وَمَا قَبِلَ إقْرَارُ عَبْدٍ بِهِ كَعُقُوبَةٍ فَالدَّعْوَى عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ الجَوَابُ، وَمَا لَا كَأَرْشٍ فَعَلَى السَّيِّدِ.
فصل
تُغَلَّظُ يَمِينُ مُدَّعٍ وَمُدَّعًى عَلَيْهِ فِيمَا لَيْسَ بِمَالٍ، وَلَا يُقْصَدُ بِهِ مَالٌ، وَفِي مَالٍ يَبْلُغُ نِصَابَ زَكَاةٍ،
فراش فلان وأثبت ذلك ثبت نسب المقر به ممن ولد على فراشه وبطل إقرار الميت ببنوته، ومنه ما لو ادعى دارا بيد بكر وأنه اشتراها من زيد المشتري لها من عمرو المشتري لها من بكر فأنكر سمعت بينته بالبيعين (وما قَبِل إقرار عبد) أي قن (به كعقوبة) لآدمي من قود أو حد قذف أو تعزير (فالدعوى عليه وعليه الجواب)؛ ليرتب الحكم على قوله لقصور أثره عليه دون سيده. أما عقوبة لله تعالى فلا تسمع الدعوى بها مطلقا كما مر (وما لا) يقبل إقراره به (كأرش) لعيب وضمان متلف (فعلى السيد) الدعوى به والجواب; لأن متعلقه الرقبة وهي حق السيد دون القن (١) فلا تسمع به عليه ولا يحلف كالمتعلق بذمته; لأنه في معنى المؤجل، نعم الدعوى والجواب على الرقيق في نحو قتل خطأ أو شبه عمد بمحل اللوث مع أنه لا يقبل إقراره به وذلك لتتعلق الدية برقبته إذا أقسم الولي. وقد تكون الدعوى والجواب على كل من الرقيق والسيد كما في نكاحه ونكاح المكاتبة؛ لتوقف ثبوته على إقرارهما.
(فصل) في كيفية الحلف وضابط الحالف وما يتفرع عليه
(تغلظ) ندبا وإن لم يطلبه الخصم بل وإن أسقط (يمين مدع) اليمين المردودة ومع الشاهد (و) يمين (مدعى عليه) إن لم يسبق لأحدهما حلف بنحو طلاق أنه لا يحلف يمينا مغلظة، ويصدق في ذلك من غير يمين; لأنه يلزم من حلفه طلاقه ظاهرا فساوى الثابت بالبينة (فيما ليس بمال ولا يقصد به مال) كنكاح وطلاق وإيلاء ورجعة ولعان وعتق وولاء ووكالة ولو في درهم وسائر ما مر مما لا يثبت برجل وامرأتين، وذلك; لأن اليمين موضوعة للزجر عن التعدي فغلظ مبالغة وتأكيدا للردع فيما هو متأكد في نظر الشرع وهو ما ذكر وما في قوله (وفي مال) أو حقه كخيار وأجل (يبلغ نصاب زكاة) وهو مائتا درهم أو عشرون دينارا، وما عداهما لا بد أن تبلغ قيمته أحدهما، لا في اختصاص ولا فيما دون نصاب أو حقه كأن اختلف متبايعان في ثمن فقال البائع عشرون والمشتري عشرة; لأن التنازع إنما هو في
стр. 2067
وَسَبَقَ بَيَانُ التَّغْلِيظِ فِي اللِّعَانِ. وَيَحْلِفُ عَلَى الْبَتِّ فِي فِعْلِهِ، وَكَذَا فِعْلُ غَيْرِهِ إنْ كَانَ إثْبَاتًا، وَإِنْ كَانَ نَفْيًا فَعَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ، وَلَوِ ادَّعَى دَيْنًا لِمُوَرِّثِهِ فَقَالَ أَبْرَأَنِي حَلَفَ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ بِالْبَرَاءَةِ، وَلَوْ قَالَ جَنَى عَبْدُك عَلَيَّ بِمَا يُوجِبُ كَذَا فَالْأَصَحُّ حَلِفُهُ عَلَى الْبَتِّ
عشرة وذلك; لأنه حقير في نظر الشرع، ولهذا لم تجب فيه مواساة، نعم إن رآه لنحو جراءة الحالف فعله (وسبق بيان التغليظ في اللعان) بالزمان، وكذا المكان في غير نحو مريض وحائض، ويظهر أن يلحق بالمرض سائر أعذار الجماعة وأنَّ التغليظ به حينئذ حرام، نعم التغليظ بحضور جمع أقلهم أربعة وبتكرير اللفظ لا يعتبر هنا، ويسن بزيادة الأسماء والصفات أيضا وهي معروفة. ويسن أن تُقرأ عليه آية آل عمران ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ آل عمران: ٧٧ وأن يوضع المصحف في حجره، ويحلف الذمي بما يعظمه مما نراه نحن لا هو. ولا يجوز التحليف بنحو طلاق أو عتق بل يلزم الإمام عزل من فعله إن لم يكن يعتقده. وقد يختص التغليظ بأحد الجانبين كما إذا ادعى قن على سيده عتقا أو كتابة فأنكره السيد فتغلظ عليه إن بلغت قيمته نصابا، فإن رد اليمين على القن غلظ عليه مطلقا; لأن دعواه ليست بمال (ويحلف على البت) وهو الجزم فيما ليس بفعله ولا فعل غيره كإن طلعت الشمس أو إن كان هذا غرابا فأنت طالق، نعم المودع إذا ادعى الوديع التلف ورد اليمين عليه يحلف على نفي العلم مع أن التلف ليس من فعل أحد، و (في فعله) نفيا أو إثباتا؛ لإحاطته بفعل نفسه أي من شأنه ذلك وإن كان ذلك الفعل وقع منه حال جنونه مثلا (وكذا فعل غيره إن كان إثباتا) كبيع وإتلاف وغصب؛ لسهولة الوقوف عليه. (وإن كان نفيا) غير محصور (فعلى نفي العلم (١) كلا أعلمه فعل كذا ولا أعلمك ابن أبي؛ لعسر الوقوف على العلم به، أما المحصور فيحلف عليه بتَّا، (ولو ادعى دينا لمورثه فقال أبرأني) منه أو استوفاه أو أحال به مثلا (حلف على) البت إن شاء كما مر، أو على (نفي العلم بالبراءة) ; لأنه حلف على نفي فعل الغير. ويشترط هنا وفي كل ما يحلف المنكر فيه على نفي العلم التعرض في الدعوى لكونه يعلم ذلك، (ولو قال جنى عبدك) أي قنك (عليَّ بما يوجب كذا فالأصح حلفه على البت) إن
стр. 2068
قُلْتُ: وَلَوْ قَالَ جَنَتْ بَهِيمَتُك حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ قَطْعًا، وَاَللهُ أَعْلَمُ، وَيَجُوزُ الْبَتُّ بِظَنٍّ مُؤَكَّدٍ يَعْتَمِدُ خَطَّهُ أَوْ خَطَّ أَبِيهِ. وَيُعْتَبَرُ نِيَّةُ الْقَاضِي المُسْتَحْلِفِ،
أنكر; لأن قنه ماله وفعله كفعل نفسه، ولذا سمعت الدعوى عليه. وفي قنٍّ مجنونٍ أو يعتقد وجوب طاعة الآمر يحلف بتا قطعا; لأنه كالبهيمة المذكورة في قوله (قلت: ولو قال جنت بهيمتك) على زرعي مثلا (حلف على البت قطعا، والله أعلم) ; لأنه إنما ضمن لتقصيره في حفظها فهو من فعله، ومن ثم لو كانت بيد من يضمن فعلها كمستأجر ومستعير كانت الدعوى والحلف عليه فقط (ويجوز البت بظن مؤكد يعتمد) ذلك الظن (خطه) إن تذكر وإلا فلا (١) (أو خط أبيه) أو مورثه الموثوق به بحيث يترجح عنده بسببه وقوع ما فيه، وظاهرٌ أن ذكر المورث تصوير فقط فلو رأى بخط موثوق به أنَّ له كذا على فلان أو عنده كذا جاز له اعتماده ليحلف عليه بخلاف ما إذا استوى الأمران، ومن القرائن المجوزة للحلف أيضا نكول خصمه -أي الذي لا يتورع مثله عن اليمين في حال كونه محقا- (ويعتبر) في اليمين موالاة كلماتها عرفا بحيث لا يفصل كلام أجنبي أو سكوت طال، ويعتبر أيضا طلب الخصم لها من القاضي وطلب القاضي لها ممن توجهت عليه و (نية القاضي) أو نائبه أو المحكم أو المنصوب للمظالم وغيرهم من كل من له ولاية التحليف (المستحلف) وعقيدته مجتهدا كان أو مقلدا دون نية الحالف وعقيدته مجتهدا كان أو مقلدا أيضا؛ لخبر مسلم ((اليمين على نية المستحلف)) وحُمِل على الحاكم; لأنه الذي له ولاية الاستحلاف ولأنه لو اعتبرت نية الحالف؛ لضاعت الحقوق. أما لو حلَّفه نحو الغريم ممن ليس له ولاية الاستحلاف أو حلف هو ابتداء فالعبرة بنيته وإن أثم بها إن أبطلت حقا لغيره.
стр. 2069
فَلَوْ وَرَّى أَوْ تَأَوَّلَ خِلَافَهَا أَوِ اسْتَثْنَى بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُهُ الْقَاضِي لَمْ يَدْفَعْ إثْمَ الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ. وَمَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ يَمِينٌ لَوْ أَقَرَّ بِمَطْلُوبِهَا لَزِمَهُ فَأَنْكَرَ حُلِّفَ،
[تنبيه] معنى يعتبر في غير الأخيرة (١) يشترط وفيها (٢) يعتمد (فلو ورَّى (٣) الحالف بالله ولم يظلمه خصمه (أو تأول خلافها) أي اليمين (أو استثنى) أو وصل باللفظ شرطا مثلا (بحيث لا يسمعه القاضي لم يدفع إثم اليمين الفاجرة) وإلا لبطلت فائدة اليمين من أنه يهاب الإقدام عليها خوفا من الله تعالى (٤). أما من حلف بنحو طلاق فتنفعه التورية والتأويل لكن إن لم ير القاضي التحليف به. وأما من ظلمه خصمه في نفس الأمر كأن ادعى على معسر فحلف لا يستحق عليَّ شيئا، أي تسليمه الآن فتنفعه التورية والتأويل; لأن خصمه ظالم إن علم ومخطئ إن جهل، ومعنى التورية قصد مجاز لفظه دون حقيقته كـ ((ما له عندي درهم)) أي حديقة، أو ((قميص)) أي غشاء القلب، أو ((ثوب)) أي رجوع، والتأويل هنا اعتقاد خلاف ظاهر لفظه؛ لشبهة عنده. وخرج بحيث لا يسمع ما إذا سمعه فيعزره ويعيد اليمين. ولو وصل بها كلاما لم يفهمه القاضي منعه وأعادها. (و) ضابط (٥) من تلزمه اليمين في جواب الدعوى أو النكول أنه كل (من توجهت عليه يمين) أي دعوى صحيحة، أو المراد طلبت منه يمين ولو من غير دعوى كطلب قاذف ادُّعِي عليه يمينَ المقذوف أويمين وارثه -أي المقذوف- أنه ما زنى (لو أقر بمطلوبها) أي اليمين أو الدعوى; لأن مؤداهما واحد (لزمه) وحينئذ فإذا ادعى عليه بشيء كذلك (فأنكر) هـ (حلف)؛ للخبر السابق ((واليمين على من أنكر))، ثم إن كلا من الضابطين أغلبيٌّ؛ إذ عقوبة الله تعالى كحد زنا وشرب لا تحليف فيها؛ لامتناع الدعوى بها كما مر، ولو قال أبرأتني عن هذه الدعوى لم يلزمه يمين على نفيه; لأن
стр. 2070
الإبراء من الدعوى لا معنى له. ولو علق طلاقها بفعلها فادعته وأنكر فلا يحلف على نفي العلم بوقوعه بل إن ادعت فرقة حلف على نفيها وإلا فلا. ولو ادعى عليه شفعة فقال إنما اشتريت لابني لم يحلف. ولو ظهر غريم بعد قسمة مال المفلس بين غرمائه فادعى أنهم يعلمون دينه لم يحلفوا (١). ولو ادعت أمة الوطء وأمية الولد فأنكر السيد أصل الوطء لم يحلف. ومر في الزكاة أنه لا يجب على المالك فيها يمين أصلا. ولو ادعى على أبيه أنه بلغ رشيدا وأنه كان يعلم ذلك وطلب يمينه لم يحلف مع أنه لو أقر به انعزل وإن لم يثبت رشد الابن بإقرار أبيه، أو على قاض أنه زوَّجه مجنونة فأنكر لم يحلف مع أنه لو أقر قبل، أو الإمام على الساعي أنه قبض زكاة فأنكر لم يحلف أيضا.
[تنبيه] للوارث والوصي والدائن المطالبة بحقوق الميت إن كانت أعياناً بخلاف الديون، فلو ثبت لزيد دين على عمرو فادعى على خالد أن هذا الذي بيدك لعمرو فقال بل لي لم يحلف؛ لاحتمال رد اليمين على زيد ليحلف فيؤدي لمحذور وهو إثبات ملك الشخص بيمين غيره، ولو قصد زيد إقامة البينة على خالد سمعت. وخرج بلو أقر إلى آخره نائب المالك كوصي ووكيل (٢) فلا يحلف; لأنه لا يقبل إقراره، نعم لو جرى عقد بين وكيلين تحالفا كما مر، وهذا مستثنى أيضا (٣)، وكالوصي فيما ذكر ناظر الوقف فالدعوى على أحد هؤلاء ونحوهم إنما هي لإقامة البينة إذ إقرارهم لا يقبل، ولا يحلفون إن أنكروا -ولو على نفي العلم- إلا أن يكون الوصي وارثا (٤). ولو أوصت غير زوجها فادعى آخر أنه ابن عمها ولا بينة له لم تسمع دعواه على الوصي والزوج; لأنها إنما تسمع غالبا على من لو أقر بالمدعى به قبل وهنا لو صدقه
стр. 2071
وَلَا يُحَلَّفُ قَاضٍ عَلَى تَرْكِهِ الظُّلْمَ فِي حُكْمِهِ، وَلَا شَاهِدٌ أَنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ. وَلَوْ قَالَ مُدَّعًى عَلَيْهِ: أَنَا صَبِيٌّ لَمْ يُحَلَّفْ وَوُقِفَ حَتَّى يَبْلُغَ. وَالْيَمِينُ تُفِيدُ قَطْعَ الخُصُومَةِ فِي الحَالِ لَا بَرَاءَةً، فَلَوْ حَلَّفَهُ ثُمَّ أَقَامَ بَيِّنَةً حَكَمَ بِهَا. وَلَوْ قَالَ المُدَّعَى عَلَيْهِ: قَدْ حَلَّفَنِي مَرَّةً فَلْيَحْلِفْ أَنَّهُ لَمْ يُحَلِّفْنِي مُكِّنَ فِي الْأَصَحِّ
أحدهما لم يقبل; لأن النسب لا يثبت بقوله، نعم إن كان الزوج معتقا أو ابن عم أوخذ بإقراره بالنسبة للمال. وإن أنكر خصم وكالةَ مدعٍ لم يحلفه على نفي العلم بها; لأن له طلب إثباتها وإن أقر بها (و) مما يستثنى أيضا من الضابط أنه (لا يحلف قاض على تركه الظلم في حكمه ولا شاهد أنه لم يكذب)؛ لارتفاع منصبهما عن ذلك وإن كانا لو أقرا انتفع المدعي به. وخرج بقوله في حكمه غيره فهو فيه كغيره (ولو قال مدعى عليه أنا صبي) في وقت يحتمل ذلك (لم يحلف) ; لأن يمينه تثبت صباه والصبي لا يحلف (ووقف) الأمر (حتى يبلغ) ثم يدعى عليه وإن كان لو أقر بالبلوغ في وقت احتماله قبل، نعم لو سُبِي كافر (١) أنبت فادعى استعجال الإنبات بدواء حلف فإن نكل قتل. (واليمين تفيد قطع الخصومة في الحال لا براءة) من الحق؛ للخبر الصحيح أنه ﷺ ((أمر حالفا بالخروج من حق صاحبه)) أي كأنه علم كذبه (فلو حلفه ثم أقام بينة) بمدعاه أو شاهدا ليحلف معه (حكم بها) وكذا لو ردت اليمين على المدعي فنكل ثم أقام بينة؛ لاحتمال أن نكوله تورع، وقد لا تفيده البينة كما لو أجاب مدعى عليه بوديعة بنفي الاستحقاق وحلف عليه فلا يفيد المدعي إقامة بينة بأنه أودعه; لأنها لا تخالف ما حلف عليه من نفي الاستحقاق. ولو اشتملت الدعوى على حقوق فله التحليف على بعضها دون بعض لا على كلٍّ منها يمينا مستقلة إلا إن فرقها في دعاوى بحسبها، ولا يكلف جمعها في دعوى واحدة. ولو أقام بينة ثم قال هي كاذبة أو مبطلة سقطت هي لا أصل الدعوى. ولو ثبت لجمع حق على واحد حلف لكلٍّ يمينا ولا تكفي يمين واحدة وإن رضوا بها بخلاف ما لو أنكر ورثة ميت دعوى دين عليه وردوا اليمين على المدعي فإنه يحلف لهم يمينا واحدة؛ لأن خصمه في الحقيقة إنما هو الميت وهو واحد. (ولو قال) من توجهت له يمين أبرأتك عنها سقط حقه منها لكن في هذه الدعوى لا غير فله استئناف دعوى وتحليفه. وإن قال (المدعى عليه) الذي طلب تحليفه (قد حلفني مرة) على هذه الدعوى عند قاض آخر، أو أطلق -لكن يندب الاستفسار حينئذ- (فليحلف أنه لم يحلفني) عليها (مُكِّن) من ذلك ما
стр. 2072
وَإِذَا نَكَلَ حَلَفَ المُدَّعِي وَقَضَى لَهُ وَلَا يُقْضَى بِنُكُولِهِ، وَالنُّكُولُ أَنْ يَقُولَ: أَنَا نَاكِلٌ أَوْ يَقُولَ لَهُ الْقَاضِي احْلِفْ فَيَقُولُ لَا أَحْلِفُ،
لم تكن له بينة ويريد إقامتها فيمهل له ثلاثة أيام (في الأصح) ; لأن ما قاله محتمل. ولا يجاب المدعي لو قال قد حلفني أني لم أحلفه فليحلف على ذلك؛ لئلا يتسلسل الأمر، فإن نكل حلف المدعى عليه يمين الرد واندفعت الخصومة عنه، ولا يجاب لحلفه يمين الأصل إلا بعد استئناف دعوى; لأنهما الآن في دعوى أخرى، أما لو قال حلفني عندك فإن تذكَّر مَنَع خصمه عنه ولم تفده إلا البينة، وإن لم يتذكر القاضي تحليفه حلَّفه ولا تنفعه البينة بالتحليف؛ لما مر أن القاضي لا يعتمد بينة بحكمه بدون تذكره. ولو قال للمدعي قد حلَّفت أبي أو بائعي على هذا مُكِّن من تحليفه على نفي ذلك أيضا فإن نكل حلف هو، وكذا لو أقر شحص لآخر بدار مثلا ثم ادعى ثالث على المقر له بتلك الدار وكانت الدار في يد المقر فقال المدعي في دعواه هي ملكي وليست ملك المُقِرِّ لك فقال المُقَرُّ له قد حلَّفت المقر لي فاحلف أنك لم تحلفه فيُمَكَّن المُقَرُّ له من تحليف المدعي (وإذا) أنكر مدعى عليه فأمر بالحلف فامتنع و (نكل) عن اليمين (حلف المدعي) بعد أمر القاضي له اليمين المردودة إن كان مدعيا عن نفسه؛ لتحول اليمين إليه (وقُضِيَ له) بالحق أي مُكِّن منه (ولا يُقضى له بنكوله) أي الخصم وحده، وصح أنه ﷺ ((رد اليمين على طالب الحق)). وترد اليمين في كل حق يتعلق بالآدمي -ولو ضمنا كما في صورة القاذف- لا في محض حق الله تعالى كما لا يحكم القاضي فيه بعلمه.
(والنكول) يحصل بأمور منها: (أن يقول) بعد عرض اليمين عليه (أنا ناكل، أو يقول له القاضي احلف فيقول لا أحلف)؛ لصراحتهما فيه، ومن ثم لو طلب المدعى عليه العود إلى الحلف بعد حكم الحاكم بالنكول (١) - ولو تنزيلاً -ولم يرض المدعي لم يُجَبْ بشرط أن يوجه القاضي اليمين على المدعي ولو بإقباله عليه ليحلفه (٢). ومن النكول أيضا أن يقول له قل بالله فيقول بالرحمن (٣)، نعم من توسم فيه الجهل لا يعتبر ناكلا حينئذ إلا إذا أصر عليه بعد تعريفه بأنه يجب امتثال ما أمر به الحاكم. ولو قال له قل بالله فقال والله أو تالله فليس بناكل كعكسه؛
стр. 2073
فَإِنْ سَكَتَ حَكَمَ الْقَاضِي بِنُكُولِهِ، وَقَوْلُهُ لِلْمُدَّعِي احْلِفْ حُكْمٌ بِنُكُولِهِ. وَالْيَمِينُ المَرْدُودَةُ فِي قَوْلٍ كَبَيِّنَةٍ، وَفِي الْأَظْهَرِ كَإِقْرَارِ المُدَّعَى عَلَيْهِ، فَلَوْ أَقَامَ المُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَهَا بَيِّنَةً بِأَدَاءٍ أَوْ إبْرَاءٍ لَمْ تُسْمَعْ
لوجود الاسم وإنما التفاوت في مجرد الصلة فلم يؤثر. ولو امتنع من التغليظ بشيء مما مر فناكل (فإن سكت) بعد عرض اليمين عليه لا لنحو دهشة (حكم القاضي بنكوله) - بأن يقول له جعلتك ناكلا أو نكَّلتك -; لامتناعه، ولا يصير هنا (١) ناكلا بغير حكم، ومنه ما يأتي; لأن ما صدر عنه ليس صريح نكول. ويسن للقاضي عرضها عليه ثلاثا، وهو في الساكت آكد. ولو توسم فيه جهل حكم النكول عرَّفه به وجوبا بأن يقول له إن نكولك يوجب حلف المدعي وأنه لا تسمع بينتك بعده بأداء أو نحوه، فإن حكم عليه ولم يعرفه نفذ; لأنه المقصر بعدم تعلمه حكم النكول (وقوله) أي القاضي (للمدعي) بعد امتناع المدعى عليه أو سكوته (احلف) أو أتحلف، ولو بإقباله عليه ليحلفه وإن لم يقل له احلف (حكمٌ) منه (بنكوله) أي نازل منزلة قوله حكمت بنكوله فليس للمدعى عليه أن يحلف إلا إن رضي المدعي، وبما تقرر عُلم أن للخصم بعد نكوله العود إلى الحلف وإن كان قد هرب وعاد ما لم يحكم بنكوله حقيقة أو تنزيلا وإلا لم يَعُد له إلا إن رضي المدعي، فإن لم يحلف لم يكن للمدعي حلف المردودة؛ لتقصيره برضاه بحلفه. ولو هرب الخصم من مجلس الحكم بعد نكوله وقبل عرض القاضي اليمين على المدعي امتنع على المدعي حلف المردودة كما علم مما تقرر. وله طلب يمين خصمه بعد إقامة شاهد واحد وحينئذ لا ينفعه إلا البينة الكاملة، فإن حلف الخصم سقطت الدعوى، وليس له تجديدها في مجلس آخر ليقيم البينة؛ لتقصيره. ولو نكل في جوابٍ وكيلُ المدعي ثم حضر الموكل فله أن يحلف بلا تجديد دعوى. (واليمين المردودة) من المدعى عليه أو القاضي على المدعي (في قول) أنها (كبينة) يقيمها المدعي; لأنها حجةٌ مثلها غالبا (و) في (الأظهر) إنها (كإقرار المدعى عليه) ; لأنه بنكوله توصل للحق فأشبه إقراره (فـ) عليه يجب الحق بفراغ المدعي من يمين الرد من غير افتقار إلى حكم كما مر، و (لو أقام المدعى عليه بعدها بينة) أو حجة أخرى (بأداء أو إبراء) أو نحوهما من المسقطات (لم تسمع) ; لتكذيبه لها بإقراره، نعم
стр. 2074
فَإِنْ لَمْ يَحْلِفِ المُدَّعِي وَلَمْ يَتَعَلَّلْ بِشَيْءٍ سَقَطَ حَقُّهُ مِنْ الْيَمِينِ وَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ الخَصْمِ، وَإِنْ تَعَلَّلَ بِإِقَامَةِ بَيِّنَةٍ أَوْ مُرَاجَعَةِ حِسَابٍ أُمْهِلَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَقِيلَ أَبَدًا، وَإِنِ اسْتَمْهَلَ المُدَّعَى عَلَيْهِ حِينَ اسْتُحْلِفَ لِيَنْظُرَ حِسَابَهُ لَمْ يُمْهَلْ. وَقِيلَ ثَلَاثَةً،
تسمع إذا كان المُدَّعَى به عينا؛ لأنها أقوى من الدين (١) (فإن لم يحلف المدعي ولم يتعلل بشيء) بأن لم يبد عذرا ولا طلب مهلة، أو قال أنا ناكل مطلقا أو سكت وحكم القاضي بنكوله -نعم يلزم الحاكم هنا سؤاله عن سبب امتناعه بخلاف المُدَّعى عليه; لأن امتناعه يثبت للمدعي حق الحلف والحكم بيمينه فلا يؤخر حقه بالبحث والسؤال بخلاف امتناع المدعي، وأيضا فالمدعى عليه بمجرد امتناعه من اليمين يتحول الحق للمدعي فامتنع على القاضي التعرض لإسقاطه بخلاف نكول المدعي فإنه لا يجب به حق لغيره فيسأله القاضي عن سبب امتناعه- (سقط حقه من اليمين)؛ لإعراضه فليس له العود إليها في هذا المجلس وغيره وإلا لأضره ورفعه كل يوم إلى قاض (وليس له مطالبة الخصم) إلا أن يقيم بينة كما لو حلف المدعى عليه، ومحله إن توقف ثبوت الحق على يمين المدعي وإلا لم يحتج ليمينه كما إذا ادعى ألفا من ثمن مبيع فقال المشتري أقبضتك إياها فأنكر البائع فيصدق بيمينه، فإن نكل وحلف المشتري انقطعت الخصومة، وإن نكل المشتري أيضا أُلزم بالألف لا للحكم بالنكول بل لإقراره بلزوم المال بالشراء ابتداء، ومثله ما إذا ولدت وطلقها ثم قال ولدت قبل الطلاق فاعتدي فقالت بل بعده فيصدق بيمينه فإن نكل وحلفت فلا عدة، وإن نكلت أيضا اعتدت لا للنكول بل؛ لأصل بقاء النكاح وآثاره فيعمل به ما لم يظهر دافع، (وإن تعلل) المدعي (بإقامة بينة أو مراجعة حساب) أو الفقهاءِ أو بإرادة ترَّوٍ (أمهل) وجوبا (ثلاثة أيام) فقط؛ لئلا يضر بالمدعى عليه فيسقط حقه من اليمين بعد مضي الثلاثة من غير عذر (وقيل أبدا)؛ لأن اليمين حقه فله تأخيرها كالبينة (وإن استمهل المدعى عليه حين استحلف لينظر حسابه) أو طلب الإمهال وأطلق (لم يمهل) إلا برضا المدعي; لأنه مجبور على الإقرار أو اليمين بخلاف المدعي فإنه مختار في طلب حقه فله تأخيره (وقيل) يمهل (ثلاثة) من الأيام؛ للحاجة. وخرج بينظر حسابه ما لو استمهل لإقامة حجة بنحو أداء فإنه يمهل ثلاثا كما مر.
стр. 2075
وَلَوِ اسْتَمْهَلَ فِي ابْتِدَاءِ الجَوَابِ أُمْهِلَ إلَى آخِرِ المَجْلِسِ. وَمَنْ طُولِبَ بِزَكَاةٍ فَادَّعَى دَفْعَهَا إلَى سَاعٍ آخَرَ أَوِ ادَّعَى غَلَطَ خَارِصٍ وَأَلْزَمْنَاهُ الْيَمِينَ فَنَكَلَ وَتَعَذَّرَ رَدُّ الْيَمِينِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْهُ. وَلَوِ ادَّعَى وَلِيُّ صَبِيٍّ دَيْنًا لَهُ فَأَنْكَرَ وَنَكَلَ لَمْ يُحَلَّفِ الْوَلِيُّ. وَقِيلَ: يُحَلِّفُ، وَقِيلَ: إنِ ادَّعَى مُبَاشَرَةَ سَبَبِهِ حُلِّفَ
(ولو استمهل في ابتداء الجواب) لينظر في الحساب أو يسأل الفقهاء مثلا (أمهلـ) ـه القاضي إن رأى ذلك لكن إن لم يضر الإمهال بالمدعي لكون بينته على جناح سفر (إلى آخر المجلس) أي مجلس القاضي. وكالنكول ما لو أقام شاهدا ليحلف معه فلم يحلف، فإن علل امتناعه بعذر أمهل ثلاثة أيام وإلا فلا.
[تنبيه] ادعى عليه ولم يحلِّفه وطلب منه (١) كفيلا حتى يأتي ببينة لم يلزمه (٢) إلا إذا خيف هربه، أما بعد إقامة شاهد وإن لم يعدل فيطالب بكفيل، فإن امتنع حبس؛ للامتناع لا لثبوت الحق، (ومن طولب) بجزية بعد إسلامه فقال وقد كان غاب ((أسلمت قبل تمام السنة)) وقال العامل ((بل بعدها)) حُلِّف المسلم فإن نكل أخذت منه؛ لتعذر ردها، فإن ادعى ذلك وهو حاضر لم يقبل وأخذت منه، أو (بزكاة فادعى دفعها إلى ساع آخر أو ادعى غلط خارص) أو مسقطا آخر ندب تحليفه، فإن نكل لم يطالب بشيء. (و) أما إذا (ألزمناه اليمين) على خلاف المعتمد السابق (فنكل وتعذر رد اليمين)؛ لعدم انحصار المستحق (فالأصح) على هذا الضعيف (أنها تؤخذ منه) لا للحكم بالنكول بل؛ لأن ذلك هو مقتضى ملك النصاب والحول. ولو ادعى ولد مرتزق البلوغ بالاحتلام ليثبت اسمه حُلِّف فإن نكل لم يعط لا للقضاء بالنكول بل; لأن الموجب لإثبات اسمه وهو الحلف لم يوجد. ولو نكل مدعى عليه بمال ميت بلا وارث أو نحو وقف عام أو على مسجد حبس إلى أن يحلف أو يقر، وكذا لو ادعى وصي ميت على وارثه أنه أوصى بثلث ماله للفقراء مثلا فأنكر ونكل عن اليمين فيحبس إلى أن يقر أو يحلف. (ولو ادعى ولي صبي) أو مجنون ولو وصيا أو قيما (دينا له) على آخر (فأنكر ونكل لم يحلف الولي) كما لا يحلف مع الشاهد؛ لبعد إثبات الحق لإنسان بيمين غيره فيوقف إلى كماله (وقيل يحلف) ; لأنه بمنزلته (وقيل إن ادعى مباشرة سببه) أي ثبوته بمباشرته لسببه (حلف)
стр. 2076
فصل
ادَّعَيَا عَيْنًا فِي يَدٍ ثَالِثٍ وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً سَقَطَتَا، وَفِي قَوْلٍ تُسْتَعْمَلَانِ، فَفِي قَوْلٍ يُقْسَمُ، وَقَوْلٍ يُقْرَعُ، وَ قَوْلٍ يُوقَفُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَوْ يَصْطَلِحَا، وَلَوْ كَانَتْ فِي يَدِهِمَا وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ بَقِيَتْ كَمَا كَانَتْ،
لأن العهدة تتعلق به وهذا هو المعتمد (١).
[فرع] لو أقام خارجٌ بينة تشهد له بالعين فادعى ذو اليد أنه اشتراها ممن اشتراها من المدعي وأقام شاهدا جاز له أن يحلف معه لاسيما إن امتنع بائعه من الحلف; لأنه وإن أثبت بها ملكا لغيره لكنه لما انتقل منه إليه كان بمنزلة إثباته ملك نفسه.
(فصل) في تعارض البينتين
إذا (ادعيا) أي كل منهما (عينا في يد ثالث) لم يسندها إلى أحدهما قبل البينة ولا بعدها (وأقام كل منهما بينة) بها (سقطتا (٢)؛ لتعارضهما ولا مرجح فكأن لا بينة فيحلف لكل منهما يمينا، فإن أقر ذو اليد لأحدهما قبل البينة أو بعدها رجحت بينته. ولو زاد بعض حاضري مجلس صفة أو كلاما قبلت إلا إن اختفت القرائن الظاهرة على أن البقية ضابطون له من أوله إلى آخره وقالوا لم نسمعها مع الإصغاء إلى جميع ما وقع وكان مثلهم لا ينسب للغفلة في ذلك فحينئذ يقع التعارض; لأن النفي المحصور يعارض الإثبات الجزئي (وفي قول يستعملان) وحينئذ (ففي قول يقسم) بينهما نصفين، (وفي قول يقرع، وفي قول يوقف حتى يتبين أو يصطلحا، و) على التساقط (لو كانت) العين (في يدهما وأقاما بينتين) فشهدت بينة الأول له بالكل ثم بينة الثاني له به (بقيت) بيدهما (كما كانت)؛ إذ لا أولوية لأحدهما، نعم يحتاج الأول لإعادة بينة للنصف الذي بيده؛ لتقع بعد بينة الخارج بالنسبة لذلك النصف. ولو شهدت بينة كل منهما له بالنصف الذي بيد صاحبه حكم له به وبقيت بيدهما لا بجهة سقوط. ولا ترجيح
стр. 2077
وَلَوْ كَانَتْ بِيَدِهِ فَأَقَامَ غَيْرُهُ بِهَا بَيِّنَةٍ وَهُوَ بَيِّنَةً قُدِّمَ صَاحِبُ الْيَدِ،
بيدٍ؛ لانتساخ يد كل ببينة الآخر، أما إذا لم تكن بيد أحد وشهدت بينة كل له بالكل فيجعل بينهما، ومحل التساقط إذا وقع تعارض حيث لم يتميز أحدهما بمرجح وإلا قدم وهو بيان نقل الملك، ثم اليد فيه للمدعي أو لمن أقر له به أو انتقل له منه، ثم شاهدان مثلا على شاهد ويمين، ثم سبق تاريخ ملك أحدهما بذكر زمن أو بيان أنه ولد في ملكه مثلا، ثم بذكر سبب الملك، وتقدم أيضا ناقلة عن الأصل على مستصحبة له ومن تعرضت لكون البائع مالك عند البيع ومن قالت نقد الثمن أو هو مالك الآن على من لم يذكر ذلك، ولا ترجيح بوقف، ولا بينة انضم إليها الحكم بالملك على بينة ملك بلا حكم، ولا فرق هنا بين الحكم بالصحة والحكم بالموجب; لأن أصل الحكم لا يرجح به فأولى حكم فيه زيادة على الآخر، أما لو تعارض حكمان بأن أثبت كل أن معه حكم القاضي لكن أحدهما بالموجب والآخر بالصحة فالوجه تقديم الثاني; لأنه يستلزم ثبوت الملك بخلاف الأول. ومر قبيل العارية أن القاضي إذا أجمل حكما بأن لم يثبت استيفاءه بشروطه حمل حكمه على الصحة إن كان عالما ثقة أمينا، وقد ذكر المصنف أكثر هذه المرجحات بذكر مثلها فقال (ولو كانت) العين (بيده) تصرفا أو إمساكا (فأقام غيره بها) أي بملكها -من غير زيادة (١) - (بينة و) أقام (هو) بها (بينة) بينت سبب ملكه أم لا، أو قالت كلٌّ اشتراها أو غصبها من الآخر (قُدِّم) من غير يمين (صاحب اليد) ويسمي الداخل وإن حكم بالأولى قبل قيام الثانية; لأنه ﷺ قضى بذلك، ولترجح بينته -وإن كانت شاهدا أو يمينا والأخرى شاهدين- بيده، ومن ثم لو شهدت بينة المدعي بأنه اشتراها منه أو من بائعه مثلا أو أن أحدهما غصبها قدم؛ لبطلان اليد حينئذ، ولا يكفي قول الشاهدين يد الداخل غاصبة. ولو قالت بينة الخارج يد الداخل غاصبة منه -أي الخارج- وقالت بينة الداخل اشتراها منه -أي الخارج- قدمت؛ لبيانها النقل الصحيح بخلاف (٢) ما لو قالت يده بحق فتقدم بينة الغصب; لأن بينة الغصب معها زيادة علم فهي ناقلة وتلك مستصحبة. ولو أقام بينة بأن الداخل أقر له بالملك قدمت ولم تنفعه بينته بالملك إلا إن ذكرت انتقالا ممكنا من المقر له إليه. وتقدم من قالت اشتراه من زيد وهو يملكه على من قالت وهو
стр. 2078
وَلَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ إلَّا بَعْدَ بَيِّنَةِ المُدَّعِي، وَلَوْ أُزِيلَتْ يَدُهُ بِبَيِّنَةٍ ثُمَّ أَقَامَ بَيِّنَةً بِمِلْكِهِ مُسْتَنِدًا إلَى مَا قَبْلَ إزَالَةِ يَدِهِ وَاعْتَذَرَ بِغَيْبَةِ شُهُودِهِ سُمِعَتْ وَقُدِّمَتْ، وَقِيلَ: لَا
في يده أو وتسلمه منه، ومن قالت اشتراها منه وهو في يده على من قالت وتسلمه منه. ومن انتزع شيئا بحجة صار ذا يد فيه بالنسبة لغير الأول (١) فلو ادعى عليه آخر وأقام بينة مطلقة أعاد بينته ورجحت بيده. ولو أجاب ذو اليد باشتريتها من زيد فأثبت المدعي إقرار زيد له بها قبل الشراء فأثبت المدعى عليه إقرار المدعي بها لزيد قبل الشراء وجهل التاريخ أُقرّت بيد المدعى عليه; لأن يده لم يعارضها شيء. ولو أقامت بنت واقف وقفٍ محكومٍ به بينةً بأنه ملَّكها إياه وأقبضه لها قبل وقفه قدمت بينة البنت، ولا عبرة باليد; لأن بينة التمليك نسختها وأبطلتها وحكم الحاكم ليس مرجحا (٢). ولو ادعيا لقيطا بيد أحدهما وأقام كل بينة استويا; لأنه لا يدخل تحت اليد (ولا تسمع بينته إلا بعد بينة المدعي) وإن لم تعدل; لأن الحجة إنما تقام على خصم. وأفهم المتن أنها لا تسمع بعد الدعوى وقبل البينة; لأن الأصل في جانبه اليمين فلا يعدل عنها ما دامت كافية، نعم يتجه سماعها لدفع تهمة نحو سرقة ومع ذلك لا بد من إعادتها بعد بينة الخارج.
[فرع] اختلف الزوجان في أمتعة البيت -ولو بعد الفرقة- ولا بينة ولاختصاص لأحدهما بيد فلكلٍّ تحليف الآخر فإذا حلفا جُعِل بينهما وإن صلح لأحدهما فقط، أو حلف أحدهما فقط قضي له كما لو اختص باليد وحلف، وكذا وارثاهما ووارث أحدهما والآخر. (ولو أزيلت يده ببينة) حِسَّاً بأن سلَّم المال لخصمه، أو حكما بأن حكم عليه به فقط (ثم أقام بينة بملكه مستندا إلى ما قبل إزالة يده) حتى في الحالة الثانية (٣) (واعتذر (٤) بغيبة شهوده) أو جهله بهم أو بقبولهم مثلا (سمعت وقدمت)؛ إذ لم تزل إلا لعدم الحجة وقد ظهرت فينقض القضاء (وقيل لا) تسمع ولا ينقض الحكم، وخرج بمستندا إلى آخره شهادتها بملك غير مستند فلا تسمع.
стр. 2079
وَلَوْ قَالَ الخَارِجُ: هُوَ مِلْكِي اشْتَرَيْته مِنْك، فَقَالَ بَلْ مِلْكِي وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ قُدِّمَ الخَارِجُ. وَمَنْ أَقَرَّ لِغَيْرِهِ بِشَيْءٍ ثُمَّ ادَّعَاهُ لَمْ تُسْمَعْ إلَّا أَنْ يَذْكُرَ انْتِقَالًا،
(ولو قال الخارج هو ملكي اشتريته منك، فقال) الداخل (بل) هو (ملكي وأقاما بينتين) بما قالاه (قدم الخارج)؛ لزيادة علم بينته بالانتقال ولذا قدمت بينته لو شهدت أنه ملكه وإنما أودعه أو آجره أو أعاره للداخل، أو أنه باعه أو غصبه منه وأطلقت بينة الداخل. ولو قال كلٌّ للآخر اشتريته منك وأقام بينة ولا تاريخ قدم ذو اليد. ولو تداعيا دابة أو أرضا أو دارا واتفقا أو قامت بينة أن لأحدهما متاعاً عليها أو فيها أو الحمل أو الزرع قدمت بينة صاحب نحو المتاع على البينة الشاهدة بالملك المطلق؛ لانفراده بالانتفاع، فاليد له، وبه فارق ما لو كان لأحدهما على العبد ثوب; لأن المنفعة في لبسه للعبد لا لصاحبه فلا يد له، فإن اختص المتاع ببيت فاليد فيه فقط. ولو قال أخذت ثوبي من دارك فقال بل هو ثوبي أمر حيث لا بينة له برده إليه; لأنه ذو يد كما لو قال قبضت منه ألفا لي عليه أو عنده فأنكر فيؤمر برده إليه. ولو قال أسكنته داري ثم أخرجته منها فاليد للساكن؛ لإقرار الأول له بها فيحلف أنها له. وقوله زَرَعَ لي إعانةً أو إجارةً ليس فيه إقرار له بيد. ولو تنازع مكر ومكتر في متصل بالدار كرُفٍّ أو سلَّم مسمر حلف الأول، أو في منفصل كمتاع حلف الثاني؛ للعرف، وما اضطرب فيه -كغير المسمر من الأولين، والغلق (١) - يكون بينهما إذا تحالفا؛ إذ لا مرجح، وأفتى ابن الصلاح في شجر فيها بأن اليد للمتصرف فيه، ومن ثم لو تنازع خياط وذو الدار في مقص وإبرة وخيط حلف; لأن تصرفه فيها أكثر بخلاف القميص فيحلف عليه صاحب الدار، وبهذا أعني التصرف يفرق بين هذا وبين الأمتعة المتنازع فيها بين الزوجين وإن صلح لأحدهما. (ومن أقر لغيره بشيء) حقيقة أو حكما كأن ثبت إقراره به وإن أنكره (ثم ادعاه لم تسمع) دعواه (إلا أن يذكر انتقالا) ممكنا من المقر له إليه; لأن الإقرار يسري للمستقبل أيضا وإلا لم يكن له كبير فائدة. ويجب أن يصرح كبينته ببيان سبب الانتقال إليه من جهة المقر له (٢). ودخل في قولي كأن إلى آخره ما لو ادعى عليه ضيعة في يده فأنكر فأقام المدعي بينة أنه أقر له بها من شهر فأقام ذو اليد بينة أنها ملكه فلا تدفع بينة المدعي؛ لعدم ذكر الانتقال فيقدم إقراره، ومر في
стр. 2080
وَمَنْ أُخِذَ مِنْهُ مَالٌ بِبَيِّنَةٍ ثُمَّ ادَّعَاهُ لَمْ يُشْتَرَطْ ذِكْرُ الِانْتِقَالِ فِي الْأَصَحِّ، وَالمَذْهَبُ أَنَّ زِيَادَةَ عَدَدِ شُهُودِ أَحَدِهِمَا لَا تُرَجِّحُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا رَجُلَانِ وَلِلْآخَرِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، فَإِنْ كَانَ لِلْآخَرِ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ رُجِّحَ الشَّاهِدَانِ فِي الْأَظْهَرِ. وَلَوْ شَهِدَتْ لِأَحَدِهِمَا بِمِلْكٍ مِنْ سَنَةٍ، وَلِلْآخَرِ مِنْ أَكْثَرَ، فَالْأَظْهَرُ تَرْجِيحُ الْأَكْثَرِ، وَلِصَاحِبِهَا الْأُجْرَةُ وَالزِّيَادَةُ الحَادِثَةُ مِنْ يَوْمِئِذٍ
الإقرار أنه لو قال وهبته له وملكه لم يكن إقرارا بالقبض؛ لجواز اعتقاده حصوله بمجرد العقد وحينئذ فتقبل دعواه به بعد هذا الإقرار من غير ذكر انتقال (ومن أخذ منه مال ببينة ثم ادعاه لم يشترط ذكر الانتقال في الأصح) ; لأن البينة لم تشهد إلا على التلقي حالا فلم يتسلط أثرها على الاستقبال، نعم لو أضافت لسبب يتعلق بالمأخوذ منه (١) كانت كالإقرار. (والمذهب أن زيادة عدد) أو نحو عدالة (شهود أحدهما لا ترجِّح) بل يتعارضان؛ لكمال الحجة من الطرفين ولأن ما قدره الشرع لا يختلف بالزيادة والنقص كدية الحر، وبه فارق تأثر الرواية بذلك; لأن مدارها (٢) على أقوى الظنين، ومنه يؤخذ أنه لو بلغت تلك الزيادة عدد التواتر رجحت وهو واضح؛ لإفادتها حينئذ العلم الضروري وهو لا يُعَارَض، (وكذا لو كان لأحدهما رجلان وللآخر رجل وامرأتان) أو أربع نسوة فيما يقبلن فيه لكمال الحجة من الطرفين أيضا (فإن كان للآخر شاهد ويمين رجح الشاهدان) والشاهد والمرأتان والأربع النسوة فيما يقبلن فيه (في الأظهر)؛ للإجماع على قبول من ذكر دون الشاهد واليمين، نعم إن كان معهما يد قُدِّما بيَّنا سببا أوْ لا؛ لاعتضادهما بها كما مر. (ولو شهدت) البينة (لأحدهما) أي متنازعين في عين بيدهما أو يد ثالث أو لا بيد أحد (بملك من سنة و) شهدت بينة أخرى (للآخر) بملكه لها (من أكثر) من سنة وقد شهدت كل بالملك حالا، أو قالت لا نعلم مزيلا له؛ لما يأتي أن الشهادة لا تسمع بملك سابق إلا مع ذلك (فالأظهر ترجيح الأكثر) ; لأنها أثبتت الملك في وقت لا تعارضها فيه الأخرى وفي وقت تعارضها فيه فيتساقطان في محل التعارض ويعمل بصاحبة الأكثر فيما لا تعارض فيه والأصل في كل ثابت دوامه. أما إذا كانت بيد متقدمة التاريخ فيقدم قطعا أو متأخرته فسيأتي، (ولصاحبها) أي المتقدمة (الأجرة والزيادة الحادثة من يومئذ) أي
стр. 2081
وَلَوْ أَطْلَقَتْ بَيِّنَةٌ وَأَرَّخَتْ بَيِّنَةٌ فَالمَذْهَبُ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ (١)، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِصَاحِبِ مُتَأَخِّرَةِ التَّارِيخِ يَدٌ قُدِّمَتْ، وَ أَنَّهَا لَوْ شَهِدَتْ بِمِلْكِهِ أَمْسِ وَلَمْ تَتَعَرَّضْ لِلْحَالِ لَمْ تُسْمَعْ حَتَّى يَقُولُوا وَلَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ أَوْ وَلَا نَعْلَمُ مُزِيلًا لَهُ
من يوم ملكه بالشهادة; لأنها فوائد ملكه، نعم لو كانت العين بيد الزوج أو البائع قبل القبض لم تلزمه أجرة (ولو أطلقت بينة) بأن لم تتعرض لزمن الملك (وأرخت بينة) ولا يد لأحدهما واستويا في أن لكل شاهدين مثلا ولم تبين الثانية سبب الملك (فالمذهب أنهما سواء) فيتعارضان، ومجرد التاريخ ليس بمرجح؛ لاحتمال أن المطلِقة لو فسرت فسرت بما هو أكثر من الأولى، نعم لو شهدت إحداهما بدين والأخرى بالإبراء من قدره رجحت هذه; لأنه إنما يكون بعد الوجوب والأصل عدم تعدد الدين. ولو أثبت إقرار زيد له بدين فأثبت زيد إقراره بأنه لا شيء له عليه لم يؤثر; لاحتمال حدوث الدين بعد و لأن الثبوت لا يرتفع بالنفي المحتمل. أما إذا كان لأحدهما يد أو شاهدان وللآخر شاهد ويمين فتقدم اليد والشاهدان، وكذا تقدم البينة المبينة لسبب الملك على البينة المطلقة وتبين السبب بنحو نَتَج أو أثمر أو نسج أو حلب من مِلْكِه أو وَرِثَهُ من أبيه، ولا أثر لقول البينة بنت دابته من غير تعرضها أنه ملك بنت الدابة تلك (وأنه لو كان لصاحب متأخرة التاريخ يد) لم يعلم أنها عادِية (قدمت) سواء أذكرتا أو إحداهما الانتقالَ لمن تشهد له من معين أم لا وإن اتحد ذلك المعين (٢)؛ لتساوي البينتين في إثبات الملك حالا فيتساقطان وتبقى اليد في مقابلة الملك السابق وهي أقوى سواء أشهدت كل بوقف أم ملك، ومحله إن لم يظهر أن اليد عادية باعتبار ترتبها على بيع صدر من أهل الوقف أو بعضهم، وبه يعلم أنه لو ادعى في عين بيد غيره أنه اشتراها من زيد من منذ سنتين فأقام الداخل بينة أنه اشتراها من زيد من منذ سنة قدمت بينة الخارج; لأنها أثبتت أن يد الداخل عادية بشرائه من زيد ما زال ملكه عنه، نعم لا بد أن يثبت الخارج هنا أنها كانت بيد زيد حال شرائه منه وإلا بقيت بيد من هي بيده، فإن ادعى الاسترداد فعليه البينة به، ثم محل العمل باليد ما لم يعلم حدوثها وإلا كما هنا فهي في الحقيقة للأول فهو الداخل، ومن ثم لو اتحد تاريخهما أو أطلقتاهما أو إحداهما قدم ذو اليد; لأنه لم يثبت حدوث يده (وأنها لو شهدت بملكه أمس ولم تتعرض للحال لم تسمع حتى يقولوا ولم يزل ملكه أو لا نعلم مزيلا له) أو
стр. 2082
وَتَجُوزُ الشَّهَادَةُ بِمِلْكِهِ الْآنَ اسْتِصْحَابًا لِمَا سَبَقَ مِنْ إرْثٍ وَشِرَاءٍ وَغَيْرِهِمَا. وَلَوْ شَهِدَتْ بِإِقْرَارِهِ أَمْسِ بِالمِلْكِ لَهُ اُسْتُدِيمَ
تبين سببه; لأن دعوى الملك السابق لا تسمع فكذا البينة ولأنها شهدت له بما لم يدعه. وقد تسمع الشهادة وإن لم تتعرض للملك حالا كما يأتي في مسألة الإقرار كأن شهدت أنها أرضه وزرعها أو دابته نتجت في ملكه أو هذا أثمرته نخلته في ملكه أو هذا الغزل من قطنه أو الطير من بيضه أمس (١) أو بأن هذا ملكه أمس اشتراه من المدعى عليه أو أقر له به أو ورثه أمس، وكأن شهدت بأنه اشترى هذه من فلان وهو يملكها أو نحوه فتقبل وإن لم تقل إنها الآن ملك المدعي أو بأن مورثه تركه له ميراثا، أو بأن فلانا حكم له به فتقبل وذلك; لأن الملك ثبت بتمامه فيستصحب إلى أن يعلم زواله بخلافها بأصله لا بد أن ينضم إليها إثباته حالا، وكأن ادعى رق شخص بيده فادعى آخر أنه كان له أمس وأنه أعتقه فتقبل بينته بذلك; لأن القصد بها إثبات العتق وذكر الملك السابق وقع تبعا، وكأن قال عن عين بيد غيره هي لي ورثتها من أبي ولا وارث له غيري فشهدا له بذلك وقالا نحن من أهل الخبرة الباطنة فيقضى له بها; لأنها إذا ثبتت إرثا استصحب حكمه، فإن سكتا عن نحن من أهل الخبرة ولم يعلمهما الحاكم كذلك توقف ثم إن ثبت أنه وارث وأن الدار ميراث أبيه نزعت من ذي اليد وتعرَّف الحاكم الحال حتى يتبين أنه لو كان له وارث آخر لظهر فحينئذ يسلمها إليه. ولو قال لخصمه كانت بيدك أمس لم يكن إقرارا. ولو قال من بيده عين اشتريتها من فلان من منذ شهر وأقام به بينة فقالت زوجة البائع ملكي تعوضتها منه من منذ شهرين وأقامت به بينة فإن ثبت أنها بيد الزوج حال التعويض حكم بها لها وإلا بقيت بيد من هي بيده الآن (٢). (وتجوز الشهادة) بل تجب إن انحصر الأمر (بملكه الآن استصحابا لما سبق من إرث وشراء وغيرهما)؛ اعتمادا على الاستصحاب لأن الأصل البقاء، وللحاجة لذلك وإلا لتعسرت الشهادة على الأملاك السابقة إذا تطاول الزمن، ومحله إن لم يصرح بأنه اعتمد الاستصحاب وإلا لم تسمع، نعم إن بتَّ شهادته وذكر ذلك تقوية لمستنده أو حكاية للحال لم يضر. ولا تجوز الشهادة بملك نحو وارث أو مشتر أو متهب إلا إن علم ملك المنتقل عنه. (ولو شهدت) بينة (بإقراره) أي المدعى عليه (أمس بالملك له) أي المدعي (استديم) حكم الإقرار وإن لم تصرح بالملك حالا؛ إذ لولاه لبطلت فائدة
стр. 2083
وَلَوْ أَقَامَهَا بِمِلْكِ دَابَّةٍ أَوْ شَجَرَةٍ لَمْ يَسْتَحِقَّ ثَمَرَةً مَوْجُودَةً، وَلَا وَلَدًا مُنْفَصِلًا وَيَسْتَحِقُّ الحَمْلَ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوِ اشْتَرَى شَيْئًا فَأُخِذَ مِنْهُ بِحُجَّةٍ مُطْلَقَةٍ رَجَعَ عَلَى بَائِعِهِ بِالثَّمَنِ،
الأقارير (ولو أقامها) أي الحجة (بملك دابة أو شجرة) من غير تعرض لملك سابق (لم يستحق ثمرة موجودة) يعني ظاهرة (١) (ولا ولدا منفصلا) عند الشهادة; لأنهما ليسا من أجزاء العين، ولذا لا يدخلان في بيعها ولأن البينة لا تثبت الملك بل تظهره فكفى تقدمه عليها بلحظة فلم يستحق ثمرا ونتاجا حصلا قبل تلك اللحظة (ويستحق الحمل) والثمر غير الظاهر الموجود عند الشهادة (في الأصح)؛ تبعا للأم والأصل كما لو اشتراها، ولا عبرة باحتمال كون ذلك لغير مالك الأم والشجرة بنحو وصية; لأنه خلاف الأصل. أما إذ تعرضت لملك سابق على حدوث ما ذكر فيستحقه، فعلم أن حكم الحاكم لا ينعطف على ما مضى؛ لجواز أن يكون ملكه لها حدث قبل الشهادة. (ولو اشترى شيئا) وأقبض ثمنه (فأُخِذ منه بحجة) أي بينة (مطلقة) بأن لم تصرح بتاريخ الملك، وقوله مطلقة ليس قيدا (رجع على بائعه) إن لم يصدق المشتري البائع أن المبيع ملكه ولم يقم البائع بينة بأنه اشترى المبيع من المدعي ولو بعد الحكم (بالثمن)؛ لمسيس الحاجة لذلك في عهدة العقود مع أن الأصل أنه لا معاملة بين المشتري والمدعي ولا انتقال منه إليه فيستند الملك المشهود به إلى ما قبل الشراء. وخرج بحجة التي هي البينة هنا كما تقرر ما لو أخذ منه بإقراره أو بحلف المدعي بعد نكوله فلا يرجع؛ لأنه المقصر; لأنه المقصر،، وبمطلقة ما لو أسندت الاستحقاق إلى حالة العقد فيرجع قطعاً، وببائعه بائع بائعه فلا رجوع له عليه; لأنه لم يتلق منه، وبلم يصدقه ما لو صدقه على أنه ملكه فلا يرجع عليه بشيء؛ لاعترافه بأن الظالم غيره، نعم لا يضر قوله ذلك له في الخصومة ولا إن قاله معتمدا فيه على ظاهر اليد وادعى ذلك فيرجع عليه مع ذلك؛ لعذره، ومن ثم لو اشترى قنا وأقر بأنه قنا ثم ادعى القن بحرية الأصل وحكم له بها رجع بثمنه ولم يضر اعترافه برقه; لأنه معتمد فيه على الظاهر. ولو أقر مشتر لمدع ملك المبيع لم يرجع على بائعه بالثمن، ولا تسمع دعوى المشتري حينئذٍ على البائع بأنه ملك للمقر له كي يقيم به بينة ويرجع عليه بالثمن، نعم له تحليفه أنه ليس ملكا للمقر له فإن أقر أوخذ به.
стр. 2084
وَقِيلَ لَا إلَّا إذَا ادَّعَى مِلْكاً سَابِقاً عَلَى الشِّرَاءِ. وَلَوِ ادَّعَى مِلْكًا مُطْلَقًا فَشَهِدُوا لَهُ مَعَ سَبَبِهِ لَمْ يَضُرَّ، وَإِنْ ذَكَرَ سَبَبًا، وَهُمْ سَبَبًا آخَرَ ضَرَّ.
فصل
قَالَ أجَرْتُكَ الْبَيْتَ بِعَشْرَةٍ، فَقَالَ بَلْ جَمِيعَ الدَّارِ بِالْعَشَرَةِ وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ تَعَارَضَتَا، وَفِي قَوْلٍ يُقَدَّمُ المُسْتَأْجِرِ
(وقيل لا إلا إذا ادعى) المدعي على المشتري (ملكا سابقا على الشراء)؛ لينتفي احتمال الانتقال من المشتري إليه، ومحل الخلاف إن قبض المشتري المبيع وإلا رجع بالثمن قطعا؛ تنزيلا لذلك منزلة هلاك المبيع قبل القبض. (ولو ادعى ملكا) لدار مثلا بيد غيره (مطلقا) بأن لم يذكر له سببا (فشهدوا له) به (مع) ذكر (سببه لم يضر) ما زادوه في شهادتهم; لأن سببه تابع له وهو المقصود وقد وافقت البينة فيه الدعوى، نعم لا يكون ذكرهم للسبب مرجحا; لأنهم ذكروه قبل الدعوى به، فإن أعاد دعوى الملك وسببه فشهدوا بذلك رجحت حينئذ. ولو ادعى شراء عين فشهدت بينة له بملك مطلق قبلت، ويؤيده قولهم إن خالف الشاهد الدعوى في الجنس -الشامل للنوع والصنف والصفة- رُدَّ، أوفي القدر حكم بالأقل من الدعوى والبينة ما لم يكذبهما المدعي (وإن ذكر سببا وهم سببا آخر ضر) في شهادتهم؛ لمناقضتها الدعوى.
[فرع] أقر الراهن بالرهن لأجنبي فإن أرخت بينة المقر له بما قبل الرهن أخذه كله، أو بما بعده لم يكن له إلا ما فضل عن الدين ، فإن أطلقت بينة الإقرار وأرخت بينة الرهن أو أطلقت تعارضتا ولم يثبت رهن ولا إقرار. ولا تقبل الشهادة بنفي إلا إن حصر كلم يكن بمحل كذا وقت أو مدة كذا فتقبل وإن لم تكن لحاجة.
(فصل في اختلاف المتداعيين) في نحو عقد أو إسلام أو عتق
إذا اختلفا في قدر ما اكتُرِي من دار أو أجرته أو هما كأن (قال أجرتك البيت) شهر كذا مثلا (بعشرة) مثلا (فقال بل) آجرتني (جميع الدار) المشتملة عليه (بالعشرة) أو بعشرين (وأقاما بينتين) أطلقتا أو إحداهما أو اتحد تاريخهما، وكذا إن اختلف تاريخهما واتفقا على أنه لم يجر إلا عقد واحد (تعارضتا) فيسقطان؛ لتناقضهما في كيفية العقد الواحد فيتحالفان ثم يفسخ العقد كما علم مما مر في البيع (وفي قول يقدم المستأجر) ; لاشتمال بينته على زيادة هي
стр. 2085
وَلَوِ ادَّعَيَا شَيْئًا فِي يَدِ ثَالِثٍ وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهُ وَوَزَنَ لَهُ ثَمَنَهُ فَإِنِ اخْتَلَفَ تَارِيخٌ حُكِمَ لِلْأَسْبَقِ، وَإِلَّا تَعَارَضَتَا
اكتراء جميع الدار كما لو شهدت بينة بألف وبينة بألفين يجب ألفان. أما إذا اختلف تاريخهما ولم يتفقا على ذلك فتقدم السابقة، ثم إن كانت هي الشاهدة بالكل لغت الثانية أو بالبعض أفادت الثانية صحة الإجارة في الباقي. (ولو ادعيا) أي كل من اثنين (شيئا في يد ثالث) فإن أقر به لأحدهما سُلِّم إليه، وللآخر تحليفه؛ إذ لو أقر به له أيضا غرم له بدله. وإن أنكر ما ادعياه ولا بينة حلف لكل منهما يمينا وترك في يده، (و) إن ادعيا شيئا على ثالث و (أقام كل منهما بينة) إحداهما بأنه غصبه منه والأخرى بأنه أقر أنه غصبه منه قدمت الأولى; لأنها أثبتت الغصب بطريق المشاهدة فكانت أقوى ولا يغرم شيئا للمقر له; لأن الملك للأول إنما ثبت بالبينة فهي الحائلة بين المقر له وبين حقه بزعمه، أو (أنه اشتراه) منه وهو يملكه أو سلمه إليه أو تسلمه منه والمبيع بغير يده وإلا لم يحتج لذكر ذلك كما يأتي -أما إن كان المدعى به في يده فلا يحتاج في تصحيح الدعوى لقوله ((وهو يملكه)) - (ووزَن له ثمنه) فإن لم تذكر ذلك لم تصح (فإن اختلف تاريخٌ حُكِم للأسبق) منهما تاريخا; لأن معها زيادة علم، نعم الأوجه أن من شهدت من البينتين بملك المُدَّعَى للبائع وقت البيع أو للمشتري الآن أو بنقد الثمن دون الأخرى قدمت ولو متأخرة; لأن معها زيادة علم ولأن التعرض للنقد يوجب التسليم والأخرى لا توجبه؛ لبقاء حق الحبس للبائع فلا تكفي المطالبة بالتسليم، (وإلا) يختلف تاريخهما -بأن أطلقتا أو إحداهما أو أرختا بتاريخ متحد- (تعارضتا) فيتساقطان، ثم إن أقر لهما أو لأحدهما فواضح وإلا حلف لكل يمينا ويرجعان عليه بالثمن; لثبوته بالبينة، وسقوطهما إنما هو فيما تعارضتا فيه وهو العقد فقط، ومحله إن لم يتعرضا لقبض المبيع وإلا قدمت بينة ذي اليد ولا رجوع لواحد منهما بالثمن; لأن العقد قد استقر بالقبض، ويجري ذلك في قول واحد اشتريتها من زيد وآخر اشتريتها من عمرو على الوجه المذكور وأقاما بينتين كذلك فيتعارضان ويصدق من العين بيده فيحلف لكل منهما أو يقر.
[تنبيه] لا يكفي في الدعوى كالشهادة ذكر الشراء إلا مع ذكر ملك البائع إذا كان غير ذي يد أو مع ذكر يده إذا كانت اليد له ونزعت منه تعديا أو مع قيام بينة أخرى بأحدهما (١)
стр. 2086
وَلَوْ قَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِعْتُكَهُ بِكَذَا وَأَقَامَاهُمَا، فَإِنِ اتَّحَدَ تَارِيخُهُمَا تَعَارَضَتَا، وَإِنِ اخْتَلَفَ لَزِمَهُ الثَّمَنَانِ وَكَذَا إنْ أَطْلَقَتَا أَوْ إحْدَاهُمَا فِي الْأَصَحِّ
يوم البيع ويصيران كبينة واحدة، وكذا كل ما ذِكْرُه شرطٌ لو تركته بينة وقامت به أخرى كأقرت امرأة لفلان وقت كذا بمحل كذا فشهد آخران بأنها فلانة، وإنما تسمع البينة بالملك المطلق إن كان المُدَّعَى بيد المدعي أو بيد من لم يعلم ملكه ولا ملك من انتقل منه إليه أو لم يكن بيد أحد، وفيما عدا ذلك قد تسمع لكن لا يعمل بها كما لو انتزع خارج عينا من داخل (١) ببينة فأقام الداخل بينة بملكها مطلقا فإنها تسمع، وفائدتها معارضة بينة الخارج فقط لترد العين إلى يده. ولو أقام بينة بأن هذا رهنني وأقبضني داره في ربيع الأول سنة كذا وآخر بينة بأنه أقر لي بها تلك السنة ولم يذكر الشهود شهرا تعارضتا; لأن الرهن يمنع صحة الإقرار فلا يثبت رهن ولا إقرار. (ولو قال كل منهما) والمبيع في يد المدعى عليه (بعتكه بكذا) وهو ملكي -وإلا لم تسمع الدعوى- فأنكر (وأقاماهما) أي البينتين بما قالاه وطالباه بالثمن (فإن اتحد تاريخهما تعارضتا) وتساقطتا; لامتناع كونه ملكا في وقت واحد لكلٍّ وحده فيحلف لكل كما لو لم يكن لواحد منهما بينة، وإن كان لأحدهما بينة قضى له وحلف للآخر، (وإن اختلف) تاريخهما (لزمه الثمنان)؛ لإمكان دعواهما، ومن ثم اشترط اتساع الزمن للعقد الأول ثم الانتقال للبائع الثاني ثم العقد الثاني وإلا حلف لكل، (وكذا) يلزمه الثمنان (إن أطلقتا أو) أطلقت (إحداهما) وأرخت الأخرى (في الأصح) ; لاحتمال اختلاف الزمن وحيث أمكن الاستعمال فلا إسقاط. وشهادة البينتين على إقراره كهي على البيعين فيما ذكر. ولو شهدا أنه باع عاقلا وآخران أنه مجنون ذلك اليوم عمل بالأولى (٢)، أو أنه باع مجنونا قُدِّما. ولو أقام بينة بأن هذه الدار التي بيدك وقفها أبي عليَّ وهو مالك حائز يومئذ فأقام ذو اليد بينة بأنها ملكه قدم ما لم تقم بينة أخرى بأنه غصبها من الواقف; لأنه ذو اليد حينئذ. ولو ظهر في موقوف محكوم بصحته بعد ثبوت ملك الواقف وحيازته مكتوب محكوم بصحته يشهد بالملك والحيازة لآخر قبل صدور الوقف لم يبطل الوقف بمجرد ذلك؛ لأنه يجوز بتقدير صحته أن يكون الملك انتقل من صاحبه إلى الواقف لاسيما واليد للواقف أو من قام مقامه. ولو شهدت
стр. 2087
وَلَوْ مَاتَ عَنْ ابْنَيْنِ مُسْلِمٍ وَنَصْرَانِيٍّ فَقَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا: مَاتَ عَلَى دِينِي، فَإِنْ عُرِفَ أَنَّهُ كَانَ نَصْرَانِيًّا صُدِّقَ النَّصْرَانِيُّ، فَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ مُطْلَقَتَيْنِ قُدِّمَ المُسْلِمُ، وَإِنْ قَيَّدَتْ أَنَّ آخِرَ كَلَامِهِ إسْلَامٌ وَعَكَسَتْهُ الْأُخْرَى تَعَارَضَتَا، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ دِينُهُ وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهُ مَاتَ عَلَى دِينِهِ تَعَارَضَتَا
بينة على منكر الشراء له بثمن جزاف قبلا إن قالا حلال لا إن حذفاه; لأن الجزاف حلال وحرام. ولو أقام بينة بأن هذه التي بيدك ملكي فأخذها فأقام آخر أخرى بأنه اشتراها ممن كانت بيده وهي ملكه حينئذ حكم بها لهذا؛ لزيادة علم بينته. وتقدم بينةٌ قالت ملك أبيه وقد ورثه على بينة قالت ملك أبي خصمِهِ وهو وارثه؛ لأن هذا ليس فيه التنصيص على تلقي ملك هذا عن الأب; لأنه لم يشهد بإرث شيء خاص بخلاف وقد ورثه فإنه نص على أنه متلق ملكه من أبيه فلا احتمال فيه بخلاف ذاك. (ولو مات) إنسان (عن ابنين مسلم ونصراني فقال كل منهما: مات على ديني) فأَرِثُهُ ولا بينة (فإن عرف أنه كان نصرانيا صدق النصراني) بيمينه; لأن الأصل بقاء كفره (فإن أقاما بينتين مطلقتين) بما قالاه (قدم المسلم) ; لأن مع بينته زيادة علم بالانتقال والأخرى مستصحبة، وكذا كل ناقلة ومستصحبة، ومنه تقديم بينة الجرح على بينة التعديل (وإن قيدت) إحداهما (أن آخر كلامه إسلام) أي كلمته وهي الشهادتان (وعكسته الأخرى) فقيدت أن آخر كلامه النصرانية كثالث ثلاثة. ويظهر أنه لا يُكتفى هنا بمطلق الإسلام والتنصر إلا من فقيه يقظ موافق للحاكم بحيث لا يتطرق إليه تهمة ولا جزم بحكم فيه خلاف الترجيح (١) (تعارضتا) وتساقطتا؛ لتناقضهما إذ يستحيل موته عليهما فيحلف النصراني، وتتعارض كذلك فيما لو قيدت بينة النصراني وأطلقت بينة المسلم، نعم محل التعارض إذا قالت كلٌّ ((آخر كلمة تكلمة تكلم بها ومكثنا عنده إلى أن مات))، وأما إذا اقتُصر على ((آخر كلمة تكلم بها)) فلا تعارض؛ لاحتمال أن كلا اعتمد ما سمعه منه قبل ذهابه عنه ثم استصحب حاله بعدها. ولو قالت بينة الإسلام علمنا تنصره ثم إسلامه قدمت قطعا، (وإن لم يعرف دينه وأقام كل منهما بينة أنه مات على دينه تعارضتا) أطلقتا أم قيدتا لفظه (٢) بمثل ما ذُكر عند الموت؛ لاستحالة أعمالهما. وإذا تعارضتا، أوْ لا بينة لأحدهما وحلف كل
стр. 2088
وَلَوْ مَاتَ نَصْرَانِيٌّ عَنِ ابْنَيْنِ مُسْلِمٍ وَنَصْرَانِيٍّ فَقَالَ المُسْلِمُ أَسْلَمْتُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَالمِيرَاثُ بَيْنَنَا، فَقَالَ النَّصْرَانِيُّ: بَلْ قَبْلَهُ صُدِّقَ المُسْلِمُ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ أَقَامَاهُمَا قُدِّمَ النَّصْرَانِيُّ. فَلَوِ اتَّفَقَا عَلَى إسْلَامِ الِابْنِ فِي رَمَضَانَ، وَقَالَ المُسْلِمُ مَاتَ الْأَبُ فِي شَعْبَانَ، وَقَالَ النَّصْرَانِيُّ فِي شَوَّالٍ صُدِّقَ النَّصْرَانِيُّ، وَتُقَدَّمُ بَيِّنَةُ المُسْلِمِ عَلَى بَيِّنَتِهِ
لآخر يمينا في الصورتين والمال بيدهما أو بيد أحدهما تقاسماه نصفين؛ إذ لا مرجح، أو بيد غيرهما فالقول قوله، ثم التعارض إنما هو بالنسبة لنحو الإرث بخلاف نحو الصلاة عليه وتجهيزه كمسلم ودفنه في مقابرنا، ويقول وجوبا المصلي عليه في النية والدعاء ((إن كان مسلما)). ولو قالت بينة مات في شوال وأخرى في شعبان قدمت; لأنها ناقلة ما لم تقل الأولى رأيته حيا، أو يبيع مثلا في شوال وإلا قدمت، أو برئ من مرضه الذي تبرع فيه وأخرى مات فيه قدمت الأولى; لأنها ناقلة. (ولو مات نصراني عن ابنين مسلم) حالة الاختلاف (ونصراني فقال المسلم أسلمتُ بعد موته) أي الأب (فالميراث بيننا فقال النصراني بل) أسلمتَ (قبله) فلا إرث لك (صدق المسلم بيمينه) ; لأن الأصل استمراره على دينه فيحلف ويرث، ومثله لو اتفقا على موت الأب في رمضان وقال المسلم أسلمت في شوال والنصراني في شعبان (وإن أقاماهما) أي البينتين بما قالاه (قدم النصراني) ; لأن بينته ناقلة عن الأصل الذي هو التنصر إلى الإسلام قبل موت الأب فهي أعلم، ومحله إذا لم تقل بينة المسلم علمنا تنصره حال موت أبيه وبعده ولم تستصحب، فإن قالت ذلك تعارضتا فيحلف المسلم (فلو اتفقا) أي الابنان (على إسلام الابن في رمضان وقال المسلم مات الأب في شعبان وقال النصراني) مات (في شوال صدق النصراني) بيمينه; لأن الأصل بقاء الحياة (وتقدم بينة المسلم على بينته) إن أقاما بينتين بذلك; لأنها ناقلة من الحياة إلى الموت في شعبان والأخرى مستصحبة الحياة إلى شوال، نعم إن قالت رأيناه حيا في شوال تعارضتا فيحلف النصراني (١). أما إذا لم يتفقا على وقت الإسلام فيصدق المسلم كما مر؛ لأصل بقائه على دينه، وتقدم بينة النصراني; لأنها ناقلة ما لم تقل بينة المسلم عاينا الأب ميتا قبل إسلامه فيتعارضان ويحلف المسلم، ونظير ما تقرر في رأيناه حيا وعايناه ميتا شهادةُ بينةٍ بأن أبا مدَّعٍ مات يوم كذا فورثه وحده فأقامت امرأة بينة بأنه تزوجها يوم كذا -ليوم بعد ذلك اليوم- ثم مات بعده فتقدم بينتها; لأن معها زيادة علم، ومن ثم لو
стр. 2089
وَلَوْ مَاتَ عَنْ أَبَوَيْنِ كَافِرَيْنِ وَ ابْنَيْنِ مُسْلِمَيْنِ فَقَالَ كُلٌّ مَاتَ عَلَى دِينِنَا صُدِّقَ الْأَبَوَانِ بِالْيَمِينِ، وَفِي قَوْلٍ يُوقَفُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَوْ يَصْطَلِحُوا. وَلَوْ شَهِدَتْ أَنَّهُ أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ سَالِمًا، وَأُخْرَى غَانِمًا وَكُلُّ وَاحِدٍ ثُلُثُ مَالِهِ، فَإِنْ اخْتَلَفَ تَارِيخٌ قُدِّمَ الْأَسْبَقُ،
شهدا بموته وآخران بحياته بعد ذلك قدمت بينة الحياة؛ لزيادة علمها. ولو مات عن أولاد وأحدهم عن ولد صغير فوضعوا يدهم على المال فلما كمل ادعى بمال أبيه وبإرث أبيه من جده فقالوا مات أبوك في حياة أبيه، فإن كان ثم بينة عمل بها وإلا فإن اتفق هو وهم على وقت موت أحدهما واختلفا في أن الآخر مات قبله أو بعده حلف من قال بعده; لأن الأصل دوام الحياة وإلا صدق في مال أبيه وهم في مال أبيهم ولا يرث الجد من ابنه وعكسه فإذا حلفا أو نكلا جعل مال أبيه له ومال الجد لهم (ولو مات عن أبوين كافرين وابنين مسلمين) بالغين (فقال كلٌّ) من الفريقين (مات على ديننا صدق الأبوان باليمين) ; لأنه محكوم بكفره ابتداء تبعا لهما فيستصحب حتى يعلم خلافه (١)، (وفي قول يوقف حتى يتبين) الحال (أو يصطلحوا)؛ لتساوي الحالين بعد بلوغه وبه زالت التبعية. وفي عكس ذلك (٢) إن عرف للأبوين كفر سابق وقالا أسلما قبل بلوغه أو أسلم هو أو بلغ بعد إسلامنا وأنكر الابنان ولم يتفقوا على وقت الإسلام في الثالثة صدق الابنان؛ لأصل بقاء الكفر، وإن لم يعرف للأبوين كفر أو اتفقوا على وقت الإسلام في الثالثة صدق الأبوان؛ عملا بالظاهر وأصل بقاء الصبا. ولو شهدت بأن هذا لحم مذكاة أو لحم حلال وعكست أخرى قدمت الأولى، ومثل ذلك (٣) بينة شهدت بالإفضاء وأخرى بعدمه ولم يمض بينهما ما يمكن فيه الالتحام فتقدم الأولى; لأن معها زيادة بالنقل عن الأصل. (ولو شهدت) بينة (أنه أعتق في مرضه) الذي مات فيه (سالما وأخرى) أنه أعتق فيه (غانما وكل واحد ثلث ماله) ولم تجز الورثة (فإن اختلف تاريخ) للبينتين (قدم الأسبق)؛ لما مر أن تصرفه المنجز يقدم السابق منه فالسابق وهكذا ولأن معها
стр. 2090
وَإِنِ اتَّحَدَ أُقْرِعَ، وَإِنْ أَطْلَقَتَا قِيلَ يُقْرَعُ، وَقِيلَ فِي قَوْلٍ يَعْتِقُ مِنْ كُلٍّ نِصْفَهُ. قُلْتُ: المَذْهَبُ يَعْتِقُ مِنْ كُلٍّ نِصْفُهُ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ شَهِدَ أَجْنَبِيَّانِ أَنَّهُ أَوْصَى بِعِتْقِ سَالِمٍ وَهُوَ ثُلُثُهُ، وَوَارِثَانِ حَائِزَانِ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، وَوَصَّى بِعِتْقِ غَانِمٍ وَهُوَ ثُلُثُهُ ثَبَتَتْ لِغَانِمٍ، فَإِنْ كَانَ الْوَارِثَانِ فَاسِقَيْنِ لَمْ يَثْبُتْ الرُّجُوعُ فَيَعْتِقُ سَالِمٌ، وَمِنْ غَانِمٍ ثُلُثُ مَالِهِ بَعْدَ سَالِمٍ
زيادة علم (وإن اتحد) التاريخ (أقرع) بينهما؛ لعدم مزية أحدهما، نعم إن اتحد بمقتضى تعليق وتنجيز -كإن أعتقتُ سالماً فغانم حرٌّ ثم أعتق سالماً فيعتق غانم معه بناء على تقارن الشرط والمشروط- تعين السابق -وهو سالم- من غير إقراع; لأنه الأقوى والمقدم في الرتبة. (وإن أطلقتا) أو إحداهما (قيل يقرع) بينهما; لاحتمال المعية والترتيب (وقيل في قول يعتق من كل نصفه قلت المذهب يعتق من كل نصفه والله أعلم) ; لاستوائهما، والقرعة ممتنعة؛ لئلا تخرج بالرق على السابق الحر فيلزم إرقاق حر وتحرير رقيق فوجب الجمع بينهما; لأنه العدل (ولو شهد أجنبيان أنه أوصى بعتق سالم وهو ثلثه) أي ثلث ماله (ووارثان حائزان) أو غير حائزين، وإنما ذلك قيد لما بعده (أنه رجع عن ذلك ووصَّى بعتق غانم وهو ثلثه ثبتت) الوصية الثانية (لغانم) ; لأنهما أثبتا للمرجوع عنه بدلا يساويه فلا تهمة. أما إذا كان دون ثلثه فلا يقبلان فيما لم يثبتا له بدلا؛ للتهمة، وفي الباقي خلاف تبعيض الشهادة وقد مر (١) (فإن كان الوارثان) الحائزان (فاسقين لم يثبت الرجوع) ; لأن شهادة الفاسق لغو (فيعتق سالم) بشهادة الأجنبيين; لأن الثلث يحتمله ولم يثبت الرجوع عنه (و) يعتق (من غانم) قدر ما يحتمله (ثلث ماله بعد سالم) وهو ثلثاه بإقرار الوارثين الذي تضمنته شهادتهما له وكأن سالما قد هلك أو غصب من التركة؛ مؤاخذة للورثة بإقرارهم. أما غير الحائزين فيعتق من غانم قدر ثلث حصتهما.
стр. 2091
فصل
شرط القائف: مسلم عدل، مجرب، والأصح اشتراط حر ذكر، لا عدد، ولا كونه مُدْلِجيَّا، فإن تداعيا مجهولا عُرِض عليه، فمن أَلحَقَهُ به لَحِقَه
(فصل) في القائف
الملحق للنسب عند الاشتباه بما خصه الله تعالى به، وهو لغة: متتبع الأثر والشَّبَه. والأصل فيه خبر الصحيحين أنه ﷺ «دخل على عائشة ﵂ ذات يوم مسرورًا فقال ألم تري أن مجززا المدلجي دخل علي فرأى أسامة بن زيد وزيدا عليهما قطيفة قد غطيا رؤوسها وبدت أقدامها فقال إن هذه الأقدام بعضها من بعض».
(شرط القائف مسلم عدل) أي إسلام وعدالة وغيرهما من شروط الشاهد السابقة ككونه بصيرا ناطقا رشيدا غير عدو لمن ينفي عنه ولا بعض لمن يلحق به؛ لأنه حاكم أو قاسم -ولا يشترط كونه سميعا- (مجرب)؛ للخير الحسن «لا حكيم إلا ذو تجربة»، والتجربة أن يعرض عليه ولد في نسوة غير أمه ثلاث مرات ثم في نسوة هي فيهن فإذا أصاب في الكل فهو مجرب (١)، وكونه مع الأم غير شرط بل للأولوية فيكفي الأب مع رجال، وكذا سائر العصبة والأقارب، والأولى أيضا أن يعرض مع كل صنف ولد لواحد منهم أو في بعض الأصناف ولا يخص به الرابعة فإذا أصاب في الكل علمت تجربته حينئذ، (والأصح اشتراط حر ذكر)؛ لما تقرر أنه حاكم أو قاسم (لا عدد) فيكفي على الأصح قول واحد؛ لذلك، (ولا كونه مدلجيا) أي من بني مدلج فيجوز كونه من سائر العرب بل العجم؛ لأن القيافة علم فمن علمه عمل به.
(فإذا تداعيا مجهولا) لقيطا أو غيره (عُرِض عليه (٢)) مع المتداعين إن كان صغيرا، لما قدمه في الإقرار أن العبرة في الكبير بمن صدقه (فمن ألحقه به لحقه) كا مرَّ في اللقيط، وكالصغير في ذلك مجنون ومغمى عليه وسكران لم يتعد، فإن تعدَّ لم يعرض؛ لأنه كالصاحي بل يصح انتسابه حينتئذ. ولا يرجح بيد اللاقط، ويد غيره مقدَّم صاحبها إن تقدم استلحاقه على استلحاق منازعه وإلا استويا فيعرض عليه.
стр. 2092
وكذا لو اشتركا في وطء فولدت مُمَكِنًا منهما وتنازعاه بأن وطئا امرأة بشبهة أو مشتركة لهما أو وطئ زوجته فطلَّق فوطئها آخر بشبهة أو نكاح فاسد، أو أمته فباعها فوطئها المشتري ولم يستبرئ واحدٌ منهما، وكذا لو وطئ منكوحة في الأصح، فإذا ولدت لما بين ستة أشهر وأربع سنين من وطأيهما وادَّعياه عُرِض عليه، فإن تخلَّل بين وطأيهما حيضةٌ فللثاني إلا أن يكون الأول زوجًا في نكاح صحيح،
(وكذا لو اشتركا في وطء) لامرأة أو استدخلت مائهما المحترم (فولدت ممكنا منها وتنازعاه بأن وطئا بشبهة) كأن ظنها كل زوجته أو أمته (أو) وطئا (مشتركة لها) في طهر واحد (١) وإلا فهو للثاني (أو وطئ زوجته فطلق فوطئها آخر بشبهة أو نكاح فاسد) كأن نكحها في العدة جاهلا بها (أو) وطئ (أمته فباعها فوطئها المشتري ولم يستبرئ واحد منهما) فيعرض عليه ولو مكلفا ويلحق بمن ألحقه منهما وإن أنكر؛ لأن الحق فيه لله تعالى أو أنكرا؛ لأن الولد صاحب حق في النسب فلا يسقط حقه بإنكار الغير بخلاف المجهول، فإن لم يكن قائف أو تحير اعتبر انتساب الولد بعد كاله، وعمل بإلحاق القائف؛ لما مر في الخبر ولاستحالة انعقاد شخص من ماء شخصين كما أجمع عليه الأطباء. ولو كان الاشتباه للاشتراك في الفراش لم يعتبر إلحاق القائف إلا بحكم حاكم، (وكذا لو وطئ) بشبهة (منكوحة) لغيره نكاحا صحيحا (في الأصح ولا يتعين الزوج للإلحاق؛ للاشتباه، ولا يثبت وطء الشبهة -كي يعرض على القائف - إلا ببينة بوطء الشبهة، ويكفي (٢) اتفاق الزوجين والواطئ. وكالبينة تصديق الولد المكلف؛ لما تقرر أن له حقا (فإذا ولدت لما بين ستة أشهر واربع سنين من وطأيها وادعياه) أو لم يدعياه (عرض عليه) أي القائف؛ لإمكانه منها، فإن تخلل بين وطأيها حيضة ف) الولد للثاني) وإن ادعاه الأول؛ لظهور انقطاع تعلقه به؛ إذ الحيض أمارة ظاهرة على البراءة منه إلا أن يكون الأول زوجا في نكاح صحيح) والثاني واطئا بشبهة أو نكاح فاسد فلا ينقطع تعلق الأول؛ لأن إمكان الوطء مع فراش النكاح الصحيح قائم مقام نفس الوطء، والإمكان حاصل بعد الحيضة بخلاف ملك اليمين والنكاح الفاسد فإنها لا يثبتان الفراش إلا بعد
стр. 2093
وسواء فيهما اتفقا إسلامًا وحرية أم لا
حقيقة الوطء (وسواء فيهما) أي المتنازعين (اتفقا إسلاما وحرية أم لا) كا مر في اللقيط؛ لأن النسب لا يختلف مع صحة استلحاق العبد. هذا إن ألحقه بنفسه وإلا كأن تداعيا أخوة المجهول فيقدم الحر؛ لما مر أن شرط من يلحق بغيره أن يكون وارثا حائزا ويحكم بحريته، وإن ألحقه بالعبد؛ لاحتمال أنه ولد من حرة. ولو ألحق قائف بشه ظاهر وقائف بشبه خفي قدم؛ لأن معه زيادة حذق وبصيرة (١). وفيما إذا ادعاه مسلم وذمي يقدم ذو البينة فيلحق به نسبا ودينا، فإن لم يكن تم بينة وقد ألحقه القائف بالذمي تبعه نسبا فقط فلا يحضنه.
стр. 2094
كتاب العتق
إنَّمَا يَصِحُّ مِنْ مُطْلَقِ التَّصَرُّفِ، وَيَصِحُّ تَعْلِيقُهُ
(كتاب العتق)
وهو إزالة الرق عن الآدمي تقربا إلى الله تعالى (١). وأصله قبل الإجماع قوله تعالى ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ البلد: ١٣ والأخبار المرغبة فيه.
وأركانه ثلاثة عتيق وصيغة ومعتق، ولكونه الأصل بدأ به فقال (إنما يصح من) حر كامل الحرية مختار (مطلق التصرف) -ولو كافرا حربيا- كسائر التصرف المالي، فلا يصح من مكاتب ومبعض ومكره ومحجور عليه ولو بفلس، نعم تصح وصية السفيه به وعتقه قن الغير بإذنه وعتق مشتر قبل قبضه وإمام لقن بيت المال كما يأتي وولي لقن موليه عن كفارة مرتبة على ما مر وراهن موسر لمرهون ووارث موسر لقن التركة، وبهذا عُلِم أن شرط العتيق أن لا يتعلق به حق لازم غير عتق يمنع بيعه كرهن والراهن معسر بخلاف نحو إجارة واستيلاد. ولو قال بائع لمشتري (٢) قن منه شراء فاسدا ((أعتقه)) فأعتقه عتق على البائع على الأوجه (٣)، ومن ثم لو قال غاصبُ عبدٍ لمالكه أعتق عبدي هذا فأعتقه جاهلا نفذ على المالك، (ويصح تعليقه) بصفة محققة ومحتملة بعوض وغيره كجنون السيد؛ لما فيه من التوسعة لتحصيل القربة، نعم عقد التعليق ليس قربة (٤) بخلاف التدبير، أما العتق نفسه فقربة مطلقا. ويجري في التعليق بفعل المبالي وغيره هنا ما مر في الطلاق. ولا يشترط لصحة التعليق إطلاق التصرف لصحته من نحو راهن معسر ومفلس ومرتد (٥). وأفهم صحة تعليقه أنه لا يتأثر
стр. 2095
وَ إضَافَتُهُ إلَى جُزْءٍ فَيَعْتِقُ كُلُّهُ. وَصَرِيحُهُ تَحْرِيرٌ وَإِعْتَاقٌ،
بشرط فاسد كأن شرط الخيار له أو توقيته فيتأبد، نعم إن اقترن بما فيه عوض أفسده ورجع بقيمته نظير ما مر في النكاح. وليس لمعلقه رجوع بقول بل بنحو بيع. ولا يعود التعليق بعود الرقيق إلى ملك المعلق. ولا يبطل تعليقه بصفة بعد الموت بموت المعلِّق فليس للوارث تصرف فيه إلا إن كان المعلق عليه فعل العبد وامتنع منه بعد عرضه عليه.
[فرع] لو قال السيد إن حافظت على الصلاة فأنت حر عتق إن حافظ على الصلوات الخمس سنة كاستبراء الفاسق -وإن لم يُصَلِّ غيرها- فإن أخل بها لعذر فإن أباح ذلك العذر إخراجها عن الوقت كإنقاذ مشرف على هلاك لم يؤثر وإلا أثر. (و) تصح (إضافته إلى جزء) من الرقيق معين كيد، ويظهر ضبطه بما مر في الطلاق مما يقع بإضافته إليه، أو مشاع كبعض أو ربع (فيعتق كله) الذي له من موسر ومعسر سرايةً نظير ما مر في الطلاق، وذلك؛ لخبر أحمد وأبي داود بذلك. وقد لا يعتق كله بأن وكل وكيلا في إعتاق عبده فأعتق نصفه فيعتق فقط. أما إذا كان بعضه لغيره (١) فسيأتي. ويشترط في الصيغة لفظ يشعر به أو إشارة أخرس أو كتابة.
(وصريحه) ولو من هازل ولاعب (تحرير وإعتاق) أي ما اشتق منهما؛ لورودهما في القرآن والسنة متكررين. أما نفسهما كأنت تحرير فكناية كأنت طلاق، وأعتقك الله أو عكسه صريح كطلقك الله وأبرأك الله، وفارق نحو باعك الله وأقالك الله وزوجك الله فإنها كنايات؛ لضعفها بعدم استقلالها بالمقصود بخلاف تلك. ولو كان اسمها حرة قبل الرق ثم سميت بغيره فقال لها يا حرة عتقت إن لم يقصد النداءء باسمها القديم (٢). ولو زاحمته امرأة فقال تأخري يا حرة فبانت أمته لم تعتق. ولو قيل له أمتك زانية فقال بل حرة وأراد عفيفة قُبِل، وكذا إن أطلق؛ للقرينة القوية هنا. ولو قال لمكَّاس خوفا منه على قنه هذا حر لم يعتق عليه باطنا ولا ظاهرا، وعند الخوف لا فرق بين قصده الكذب في إخباره وأن يطلق اكتفاء بقرينة الخوف. وقوله لغيره أنت تعلم أنه حر إقرار بحريته بخلاف أنت تظن. ولو قال لقنه افرغ من العمل قبل العشاء وأنت حر وقال أردت حرا من العمل دُيِّن; لأن القرينة هنا ضعيفة، أو
стр. 2096
وَكَذَا فَكُّ رَقَبَةٍ فِي الْأَصَحِّ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ، وَتَحْتَاجُ إلَيْهَا كِنَايَتُهُ، وَهِيَ لَا مِلْكَ لِي عَلَيْكَ، ولَا سُلْطَانَ، ولَا سَبِيلَ، ولَا خِدْمَةَ، أَنْتَِ سَائِبَةٌ، أَنْتَ مَوْلَايَ، وَكَذَا كُلُّ صَرِيحٍ أَوْ كِنَايَةٍ لِلطَّلَاقِ، وَقَوْلُهُ لِعَبْدٍ: أَنْتِ حُرَّةٌ، وَلِأَمَتِهِ أَنْتَ حُرٌّ صَرِيحٌ، وَلَوْ قَالَ عِتْقُكَ إلَيْكَ أَوْ خَيَّرْتُكَ وَنَوَى تَفْوِيضَ الْعِتْقِ إلَيْهِ فَأَعْتَقَ نَفْسَهُ فِي المَجْلِسِ عَتَقَ، …
أنت حر مثل هذا العبد وأشار إلى عبد آخر عتق الأول، أو مثل هذا عتقا الأول بالإنشاء والثاني بالإقرار، ومن ثم لو كَذَبَ لم يعتق باطنا (وكذا فك رقبة) أي ما اشتق منه فإنه صريح (في الأصح)؛ لوروده في القرآن، وترجمة الصريح صريحة وإشارة الأخرس هنا كهي في الطلاق (١)، (ولا يحتاج) الصريح (إلى نية) كما هو معلوم، (وتحتاج إليها كناية) وإن احتفت بها قرينة; لاحتمالها، نعم يكفي مقارنة النية لجزء من الصيغة (وهي) أي الكناية كثيرة، وضابطها كل ما أنبأ عن فرقة أو زوال ملك، فمنها (لا ملك) أو لا يد أو لا أمر أو لا إمرة أو لا حكم أو لا قدرة (لي عليك ولا سلطان) لي عليك (ولا سبيل) لي عليك، (ولا خدمة) لي عليك، زال ملكي عنك (أنتَِ) بفتح التاء أوكسرها مطلقا (٢)؛ إذ لا أثر للحن هنا (سائبة، أنت مولاي) أي سيدي أنت لله؛ لإشعارها بإزالة الملك مع احتمالها لغيره، ووجهه في مولاي أنه مشترك بين العتيق والمعتق وكذا يا سيدي. وقوله أنت ابني أو أبي أو بنتي أو أمي إعتاق إن أمكن من حيث السن وإن عرف كذبه ونسبه من غيره، ويا ابني كناية، (وكذا كل) لفظ (صريح أو كناية للطلاق) أو للظهار هو كناية هنا كما مر مع ما يستثنى منه كاعتدِّ واستبرِ رحمك للعبد فإنه لغو وإن نوى العتق؛ لاستحالته، ومن ثم لو قال لقنه أعتق نفسك فقال للسيد أعتقتك كان لغوا أيضا بخلاف نظيره في الطلاق، وعلم مما تقرر أن الظهار كناية هنا لا ثَمَّ، (وقوله لعبده أنت حرة ولأمته أنت حر صريح)؛ تغليبا للإشارة. (ولو قال) له (٣) (عتقك إليك أو خيرتك) من التخيير (ونوى تفويض العتق إليه فأعتق نفسه في المجلس) أي: مجلس التخاطب، أي بحيث لا يفصل كلام أجنبي ويطول أو سكوت كذلك (عتق) كما في الطلاق فيأتي هنا ما مر في التفويض ثَمَّ. و ((جعلت خيرتك إليك)) صريح في التفويض لا يحتاج لنية،
стр. 2097
أَوْ أَعْتَقْتُك عَلَى أَلْفٍ، أَوْ أَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَلْفٍ فَقَبِلَ أَوْ قَالَ لَهُ الْعَبْدُ أَعْتِقْنِي عَلَى أَلْفٍ فَأَجَابَهُ عَتَقَ فِي الحَالِ، وَلَزِمَهُ الْأَلْفُ، وَلَوْ قَالَ بِعْتُكَ نَفْسَكَ بِأَلْفٍ فَقَالَ اشْتَرَيْت فَالمَذْهَبُ صِحَّةُ الْبَيْعِ وَيَعْتِقُ فِي الحَالِ وَعَلَيْهِ أَلْفٌ. وَالْوَلَاءُ لِسَيِّدِهِ
وكذا عتقك إليك، فقوله ونوى قيد في خيرتك فقط. ولو قال وهبتك نفسك ناويا العتق عتق من غير قبول، أو التمليك عتق إن قَبِل فورا كما في ملكتك نفسك. ولو أوصى له برقبته اشترط القبول بعد الموت (أو) قال (أعتقتك على ألف أو أنت حر على ألف فقبل) فورا (أو قال له العبد أعتقني على ألف فأجابه عتق في الحال (١) ولزمه الألف (٢) في الصور الثلاث كالخلع بل أولى؛ لتشوف الشارع للعتق فهو من جانب المالك معاوضة فيها شوب تعليق ومن جانب المستدعي معاوضة فيها شوب جعالة وإن كان تمليكا؛ إذ يغتفر في الضمني ما لا يغتفر في المقصود، ويأتي في التعليق بالإعطاء ونحوه هنا ما مر في خلع الأمة (٣). وحيث فسد بما يفسد به الخلع كأن قال على خمر مثلا أو على أن تخدمني أو زاد أبدا أو إلى صحتي مثلا عتق وعليه قيمته حينئذ، أو تخدمني عشرين سنة مثلا عتق ولزمه ذلك، فلو خدمه نصف المدة ثم مات فلسيده في تركته نصف قيمته، ولا يشترط النص على كون المدة تلي العتق؛ لانصرافها إلى ذلك، ولا تفصيل الخدمة؛ عملا بالعرف. (ولو قال بعتك نفسك بألف) في ذمتك حالا أو مؤجلا تؤديه بعد العتق (فقال اشتريت فالمذهب صحة البيع) كالكتابة بل أولى; لأن هذا ألزم وأسرع (ويعتق في الحال)؛ عملا بمقتضى العقد، وهو عقد عتاقة لا بيع فلا خيار فيه (٤). وخرج بقوله بألف قوله بهذا فلا يصح (٥) ; لأنه لا يملكه. (والولاء للسيد)؛ لما تقرر أنه عقد عتاقة لا بيع، وعليه لو باعه بعض نفسه سرى عليه، ولا حط هنا; لضعف شَبَهِهِ بالكتابة.
стр. 2098
وَلَوْ قَالَ لِحَامِلٍ أَعْتَقْتُكِ أَوْ أَعْتَقْتُكِ دُونَ حَمْلِكَ عَتَقَا، وَلَوْ أَعْتَقَهُ عَتَقَ دُونَهَا، وَلَوْ كَانَتْ لِرَجُلٍ وَالحَمْلُ لِآخَرَ لَمْ يَعْتِقْ أَحَدُهُمَا بِعِتْقِ الْآخَرِ. وَإِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا عَبْدٌ فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمَا كُلَّهُ أَوْ نَصِيبَهُ عَتَقَ نَصِيبُهُ، فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا بَقِيَ الْبَاقِي لِشَرِيكِهِ، وَإِلَّا سَرَى إلَيْهِ، أَوْ إلَى مَا أَيْسَرَ بِهِ
[تنبيه] لا يصح (١) بيع وكيل بيت المال عبده لنفسه ولو بأضعاف قيمته، وليس له أيضا العتق بغير عوض وإن أذن الإمام. ولو قيل لسيد قن لمن هذا المال فقال لهذا الغلام وأشار له لم يعتق. (ولو قال لحامل) مملوكة له هي وحملها (أعتقتك) وأطلق (أو أعتقتك دون حملك عتقا) ; لأنه جزء منها، وعتقه بطريق التبعية، لا السراية; لأنها في الأشقاص دون الأشخاص، وإنما لم يضر استثناؤه؛ لقوة العتق بخلاف البيع، (ولو أعتقه عتق) إن نفخت فيه الروح وإلا لغا (دونها) وفارق عكسه بأنه لكونه فرعها تتصور تبعيته لها ولا عكس. وقوله مضغة هذه الأمة حرة إقرار بانعقاد الولد حرا فإن زاد علقت بها مني في ملكي كان إقرارا بكون الأمة أم ولد، (ولو كانت لرجل والحمل لآخر) بنحو وصية (لم يعتق أحدهما بعتق الآخر) ; لأنه لا استتباع مع اختلاف المالكين (وإذا كان بينهما عبد) أو أمة (فأعتق أحدهما كله أو نصيبه) كنصيبي منك حر، وكذا نصفك حر وهو يملك نصفه، والخلاف في هذه هل العتق انحصر في نصيبه أو شاع فعتق ربعه ثم سرى لربعه لا فائدة له في غير نحو التعليق (عتق نصيبه) مطلقا، وفي عتق نصيب شريكه تفصيل (فإن كان معسرا) عند الإعتاق (بقي الباقي لشريكه) ولا سراية؛ لمفهوم الخبر الآتي (وإلا) يكن معسرا بأن ملك فاضلا عن جميع ما يترك للمفلس ما يفي بقيمته (سرى إليه) أي نصيب شريكه؛ لخبر الصحيحين ((من أعتق شركا له في عبد وكان له مال يبلغ ثمن العبد قُوِّم العبد عليه قيمة عدل وأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد وإلا فقد عتق عليه ما عتق))، ويستثنى من ذلك ما لو كان نصيب الشريك مستولدا بأن استولدها وهو معسر فلا سراية (٢) (أو إلى ما أيسر به) من قيمته؛ ليقرب حاله من الحرية. ولو كان لثلاثة فأعتق اثنان منهم نصيبهما معا وأحدهما موسر فقط قوِّم جميع ما لم يعتق عليه وحده
стр. 2099
وَعَلَيْهِ قِيمَةُ ذَلِكَ يَوْمَ الْإِعْتَاقِ، وَتَقَعُ السِّرَايَةُ بِنَفْسِ الْإِعْتَاقِ، وَفِي قَوْلٍ بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ، وَفِي قَوْلٍ إنْ دَفَعَهَا بَانَ أَنَّهَا بِالْإِعْتَاقِ، وَاسْتِيلَادُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ المُوسِرِ يَسْرِي، وَعَلَيْهِ قِيمَةُ نَصِيبِ شَرِيكِهِ وَحِصَّتُهُ مِنْ مَهْرِ مِثْلٍ، وَتَجْرِي الْأَقْوَالُ فِي وَقْتِ حُصُولِ السِّرَايَةِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ لَا تَجِبُ قِيمَةُ حِصَّتِهِ مِنَ الْوَلَدِ، وَلَا يَسْرِي تَدْبِيرٌ، ....
(وعليه قيمة) البعض (ذلك يوم الإعتاق (١) أي وقته; لأنه وقت الإتلاف، (وتقع السراية بنفس الإعتاق)؛ للخبر الظاهر فيه ولأن ما يترتب على السراية في حكم الإتلاف والقيمة تجب بسبب الإتلاف فيعطى حكم الأحرار عقب العتق وإن لم يؤد القيمة (وفي قول) لا يقع الإعتاق إلا (بأداء القيمة) أو الاعتياض عنها؛ لخبر الصحيحين ((إن كان موسرا يقوم عليه قيمة عدل ثم يعتق)) (وفي قول) يوقف الأمر؛ رعاية للجانبين فعليه (إن دفعها) أي القيمة (بان أنها) أي السراية حصلت (بالإعتاق) وإلا بان أنه لم يعتق. (واستيلاد أحد الشريكين الموسر يسري) إلى حصة شريكه كالعتق بل أولى; لأنه فعل وهو أقوى، ولذا نفذ من محجور عليه دون عتقه ومن مريض من رأس المال وإعتاقه من الثلث. إما من المعسر فلا يسري كالعتق إلا من والد الشريك; لأنه ينفذ منه إيلادها كلها، (وعليه) أي الموسر (قيمة) ما أيسر به من (نصيب شريكه) ; لأنه أتلفه بإزالة ملكه عنه (وحصته من مهر المثل) ; لاستمتاعه بملك غيره إن تأخر الإنزال (٢) عن تغييب الحشفة كما هو الغالب، وإلا (٣) لم تلزمه حصة مهر; لأن الموجب له تغييب الحشفة في ملك غيره وهو منتف؛ لما يأتي أن السراية تقع بنفس العلوق. ويجب مع ذلك في بكر حصته من أرش البكارة (وتجري الأقوال) السابقة (في وقت حصول السراية)؛ إذ العلوق هنا كالإعتاق ثَمَّ (فعلى الأول) وهو الحصول بنفس العلوق (والثالث) وهو التبين (لا تجب قيمة حصته من الولد) ; لأنه على الأول انعقد حرا؛ لوقوع العلوق في ملكه، وعلى الثالث نُزِّل استحقاق السراية منزلة حصول الملك، وعلى الثاني تجب، (ولا يسري تدبير) لبعضه من مالك كل أو بعض إلى الباقي; لأنه ليس إتلافا لجواز بيع المدبر،
стр. 2100
وَلَا يَمْنَعُ السِّرَايَةَ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ فِي الْأَظْهَرِ. وَلَوْ قَالَ لِشَرِيكِهِ المُوسِرِ: أَعْتَقْتَ نَصِيبَكَ فَعَلَيْكَ قِيمَةُ نَصِيبِي فَأَنْكَرَ صُدِّقَ المُنْكِرُ بِيَمِينِهِ فَلَا يَعْتِقُ نَصِيبُهُ وَيَعْتِقُ نَصِيبُ المُدَّعِي بِإِقْرَارِهِ إنْ قُلْنَا يَسْرِي بِالْإِعْتَاقِ، وَلَا يَسْرِي إلَى نَصِيبِ المُنْكِرِ، وَلَوْ قَالَ لِشَرِيكِهِ: إنْ أَعْتَقْتَ نَصِيبَكَ فَنَصِيبِي حُرٌّ بَعْدَ نَصِيبِك فَأَعْتَقَ الشَّرِيكُ وَهُوَ مُوسِرٌ سَرَى إلَى نَصِيبِ الْأَوَّلِ إنْ قُلْنَا: السِّرَايَةُ بِالْإِعْتَاقِ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، فَلَوْ قَالَ فَنَصِيبِي حُرٌّ قَبْلَهُ، فَأَعْتَقَ الشَّرِيكُ، فَإِنْ كَانَ المُعَلِّقُ مُعْسِرًا عَتَقَ نَصِيبُ كُلٍّ عَنْهُ، …
فبموت السيد يعتق ما دبَّره فقط; لأن الميت معسر، وحصوله في الحمل ليس سراية بل تبعا كعضو منها. (ولا يمنع السراية دين) حال (مستغرق) بدون حجر (في الأظهر) ; لأنه مالك لِمَا في يده نافذ التصرف فيه، ولذا نفذ إعتاقه، قال البلقيني: ولا حاجة لمستغرق في جريان الخلاف فإذا أوجبت السراية مائة وهي عنده وعليه خمسون لم يسر على الضعيف إلا في خمسين، ولو كان بالدين الحال رهن لازم ليس له غيره ولا يفضل منه شيء لم يسر قطعا. ولو علق وهو مستقل ثم وجدت الصفة وهو محجور عليه لم يسر؛ بناء على الأصح أن العبرة في نفوذ العتق بحالة وجود الصفة. (ولو قال لشريكه الموسر أعتقتَ نصيبَك فعليك قيمة نصيبي فأنكر) ولا بينة (صدق المنكر بيمينه)؛ إذ الأصل عدم العتق (فلا يعتق نصيبه) إن حلف وإلا حلف المدعي واستحق قيمة نصيبه، ولا يعتق نصيب المنكر; لأن الدعوى إنما سمعت عليه لأجل القيمة فقط وإلا فهي لا تسمع على آخر أنك أعتقت حتى يحلف، نعم إن كان مع الشريك شاهد آخر قبلا حسبة، أي إن كان قبل دعواه القيمة؛ لتهمته حينئذ. (ويعتق نصيب المدعي بإقراره إن قلنا يسري بالإعتاق)؛ مؤاخذة له بإقراره. (ولا يسري إلى نصيب المنكر) وإن أيسر المدعي; لأنه لم ينشئ عتقا فهو كقول شريك لآخر اشتريت نصيبي وأعتقته فأنكر فإنه يعتق نصيب المدعي ولا يسري. (ولو قال لشريكه) المعسر أو الموسر (إن أعتقت نصيبك فنصيبي حر) فقط أو زاد (بعد نصيبك فأعتق الشريك) المقول له نصيْبَه (وهو موسر سرى إلى نصيب الأول إن قلنا السراية بالإعتاق) وهو الأصح (وعليه قيمته) أي نصيب المعلق، ولا يعتق بالتعليق. أما لو كان المعتق معسرا فيعتق على كلٍّ نصفه تنجيزا في الأول وبمقتضى التعليق في الثاني (فلو قال) لشريكه إن أعتقت نصيبك (فنصيبي حر قبله) أو معه أو حال عتقه (فأعتق الشريك) المخاطب نصفه (فإن كان المعلِّق معسرا عتق نصيب كلٍّ عنه) المنجز
стр. 2101
وَالْوَلَاءُ لَهُمَا، وَكَذَا إنْ كَانَ الْمُعَلِّقُ مُوسِرًا وَأَبْطَلْنَا الدَّوْرَ، وَإِلَّا فَلَا يَعْتِقُ شَيْءٌ. وَلَوْ كَانَ عَبْدٌ لِرَجُلٍ نِصْفُهُ، وَلِآخَرَ ثُلُثُهُ، وَلِآخَرَ سُدُسُهُ فَأَعْتَقَ الْآخِرَانِ نَصِيبَيْهِمَا مَعًا فَالْقِيمَةُ عَلَيْهِمَا نِصْفَانِ عَلَى المَذْهَبِ. وَشَرْطُ السِّرَايَةِ إعْتَاقُهُ بِاخْتِيَارِهِ، فَلَوْ وَرِثَ بَعْضَ وَلَدِهِ لَمْ يَسْرِ
حالا والمعلق قبله ولا سراية، وخص المعلق بالإعسار; لأنه لا فرق في الآخر بين المعسر والموسر (والولاء لهما)؛ لاشتراكهما في العتق (وكذا) يعتق نصيب كل عنه ولا سراية (إن كان المعلق موسرا وأبطلنا الدور) اللفظي الآتي بيانه -بالنسبة للقبلية؛ إذ لا يتأتى إلا فيها وهو الأصح-; لأن اعتبار المعية والحالية يمنع السراية والقبلية ملغاة؛ لاستحالة الدور المستلزم هنا سد باب عتق الشريك فيصير التعليق معها كهو مع المعية والحالية (وإلا) نبطل الدور في صورة القبلية (فلا يعتق شيء) على واحد منهما؛ إذ لو نفذ إعتاق المخاطب عتق نصيب المعلق قبله فيسري فيبطل عتقه فلزم من عتقه عدمه؛ لتوقف الشيء على ما يتوقف عليه. هذا كله إن لم ينجز المعلق عتق نصيبه وإلا عتق عليه قطعا وسرى بشرطه. (ولو كان) أي وجد (عبد لرجل نصفه ولآخر ثلثه ولآخر سدسه فأعتق) اثنان منهما كـ (الآخِران) مثلاً (نصيبهما معا) بأن لم يفرغ أحدهما منه قبل فراغ الآخر أو علقاه بصفة واحدة أو وكَّلا وكيلا فأعتقه بلفظ واحد (فالقيمة) للنصف الذي سرى إليه العتق (عليهما نصفان على المذهب) ; لأن ضمان المتلف يستوي فيه القليل والكثير. هذا إن أيسرا بالكل، فإن أيسر أحدهما قُوِّم عليه نصيب الثالث قطعا، وإن أيسرا بدون الواجب سرى لذلك القدر بحسب يسارهما، فإن تفاوتا في اليسار سرى على كلٍّ بقدر ما يجد.
(وشرط السراية) أمور أحدها اليسار كما علم مما مر ثانيها (إعتاقه) أي مباشرته أو تملكه بدليل التفريع الآتي (باختياره) ولو بتسببه فيه كأن اتهب بعضٌ قريبَه أو قَبِل الوصية له به. وخرج بذلك ما لو عتق عليه بغير اختياره. ثم عتقه عليه بغير اختياره له صور كثيرة منها الإرث (فلو ورث بعض ولده) مثلا (لم يسر) ما عتق منه إلى باقيه; لما تقرر أن سبيل السراية سبيل غرامة المتلف ولم يوجد منه صنع ولا قصد إتلاف، ومنها الرد بالعيب فلو باع شقصا ممن يعتق على وارثه كأن باع بعض ابن أخيه بثوب ومات ووارثه أخوه ثم اطلع مشتري الشقص على عيب فيه ورده فلا يسري كالإرث، فإن وجد الوارث بالثوب عيبا ورده واسترد الشقص عتق عليه وسرى؛ لاختياره فيه. وقد تقع السراية من غير اختيار كأن وُهب لقن
стр. 2102
وَالمَرِيضُ مُعْسِرٌ إلَّا فِي ثُلُثِ مَالِهِ، وَالمَيْتُ مُعْسِرٌ، فَلَوْ أَوْصَى بِعِتْقِ نَصِيبِهِ لَمْ يَسْرِ.
فصل
إذَا مَلَكَ أَهْلُ تَبَرُّعٍ أَصْلَهُ أَوْ فَرْعَهُ عَتَقَ
بعض قريب سيده فقبله فيعتق ويسري (١) على ما يأتي وعلى سيده قيمة باقية. ثالثها قبول محلها للنقل فلا يسري للنصيب الذي ثبت له الاستيلاد أو الموقوف أو المنذور عتقه أو اللازم عتقه بموت الموصي أو المرهون بل لو رهن نصف قن لا يملك غيره فأعتق نصفه غير المرهون لم يسر للمرهون. رابعها أن يوجد العتق لنصيبه أو للكل، فلو قال أعتقت نصيب شريكي لغا. خامسها أن يكون النصيب العتيق يمكن السريان إليه فلو استولد شريكٌ معسرٌ حصته ثم باشر عتقها موسرا لم يسر منها للبقية (٢). (والمريض) في عتق التبرع (معسر إلا في ثلث ماله) لكن التحقيق أنه كالصحيح فإن شفى سرى، وإن مات نُظِر لثلثه عند الموت فإن خرج بدل السراية -لنصيب الشريك أو بعضه- من الثلث نفذ، وإلا بان رد الزائد عن الثلث من نصيب الشريك أو بعضه فلا يسري إليه العتق. أما غير التبرع كأن أعتق بعض قنه عن كفارة مرتبة بنية الكفارة بالكل فإنه يسري ولا يقتصر على الثلث (والميت معسر) مطلقا فلا سراية عليه; لانتقال تركته لورثته بموته (فلو أوصى بعتق نصيبه) من قن فأعتق بعد موته (لم يسر) وإن خرج كله من الثلث؛ للانتقال المذكور، ومن ثم لو أوصى بعتق بعض عبده لم يسر أيضا، نعم إن أوصى بالتكميل سرى; لأنه حينئذ استبقى لنفسه قدر قيمته من الثلث. وقد يسري كما لو أوصى بصرف ثلثه في العتق فاشترى الموصى منه شقصا وأعتقه سرى بقدر ما بقي من الثلث; لأن الوصية تناولت السراية (٣).
(فصل) في العتق بالبعضية
إذا (ملك) ولو قهرا (أهلُ تبرعٍ أصله) من النسب وإن علا الذكور والإناث (أو فرعه) وإن سفل كذلك (عتق) عليه إجماعا. أما بقية الأقارب فلا يعتقون بذلك. وخرج
стр. 2103
وَلَا يُشْتَرَى لِطِفْلٍ قَرِيبُهُ، وَلَوْ وُهِبَ لَهُ أَوْ وُصِّيَ لَهُ بِهِ فَإِنْ كَانَ كَاسِبًا فَعَلَى الْوَلِيِّ قَبُولُهُ، وَيَعْتِقُ وَيُنْفِقُ مِنْ كَسْبِهِ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ مُعْسِرًا وَجَبَ الْقَبُولُ، وَنَفَقَتُهُ فِي بَيْتِ المَالِ، أَوْ مُوسِرًا حَرُمَ. وَلَوْ مَلَكَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ قَرِيبَهُ بِلَا عِوَضٍ عَتَقَ مِنْ ثُلُثِهِ، وَقِيلَ مِنْ رَأْسِ المَالِ أَوْ مَلَكَهُ بِعِوَضٍ بِلَا مُحَابَاةٍ فَمِنْ ثُلُثِهِ، وَلَا يَرِثُ
بـ ((أهل تبرع)) -والمراد به الحر كله- مكاتب مَلَكَه بنحو هبة وهو يكسب مؤنته فله قبوله فيملكه ولا يعتق عليه؛ لئلا يكون الولاء له وهو محال، ومبعض ملكه ببعضه الحر؛ لتضمن العتق عنه الإرث والولاء وليس من أهلهما، وما لو ملك ابن أخيه فمات وعليه دين مستغرق وورثه أخوه فقط وقلنا بالأصح أن الدين لا يمنع الإرث فقد ملك ابنه ولم يعتق عليه; لأنه ليس أهلا للتبرع فيه; لتعلق حق الغير به. (ولا) يصح أن (يشتري) من جهة الولي (لطفل) ومجنون وسفيه (قريبه) الذي يعتق عليه; لأنه لا غبطة له فيه (ولو وُهب) القريب (له أو أُوصى له به فإن كان) الموهوب أو الموصى به (كاسبا) أي له كسب يكفيه (فعلى الولي) وجوبا (قبوله ويعتق) على المولى; إذ لا ضرر عليه (وينفق) عليه (من كسبه)؛ لاستغنائه عن قريبه (وإلا) يكن كسابا (فإن كان الصبي) ونحوه (معسرا وجب) على الولي (القبول) ; لأن المولى لإعساره لا نفقة عليه (ونفقته في بيت المال) إن كان مسلما وليس له منفق غير المولى، أما الذمي فينفق عليه منه تبرعا (١) (أو موسرا حرم) قبوله ولا يصح; لتضرره بإنفاقه عليه. هذا كله إذا وهب مثلا له كله فلو وهب له بعضه وهو كسوب والمولى موسر لم يقبله وليه; لئلا يعتق نصيبه ويسري فتلزمه قيمة شريكه.
[تنبيه] فرضه الكلام في الكاسب إنما هو على جهة المثال مع أنه لا يتأتى إلا في الفرع; لأن الأصل تجب نفقته وإن كان كسوبا، والمراد أنه متى لم تلزم المولى نفقته لإعساره أو لكسب الفرع أو لكون الأصل له منفق آخر لزم الولي القبول وإلا فلا. (ولو ملك في مرض موته قريبه) الذي يعتق عليه (بلا عوض) كإرث (عتق) عليه (من ثلثه) فلو لم يكن له غيره لم يعتق إلا ثلثه، (وقيل من رأس المال) وهو المعتمد، فيعتق جميعه وإن لم يملك غيره; لأنه لم يبذل مالا والملك زال بغير رضاه، (أو ملكه بعوض بلا محاباة) بأن كان بثمن مثله (فمن ثلثه) يعتق ما وفى به; لأنه فوَّت ثمنه على الورثة من غير مقابل (ولا يرث) هنا; إذ لو ورث لكان
стр. 2104
فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقِيلَ لَا يَصِحُّ الشِّرَاءُ، وَالْأَصَحُّ صِحَّتُهُ، وَلَا يَعْتِقُ بَلْ يُبَاعُ لِلدَّيْنِ، أَوْ بِمُحَابَاةٍ فَقَدْرُهَا كَهِبَةٍ، وَالْبَاقِي مِنَ الثُّلُثِ. وَلَوْ وُهِبَ لِعَبْدٍ بَعْضُ قَرِيبِ سَيِّدِهِ فَقَبِلَ وَقُلْنَا يَسْتَقِلُّ بِهِ عَتَقَ وَسَرَى، وَعَلَى سَيِّدِهِ قِيمَةُ بَاقِيهِ
عتقه تبرعا على وارث فيبطل; لتعذر إجازته لتوقفها على إرثه المتوقف على عتقه المتوقف عليها فتوقف كلٌّ من إجازته وإرثه على الآخر فامتنع إرثه بخلاف من يعتق من رأس المال؛ لعدم التوقف، (فإن كان عليه) أي المريض (دين) مستغرق له عند موته (فقيل لا يصح الشراء) ; لئلا يملكه من غير عتق (والأصح صحته) ; إذ لا خلل فيه (ولا يعتق بل يباع للدين)؛ إذ موجب الشراء الملك والدين لا يمنع منه وعتقه معتبر من الثلث والدين يمنع منه، وكذا يصح شراء مأذون عليه ديون بعضَ سيده بإذنه ولا يعتق إن أعسر سيده بخلاف ما لو أيسر; لأنه كالمرهون بالدين. أما إذا كان الدين غير مستغرق فيعتق منه ما يخرج من الثلث بعد وفائه، أو مستغرقا وسقط بنحو إبراء فيعتق منه ما يفي بثلث المال حيث لا إجازة فيهما، (أو) ملكه (بمحاباة) من بائعه له كأن اشتراه بخمسين وهو يساوي مائة (فقدرها) وهو خمسون في هذا المثال (كهبة) فيحسب نصفه من رأس المال (والباقي من الثلث. ولو وهب لعبد) أي قن غير مكاتب ولو مبعضا (بعض) أي جزء (قريب) أي أصل وفرع (سيده فقبل وقلنا يستقل به) أي القبول من غير إذن السيد إذا لم تلزمه نفقته وهو الأصح (عتق وسرى (١) وعلى سيده قيمة باقيه) ; إذ الهبة له هبة لسيده وقبوله كقبول سيده شرعا. أما إذا كان السيد بحيث تلزمه نفقة البعض فلا يصح قبول العبد له جزما، وأما المكاتب فيقبل ولا يعتق على السيد; لأن الملك له، نعم إن عجز عتق البعض ولم يسرِ; لعدم اختيار السيد مع استقلال المكاتب وإن كان هو المعجز له; لأنه إنما قصد التعجيز والملك حصل ضمنا. وأما المبعض وثَمَّ مهايأة ففي نوبته لا عتق وفي نوبة السيد كالقن، فإن لم تكن مهايأة فما يتعلق به قن وبسيده فيه ما مر.
стр. 2105
فصل
َعَتَقَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ عَبْدًا لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ، عَتَقَ ثُلُثُهُ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ لَمْ يَعْتِقْ شَيْءٌ مِنْهُ. وَلَوْ أَعْتَقَ ثَلَاثَةً لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُمْ، وَقِيمَتُهُمْ سَوَاءٌ عَتَقَ أَحَدُهُمْ بِقُرْعَةٍ وَكَذَا لَوْ قَالَ أَعْتَقْتُ ثُلُثَكُمْ، أَوْ ثُلُثُكُمْ حُرٌّ، فَلَوْ قَالَ أَعْتَقْتُ ثُلُثَ كُلِّ عَبْدٍ أُقْرِعَ وَقِيلَ يَعْتِقُ مِنْ كُلٍّ ثُلُثُهُ
(فصل) في الإعتاق في مرض الموت وبيان القرعة في العتق
إذا (أعتق) تبرعا (في مرض موته عبدا لا يملك غيره) عند موته (عتق ثلثه) ; لأن المريض إنما ينفذ تبرعه من ثلثه، نعم إن مات في حياة السيد مات كله حرا (١) على الأصح، ومن ثم لو وهبه فأقبضه فمات والسيد حي مات على ملك الموهوب له، ومن فوائد موته حرا في الأولى (٢) انجرار ولاء ولده من موالي أمه إلى معتقه، (فإن كان عليه دين مستغرق) وأعتقه تبرعا أيضا (لم يعتق منه شيء) ما دام الدين باقيا; لأن العتق حينئذ كالوصية والدين مقدم عليها، ومن ثم لو أبرأ الغرماء منه أو تبرع به أجنبي عتق ثلثه. أما إذا كان نذر إعتاقه في صحته ونجزه في مرضه فيعتق كله كما لو أعتقه عن كفارة مرتبة. وخرج بالمستغرق غيره فالباقي بعده كأنه كل المال فينفذ العتق في ثلثه (ولو أعتق) في مرض موته (ثلاثة) معا كقوله أعتقتكم (لا يملك غيرهم قيمتهم سواء) ولم تجز الورثة (عتق أحدهم) يعني تميز عتقه (بقرعة) ; لأنها شرعت لقطع المنازعة فتعينت طريقا. ويدخل الميت منهم في القرعة، فإن قرع رق الآخران وبان أنه مات حرا فيتبعه كسبه ويورث. وتتعين القرعة فلا يجوز اتفاقهم على أنه إن طار غراب فهذا حر أو من وضع صبي يده عليه حر، (وكذا لو قال أعتقت ثلثكم أو ثلثكم حر) فيقرع لتجتمع الحرية في واحد; لأن إعتاق بعض القن كإعتاقه كله فصار كقوله أعتقتكم (فلو قال أعتقت ثلث كل عبد) منكم (أقرع)؛ لما مر (وقيل يعتق من كلٍّ ثلثه) ولا إقراع؛ لتصريحه بالتبعيض وهو القياس لولا تشوف الشارع إلى تكميل العتق المتوقف على القرعة. ولو قال ثلث كلٍّ حر بعد موتي عتق ثلثه ولا قرعة; لأن العتق بعد الموت لا يسري