إنْ ظَاهَرْتُ مِنْ زَوْجَتِي الْأُخْرَى فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَظَاهَرَ صَارَ مُظَاهِرًا مِنْهُمَا، وَلَوْ قَالَ: إنْ ظَاهَرْتُ مِنْ فُلَانَةَ وَفُلَانَةُ أَجْنَبِيَّةٌ فَخَاطَبَهَا بِظِهَارٍ لَمْ يَصِرْ مُظَاهِرًا مِنْ زَوْجَتِهِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ اللَّفْظَ، فَلَوْ نَكَحَهَا وَظَاهَرَ مِنْهَا صَارَ مُظَاهِرًا، وَلَوْ قَالَ مِنْ فُلَانَةَ الْأَجْنَبِيَّةِ فَكَذَلِكَ، وَقِيلَ لَا يَصِيرُ مُظَاهِرًا، وَإِنْ نَكَحَهَا وَظَاهَرَ، وَلَوْ قَالَ: إنْ ظَاهَرْتُ مِنْهَا وَهِيَ أَجْنَبِيَّةٌ فَلَغْوٌ، وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ كَظَهْرِ أُمِّي وَلَمْ يَنْوِ أَوْ نَوَى الطَّلَاقَ أَوِ الظِّهَارَ أَوْ هُمَا أَوِ الظِّهَارَ بِأَنْتِ طَالِقٌ وَالطَّلَاقَ بِكَظَهْرِ أُمِّي طَلُقَتْ وَلَا ظِهَارَ،
(إن ظاهرت من زوجتي الأخرى فأنت عليَّ كظهر أمي فظاهر) منها (صار مظاهرا منهما)؛ عملا بمقتضى التنجيز والتعليق، بل قضية كلامهم هنا انعقاد الظهار وإن كان المعلق بفعله ناسيا أو جاهلا (١) وهو ممن يبالي بتعليقه. (ولو قال إن ظاهرت من فلانة) -ولم يقيد بشيء- فأنت عليٌ كظهر أمي (وفلانة) أي والحال أنها (أجنبية فخاطبها بظهار لم يصر مظاهرا من زوجته)؛ لعدم صحته من الأجنبية (إلا أن يريد اللفظ) أي التعليق على مجرد تلفظه بذلك فيصير مظاهرا من زوجته؛ لوجود المعلق عليه (فلو نكحها) أي الأجنبية (وظاهر منها) بعد نكاحه لها (صار مظاهرا) من تلك لوجود الصفة حينئذ (ولو قال) إن ظاهرت (من فلانة الأجنبية فكذلك) يكون مظاهرا من تلك إن نكح هذه ثم ظاهر منها وإلا فلا إلا أن يريد اللفظ. وذكر الأجنبية للتعريف لا للشرط؛ إذ وصف المعرفة لا يفيد تخصيصا بل توضيحا أو نحوه (وقيل) بل ذكرها للشرط والتخصيص، فحينئذ (لا يصير مظاهرا) من تلك (وإن نكحها) أي الأجنبية (وظاهر منها)؛ لخروجها عن كونها أجنبية. (ولو قال إن ظاهرت منها وهي أجنبية) فأنت علي كظهر أمي (فلغو) فلا شيء به مطلقا إلا إن أراد اللفظ وظاهر منها وهي أجنبية، وذلك ; لأن إتيانه بالجملة الحالية نص في الشرطية فكان تعليقا بمستحيل كإن بعت الخمر فأنت كظهر أمي ولم يقصد مجرد صورة البيع ثم باعها. (ولو قال أنت طالق كظهر أمي ولم ينو به) شيئا (أو نوى) بجميعه (الطلاق أو الظهار أو هما أو) نوى (الظهار بأنت طالق و) نوى (الطلاق بكظهر أمي) أو نوى بكلٍّ منهما على حدته الطلاق أو نواهما أو غيرهما بأنت طالق ونوى بكظهر أمي طلاقا، أو أطلق هذا ونوى بالأول شيئا مما ذكر أو أطلق الأول
стр. 1472
أَوِ الطَّلَاقَ بِأَنْتِ طَالِقٌ، وَالظِّهَارَ بِالْبَاقِي طَلُقَتْ وَحَصَلَ الظِّهَارُ إنْ كَانَ طَلَاقَ رَجْعَةٍ
فصل
عَلَى المُظَاهِرِ كَفَّارَةٌ إذَا عَادَ، وَهُوَ أَنْ يُمْسِكَهَا بَعْدَ ظِهَارِهِ زَمَنَ إمْكَانِ فُرْقَةٍ،
ونوى بالثاني شيئا مما ذكر غير الظهار، أو نوى بهما أو بكل منهما أو بالثاني غيرهما أو كان الطلاق بائنا (طلقت)؛ لإتيانه بصريح لفظ الطلاق وهو لا يقبل الصرف (ولا ظهار) أما عند بينونتها فواضح وأما عند عدمها فلأن لفظ الظهار -؛ لكونه لم يذكر قبله ((أنت)) وفصل بينه وبينها بطالق- وقع تابعا غير مستقل ولم ينوه بلفظه. ولفظه لا يصلح للطلاق كعكسه كما مر، نعم محل عدم وقوع طلقة ثانية به إذا نوى به الطلاق وهي رجعية ما إذا نوى ذلك الطلاق الذي أوقعه أو أطلق أما إذا نوى به طلاقا آخر غير الأول فيقع (١) ; لأنه لما خرج عن كونه صريحا في الظهار بوقوعه تابعا صح أن يكون كناية في الطلاق (أو) نوى (الطلاق بأنت طالق) أو لم ينو به شيئا أو نوى به الظهار أو غيره (و) نوى (الظهار) وحده أو مع الطلاق (بالباقي) أو نوى بكل منهما الظهار ولو مع الطلاق (طلقت)؛ لوجود لفظه الصريح (وحصل الظهار إن كان) الطلاق (طلاق رجعة)؛ لصحته من الرجعية مع صلاحية كظهر أمي لأن تكون كناية فيه بتقدير أنت قبله؛ لوجود قصده به، وكأنَّه قال أنت طالق أنت كظهر أمي، أما إذا كان بائنا فلا ظهار؛ لعدم صحته من البائن.
(فصل) فيما يترتب على الظهار
يجب (على المظاهر كفارة إذا عاد)؛ للآية السابقة، وموجب الكفارة الظهار والعود معاً، ولا ينافي ذلك وجوبها فورا (٢) مع أن أحد سببيها وهو العود غير معصية ; لأنه إذا اجتمع حلال وحرام ولم يمكن تميُّز أحدهما عن الآخر غلب الحرام (وهو) أي العود -في غير مؤقت وفي غير رجعية؛ لما يأتي فيهما- (أن يمسكها) على الزوجية ولو جهلا ونحوه (بعد) فراغ (ظهاره) -ولو مكررا؛ للتأكيد- وبعد علمه بوجود الصفة في المعلق وإن نسي أو جن عند وجودها (٣) كما مر (زمن إمكان فرقة) ; لأن تشبيهها بالمَحْرَم يقتضي فراقها فبعدم فعله صار عائدا فيما قال.
стр. 1473
فَلَوِ اتَّصَلَتْ بِهِ فُرْقَةٌ، بِمَوْتٍ أَوْ فَسْخٍ أَوْ طَلَاقٍ بَائِنٍ أَوْ رَجْعِيٍّ وَلَمْ يُرَاجِعْ أَوْ جُنَّ فَلَا عَوْدَ، وَكَذَا لَوْ مَلَكَهَا أَوْ لَاعَنَهَا فِي الْأَصَحِّ، بِشَرْطِ سَبْقِ الْقَذْفِ ظِهَارَهُ فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ رَاجَعَ أَوِ ارْتَدَّ، مُتَّصِلًا ثُمَّ أَسْلَمَ فَالمَذْهَبُ أَنَّهُ عَائِدٌ بِالرَّجْعَةِ، لَا الْإِسْلَامِ، بَلْ بَعْدَهُ، وَلَا تَسْقُطُ الْكَفَّارَةُ بَعْدَ الْعَوْدِ بِفُرْقَةٍ وَيَحْرُمُ قَبْلَ التَّكْفِيرِ وَطْءٌ،
[تنبيه] مرادهم هنا إمكان الفرقة شرعا فلا عود في نحو حائض إلا بالإمساك بعد انقطاع دمها ويؤيده ما مر أن الإكراه الشرعي كالحسي. (فلو اتصل به) أي لفظ الظهار (فرقة بموت) لأحدهما (أو فسخ) منه أو منها أو انفساخ بنحو ردة قبل وطء (أو طلاق بائن أو رجعي ولم يراجع أو جن) أو أغمي عليه عقب اللفظ (فلا عود) -للفرقة (١) أو تعذرها- فلا كفارة، ومحله إن لم يمسكها بعد الإفاقة، وصورة الطلاق بأن يقول أنت علي كظهر أمي أنت طالق، ويغتفر التطويل في كلماته فلو قال عقب ظهاره أنت يا فلانة بنت فلان الفلاني وأطال في اسمها ونسبها طالق لم يكن عائدا، وكذا لو قال لها عقب الظهار أنت طالق على ألف فلم تقبل فقال عقبه أنت طالق بلا عوض لم يكن عائدا، وكذا يا زانية أنت طالق (وكذا لو) كان قنا أو كانت قنة فعقب الظهار ملكته أو (ملكها) اختيارا بقبول نحو وصية أو شراء من غير سوم وتقدير ثمن ; لأنه لم يمسكها على النكاح، ولا يؤثر إرثها قطعا، ويؤثر قبول هبتها؛ لتوقفها على القبض ولو تقديرا بأن كانت بيده (أو لاعنها) عقب الظهار (في الأصح)؛ لاشتغاله بموجب الفراق وإن طالت كلمات اللعان (بشرط سبق القذف) والرفع للقاضي (ظهاره في الأصح) بخلاف ما لو ظاهر فقذف أو رفع للقاضي فلاعن فإنه عائد؛ لسهولة الفراق بغير ذلك. (ولو راجع) مَن ظاهر منها حال كونها رجعية، أو مَن طلقها رجعيا عقب الظهار (أو ارتد متصلا) بالظهار وهي موطوءة (ثم أسلم فالمذهب) بعد الاتفاق على عود أحكام الظهار (أنه عائد بالرجعة) وإن طلقها عقبها (لا بإسلام بل) إنما يعود بإمساكها (بعده) زمنا يسع الفرقة، والفرق أن مقصود الرجعة استباحة الوطء لا غير ومقصود الإسلام العود للدِّين الحق والاستباحة أمر يترتب عليه.
(ولا تسقط الكفارة بعد العود بفرقة)؛ لاستقرارها بالإمساك قبلها (ويحرم قبل التكفير) بعتق أو غيره (وطء)؛ للنص عليه في غير الإطعام وقياسا فيه، نعم الظهار المؤقت إذا انقضت مدته ولم يطأ لا يحرم الوطء؛
стр. 1474
وَكَذَا لَمْسٌ وَنَحْوُهُ بِشَهْوَةٍ فِي الْأَظْهَرِ قُلْت: الْأَظْهَرُ الجَوَازُ وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَيَصِحُّ الظِّهَارُ المُؤَقَّتُ مُؤَقَّتًا، وَفِي قَوْلٍ مُؤَبَّدًا، وَفِي قَوْلٍ لَغْوٌ، فَعَلَى الْأَوَّلِ الْأَصَحُّ أَنَّ عَوْدَهُ لَا يَحْصُلُ بِإِمْسَاكٍ بَلْ بِوَطْءٍ فِي المُدَّةِ وَيَجِبُ النَّزْعُ بِمُغَيِّبِ الحَشَفَةِ. وَلَوْ قَالَ: لِأَرْبَعٍ: أَنْتُنَّ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَمُظَاهِرٌ مِنْهُنَّ، فَإِنْ أَمْسَكَهُنَّ فَأَرْبَعُ كَفَّارَاتٍ، وَفِي الْقَدِيمِ كَفَّارَةٌ،
لارتفاعه بانقضائها، ومن ثم لو وطئ فيها لزمت الكفارة وحرم عليه الوطء حتى تنقضي أو يكفر (وكذا) يحرم (لمس ونحوه) من كل مباشرة -لا نظر- (بشهوة في الأظهر)؛ لإفضائه للوطء (قلت الأظهر الجواز والله أعلم) ; لأن الحرمة ليست لمعنى يخل بالنكاح فأشبه الحيض، ومن ثم حرم فيما بين السرة والركبة ما مر في الحائض. (ويصح الظهار المؤقت)؛ للخبر الصحيح ((أنه ﷺ أمر من ظاهر مؤقتا ثم وطئ في المدة بالتكفير))، وإذا صححناه كان (مؤقتا) كما التزمه وتغليبا لشبه اليمين (وقيل بل) يكون (مؤبدا)؛ تغليظا عليه وتغليبا لشبه الطلاق (وفي قول) هو (لغو، فعلى الأول) أي صحته مؤقتا (الأصح أن عوده) أي العود فيه (لا يحصل بإمساك بل بوطء) مشتمل على تغييب الحشفة أو قدرها من مقطوعها (في المدة)؛ للخبر المذكور. أما الوطء بعد المدة فلا عود به؛ لارتفاعه بها، فعلم تميُّز الظهار المؤقت عن المطلق بتوقف العود فيه على الوطء، وبحله قبل التكفير، وبحرمته كالمباشرة بعد إلى التكفير أو مضي المدة كما مرّ.
[تنبيه] لو قال أنت عليَّ كظهر أمي خمسة أشهر كان مظاهرا مؤقتا وموليا ؛ لامتناعه من وطئها فوق أربعة أشهر ; لأنه متى وطئ في المدة لزمه كفارة الظهار؛ لحصول العود، ولا يلزمه (١) كفارة يمين. (ويجب النزع بمغيب الحشفة) -أي عنده- كما في إن وطئتك فأنت طالق، ويصح تقييد الظهار بالمكان كالوقت فلا يعود إلا بالوطء فيه، وحينئذ تحرم (٢) حتى يكفر (٣) نظير المؤقت. (ولو قال لأربع أنتن عليَّ كظهر أمي فمظاهر منهن)؛ تغليبا لشبه الطلاق (فإن أمسكهن فأربع كفارات)؛ لوجود الظهار والعود في حق كل منهن، أو أمسك بعضهن وجبت فيه فقط (وفي القديم) عليه (كفارة) واحدة فقط؛ لاتحاد لفظه وتغليبا لشبه
стр. 1475
وَلَوْ ظَاهَرَ مِنْهُنَّ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ مُتَوَالِيَةٍ فَعَائِدٌ مِنَ الثَّلَاثِ الْأُوَلِ، وَلَوْ كَرَّرَ فِي امْرَأَةٍ مُتَّصِلًا وَقَصَدَ تَأْكِيدًا فَظِهَارٌ وَاحِدٌ، أَوِ اسْتِئْنَافًا فَالْأَظْهَرُ التَّعَدُّدُ، وَأَنَّهُ بِالمَرَّةِ الثَّانِيَةِ عَائِدٌ فِي الْأَوَّلِ
اليمين (ولو ظاهر منهن) ظهارا مطلقا (بأربع كلمات متوالية) وقوله متوالية مجرَّد تصوير (١) (فعائد من الثلاث الأُوَل)؛ لعوده في كلٍّ بظهار ما بعدها، فإن فارق الرابعة عقب ظهاره لزمه ثلاث كفارات وإلا فأربع. (ولو كرر) لفظ ظهار مطلق (في امرأة متصلا) كلُّ لفظ بما بعده (وقصد تأكيدا فظهار واحد) كالطلاق فيلزمه كفارة واحدة إن أمسكها عقب آخر مرة، أما مع تفاصلها بفوق سكتة تنفس وعي فلا يفيد قصد التأكيد. ولو قصد بالبعض تأكيدا وبالبعض استئنافا أُعطي كل حكمه (أو) قصد (استئنافا) ولو في إن دخلت فأنت عليَّ كظهر أمي وكرره (فالأظهر التعدد) كالطلاق لا اليمين؛ لأن المرجح في الظهار شبه الطلاق في نحو الصيغة، وإن أطلق فكالأول، وفارق الطلاق بأنه محصور مملوك فالظاهر استيفاؤه بخلاف الظهار. (و) الأظهر (أنه بالمرة الثانية عائد في) الظهار (الأول) ; لأن اشتغاله بها إمساك، أما المؤقت فلا تعدد فيه مطلقا؛ لعدم العود فيه قبل الوطء فهو كتكرير يمين على شيء واحد.
стр. 1476
كتاب الكفارة
يُشْتَرَطُ نِيَّتُهَا لَا تَعْيِينُهَا
(كِتَاب الكَفَّارَة)
من الكفر وهو الستر؛ لسترها الذنب بمحوه أو تخفيف إثمه بناء على أنها زواجر كالحدود والتعازير أو جوابر للخلل، وعلى الأول الممحو هو حق الله من حيث هو حقه، وأما بالنظر لنحو الفاسق بموجبها فلا بد فيه من التوبة نظير نحو الحد (١) (يشترط نيتها) بأن ينوي الإعتاق مثلا عنها لا الواجب عليه وإن لم يكن عليه غيره؛ لشموله النذر، نعم إن نوى أداء الواجب بالظهار مثلا كفى وذلك; لأنها للتطهير كالزكاة، نعم هي في كافر كفَّر بالإعتاق؛ للتمييز كما في قضاء الديون (٢)، ولا يكفر بالصوم؛ لأنه لا يصح منه الصوم; لأنه عبادة بدنية، ولا ينتقل عن الصوم للإطعام؛ لقدرته عليه بالإسلام، نعم إن كان عاجزا عن الصوم لنحو هرَم أو مرض جاز له أن يطعم وينوي حينئذٍ للتمييز أيضا، ويتصور ملك الكافر للمسلم بنحو إرث أو إسلام قنه أو يقول لمسلم أعتق قنك عن كفارتي فيجيب، فإن لم يمكنه شيء من ذلك وهو مظاهر موسر منع من الوطء؛ لقدرته على ملكه بأن يسلم فيشتريه، وأفاد قوله نيتها أنه لا يجب التعرض للفرضية; لأنها لا تكون إلا فرضا، وأنه لا تجب مقارنتها لنحو العتق، وعليه يجب قرنها بنحو عزل المال كما في الزكاة. ولو علم وجوب عتق عليه وشك أهو عن نذر أو كفارة ظهار أو قتل أجزأه بنية الواجب عليه؛ للضرورة ولأنه لو قال عن كذا أو كذا أو اجتهد وعين أحدها لم يجزئ عنه وإن بان أنه الواجب (لا تعيينها) عن ظهار مثلا; لأنها في معظم خصالها مائلة إلى الغرامات فاكتفي فيها بأصل النية، فلو أعتق من عليه كفارتا قتل
стр. 1477
وَخِصَالُ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ: عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ بِلَا عَيْبٍ يُخِلُّ بِالْعَمَلِ وَالْكَسْبِ فَيُجْزِئُ صَغِيرٌ وَ أَقْرَعُ وَ أَعْرَجُ يُمْكِنُهُ تِبَاعُ مَشْيٍ، وَأَعْوَرُ وَأَصَمُّ وَأَخْرَسُ وَأَخْشَمُ، وَفَاقِدُ أَنْفِهِ وَأُذُنَيْهِ، وَأَصَابِعِ رِجْلَيْهِ
وظهار رقبتين بنية كفارة ولم يعين أجزأ عنهما، أو رقبة كذلك أجزأ عن إحداهما مبهما وله صرفه إلى إحداهما ويتعين فلا يتمكن من صرفه إلى الأخرى كما لو أدى من عليه ديون بعضها مبهما فإن له تعيين بعضها للأداء، نعم لو نوى غير ما عليه غلطا -كأن نوى كفارة قتل وليس عليه إلا كفارة ظهار (١) - لم يجزئه (٢).
(وخصال كفارة الظهار) ثلاث (عتق رقبة (٣) فصوم فإطعام كما يفيده سياقه الآتي، وإنما يجزئ عنها عتق رقبة (مؤمنة) ولو تبعا لأصل أو دار أو ساب؛ حملا للمطلق في آية الظهار على المقيد في آية القتل بجامع عدم الإذن في السبب (بلا عيب يخل بالعمل والكسب) إخلالا بينا (٤) ; لأن القصد تكميل حاله ليتفرغ لوظائف الأحرار وذلك متوقف على استقلاله بكفاية نفسه والكسب (فيجزئ صغير) ولو عقب ولادته (٥)؛ لرجاء كبره كبرء المرض بخلاف الهَرِم، ويسن بالغ؛ خروجا من خلاف إيجابه (وأقرع) لا نبات برأسه لداء (وأعرج يمكنه) من غير مشقة لا تحتمل عادة (تباع المشي)؛ لقلة تأثيرهما في العمل بخلاف ما لا يمكنه ذلك (وأعور)؛ لذلك، نعم إن ضعف نظر سليمته وأخل بالعمل إخلالا بيِّنا لم يجزئه (وأصم وأخرس) يفهم إشارة غيره ويفهم غيره إشارته بما يحتاج إليه، ومن اقتصر على أحدهما اكتفى بتلازمهما غالبا. ويشترط فيمن ولد أخرس إسلامه تبعا أو بإشارته المفهمة -وإن لم يصلِّ- وإلا لم يجزئ عتقه (وأخشم) أي فاقد الشم (وفاقد أنفه وأذنيه وأصابع رجليه) جميعها وأسنانه وعنين ومجبوب ورتقاء وقرناء وأبرص ومجذوم وضعيف بطش ومن لا يحسن
стр. 1478
لَا زَمِنٌ وَلَا فَاقِدُ رِجْلٍ أَوْ خِنْصِرٍ وَبِنْصِرٍ مِنْ يَدٍ أَوْ أَنْمُلَتَيْنِ مِنْ غَيْرِهِمَا قُلْت: أَوْ أُنْمُلَةِ إبْهَامٍ، وَاَللهُ أَعْلَمُ، وَلَا هَرِمٌ عَاجِزٌ، وَ لَا مَنْ أَكْثَرُ وَقْتِهِ مَجْنُونٌ وَ لَا مَرِيضٌ لَا يُرْجَى، فَإِنْ بَرِئَ بَانَ الْإِجْزَاءُ فِي الْأَصَحِّ. وَلَا يُجْزِئُ شِرَاءُ قَرِيبٍ بِنِيَّةِ كَفَّارَةٍ، وَلَا أُمِّ وَلَدٍ وَذِي كِتَابَةٍ صَحِيحَةٍ،
صنعة وفاسق وولد زنا وأحمق -وهو من يضع الشيء في غير محله مع علمه بقبحه- وآبق ومغصوب وغائب علمت حياتهم أو بانت وإن جهلت حالة العتق (لا زمن) وجنين وإن انفصل لدون ستة أشهر من الإعتاق; لأنه -وإن أعطي حكم المعلوم- لا يعطى حكم الحي؛ لما يأتي في الغرة (ولا فاقد رجل) أو يد أو أشل أحدهما؛ لإضرار ذلك بعمله إضرارا بيِّنا (أو) فاقد (خنصر وبنصر من يد)؛ لذلك بخلاف فقد أحدهما أو فقدهما من يدين (أو) فاقد (أنملتين من غيرهما) وهو الإبهام أو السبابة أو الوسطى، وخصَّهما; لأن فقدهما من خنصر أو بنصر لا يضر كما علم بالأولى مما قبله (قلت: أو أنملة إبهام والله أعلم)؛ لتعطل منفعتها حينئذ بخلاف أنملة من غيرها ولو العليا من أصابعه الأربع، نعم يظهر أن غير الإبهام لو فقد أنملته العليا خلقة ضر قطع أنملة منه; لأنه حينئذ كالإبهام. (ولا هرم عاجز) بخلاف من يحسن مع الهرم صنعة تكفيه فيجزئ، نعم مَن صرحوا فيه بعدم إجزائه لا نظر فيه لقدرته على العمل كما إن مَن صرحوا بإجزائه لا نظر فيه لعدم قدرته على العمل حالا (ولا من أكثر وقته مجنون) بخلاف ما إذا لم يكن أكثر وقته كذلك بأن قل زمن جنونه عن زمن إفاقته، أو استويا أي والإفاقة في النهار وإلا لم يجزئ; لأن غالب الكسب إنما يتيسر نهارا، ويؤخذ منه أنه لو كان يتيسر له ليلا أجزأ، وأن من يبصر وقتا دون وقت كالمجنون في تفصيله المذكور وهو متجه، وبقاء نحو خبل بعد الإفاقة يمنع العمل في حكم الجنون، نعم لو اطردت العادة بتكرره في أكثر الأوقات لم يجزئ. (ولا مريض لا يُرجى) عند العتق برء مرضه كفالج وسل، ولا من قُدِّم للقتل بخلاف من تحتم قتله في المحاربة أي قبل الرفع للإمام، أما إذا رُجي برؤه فيجزئ وإن اتصل به الموت؛ لجواز أن يكون لهجوم علة، بل لو تحقق موته بذلك المرض أجزأ في الأصح؛ نظرا للغالب وهو الحياة من ذلك المرض (فإن برئ) من لا يرجى برؤه بعد إعتاقه (بان الإجزاء في الأصح)؛ لخطأ الظن؛ لأن الغالب هنا البرء بخلاف ما لو أعتق أعمى فأبصر؛ لتحقق يأس إبصاره فكان محض نعمة جديدة. (ولا يجزئ شراء) أو تملك (قريب) أصل أو فرع (بنية كفارة) ; لأن عتقه مستحق بغير جهة الكفارة فهو كدفع نفقته الواجبة إليه بنية الكفارة. (ولا) عتق (أم ولد و) لا (ذي كتابة صحيحة) -قبل تعجيزه- ومشروطٌ عتقُهُ
стр. 1479
وَيُجْزِئُ مُدَبَّرٌ وَمُعَلَّقٌ بِصِفَةٍ، فَإِنْ أَرَادَ جَعْلَ الْعِتْقِ المُعَلَّقِ كَفَّارَةً لَمْ يَجُزِئ، وَلَهُ تَعْلِيقُ عِتْقِ الْكَفَّارَةِ بِصِفَةٍ، وَإِعْتَاقُ عَبْدَيْهِ عَنْ كَفَّارَتَيْهِ عَنْ كُلٍّ نِصْفُ ذَا وَنِصْفُ ذَا، وَلَوْ أَعْتَقَ مُعْسِرٌ نِصْفَيْنِ عَنْ كَفَّارَةٍ فَالْأَصَحُّ الْإِجْزَاءُ إنْ كَانَ بَاقِيهِمَا حُرًّا. وَلَوْ أَعْتَقَ بِعِوَضٍ لَمْ يَجُزِئ عَنْ كَفَّارَةٍ، وَالْإِعْتَاقُ بِمَالٍ كَطَلَاقٍ بِهِ، فَلَوْ قَالَ أَعْتِقْ أُمَّ وَلَدِكَ عَلَى أَلْفٍ فَأَعْتَقَ نَفَذَ وَلَزِمَهُ الْعِوَضُ،
في شرائه، للعلة السابقة. (ويجزئ) ذو كتابة فاسدة و (مدبر ومعلق) عتقه (بصفة) غير التدبير؛ لصحة تصرفه فيه، ومحله إن نجَّز عتقه عن الكفارة أو علقه بصفة تسبق الأولى بخلاف ما إذا علقه بالأولى كما قال (فإن أراد) بعد التعليق بصفة (جعل العتق المعلق كفارة) كأن قال إن دخلت هذه فأنت حر ثم قال إن دخلتها فأنت حر عن كفارتي عتق بالدخول و (لم يجزئ) عتقه عن الكفارة; لأنه استحق العتق بالتعليق الأول، (وله تعليق عتق) مجزئ حال التعليق عن (الكفارة بصفة) كإن دخلت فأنت حر عن كفارتي فإذا دخل عتق عنها؛ إذ لا مانع، أما غير المجزئ ككافر علق عتقه عنها بإسلامه فيعتق إذا أسلم، لا عنها بل مجاناً. (و) له (إعتاق عبديه عن كفارتيه) ككفارة قتل وكفارة ظهار وإن صرح بالتشقيص بأن قال أعتقت (عن كل) منهما (نصف ذا) العبد (ونصف ذا) العبد الآخر؛ لتخليص رقبة كلٍّ عن الرق ويقع العتق موزعا كما ذكره، فإذا ظهر أحدهما معيبا لم يجزئ واحد منهما، فإن لم يذكره فلا تشقيص. (ولو أعتق معسر نصفين) له من عبدين (عن كفارة فالأصح الإجزاء إن كان باقيهما) أو باقي أحدهما (حرَّا)؛ لحصول الاستقلال المقصود ولو في أحدهما بخلاف ما إذا كان باقيهما لغيره؛ لعدم السراية عليه فلم يحصل مقصود العتق من التخلص من الرق، وأما الموسر -ولو بباقي أحدهما- فيجزئ إن نوى عتق الكل عنها; لأنه للسراية عليه كأنه باشر عتق الجميع، نعم يشترط هنا علمه بأنه يسري عليه (ولو أعتق) قِنا عن كفارته (بعوض) على القن أو أجنبي كأعتقتك عنها بألف عليك وكأعتقه عنها بألف علي (لم يجزئ عن كفارة)؛ لعدم تجرد العتق لها، ومن ثم استحق العوض على الملتمس. ولَمَّا ذكروا حكم الإعتاق عن الكفارة بعوض استطردوا ذكر حكمه في غيرها وتبعهم كأصله فقال (والإعتاق بمال كطلاق به) فيكون معاوضة فيها شوب تعليق من المالك وشوب جعالة من الملتمس، ويجب الفور في الجواب وإلا عتق على المالك مجانا (فلو قال) لغيره (أعتق أم ولدك على ألف) ولم يقل عني سواء أقال عنك أو أطلق (فأعتق) ـها فورا (نفذ) عتقه (ولزمه) أي الملتمس (العوض) ;
стр. 1480
وَكَذَا لَوْ قَالَ أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَلَى كَذَا فَأَعْتَقَ فِي الْأَصَحِّ، فَإِنْ قَالَ أَعْتِقْهُ عَنِّي عَلَى كَذَا فَفَعَلَ عَتَقَ عَنِ الطَّالِبِ وَعَلَيْهِ الْعِوَضُ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَمْلِكُهُ عَقِبَ لَفْظِ الْإِعْتَاقِ ثُمَّ يَعْتِقُ عَلَيْهِ، وَمَنْ مَلَكَ عَبْدًا أَوْ ثَمَنَهُ فَاضِلًا عَنْ كِفَايَةِ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ نَفَقَةً وَكِسْوَةً وَسُكْنَى وَأَثَاثًا لَا بُدَّ مِنْهُ لَزِمَهُ الْعِتْقُ
لأنه افتداء من جهته كاختلاع الأجنبي. أما إذا قال عني فأعتقها عنه فتعتق ولا عوض؛ لاستحالته (وكذا لو قال أعتق عبدك على كذا) ولم يقل عني سواء أقال عنك أم أطلق (فأعتق) فورا فينفذ العتق جزما، ويستحق المالك الألف (في الأصح) ; لأنه منه افتداء كأم الولد (فإن قال أعتقه عني على كذا) أو أطعم ستين مسكينا ستين مدا عني بكذا أو اكس عشرة كذا عني بكذا (ففعل) فورا (عتق عن الطالب) وأجزأه عن كفارة عليه نواها به؛ لتضمن ما ذكر للبيع؛ لتوقف العتق عنه على ملكه له (وعليه العوض) المسمى إن ملكه وإلا فقيمة العبد كالخلع، فإن قال مجانا لم يلزمه شيء بخلاف ما إذا سكتا عن العوض فإن المعتمد أنه إن قال عن كفارتي أو عني وعليه عتق ولم يقصد المعتق العتق عنه يلزمه قيمته كما لو قال له اقض ديني وإلا فلا، نعم لو قال ذلك لمالك بعضه عتق عنه بالعوض (١) ولا يجزئه عنها; لأنه بملكه له استحق العتق بالقرابة (والأصح أنه) أي الطالب (يملكه) أي القن المطلوب إعتاقه (عقب لفظ الإعتاق) الواقع بعد الاستدعاء; لأنه الناقل للملك (ثم) عقب ذلك (يعتق عليه) أي الطالب فيقعان في زمنين لطيفين متصلين بلفظ الإعتاق؛ لاستدعاء عتقه عنه ذلك إذ الشرط يترتب على المشروط لكن الأصح حصول العتق والملك معا (ومن) لزمته كفارة مرتبة وهو رشيد أو غير رشيد (٢)، وقد (ملك عبدا) أي قنا (أو ثمنه) أي ما يساويه من نقد أو عرض (فاضلا) كل منهما (عن كفاية نفسه وعياله) الذين تلزمه مؤنتهم (نفقة وكسوة وسكنى وأثاثا) كآنية وفرش (لا بد منه) وعن دينه ولو مؤجلا (لزمه العتق)؛ لقوله تعالى ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾ المجادلة: ٤ وهذا واجد، ويأتي في نحو كتب الفقيه وخيل الجندي وآلة المحترف وثياب التجمل هنا ما مر في قسم الصدقات. أما إذا لم يفضل القن أو ثمنه عما ذكر؛ لاحتياجه لخدمته لمنصب يأبى خدمته بنفسه أو ضخامة كذلك بحيث يحصل له بعتقه مشقة شديدة لا تحتمل
стр. 1481
وَلَا يَجِبُ بَيْعُ ضَيْعَةٍ وَرَأْسِ مَالٍ لَا يَفْضُلُ دَخْلُهُمَا عَنْ كِفَايَتِهِ، وَلَا مَسْكَنٍ وَعَبْدٍ نَفِيسَيْنِ أَلِفَهُمَا فِي الْأَصَحِّ، وَلَا شِرَاءٌ بِغَبْنٍ، وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ اعْتِبَارُ الْيَسَارِ بِوَقْتِ الْأَدَاءِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ عِتْقٍ صَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ بِالْهِلَالِ
عادة ولا أثر لفوات رفاهية، أو لمرض به أو بممونه فلا عتق عليه; لأنه فاقده شرعا كمن وجد ماء وهو يحتاجه لعطش، ويشترط فضل ذلك عن كفاية ما ذكر العمر الغالب. (ولا يجب بيع ضيعة) أي أرض (ورأس مال لا يفضل دخلهما) وهو غلة الأولى وربح الثاني ومثلهما الماشية ونحوها (عن كفايته) بحيث لو باعهما صار مسكينا; لأن المسكنة أقوى من مفارقة المألوف، أما إذا فضل أو بعضه فيباع الفاضل قطعا (ولا) بيع (مسكن وعبد) أي قن (نفيسين) بأن يجد بثمن المسكن مسكنا يكفيه وقنا يعتقه وبثمن القن قنا يخدمه وقنا يعتقه (ألفهما في الأصح) بحيث يشق عليه مفارقتهما مشقة لا تحتمل عادة؛ لمشقة مفارقة المألوف، نعم إن اتسع المسكن المألوف بحيث يكفيه بعضه وباقيه يحصل رقبة لزمه تحصيلهما. أما لو لم يألفهما فيلزمه بيعهما وتحصيل قن يعتقه قطعا، واحتياجه الأمة للوطء كهو للخدمة. (ولا) يجب (شراء) لرقبة (بغبن) أي زيادة على ثمن مثلها وإن قلَّت نظير ما مر في شراء الماء، وعليه لا يجوز العدول للصوم بل يلزمه الصبر إلى الوجود بثمن المثل، وكذا لو غاب ما له فيكلف الصبر إلى وصوله أيضا، ولا نظر إلى تضررهما بفوات التمتع مدة الصبر; لأنه الذي ورط نفسه فيه. وحيث بيع القن بثمن مثله فاضلا عمّا ذكر لا عذر له في تركه ولو بيع بوزنه ذهبا. (وأظهر الأقوال اعتبار اليسار) الذي يلزم به الإعتاق (بوقت الأداء) للكفارة؛ لأنها عبادة لها بدل من غير جنسها كوضوء وتيمم وقيام صلاة وقعودها فاعتبر وقت أدائها (فإن عجز) المظاهر مثلا (عن عتق) بأن لم يجد الرقبة وقت الأداء ولا ما يصرفه فيها فاضلا عما ذكر أو وجدها لكنه قتلها (١) مثلا أو كان عبدا -إذ لا يكفر إلا بالصوم; لأنه لا يملك وليس لسيده (٢) تحليله هنا وإن أضره الصوم؛ لتضرره بدوام تحريم الوطء بخلاف نحو كفارة القتل- (صام) وله حينئذ تكلف العتق (شهرين متتابعين)؛ للآية. ولو بان بعد صومهما أن له مالا ورثه ولم يكن عالما به لم يعتد بصومه؛ اعتبارا بما في نفس الأمر (٣)، ويعتبران (بالهلال) وإن نقصا; لأنه
стр. 1482
بِنِيَّةِ كَفَّارَةٍ، وَلَا يُشْتَرَطُ نِيَّةُ تَتَابُعٍ فِي الْأَصَحِّ، فَإِنْ بَدَأَ فِي أَثْنَاءِ شَهْرٍ حُسِبَ الشَّهْرُ بَعْدَهُ بِالْهِلَالِ وَأَتَمَّ الْأَوَّلَ مِنْ الثَّالِثِ ثَلَاثِينَ، وَيَزَولُ التَّتَابُعُ بِفَوَاتِ يَوْمٍ بِلَا عُذْرٍ وَكَذَا مَرَضٌ فِي الجَدِيدِ، لَا بِحَيْضٍ
المعتبر شرعا. ويجب تبييت نية الصوم كلَّ ليلة كما عُلم مما مر في الصوم، وأن تكون تلك النية واقعة بعد فقد الرقبة لا قبلها وأن تكون ملتبسة (بنية كفارة) في كل ليلة كما علم مما مر (١) وإن لم يعين جهتها (٢)، فلو صام أربعة أشهر بنيتها وعليه كفارتا قتل وظهار ولم يعين أجزأته عنهما ما لم يجعل الأول عن واحدة والثاني عن أخرى وهكذا؛ لفوات التتابع. (ولا يشترط نية التتابع في الأصح) ; لأنه شرط وهو لا تجب نيته. ولو ابتدأ الشهرين جاهلا طرو ما يقطعهما كيوم النحر وقع صومه نفلا أو عالما لم يقع له شيء؛ لتلاعبه (فإن بدأ في أثناء شهر حسب الشهر بعده بالهلال)؛ لتمامه (وأتمَّ الأول من الثالث ثلاثين)؛ لتعذر اعتبار الهلال فيه بتلفقه من شهرين (ويزول التتابع بفوات يوم) من الشهرين ولو آخرهما (بلا عذر) كأن نسي النية؛ لنسبته لنوع تقصير (وكذا) بعذر يمكن معه الصوم كسفر مبيح للفطر وخوف حامل أو مرضع و (مرض في الجديد)؛ لإمكان الصوم مع ذلك في الجملة فهو كفطر من أجهده الصوم (لا بحيض) -ممن لم تعتد انقطاعه شهرين-; لأنه لا يخلو منه شهر غالبا، وتكليفها الصبر لسن اليأس خطر، أما إذا اعتادت ذلك فشرعت في وقت يتخلله الحيض فإنه لا يجزئ.
[تنبيه] النفاس كالحيض لا يقطع التتابع على الصحيح ، وطرو الحيض والنفاس إنما يتصور في كفارة قتل لا ظهار؛ إذ لا تجب على النساء، ومن ثم اعتُرض على المصنف ذكره الحيض هنا وكلامه في كفارة الظهار وأجيب عنه بأن كلامه في مطلق الكفارة، وأيضا قد تتصور في المرأة بأن تصوم عن قريبها الميت العاجز في كفارة الظهار بناء على القديم المختار (٣)
стр. 1483
وَكَذَا جُنُونٌ عَلَى المَذْهَبِ. فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الصَّوْمٍ بِهَرَمٍ أَوْ مَرَضٍ قَالَ الْأَكْثَرُونَ لَا يُرْجَى زَوَالُهُ أَوْ لَحِقَهُ بِالصَّوْمِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ أَوْ خَافَ زِيَادَةَ مَرَضٍ كَفَّرَ بِإِطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا أَوْ فَقِيرًا لَا كَافِرًا،
(وكذا جنون) فات به يوم فأكثر لا يضر في التتابع (على المذهب)؛ إذ لا اختيار له فيه، نعم إن تقطع جاء فيه تفصيل الحيض، ويؤخذ من العلة أنه لو اختاره بشرب دواء يجنن ليلا انقطع، ويُفرق بينه وبين من استعجل الحيض بدواء بأن الحيض يعهد كثيرا تقدمه وتأخره عن وقته فلم تمكن نسبة مجيئه لاختيارها كما في الجنون الذي لا يترتب عرفا في مثل ذلك إلا على فعلها، ومثل الجنون الإغماء المبطل للصوم (فإن عجز عن الصوم) أو تتابعه (بهرم أو مرض، قال الأكثرون لا يرجى زواله (١) وقال الأقلون كالإمام ومن تبعه وصححه في الروضة يعتبر دوامه في ظنه مدة شهرين بالعادة الغالبة في مثله أو بقول الأطباء، ويظهر الاكتفاء بقول عدل منهم (أو لحقه بالصوم) أو تتابعه (مشقة شديدة) أي لا تحتمل عادة وإن لم تبح التيمم كالشبق، نعم غلبة الجوع ليست عذرا حين الشروع في الصوم -؛ لفقده عذر عليه الجوع حينئذ- فيلزمه الشروع في الصوم، فإذا عجز عنه أفطر وانتقل للإطعام بخلاف الشبق؛ لوجوده عند الشروع إذ هو شدة الغلمة (أو خاف زيادة مرض كفّر) في غير القتل؛ لما يأتي (بإطعام (٢) أي تمليك، ويكفي الدفع للمستحقين وإن لم يوجد لفظ تمليك (ستين مسكينا)؛ للآية، لا أقل حتى لو دفع لواحد ستين مدا في ستين يوما لم يجز بخلاف ما لو جمع الستين ووضع الطعام بين أيديهم وقال ملكتكم هذا وإن لم يقل بالسوية فقبلوه، ولهم في هذه القسمة بالتفاوت بخلاف ما لو قال خذوه ونوى الكفارة فإنه إنما يجزئه إن أخذوه بالسوية وإلا لم يجزئ إلا من أخذ مدا لا دونه (أو فقيرا) -؛ لأنه أسوأ حالا- أو البعض فقراء والبعض مساكين، ولا أثر لقدرته على صوم أو عتق بعد الإطعام ولو لمدٍّ كما لو شرع في صوم يوم من الشهرين فقدر على العتق (لا كافرا) ولا من تلزمه مؤنته ولا مكفيا بنفقة غيره ولا قنا ولو للغير إلا بإذنه وهو مستحق; لأن الدفع له حقيقة.
стр. 1484
وَلَا هَاشِمِيًّا، وَمُطَّلِبِيًّا سِتِّينَ مُدًّا، مِمَّا يَكُونُ فِطْرَةً
(ولا هاشميا ومطلبيا) ونحوهم كالزكاة بجامع التطهير (ستين مدا) لكل واحد مد; لأنه صح في رواية (مما) أي من طعام (يكون فطرة (١) بأن يكون من غالب قوت محل المكفِّر في غالب السنة كالأقط (٢) ولو للبلدي فلا يجزئ نحو دقيق مما مر ثَم. والمراد بالمكفر هنا المخاطب بالكفارة لا مأذونه أو وليه فيوافق ما مر ثم إن العبرة ببلد المؤدَّى عنه لا المؤدي، فإن عجز عن الجميع استقرت في ذمته فإذا قدر على خصلة فعلها كما يعلم مما قدمه في الصوم (٣)، ولا أثر للقدرة على بعض عتق (٤) أو صوم بخلاف بعض الطعام ولو بعض مد؛ إذ لا بدل له فيخرجه ثم الباقي إذا أيسر.
стр. 1485
كتاب اللعان
يَسْبِقُهُ قَذْفٌ. وَصَرِيحُهُ الزِّنَا كَقَوْلِهِ لِرَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ: زَنَيْتَ أَوْ زَنَيْتِ أَوْ يَا زَانِي أَوْ يَا زَانِيَةُ، وَالرَّمْيُ بِإِيلَاجِ حَشَفَةٍ فِي فَرْجٍ مَعَ وَصْفِهِ بِتَحْرِيمٍ أَوْ دُبُرٍ صَرِيحَانِ،
(كتاب اللعان)
هو قول كلمات- تأتي -جُعلت حجة لمن اضطر لقذف من لطخ فراشه وألحق العار به أو لنفي ولد عنه. وأصله قبل الإجماع أوائل سورة النور مع الأحاديث الصحيحة فيه (يسبقه قذف) أو نفي ولد; لأنه تعالى ذكره بعد القذف -أي رمي بالزنا تعييرا- (وصريحه الزنا كقوله) في معرض التعيير (لرجل أو امرأة) أو خنثى (زنيتَ) بفتح التاء في الكل (أو زنيتِ) بكسرها في الكل (أو) قوله لأحدهما (يا زاني أو يا زانية)؛ لتكرر ذلك وشهرته، واللحن بتذكير المؤنث وعكسه غير مؤثر فيه، بخلاف ما لا يفهم منه تعيير ولا يقصد به بأن قطع بكذبه كقوله ذلك لبنت سنة أو شهد عليه به نصاب أو جرحه به؛ لترد شهادته، وكذا لو شهد عليه شاهد بحق فقال خصمي يعلم زنا شاهده، أو أخبرني أنه زان فليحلف أنه لا يعلمه فلا يكون قذفا، نعم يعزر في الأولى؛ للإيذاء. وإذنه في القذف يرفع حده لا إثمه، نعم إن ظنه مبيحا وعذر بجهله فلا إثم ولا تعزير.
[فرع] قال لاثنين زنى أحدكما أو لثلاثة فهو قاذف لواحد، ولكلٍّ أن يدعي عليه أنه أراده ، نعم لو ادعى اثنان وحلف لهما انحصر الحق للثالث فيحد له من غير يمين. (والرمي بإيلاج حشفة)، أو قدرها من فاقدها أو بما رُكِّب من ن ي ك (في فرج مع وصفه) -أي الإيلاج أو النيك- بما يقتضي الزنا، ووصفه أيضا (بتحريم) سواء أقاله لرجل أم غيره كأولجت في فرج محرم، أو أولج في فرجك أو علوتِ على رجل فدخل ذكره في فرجكِ مع ذِكْر التحريم (أو) الرمي بإيلاجها في (دبر) لذكر أو خنثى -وإن لم يذكر تحريما- (صريحان) أي كلٌّ منهما صريح; لأن ذلك لا يقبل تأويلا، واحتيج لوصف الأول بالتحريم -أي لذاته احترازا من تحريم نحو الحائض فيصدق في إرادته بيمينه-; لأن إيلاج الحشفة في الفرج قد يحل وقد لا بخلافها في الدبر فإنه لا يحل بحال.
стр. 1486
وَزَنَأْتَ فِي الجَبَلِ كِنَايَةٌ، وَكَذَا زَنَأْتَ فَقَطْ فِي الْأَصَحِّ، وَزَنَيْتِ فِي الجَبَلِ صَرِيحٌ فِي الْأَصَحِّ، وَقَوْلُهُ يَا فَاجِرُ يَا فَاسِقُ، وَلَهَا يَا خَبِيثَةُ، وَأَنْتِ تُحِبِّينَ الخَلْوَةَ، وَلِقُرَشِيٍّ: يَا نَبَطِيُّ، وَلِزَوْجَتِهِ لَمْ أَجِدْكِ عَذْرَاءَ كِنَايَةٌ، فَإِنْ أَنْكَرَ إرَادَةَ قَذْفٍ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ،
[تنبيه] الرمي بنحو الزنا واللواط لا يحتاج للوصف بتحريم ولا اختيار ولا عدم شبهة ; لأن موضوعه يفهم ذلك بخلاف نحو النيك وإيلاج الحشفة في الفرج لا بد فيه من الثلاثة، أما الرمي بإيلاجها في دبر امرأة خلية فهي كالذكر أو مزوجة فيشترط وصفه بنحو اللياطة؛ ليخرج وطء الزوج فيه فإن الرمي به غير قذف بل فيه التعزير; لأنه لا يسمى زنا ولا لياطة. ويقبل قوله بيمينه أردت بإيلاجه في الدبر إيلاجه في دبر زوجته فيعزر، ويا لوطي صريح (١) وكذا مخنث وقحبة (٢). (وزنأت) بالهمز (في الجبل) أو في بيت وله درج (كناية) ; لأنه معنى الصعود فيه، فإن لم يكن له درج فصريح (وكذا زنأت) بالهمز (فقط) أي من غير ذكر جبل ولا غيره كناية (في الأصح) ; لأن ظاهره الصعود (وزنيت) بالياء (في الجبل صريح في الأصح)؛ لظهوره فيه، وذكر الجبل لبيان محله فلا يصرفه عن ظاهره وإنابة الياء عن الهمز خلاف الأصل، نعم يا زانية في الجبل كناية وعليه يفرق بأن النداء يستعمل كذلك كثيرا في الصعود بخلاف زنيت في الجبل. (وقوله) للرجل (يا فاجر يا فاسق) يا خبيث (ولها) أي المرأة (يا خبيثة) يا فاجرة يا فاسقة (وأنت تحبين الخلوة، ولقرشي) أو عربي (يا نبطي) وعكسه (ولزوجته لم أجدك عذراء) أي بكرا، وقوله لأجنبية لم يجدك زوجك أو لم أجدك عذراء ولم يتقدم لواحدة منهما افتضاض مباح، وقوله لإحداهما وجدت معك رجلا، وقوله لمن قذف زوجته صدقت (كناية)؛ لاحتمالها القذف وغيره وهو في الثالثة لأمِّ المخاطب؛ إذ نَسَبَهُ لغير من ينسب إليه ويحتمل أن يريد أنه لا يشبههم خلْقا وخلُقا، أما إذا تقدم لها ذلك فليس كناية. (فإن أنكر) متكلم بكناية في هذا الباب (إرادة قذف صدق بيمينه) أنه ما أراد قذفه; لأنه أعرف بمراده، ويعزر للإيذاء وإن لم يرد (٣) سبا ولا ذما؛ لأن لفظه يوهم، ولا يجوز له الحلف كاذبا دفعا للحد لكن تجوز له التورية وإن حلَّفه الحاكم إذا علم زناه، بل يقرب إيجابها إذا علم
стр. 1487
وَقَوْلُهُ يَا ابْنَ الحَلَالِ، وَأَمَّا أَنَا فَلَسْتُ بِزَانٍ، وَنَحْوُهُ تَعْرِيضٌ لَيْسَ بِقَذْفٍ وَإِنْ نَوَاهُ، وَقَوْلُهُ زَنَيْتُ بِكِ إقْرَارٌ بِزِنًا وَقَذْفٌ، وَلَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ يَا زَانِيَةُ فَقَالَتْ زَنَيْتُ بِكَ أَوْ أَنْتَ أَزْنَى مِنِّي فَقَاذِفٌ وَكَانِيَةٌ فَلَوْ قَالَتْ زَنَيْتُ وَأَنْتَ أَزْنَى مِنِّي فَمُقِرَّةٌ وَقَاذِفَةٌ،
أنه يحد وتبطل عدالته وروايته وما تحمله من الشهادات. (وقوله) لآخر (يا ابن الحلال وأما أنا فلست بزان ونحوه) كأمي ليست بزانية وأنا لست بلائط ولا ملوط بي (تعريض ليس بقذف وإن نواه) ; لأن اللفظ إذا لم يشعر بالمنوي لم تؤثر النية فيه وفَهْمُ ذلك منه هنا إنما هو بقرائن الأحوال وهي ملغاة؛ لاحتمالها وتعارضها، والحاصل إن ما لم يحتمل غير ما وضع له من القذف وحْده صريح، وما احتمل وضعا القذف وغيره كناية، وما استعمل في غير موضوع له من القذف بالكلية وإنما يفهم المقصود منه بالقرائن تعريض، (وقوله) لرجل أو امرأة زوجة أو أجنبية، وقولها لرجل زوج أو أجنبي (زنيت بك) ولم يعهد بينهما زوجية مستمرة من حين صغره إلى حين قوله ذلك (إقرار بزنا) على نفسه؛ لإسناده الفعل له، ومحله إن قال أردت الزنا الشرعي; لأن الأصح اشتراط التفصيل في الإقرار (وقذف) للمقول له لقوله بك بخلاف ما لو قال زنيتِ مع فلان فهو قذف لها دونه، ويفرق بينه وبين ما مر بأن الباء في بك تقتضي الآلية المشعرة بأن لمدخولها تأثيرا مع الفاعل في إيجاد الفعل ككتبت بالقلم بخلاف المعية فإنها إنما تقتضي مجرد المصاحبة. (ولو قال لزوجته يا زانية) أو أنت زانية (فقالت) في جوابه (زنيت بك أو أنت أزنى مني فقاذف)؛ لصراحة لفظه فيه (وكانية)؛ لاحتمال قولها الأول ((لم أفعل كما لم تفعل)) وهذا مستعمل عرفا، ويحتمل أن تريد إثبات زناها فتكون مقرة به وقاذفة له فيسقط بإقرارها حد القذف عنه ويعزر، ولاحتمال قولها الثاني (١) ما وطئني غيرك ووطؤك مباح فإن كنت زانية فأنت أزنى مني لأني مُمَكِّنة وأنت فاعل -ولكون هذا المعنى محتملا منه لم يكن ذلك منها إقرارا بالزنا- ويحتمل أن تريد إثبات الزنا فتكون قاذفة فقط والمعنى أنت زان وزناك أكثر مما نسبتني إليه، وتصدَّق في إرادة شيء مما ذكر بيمينها (فلو قالت) في جوابه وكذا ابتداء (زنيت وأنت أزنى مني فمقرة) بالزنا على نفسها (وقاذفة) له كما هو صريح لفظها ويسقط بإقرارها حد القذف عنه، ويقاس بذلك قولها لزوجها يا زاني فقال زنيتُ بك أو أنتِ أزنى مني فهي قاذفة صريحا وهو كانٍ، أو زنيت و أنتِ أزنى مني فمقر وقاذف. وقول واحد لآخر
стр. 1488
وَقَوْلُهُ زَنَى فَرْجُكِ أَوْ ذَكَرُكَ قَذْفٌ، وَالمَذْهَبُ أَنَّ قَوْلَهُ يَدُكَ أوْ عَيْنُكَ، وَلِوَلَدِهِ لَسْتَ مِنِّي أَوْ لَسْتَ ابْنِي كِنَايَةٌ، وَلِوَلَدِ غَيْرِهِ لَسْتَ ابْنَ فُلَانٍ صَرِيحٌ إلَّا لِمَنْفِيٍّ بِلِعَانٍ. وَيُحَدُّ قَاذِفُ مُحْصَنٍ وَيُعَزَّرُ غَيْرُهُ،
ابتداء أنت أزنى مني أو من فلان ولم يقل وهو زان ولا ثبت زناه وقد علمه ليس بقذف إلا أن يريده وليس بإقرار به; لأن الناس في تشاتمهم لا يتقيدون بالوضع الأصلي. وقوله أنت أزنى الناس أو أهل بغداد مثلا غير قذف إلا إن قال من زناتهم أو أراده، ولا فرق في كل ذلك بين أن يعلم المخاطِب حال قوله ذلك أن المخاطَب زوج أو غيره. (وقوله) لواضح (زنى فرجك أو ذكرك) أو قبلك أو دبرك، ولخنثى زنى ذكرك وفرجك بخلاف ما لو اقتصر على أحدهما فإنه كناية (قذف)؛ لذكرِهِ آلة الوطء أو محله، وكذا زنيت في قبلك لامرأة -لا رجل فإنه كناية; لأن زناه بقبله لا فيه- وإنما كان قوله لها زنيت بقبلك صريح؛ لأن زناها قد يكون بقبلها بأن تكون هي الفاعلة لطلوعها عليه. (والمذهب أن قوله) زنى (يدك أو عينك) أو رجلك (ولولده) أي كل من له ولادة عليه وإن سفل أنت ولد زنا كان قاذفا لأمه أو (لست مني أو لست ابني) أو لأخيه لست أخي (كناية)؛ لاحتماله، وفي الخبر الصحيح إطلاق الزنا على نظر العين ونحوه، ومن ثم لو قال زنت يدي ونحوه لم يكن مقرا بالزنا قطعا، ولو قال زنى بدنك فصريح في القذف أو زنى بدني لم يكن إقرارا بالزنا (و) أن قوله (لولد غيره لست ابن فلان صريح) في قذف أمه، وفارق الأب بأنه يحتاج لزجر ولده وتأديبه بنحو ذلك فقرب احتمال كلامه له بخلاف الأجنبي، ولا يقبل قوله قصدت وطء الشبهة؛ لندرته. وخرج بقوله لست ابن فلان قوله لقرشي مثلا لست من قريش فإنه كناية (إلا) إذا قال ذلك (لمنفي) نسبه (بلعان) في حال انتفائه فلا يكون صريحا في قذف أمه؛ لاحتمال إرادته لست ابن الملاعن شرعا بل هو كناية فيستفسر فإن أراد القذف حد وإلا حلف وعزر؛ للإيذاء، أما إذا قاله بعد استلحاقه فيكون صريحا في قذفها فيحد ما لم يدع أنه أراد لم يكن ابنه حال النفي ويحلف عليه ويعزر.
(ويحد قاذف محصن)؛ لآية ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ النور: ٤، نعم لو قذفه فعفا عنه ثم قذفه ثانيا لم يجب غير التعزير ويؤيد ذلك أنه لو حُدَّ ثم قذف ثانيا عزر؛ لظهور كذبه بالحد والعفو كالحد (ويُعزر غيره) أي قاذف غير المحصن؛ للإيذاء سواء في ذلك الزوج وغيره ما لم يدفعه
стр. 1489
وَالمُحْصَنُ مُكَلَّفٌ حُرٌّ مُسْلِمٌ عَفِيفٌ عَنْ وَطْءٍ يُحَدُّ بِهِ، وَتَبْطُلُ الْعِفَّةُ بِوَطْءِ مَحْرَمٍ مَمْلُوكَةٍ عَلَى المَذْهَبِ، لَا زَوْجَةٍ فِي عِدَّةِ شُبْهَةٍ وَأَمَةِ وَلَدِهِ وَمَنْكُوحَتِهِ بِلَا وَلِيٍّ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ زَنَى مَقْذُوفٌ سَقَطَ الحَدُّ، أَوِ ارْتَدَّ فَلَا. وَمَنْ زَنَى مَرَّةً ثُمَّ صَلَحَ لَمْ يَعُدْ مُحْصَنًا، وَحَدُّ الْقَذْفِ يُورَثُ وَيَسْقُطُ بِعَفْوٍ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَرِثُهُ كُلُّ الْوَرَثَةِ،
الزوج بلعانه كما يأتي، (والمحصن مكلف) أي بالغ عاقل ومثله السكران (حر مسلم (١) عفيف عن وطء يُحدُّ به) وعن وطء دبر حليلته وإن لم يحد به; لأن الإحصان المشروط في الآية الكمال وأضداد ما ذكر نقص. (وتبطل العفة) المعتبرة في الإحصان (بوطء) يوجب الحد وبوطء (مَحْرم) بنسب أو رضاع أو مصاهرة (مملوكة) له (على المذهب) إذا علم التحريم؛ لدلالته على قلة مبالاته وإن لم يحد به; لأنه لشبهة الملك (لا) بوطء (زوجة) أو أمة (في عدة شبهة) أو نحو إحرام; لأن التحريم لعارض يزول (و) لا بوطء (أمة ولده و) لا بوطء (منكوحته) أي الواطئ (بلا ولي) أو بلا شهود قلد القائل بحله أوْ لا (٢) (في الأصح)؛ لقوة الشبهة فيهما (ولو زنى مقذوف) قبل حد قاذفه ولو بعد الحكم به بل ولو بعد الشروع في الحد (سقط الحد) عن قاذفه ولو بغير ذلك الزنا; لأن زناه هذا يدل على سبق مثله (أو ارتد فلا) يسقط الحد; لأن الردة لا تشعر بسبق أخرى; لأنها عقيدة وهي تظهر غالبا (ومن زنى) أو فعل ما يبطل عفته كوطء حليلته في دبرها (مرة) وهو مكلف (ثم) تاب و (صلح) حاله حتى صار أتقى الناس (لم يعد محصنا) أبدا; لأن العرض إذا انثلم لم تنسد ثلمته. ولو قُذِف في مجلس القاضي لزم القاضي إعلام المقذوف ليستوفيه إن شاء، ومحل تعين القاضي لإعلامه إذا لم يكن عنده من يقبل إخباره وإلا كان كفاية. (وحد القذف) وتعزيره إذا لم يعف عنه المورث (يورث) ولو للإمام عمن لا وارث له خاص كسائر الحقوق (ويسقط) حده وتعزيره (بعفوٍ) عن كله ولو بمال لكن لا يثبت المال، فلو عفا عن بعض الحد لم يسقط شيء منه، ولا يخالف سقوط التعزير بالعفو ما في بابه أنّ للإمام استيفاءه; لأن الساقط حق الآدمي والذي يستوفيه الإمام حق الله تعالى؛ للمصلحة، ويستوفي سيد قن مقذوف مات تعزيره وإن لم يرثه (والأصح أنه) إذا مات المقذوف الحر (يرثه كل الورثة) حتى الزوجين كالقصاص (٣)
стр. 1490
وَأَنَّهُ لَوْ عَفَا بَعْضُهُمْ فَلِلْبَاقِي كُلُّهُ.
فصل
لَهُ قَذْفُ زَوْجَةٍ عَلِمَ زِنَاهَا أَوْ ظَنَّهُ ظَنًّا مُؤَكَّدًا كَشَيَاعِ زِنَاهَا بِزَيْدٍ مَعَ قَرِينَةٍ بِأَنْ رَآهُمَا فِي خَلْوَةٍ. وَلَوْ أَتَتْ بِوَلَدٍ وَعَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ لَزِمَهُ نَفْيُهُ
(و) الأصح (أنه لو عفا بعضهم) عن حقه من الحد أو كان غير مكلف (فللباقي) منهم وإن قل نصيبه (كله) أي استيفاء جميعه كما أن لأحدهم طلب استيفائه وإن لم يرض غيره أو غاب; لأنه لدفع العار اللازم للواحد كالجمع مع أنه لا بدل له وبه فارق القصاص.
(فصل) في بيان حكم قذف الزوج ونفي الولد
(له) أي الزوج (قذف زوجة) له (علم زناها) بأن رآه وهي في نكاحه، والأولى له تطليقها؛ سترا عليها ما لم يترتب على فراقه لها مفسدة لها أو له أو لأجنبي (أو ظنه ظنا مؤكدا)؛ لاحتياجه حينئذ للانتقام منها لتلطيخها فراشه والبينة قد لا تساعده (كشياع زناها بزيد مع قرينة بأن) بمعنى كأن (رآهما في خلوة) وكأن شاع زناها مطلقا ثم رأى رجلا خارجا من عندها في وقت الريبة، أو رآها خارجة من عند رجل وثَم ريبة أيضا، نعم يكفي فيها أدنى ريبة بخلافه فإنه قد يدخل لنحو سرقة أو إرادة إكراه أو إلحاق عار ولا كذلك هي، وكإخبار عدل رواية أو من اعتقد صدقه له عن معاينة بزناها وليس عدوا لها ولا له ولا للزاني وقد بيَّن كيفية الزنا؛ لئلا يظن ما ليس بزنا زنا، وكإقرارها له به واعتقد صدقها. أما مجرد الشيوع فلا يجوز اعتماده; لأنه قد ينشأ عن خبر عدو أو طامع بسوء لم يظفر، وكذا مجرد القرينة; لأنه ربما دخل عليها؛ لخوف أو نحو سرقة. (ولو أتت) أو حملت (بولد علم أنه ليس منه) أو ظنه ظنا مؤكدا وأمكن كونه منه ظاهرا (لزمه نفيه) وإلا لكان بسكوته مستلحقا لمن ليس منه وهو ممتنع كما يحرم نفي من هو منه؛ لما يأتي ولعظيم التغليظ على فاعل ذلك وقبيح ما يترتب عليهما من المفاسد كانا من أقبح الكبائر، ثم إن علم زناها أو ظنه ظنا مؤكدا قذفها ولاعن لنفيه وجوبا فيهما وإلا اقتصر على النفي باللعان؛ لجواز كونه من شبهة أو زوج سابق.
[تنبيه] مدار لزوم ما مر على لحوقه به ، ولذا لو أتت بولد علم أنه ليس منه ولكن ولدته خفية بحيث لا يلحق به كان الأولى الستر.
стр. 1491
وَإِنَّمَا يَعْلَمُ إذَا لَمْ يَطَأْ أَوْ وَلَدَتْهُ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنَ الْوَطْءِ أَوْ فَوْقَ أَرْبَعِ سِنِينَ، فَلَوْ وَلَدَتْهُ لِمَا بَيْنَهُمَا وَلَمْ تَسْتَبْرِئْ بِحَيْضَةٍ حَرُمَ النَّفْيُ. وَإِنْ وَلَدَتْهُ لِفَوْقِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنَ الِاسْتِبْرَاءِ حَلَّ النَّفْيُ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ وَطِئَ وَعَزَلَ حَرُمَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَوْ عَلِمَ زِنَاهَا وَاحْتُمِلَ كَوْنُ الْوَلَدِ مِنْهُ وَمِنْ الزِّنَا حَرُمَ النَّفْيُ، وَكَذَا الْقَذْفُ وَاللِّعَانُ عَلَى الصَّحِيحِ
(وإنما يعلم) أنه ليس منه (إذا لم يطأ) في القبل ولا استدخلت ماءه المحترم أصلا (أو) وطئ أو استدخلت ماءه المحترم ولكن (ولدته لدون ستة أشهر من الوطء) ولو لأكثر منها من العقد (أو فوق أربع سنين) من الوطء؛ للعلم حينئذ بأنه من ماء غيره. ولو علم زناها في طهر لم يطأ فيه وأتت بولد يمكن كونه من ذلك الزنا لزمه قذفها ونفيه، ويلزم ذلك أيضا لنحو رؤيته معها في خلوة في ذلك الطهر مع شيوع زناها به (فلو ولدته لما بينهما) بأن ولدته لستة أشهر من الوطء فأكثر إلى أربع سنين، وكأنهم إنما لم يعتبروا هنا لحظة الوطء والوضع؛ احتياطا للنسب لإمكان الإلحاق مع عدمهما (ولم يستبرئ) ـها (بحيضة) بعد وطئه، أو استبرأها بها وكان بين الولادة والاستبراء أقل من ستة أشهر (حرم النفي) للولد; لأنه لاحِقٌ بفراشه ولا عبرة بريبة يجدها (وإن ولدته لفوق ستة أشهر من الاستبراء (١) بحيضة أي من ابتداء الحيض (حل النفي في الأصح) ; لأن الاستبراء أمارة ظاهرة على أنه ليس منه، نعم يسن له عدم النفي; لأن الحامل قد تحيض، ومحله إن كان هناك تهمة زنا وإلا لم يجز قطعا، نعم إن رأى بعد الاستبراء قرينة بزناها مما مر لزمه نفيه لغلبة الظن بأنه ليس منه حينئذ وإلا لم يجز. (ولو وطئ وعزل حرم) النفي (على الصحيح) ; لأن الماء قد يسبقه ولا يشعر به. ولو كان يطأ في الدبر أو فيما دون الفرج بحيث لا يمكن وصول الماء إليه لم يلحقه، وليس من الظن علمه من نفسه أنه عقيم. (ولو علم زناها واحتمل كون الولد منه ومن الزنا) على السواء بأن ولدته لستة أشهر فأكثر من وطئه ومن الزنا ولا استبراء (حرم النفي)؛ لتقاوم الاحتمالين و ((الولد للفراش)) والنص على الحل يحمل على ما إذا كان احتماله من الزنا أغلب؛ لوجود قرينة تؤكد ظن وقوعه (وكذا) يحرم (القذف واللعان على الصحيح)؛ إذ لا ضرورة إليهما للحوق الولد به والفراق ممكن بالطلاق.
стр. 1492
فصل
اللِّعَانُ قَوْلُهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ: أَشْهَدُ بِاَللهِ إنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُ بِهِ هَذِهِ مِنَ الزِّنَا، فَإِنْ غَابَتْ، سَمَّاهَا وَرَفَعَ نَسَبَهَا بِمَا يُمَيِّزُهَا، وَالخَامِسَةَ أَنَّ لَعْنَةَ اللهِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَاهَا بِهِ مِنَ الزِّنَا، وَإِنْ كَانَ لُهُ وَلَدٌ يَنْفِيهِ ذَكَرَهُ فِي الْكَلِمَاتِ فَقَالَ وَإِنَّ الْوَلَدَ الَّذِي وَلَدَتْهُ أَوْ هَذَا الْوَلَدُ مِنْ زِنًا لَيْسَ مِنِّي، وَتَقُولُ هِيَ: أَشْهَدُ بِاَللهِ إنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنَ الزِّنَا، وَالخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْهَا إنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ فِيهِ
(فصل) في كيفية اللعان وشروطه وثمراته
(اللعان قوله) أي الزوج (أربع مرات: أشهد بالله أني لمن الصادقين فيما رميت به) زوجتي (هذه) إن حضرت (من الزنا) إن قذفها بالزنا -فإن لم يقذفها بل لاعن لنفي الولد قال فيما رميتها به من إصابة غيري لها على فراشي وأن الولد منه لا منّي، ولا تلاعن هي في هذه الحالة؛ إذ لا حد عليها بلعانه. ولو ثبت ببينة قذف أنكره قال أشهد بالله أني لمن الصادقين في إنكار ثبت من قذفي إياها بالزنا- وذلك؛ للآيات أول سورة النور، وكررت لتأكد الأمر، نعم المغلب في تلك الكلمات مشابهتها للأيمان كما يأتي، ومن ثم لو كذب لزمه كفارة يمين، والأوجه أنها لا تتعدد بعددها; لأن المحلوف عليه واحد والمقصود من تكررها محض التأكيد لا غير، (فإن غابت) عن المجلس أو البلد؛ لعذر أو غيره (سمَّاها ورفع نسبها) أو ذكر وصفها (بما يميزها) عن غيرها؛ دفعا للاشتباه، ويكفي قوله زوجتي إذا عرفها الحاكم ولم يكن تحته غيرها (والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به من الزنا، وإن كان له ولد ينفيه ذكره في الكلمات) الخمس كلها؛ لينتفي عنه لا ليصح لعانه، ومن ثم لو أغفله في واحدة صح لعانه بالنسبة لصحة لعانها بعده وإن وجبت إعادته لنفي الولد (فقال) في كل واحدة منها (وأن الولد الذي وَلَدَتْه) إن غاب (أو هذا الولد) إن حضر (مِن) زوج أو شبهة أو من (زنا) و (ليس مني) وذكر ليس مني تأكيد؛ حملا للزنا على حقيقته (وتقول هي) بعده؛ لوجوب تأخر لعانها كما سيذكره (أشهد بالله أنه لمن الكاذبين فيما رماني به) وتشير إليه إن حضر وإلا ميزته نظير ما مر (من الزنا) إن رماها به ولا تحتاج لذكر الولد; لأنه لا يتعلق به في لعانها حكم (والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيه) أي فيما رماني به من
стр. 1493
وَلَوْ بُدِّلَ لَفْظُ شَهَادَةٍ بِحَلِفٍ وَنَحْوِهِ أَوْ غَضَبٍ بِلَعْنٍ وَعَكْسِهِ أَوْ ذُكِرَا قَبْلَ تَمَامِ الشَّهَادَاتِ لَمْ يَصِحَّ فِي الْأَصَحِّ. وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَمْرُ الْقَاضِي وَيُلَقِّنُ كَلِمَاتِهِ. وَأَنْ يَتَأَخَّرَ لِعَانُهَا عَنْ لِعَانِهِ. وَيُلَاعِنُ أَخْرَسُ بِإِشَارَةٍ مُفْهِمَةٍ أَوْ كِتَابَةٍ. وَيَصِحُّ بِالْعَجَمِيَّةِ، وَفِيمَنْ عَرَفَ الْعَرَبِيَّةَ وَجْهٌ، وَيُغَلَّظُ بِزَمَانٍ وَهُوَ بَعْدَ عَصْرِ جُمُعَةٍ وَمَكَانٍ وَهُوَ أَشْرَفُ بَلَدِهِ، …
الزنا (ولو بدَّل لفظ) الله بغيره كالرحمن أو لفظ (شهادة بحلف ونحوه) كأقسم أو أحلف بالله (أو) لفظ (غضب بلعن وعكسه) بأن ذكر لفظ الغضب وهي لفظ اللعن (أو ذكرا) أي اللعن والغضب (قبل تمام الشهادات لم يصح في الأصح) ; لأن المرعي هنا اللفظ ونظم القرآن. (ويشترط فيه) أي في صحة اللعان (أمر القاضي) -أو نائبه أو المُحَكَّم أو السيد إذا لاعن بين أمته وعبده- به. ولو كان اللعان لنفي الولد الغير المكلف فقط امتنع التحكيم; لأن للولد حقا في النسب فلم يسقط برضاهما (و) معنى أمره به أنه (يُلَقِّن) كلا منهما (كلماته) فيقول له قل كذا وكذا إلى آخره، فما أتى به قبل التلقين لغو؛ إذ اليمين لا يعتد بها قبل استحلافه والشهادة لا تؤدى عنده إلا بإذنه، ويشترط موالاة الكلمات الخمس لا لعانيهما. ويظهر اعتبار الموالاة هنا بما مر في الفاتحة (١)، ومن ثم لم يضر الفصل هنا بما هو من مصالح اللعان، ولا يثبت شيء من أحكام اللعان إلا بعد تمامها (وأن يتأخر لعانها عن لعانه) ; لأن لعانها لدرء الحد عنها وهو لا يجب قبل لعانه (ويلاعن) من اعتقل لسانه بعد القذف ولم يرج برؤه أو رجي ومضت ثلاثة أيام ولم ينطق، و (أخرس) منهما ويقذف (بإشارة مفهمة أو كتابة) أو يجمع بينهما كسائر تصرفاته. أما إذا لم تكن له إشارة مفهمة فلا يصح؛ لتعذر معرفة مراده (ويصح) اللعان والقذف (بالعجمية) أي ما عدا العربية من اللغات إن راعى ترجمة اللعن والغضب، فيصح وإن عرف العربية كاليمين والشهادة (وفيمن عرف العربية وجه) أنه لا يصح لعانه بغيرها; لأنها الواردة. ويسن حضور أربعة يعرفون تلك اللغة ويجب مترجمان لقاضٍ جهلها (ويغلظ) ولو في كافر (بزمان وهو بعد) فعل (عصر) أيِّ يوم كان إن لم يتيسر التأخير للجمعة; لأن اليمين الفاجرة حينئذ أغلظ عقوبة كما دل عليه خبر الصحيحين، فإن تيسر التأخير فبعد عصر (جمعة) ; لأن يومها أشرف الأسبوع وساعة الإجابة فيها بعد عصرها كما في رواية صحيحة (ومكان وهو أشرف بلده) أي اللعان; لأن في تلك تأثيرا في الزجر عن اليمين
стр. 1494
فَبِمَكَّةَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالمَقَامِ، وَالمَدِينَةِ عِنْدَ المِنْبَرِ، وَبَيْتِ المَقْدِسِ عِنْدَ الصَّخْرَةِ، وَغَيْرِهَا عِنْدَ مِنْبَرِ الجَامِعِ، وَحَائِضٌ بِبَابِ المَسْجِدِ، وَذِمِّيٌّ فِي بِيعَةٍ وَكَنِيسَةٍ، وَكَذَا بَيْتُ نَارِ مَجُوسِيٍّ فِي الْأَصَحِّ، لَا بَيْتُ أَصْنَامِ وَثَنِيٍّ، وَجَمْعٍ مِنْ الْأَعْيَانِ، وَأَقَلُّهُ أَرْبَعَةٌ. وَالتَّغْلِيظَاتُ سُنَّةٌ لَا فَرْضٌ عَلَى المَذْهَبِ،
الكاذبة (فبمكة) يكون اللعان (بين الركن) الذي فيه الحجر الأسود (والمقام) أي مقام إبراهيم صلى الله على نبينا وعليه وسلم وهو المسمى بالحطيم؛ لحطم الذنوب فيه (و) في (المدينة) يكون (عند) أي على (المنبر) مما يلي القبر المكرم على مشرفه أفضل الصلاة وأفضل السلام; لأنه روضة من رياض الجنة (و) في (بيت المقدس) يكون (عند الصخرة) ; لأنها قبلة الأنبياء (و) في (غيرها) أي الأماكن الثلاثة يكون (عند منبر الجامع) أي عليه; لأنه أشرفه (و) تلاعن (حائض) ونفساء مسلمة ومسلم به جنابة ولم يمهل للغسل أو نجس يلوث المسجد (بباب المسجد) بعد خروج القاضي مثلا إليه؛ لحرمة مكث كل من أولئك فيه. ولو رأى تأخيره لزوال المانع فلا بأس. أما ذمية حائض أو نفساء أمن تلويثها وذمي جنب فيجوز تمكينها من الملاعنة في المسجد إلا المسجد الحرام (و) يلاعن (ذمي) أي كتابي ولو معاهدا أو مستأمنا (في بِيعة (١) للنصارى (وكنيسة) لليهود; لأنهم يعظمونها كتعظيمنا لمساجدنا (وكذا بيت نار مجوسي في الأصح)؛ لذلك. ويحضر نحو القاضي والجمع الآتي بمحالهم تلك؛ لما مر إلا ما به صور معظمة؛ لحرمة دخوله مطلقا كحرمة دخول ما ليس به صورة معظمة بلا إذنهم. وتلاعن كافرة تحت مسلم فيما ذكر لا في المسجد إلا إن رضي به (لا بيت أصنام وثني) دخل دارنا بهدنة أو أمان وترافعوا إلينا فلا يلاعن فيه بل في مجلس الحاكم؛ إذ لا أصل له في الحرمة، واعتقادهم لوضوح فساده غير مرعي، ولأن دخوله معصية ولو بإذنهم. ولا تغليظ في حق من لا يتدين بدين كدهري وزنديق بل يحلف إن لزمته يمين بالله الذي خلقه ورزقه، ويعتبر الزمن بما يعتقدون تعظيمه (و) حضور (جمع من الأعيان) والصلحاء؛ للاتباع ولأن فيه ردعا للكاذب (وأقله أربعة)؛ لثبوت الزنا بهم، ومن ثم اعتبر كونهم من أهل الشهادة ومعرفتهم لغة المتلاعنين (والتغليظات سنة لا فرض على المذهب) كما في سائر الأيمان.
стр. 1495
وَيُسَنُّ لِلْقَاضِي وَعْظُهُمَا، وَيُبَالِغُ عِنْدَ الخَامِسَةِ، وَأَنْ يَتَلَاعَنَا قَائِمَيْنِ، وَشَرْطُهُ زَوْجٌ يَصِحُّ طَلَاقُهُ وَلَوْ ارْتَدَّ بَعْدَ وَطْءٍ فَقَذَفَ وَأَسْلَمَ فِي الْعِدَّةِ لَاعَنَ، وَلَوْ لَاعَنَ ثُمَّ أَسْلَمَ فِيهَا صَحَّ أَوْ أَصَرَّ صَادَفَ بَيْنُونَةً. وَيَتَعَلَّقُ بِلِعَانِهِ فُرْقَةٌ وَحُرْمَةٌ مُؤَبَّدَةٌ، وَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ، وَسُقُوطُ الحَدِّ عَنْهُ، وَوُجُوبُ حَدِّ زِنَاهَا
(ويسن للقاضي) ولو بنائبه (وعظهما) بالتخويف من عقاب الله؛ للاتباع ويقرأ عليهما آية آل عمران ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ آل عمران: ٧٧، وخبر ((وحسابكما على الله، الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما من تائب)) (ويبالغ) في التخويف (عند الخامسة) لعلَّه يرجع؛ لخبر أبي داود ((أنه ﷺ أمر رجلا أن يضع يده على فيه عند الخامسة وقال إنها موجبة))، ويسن فعل ذلك بهما ويأتي واضع يده على الفم من ورائه (وأن يتلاعنا قائمين) وبحيث يرى كل صاحبه؛ للاتباع ولأن القيام أبلغ في الزجر، ويقعد كلٌّ وقت لعان الآخر. (وشرطه) -أي الملاعن أو اللعان؛ ليصح- ما تضمنه قوله (زوج) ولو باعتبار ما كان أو الصورة؛ ليدخل ما يأتي في البائن ونحو المنكوحة فاسدا فلا يصح من غيره كما دلت عليه الآية ولأن غيره لا يحتاج إليه؛ لما مر أنه حجة ضرورية (يصح طلاقه) كسكران وذمي وفاسق؛ تغليبا لشبه اليمين دون مكره، وغير مكلف، ولا لعان في قذف غير المكلف وإن كمل بعدُ ويعزر عليه (ولو ارتد) الزوج (بعد وطء) أو استدخال ماء (فقذف وأسلم في العدة لاعن)؛ لدوام النكاح (ولو لاعن) في الردة (ثم أسلم فيها) أي العدة (صحَّ)؛ لتبين وقوعه في صلب النكاح (أو أصر) مرتدا إلى انقضائها (صادف) اللعان (بينونة)؛ لتبين انقطاع النكاح بالردة، فإن كان هناك ولد نفاه بلعانه نفذ وإلا بان فساده وحد للقذف. وأفهم قوله فقذف وقوعه في الردة، فلو قذف قبلها صح وإن أصر كما يصح ممن أبانها بعد قذفها (ويتعلق بلعانه) -أي الزوج وإن كذب- أي بفراغه منه ولا نظر للعانها (فرقة) أي فرقة انفساخ (وحرمة) ظاهرا وباطنا (مؤبدة) فلا تحل له بعد بنكاح ولا ملك؛ لخبر الشيخين ((لا سبيل لك عليها)) (وإن أكذب) الملاعن (نفسه (١) فلا يفيده عود حل; لأنه حقه بل عود حد ونسب; لأنهما حق عليه (وسقوط الحد) أو التعزير الواجب لها عليه والفسق (عنه) بسبب قذفها للآية، وكذا قذف الزاني إن سماه في لعانه (ووجوب حد زناها) المضاف لحالة النكاح إن لم تلتعن ولو ذمية وإن لم ترض بحكمنا؛ لأنهم بعد الترافع
стр. 1496
وَانْتِفَاءُ نَسَبٍ نَفَاهُ بِلِعَانِهِ، وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى نَفْيِ مُمْكِنٍ مِنْهُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ بِأَنْ وَلَدَتْهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ الْعَقْدِ أَوْ طَلَّقَ فِي مَجْلِسِهِ، أَوْ نَكَحَ وَهُوَ بِالمَشْرِقِ وَهِيَ بِالمَغْرِبِ لَمْ يَلْحَقْهُ. وَلَهُ نَفْيُهُ مَيِّتًا،
إلينا لا يعتبر رضاهم، أما الذي قبل النكاح فسيأتي (وانتفاء نسب نفاه بلعانه (١) -أي فيه؛ لخبر الصحيحين بذلك، وسقوط حصانتها في حقه فقط إن لم تلتعن أو التعنت وقذفها بذلك الزنا أو أطلق; لأن اللعان في حقه كالبينة- وحل نحو أختها والتشطير قبل الوطء (وإنما يحتاج إلى نفي) ولد (ممكن) كونه (منه، فإن تعذر) لحوقه به (بأن ولدته) وهو غير تام لدون ما مر في الرجعة، أو وهو تام (لستة أشهر) فأقل (من العقد)؛ لانتفاء لحظتي الوطء والوضع (أو) لأكثر ولكن (طلق في مجلسه) أي العقد (أو نكح) صغيرا (٢) أو ممسوحا (٣) أو (وهو بالمشرق وهي بالمغرب) ولم يمض زمن يمكن فيه اجتماعهما ولا وصول (٤) مائه إليها عادة فلا نظر لوصول ممكن كرامة (٥) (لم يلحقه)؛ لاستحالة كونه منه فلم يحتج في انتفائه عنه إلى لعان (وله نفيه) أي الممكن لحوقه به (ميتا)؛ لبقاء نسبه بعد موته وتسقط مؤنة تجهيز المنفي بعد موته عنه ويرث، ولو مات الولد بعد النفي جاز له استلحاقه ويستحق إرثه ولا نظر إلى تهمته بذلك (٦). ولا يصح نفي من استلحقه، ولا ينتفي عنه من وُلِد على فراشه وأمكن كونه منه إلا باللعان (٧)، ولا أثر لقول الأم حملت به من وطء شبهة أو استدخال مني غير الزوج وإن صدقها الزوج; لأن الحق للولد والشارع أناط لحوقه بالفراش حتى يوجد اللعان بشروطه
стр. 1497
وَالنَّفْيُ عَلَى الْفَوْرِ فِي الجَدِيدِ، وَيُعْذَرُ لِعُذْرٍ، وَلَهُ نَفْيُ حَمْلٍ وَانْتِظَارُ وَضْعِهِ، وَمَنْ أَخَّرَ وَقَالَ جَهِلْتُ الْوِلَادَةَ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ إنْ كَانَ غَائِبًا وَكَذَا الحَاضِرُ فِي مُدَّةٍ يُمْكِنُ جَهْلُهُ فِيهَا، وَلَوْ قِيلَ لَهُ: مُتِّعْت بِوَلَدِك، أَوْ جَعَلَهُ اللهُ لَكَ وَلَدًا صَالحًا فَقَالَ آمِينَ أَوْ نَعَمْ تَعَذَّرَ نَفْيُهُ، وَإِنْ قَالَ جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا، أَوْ بَارَكَ عَلَيْك فَلَا. وَلَهُ اللِّعَانُ مَعَ إمْكَانِ بَيِّنَةٍ بِزِنَاهَا،
(والنفي على الفور في الجديد) ; لأنه شرع لدفع الضرر فكان كالرد بالعيب والأخذ بالشفعة فيأتي الحاكم ويعلمه بانتفائه عنه ويعذر في الجهل بالنفي أو الفورية فيصدق فيه بيمينه إن كان عاميا؛ لخفائه على العوام وإن خالطوا العلماء. وخرج بالنفي اللعان فلا يجب فيه فور (ويعذر) في تأخير النفي (لعذر)، نعم يلزمه إرسال مَن يُعْلَم الحاكم فإن عجز فالإشهاد وإلا بطل حقه كغائب أخَّر السير لغير عذر أو سار أو تأخر لعذر ولم يشهد. ثم إن الأعذار المعتبرة هنا هي أضيقُ أعذارِ كلٍّ من الجمعة والشفعة والردِّ بالعيب (١)، ولذا لم يكن أكل ذي ريح كريه عذرا هنا (وله نفي حمل) كما صح أنّ هلال بن أمية لاعن عن الحمل (و) له (انتظار وضعه)؛ ليعلم كونه ولدا؛ إذ ما يظن حملا قد يكون نحو ريح، أما لو انتظر وضعه رجاءَ أن تضعه ميتا فيُكْفَى اللعان فيبطل حقه من النفي ويلحقه؛ لتقصيره (ومن أخَّر) النفي (وقال جهلت الولادة صدق بيمينه إن) أمكن عادة كأن (كان غائبا) ; لأن الظاهر يشهد له، ومن ثم لو استفاضت ولادتها لم يصدق (وكذا) يصدق مدعي الجهل بها (الحاضر) إن ادعى ذلك (في مدة يمكن جهله) به (فيها) عادة كأن بَعُد محله عنها ولم يستفض عنده؛ لاحتمال صدقه حينئذ بخلاف ما إذا انتفى ذلك; لأن جهله به إذن خلاف الظاهر. ولو أخبره عدل رواية لم يقبل منه قوله لم أصدقه وإلا قبل بيمينه (ولو قيل له) وهو متوجه للحاكم، أو وقد سقط عنه التوجه إليه؛ لعذر به (مُتِّعت بولدك أو جعله الله لك ولدا صالحا فقال آمين أو نعم) ولم يكن له ولد آخر يشتبه به ويدعي إرادته (تعذر نفيه) ولحقه؛ لتضمن ذلك منه رضاه به (وإن قال) في أحد الحالين السابقين (جزاك الله خيرا أو بارك عليك فلا) يتعذر النفي؛ لاحتمال أنه قصد مجرد مقابلة الدعاء (وله اللعان)؛ لدفع حد أو نفي ولد (مع إمكان) إقامة (بينة بزناها) ; لأن كلا
стр. 1498
وَلَهَا لِدَفْعِ حَدِّ الزِّنَا.
فصل
لَهُ اللِّعَانُ لِنَفْيِ وَلَدٍ وَإِنْ عَفَتْ عَنْ الحَدِّ وَزَالَ النِّكَاحُ، وَلَهُ لِدَفْعِ حَدِّ الْقَذْفِ وَإِنْ زَالَ النِّكَاحُ، وَلَا وَلَدَ، وَلِتَعْزِيرِهِ، إِلَّا تَعْزِيرَ تَأْدِيبٍ كَقَذْفِ طِفْلَةٍ لَا تُوطَأُ، وَلَوْ عَفَتْ عَنْ الحَدِّ أَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِزِنَاهَا أَوْ صَدَّقَتْهُ وَلَا وَلَدَ أَوْ سَكَتَتْ عَنْ طَلَبِ الحَدِّ أَوْ جُنَّتْ بَعْدَ قَذْفِهِ فَلَا لِعَانَ فِي الْأَصَحِّ،
حجة تامة (ولها) اللعان، بل يلزمها إن صدقت (لدفع حد الزنا) المتوجه عليها بلعانه -لا بالبينة; لأنه حجة ضعيفة فلا يقاومها- ولا فائدة للعانها غير هذا.
(فصل)
(له اللعان لنفي ولد) بل يلزمه إذا علم أنه ليس منه كما مر بتفصيله (وإن) أقام بينة بزناها و (عفت عن الحد وزال النكاح) بطلاق أو غيره؛ لحاجته إليه بل هي آكد من حاجته لدفع الحد (وله) اللعان بل يلزمه إن صدق (لدفع حد القذف) إن طلبته هي أو الزاني (وإن زال النكاح ولا ولد)؛ إظهارا لصدقه ومبالغة في الانتقام منها (ولـ) دفع (تعزيره)؛ لكونها ذمية مثلا وقد طلبته (إلا تعزير تأديب)؛ لصدقه ظاهرا -كقذف من ثبت زناها ببينة أو إقرار أو لعانه مع امتناعها منه- أو لكذبه الضروري (كقذف طفلة لا توطأ) أي لا يمكن وطؤها وكقذف كبيرةٍ نحوِ قرناء أو بوطء نحو ممسوح فلا يلاعن لإسقاطه وإن بلغت وطالبته؛ إذ لا عار يلحقها به للعلم بكذبه فلا يُمَكَّن من الحلف على صدقه، وإنما زجر؛ حتى لا يعود للإيذاء والخوض في الباطل، ومن ثم يستوفيه القاضي للطفلة بخلاف الكبيرة لا بد من طلبها، ومحل ما ذكر في نحو القرناء حيث لم يرد وطء دبرها وإلا فهو من الأول، وما عدا هذين -أعني ما علم صدقه أو كذبه- يقال له تعزير التكذيب؛ لما فيه من إظهار كذبه بقيام العقوبة عليه وهو من جملة المستثنى منه ولا يستوفَى إلا بطلب المقذوف (ولو عفت عن الحد) أو التعزير (أو أقام بينة بزناها) أو إقرارها به (أو صدقته) فيه (ولا ولد) ولا حمل ينفيه (أو سكتت عن طلب الحد) بلا عفو (أو جُنَّت بعد قذفه) ولا ولد ولا حمل أيضا (فلا لعان) في المسائل الخمس ما دام السكوت أو الجنون في الأخيرتين (في الأصح)؛ إذ لا حاجة إليه في الكل سيما الثانية والثالثة؛ لثبوت قوله بحجة أقوى من اللعان. أما مع ولد أو حمل ينفيه
стр. 1499
وَلَوْ أَبَانَهَا أَوْ مَاتَتْ ثُمَّ قَذَفَهَا بِزِنًا مُطْلَقٍ أَوْ مُضَافٍ إلَى مَا بَعْدَ النِّكَاحِ لَاعَنَ إنْ كَانَ وَلَدٌ يَلْحَقُهُ فَإِنْ أَضَافَ إلَى مَا قَبْلَ نِكَاحِهِ فَلَا لِعَانَ إنْ لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ وَكَذَا إنْ كَانَ فِي الْأَصَحِّ لَكِنْ لَهُ إنْشَاءُ قَذْفٍ وَيُلَاعِنُ، وَلَا يَصِحُّ نَفْيُ أَحَدِ تَوْأَمَيْنِ
فيلاعن جزما، وإذا لزمه حد بقذف مجنونة بزنا أضافه لحال إفاقتها أو تعزير بما لم يضفه أو بقذف صغير انتظر طلبهما بعد كمالهما، ولا تحد مجنونة بلعانه حتى تفيق وتمتنع من اللعان (ولو أبانها) بواحدة أو أكثر (أو ماتت ثم قذفها) فإن قذفها (بزنا مطلق أو مضاف إلى ما) أي زمن (بعد النكاح لاعن) للنفي (إن كان) هناك (ولد) أو حمل (يلحقه) ظاهرا وأراد نفيه في لعانه؛ للحاجة إليه حينئذ كما في صلب النكاح، وحينئذ يسقط عنه حد قذفه لها ويلزمها به حد الزنا إن أضافه للنكاح ولم تلاعن هي كالزوجة بخلاف ما إذا انتفى الولد عنه فيحد ولا لعان (فإن أضاف) الزنا الذي رماها به (إلى ما) أي زمن (قبل نكاحه) أو بعد بينونتها (فلا لعان) جائز (إن لم يكن ولد)، ويحدُّ؛ لعدم احتياجه لقذفها حينئذ كالأجنبية (وكذا) لا لعان (إن كان) ولد (في الأصح)؛ لتقصيره بالإسناد لما قبل النكاح (لكن له) بل يلزمه إن علم زناها أو ظنه (إنشاء قذف) مطلق أو مضاف لما بعد النكاح؛ بناء على أنه لا يلاعن (ويلاعن) حينئذ لنفي النسب؛ للضرورة، فإن أبى حُدَّ (ولا يصح نفي أحد توأمين) وإن ولدتهما مرتبا ما لم يكن بين ولادتهما ستة أشهر؛ لجريان العادة الإلهية بعدم اجتماع ولد في الرحم من ماء رجل وولد من ماء آخر فلم يتبعضا لحوقا ولا انتفاء، فإن نفى أحدهما واستلحق الآخر أو سكت عن نفيه أو نفاهما ثم استلحق أحدهما لحقاه، وغلبوا الاستلحاق على النفي؛ لقوته بصحته بعد النفي دون النفي بعده؛ احتياطا للنسب ما أمكن، ومن ثم لحقه ولد أمكن كونه منه بغير استلحاق، ولم ينتف عنه عند إمكان كونه من غيره إلا باللعان. أما إذا كان بين وضعيهما ستة أشهر على ما مر في تعليق الطلاق بالحمل فهما حملان كما سيذكره فيصح نفي أحدهما فقط.
стр. 1500
كتاب العدد
عِدَّةُ النِّكَاحِ ضَرْبَانِ الأَوَّلُ مُتَعَلِّقٌ بِفُرْقَةِ حَيٍّ بِطَلَاقٍ وَفَسْخٍ، وَ إِنَّمَا تَجِبُ بَعْدَ وَطْءٍ، أَوِ اسْتِدْخَالِ مَنِيِّهِ، وَإِنْ تَيَقَّنَ بَرَاءَةَ الرَّحِمِ،
(كتاب العدد)
جمع عدة، وهي مدة تربص المرأة؛ لتعرف براءة رحمها من الحمل، أو للتعبد -وهو اصطلاحا ما لا يعقل معناه عبادة كان أو غيرها- أو لتفجعها على زوج مات. والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع، وهي من حيث الجملة معلومة من الدين بالضرورة. وكررت الأقراء الملحق بها الأشهر مع حصول البراءة بواحد؛ استظهارا (عدة النكاح) وهو الصحيح حيث أطلق (ضربان الأول يتعلق بفرقة) زوج (حي بطلاق) أ (و فسخ) بنحو عيب، أو انفساخ بنحو لعان; لأنهما في معنى الطلاق المنصوص عليه. وخرج بالنكاح الزنا فلا عدة فيه اتفاقا، ووطء الشبهة -فإنه ليس ضربين بل ليس فيه إلا ما في فرقة الحي- وهو كل ما لم يوجب حدا على الواطئ وإن أوجبه على الموطوءة كوطء مجنون أو مراهق أو مكره (١) كاملة ولو زنا منها فتلزمها العدة؛ لاحترام الماء (وإنما تجب بعد وطء) بذكر متصل ولو في دبر من نحو صبي تهيأ للوطء وخصي وإن كان الذكر أشل. أما قبل الوطء فلا عدة؛ للآية كزوجة مجبوب لم تستدخل منيه، وممسوح مطلقا؛ إذ لا يلحقه الولد (أو) بعد (استدخال منيه) -أي الزوج المحترم منية وقت إنزاله واستدخاله (٢) ولو منيِّ مجبوبـ; لأنه أقرب للعلوق من مجرد إيلاج قطع فيه بعدم الإنزال. أما غير المحترم عند إنزاله بأن أنزله من زنا فاستدخلته زوجته أو استنزله بيده فلا عدة فيه ولا نسب يلحق به، واستدخالها مني محترم الخروج ممن تظنه زوجها فيه عدة ونسب كوطء الشبهة (٣). وتجب عدة الفراق بعد الوطء (وإن تيقن براءة الرحم)؛ لكونه علَّق الطلاق (٤) ببراءة
стр. 1501
لَا بِخَلْوَةٍ فِي الجَدِيدِ، وَعِدَّةُ حُرَّةٍ ذَاتِ أَقْرَاءٍ ثَلَاثَةٌ. وَالْقَُرْءُ: الطُّهْرُ، فَإِنْ طُلِّقَتْ طَاهِرًا انْقَضَتْ بِالطَّعْنِ فِي حَيْضَةٍ ثَالِثَةٍ، أَوْ حَائِضًا فَفِي رَابِعَةٍ، وَفِي قَوْلٍ يُشْتَرَطُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ بَعْدَ الطَّعْنِ. وَهَلْ يُحْسَبُ طُهْرُ مَنْ لَمْ تَحِضْ قَرْءًا؟ قَوْلَانِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَرْءَ، انْتِقَالٌ مِنْ طُهْرٍ إلَى حَيْضٍ، أَمْ طُهْرٌ مُحْتَوَشٌ بِدَمَيْنِ، وَالثَّانِي أَظْهَرُ. وَعِدَّةُ مُسْتَحَاضَةٍ، بِأَقْرَائِهَا المَرْدُودَةِ إلَيْهَا ....
الرحم فوجدت البراءة -بأن ولدت بعد التعليق- أو لكون الواطئ طفلا أو الموطوءة طفلة؛ لعموم مفهوم قوله تعالى ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ البقرة: ٢٣٧ (لا بخلوة) مجردة عن وطء أو استدخال مني فلا عدة فيها (في الجديد)؛ للمفهوم المذكور (وعدة حرة ذات أقراء) وإن اختلفت وتطاول ما بينها (ثلاثة) من الأقراء وإن استجلبتها بدواء؛ للآية، وكذا لو كانت حاملا من زنا؛ إذ حمل الزنا لا حرمة له. ولو جهل حال الحمل ولم يمكن لحوقه بالزوج حمل على أنه من زنا، أما إذا أتت به للإمكان منه فيلحقه ولم ينتف عنه إلا باللعان. ولو أقرَّت أنها من ذوات الأقراء ثم كذبت نفسها وزعمت أنها من ذوات الأشهر لم تقبل; لأن قولها الأول يتضمن أن عدتها لا تنقضي بالأشهر فلا يقبل رجوعها عنه بخلاف ما لو قالت لا أحيض زمن الرضاع ثم أكذبت نفسها وقالت أحيض زمنه فيقبل; لأن الثاني متضمن لدعواها الحيض في زمن إمكانه وهي مقبولة وإن خالفت عادتها. ولو التحقت حرة ذمية بدار الحرب ثم استرقت كملت عدة الحرة (والقَُرء الطهر) المحتوش بدمين كما قاله جماعة من الصحابة ﵃ (فإن طلقت طاهرا) وقد بقي من الطهر لحظة (انقضت بالطعن في حيضة ثالثة)؛ لإطلاق القرء على أقل لحظة من الطهر وإن وطئ فيه. أما إذا لم يبق منه ذلك كأنت طالق آخر طهرك فلا بد من ثلاثة أقراء كوامل (أو) طلقت (حائضا) وإن لم يبق من زمن الحيض شيء (فـ) تنقضي عدتها بالطعن (في) حيضة (رابعة) إذ ما بقي من الحيض لا يحسب قرءا قطعا; لأن الطهر الأخير إنما يتبين كماله بالشروع فيما يعقبه وهو الحيضة الرابعة (وفي قول يشترط يوم وليلة بعد الطعن، وهل يحسب طهر مَن لم تحض) أصلا (قرأً)؟ أو لا يحسب (قولان بناء على أن القرء) هل هو (انتقال من طهر إلى حيض) فيحسب (أم طهر محتوَش بدمين) -حيضين أو نفاسين أو حيض ونفاس- فلا يحسب (والثاني) من المبني عليه (أظهر) فيكون الأظهر في المبني عدم حسبانه قرأً، فإذا حاضت بعده لم تنقض عدتها إلا بالطعن في الرابعة كمن طلقت في الحيض (وعدة) حرة أو أمة (مستحاضة) غير متحيرة (بأقرائها المردودة) هي (إليها) حيضا وطهرا فترد معتادة لعادتها فيهما، ومميزة لتمييزها كذلك، ومبتدأة ليوم وليلة في الحيض وتسع وعشرين في الطهر فعدتها
стр. 1502
وَمُتَحَيِّرَةٍ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ فِي الحَالِ، وَقِيلَ بَعْدَ الْيَأْسِ. وَأُمِّ وَلَدٍ وَمُكَاتَبَةٍ وَمَنْ فِيهَا رِقٌّ بِقُرْأَيْنِ، وَإِنْ عَتَقَتْ فِي عِدَّةِ رَجْعَةٍ كَمَّلَتْ عِدَّةَ حُرَّةٍ فِي الْأَظْهَرِ، أَوْ بَيْنُونَةٍ فَأَمَةٍ فِي الْأَظْهَرِ،
تسعون يوما من ابتداء الدم؛ لاشتماله كل شهر على حيضة وطهر غالبا (و) عدة حرة (متحيرة بثلاثة أشهر) هلالية، نعم إن وقع الفراق أثناء شهر فإن بقي منه أكثر (١) من خمسة عشر يوما حسب قرأ؛ لاشتماله على طهر لا محالة فتعتد بعده بهلالين، وإلا أُلغي واعتدت من انقضائه بثلاثة أهلة (في الحال)؛ لاشتمال كلِّ شهر على ما ذكر (وقيل) عدتها بالنسبة لحلها للأزواج -لا لرجعة وسكنى- ثلاثة أشهر (بعد اليأس) ; لأنها قبله متوقعة للحيض المتيقن. هذا كله إن لم تحفظ قدر دورها وإلا اعتدت بثلاثة أدوار بلغت الثلاثة الأشهر أو لا. ولو شكت في قدر دورها لكن قالت أعلم أنه لا يزيد على سنة جعلت السنة دورها إلا أن تعلم من عادتها ما يقتضي زيادة أو نقصا. أما مَن فيها رق فتعتد بشهرين؛ لأن الأشهر غير متأصلة في حقها، هذا إن طلقت أول الشهر وإلا بأن بقي أكثره (٢) فبباقيه وأشهر الثاني، أو دون أكثره فبشهرين بعد تلك البقية (و) عدة أمة حتى (أم ولد ومكاتبة ومن فيها رق) وإن قلَّ (بقرأين) ; لأن القن على نصف ما للحر، وكُمِّل القرء؛ لتعذر تنصيفه، نعم لو تزوج لقيطة ثم أقرت بالرق ثم طلقها اعتدت عدة حرة؛ لحق الزوج، أو مات عنها اعتدت عدة أمة؛ لحق الله تعالى (وإن عتقت) أمة بسائر أحوالها (في عدة رجعة كملت عدة حرة في الأظهر) ; لأن الرجعية زوجة في أكثر الأحكام فكأنها عتقت قبل الطلاق (أو) في عدة (بينونة) أو وفاة (فـ) لتكمل عدة (أمة في الأظهر) ; لأن البائن والتي في حكمها كالأجنبية. أما لو عتقت مع العدة كأن علَّق طلاقها وعتقها بشيء واحد فتعتد عدة حرة قطعا.
[تنبيه] العبرة في كونها حرة أو أمة بظن الواطئ لا بما في الواقع حتى لو وطئ أمة غيره يظنها زوجته الحرة اعتدت بثلاثة أقراء، أو حرة يظنها أمته اعتدت بقرء، أو زوجته الأمة اعتدت بقرأين (٣) ; لأن العدة حقه فنيطت بظنه. ولو وطئ أمته يظن أنه يزني بها اعتدت بقرء
стр. 1503
وَحُرَّةٍ لَمْ تَحِضْ أَوْ يَئِسَتْ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، فَإِنْ طُلِّقَتْ فِي أَثْنَاءِ شَهْرٍ فَبَعْدَهُ هِلَالَانِ وَيُكَمَّلُ المُنْكَسِرَ ثَلَاثِينَ، فَإِنْ حَاضَتْ فِيهَا وَجَبَتِ الْأَقْرَاءُ، وَأَمَةٍ بِشَهْرٍ وَنِصْفٍ، وَفِي قَوْلٍ شَهْرَانِ، وَفِي قَوْلٍ ثَلَاثَةٌ، وَمَنِ انْقَطَعَ دَمُهَا لِعِلَّةٍ كَرَضَاعٍ وَمَرَضٍ تَصْبِرُ حَتَّى تَحِيضَ أَوْ تَيْأَسَ فَبِالْأَشْهُرِ، أَوْ لَا لِعِلَّةٍ فَكَذَا فِي الجَدِيدِ، وَفِي الْقَدِيمِ تَتَرَبَّصُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، وَفِي قَوْلٍ أَرْبَعَ سِنِينَ ثُمَّ تَعْتَدُّ بِالْأَشْهُرِ،
ولحقه الولد ولا أثر لظنه هنا؛ لفساده، ومن ثم لم يحد كما يأتي؛ لعدم تحقق المفسدة، بل ولا يعاقب في الآخرة عقاب الزاني بل دونه، نعم يفسق بذلك، وكذا كل فعل قدم عليه يظنه معصية فإذا هو غيرها (و) عدة (حرة لم تحض)؛ لصغرها أو لعلة أو جبلَّة منعتها رؤية الدم أصلا أو ولدت ولم تر دما (أو يئست) من الحيض بعد أن رأته (بثلاثة أشهر) بالأهلة؛ للآية، هذا إن انطبق الفراق على أول الشهر كأن علق الطلاق به أو بانسلاخ ما قبله (فإن طلقت في أثناء شهر فبعده هلالان ويكمل) الأول (المنكسر) -وإن نقص- (ثلاثين) يوما من الرابع (فإن حاضت فيها) أي أثناء الأشهر (وجبت الأقراء) إجماعا; لأنها الأصل ولم يتم البدل، ولا يحسب ما مضى للأولى بأقسامها قرأ كما مر. وخرج بفيها بعدها فلا يؤثر الحيض فيه بالنسبة للأولى بأقسامها بخلاف الآيسة كما يأتي (و) عدة (أمة) يعني من فيها رق لم تحض أو يئست (بشهر ونصف)؛ لإمكان التبعيض هنا بخلاف القرء؛ إذ لا يظهر نصفه إلا بظهور كله فوجب انتظار عود الدم (وفي قول) عدتها (شهران) ; لأنهما بدل القرأين (وفي قول) عدتها (ثلاثة) من الأشهر.
[فرع] إذا عُرف حيض المجنونة اعتدت به وإلا فبالأشهر (ومن انقطع دمها لعلة) تُعرف (كرضاع ومرض) وإن لم يرج برؤه (تصبر حتى تحيض) فتعتد بالأقراء (أو) حتى (تيأس فـ) تعتد (بالأشهر) وإن طالت المدة وطال ضررها بالانتظار; لأن عثمان ﵁ حكم بذلك في المرضع، (أو) انقطع (لا لعلة) تُعرف (فكذا) تصبر لسن اليأس إن لم تحض (في الجديد) ; لأنها لرجائها العود كالأولى، ولهذه ومن لم تحض أصلا وإن لم تبلغ خمس عشر سنة استعجال الحيض بدواء (وفي القديم تتربص تسعة أشهر) ثم تعتد بثلاثة أشهر؛ ليعرف فراغ الرحم؛ إذ هي غالب مدة الحمل (وفي قول) قديم أيضاً (أربع سنين) ; لأنها أكثر مدة الحمل فتتيقن براءة الرحم (ثم) إن لم يظهر حمل (تعتد بالأشهر).
стр. 1504
فَعَلَى الجَدِيدِ لَوْ حَاضَتْ بَعْدَ الْيَأْسِ فِي الْأَشْهُرِ وَجَبَتِ الْأَقْرَاءُ، أَوْ بَعْدَهَا فَأَقْوَالٌ أَظْهَرُهَا إنْ نَكَحَتْ فَلَا شَيْءَ وَإِلَّا فَالْأَقْرَاءُ، وَالمُعْتَبَرُ يَأْسُ عَشِيرَتِهَا، وَفِي قَوْلٍ: كُلُّ النِّسَاءِ، قُلْتُ: ذَا الْقَوْلُ أَظْهَرُ، وَاَللهُ أَعْلَمُ
(فعلى الجديد لو حاضت بعد اليأس في الأشهر) الثلاثة (وجبت الأقراء) ; لأنها الأصل ولم يتم البدل، ويحسب ما مضى قرءا قطعا؛ لاحتواشه بدمين (أو) حاضت (بعدها) أي الأشهر الثلاثة (فأقوال أظهرها إن نكحت) زوجا آخر (فلا شيء) عليها; لأن عدتها انقضت ظاهرا ولا ريبة مع تعلق حق الزوج بها (وإلا) تكن نكحت (فالأقراء) تجب عليها; لأنه بان أنها غير آيسة وأنها ممن يحضن مع عدم تعلق حق بها.
[تنبيه] هذا التفصيل يجري في غيرها فإذا صار أعلى اليأس في حق امرأة سبعين مثلا ثم بلغ ذلك غيرها ممن اعتددن بعد سن اليأس الذي هو اثنان وستون بالأشهر فإن كان ذلك قبل أن ينكحن أعدن العدة بالأشهر بعد السبعين وبان أن العدة الأولى وقعت في غير محلها (١)، أو بعد أن ينكحن صح نكاحهن ولم يحكم عليهن بالحكم الذي ثبت لذات الدم، والعبرة في بلوغ ذلك لهن بزمن انقطاع دم التي رأت حتى ينظر أن النكاح وقع قبله أم بعده، لا بزمن بلوغ الخبر، ويشترط في البلوغ ثبوت (٢) أن المرئي حيض ببينة وأنه في زمن سنها فيه كذا وأنه انقطع لزمن كذا، نعم مَن صدقها يقبل قولها في حقه بالنسبة لما يتعلق بها دون زوجها ونحوه (والمعتبر) في اليأس على الجديد (يأس عشيرتها) أي نساء أقاربها من الأبوين الأقرب إليها فالأقرب؛ لتقاربهن طبعا وخلقا. ويعتبر أقلهن عادة، ومن لا قريبة لها تعتبر بما في قوله (وفي قول) يأس (كل النساء) في كل الأزمنة باعتبار ما يبلغنا خبره ويعرف (قلت: ذا القول أظهر والله أعلم) ; لأن مبنى العدة على الاحتياط وطلب اليقين وحدَّدوه باعتبار ما بلغهم باثنتين وستين سنة، وفيه أقوال أخر أقصاها خمس وثمانون وأدناها خمسون. وتفصيل طرو الحيض المذكور يجري نظيره في الأمة أيضا.
стр. 1505
فصل
عِدَّةُ الحَامِلِ بِوَضْعِهِ بِشَرْطِ نِسْبَتِهِ إلَى ذِي الْعِدَّةِ وَلَوِ احْتِمَالًا كَمَنْفِيٍّ بِلِعَانٍ، وَانْفِصَالِ كُلِّهِ حَتَّى ثَانِي تَوْأَمَيْنِ وَمَتَى تَخَلَّلَ دُونَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَتَوْأَمَانِ، وَتَنْقَضِي بِمَيْتٍ، لَا عَلَقَةٍ، وَبِمُضْغَةٍ فِيهَا صُورَةُ آدَمِيٍّ خَفِيَّةٌ أَخْبَرَ بِهَا الْقَوَابِلُ،
[تنبيه] رأت بعد سن اليأس دما وأمكن كونه حيضا صار أعلى اليأس زمن انقطاعه الذي لا عود بعده، ويعتبر بعد ذلك بها غيرها . ولا يقبل قول المرأة أنها بلغت سن اليأس إلا ببينة (١).
(فصل) في عدة الحامل
(عدة الحامل) الحرة والأمة عن فراق حي أو ميت (بوضعه) أي الحمل؛ للآية (بشرط نسبته إلى ذي العدة) من زوج أو واطئ بشبهة (ولو احتمالا كـ) ـحمل (منفي بلعان) ; لأن نفيه عنه غير قطعي؛ لاحتمال كذبه، ومن ثم لو استلحقه لحقه. أما إذا لم يمكن كونه منه فلا تنقضي العدة به كصبي لم يبلغ تسع سنين وممسوح ذكره وأنثياه مطلقا أو ذكره فقط -ولم يمكن أن تستدخل منيه وإلا لحقه وإن لم يثبت الاستدخال- ومولود لدون ستة أشهر من العقد (و) بشرط (انفصال كله (٢) فلا أثر لخروج بعضه (حتى ثاني توأمين) ; لأنهما حمل واحد كما مر (ومتى تخلل) لستة، أو (دون ستة أشهر فتوأمان) أو ستة ولحظة الوطء فلا بل هما حملان، وتلك اللحظة (٣) للوضع أو الاستدخال عقب وضع الأول، (وتنقضي) العدة (بميت)؛ لإطلاق الآية (لا علقة) ; لأنها تسمى دما لا حملا، ولا يعلم كونها أصل آدمي (و) تنقضي (بمضغة فيها صورة آدمي خفية) على غير القوابل (أخبر بها) بطريق الجزم أهل الخبرة ومنهم (القوابل) ; لأنها حينئذ تسمى حملا، وعبروا بـ ((أخبر)) ; لأنه لا يشترط لفظ شهادة إلا إذا وجدت دعوى عند قاض أو مُحَكَّم، وتكفي باطنا إخبار قابلة فقط.
стр. 1506
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ صُورَةٌ وَقُلْنَ: هِيَ أَصْلُ آدَمِيٍّ انْقَضَتْ عَلَى المَذْهَبِ، وَلَوْ ظَهَرَ فِي عِدَّةِ أَقْرَاءٍ أَوْ أَشْهُرٍ حَمْلٌ لِلزَّوْجِ اعْتَدَّتْ بِوَضْعِهِ، وَلَوِ ارْتَابَتْ فِيهَا لَمْ تَنْكِحْ حَتَّى تَزُولَ الرِّيبَةُ، أَوْ بَعْدَهَا وَبَعْدَ نِكَاحٍ اسْتَمَرَّ إلَّا أَنْ تَلِدَ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ عَقْدِهِ. أَوْ بَعْدَهَا قَبْلَ نِكَاحٍ فَلْتَصْبِرْ لِزَوَالِ الرِّيبَةِ،
(فإن لم تكن) فيها (صورة) خفية (و) لكن (قُلن) أي القوابل مثلا -لا مع تردد- (هي أصل آدمي) ولو بقيت تخلقت (انقضت) العدة بوضعها أيضا (على المذهب)؛ لتيقن براءة الرحم بها كالدم بل أولى.
[فرع] يحرم التسبب لإسقاط ما لم يصل لحد نفخ الروح فيه وهو مائة وعشرون يوما، ولا يشكل عليه جواز العزل ؛ لوضوح الفرق بينهما بأن المني حال نزوله محض جماد لم يتهيأ للحياة بوجه بخلافه بعد استقراره في الرحم وأخذه في مبادئ التخلق ويُعرف ذلك بالأمارات، وفي حديث مسلم ((أنه يكون بعد اثنتين وأربعين ليلة)) أي ابتداؤه كما مر في الرجعة، ويحرم استعمال ما يقطع الحبل من أصله. (ولو ظهر في عدة أقراء أو أشهر) أو بعدها (حمل للزوج اعتدت بوضعه) ; لأنه أقوى بدلالته على البراءة قطعا (ولو ارتابت) أي شكت في أنها حامل؛ لوجود نحو ثقل أو حركة (فيها) أي العدة بأقراء أو أشهر (لم تنكح) آخر بعد الأقراء أو الأشهر (حتى تزول الريبة) بأمارة قوية على عدم الحمل ويرجع فيها للقوابل، وذلك; لأن العدة قد لزمتها بيقين فلا تخرج عنها إلا بيقين فإن نكحت مرتابة فباطل ظاهرا، فإن بان عدم الحمل فالقياس الصحة (١) (أو) ارتابت (بعدها) أي العدة (وبعد نكاح) لآخر (استمر) النكاح؛ لوقوعه صحيحا ظاهرا فلا يبطل إلا بيقين (إلا أن تلد لدون ستة أشهر من) إمكان العلوق بعد (عقده) فلا يستمر؛ لتحقق المبطل حينئذ فيحكم ببطلانه وبأن الولد للأول إن أمكن كونه منه. أما إذا ولدت لستة أشهر فأكثر فالولد للثاني; لأن فراشه ناجز ونكاحه قد صح ظاهرا فلم ينظر لإمكانه من الأول؛ لئلا يبطل ما صح بمجرد الاحتمال، وكالنكاح الثاني فيما ذكر وطء الشبهة بعد العدة فيلحقه الولد إذا أمكن منه -وإن أمكن من الأول أيضا-؛ لانقطاع النكاح والعدة عنه ظاهرا (أو) ارتابت (بعدها قبل نكاح فلتصبر) ندبا وإلا كره (لزوال الريبة)؛ احتياطا.
стр. 1507
فَإِنْ نَكَحَتْ فَالمَذْهَبُ عَدَمُ إبْطَالِهِ فِي الحَالِ، فَإِنْ عُلِمَ مُقْتَضِيه أَبْطَلْنَاهُ، وَلَوْ أَبَانَهَا فَوَلَدَتْ لِأَرْبَعِ سِنِينَ لَحِقَهُ، أَوْ لِأَكْثَرَ فَلَا. وَلَوْ طَلَّقَ رَجْعِيًّا حُسِبَتِ المُدَّةُ مِنَ الطَّلَاقِ، وَفِي قَوْلٍ مِنَ انْصِرَامِ الْعِدَّةِ. وَلَوْ نَكَحَتْ بَعْدَ الْعِدَّةِ فَوَلَدَتْ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَكَأَنَّهَا لَمْ تَنْكِحْ، وَإِنْ كَانَ لِسِتَّةٍ فَالْوَلَدُ لِلثَّانِي
(فإن نكحت) ولم تصبر لذلك (فالمذهب عدم إبطاله) أي النكاح (في الحال) ; لأنَّا لم نتحقق المبطل (فإن علم مقتضيه) أي البطلان بأن ولدت لدون ستة أشهر مما مر (أبطلناه) أي حكمنا ببطلانه؛ لتبين فساده وإلا فلا. ولو راجعها وقت الريبة وقفت الرجعة فإن بان حمل صحت وإلا فلا (ولو أبانها) أي زوجته بخلع أو ثلاث ولم ينف الحمل (فولدت لأربع سنين) فأقل ولم تتزوج بغيره أو تزوجت بغيره ولم يمكن كون الولد من الثاني (لحقه) وبان وجوب سكناها ونفقتها -وإن أقرت بانقضاء العدة-؛ لقيام الإمكان إذ أكثر مدة الحمل أربع سنين بالاستقراء، وابتداء الأربع السنين من وقت إمكان الوطء قبل الفراق -بتنجيز أو تعليق- فإطلاقهم أنه من الطلاق محمول على ما إذا قارنه الوطء (أو) ولدت (لأكثر) من أربع سنين مما ذكر (فلا) يلحقه؛ لعدم الإمكان (ولو طلّق) ـها (رجعيا) فأتت بولد لأربع سنين لحقه وبان وجوب نفقتها وسكناها أو لأكثر فلا، و (حسبت المدة من الطلاق (١) إن قارنه الوطء وإلا فمن إمكان الوطء قبله. وحذف هذا من البائن لعلمه مما هنا بالأولى؛ لأنه إذا حسب من الطلاق مع أنها في حكم الزوجة فالبائن أولى، ومن ثم وقع خلاف في الرجعية فقط كما قال: (وفي قول) ابتداؤها (من انصرام العدة) ; لأنها كالمنكوحة (ولو نكحت بعد العدة) آخر أو وطئت بشبهة (فولدت لدون ستة أشهر) من إمكان العلوق بعد العقد، أو من وطء الشبهة (فكأنها لم تنكح) ولم توطأ ويكون الولد للأول إن كان لأربع سنين فأقل من طلاقه أو إمكان وطئه قبله نظير ما مر؛ لانحصار الإمكان فيه (وإن كان) وضع الولد (لستة) من الأشهر مما ذكر (فالولد للثاني) لقيام فراشه وإن أمكن كونه من الأول.
стр. 1508
وَلَوْ نَكَحَتْ فِي الْعِدَّةِ فَاسِدًا فَوَلَدَتْ لِلْإِمْكَانِ مِنَ الْأَوَّلِ لَحِقَهُ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِوَضْعِهِ، ثُمَّ تَعْتَدُّ لِلثَّانِي، أَوْ لِلإمْكَانِ مِنَ الثَّانِي لَحِقَهُ، أَوْ مِنْهُمَا عُرِضَ عَلَى قَائِفٍ، فَإِنْ الحَقَهُ بِأَحَدِهِمَا فَكَالْإِمْكَانِ مِنْهُ فَقَطْ
(ولو نكحت) آخر (في العدة) نكاحا (فاسدا (١) وهو جاهل بالعدة أو بالتحريم وعذر لنحو بعده عن العلماء -وإلا فهو زان لا نظر إليه مطلقا- وكالنكاح الفاسد في تفصيله الآتي وطء الشبهة (فولدت للإمكان من الأول) وحده بأن ولدته لأربع سنين فأقل مما مر ولدون ستة أشهر من وطء الثاني (لحقه وانقضت عدتها بوضعه، ثم تعتد) ثانيا (للثاني) ; لأن وطأه شبهة (أو) ولدت (للإمكان من الثاني) وحده بأن ولدته لأكثر من أربع سنين من إمكان العلوق قبل فراق الأول ولستة أشهر فأكثر من وطء الثاني (لحقه)، نعم إذا كان طلاقه رجعيا عُرض على القائف (٢) كما في قوله (أو) أتت به للإمكان (منهما) بأن كان لأربع سنين من الأول ولستة أشهر فأكثر من الثاني (عُرض على قائف فإن ألحقه بأحدهما فكالإمكان منه فقط) وقد علم حكمه أو بهما أو توقف أو فقد كأن كان بمسافة القصر انتظر بلوغ الولد وانتسابه بنفسه، أما إذا لم يمكن من واحد منهما كأن كان لدون ستة من وطء الثاني وفوق أربع من نحو طلاق الأول فهو منفي عنهما. وخرج بفاسدا نكاح الكفار إذا اعتقدوا صحته فإذا أمكن منهما فهو للثاني بلا قائف.
стр. 1509
لَزِمَهَا عِدَّتَا شَخْصٍ مِنْ جِنْسٍ بِأَنْ طَلَّقَ ثُمَّ وَطِئَ فِي عِدَّةِ أَقْرَاءٍ أَوْ أَشْهُرٍ جَاهِلًا أَوْ عَالِمًا فِي رَجْعِيَّةٍ تَدَاخَلَتَا فَتَبْتَدِئُ عِدَّةً مِنَ الْوَطْءِ وَيَدْخُلُ فِيهَا بَقِيَّةُ عِدَّةِ الطَّلَاقِ، فَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا حَمْلًا وَالْأُخْرَى أَقْرَاءً تَدَاخَلَتَا فِي الْأَصَحِّ، فَيَنْقَضِيَانِ بِوَضْعِهِ، وَيُرَاجِعُ قَبْلَهُ، وَقِيلَ إنْ كَانَ الحَمْلُ مِنَ الْوَطْءِ فَلَا، أَوْ لِشَخْصَيْنِ بِأَنْ كَانَتْ فِي عِدَّةِ زَوْجٍ، أَوْ شُبْهَةٍ فَوُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ أَوْ كَانَتْ زَوْجَةً مُعْتَدَّةً عَنْ شُبْهَةٍ فَطُلِّقَتْ فَلَا تَدَاخُلَ
(فصل) في تداخل العدتين (١)
إذا (لزمها عدَّتا شخص) واحد (من جنس) واحد (بأن) بمعنى كأن (طلق ثم وطئ) رجعية أو بائنا (في عدة) غير حمل من (أقراء أو أشهر) ولم تحبل من وطئه (جاهلا) بأنها المطلقة أو بتحريم وطء المعتدة وعذر لنحو بعده عن العلماء (أو عالما) بذلك (في رجعية) -لا بائن; لأنه زان- (تداخلتا) أي عدتا الطلاق والوطء (فتبتدئ عدة) بأقراء أو أشهر (مِن) فراغ (الوطء ويدخل فيها بقية عدة الطلاق) وهذه البقية واقعة عن الجهتين فله الرجعة في الرجعي في تلك البقية دون ما بعدها (فإن) كانتا من جنسين كأن (كانت إحداهما حملا والأخرى أقراء) كأن حبلت من وطئه في العدة بالأقراء أو طلقها حاملا ثم وطئها قبل الوضع وهي ممن تحيض حاملا (٢) (تداخلتا في الأصح) أي دخلت الأقراء في الحمل وإن لم تتم الأقراء قبل الوضع; لاتحاد صاحبهما مع أن العلم باشتغال الرحم منع الاعتداد بالأقراء؛ لانتفاء فائدتها من كونها مظنة للدلالة على البراءة (فينقضيان بوضعه) ويكون واقعا عنهما، (و) من ثم جاز له أنه (يراجع قبله) في الرجعي -وإن كان الحمل من الوطء الذي في العدة- لا بعده مطلقا في الرجعي وغيره (وقيل إن كان الحمل من الوطء فلا) يراجع؛ لوقوعه عنه فقط، ويرده ما تقرر (أو) لزمها عدتان (لشخصين بأن) أي كأن (كانت في عدة زوج أو) وطء (شبهة فوطئت) من آخر (بشبهة أو نكاح فاسد، أو كانت زوجة معتدة عن شبهة فطلقت فلا تداخل)؛ لتعدد المستحق، بل تعتد
стр. 1510
فَإِنْ كَانَ حَمْلٌ قُدِّمَتْ عِدَّتَهُ، وَإِلَّا فَإِنْ سَبَقَ الطَّلَاقُ أَتَمَّتْ عِدَّتَهُ ثُمَّ اسْتَأْنَفَتِ الْأُخْرَى، وَلَهُ الرَّجْعَةُ فِي عِدَّتِهِ فَإِذَا رَاجَعَ انْقَضَتْ وَشَرَعَتْ فِي عِدَّةِ الشُّبْهَةِ، وَلَا يَسْتَمْتِعُ بِهَا حَتَّى تَقْضِيَهَا، وَإِنْ سَبَقَتِ الشُّبْهَةُ قُدِّمَتْ عِدَّةُ الطَّلَاقِ وَقِيلَ الشُّبْهَةِ.
لكل منهما عدة كاملة كما جاء عن علي وغيره ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة، نعم إن كانا حربيين فأسلمت مع الثاني أو أُمِّنا فترافعا إلينا لغت بقية عدة الأول (١) وتكفيها واحدة من حين وطء الثاني؛ لضعف حق الحربي (فإن كان) أي وجد (حمل) من أحدهما (قدمت عدته) وإن تأخر; لأنها لا تقبل التأخير، ففيما إذا كان الحمل من المطلق ثم وطئت بشبهة تنقضي عدة الطلاق بوضعه ثم بعد مضي زمن النفاس تعتد بالأقراء؛ للشبهة، وله الرجعة قبل الوضع، لا وقت وطء الشبهة -بعقد أو غيره- أي لا رجعة في حال بقاء فراش واطئها بشبهة بأن لم يفرق بينهما وكذا فيما يأتي، وذلك; لأنها خرجت بصيرورتها فراشا للواطئ عن عدة المطلق، وسيعلم مما يأتي أن نية الواطئ بشبهةٍ عدمَ العود إليها كالتفريق.
أما إن كان الحمل من غير المطلق بأن كان من وطء الشبهة فتنقضي عدة الشبهة بوضعه ثم تعتد أو تكمل للطلاق، وله الرجعة قبل وضع وبعده إلى انقضاء عدته لا تجديد قبل وضع، نعم له التجديد بعد الوضع في زمن النفاس مع أنه من غير عدته؛ لأن المحذور كونها في عدة الغير وقد انتفى ذلك (وإلا) يكن حمل (فإن سبق الطلاق) وطء الشبهة (أتمت عدته) لسبقها (ثم) عقب عدة الطلاق (استأنفت) العدة (الأخرى) التي للشبهة (وله) استئناف غير مقيد بما قبله من عدم حمل وسبق طلاق (الرجعة في عدته) لا وقت وطء الشبهة نظير ما مر (فإذا راجع) وثَم حمل أوْ لا (انقطعت) عدة الطلاق (وشرعت) عقب الرجعة حيث لا حمل منه وإلا فعقب زمن النفاس، وله التمتع بها قبل شروعها (في عدة الشبهة) بأن تستأنفها إن سبقها الطلاق وتتمها إن سبقته (ولا يستمتع بها) أي الموطوءة بشبهة مطلقا ما دامت في عدة الشبهة حملا كانت أو غيره (حتى تقضيها) بوضع أو غيره لاختلال النكاح بتعلق حق الغير بها فيحرم عليه نظرها ولو بلا شهوة والخلوة بها، (وإن سبقت الشبهة) الطلاق (قدمت عدة الطلاق) ; لأنها أقوى باستنادها لعقد جائز (وقيل) تقدم عدة (الشبهة)؛ لسبقها، ولو وطئت