في مقابلة الوطء، فإن قبضت بعضه في الكفر فكما مر آنفا،
стр. 1288
أَوْ قَبْلَهُ وَصُحِّحَ، فَإِنْ كَانَ الِانْدِفَاعُ بِإِسْلَامِهَا فَلَا شَيْءَ لَهَا، أَوْ بِإِسْلَامِهِ فَنِصْفُ مُسَمًّى إنْ كَانَ صَحِيحًا، وَإِلَّا فَنِصْفُ مَهْرِ مِثْلٍ. وَلَوْ تَرَافَعَ إلَيْنَا ذِمِّيٌّ وَمُسْلِمٌ وَجَبَ الحُكْمُ، أَوْ ذِمِّيَّانِ وَجَبَ فِي الْأَظْهَرِ، وَنُقِرُّهُمْ عَلَى مَا نُقِرُّ لَوْ أَسْلَمُوا، وَنُبْطِلُ مَا لَا نُقِرُّ
(أو) اندفعت بإسلام (قبله) أي الدخول (وصحح) النكاح؛ لاستيفائه شرائطه أو على الأصح أنه محكوم بصحته (فإن كان الاندفاع بإسلامها فلا شيء لها)؛ لأن الفرقة من جهتها، وإذا لم يجب لها شيء مع صحته فأولى مع فساده؛ إذ الفرض أن لا وطء فقوله ((وصحح)) غير قيد هنا بل فيما بعده (أو بإسلامه) وصحح النكاح (فنصف مسمى إن كان) المسمى (صحيحا وإلا) يصح كخمر (فنصف مهر مثل) ككل تسمية فاسدة فإن لم يسم شيء فمتعة. أما إذا لم يصحح النكاح فلا شيء لها؛ لأن الموجب في النكاح الفاسد إنما هو الوطء أو نحوه ولم يوجد. (ولو ترافع إلينا) في نكاح أو غيره (ذمي) أو معاهد (ومسلم وجب) علينا (الحكم) بينهما جزما (أو ذميان) كيهوديين أو نصرانيين أو ذمي ومعاهد (وجب) الحكم بينهما (في الأظهر) قال تعالى ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ المائدة: ٤٩ وهي ناسخة كما صح عن ابن عباس ﵄ لقوله ﴿أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ المائدة: ٤٢، أما بين يهودي ونصراني فيجب جزما وقيل على الخلاف، لا معاهدان؛ لأنا لم نلتزم دفع بعضهم عن بعض وعليهما حمل التخيير فلا نسخ وهو أولى، وحيث وجب الحكم بينهما لم يشترط رضا الخصمين بل رضا أحدهما، ويعان الطالب منهما على إحضار خصمه، ولا يجب في الرضا الصراحة بل حضور أحدهما (١) وطلبه حضور الآخر كافي في اعتبار الرضا (ونقرهم) أي الكفار فيما ترافعوا فيه إلينا (على ما نقرهم) عليه (لو أسلموا ونبطل ما لا نقر) هم عليه لو أسلموا، فنقرهم على نحو نكاح خلا عن ولي وشهود لا على نحو نكاح مَحْرَم بخلاف ما لو علمناه فيهم ولم يترافعوا إلينا فيه فلا نتعرض لهم. ولو جاءنا من تحته أختان لطلب فرض النفقة مثلا أعرضنا عنه إلا إن رضي بحكمنا فنأمره باختيار إحداهما، ويجيبهم حاكمنا في تزويج كتابية لا ولي لها بشهود مِنَّا، ومن ثبت عليه منهم زنا أو سرقة يحدُّ -وإن لم يرض- أو شرب خمر لم يحد -وإن رضي-؛ لاعتقادهم حِلَّها. ولو تحاكموا إلينا بعد القبض في بيع فاسد أو قبله وقد اعتقدوه صحيحا لم نتعرض لهم وإلا
стр. 1289
فصل
أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ أَوْ فِي الْعِدَّةِ أَوْ كُنَّ كِتَابِيَّاتٍ لَزِمَهُ اخْتِيَارُ أَرْبَعٍ،
نقضناه، والحاصل أنهم متى نكحوا نكاحا أو عقدوا عقدا مختلا عندنا لم نتعرض لهم فيه، ثم إن ترافعوا إلينا فيه أو في شيء من آثاره وعلمنا اشتماله على المفسد نظرنا فإن كان سبب الفساد منقضيا أثره عند الترافع كالخلو عن الولي والشهود وكمقارنته لعدة انقضت وغير ذلك من كل مفسد انقضى وكانت بحيث تحل له الآن أقررناهم، وإن كانت بحيث لا تحل له عندنا فإن قوي المانع كنكاح أمة بلا شروطها ومطلقة ثلاثا قبل التحليل لم ننظر لاعتقادهم وفرقنا بينهم؛ احتياطا لرق الولد وللبضع، ومنه عدم الكفاءة؛ دفعا للعار، وإن ضعف المانع كمؤقت اعتقدوه مؤبدا ومشروط فيه نحو خيار ونكاح مغصوبة نظرنا لاعتقادهم فيه، وليس لنا البحث عن المفسد؛ لأن الأصل في أنكحتهم الصحة.
(فصل) في أحكام زوجات الكافر إذا أسلم وهُنَّ زائدات على العدد الشرعي
إذا (أسلم) كافر حر (وتحته أكثر من أربع) من الزوجات الحرائر (وأسلمن معه) ولو قبل وطء (أو) أسلمن قبله ثم أسلم هو أو عكسه بعد نحو وطء وهن (في العدة أو كن كتابيات) يحل للمسلم نكاحهن وإن لم يسلمن (لزمه) لزوما حتما (١) إن تأهل للاختيار؛ لكونه مكلفا أو سكرانا مختارا غير مرتد ولو مع إحرام وعدة شبهة (اختيار أربع) -ولو ضمنا بأن يختار الفسخ فيما زاد عليهن لحرمة الزائد عليهن- لا إمساكهن فله بعد اختيارهن فراقهن (منهن) ولو ميتات فيرثهن تقدمن أو تأخرن استوفى نكاحهن الشروط أم لم يستوفها كأن عقد عليهن معا؛ للخبر الصحيح السابق ((أنه ﷺ أمر من أسلم وتحته عشر نسوة أن يختار أربعا)) ولم يفصِّل له فدل على العموم، وإسلام من فيه رق على أكثر من ثنتين كإسلام الحر على أكثر من أربع هنا وفي جميع ما يأتي. ولو أسلم معه أو في العدة ثنتان ثم عتق ثم أسلمت الباقيات فيها لم يختر إلا ثنتين ولو من المتأخرات؛ لاستيفائه عدد العبيد قبل عتقه، أما من لم يتأهل كغير مكلف أسلم تبعا فيوقف اختياره لكماله، ونفقتهن في ماله وإن كن ألفا؛ لأنهن محبوسات
стр. 1290
وَيَنْدَفِعُ مَنْ زَادَ، وَإِنْ أَسْلَمَ مَعَهُ قَبْلَ دُخُولٍ أَوْ فِي الْعِدَّةِ أَرْبَعٌ فَقَطْ تَعَيَّنَ. وَلَوْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أُمٌّ وَبِنْتُهَا كِتَابِيَّتَانِ أَوْ أَسْلَمَتَا فَإِنْ دَخَلَ بِهِمَا حَرُمَتَا أَبَدًا، أَوْ لَا بِوَاحِدَةٍ تَعَيَّنَتِ الْبِنْتُ، وَفِي قَوْلٍ يَتَخَيَّرُ، أَوْ بِالْبِنْتِ تَعَيَّنَتْ، أَوْ بِالْأُمِّ حَرُمَتَا أَبَدًا، وَفِي قَوْلٍ تَبْقَى الْأُمُّ.
لحقه (ويندفع) باختياره الأربع نكاح (من زاد) منهن على الأربع المختارة لكن من حين الإسلام إن أسلموا معا وإلا فمن إسلام السابق من الزوج والمندفعة فتحسب العدة من حينئذ؛ لأنه السبب في الفرقة لا من حين الاختيار، وفرقتهن فرقة فسخ لا فرقة طلاق. ولو أسلمت على أكثر من زوج لم يكن لها اختيار، ثم إن ترتب النكاحان مثلا فهي للأول، وكذا تكون للأول إن كانت كتابية وأسلم الزوجان دونها أو الأول وحده، فإن مات الأول ثم أسلمت مع الثاني أقرَّت معه إن اعتقدوا صحته، أما إن وقع النكاحان معا فلا تقر مع واحد منهما مطلقا. (وإن أسلم) منهن (معه قبل دخول، أو) أسلم منهن بعده أو قبله (١) بعد الدخول (في العدة أربع فقط) بأن اجتمع إسلامه وإسلامهن قبل انقضائها وليس تحته كتابية (تَعَيَّن) واندفع نكاح من بقي؛ لتعذر إمساكهن بتخلفهن عنه في الأولى وعن العدة في الثانية. ولو أسلم أربع ثم هو قبل انقضاء عدتهن وتخلفت الباقيات حتى انقضت عدتهن من حين إسلامه أو مُتْن مشركات تعينت الأوليات؛ لما ذكر، فإن لم يتخلفن بل أسلمن قبل انقضاء عدتهن من حين إسلامه اختار أربعا كيف شاء؛ لاجتماع إسلامه وإسلام الكل قبل انقضاء عدتهن. (ولو أسلم وتحته أم وبنتها كتابيتان أو) غير كتابيتين ولكن (أسلمتا فإن دخل بهما) أو شك في عين المدخول بها (حرمتا أبدا) وإن قلنا بفساد أنكحتهم؛ لأن وطء كلٍّ بشبهة يحرم الأخرى ولكلٍّ المسمى إن صح وإلا فمهر مثل (أوْ لا) دخل (بواحدة) منهما أو شك هل دخل بواحدة منهما أوْ لا (تعينت البنت) واندفعت الأم؛ لحرمتها أبدا بالعقد على البنت؛ بناء على صحة أنكحتهم، (وفي قول يتخير)؛ بناء على فسادها. (أو) دخل (بالبنت) فقط (تعينت) البنت أيضا؛ لحرمة الأم أبدا بالعقد على البنت أو بوطئها (أو) دخل (بالأم حرمتا أبدا) الأم بالعقد على البنت؛ بناء على صحة أنكحتهم، وهي بوطء الأم، ولها مهر المثل بالوطء إن فسد المسمى (وفي قول تبقى الأم)؛ بناء على فساد أنكحتهم، ومن اندفعت منهما بلا وطء لها نصف المهر (٢)
стр. 1291
أَوْ وَتَحْتَهُ أَمَةٌ وأَسْلَمَتْ مَعَهُ، أَوْ فِي الْعِدَّةِ أُقِرَّ إنْ حَلَّتْ لَهُ الْأَمَةُ، وَإِنْ تَخَلَّفَتْ قَبْلَ دُخُولٍ تَنَجَّزَتِ الْفُرْقَةُ، أَوْ إمَاءٌ وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ أَوْ فِي الْعِدَّةِ اخْتَارَ أَمَةً إنْ حَلَّتْ لَهُ عِنْدَ اجْتِمَاعِ إسْلَامِهِ وَإِسْلَامِهِنَّ، وَإِلَّا انْدَفَعْنَ. أَوْ حُرَّةٌ وَإِمَاءٌ وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ أَوْ فِي الْعِدَّةِ تَعَيَّنَتْ وَانْدَفَعْنَ، وَإِنْ أَصَرَّتْ فَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا اخْتَارَ أَمَةً، وَلَوْ أَسْلَمَتْ وَعَتَقْنَ ثُمَّ أَسْلَمْنَ فِي الْعِدَّةِ فَكَحَرَائِرَ فَيَخْتَارُ أَرْبَعًا
(أو) أسلم حر (وتحته أمة) فقط (وأسلمت معه) قبل دخول أو بعده (أو) أسلمت بعده أو قبله (في العدة أقر) النكاح (إن حلت له الأمة) عند اجتماع إسلامه وإسلامها؛ لإعساره مع خوفه العنت حينئذ؛ لأنه يقر على ابتداء نكاحها حينئذ بخلاف ما إذا لم تحل له الآن، ولو طلقها في الحالة الأولى ثم أيسر حلت له رجعتها؛ لأن الرجعية زوجة (وإن تخلفت) عن إسلامه أو عكسه (قبل دخول تنجزت الفرقة)؛ لأن النكاح قبل الدخول لم يتأكد، والكتابية هنا كغيرها؛ لما مر من حرمة الأمة الكافرة على المسلم مطلقا. (أو) أسلم وتحته (إماء وأسلمن معه) ولو قبل وطء (أو) أسلمن قبله أو بعده (في العدة اختار أمة) واحدة منهن (إن حلت له) لوجود شروط نكاحها فيه (عند اجتماع إسلامه وإسلامهن) قيد في اختيار أمة من الكل، وذلك؛ لحل ابتداء نكاحها حينئذ وينفسخ نكاح البواقي، هذا إن كان حرا كله وإلا اختار ثنتين (وإلا) بأن لم تحل له الأمة عند اجتماع إسلامه وإسلامهن (اندفعن) كلهن من حين الإسلام؛ لحرمة ابتداء نكاح واحدة منهن حينئذ. ولو اختص الحلُّ بوجوده في بعضهن تعيَّن، فلو أسلم ذو ثلاثِ إماءٍ فأسلمت واحدة وهي تحل له ثم الأخريان وهما لا يحلان تعينت الأولى، أو الأولى والثالثة وهما يحلان دون الثانية اختار واحدة منهما. (أو) أسلم حر وتحته (حرة) تصلح للتمتع (وإماء وأسلمن) أي الحرة والإماء (معه) ولو قبل وطء (أو) أسلمن قبله أو بعده (في العدة تعينت) الحرة وإن ماتت أو ارتدت سواء أسلم الإماء قبلها أم بعدها أم بين إسلام الزوج وإسلامها (واندفعن) أي الإماء؛ لأنها تمنعهن ابتداء فكذا دواما، ومن ثم لو لم تصلح اختار واحدة منهن، (وإن أصرت) الحرة على الكفر وهي غير كتابية (فانقضت عدتها) وهي مصرة (اختار أمة) إن حلت له حينئذ؛ لتبين اندفاع الحرة من حين إسلامه فالحال حينئذ كما لو تمحضت الإماء، أما لو اختار أمة قبل انقضاء عدة الحرة فهو باطل وإن بان اندفاع الحرة؛ لوقوعه في غير وقته فيجدده بعد انقضاء عدتها (ولو أسلمت) الحرة (وعتقن) أي الإماء (ثم أسلمن في العدة فكحرائر) أصليات؛ لكمالهن قبل انقضاء عدتهن (فيختار) الحر منهن (أربعا)، وكذا لو أسلمن ثم عتقن ثم أسلم، أو عتقن ثم أسلمن ثم
стр. 1292
وَالِاخْتِيَارُ اخْتَرْتُكِ أَوْ قَرَّرْتُ نِكَاحَكِ أَوْ أَمْسَكْتُكِ أَوْ ثَبَّتُّكِ، وَالطَّلَاقُ اخْتِيَارٌ، لَا الظِّهَارُ وَالْإِيلَاءُ فِي الْأَصَحِّ، وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ اخْتِيَارٍ وَلَا فَسْخٍ. وَلَوْ حَصَرَ الِاخْتِيَارَ فِي خَمْسٍ انْدَفَعَ مَنْ زَادَ،
أسلم، وضابطه أن يعتقن قبل اجتماع إسلامه وإسلامهن، فإن تأخر عتقهن عن الإسلامين تعيَّنت الحرة إن كانت وصلحت وإلا اختار أمة تحل، وأُلحق مقارنة العتق لإسلامهن بتقدمه عليه.
(و) ألفاظ (الاختيار) منها (اخترتك) أو اخترت نكاحك أو تقريره أو حَبْسَك أو عقدك أو قررتك (أو قررت نكاحك أو أمسكتك) أو أمسكت نكاحك (أو ثبتك) أو ثبت نكاحك أو حبستك على النكاح، وكلها صرائح إلا ما حذف منه لفظ النكاح ومثله مرادفه كالزواج فكناية؛ بناء على جواز الاختيار بها نظرا إلى أنه إدامة ومجرد اختيار الفسخ للزائدات على الأربع يعيِّن الأربع للنكاح كما لو قال لهن أريدكن وإن لم يقل للزائدات لا أريدكن، نعم ((أريدكن للنكاح)) صريح ومع حذف النكاح كناية، ونحو فسخت أو أزلت أو رفعت أو صرفت نكاحك صريح فسخ، ونحو فسختك أو صرفتك كناية (والطلاق) بصريح أو كناية ولو معلقا كأن نوى بالفسخ طلاقا (اختيار) للمطلقة؛ إذ لا يخاطب به إلا الزوجة فإن طلق أربعا تَعَيَّنَّ للنكاح واندفع الباقي شرعا، نعم لفظ الفراق هنا فسخ وليس باختيار؛ لأن المتبادر منه الفسخ (لا الظهار والإيلاء) فليس أحدهما اختيارا (في الأصح)؛ لأن كلا من الظهار والإيلاء بالأجنبية أليق منه بالمنكوحة؛ لتحريمهما، فإن اختار المولى منها، أو المظاهر منها للنكاح حسبت مدة الإيلاء والظهار من وقت الاختيار؛ لأنها قبله كانت مترددة بين الزوجية وضدها، فيصير في الظهار عائدا إن لم يفارقها حالا. وليس الوطء اختيارا؛ لأن الاختيار ابتداء أو استدامة للنكاح وكل منهما لا يحصل به. (ولا يصح تعليق اختيارٍ، ولا فسخٍ) كإن دخلت فقد اخترت نكاحك أو فسخته (١)؛ لما تقرر أنه ابتداء أو استدامة للنكاح وكل منهما يمتنع تعليقه، نعم يصح تعليق الاختيار للنكاح ضمنا كإن دخلت فأنت طالق أو من دخلت فهي طالق؛ لأنه يغتفر في الضمني ما لا يغتفر في المستقل، وتصح نية الطلاق بلفظ الفسخ، وحينئذ يصح تعليقه؛ لكونه طلاقا كما مر. (ولو حصر الاختيار في خمس) مثلا (اندفع من زاد)
стр. 1293
وَعَلَيْهِ التَّعْيِينُ وَنَفَقَتُهُنَّ حَتَّى يَخْتَارَ، فَإِنْ تَرَكَ الِاخْتِيَارَ فِي النِّكَاحِ حُبِسَ. فَإِنْ مَاتَ قَبْلَهُ اعْتَدَّتْ حَامِلٌ بِهِ، وَذَاتُ أَشْهُرٍ وَغَيْرُ مَدْخُولٍ بِهَا بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ، وَذَاتُ أَقْرَاءٍ بِالْأَكْثَرِ مِنَ الْأَقْرَاءِ وَأَرْبَعَةِ وَعَشْرٍ، وَيُوقَفُ نَصِيبُ زَوْجَاتٍ حَتَّى يَصْطَلِحْنَ
على تلك المحصورات (وعليه التعيين) هنا، بل مطلقا لأربع في الحر وثنتين في غيره (ونفقتهن) أي الخمس وكذا كل من أسلم عليهن إذا لم يختر منهن شيئا وأراد بالنفقة ما يعم سائر المؤن (حتى يختار) الحر منهن أربعا وغيره ثنتين؛ لأنهن محبوسات بحكم النكاح، (فإن ترك الاختيار) أو التعيين (حبس) بأمر الحاكم وإن لم يطلبن ذلك؛ تعزيرا له إلى أن يأتي بالاختيار أو التعيين؛ لامتناعه من واجب لا يقوم غيره مقامه فيه، فإن استنظَر أنظره ثلاثة أيام؛ لأنها مدة التروي شرعا، فإن لم يفد فيه الحبس عزره بما يراه من ضرب وغيره، فإذا برئ من ألم الأول كرره وهكذا إلى أن يختار، ولا يجوز الابتداء بالضرب قبل الحبس. ويُخَلَّى نحو مجنون حتى يفيق ولا ينوب الحاكم عن الممتنع هنا؛ لأنه خيار شهوة. (فإن مات قبله) أي الاختيار (اعتدت حامل به) أي بوضع الحمل وإن كانت ذات أقراء (وذات أشهر وغير مدخول بها) وإن كانت ذات أقراء (بأربعة أشهر وعشر)؛ احتياطا لاحتمال الزوجية في كل منهن (وذات أقراء بالأكثر من) الباقي وقت الموت من (الأقراء) المحسوب ابتداؤها من حين إسلامهما إن أسلما معا وإلا فمن إسلام السابق (وأربعة) من الأشهر (وعشر) من الموت؛ لأن كلا يحتمل كونها زوجة فتلزمها عدة الوفاة، ومفارقة في الحياة فعليها الأقراء فوجب الاحتياط؛ لتحل بيقين (ويوقف) فيما إذا مات قبل الاختيار (نصيب زوجات) أسلمن كلهن من ربع أو ثمن بعول أو دونه؛ للعلم بأن فيهن أربع زوجات لكن جهلنا أعيانهن (حتى يصطلحن) على ذلك بتساوٍ أو تفاضلٍ لا من غير التركة، نعم إن كان فيهن محجور عليها لم يجز لوليها أن يصالح على أقل من حصتها من عددهن كالثمن إذا كن ثمانية؛ لأنا وإن لم نتيقن أنه حقها لكنها صاحبة يد على ثمن الموقوف. ولو طلب بعضهن شيئا قبل الصلح أعطي اليقين وإن لم يبرأ من الباقي، فلو كن ثمانيا فطلب أربع لم يعطين شيئا، أو خمس أعطين ربع الموقوف؛ لتيقن أن فيهن زوجة، أو ست فالنصف وهكذا. ولهنَّ قسمة ما أخذنه والتصرف فيه ولا ينقطع به تمام حقهن. أما إذا أسلم بعض والباقيات يصلحن للنكاح كثمان كتابيات أسلم منهن أربع، أو أربع كتابيات وأربع وثنيات وأسلم الوثنيات فلا شيء للمسلمات؛ لاحتمال أن الكتابيات هن الزوجات.
[تنبيه] لا يتوقف هذا الصلح على إقرار.
стр. 1294
فصل
أَسْلَمَا مَعًا اسْتَمَرَّتِ النَّفَقَةُ، وَلَوْ أَسْلَمَ وَأَصَرَّتْ حَتَّى انْقَضَتِ الْعِدَّةُ فَلَا، وَإِنْ أَسْلَمَتْ فِيهَا لَمْ تَسْتَحِقَّ لِمُدَّةِ التَّخَلُّفِ فِي الجَدِيدِ. وَلَوْ أَسْلَمَتْ أَوَّلًا فَأَسْلَمَ فِي الْعِدَّةِ أَوْ أَصَرَّ فَلَهَا نَفَقَةُ الْعِدَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَإِنِ ارْتَدَّتْ فَلَا نَفَقَةَ، وَإِنْ أَسْلَمَتْ فِي الْعِدَّةِ، وَلَوْ ارْتَدَّ فَلَهَا نَفَقَةُ الْعِدَّةِ
(فصل)
في مؤنة المسلمة أو المرتدة
لو (أسلما معا) قبل دخول أو بعده (استمرت النفقة)؛ لبقاء النكاح (ولو أسلم وأصرت حتى انقضت العدة) وليست كتابية (فلا) نفقة لها؛ لإساءتها بتخلفها عن الإسلام الواجب فورا من غير رخصة فلم يكن من جهته منع بوجه (وإن أسلمت فيها لم تستحق) نفقة (لمدة التخلف في الجديد)؛ لإساءتها بالتخلف أيضا وإن بان بإسلامها أنها زوجة، بل لو كان تخلفها لنحو صغر لم تستحق شيئا أيضا؛ لأن التخلف بمنزلة النشوز. ولو اختلفا فيمن سبق إسلامه منهما صدقت؛ لأنه يدعي مسقطا للنفقة التي كانت واجبة والأصل عدمه. (ولو أسلمت أوَّلا فأسلم في العدة أو أصرَّ) إلى انقضائها (فلها نفقة العدة على الصحيح)؛ لإحسانها وإساءته بالتخلف (وإن ارتدت) أو ارتدا معا (فلا نفقة) لها في مدة الردة (وإن أسلمت في العدة) كالناشز بل أولى، وتستحق النفقة من حين إسلامها ولو في غيبته بخلاف ما لو رجعت عن النشوز في غيبته؛ لزوال موجب السقوط بالإسلام هنا، وثم لا يزول النشوز إلا بالتمكين، ولا يحصل إلا بما يأتي في النفقات (ولو ارتد فلها نفقة العدة)؛ لأن المانع من جهته.
стр. 1295
باب الخيار في النكاح
وَجَدَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بِالْآخَرِ جُنُونًا أَوْ جُذَامًا أَوْ بَرَصًا، أَوْ وَجَدَهَا رَتْقَاءَ أَوْ قَرْنَاءَ، أَوْ وَجَدَتْهُ عِنِّينًا أَوْ مَجْبُوبًا ثَبَتَ الخِيَارُ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ،
(باب الخيار في النكاح) والإعفاف ونكاح العبد وغير ذلك مما ذكر تبعا
إذا (وجد أحد الزوجين بالآخر جنونا) -ولو متقطعا وإن قلَّ (١) أو لم يستحكم؛ لأنه يفضي للجناية- وهو مرض يزيل الشعور من القلب مع بقاء قوة الأعضاء وحركتها، ومثله الإغماء المأيوس من زواله (أو جذاما أو برصا) وإن قلّّ إن استحكم بقول خبيرين، وعلامة الأول اسوداد العضو، والثاني عدم احمراره وإن بولغ في قبضه (أو وجدها رتقاء) أي منسدا محل جماعها بلحم، ومثله ضيق المنفذ بحيث يتعذر دخول ذكر من بدنه كبدنها نحافة وضدها فرجها سواء أدَّى لإفضائها أم لا، وكما يخير بذلك فكذلك تتخير هي بكبر آلته بحيث يفضي كل موطوءة (أو قرناء) أي منسدا ذلك منها بعظم (٢) (أو وجدته) وهو بالغ عاقل (عنينا) أي به داء يمنع انتشار ذكره عن قبلها وإن قدر على غيرها، أو علمت بعنته قبل النكاح، ومنه من به مرض مأيوس من زواله ولا يمكن معه الجماع (أو مجبوبا) أي مقطوعا ذكره أو إلا دون قدر ذكر حشفة نفسه، فإن بقي قدرها وعجز عن الوطء به ضربت له المدة الآتية كالعنين (ثبت) للسليم الكاره لعيب الآخر، سواء الجاهل بالعيب، أو العالم به إذا انتقل لأفحش منه منظرا كأن كان باليد فانتقل للوجه لا لليد الأخرى (الخيار في فسخ النكاح) إن بقي العيب إلى الفسخ ولم يمت الآخر؛ كما ذهب إليه أكثر العلماء وصح عن عمر ﵁ في الثلاثة الأُوَل المشتركة بين الزوجين والقرن، ومثله لا يُفعل إلا عن توقيف، ولإجماع الصحابة ﵃ عليه في الجب والعنة. وخرج بهذه الخمسة غيرها كالعِذْيَُوط وهو فيهما من يُحْدِث عند الجماع، وفيه من ينزل قبل الإيلاج فلا خيار به مطلقا، وسيأتي الفسخ بالرق والإعسار، ولا يشكل ثبوت الخيار بما ذكر مع ما مر أنه شرط للكفاءة وأن شرط الفسخ الجهل به؛ لأن الفرض أنها أذنت
стр. 1296
وَقِيلَ إنْ وَجَدَ بِهِ مِثْلَ عَيْبِهِ فَلَا. وَلَوْ وَجَدَهُ خُنْثَى وَاضِحًا فَلَا خِيَارَ فِي الْأَظْهَرِ. وَلَوْ حَدَثَ بِهِ عَيْبٌ تَخَيَّرَتْ إلَّا عُنَّةً بَعْدَ دُخُولٍ، أَوْ بِهَا تَخَيَّرَ فِي الجَدِيدِ. وَلَا خِيَارَ لِوَلِيٍّ بِحَادِثٍ، وَكَذَا بِمُقَارِنٍ جَبٍّ وَعُنَّةٍ، وَيَتَخَيَّرُ بِمُقَارِنٍ جُنُونٍ، وَكَذَا جُذَامٌ وَبَرَصٌ فِي الْأَصَحِّ
في النكاح من معين أو من غير كفؤ فزوجها الولي منه بناء على أنه سليم فإذا هو معيب فيصح النكاح وتتخير هي وكذا هو كما يأتي، (وقيل إن وجد) أحدهما (به) أي الآخر (مثل عيبه) قدرا ومحلا وفحشا (فلا) خيار؛ لتساويهما حينئذ، والأصح أنه يتخير وإن كان ما به أفحش؛ لأن الإنسان يعاف من غيره ما لا يعاف من نفسه، والكلام في غير المجنونين المطبق جنونهما؛ لتعذر الفسخ حينئذ. ولو كان مجبوبا وهي رتقاء فلا خيار (١). (ولو وجده) أي أحد الزوجين الآخر (خنثى واضحا) بعلامة ظنية كالميل أو قطعية كالولادة (فلا خيار) له (في الأظهر)؛ لأنه لا يفوت مقصود النكاح، أما المشكل فلا يصح نكاحه كما مر. (ولو حدث) بعد العقد (به) أي الزوج (عيب) مما مر قبل الدخول أو بعده ولو بفعلها كأن جبت ذكره (تخيرت) بين فسخ النكاح وإدامته؛ لتضررها به كالمقارن (إلا عنَّة) حدثت به (بعد دخول) أي وطء بالمعنى السابق في التحليل فإنها لا تتخير؛ لأنها عرفت قدرته على الوطء ووصلت لحقها منه كتقرير المهر ووجود الإحصان مع رجاء زوالها وبه فارقت الجب، (أو) حدث (بها) عيب مما مر قبل دخول أو بعده (تخير في الجديد) كما لو حدث فيه، ولا نظر إلى أنه يمكنه الطلاق؛ لأن الفسخ يدفع عنه التشطير قبل الوطء ونقص العدد مطلقا. (ولا خيار لولي بحادث) بالزوج بعد عقد النكاح؛ لأن حقه في الكفاءة في الابتداء دون الدوام؛ لانتفاء العار فيه، ولهذا لو عتقت تحت قن ورضيت به لم يتخير، (وكذا) لا خيار له (بمقارن جب وعنة) للنكاح؛ إذ لا عار والضرر عليها فقط فيلزمه إجابتها إلى من فيه هذان العيبان المقارنان للنكاح وإلا كان عاضلا. وتتصور (٢) معرفة العنة المقارنة مع كونها لا تثبت إلا بعد العقد بأن يخبر بها معصوم مطلقا أو عن هذه بخصوصها (ويتخيَّر) الولي لا السيد (٣) (بمقارن جنون) وإن رضيت؛ لأنه يُعيَّر به (وكذا جذام وبرص) فيتخير بأحدهما إذا قارن (في الأصح)؛ لذلك وإن كانت مثل الزوج في
стр. 1297
وَالخِيَارُ عَلَى الْفَوْرِ، وَالْفَسْخُ قَبْلَ دُخُولٍ يُسْقِطُ المَهْرَ وَبَعْدَهُ الْأَصَحُّ أَنَّهُ يَجِبُ مَهْرُ مِثْلٍ إنْ فُسِخَ بِمُقَارِنٍ أَوْ بِحَادِثٍ بَيْنَ الْعَقْدِ وَالْوَطْءِ جَهِلَهُ الْوَاطِئُ، وَالمُسَمَّى إنْ حَدَثَ بَعْدَ وَطْءٍ. وَلَوِ انْفَسَخَ بِرِدَّةٍ بَعْدَ وَطْءٍ فَالمُسَمَّى. وَلَا يَرْجِعُ الزَّوْجُ بَعْدَ الْفَسْخِ بِالمَهْرِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ فِي الجَدِيدِ
العيب أو أزيد كما علم مما مر. (والخيار) المقتضي للفسخ بعيب مما مر بعد تحققه وهو في العنة بمضي السنة الآتية، وفي غيرها بثبوته عند الحاكم (على الفور) كما في البيع بجامع أنه خيار عيب فيبادر بالرفع للحاكم على الوجه السابق ثم وفي الشفعة، ثم بالفسخ بعد ثبوت سببه عنده وإلا سقط خياره، وتقبل دعواه الجهل بأصل ثبوت الخيار أو بفوريته إن أمكن بأن لا يكون مخالطا للعلماء مخالطة تستدعي عرفا معرفة ذلك، والمراد بالعلماء عارف بهذه المسألة وكذا يقال في نظائر ذلك. (والفسخ) بعيبه أو عيبها المقارن أو الحادث (قبل دخول يسقط المهر) والمتعة؛ لأنها إن كانت هي الفاسخة فواضح وإلا فهو بسببها فكأنها الفاسخة، (و) الفسخ (بعده) أي الدخول أو معه (الأصح أنه يجب) به (مهر مثل إن فُسِخ بـ) ـعيب به أو بها (مقارن) للعقد؛ لأنه إنما بذل المسمى ليستمتع بسليمة ولم توجد فكأن لا تسمية (أو) إن فسخ معه أو بعده (بحادث بين العقد والوطء) أو فسخ معه أو بعده بحادث معه (جهله الواطئ)؛ لما ذكر. أما إذا علمه ثم وطئ فلا خيار؛ لرضاه به. (و) الأصح أنه يجب (المسمى إن) فسخ بعد وطء وقد (حدث) العيب (بعد وطء)؛ لأنه لَمَّا استمتع بسليمة استقر ولم يعيَّر، والفسخ هنا يرفع العقد من حين وجود سبب الفسخ؛ لأن المعقود عليه المنافع وهي لا تقبض إلا بالاستيفاء. (ولو انفسخ) النكاح (بردة بعد وطء) بأن لم يجمعهما الإسلام في العدة (فالمسمى)؛ لأن الوطء قبلها قرره وهي لا تستند لسبب سابق، أما لو انفسخ النكاح بردة قبل الوطء فإن كانت منها فلا شيء لها أو منه تشطر المسمى، ثم إن وطئها جاهلة -أي بفسخ النكاح بالردة قبل الوطء- وكان ذلك الوطء في ردتها فلها مهر المثل أو في ردته فلها المثل وشطر المسمى.
[تنبيه] مر ما يعلم منه أن استدخال الماء المحترم ليس كالوطء هنا . (ولا يرجع الزوج بعد الفسخ بالمهر) الذي غرمه سواء المسمى ومهر المثل (على من غرَّه) من الولي أو الزوجة، وصورة التغرير من الزوجة أن يسكت الولي عن عيبها؛ لأنها أظهرت له أن الخاطب يعرف ذلك العيب، أو أن تعقد بنفسها ويحكم به حاكم يراه (في الجديد)؛ لاستيفائه منفعة البضع.
стр. 1298
وَيُشْتَرَطُ فِي الْعُنَّةِ رَفْعٌ إلَى حَاكِمٍ، وَكَذَا سَائِرُ الْعُيُوبِ فِي الْأَصَحِّ، وَتَثْبُتُ الْعُنَّةُ بِإِقْرَارِهِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ عَلَى إقْرَارِهِ، وَكَذَا بِيَمِينِهَا بَعْدَ نُكُولِهِ فِي الْأَصَحِّ، وَإِذَا ثَبَتَتْ ضَرَبَ الْقَاضِي لَهُ سَنَةً، بِطَلَبِهَا، فَإِذَا تَمَّتْ رَفَعَتْهُ إلَيْهِ فَإِنْ قَالَ وَطِئْتُ حُلِّفَ،
(ويشترط في) الفسخ لأجل (العنة رفع إلى الحاكم) جزما؛ لتوقف ثبوتها على مزيد نظر واجتهاد، ويغني عنه المُحكَّم بشرطه (١) ولو مع وجود القاضي، (وكذا سائر العيوب) أي باقيها يشترط في الفسخ بكل منها ذلك (في الأصح)؛ لأنه مجتهد فيه كالفسخ بالإعسار، فلو تراضيا بالفسخ بواحد منها من غير حاكم لم ينفذ، نعم لو لم تجد حاكما ولا محكما نفذ فسخها؛ للضرورة، (وتثبت العنة) إن سمعت دعواها بها بأن يكون مكلفا وهي غير رتقاء ولا قرناء كما علم مما مر (٢)، وغير أمة وإلا لزم بطلان نكاحها إن ادعت عنة مقارنة للعقد؛ لأن شرطه خوف العنت وهو لا يتصور من عنين (بإقراره) بها بين يدي الحاكم كسائر الحقوق (أو ببينة على إقراره) لا عليها؛ لتعذر اطلاع الشهود عليها، ومن ثم لم تسمع دعوى امرأة غير مكلف عليه بها؛ لعدم صحة إقراره بها، (وكذا) تثبت (بيمينها بعد نكوله) عن اليمين المسبوق بإنكاره (في الأصح)؛ لأنها تعرفها منه بقرائن حاله (وإذا ثبتت) العنة بوجه مما مر (ضرب القاضي له) ولو قنا كافرا؛ إذ ما يتعلق بالطبع لا يفترق فيه القن وغيره (سنة)؛ لقضاء عمر ﵁ بها (بطلبها)؛ لأن الحق لها ويكفي قولها ((أنا طالبة حقي بموجب الشرع)) وإن جهلت تفصيله، ولا يضرب القاضي ذلك بسكوتها، فإن ظنه لنحو دهش أو جهل نبهها إن شاء (فإذا تمت السنة) ولم يطأها (رفعته إليه) فورا؛ لامتناع استقلالها بالفسخ (فإن قال وطئت) فيها أو بعدها وهي ثيب أو بكر غوراء ولم تصدقه (حلف) إن طلبت يمينه أنه وطئها كما ادعى؛ لتعذر إثبات الوطء مع أن الأصل السلامة، أما بكر غير غوراء شهد أربع نسوة ببقاء بكارتها فتصدق هي؛ لأن الظاهر معها، نعم إن طلب الزوج اليمين حلِّفت. وكيفية حلفها أنه لم
стр. 1299
فَإِنْ نَكَلَ حُلِّفَتْ فَإِنْ حَلَفَتْ أَوْ أَقَرَّ اسْتَقَلَّتْ بِالْفَسْخِ، وَقِيلَ تَحْتَاجُ إلَى إذْنِ الْقَاضِي أَوْ فَسْخِهِ، وَلَوِ اعْتَزَلَتْهُ أَوْ مَرِضَتْ أَوْ حُبِسَتْ فِي المُدَّةِ لَمْ تُحْسَبْ، وَلَوْ رَضِيَتْ بَعْدَهَا بِهِ بَطَلَ حَقُّهَا، وَكَذَا لَوْ أَجَّلَتْهُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ نَكَحَ وَشُرِطَ فِيهَا إسْلَامٌ أَوْ فِي أَحَدِهِمَا نَسَبٌ أَوْ حُرِّيَّةٌ أَوْ غَيْرُهُمَا، فَأُخْلِفَ فَالْأَظْهَرُ صِحَّةُ النِّكَاحِ،
يصبها وأن بكارتها أصلية، ولو لم تزل البكارة -في غير الغوراء-؛ لرقة الذكر فهو وطٌء كاملٌ، وعليه فتجزئ في التحليل (١)، ولو امتهل أمهل يوما فأقل.
[تنبيه] تصديقه في الوطء مستثنى من قاعدة أن القول قول نافي الوطء ، (فإن نكل) عن اليمين (حلفت) هي أنه لم يطأها؛ إذ النكول كالإقرار (فإن حلفت) أنه لم يطأها (أو أقر) هو بذلك (استقلت) هي (بالفسخ). لكن بعد قول القاضي ثبتت العنة أو حق الفسخ فاختاري (وقيل يحتاج إلى إذن القاضي) لها في الفسخ (أو فسخه) بنفسه؛ لأنه محل نظر واجتهاد (ولو اعتزلته أو مرضت أو حبست في المدة) جميعها (لم تحسب) المدة؛ إذ لا أثر لها حينئذ فتستأنف سنة أخرى بخلاف ما لو وقع ذلك له فإنها تحسب عليه، نعم لا تحسب في مرضه وحبسه وسفره كرها؛ لعدم تقصيره. وخرج بجميعها بعضها كفصل منها فلا يجب الاستئناف بل ينتظر ذلك الفصل الذي وقع لها ذلك فيه فتكون معه فيه، ولا يضر انعزالها عنه فيما عداه، ولو كان الانعزال عنه يوما مثلا معينا من فصل قضت نظير ذلك اليوم (ولو رضيت بعدها) أي السنة (به بطل حقها) من الفسخ؛ لرضاها بالعيب. وخرج ببعدها رضاها قبل مضيها؛ لأنه إسقاط للحق قبل ثبوته (وكذا لو أجَّلته) زمنا آخر بعد المدة (على الصحيح)؛ لأنه على الفور والتأجيل مفوت له. (ولو نكح وشُرِطَ) في العقد (فيها إسلام) -أو فيه (٢) - إذا أراد تزوج كتابية (أو في أحدهما نسب أو حرية أو غيرهما) من الصفات الكاملة كبكارة أو ثيوبة، أو الناقصة ككونه قنا أو كونها قنة، أو التي لا ولا ككون أحدهما أبيض مثلا (فأخلف) المشروط، وقد أذن السيد فيما إذا بان قنا، وكان الزوج ممن تحل له الأمة إذا بانت قنة، وكانت الكافرة كتابية يحل نكاحها (فالأظهر صحة النكاح)؛ لأن خلف الشرط إذا لم يفسد البيع المتأثر بالشروط الفاسدة فالنكاح أولى. أما خلف العين كزوجني من زيد فزوجها من عمرو
стр. 1300
ثُمَّ إنْ بَانَ خَيْرًا مِمَّا شُرِطَ فَلَا خِيَارَ، وَإِنْ بَانَ دُونَهُ فَلَهَا الخِيَارُ، وَكَذَا لَهُ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ ظَنَّهَا مُسْلِمَةً أَوْ حُرَّةً فَبَانَتْ كِتَابِيَّةً أَوْ أَمَةً وَهِيَ تَحِلُّ لَهُ فَلَا خِيَارَ فِي الْأَظْهَرِ، وَلَوْ أَذِنَتْ فِي تَزْوِيجِهَا بِمَنْ ظَنَّتْهُ كُفْئًا فَبَانَ فِسْقُهُ أَوْ دَنَاءَةُ نَسَبِهِ أَوْ حِرْفَتِهِ فَلَا خِيَارَ لَهَا. قُلْتُ: وَلَوْ بَانَ مَعِيبًا أَوْ عَبْدًا فَلَهَا الخِيَارُ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَمَتَى فُسِخَ بِخُلْفٍ فَحُكْمُ المَهْرِ وَالرُّجُوعِ بِهِ عَلَى الْغَارِّ مَا سَبَقَ فِي الْعَيْبِ،
فيبطل جزما (ثم) إذا صح (إن بان) الموصوف -في غير العيب؛ لما مر فيه- مثل ما شرط، أو (خيرا مما شرط) كإسلام وبكارة وحرية بدل أضدادها صحَّ النكاح، وحينئذ (فلا خيار)؛ لأنه مساو أو أكمل (وإن بان دونه) أي المشروط (فلها الخيار)؛ للخلف، نعم إذا بان نسبه مثل نسبها أو أفضل لم تتخير وإن كان دون المشروط؛ إذ لا عار، وكذا لو شرطت حريته (١) فبان قنا وهي أمة، وأُخذ مما تقرر أنه متى بان مثل الشارط أو فوقه فلا خيار وإن كان دون المشروط، (وكذا له (٢) الخيار إن بانت دون ما شرط سواء هنا أيضا صفة الكمال وغيرها (في الأصح)؛ للغرر، نعم حكم النسب هنا وكونها أمة وهو عبد كالحكم في اشتراط نسبه وحريته، فلكل منهما الفسخ فورا ولو بغير قاضٍ (٣). (ولو ظنها مسلمة أو حرة) مثلا ولم يشرط ذلك (فبانت كتابية أو أمة وهي تحل له فلا خيار) له (في الأظهر)؛ لتقصيره بترك البحث أو الشرط. (ولو أذنت في تزويجها بمن ظنته كفؤا فبان فسقه أو دناءة نسبه أو حرفته فلا خيار لها)؛ لتقصيرها كوليها بترك ما ذكر (قلت: لو بان معيبا أو عبدا) وهي حرة (فلها الخيار والله أعلم) أما لو بان معيباً فلموافقة ما ظنته من السلامة للغالب في الناس، وأما في حالة ما لو بان عبداً فلأن نقص الرق يؤدي إلى تضررها بإشغال سيده له عنها بخدمته وبأنه لا ينفقها إلا نفقة المعسرين ويتعير ولدها برق أبيه. (ومتى فسخ) العقد (بخلف) لشرط أو ظن (فحكم المهر والرجوع به على الغار ما سبق) في الفسخ بالعيب فيسقط المهر قبل الوطء، لا معه، ولا بعده، ولا يرجع به لو غرمه على الغار، وحكم مؤن الزوجة في مدة العدة أنها لا تجب هنا وثم ككل مفسوخ