وَالْأَقْوَالُ كَعَقْدٍ يُشْتَرَطُ سَمْعُهَا وَإِبْصَارُ قَائِلِهَا، وَلَا يُقْبَلُ أَعْمَىً إلَّا أَنْ يُقِرَّ فِي أُذُنِهِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ حَتَّى يَشْهَدَ عِنْدَ قَاضٍ بِهِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَوْ حَمَلَهَا بَصِيرٌ ثُمَّ عَمِيَ شَهِدَ إنْ كَانَ المَشْهُودُ لَهُ وَعَلَيْهِ مَعْرُوفَيْ الِاسْمِ وَالنَّسَبِ، وَمَنْ سَمِعَ قَوْلَ شَخْصٍ أَوْ رَأَى فِعْلَهُ، فَإِنْ عَرَفَ عَيْنَهُ وَاسْمَهُ وَنَسَبَهُ شَهِدَ عَلَيْهِ فِي حُضُورِهِ إشَارَةً، وَعِنْدَ غَيْبَتِهِ وَمَوْتِهِ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ،
أن الشهادة بقيمة عين لا تسمع إلا ممن رآها وعرف أوصافها جميعا (والأقوال كعقد) وفسخ وإقرار (يشترط سمعها وإبصار قائلها) حال صدورها منه ولو من وراء نحو زجاج أو نقاب رقيق، فلا يكفي سماعه من وراء حجاب وإن علم صوته; لأن ما أمكن إدراكه بإحدى الحواس لا يجوز أن يعمل فيه بغلبة ظن؛ لجواز اشتباه الأصوات، نعم لو علمه ببيت وحده وعلم أن الصوت ممن في البيت جاز له اعتماد صوته وإن لم يره، وكذا لو علم اثنين ببيت لا ثالث لهما وسمعهما يتعاقدان وعلم الموجب منهما من القابل؛ لعلمه بمالك المبيع أو نحو ذلك فله الشهادة بما سمعه منهما، (ولا يقبل أعمى) ومن يدرك الأشخاص ولا يميزها في مرئي؛ لانسداد طريق التمييز عليه مع اشتباه الأصوات، وإنما جاز له وطء زوجته اعتمادا على صوتها; لأنه أخف، ومن ثم نص الشافعي ﵁ على حل وطئها اعتمادا على لمس علامة يعرفها فيها وإن لم يسمع صوتها وعلى أن لمن زفت له زوجته أن يعتمد قول امرأة هذه زوجتك ويطأها، و له الاعتماد أيضا على القرينة القوية أنها زوجته وإن لم يقل له أحد ذلك (إلا أن) تكون شهادته بنحو استفاضة أو ترجمة أو إسماع ولم يحتج لتعيين، أو يضع يده على ذكر بفرج فيمسكهما حتى يشهد عليهما بذلك عند قاض; لأن هذا أبلغ من الرؤية، أو يكون جالسا بفراش لغيره فيغصبه آخر فيتعلق به حتى يشهد عليه، أو (يقر) إنسان لمعروف الاسم والنسب (في أذنه) بنحو طلاق أو مال، أوْ لا في أذنه بأن كان يده بيده وهو بصير حال الإقرار ثم عمي (فيتعلق به حتى يشهد عند قاض به على الصحيح)؛ لحصول العلم بأنه المشهود عليه وإن لم يكن في خلوة، (ولو حملها) أي الشهادة (بصير ثم عمي شهد إن كان المشهود له و) المشهود (عليه معروفي الاسم والنسب) فقال: أشهد أن فلان بن فلان فعل كذا أو أقر به; لأنه في هذا كالبصير بخلاف ما إذا لم يعرف ذلك (ومن سمع قول شخص أو رأى فعله فإن عرف عينه واسمه ونسبه) أي أباه وجده (شهد عليه في حضوره إشارة) إليه، ولا يكفي مجرد ذكر الاسم والنسب (و) شهد عليه (عند غيبته) المجوِّزة للدعوى عليه وقد مرت (وموته باسمه ونسبه) معا؛ لحصول التمييز بهما دون أحدهما. أما لو لم يعرف اسم جده فيجزئه الاقتصار على ذكر
стр. 2032
فَإِنْ جَهِلَهُمَا لَمْ يَشْهَدْ عَنَدَ مَوْتِهِ وَغَيْبَتِهِ. وَلَا يَصِحُّ تَحَمُّلُ شَهَادَةٍ عَلَى مُتَنَقِّبَةٍ اعْتِمَادًا عَلَى صَوْتِهَا،
اسمه واسم أبيه إن عرفه القاضي بذلك وإلا فلا، بل يكفي لقب خاص كسلطان مصر فلان ولو بعد موته.
[تنبيه مهم] كثيرا ما يعتمد الشهود في الاسم والنسب قول المشهود عليه ثم يشهد الشهود بالاسم والنسب في غيبته وذلك لا يجوز اتفاقا . ويلزم الشاهد أن يكتب فيه أقر مثلا من ذكر أن اسمه ونسبه كذا ولا يجوز فلان بن فلان، نعم لو لم يعرفهما إلا بعد التحمل جاز له الجزم بهما. ومن طرق معرفتهما أن تقام بهما بينة حسبة؛ لما مر من ثبوت النسب بها لا أن يسمع الاسم والنسب من عدلين، وقد تساهل جهلة الشهود في ذلك حتى عظمت به البلية وأكلت به الأموال فإنهم يجيئون بمن واطئوه فيقر عند قاض بما يرومونه ويذكر اسم ونسب من يريدون أخذ ماله فيسجل الشهود بهما ويحكم به القضاة.
[تنبيه ثان] من حضر عقد بيع أو نكاح شهد بما سمع لا باستحقاق ولا ملك، ويقول حضرت العقد الجاري بينهما أو مجلسه وأشهد به وهو أولى من أشهد أني حضرته. ولو سمعه يقر بشيء ثم قال له المقر لا تشهد علي به لم يلتفت له مطلقا فله أن يشهد به (١) (فإن جهلهما) أي الاسم والنسب أو أحدهما (لم يشهد عند موته وغيبته)؛ إذ لا فائدة بخلاف ما إذا حضر وأشار إليه فإن مات أحضر قبل الدفن ليشهد على عينه، وكذا بعده (٢) إن لم يتغير واشتدت الحاجة لحضوره (٣). (ولا يصح تحمل شهادة على منتقبة) للأداء عليها (اعتمادا على صوتها) كما لا يتحمل بصير في ظلمة اعتمادا عليه؛ لاشتباه الأصوات، ولا أثر لحائل رقيق كما مر. وأفهم قوله اعتمادا أنه لو سمعها فتعلق بها إلى قاض وشهد عليها جاز كالأعمى بشرط أن يكشف نقابها ليعرف القاضي صوتها. وقال جمع لا ينعقد نكاح منتقبة إلا إن عرفها الشاهدان اسما
стр. 2033
فَإِنْ عَرَفَهَا بِعَيْنِهَا أَوْ بِاسْمٍ وَنَسَبٍ جَازَ، وَيَشْهَدُ عِنْدَ الْأَدَاءِ بِمَا يَعْلَمُ، وَلَا يَجُوزُ التَّحَمُّلُ عَلَيْهَا بِتَعْرِيفِ عَدْلٍ أَوْ عَدْلَيْنِ عَلَى الْأَشْهَرِ، وَالْعَمَلُ عَلَى خِلَافِهِ. وَلَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى عَيْنِهِ بِحَقٍّ فَطَلَبَ المُدَّعِي التَّسْجِيلَ سَجَّلَ الْقَاضِي بِالحِلْيَةِ لَا بِالِاسْمِ وَالنَّسَبِ، مَا لَمْ يَثْبُتَا، وَلَهُ الشَّهَادَةُ بِالتَّسَامُعِ عَلَى نَسَبٍ مِنْ أَبٍ وَ قَبِيلَةٍ،
ونسبا أو صورة (١). أما لا للأداء عليها كان تحملا أن منتقبة بوقت كذا بمجلس كذا قالت كذا وشهد آخران أن هذه الموصوفة فلانة بنت فلان جاز وثبت الحق بالبينتين. ولو شهد على امرأة باسمها ونسبها فسألهم القاضي أتعرفون عينها أو اعتمدتم صوتها لم يلزمهم إجابته، ومحله في مشهوري الديانة والضبط وإلا لزمه سؤالهم ولزمهم الإجابة، (فإن عرفها بعينها أو باسم ونسب جاز) التحمل عليها للأداء، ولا يجوز كشف نقابها حينئذ؛ إذ لا حاجة إليه (ويشهد عند الأداء بما يعلم) مما مر من اسم ونسب وإلا أشار، فإن لم يعرف ذلك كشف وجهها وضبط حليتها، وكذا يكشفه عند الأداء (ولا يجوز التحمل عليها) أي المنتقبة (بتعريف عدل أو عدلين على الأشهر)، نعم إن قالا نشهد أن هذه فلانة بنت فلان كانا شاهدي أصل وسامعهما شاهد فرع فيشهد على شهادتهما بشرطه (والعمل) من الشهود لا الأصحاب (على خلافه) وهو الاكتفاء بالتعريف من عدل. (ولو قامت بينة على عينه بحق) أو ثبت عليها بوجه آخر كعلم القاضي (فطلب المدعي) من القاضي (التسجيل) بذلك (سجل) له (القاضي) جوازا (بالحلية لا بالاسم والنسب) فلا يجوز التسجيل بهما (ما لم يثبتا) عنده بالبينة ولو على وجه الحسبة، أو بعلمه؛ لتعذر التسجيل على الغير فيكتب حضر رجل ذكر أنه فلان بن فلان ومن حليته كذا ويذكر أوصافه الظاهرة لاسيما دقيقها. ومر أنه لا يكفي فيهما قول مدع ولا مدعى عليه فإن نسب الشخص لا يثبت بإقراره، (وله الشهادة بالتسامع) الذي لم يعارضه ما هو أقوى منه كإنكار المنسوب إليه، وكذا طعن أحد في انتسابه إن لم تقم قرينة على كذب قائله (على نسب) لذكر أو أنثى كائن (من أب أو قبيلة) كهذا ولد فلان أو من قبيلة كذا؛ لتعذر اليقين فيهما إذ مشاهدة الولادة لا تفيد إلا الظن فسومح في ذلك، أو على كونه من بلد كذا المستحق وقفا على أهلها ونحو ذلك.
стр. 2034
وَكَذَا أُمٌّ فِي الْأَصَحِّ، وَمَوْتٌ عَلَى المَذْهَبِ، لَا عِتْقٌ وَوَلَاءٌ وَوَقْفٌ وَنِكَاحٌ وَمِلْكٌ فِي الْأَصَحِّ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ وَالْأَكْثَرِينَ فِي الجَمِيعِ الجَوَازُ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَشَرْطُ التَّسَامُعِ سَمَاعُهُ مِنْ جَمْعٍ يُؤْمَنُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ،
(وكذا أم) فيقبل بالتسامع على نسب منها (في الأصح) كالأب وإن تُيُقِّن بمشاهدة الولادة (و) كذا (موت على المذهب) ; لأنه قد يتعذر إثباته بموته في قرية مثلا (لا عتق وولاء و) أصل (وقف) مطلق أو مقيد على جهة أو معين صحيح، وكذا فاسد كوقف على النفس أُنهيَ لشافعي فثبت عنده بالاستفاضة فله على ما يأتي من التصحيح إثباته بها (ونكاح وملك في الأصح)؛ لتيسر مشاهدتها (قلت: الأصح عند المحققين والأكثرين في الجميع الجواز والله أعلم) ; لأن مدتها إذا طالت عسر إثبات ابتدائها فمست الحاجة إلى إثباتها بالتسامع. وصورة الاستفاضة بالملك أن يستفيض أنه ملك فلان من غير إضافة لسبب، فإن استفاض سببه كالبيع لم يثبت بالتسامع إلا الإرث; لأنه ينشأ عن النسب والموت وكل منهما يثبت بالتسامع. وخرج بأصل الوقف شروطه وتفاصيله فلا يثبتان به إن شهد بالشروط وحدها بخلاف ما إذا شهد بها مع أصل الوقف; لأن حاصلها يرجع إلى بيان وصف الوقف وتبيين كيفيته وذلك مسموع، وإذا لم تثبت التفاصيل قسمت الغلة على أربابها بالسوية فإن كان على مدرسة تعذرت شروطها صرفها الناظر فيما يراه من مصالحها أهم كما مر في الوقف، نعم يثبت شرط يستفيض غالبا ككونه على حرم مكة.
[تنبيه] لو قال أشهد أن الدار المحدودة بكذا أقر بها مثلا فلان كان شهادة بالحدود ضمنا وبالإقرار أصلا ، ومع ذلك لا يعتد بما في المستندات من ذكر الحدود إلا إن صرح الشاهد بأنه يشهد بها ولو ضمنا كما تقرر أو يشملها الحكم كأن يقول حكمت بجميع ما فيه. وفي حكم ذلك ما يقع في المستندات من أقر فلان بن فلان بكذا فتثبت البنوة ضمنا، نعم الحق أنه لا يقبل في البنوة والحدود ما مر إلا من شاهد مشهور بمزيد التحري والضبط والمعرفة بحيث يغلب على الظن أنه لم يذكر البنوة والحدود إلا بعد أن استند بهما إلى وجه صحيح يجوز له اعتماده فيهما. ومما يثبت بالاستفاضة أيضا ولاية قاض واستحقاق زكاة ورضاع وجرح وتعديل وإعسار ورشد وغصب وأن هذا وارث فلان أو لا وارث له غيره. (وشرط التسامع) الذي يُجَوِّز الاستناد إليه في الشهادة بما ذكر (سماعه) أي المشهود به (من جمع) مسلمين (يؤمن تواطؤهم على الكذب) ويحصل الظن القوي بصدقهم. ولا يشترط فيهم حرية ولا ذكورة ولا
стр. 2035
وَقِيلَ يَكْفِي مِنْ عَدْلَيْنِ، وَلَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى مِلْكٍ بِمُجَرَّدِ يَدٍ وَلَا بَيْدٍ، وَتَصَرُّفٍ فِي مُدَّةٍ قَصِيرَةٍ، وَتَجُوزُ فِي طَوِيلَةٍ فِي الْأَصَحِّ، وَشَرْطُهُ تَصَرُّفُ مُلَّاكٍ مِنْ سُكْنَى وَهَدْمٍ وَبِنَاءٍ وَبَيْعٍ وَرَهْنٍ.
عدالة، (وقيل يكفي) التسامع (من عدلين) إذا سكن القلب لخبرهما، وعلى الأول لا بد من تكرره وطول مدته عرفا كما يعلم مما يأتي. ويشترط أن لا يصرح بأن مستنده الاستفاضة، ومثلها الاستصحاب، نعم إن ذكره تقوية لعلمه بأن جزم بالشهادة ثم قال مستندي الاستفاضة أو الاستصحاب سُمعت شهادته بخلاف أشهد بالاستفاضة بكذا فلا تقبل، نعم إن ذكره تقوية لعلمه بأن جزم بالشهادة ثم قال مستندي الاستفاضة أو الاستصحاب سمعت شهادته وإلا كأشهد بالاستفاضة بكذا فلا. وإذا أطلق الشاهد وظهر للحاكم أن مستنده الاستفاضة لم يلجئه إلى بيان مستنده إلا إن كان عاميا; لأنه يجهل شروطها. وكيفية أدائها أشهد أن هذا ولد فلان أو وقفه أو عتيقه أو ملكه، أو هذه زوجته مثلا لا نحو أعتقه أو وقفه أو تزوجها; لأنه صورة كذب لاقتضائه أنه رأى ذلك وشاهده. (ولا تجوز الشهادة على ملك) لعقار أو منقول نقد أو غيره (بمجرد يد) ; لأنها لا تستلزمه، نعم له الشهادة بها، (ولا بيد وتصرف في مدة قصيرة)؛ لاحتمال أنه وكيل عن غيره، (وتجوز) الشهادة بالملك إذا رآه يتصرف فيه، وبالحق كحق إجراء الماء على سطحه أو أرضه أو طرح الثلج في ملكه إذا رآه الشاهد (في) مدة (طويلة) عرفا (في الأصح) حيث لا يعرف له منازع; لأن ذلك يغلب على الظن الملك أو الاستحقاق، نعم إن انضم للتصرف استفاضة (١) أن الملك له جازت الشهادة به وإن قصرت المدة، ولا يكفي قول الشاهد رأينا ذلك سنين (٢). ويستثنى من ذلك الرقيق فلا تجوز الشهادة فيه بمجرد اليد والتصرف في المدة الطويلة إلا إن انضم لذلك (٣) السماع من ذي اليد والناس أنه له (٤)؛ للاحتياط في الحرية وكثرة استخدام الأحرار (وشرطه) أي التصرف المفيد لما ذكر (تصرف ملاك من سكنى وهدم وبناء وبيع) وفسخ وإجارة (ورهن) ; لأن ذلك هو المغلب لظن الملك. والواو بمعنى أو إذ كل واحد منها على حدته كاف، ولا يكفي
стр. 2036
وَتُبْنَى شَهَادَةُ الْإِعْسَارِ عَلَى قَرَائِنَ وَمَخَايلِ الضُّرِّ و الْإِضَاقَةِ.
فصل
تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ فِي النِّكَاحِ، وَكَذَا الإِقْرَارٌ، وَالتَّصَرُّفٌ الْمَالِيٌّ، وَكِتَابَةُ الصَّكِّ فِي الْأَصَحِّ،
التصرف ولو مرارا إن كان في مجلس واحد أو أيام قليلة. (وتبنى شهادة الإعسار على قرائن ومخايل) أي مظان (الضُّر) وهو سوء الحال (والإضاقة) أي ذهاب ماله؛ لتعذر اليقين فيه فاكتفي بما يدل عليه من قرائن أحواله في خلوته وصبره على الضيق والضرر. وهذا شرط لاعتماد الشاهد، وقدَّم في الفلس اشتراط خبرته الباطنة وهو شرط لقبول شهادته أو أن ما هنا طريق للخبرة المشترطة ثَمَّ.
(فصل) في تحمل الشهادة وأدائها وكتابة الصك
(تحمل الشهادة (١) أي المشهود به أي الإحاطة بما سيطلب منه الشهادة به فيه (فرض كفاية في النكاح)؛ لتوقف انعقاده عليه، ولو امتنع الكل أثموا، ولو طلب من اثنين لم يتعينا إن كان ثَمَّ غيرهما بصفة الشهادة وظن إجابة الغير وإلا تعينا، (وكذا الإقرار والتصرف المالي) وغيره كطلاق وعتق ورجعة وغيرها -إلا الحدود- (وكتابةُ (٢) الصك) في الجملة وهو الكتاب فرض كفاية أيضا (في الأصح)؛ للحاجة إليهما (٣) لتمهيد إثبات الحقوق عند التنازع وكتابة الصك لها أثر ظاهر في التذكر وفيها حفظ الحقوق عن الضياع. وقيدت بالجملة؛ لما مر أنه لا يلزم القاضي أن يكتب للخصم ما ثبت عنده أو حكم به. ويظهر أن المشهود له أو عليه لو طلب من الشاهدين كتابة ما جرى تعين عليهما لكن بأجرة المثل كالأداء وإلا لم يبق لكون كتابة الصك فرض كفاية أثر. ويسن للشاهد أن يبجل القاضي ويزيد في ألقابه بالحق لا الكذب، ويكره الدعاء بنحو ((أطال الله بقاءك)). ولا يلزمه الذهاب للتحمل إن كان غير
стр. 2037
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْقَضِيَّةِ إلَّا اثْنَانِ لَزِمَهُمَا الْأَدَاءُ، فَلَوْ أَدَّى وَاحِدٌ وَامْتَنَعَ الْآخَرُ وَقَالَ احْلِفْ مَعَهُ عَصَى، وَإِنْ كَانَ شُهُودٌ، فَالْأَدَاءُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَلَوْ طَلَبَ مِنْ اثْنَيْنِ لَزِمَهُمَا فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا وَاحِدٌ لَزِمَهُ إنْ كَانَ فِيمَا يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ،
مقبول الشهادة مطلقا، وكذا مقبولها إلا إن عذر المشهود عليه بنحو مرض أو حبس أو كان مخدرة، أو دعاه قاض إلى أمر ثبت عنده ليشهده عليه، أو دعا الزوج أربعة إلى الشهادة بزنا زوجته بخلاف دون أربعة وبخلاف دعاء غير الزوج، أو لم يكن هناك ممن يقبل غيرهم (١). وله طلب أجرة للكتابة وحبس الصك وأخذ أجرة للتحمل وإن تعين عليه إن كان عليه كلفة مشي ونحوه لا للأداء، نعم له أن يأخذ للأداء أجرة مركوبه -وإن مشى- ونفقة طريقه إن دُعي له من مسافة العدوى فما فوق، وكذا من دونها وله كسب عطل عنه فيأخذ قدره (٢) بشرط أن يتذكر المشهود به على وجه لا يرده القاضي -أي لتقصير في تحمله لا لعقيدة القاضي مثلا- و له أن يقول لا أذهب معك إلى فوق مسافة العدوى إلا بكذا وإن كثر. (وإذا لم يكن في القضية إلا اثنان) كأن لم يتحمل غيرهما أو قام بالبقية مانع (لزمهما الأداء)؛ لقوله تعالى ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ البقرة: ٢٨٢ أي للأداء. ويجب في الأداء حيث وجب الفور، نعم له التأخير لفراغ حمام وأكل ونحوهما (فلو أدى واحد وامتنع الآخر) بلا عذر (وقال) للمدعي (احلف معه عصى) وإن رأى القاضي الحكم بشاهد ويمين; لأن من مقاصد الإشهاد التورع عن اليمين، وكذا لو امتنع شاهدا نحو وديعة وقالا احلف على الرد (وإن كان) في الواقعة (شهود فالأداء فرض كفاية) عليهم؛ لحصول الغرض ببعضهم، فإن شهد منهم اثنان وإلا أثموا كلهم -دعاهم مجتمعين أو متفرقين- والممتنع أوّلاً أكثرهم إثما; لأنه متبوع كما أن المجيب أوّلا أكثرهم أجرا؛ لذلك، (فلو طلب) الأداء (من اثنين) بأعيانهما (لزمهما) وكذا لو طلب من واحد منهم ليحلف معه (في الأصح)؛ لئلا يفضي إلى التواكل، وفارق التحمل بأنه حمل أمانة وهذا أداؤها. ولو علما إباء الباقين لزمهما قطعا (وإن لم يكن) في القضية (إلا واحد لزمه) الأداء إذا دعي له (إن كان فيما يثبت بشاهد ويمين) والقاضي المطلوب إليه يرى الحكم بهما (٣)؛
стр. 2038
وَإِلَّا فَلَا، وَقِيلَ لَا يَلْزَمُ الْأَدَاءُ إلَّا مَنْ تَحَمَّلَ قَصْدًا لَا اتِّفَاقًا. وَلِوُجُوبِ الْأَدَاءِ شُرُوطٌ: أَنْ يُدْعَى مِنْ مَسَافَةِ الْعَدْوَى، وَقِيلَ دُونَ مَسَافَةِ قَصْرٍ، وَأَنْ يَكُونَ عَدْلًا فَإِنْ دُعِيَ ذُو فِسْقٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ، قِيلَ أَوْ مُخْتَلَفٍ فِيهِ لَمْ يَجِبْ،
إذ لا عذر له (وإلا) يكن في ذلك (فلا) يلزمه؛ إذ لا فائدة لأدائه، (وقيل لا يلزم الأداء إلا من تحمل قصدا لا اتفاقا)؛ لأنه لم يلتزم. والأوجه أن النساء فيما يقبلن فيه كالرجال فيما ذكر وإن كان معهن في القضية رجال، نعم المخدرة لا تكلف خروجا فيرسل لها من يشهد عليها. ولو دُعِي لإشهادين واتحد الوقت فإن كان أحدهما أخوف فوتا قدمه وإلا تخير (١).
(ولوجوب الأداء) ولو عينا (شروط)
أحدها (أن يُدْعَى من مسافة العدوى) فأقل؛ للحاجة إلى الإثبات مع تعذره بالشهادة على الشهادة؛ إذ لا تقبل حينئذ، فإن دعي لما فوقها لم يجب؛ للضرر مع إمكان الشهادة على الشهادة. أما لو دعي من هو في البلد فيلزمه الحضور إلا إذا لم يعتد المشي ولا مركوب له أو أحضر له مركوب وهو ممن يستنكر الناس الركوب في حقه -؛ لعدم اعتياد الركوب في حق مثله- فلا يلزم الأداء. وخرج بيُدْعَى ما إذا لم يطلب فلا يلزمه الأداء إلا في شهادة حسبة فيلزمه فورا؛ إزالة للمنكر (وقيل) أن يدعى من (دون مسافة القصر) ; لأنه في حكم الحاضر. أما من مسافة القصر فلا يجب جزما إلا إن دعاه الإمام الأعظم (٢).
(و) ثانيها (أن يكون عدلا فإن دُعِي ذو فسق مجمع عليه) ظاهر أو خفي لم يجب عليه الأداء; لأنه عبث، بل يحرم عليه وإن خفي فسقه (٣) ; لأنه يحمل الحاكم على حكم باطل، نعم يجوز إن انحصر خلاص الحق فيه، (قيل أو مختلف فيه) كشرب ما لا يسكر من النبيذ (لم يجب) الأداء عليه; لأنه يعرض نفسه لرد القاضي له بما يعتقده الشاهد غير قادح، والأصح أنه يلزمه وإن اعتقد هو أنه مفسق; لأن الحاكم قد يقبله، وهو ظاهرٌ في مجتهد، أما غيره المعتقد لفسقه الممتنع عليه تقليد غير إمامه بنحو شرط أو عادة من موليه فلا يلزمه الأداء عنده; لأنه
стр. 2039
وَأَلَّا يَكُونَ مَعْذُورًا بِمَرَضٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ كَانَ أَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ أَوْ بَعَثَ الْقَاضِي مَنْ يَسْمَعُهَا
حينئذ كالمجمع عليه. ولا يلزم العدل الأداء مع فاسق مجمع عليه إلا إذا كان الحق يثبت بشاهد ويمين.
(و) ثالثها أن يُدْعَى لما يعتقده على أحد الوجهين أو جههما عدم اشتراطه؛ بناء على أنه يجوز للشاهد أن يشهد بما يعتقده الحاكم دونه كشفعة الجوار; لأن العبرة بعقيدة الحاكم، نعم لا يجوز له أن يشهد بصحة أو استحقاق ما يعتقد فساده، ولا أن يتسبب في وقوعه إلا إن قلد القائل بذلك.
ورابعها (ألا يكون معذورا بمرض ونحوه) من كل عذر يرخص في ترك الجمعة مما مر ونحوه كأكل ذي ريح كريه (١)، نعم إنما تُعْذر امرأة مخدرة دون غيرها كما مر (فإن كان) معذورا بذلك (أشهد على شهادته) ندبا بل يجب إن نزل به ما يخاف موته منه وخاف حينئذٍ فوات الحق (أو بعث القاضي من يسمعها (٢)؛ دفعا للمشقة عنه. وأفهم اقتصاره على هذه الثلاثة أنه لا يشترط زيادة عليها فيلزمه الأداء عند نحو أمير وقاض فاسق لم تصح توليته إن توقف خلاص الحق عليه، ويأتي أول الدعاوى أنه لا يحتاج هنا لدعوى; لأن هذا إنما جاز لضرورة توقف خلاص الحق على الأداء عنده فهو بمنزلة إعلام قادر بمعصية ليزيلها. وظاهرٌ أن في معنى توقف خلاص الحق عليه ما لو كان المتولي يخلص أيضا لكن برشوة له أو لبعض أتباعه; لأنه حينئذ في حكم العدم، وعند قاض مُتَعَنِّت أو جائر أي ما لم يخش منه على نفسه. ولو قال لي عند فلان شهادة وهو ممتنع من أدائها من غير عذر لم يجبه؛ لاعترافه بفسقه بخلاف ما إذا لم يقل من غير عذر؛ لاحتماله. ويتعين على المؤدي لفظ أشهد فلا يكفي مرادفه كأعلم (٣) ; لأنه أبلغ في الظهور. ولو عرف الشاهدان السبب كالإقرار فلهما الشهادة بالملك أو الاستحقاق لكن إن كانا (٤) فقيهين متيقظين موافقين لمذهب الحاكم بحيث لا يتطرق إليهما
стр. 2040
تهمة ولا جزم بحكم فيه خلاف في الترجيح، وكذا يقال في كل ما قلنا فيه بقبول الإطلاق. ولو شهد واحد شهادة صحيحة فقال الآخر أشهد بما أو بمثل ما شهد به لم يكف حتى يقول بمثل ما قاله ويستوفيها لفظا كالأول; لأنه موضع أداء لا حكاية، والعمل على خلاف ذلك. ولا يكفي أشْهَدُ بما وضعتُ به خطي ولا بمضمونه ونحو ذلك مما فيه إجمال وإبهام -ولو من عالم- إلا إذا عرف الشاهد ما تضمنه الكتاب، ومثل الشاهد في ذلك القاضي لو قال اشهدوا عليَّ بما وضعت به خطي مثلا. ولا يكفي أن يقول نعم لمن قال له نشهد عليك بما نسب إليك في هذا الكتاب؟ إلا إن قيل ذلك له بعد قراءته عليه وهو يسمعه وكذا المقر، نعم إن قال أعلم ما فيه وأنا مقر به كفى. ولا يجوز لمن سمع نحو إقرار أو بيع أن يشهد بما يعلم خلافه. ويجوز الشهادة على المكس من غير أخذ شيء منه إذا قصد ضبط الحقوق لترد لأربابها إن وقع عدل. والأوجه صحة شهادتهم على قوله اشهدوا أن له عليّ كذا (١) كما لو قال اشهدوا له على إني بعت.
[تنبيه] يستثنى مما مر مسائل يجب التفصيل في الشهادة بها (٢) كالدعوى منها: أن يقر لغيره بعين ثم يدعيها لا بد أن يصرح كبينته بناقل من جهة المقر له، ومنها الشهادة بإكراه أو سرقة أو نظر وقف أو بأنه وارث فلان أو ببراءة مدين مما ادعي به عليه أو بجرح أو رشد أو رضاع أو نكاح (٣) أو قتل أو طلاق أو بلوغ بسن -بخلافها بمطلق البلوغ- أو بوقف فلا بد من بيان مصرفه بخلاف الوصية، ويظهر أن محل ذلك في الوقف في غير شاهد الحسبة; لأن القصد منها رفع يد المالك فيحفظها القاضي حتى يظهر لها مستحق، أو بأن المدعي اشترى ما بيد خصمه من أجنبي فلا بد من التصريح بأنه كان يملكها أو ما يقوم مقامه أو باستحقاق الشفعة أو بأنه عَقَدَ زائلا عقله فيبين سبب زواله أو بانقضاء العدة وشهادة البينة بأن أباه مات والمُدَّعَى به في يده أو وهو ساكن فيه كالشهادة بالملك؛ لتضمنها له بخلاف مجرد مات فيه أو
стр. 2041
فصل
تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي غَيْرِ عُقُوبَةٍ، وَفِي عُقُوبَةٍ لِآدَمِيٍّ عَلَى المَذْهَبِ، وَتَحَمُّلُهَا بِأَنْ يَسْتَرْعِيَهُ فَيَقُولُ: أَنَا شَاهِدٌ بِكَذَا، وَأُشْهِدُك أَوِ اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي، أَوْ يَسْمَعَهُ يَشْهَدُ عِنْدَ قَاضٍ،
كان فيه حتى مات أو مات وهو لابسه; لأنها لم تشهد بملك ولا يد، ويكفي قول شاهد النكاح أشهد أني حضرت العقد أو حضرته وأشهد به. ولو قالا لا شهادة لنا في كذا ثم شهدا في زمن يحتمل وقوع التحمل فيه لم يؤثر وإلا أثر. ولو قال لا شهادة لي على فلان ثم قال كنت نسيت قُبِل إن اشتهرت ديانته كما مر (١).
(فصل) في الشهادة على الشهادة
(تقبل الشهادة على الشهادة في غير عقوبة) لله تعالى من حقوق الآدمي وحقوق الله تعالى كزكاة وحد الحاكم لفلان على نحو زناه وهلال نحو رمضان؛ للحاجة إلى ذلك بخلاف عقوبة لله تعالى كحد زنا وشرب وسرقة، وكذا إحصان من ثبت زناه أو ما يتوقف عليه الإحصان (وفي عقوبة لآدمي) كقود وحد قذف (على المذهب)؛ لبناء حقه على المضايقة.
(وتحملها) الذي يعتد به إنما يحصل بأحد ثلاثة أمور: إما (بأن يسترعيه) الأصل أي يلتمس منه رعاية شهادته وضبطها حتى يؤديها عنه; لأنها نيابة فاعتبر فيها إذن المنوب عنه أو ما يقوم مقامه مما يأتي، نعم لو سمعه يسترعي غيره جاز له الشهادة على شهادته وإن لم يسترعه هو بخصوصه (فيقول أنا شاهد بكذا) فلا يكفي أنا عالم ونحوه (وأشهدك) أو أشهدتك (أو اشهد على شهادتي) أو إذا استشهدت على شهادتي فقد أذنت لك أن تشهد ونحو ذلك (أو) بأن (يسمعه يشهد) بما يريد أن يتحمله عنه (عند قاض) أو محكم أو نحو أمير تجوز الشهادة عنده (٢).
стр. 2042
أَوْ يَقُولَ: أَشْهَدُ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ أَلْفًا مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَفِي هَذَا وَجْهٌ، وَلَا يَكْفِي سَمَاعُ قَوْلِهِ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ كَذَا، أَوْ أَشْهَدُ بِكَذَا، أَوْ عِنْدِي شَهَادَةٌ بِكَذَا، وَلِيُبَيِّنِ الْفَرْعُ عِنْدَ الْأَدَاءِ جِهَةَ التَّحَمُّلِ، فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ وَوَثِقَ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ فَلَا بَأْسَ، وَلَا يَصِحُّ التَّحَمُّلُ عَلَى شَهَادَةِ مَرْدُودِ الشَّهَادَةِ، وَلَا تَحْمِلُ النِّسْوَةُ. فَإِنْ مَاتَ الْأَصْلُ أَوْ غَابَ أَوْ مَرِضَ لَمْ يَمْنَعْ شَهَادَةَ الْفَرْعِ. وَإِنْ حَدَثَ رِدَّةٌ أَوْ فِسْقٌ أَوْ عَدَاوَةٌ مَنَعَتْ،
(أو) بأن يبين السبب كأن (يقول) ولو عند غير حاكم (أشهد أن لفلان على فلان ألفا من ثمن مبيع أو غيره)؛ لأن إسناده للسبب يمنع احتمال التساهل فلم يحتج لإذنه أيضا. ويتعين هنا أن يسمع منه لفظ أشهد (وفي هذا) الأخير (وجه) أنه لا بد من إذنه; لأنه قد يتوسع في العبارة ولو دعي للأداء لأحجم، ويتعين ترجيحه فيما لو دلت القرائن القطعية من حال الشاهد على تساهله وعدم تحريره للعبارة، (ولا يكفي سماع قوله لفلان على فلان كذا أو أشهد بكذا أو عندي شهادة بكذا) وإن قال شهادة جازمة لا أتمارى فيها؛ لاحتمال هذه الألفاظ الوعد والتجوُّز كثيرا (وليبين الفرع عند الأداء جهة التحمل) كأشهد أن فلانا يشهد بكذا وأشهدني أو سمعته يشهد به عند قاض أو يبين سببه ليتحقق القاضي صحة شهادته إذ أكثر الشهود لا يحسنها هنا (فإن لم يبين) جهة التحمل (ووثق القاضي بعلمه) وموافقته له في هذه المسألة (فلا بأس)؛ إذ لا محذور، نعم يسن له استفصاله. (ولا يصح التحمل على شهادة مردود الشهادة) بمانع قام به مطلقا أو بالنسبة لتلك الواقعة؛ لعدم الثقة بقوله ولأن بطلان الأصل يستلزم بطلان الفرع (ولا) يصح (تحمل) الخنثى ما دام إشكاله، ولا تحمل (النسوة) ولو على مثلهن في نحو ولادة; لأن الشهادة على الشهادة مما يطلع عليه الرجال غالبا وشهادة الفرع إنما تثبت شهادة الأصل لا ما شهد به الأصل، ومن ثم لم يصح تحمل فرع واحد عن أصل واحد فيما يثبت بشاهد ويمين وإن أراد المدعي أن يحلف مع الفرع (فإن مات الأصل أو غاب أو مرض لم يمنع شهادة الفرع)؛ لأن ذلك غير نقص بل هو أو نحوه السبب في قبول شهادة الفرع كما سيذكره وإنما قدمه هنا توطئة لقوله (وإن حدث) بالأصل (ردة أو فسق أو عداوة) بينه وبين المشهود عليه أو تكذيب الأصل له كأن قال نسيت التحمل أوْ لا أعلمه قبل الحكم ولو بعد أداء الفرع (مُنِعَت (١) شهادة الفرع; لأن كلا من غير الأخيرة لا يهجم دفعة
стр. 2043
وَجُنُونُهُ كَمَوْتِهِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ تَحَمَّلَ فَرْعٌ فَاسِقٌ أَوْ عَبْدٌ أَوْ صَبِيٌّ فَأَدَّى وَهُوَ كَامِلٌ قُبِلَتْ. وَيَكْفِي شَهَادَةُ اثْنَيْنِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ، وَفِي قَوْلٍ يُشْتَرَطُ لِكُلِّ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ اثْنَانِ. وَشَرْطُ قَبُولِهَا تَعَسُّرُ أَوْ تَعَذُّرُ الْأَصِيلِ بِمَوْتٍ أَوْ عَمًى، أَوْ مَرَضٍ يَشُقُّ حُضُورُهُ، أَوْ غَيْبَةٍ لِمَسَافَةِ عَدْوَى، وَقِيلَ قَصْرٍ
فيورث ريبة فيما مضى إلى التحمل. ولو زالت هذه الأمور اشترط تحمل جديد، أما بعد الحكم فلا يؤثر (١) إلا إذا كان قبل استيفاء عقوبة (وجنونه (٢) كموته على الصحيح) فلا يؤثر مطلقاً; لأنه لا يوقع ريبة في الماضي، ومثله عمى وخرس وكذا إغماء إن غاب الأصل عن البلد، فإن كان حاضرا انتظر زواله لقربه أي باعتبار ما من شأنه بخلاف نحو المرض لا ينتظر زواله; لأنه لا ينافي الشهادة. (ولو تحمل فرع فاسق أو عبد أو صبي فأدى وهو كامل قبلت) شهادته كالأصل إذا تحمل ناقصا ثم أدى كاملا (ويكفي شهادة اثنين على) كل من (الشاهدين) كما لو شهدا على إقرار كلٍّ من رجلين، فلا يكفي شهادة واحد على هذا وواحد على هذا، ولا واحد على واحد في هلال رمضان، (وفي قول يشترط لكل رجل أو امرأة اثنان)؛ لأنهما إذا شهدا على أصل كانا كشطر البينة فلا يجوز قيامهما بالشطر الثاني.
(وشرط قبولها) أي شهادة الفرع على الأصل (تعسر) الأصل (أو تعذر الأصل بموت أو عمى) فيما لا يقبل فيه الأعمى (أو مرض) غير إغماء؛ لما مر فيه (يشق) معه (حضوره) مشقة ظاهرة بأن يجوِّز ترك الجمعة، ومن ثم كانت أعذار الجمعة أعذارا هنا (٣) ; لأن جميعها يقتضي تعسر الحضور، وكذا سائر الأعذار الخاصة بالأصل (٤)، فإن عمَّت الفرع أيضا كالمطر والوحل لم يقبل (٥) (أو غيبة لمسافة عدوى) يعني لفوقها; لأن ما دونه في حكم البلد (وقيل) لمسافة (قصر)؛ لذلك،
стр. 2044
وَأَنْ يُسَمِّيَ الْأُصُولَ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يُزَكِّيَهُمْ الْفُرُوعُ، فَإِنْ زَكَّوْهُمْ قُبِلَ، وَلَوْ شَهِدُوا عَلَى شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ أَوْ عُدُولٍ وَلَمْ يُسَمُّوهُمْ لَمْ يَجُزْ.
فصل
رَجَعُوا عَنِ الشَّهَادَةِ قَبْلَ الحُكْمِ امْتَنَعَ،
ويرد بمنعه في هذا الباب. ولو حضر الأصل قبل الحكم تعينت شهادته; لأن القدرة عليه تمنع الفرع، ويتجه أن الحكم كذلك لو عاده القاضي في مرضه كما لو برئ من مرضه (وأن يسمي) الفرع (الأصول) في شهادته عليهم تسمية تميزهم؛ ليعرف القاضي حالهم ويتمكن الخصم من القدح فيهم، وشمل المتن ما لو كان الأصل قاضياً فيجب أن يسميهم كذلك، (ولا يشترط أن يزكيه الفروع) ولا أن يتعرضوا لصدقه فيما شهد به بل لهم إطلاق الشهادة والقاضي يبحث عن عدالته (فإن زكوهم قُبِل) ذلك منهم إن تأهلوا للتعديل؛ إذ لا تهمة، وإنما لم تقبل تزكية أحد شاهدين في واقعة للآخر; لأنه قام بأحد شطري الشهادة فلا يقوم بالآخر وتزكية الفرع للأصل من تتمة شهادة الفرع ولذا شرطت على وجه (ولو شهدوا على شهادة عدلين أو عدول ولم يسموهم لم يجز) أي لم يكف; لأنه يسد باب الجرح على الخصم.
(فصل) في الرجوع عن الشهادة
وشرط جريان أحكامه الآتية أن لا يكون ثَمَّ حجة غيره، فإن كانت ثم حجة كالإقرار لكن القاضي أسند الحكم للبينة جرت أحكام الرجوع فيه أو للإقرار فلا. إذا (رجعوا) أو من يكمل النصاب به أو مات مورثه الذي شهد له (عن الشهادة) التي أدوها بين يدي الحاكم (قبل الحكم) بشهادتهم ولو بعد ثبوتها؛ بناء على الأصح السابق أنه ليس بحكم مطلقا (١)، بأن صرحوا بالرجوع ومثله شهادتي باطلة أوْ لا شهادة لي فيه. وليس من الرجوع (٢) قوله أبطلتها أو فسختها أو رددتها؛ إذ لا قدرة له على إنشاء إبطالها بخلاف ما لو قال هي باطلة أو منقوضة أو مفسوخة; لأنه إخبار بأنها لم تقع صحيحة من أصلها وبخلاف ما لو قال أردت بأبطلتها مثلا أنها باطلة في نفسها. وقوله للحاكم بعد شهادته عنده ((تَوَقَّفْ عن الحكم)) يوجب توقفه ما لم يقل له احكم; لأنه لم يتحقق رجوعه، نعم إن كان عاصيا وجب سؤاله عن سبب توقفه كما علم مما مر (امتنع) الحكم
стр. 2045
أَوْ بَعْدَهُ وَقَبْلَ اسْتِيفَاءِ مَالٍ اُسْتُوْفِيَ، أَوْ عُقُوبَةٍ فَلَا، أَوْ بَعْدَهُ لَمْ يُنْقَضْ. فَإِنْ كَانَ المُسْتَوْفَى قِصَاصًا أَوْ قَتْلِ رِدَّةٍ أَوْ رَجْمِ زِنًا أَوْ جَلْدَهُ وَمَاتَ وَقَالُوا تَعَمَّدْنَا فَعَلَيْهِمْ قِصَاصٌ أَوْ دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ
بها؛ لزوال سببه كما لو طرأ مانع من قبول الشهادة قبله إن كان نحو فسق أو عداوة أو صار المال له بموت المشهود له وهو وارثه كما مر لا نحو موت أو جنون أو عمى، ويفسقون ويعزرون إن قالوا تعمدنا شهادةَ الزور ويحدون للقذف إن كانت بزنا وإن ادعوا الغلط. وتقبل البينة بعد الحكم بشهادتهما برجوعهما قبله وإن كذباها كما تقبل بفسقهما وقته أو قبله بزمن لا يمكن فيه الاستبراء، ولا تقبل بعده برجوعهما من غير تعرض لكونه قبله أو بعده، فعلم أنه ليس لهما بعد الرجوع -وإن ثبت بالبينة وكذباها- العود للشهادة مطلقا; لأنهما إما فاسقان إن تعمدا أو مخطئان وقد صرحوا بأن المخطئ لا تسمع منه إعادة الشهادة، (أو) رجعوا (بعده) أي الحكم (وقبل استيفاء مال استوفي) أو قبل العمل بأثر عقد أو حل أو فسخ عمل به; لأن الحكم تم وليس هذا مما يسقط بالشبهة (أو) قبل استيفاء (عقوبة) لآدمي كقود وحد قذف أو لله كحد زنا وشرب (فلا) تستوفى; لأنها تسقط بالشبهة (أو بعد) أي بعد استيفائها (لم ينقض)؛ لجواز كذبهم في الرجوع فقط وليس عكس هذا أولى منه والثابت لا ينقض بأمر محتمل. وليس للحاكم أن يرجع عن حكمه سواء كان بعلمه أو ببينة،؛ لأن حكمه إن كان باطن الأمر فيه كظاهره نفذ ظاهرا وباطنا وإلا بأن لم يتبين الحال نفذ ظاهرا فلم يجز له الرجوع إلا إن بين مستنده فيه، ومحل ذلك في الحكم بالصحة بخلاف الثبوت والحكم بالموجب; لأن كلا منهما لا يقتضي صحة الثابت ولا المحكوم به; لأن الشيء قد يثبت عنده ثم ينظر في صحته ولأن الحكم بالصحة يتوقف على ثبوت استيفاء شروطها عنده ومنها ثبوت ملك العاقد أو ولايته فحينئذ جاز له بل لزمه أن يرجع عن حكمه بها إن ثبت عنده ما يقتضي رجوعه عنه كعدم ثبوت ملك العاقد، ويقبل قوله بان لي فسق الشاهد فينقض حكمه ما لم يتهم، وقوله أكرهت على الحكم -ولو بغير قرينة على الإكراه إن اشتهر بالعلم والديانة- لا كنت فاسقا أو عدوا للمحكوم عليه مثلا فلا يقبل؛ لاتهامه به (فإن كان المُسْتَوْفَى قصاصا) في نفس أو طرف (أو قتل ردة أو رجم زنا أو جلده) أي الزنا، ومثله جلد القذف (ومات) من القود أو الحد (١) ثم رجعوا (وقالوا) كلهم (تعمدنا) وعلمنا أنه يقتل بشهادتنا، أو جهلنا ذلك وهو ممن لا
стр. 2046
وَعَلَى الْقَاضِي قِصَاصٌ إنْ قَالَ تَعَمَّدْتُ، وَإِنْ رَجَعَ هُوَ وَهُمْ فَعَلَى الجَمِيعِ قِصَاصٌ إنْ قَالُوا: تَعَمَّدْنَا، فَإِنْ قَالُوا أَخْطَأْنَا فَعَلَيْهِ نِصْفُ دِيَةٍ وَعَلَيْهِمْ نِصْفٌ. وَلَوْ رَجَعَ مُزَكٍّ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَضْمَنُ،
يخفى عليهم، أو ظننا أننا نُجْرَح (١) بأسباب إلا إن كانت الأسباب أو بعضها ظاهرة لكل أحد، أو قال كل منهم تعمدتُ ولا أعلم حال صاحبي، أو اقتصر كل على قوله تعمدت (فعليهم) ما لم يعترف ولي القاتل بحقيقة ما شهد به عليه (قصاص) بشرطه، ومنه أن يكون جلد الزنا يقتل غالبا، ويتصور بأن يشهدا به في زَمَنِ نحو حرٍّ ومذهب القاضي يقتضي الاستيفاء فورا وإن أهلك غالبا وعلما ذلك. وأفهم قوله قصاص أنه يراعى فيه المماثلة فيحدون في شهادة الزنا حد القذف ثم يرجمون (أو) للتنويع لا للتخيير (دية مغلظة) في مالهم موزعة على عدد رءوسهم؛ لنسبة إهلاكه إليهم. وخرج بتعمدنا أخطأنا فعليهم دية مخففة في مالهم إلا إن صدقتهم العاقلة (٢). أما لو قال أحدهم تعمدتُ وتعمد صاحبي وقال صاحبه أخطأتُ، أو قال تعمدت وأخطأ صاحبي (٣)، أو قال أخطأنا فيقتل الأول فقط; لأنه أقر بموجبه دون الثاني. ولو رجع أحدهما فقط وقال تعمدنا قتل أو تعمدت فلا، ومحل وجوب القود أو الدية عليهم أو على أحدهم ما لم يقل الولي علمت تعمدهم وإلا فالقود عليه وحده (وعلى القاضي قصاص إن) رجع وحده و (قال تعمدت)؛ لاعترافه بموجبه، فإن آل الأمر للدية فكلها مغلظة في ماله; لأنه قد يستقل بالمباشرة فيما إذا قضى بعلمه بخلاف ما إذا رجع هو والشهود فإنه يشاركهم كما يأتي (وإن رجع هو وهم فعلى الجميع قصاص إن قالوا تعمدنا) وعلمنا إلى آخره؛ لنسبة هلاكه إليهم كلهم (فإن قالوا أخطأنا فعليه نصف دية) مخففة (وعليهم نصف) كذلك؛ توزيعا على المباشرة والسبب، (ولو رجع مُزَكٍّ) وحده أو مع من مر (٤) (فالأصح أنه يضمن) بالقود أو الدية; لأنه بالتزكية يلجئ القاضي للحكم المقتضي للقتل. ولو رجع الأصل وفرعه اختص الغرم بالفرع; لأنه الملجئ كالمزكي.
стр. 2047
أَوْ وَلِيٌّ وَحْدَهُ فَعَلَيْهِ قِصَاصٌ أَوْ دِيَةٌ أَوْ مَعَ الشُّهُودِ فَكَذَلِكَ، وَقِيلَ: هُوَ وَهُمْ شُرَكَاءُ. وَلَوْ شَهِدَا بِطَلَاقٍ بَائِنٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ لِعَانٍ وَفَرَّقَ الْقَاضِي فَرَجَعَا دَامَ الْفِرَاقُ وَعَلَيْهِمْ مَهْرُ المِثْلٍ، وَفِي قَوْلٍ نِصْفُهُ إنْ كَانَ قَبْلَ وَطْءٍ (١). وَلَوْ شَهِدَا بِطَلَاقٍ وَفَرَّقَ فَرَجَعَا فَقَامَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُمَا رَضَاعٌ فَلَا غُرْمَ
(أو) رجع (ولي وحده) دون الشهود (فعليه قصاص أو دية) كاملة; لأنه المباشر للقتل، نعم لا أثر لرجوعه في قطع الطريق; لأن الاستيفاء لا يتوقف عليه بل لا يسقط بعفوه كما مر (أو) رجع الولي (مع الشهود) أو مع القاضي والشهود (فكذلك)؛ لأنه المباشر فهم كالممسك مع القاتل (وقيل هو وهم شركاء) لكن عليه نصف الدية إن وجبت؛ لتعاونهم على القتل. (ولو شهدا بطلاق بائن) بخلع أو ثلاث ولو لرجعية (أو رضاع) محرم (أو لعان وفرق القاضي)، ويؤخذ منه أن الكلام في حي فلا غرم في شهود ببائن على ميت (فرجعا دام الفراق)؛ لما مر أن قولهما في الرجوع محتمل والقضاء لا يرد بمحتمل (وعليهم) حيث لم يصدقهم الزوج، ولا شهدوا بعوض خلع يساوي مهر المثل، ولا كان (٢) الزوج قنا كله; لأنه لا ملك له والسيد لا تعلق له ببضع زوجة عبده (مهر المثل) ساوى المسمى أوْ لا; لأنه بدل البضع الذي فوتاه عليه، فإن كان مجنونا أو غائبا طالب وليه أو وكيله (وفي قول) عليهم (نصفه) فقط (إن كان) الفراق (قبل وطء)؛ لأنه الذي فوتاه. وخرج بالبائن الرجعي فإن راجع فلا غرم؛ إذ لا تفويت والأوجب كالبائن. (ولو شهدا بطلاق وفرق) بينهما (فرجعا فقامت بينة) أو ثبت بحجة أخرى (أنه) لا نكاح بينهما كأن ثبت أنه (كان بينهما رضاع محرم) أو أنها بانت من قبل (فلا غرم) عليهما؛ إذ لم يفوتا عليه شيئا، فإن غُرِّما قبل البينة استردا.
стр. 2048
وَلَوْ رَجَعَ شُهُودُ مَالٍ غَرِمُوا فِي الْأَظْهَرِ، وَمَتَى رَجَعُوا كُلُّهُمْ وُزِّعَ عَلَيْهِمُ الْغُرْمُ، أَوْ بَعْضُهُمْ وَبَقِيَ نِصَابٌ فَلَا غُرْمَ، وَقِيلَ يَغْرَمُ قِسْطَهُ، وَإِنْ نَقَصَ النِّصَابُ وَلَمْ تَزِدِ الشُّهُودُ عَلَيْهِ فَقِسْطٌ، وَإِنْ زَادَ فَقِسْطٌ مِنَ النِّصَابِ، وَقِيلَ مِنَ الْعَدَدِ، وَإِنْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ فَعَلَيْهِ نِصْفٌ وَهُمَا نِصْفٌ أَوْ وَأَرْبَعٌ فِي رَضَاعٍ فَعَلَيْهِ ثُلُثٌ وَهُنَّ ثُلُثَانِ، فَإِنْ رَجَعَ هُوَ أَوْ ثِنْتَانِ فَلَا غُرْمَ فِي الْأَصَحِّ. وَإِنْ شَهِدَ هُوَ وَأَرْبَعٌ بِمَالٍ فَقِيلَ كَرَضَاعٍ
(ولو رجع (١) شهود مال) عين -ولو أم ولد شهدا بعتقها- أو دين -وإن قالوا غلطنا- (غرموا) للمحكوم عليه -بعد غرمه لا قبله- مثل المثلي وقيمة المتقوم، وهل يعتبر فيها وقت الشهادة؛ لأنها السبب أو الحكم; لأنه المفوت حقيقته؟ الأقرب الأول في الشاهد (٢) والثاني في الحاكم. ولا رجوع في الشهادة بالاستيلاد إلا بعد موت السيد وبالتعليق إلا بعد وجود الصفة (في الأظهر)؛ لأنهم أحالوا بينهم وبين ماله، ومن ثم لو فوتوه ببدله كبيع بثمن يعادل المبيع لم يغرموا، (ومتى رجعوا كلهم وزع عليهم الغرم) بالسوية إن اتحد نوعهم وإن ترتب رجوعهم أو زادوا على النصاب، (أو) رجع (بعضهم وبقي نصاب) كأحد ثلاثة في غير زنا (فلا غرم)؛ لبقاء الحجة، (وقيل يغرم قسطه)؛ لأن الحكم مستند للكل، (وإن نقص النصاب ولم تزد الشهود عليه) كأن رجع أحد اثنين (فقسط) من النصاب وهو النصف يغرمه الراجع (وإن زاد) عدد الشهود على النصاب كاثنين من ثلاثة (فقسط من النصاب) فعليهما نصف؛ لبقاء نصف الحجة (وقيل من العدد) فعليهما ثلثان؛ لاستوائهم في الإتلاف، (وإن شهد رجل وامرأتان) فيما يثبت بهم ثم رجعوا (فعليه نصف وهما نصف) على كل واحدة ربع; لأنهما كرجل، والخنثى كالأنثى، (أو) شهد رجل (وأربع في رضاع) ونحوه مما يثبت بمحضهن، ثم رجعوا (فعليه ثلث وهن ثلثان)؛ لما تقرر أن كل ثنتين برجل وهن ينفردن بهذه الشهادة فلم يتعين الشطر، (فإن رجع هو أو ثنتان) فقط (فلا غرم في الأصح)؛ لبقاء النصاب، (وإن شهد هو وأربع) من النساء (بمال) ورجع الكل (فقيل كرضاع) فعليه الثلث، أو هو وحده فعليه النصف.
стр. 2049
وَالْأَصَحُّ هُوَ نِصْفٌ وَهُنَّ نِصْفٌ، سَوَاءٌ رَجَعْنَ مَعَهُ أَوْ وَحْدَهُنَّ، وَإِنْ رَجَعَ ثِنْتَانِ فَالْأَصَحُّ لَا غُرْمَ، وَأَنَّ شُهُودَ إحْصَانٍ أَوْ صِفَةٍ مَعَ شُهُودِ تَعْلِيقِ طَلَاقٍ وَ عِتْقٍ لَا يَغْرَمُونَ شَيْئًا
(والأصح) أنه (هو) عليه (نصف وهن) عليهن (نصف)؛ لأنه النصف وهن وإن كثرن كنصف؛ إذ لا يقبلن منفردات في المال (سواء رجعن معه أو وحدهن) بخلاف الرضاع يثبت بمحضهن (وإن رجع ثنتان فالأصح) أنه (لا غرم) عليهما؛ لبقاء النصاب. ولو شهد رجلان وامرأة ثم رجعوا لزمها الخمس. (و) الأصح (أن شهود إحصان) مع شهود زنا (أو) شهود (صفة مع شهود تعليق طلاق وعتق لا يغرمون) إذا رجعوا بعد الرجم ونفوذ الطلاق أو العتق وإن تأخرت شهادتهم عن الزنا والتعليق، أما شهود الإحصان فلما مر فيهم أول الفصل -رجعوا مع شهود الزنا أو وحدهم- وأما شهود الصفة فلأنهم لم يشهدوا بطلاق ولا عتق وإنما أثبتوا صفة فقط هي شرط لا سبب والحكم إنما يضاف للسبب لا للشرط.
стр. 2050
كتاب الدعوى والبينات
تُشْتَرَطُ الدَّعْوَى عِنْدَ قَاضٍ فِي عُقُوبَةٍ كَقِصَاصٍ وَقَذْفٍ. وَإِنِ اسْتَحَقَّ عَيْنًا فَلَهُ أَخْذُهَا إنْ لَمْ يَخَفْ فِتْنَةً
(كتاب الدعوى والبينات)
الدعوى إخبار عن وجوب حق للمخبِر على غيره عند حاكم ليُلزمه به، والبينة هم الشهود; لأن بهم يتبين الحق. والأصل فيها قوله تعالى ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ النور: ٤٨، وخبر ((البينة على المدعي واليمين على من أنكر)).
(تشترط الدعوى عند قاض) أو محكم أو سيد (في) غير مال مما لا تسمع فيه شهادة الحسبة سواء أكان في غير عقوبة كنكاح ورجعة وإيلاء وظهار وعيب نكاح أو بيع أم في (عقوبة) لآدمي (كقصاص وحد قذف) ولا يجوز للمستحق الاستقلال به؛ لعظم خطره، أما عقوبة لله تعالى فهي وإن توقفت على القاضي أيضا لكن لا تسمع فيها الدعوى; لأنها ليست حقا للمدعي، نعم لقاذف أُريد حده الدعوى على المقذوف وطلب حلفه على أنه لم يزن ليسقط الحد عنه إن نكل. وما يوجب تعزيرا لحق الله تعالى تسمع الدعوى فيه إن تعلق بمصلحة عامة كطرح حجارة بطريق. ومر أنه لا يلزم الأداء عند نحو وزير إلا إذا توقف استيفاء الحق عليه، وحينئذ فالأداء لهذه الضرورة لا يستدعي توقفه على دعوى (١)، وقضية قوله ((يشترط)) أنه لو استوفاه بدون قاضٍ لم يقع الموقع وهو كذلك في حد القذف لا القود. وكل ما تقبل فيه شهادة الحسبة لا يحتاج فيه لدعوى -بل لا تسمع دعوى الحسبة في حدود الله إلا إن تعلق بها حق آدمي كما مر- ومنه قتل من لا وارث له أو قذفه؛ إذ الحق فيه للمسلمين، وقتل قاطع الطريق الذي لم يتب قبل القدرة عليه; لأنه لا يتوقف على طلب. وخرج بالعقوبة وما معها المال; لأن لمالكه ونحوه أخذه ظفرا من غير دعوى (٢) كما قال (وإن استحق) شخص (عينا) عند آخر بملك وكذا بنحو إجارة أو وقف أو وصية بمنفعة أو ولاية كأن غصبت عين لموليه وقدر على أخذها (فله أخذها) مستقلا به (إن لم يخف فتنة) عليه أو على غيره
стр. 2051
وَإِلَّا وَجَبَ الرَّفْعُ إلَى قَاضٍ، أَوْ دَيْنًا عَلَى غَيْرِ مُمْتَنِعٍ مِنَ الْأَدَاءِ طَالَبَهُ، وَلَا يَحِلُّ أَخْذُ شَيْءٍ لَهُ، أَوْ عَلَى مُنْكِرٍ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ أَخَذَ جِنْسَ حَقِّهِ مِنْ مَالِهِ وَكَذَا غَيْرُ جِنْسِهِ إنْ فَقَدَهُ عَلَى المَذْهَبِ، أَوْ عَلَى مُقِرٍّ مُمْتَنِعٍ، أَوْ مُنْكِرٍ وَلَهُ بَيِّنَةٌ فَكَذَلِكَ. وَقِيلَ يَجِبُ الرَّفْعُ إلَى قَاضٍ،
سواء أكانت يده عادية أم لا كأن اشترى مغصوبا لا يعلمه، نعم من ائتمنه المالك كوديع يمتنع عليه أخذ ما تحت يده من غير علمه; لأن فيه إرعابا له بظن ضياعها، ومنه يؤخذ حرمة كل ما فيه إرعاب للغير، أي إرعابا لا يحتمل عادة بخلاف غيره كمزاح محتمل. وفي نحو الإجارة المتعلقة بالعين يأخذ العين ليستوفي المنفعة منها، وفي الذمة يأخذ قيمة المنفعة التي استحقها من ماله ويستأجر بها، وحينئذٍ يلزمه الاقتصار على ما يتيقن أنه قيمة لتلك المنفعة أو يسأل عدلين يعرفانها ويعمل بقولهما (وإلا) بأن خاف فتنة أي مفسدة تفضي إلى محرم كأخذ ماله لو اطلع عليه بأن غلب ذلك على ظنه وكذا إن استويا (وجب الرفع) ما دام مريدا للأخذ (إلى قاض) أو نحوه؛ لتمكنه من الخلاص به، (أو دينا) حالا (على غير ممتنع من الأداء طالبه) ليؤدي ما عليه (ولا يحل أخذ شيء له) ; لأن له الدفع من أي ماله شاء، فإن أخذ شيئا لزمه رده وضمنه إن تلف ما لم يوجد شرط التقاص (أو على منكر) أو من لا يقبل إقراره (ولا بينة له) عليه أو له بينة وامتنعوا أو طلبوا منه ما لا يلزمه أو كان قاضي محله جائرا لا يحكم إلا برشوة (أخذ جنس حقه من ماله) ظفرا؛ لعجزه عن حقه إلا بذلك، فإن كان مثليا أو متقوما أخذ مماثله من جنسه لا من غيره (وكذا غير جنسه) أي غير جنس حقه ولو أمة (إن فقده) أي جنس حقه (على المذهب)؛ للضرورة، نعم إن وجد نقدا تعين. ولو أنكر كون ما وجده ملكه لم يجز أخذه قطعا. ولو كان المدين محجورا عليه بفلس أو ميتا وعليه دين لم يأخذ إلا قدر حصته بالمضاربة إن علمها وإلا احتاط (أو على مقر ممتنع) ولو مماطلا (أو منكر وله بينة فكذلك) له الاستقلال بأخذ حقه؛ لما في الرفع من المؤنة والمشقة (وقيل يجب الرفع إلى قاض)؛ لإمكانه. وخرج باستحق عينا الزكاة; لأنها وإن تعلقت بعين المال شائعة فيه كما مر، فإذا امتنع المالك من أدائها لم يكن للمستحقين وإن انحصروا إذا ظفروا بجنسها من ماله الظفر بها؛ لتوقف إجزائها على النية، بل ليس لهم ذلك وإن علموه عزل قدرها ونواهم به
стр. 2052
وَإِذَا جَازَ الْأَخْذُ فَلَهُ كَسْرُ بَابٍ وَنَقْبُ جِدَارٍ لَا يَصِلُ إِلَى المَالِ إلَّا بِهِ، ثُمَّ المَأْخُوذُ مِنْ جِنْسِهِ يَتَمَلَّكُهُ وَمِنْ غَيْرِهِ يَبِيعُهُ، وَقِيلَ يَجِبُ رَفْعُهُ إلَى قَاضٍ يَبِيعُهُ. وَالمَأْخُوذُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ فَيَضْمَنُهُ إنْ تَلِفَ قَبْلَ تَمَلُّكِهِ وَبَيْعِهِ،
; لأنه لا يتعين للزكاة بذلك؛ إذ له الإخراج من غيره (وإذا جاز الأخذ) ظفرا (فله (١) بنفسه لا بوكيله -وإن كان الذي له تافه القيمة أو اختصاصا (٢) - نعم له الاستعانة بوكيل (٣) إن كان عاجزا عن نحو الكسر بالكلية (كسر باب ونقب جدار) للمدين وليس مرهونا ولا مؤجرا مثلا ولا لمحجور عليه وغيرهما مما (لا يصل إلى المال إلا به)؛ لأن من استحق شيئا استحق الوصول إليه، ولا يضمن ما فوته كمتلف مال صائل تعذر دفعه إلا بإتلافه، نعم إن لم يتعد الآخذ كصغير وغائب معذور لم يجز هذا وإن جاز الأخذ (ثم المأخوذ من جنسه) أي جنس حقه إن كان بصفة حق أو أدون منها ملكه بمجد الأخذ، أما إن كان بصفة أعلى فلا بد أن (يتملكه) أي يتموَّله ويتصرف فيه بدلا عن حقه -؛ إذ هو كغير الجنس فيما يأتي فيه- فلا يملكه وإنما يملك ما يشتريه بثمنه بمجرد الشراء، فإذا كان دراهم مكسرة وظفر بصحاح لم يتملكها ولا يبيعها بمكسرة بل بدنانير ثم يشتري بها المكسرة فيملكها بمجرد الشراء، (و) المأخوذ (من غيره) أي الجنس أو منه وهو بصفة أرفع كما تقرر (يبيعه) بنفسه أو مأذونه للغير لا لنفسه اتفاقا، ولا لمحجوره؛ لامتناع تولي الطرفين وللتهمة. هذا إن لم يتيسر علم القاضي به لعدم علمه ولا بينة أو مع أحدهما لكنه يحتاج لمؤنة ومشقة وإلا اشترط إذنه (وقيل يجب رفعه إلى قاض يبيعه) مطلقا; لأنه غير أهل للتصرف في مال غيره بنفسه. ولا يبيعه إلا بنقد البلد، ثم إن كان من جنس حقه تملكه وإلا اشترى جنس حقه لا بصفة أرفع وملكه. (والمأخوذ) من الجنس وغيره (مضمون عليه) أي الآخذ; لأنه أخذه لحظ نفسه (في الأصح فيضمنه) حيث لم يملكه بمجرد أخذه (إن تلف قبل تملكه) أي الجنس (٤) (و) قبل (بيعه) أي غير الجنس، بل
стр. 2053
وَلَا يَأْخُذُ فَوْقَ حَقِّهِ إنْ أَمْكَنَهُ الِاقْتِصَارُ. وَلَهُ أَخْذُ مَالِ غَرِيمِ غَرِيمِهِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ المُدَّعِيَ مَنْ يُخَالِفُ قَوْلُهُ الظَّاهِرَ، وَالمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يُوَافِقُهُ، فَإِذَا أَسْلَمَ زَوْجَانِ قَبْلَ وَطْءٍ فَقَالَ أَسْلَمْنَا مَعًا فَالنِّكَاحُ بَاقٍ، وَقَالَتْ مُرَتَّبًا فَهُوَ مُدَّعٍ
ويضمن ثمنه إن تلف بعد البيع وقبل شراء الجنس به فليبادر بحسب الإمكان، فإن أخر فنقصت قيمته ضمن النقص. ولو نقصت وارتفعت وتلف ضمن الأكثر قبل التملك لمالكه (ولا يأخذ) المستحق (فرق حقه إن أمكن الاقتصار) على قدر حقه؛ لحصول المقصود به، فإن زاد ضمن الزيادة إن أمكن عدم أخذها وإلا كأن كان له مائة فرأى سيفا بمائتين لم يضمن الزائد؛ لعذره. ويقتصر فيما يتجزأ على بيع قدر حقه، وكذا في غيره إن أمكن وإلا باع الجميع ثم يرد الزائد مما مر لمالكه بنحو هبة إن أمكنه وإلا أمسكه إلى أن يمكنه (وله أخذ مال غريم غريمه) -بأن يكون لزيد على عمرو دين ولعمرو على بكر مثله فلزيد أخذ ما له على عمرو من مال بكر وإن رد عمرو إقرار بكر له أو جحد بكر استحقاق زيد على عمرو- والشرط في ذلك أن لا يظفر بمال الغريم وأن يكون غريم الغريم جاحدا ممتنعا أيضا أو مماطلا، ويلزمه أن يعلم الغريم بأخذه حتى لا يأخذ ثانيا وإن أخذ كان هو الظالم، ولا يلزمه إعلام غريم الغريم؛ إذ لا فائدة فيه، ومن ثم لو خشي أن الغريم يأخذ منه ظلما لزمه إعلامه ليظفر من مال الغريم بما يأخذه منه.
[فرع] له استيفاء دين له على آخر جاحد له بشهود دين آخر له عليه قُضِيَ من غير علمهم، وله جحد من جحده إذا كان له على الجاحد مثل ما له عليه أو أكثر منه فيحصل التقاص وإن لم توجد شروطه؛ للضرورة، فإن كان له دون ما للآخر عليه جحد من حقه بقدره. ولو مات مدين فأخذ غريمه دينه من بعض أقاربه ظلما فللمأخوذ منه الرجوع على تركة الميت; لأن له مالا على الظالم وللظالم دين في التركة فيأخذ منها ما له على الظالم كمن ظفر بمال غريم غريمه.
(والأظهر أن المدعي) وشرطه أن يكون معينا معصوما مكلفا أو سكرانا وإن حجر عليه بسفه فيقول ووليي يستحق تسلمه (من يخالف قوله الظاهر) وهو براءة الذمة (والمدعى عليه) وشرطه ما ذكر (من يوافقه) أي الظاهر، فنحو الوديع إذا ادعى الرد يعتبر مدعىً واكتفي منه باليمين؛ لأنهم أثبتوا أيديهم لغرض المالك. ولا يختلف الأظهر ومقابله في أغلب المسائل، وقد يختلفان كما في قوله (فإذا أسلم زوجان قبل وطء فقال) الزوج (أسلمنا معا فالنكاح باق وقالت) الزوجة بل أسلمنا (مرتبا) فلا نكاح (فهو مدع)؛ لأن إسلامهما معا
стр. 2054
وَمَتَى ادَّعَى نَقْدًا اُشْتُرِطَ بَيَانُ جِنْسٍ وَنَوْعٍ وَقَدْرٍ وَصِحَّةٍ وَتَكَسُّرٍ إنِ اخْتَلَفَتْ بِهِمَا قِيمَةٌ، أَوْ عَيْنًا تَنْضَبِطُ كَحَيَوَانٍ وَصَفَهَا بِصِفَةِ السَّلَمِ. وَقِيلَ: يَجِبُ مَعَهَا ذِكْرُ الْقِيمَةَ،
خلاف الظاهر وهي مُدَّعىً عليها؛ لموافقتها الظاهر فتحلف هي ويرتفع النكاح، وفي عكس ذلك لا نكاح أيضا، ويصدق في سقوط المهر بيمينه (ومن ادعى نقدا) خالصا أو مغشوشا أو دينا مثليا أو متقوما (اشترط) فيه لصحة الدعوى وإن كان النقد غالب نقد البلد (بيان جنس ونوع وقدر وصحة) أ (وتكسر) وغيرها من سائر الصفات (إن اختلفت بهما) يعني بكل واحد من المتقابلين ومقابله (قيمة) كألف درهم فضة خالصة أو مغشوشة أشرفية أُطَالِبُهُ بها; لأن شرط الدعوى أن تكون معلومة كما مر وما علم وزنه كالدينار لا يشترط التعرض لوزنه، ولا يشترط ذكر القيمة في المغشوش؛ لأنه مثلي (١). أما إذا لم يختلف بهما قيمة فلا يجب ذكرها إلا في دين السلم.
[تنبيه] لا تسمع دعوى دائن مفلس ثبت فلسه أنه وجد مالا حتى يبين سببه -كإرث واكتساب- وقدره. ومن له غريم غائب لا بد أن يقول لي غريم غائب الغيبة الشرعية ولي بينة تشهد بذلك. ويأتي أن الدعوى إنما تسمع غالبا على من لو أقر بالمُدَّعى به قُبِل. (أو) ادعى (عينا) حاضرة بالبلد يمكن إحضارها بمجلس الحكم أما غيرها فقد مر قبيل القسمة (تنضبط) بالصفات مثلية أو متقومة (كحيوان) وحبوب (وصفها) وجوبا (٢) (بصفة السلم) ; لأنه لا تتميز التميز الكامل إلا بذلك (وقيل يجب معها ذكر القيمة)؛ احتياطا، والمعتمد أنها لا تجب في متقوم ولا مثلي منضبط لما مر (٣)، فإن لم ينضبط بالصفات كجوهرة أو ياقوتة أو جواهر أو يواقيت وجب ذكر القيمة مع جنس ونوع ولون اختلف. ولا تسمع بأن له في ذمته نحو ياقوتة; لأنه لا يثبت فيها، نعم إن ذكر السبب كأسلمت له دينارا في ياقوتة و أطالبه به؛
стр. 2055
فَإِنْ تَلِفَتْ وَهِيَ مُتَقَوِّمَةٌ وَجَبَ ذِكْرُ الْقِيمَةِ
لفساد السلم، أو ادعى إتلافا أو حيلولة وطلب القيمة وقدرها سمعت. ولو وجبت قيمة المغصوب للحيلولة كفى ذكرها وحدها; لأنها الواجبة الآن، ولا بد أن يصرح في مذبوحة وحامل بأن قيمتها مذبوحة أو حاملا كذا. ومر في القضاء على الغائب ما يجب في ذكر العقار (١). والدعوى في مؤجَّر على المستأجر وإن كان لا يخاصم; لأنه بيده الآن دون مؤجِّره (فإن تلفت) العين (وهي متقوِّمة وجب ذكر القيمة) مع الجنس كعبد قيمته كذا; لأنها الواجبة حينئذ بخلاف المثلية لا بد من ذكر صفاتها ليجب مثلها. وقضية ذلك الاكتفاء في المتقومة التالفة بذكر القيمة وحدها، وقد تسمع الدعوى بالمجهول في صور كثيرة كوصية وإقرار (٢) ; لأن المقصود ثبوت الأصل لا غير، ودية وغرة؛ لانضباطهما شرعا، وممر أو مجرى ماء بملك الغير بل يكفي مجرد تحديد ملك الغير إن لم ينحصر حقه في جهة منه -بأن كان يستحق المرور في كافة جوانبها- وإلا وجب بيان قدره، بل قد لا تتصور إلا مجهولة وذلك فيما يتوقف تعيينه على القاضي كفرض مهر ومتعة وحكومة ورضخ ودعوى زوجة أو قريب النفقة؛ لأن نفقة الزوجة يتوقف تقديرها على النظر في إعسار الزوج وغيره وذلك خاص بالقاضي فسمعت على أن منها نحو الأدم وهو غير مقدر؛ لإناطته بالعادة ونظر القاضي، وما ذُكِر في القريب يتصور بمطالبته بنفقته الآن فتسمع دعواه بأنه امتنع من إنفاقي الآن مع احتياجي له. ويشترط للدعوى أيضا كونها ملزمة كما علم مما مر بأن يكون المدعى به لازما فلا تسمع بدين حتى يقول وهو ممتنع من أدائه، ولا بنحو بيع أو هبة أو إقرار حتى يقول وقبضته بإذن الواهب أو أقبضنيه ويلزم البائع أو المقر التسليم إلي، ويزيد المشتري إن لم ينقد الثمن وها هو ذا، أو والثمن مؤجل. ولا برهن -بأن قال هذا ملكي رهنته منه بألف- إلا إن قال وأحضرت الألف فيلزمه تسليم المرهون إلي إذا قبضه. وأن لا يناقضها دعوى أخرى (٣) وليس من ذلك من أثبت إعساره وأنه لا مال له ظاهرا ولا باطنا ثم ادعى على آخر بمال له; لأنه إن أطلقه
стр. 2056
أَوْ نِكَاحًا لَمْ يَكْفِ الْإِطْلَاقُ عَلَى الْأَصَحِّ، بَلْ يَقُولُ نَكَحْتُهَا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ، وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ وَرِضَاهَا إنْ كَانَ يُشْتَرَطُ
فواضح؛ لاحتمال حدوثه وإن أرَّخه بزمن قبل ثبوت الإعسار فلأن المال المنفي فيه ما يجب الأداء منه وهذا ليس كذلك; لأن الفرض أن المدعى عليه منكر، ولا تسمع دعوى دائن ميت على من تحت يده مال للميت مع حضور الوارث فإن غاب أو كان قاصرا والأجنبي مقر به فللحاكم أن يوفيه منه. ولو ادعى ولم يقل سله جواب دعواي أو نحوه جاز للقاضي سؤاله، وله أن يستفصله عن وصف أطلقه لا شرط أهمله بل يلزمه الإعراض عنه حتى يصحح دعواه (١). وليس له سماع الدعوى بعقد أُجْمِع على فساده إلا لنحو رد الثمن. وله سماعها بعقد مختلف فيه ليحكم فيه بما يراه بخلاف الشفعة لا تسمع دعواه إلا فيما يراه; لأنها مجرد دعوى فتبطل برده لها بخلاف العقد الفاسد لا بد من الحكم بإبطاله. وبحث الغزي سماعها فيها إن قال المشتري إن طالبها يعارضني فيما اشتريته بلا حق فيمنعه من معارضته، وحينئذ ليس له الدعوى بها عند من يراها (أو) ادعى رجل ويأتي أن المرأة مثله (نكاحا) في الإسلام (لم يكف الإطلاق على الأصح، بل يقول نكحتها) نكاحا صحيحا (بولي مرشد) -أي عدل- أو سيد يلي نكاحها أو بهما في مبعضة (وشاهدي عدل (٢) ويعينهما (ورضاها إن كان يشترط)؛ لكونها غير مجبرة، وبإذن وليي إن كان سفيها، أو سيدي إن كان عبدا; لأن النكاح فيه حق الله تعالى وحق الآدمي فاحتيط له كالقتل. أما إذا لم يشترط رضاها كمجبرة فلا يتعرض له بل يتعرض لمزوجها من أب أو جد أو لعلمها به إن ادعى عليها. أما نكاح الكفار فيكفي فيه الإقرار ما لم يذكر استمراره بعد الإسلام فيذكر شروط تقرير (٣).
[فرع] ادعت زوجية وذكرت ما مر فأنكر فحلفت ثبتت زوجيتها ووجبت مؤنها وحل له إصابتها ظاهرا; لأن إنكار النكاح ليس بطلاق، لا باطنا إن صَدَقَ في الإنكار.
стр. 2057
فَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَالْأَصَحُّ وُجُوبُ ذِكْرِ الْعَجْزِ عَنْ طَوْلٍ وَخَوْفِ عَنَتٍ، أَوْ عَقْدًا مَالِيًّا كَبَيْعٍ وَهِبَةٍ كَفَى الْإِطْلَاقُ فِي الْأَصَحِّ. وَمَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَيْسَ لَهُ تَحْلِيفُ المُدَّعِي، فَإِنِ ادَّعَى أَدَاءً أَوْ إبْرَاءً أَوْ شِرَاءَ عَيْنٍ أَوْ هِبَتَهَا وَإِقْبَاضَهَا حَلَّفَهُ عَلَى نَفْيِهِ
(فإن كانت) الزوجة (أمة) أي بها رق (فالأصح وجوب ذكر) ما مر مع ذكر إسلامها إن كان مسلما، و (العجز عن طَوْل) أي مهر لحرة (وخوف عنت) وأنه ليس تحته حرة تصلح. ولو أجابت دعواه النكاح بأنها زوجته من منذ سنة فأقام آخر بينة بأنها زوجته من شهر حكم بها للأول; لأنه ثبت بإقرارها نكاحه فما لم يثبت الطلاق لا حكم للنكاح الثاني (أو) ادعى (عقدا ماليا كبيع) ولو سلما (وهبة) ولو لأمة (كفى الإطلاق في الأصح) ; لأنه دون النكاح في الاحتياط، نعم لا بد في كل عقد نكاح أو غيره أريد إثبات صحته من وصفه بالصحة مع ما مر (١).
وإذا كانت الدعوى لميت أو غائب أو محجور عليه تحت نظر الحاكم أو لبيت المال أو على أحد هؤلاء لم يتوجه على القاضي دعوى أصلا ولا على نائبه بل لا بد أن ينصب كبير القضاة مَن يدعي ومَن يُدَّعى عليه عنده أو عند غيره فيما يتعلق بوقف أو مال نحو يتيم أو بيت مال (ومن قامت عليه بينة) بحق (ليس له تحليف المدعي) على استحقاق ما ادعاه; لأنه تكليف حجة بعد حجة فهو كالطعن في الشهود، نعم له تحليف المدين مع البينة بإعساره؛ لجواز أن له مالا باطنا، وكذا لو شهدت له بينة بعين وقالوا لا نعلمه باع ولا وهب فلخصمه تحليفه أنها ما خرجت عن ملكه بوجه، أما المدعى عليه كأن أقام المدعي على المدعى عليه بينة ثم قال لا تحكم عليه حتى تحلفه فتبطل بينته؛ لاعترافه بأنها مما لا يجب الحكم بها، (فإن ادعى) عليه (أداء) له (أو إبراء) منه أو أنه استوفاه (أو شراء عين) منه (أو هبتها وإقباضها) أي أنه وهبه إياها وأقبضها له (حلَّفه) أي مدعي نحو الأداء مقيم البينة عليه (على نفيه) أي الأداء وما بعده؛ لاحتماله. هذا إن ادعى (٢) حدوث شيء من ذلك قبل قيام البينة والحكم أو بينهما
стр. 2058
وَكَذَا لَوِ ادَّعَى عِلْمَهُ بِفِسْقِ شَاهِدِهِ أَوْ كَذِبِهِ فِي الْأَصَحِّ. وَإِذَا اسْتَمْهَلَ لِيَأْتِيَ بِدَافِعٍ أُمْهِلَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَلَوِ ادَّعَى رِقَّ بَالِغٍ فَقَالَ: أَنَا حُرٌّ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ،
ومضي زمن إمكانه وإلا لم يلتفت إليه، ولم يكن المدعي حلف مع شاهده أو يمين الاستظهار وإلا لم يحلف; لأنه قد تعرض في يمينه لاستحقاقه الحق فلا يحلف بعدها على نفي ما ادعاه الخصم. ولا تسمع دعوى إبراء من الدعوى; لأنه باطل، وتقبل دعوى أجير -لم يثبت أنه بغير عَرَفَة يومها بحيث لا يمكنه وصوله إليها عادة- الحجَّ من غير بينة ولا يمين، ومطلقة ثلاثا أنها تحللت من غير بينة ولا يمين أيضا، (وكذا لو ادعى) خصمه عليه (علمه بفسق شاهده) أو نحوه من كل ما يبطل الشهادة (أو كذبه) فإنه يحلف على نفيه (في الأصح) ; لأنه لو أقر به بطلت شهادته له، وسيعلم مما يأتي أن كل ما لو أقر به نفع خصمه لخصمه تحليفه على نفيه، نعم لا يتوجه حلف على شاهد أو قاض ادعى كذبه قطعا وإن كان لو أقر نفعه; لأنه يؤدي إلى فساد عام. ولو نكل عن هذه اليمين حلف المدعى عليه وبطلت الشهادة. ومر في الإقرار أن للمقر تحليف المقر له إذا ادعى أنه إنما أشهد على رسم القبالة. ولو أجاب المدعى عليه بعين بلا أمنعك منها لم يكن له المنع ولم تقبل بينته إلا إذا حلف أنها حين قوله ذلك لم تكن بيده (وإذا استمهل) من قامت عليه البينة (ليأتي بدافع) وفسره -وإلا وجب استفساره إن كان عاميا أو مخالفا لمذهب الحاكم- (أمهل) وجوبا لكن بكفيل وإلا فبالترسيم (١) عليه إن خيف هربه (ثلاثة أيام) ومُكِّن من سفر ليحضره إن لم تزد المدة على الثلاث; لأنها مدة قريبة لا يعظم الضرر فيها. ولو أحضر بعد الثلاث شهود الدافع أو شاهدا واحدا أمهل ثلاثة أخرى للتعديل أو التكميل. ولو عين جهة ولم يأت ببينتها ثم ادعى أخرى عند انقضاء مدة المهلة واستمهل لها لم يمهل، أو أثناءها أمهل بقيتها. (ولو ادعى رق بالغ (٢) عاقل مجهول النسب ولو سكرانا، ولا يشترط كونه رشيدا (٣) (فقال أنا حر) في الأصل ولم يكن قد أقر له بالملك قبل (فالقول قوله) بيمينه (٤) وإن تداولته الأيدي بالبيع وغيره؛ لموافقته الأصل وهو
стр. 2059
أَوْ رِقَّ صَغِيرٍ لَيْسَ فِي يَدِهِ لَمْ تُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، أَوْ فِي يَدِهِ حُكِمَ لَهُ بِهِ إنْ لَمْ يَعْرِفِ اسْتِنَادَهَا إلَى الْتِقَاطٍ. وَلَوِ أَنْكَرَ الصَّغِيرُ وَهُوَ مُمَيِّزٌ فَإِنْكَارُهُ لَغْوٌ، وَقِيلَ كَبَالِغٍ. وَلَا تُسْمَعُ دَعْوَى دَيْنٍ مُؤَجَّلٍ فِي الْأَصَحِّ
الحرية، ومن ثم قدمت بينة الرق على بينة الحرية; لأن الأولى معها زيادة علم بنقلها عن الأصل. أما لو قال أعتقني هو أو غيره فيحتاج للبينة. وإذا ثبتت حريته الأصلية بقوله رجع مشتريه على بائعه بثمنه وإن أقر له بالملك; لأنه بناه على ظاهر اليد، (أو) ادعى (رق صغير) أو مجنون كبير (ليس في يده) وكذبه صاحب اليد (لم تقبل إلا ببينة) أو نحوها كعلم قاض ويمين مردودة; لأن الأصل عدم الملك، (أو في يده) أو يد غيره وصدقه (حكم له به إن) حلف؛ لعظم خطر الحرية، و (لم يعرف استنادها) فيهما (إلى التقاط) ولا أثر لإنكاره إذا بلغ; لأن اليد حجة بخلاف المستندة للالتقاط; لأن اللقيط محكوم بحريته ظاهرا كما مر في بابه، (ولو أنكر الصغير وهو مميز) كونه قنه (فإنكاره لغو) ; لأن عبارته ملغاة (وقيل كبالغ) ; لأنه يعرف نفسه، وكذا لا يؤثر إنكاره بعد كماله; لأنه حكم برقه فلا يرتفع ذلك إلا بحجة. (ولا تسمع دعوى دين مؤجل في الأصح)؛ إذ لا يتعلق بها إلزام ومطالبة في الحال، نعم إن كان بعضه حالا ادعى بكله ليطالبه ببعضه وإن قل ويكون المؤجل تبعا. وتصح الدعوى بقتل خطأ أو شبه عمد على القاتل وإن استلزمت الدية مؤجلة; لأن القصد ثبوت القتل، ومن ثم صحت دعوى عقد بمؤجل قصد بها إثبات أصل العقد. ولو ادعى دينا على معسر وقصد إثباته ليطالبه به إذا أيسر سمعت (١) ; ووجهه أن القصد إثباتُهُ ظاهرا مع كونه مستحقا قبضه حالا بتقدير يساره القريب عادة. ومر أن من شروط الدعوى أن لا ينافيها دعوى أخرى، ومنه أن لا يكذِّب أصله فلو ثبت إقرار رجل بأنه عباسي فادعى ولده أنه حسني لم تسمع دعواه ولا بينته.
[تنبيه] هذه الشروط الثلاثة المعلومة مما سبق -العلم والإلزام وعدم المناقضة- معتبرة في كل دعوى (٢) ويزيد عليها في الدعوى على من لا يحلف ولا يقبل إقراره ((ولي بينة أريد أن أقيمها))، فلو طلق امرأة ثم نكحت آخر فادعى الأول أنه نكحها في عدته لم تسمع دعواه حتى
стр. 2060
فصل
أَصَرَّ المُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى السُّكُوتِ عَنْ جَوَابِ الدَّعْوَى جُعِلَ كَمُنْكِرٍ نَاكِلٍ،
يقول ولي بينة أريد أن أقيمها على أني طلقتها يوم كذا فلم تنقض عدتي، وفي الدعوى لعين بنحو بيع أو هبة على من هي بيده ((واشتريتها أو اتهبتها من فلان وكان يملكها أو وسلمنيها)) ; لأن الظاهر أنه إنما يتصرف فيما يملكه، وفي الدعوى على الوارث بدين ((ومات المدين وخلف تركة تفي بالدين أو بكذا منه وهي بيد هذا وهو يعلم الدين أو لي به بينة)). وتسمع الدعوى في عقد بيع فاسد قطعا لرد الثمن وفي مختلف فيه ليحكم بما يراه كشفعة الجوار كما مر. ولو ادعى عليه ألفا قرضا فقال بل ثمنا مثلا لزمه الألف؛ لاتفاقهما عليها فلم ينظر لاختلافهما في السبب. ولا تبطل دعواه بقوله شهودي فسقة أو مبطلون فله إقامة بينة أخرى والحلف وقول البائع: ((المبيع وقفٌ)) مثلا مسموع كبينته إن لم يصرح حال البيع بملكه وإلا سمعت دعواه لتحليف المشتري أنه باعه وهو ملكه والله أعلم (١).
(فصل) في جواب الدعوى وما يتعلق به
إذا (أصر المدعى عليه على السكوت عن جواب الدعوى) الصحيحة وهو عارف أو جاهل أو حصلت له دهشة ونُبِّه فلم يتنبه. وتنبيهه عند ظهور كون سكوته لذلك واجب، وعرف بذلك بالأولى أن امتناعه عنه كسكوته (جعل كمنكر ناكل) فيما يأتي فيه بقيده وهو أن يحكم القاضي بنكوله أو يقول للمدعي احلف فحينئذ يحلف ولا يُمَكَّن الساكت من الحلف لو أراده، ويسن له تكرير أجبه ثلاثا، وسكوت أخرس عن إشارة مفهمة أو كتابة أحسنها كذلك، ومثله أصم لا يسمع أصلا وهو يفهم الإشارة وإلا فهو كمجنون فالدعوى على وليه حينئذٍ.
[تنبيه] يقع كثيرا أن المدعى عليه يجيب بقوله ((يثبت ما يدعيه)) فتطالب القضاة المدعي بالإثبات لفهمهم أن ذلك جواب صحيح وفيه نظر ظاهر؛ إذ طلب الإثبات لا يستلزم اعترافا ولا إنكارا فتعين أن لا يكتفى منه بذلك بل يلزم بالتصريح بالإنكار أو الإقرار.
стр. 2061
فَإِنِ ادَّعَى عَشَرَةً فَقَالَ لَا تَلْزَمُنِي الْعَشَرَةُ وَلَمْ يَكْفِ حَتَّى يَقُولَ وَلَا بَعْضُهَا، وَكَذَا يَحْلِفُ، فَإِنْ حَلَفَ عَلَى نَفْيِ الْعَشَرَةِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فَنَاكِلٌ فَيَحْلِفُ المُدَّعِي عَلَى اسْتِحْقَاقِ دُونَ الْعَشَرَةِ بِجُزْءٍ وَيَأْخُذُهُ. وَإِذَا ادَّعَى مَالًا مُضَافًا إلَى سَبَبٍ كَأَقْرَضْتكَ كَذَا كَفَاهُ فِي الجَوَابِ لَا تَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا، أَوْ شُفْعَةً كَفَاهُ لَا تَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا، أَوْ لَا تَسْتَحِقُّ تَسْلِيمَ الشِّقْصِ.
(فإن ادعى) عليه (عشرة) مثلا (فقال لا يلزمني العشرة لم يكف) في الجواب (حتى يقول ولا بعضها، وكذا يحلف) إن توجهت اليمين عليه; لأن مدعي العشرة مدِّع بكل جزء منها فلا بد أن يطابق الإنكار واليمين دعواه وإنما يطابقانها إن نفى كل جزء منها (فإن حلف على نفي العشرة واقتصر عليه فناكل) عما دون العشرة (فيحلف المدعي على استحقاق دون عشرة بجزء) وإن قل من غير تجديد دعوى (ويأخذه)؛ لما يأتي أن النكول مع اليمين كالإقرار، نعم إن نكل المدعى عليه عن العشرة وقد اقتصر القاضي في تحليفه على عرض اليمين عليها فقط لم يحلف المدعي على استحقاق ما دونها إلا بعد تجديد دعوى ونكول الخصم; لأنه إنما نكل عنها فلا يكون ناكلا عن بعضها، هذا إن لم يسند المُدَّعَى به لعقد وإلا كأن ادعت أنه نكحها بخمسين وطالبته بها كفاه نفي العقد بها والحلف عليه، فإن نكل لم تحلف هي (١) على أنه نكحها بدون الخمسين؛ لأنه ينافي دعواها أوَّلا وهو النكاح بالخمسين فيجب مهر (٢) المثل. ولو ادعى عليه مالا فأنكر وطلب منه اليمين فقال لا أحلف وأعطي المال لم يلزمه قبوله من غير إقرار، وله تحليفه; لأنه لا يأمن أن يدعي عليه بما دفعه بعد، وكذا لو نكل عن اليمين وأراد المدعي أن يحلف يمين الرد فقال خصمه أنا أبذل المال بلا يمين فيُلْزِمه الحاكم بأن يقر وإلا حلف المدعي. (وإذا ادعى مالا مضافا إلى سبب كأقرضتك كذا كفاه في الجواب لا تستحق) أنت (عليَّ شيئا) أوْ لا يلزمني تسليم شيء إليك (أو) ادعى عليه (شفعة كفاه) في الجواب (لا تستحق علي شيئا (٣) ولا نظر لكون العامة لا يعدون الشفعة مستحقة على المشتري (أوْ لا تستحق تسليم الشقص) ولا يشترط التعرض لنفي تلك الجهة; لأن المدعي
стр. 2062
وَيَحْلِفُ عَلَى حَسَبِ جَوَابِهِ هَذَا، فَإِنْ أَجَابَ بِنَفْيِ السَّبَبِ المَذْكُورِ حَلَفَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ لَهُ حَلِفٌ بِالنَّفْيِ المُطْلَقِ. وَلَوْ كَانَ بِيَدِهِ مَرْهُونٌ أَوْ مُكْرًى وَادَّعَاهُ مَالِكُهُ كَفَاهُ لَا يَلْزَمُنِي تَسْلِيمُهُ،
قد يصدق فيها ولكن عرض ما أسقطها من نحو أداء أو إبراء أو إعسار أو عفو في الثانية فإن نفاها كَذَب وإن أقر بها لم يجد بينة فاقتضت الضرورة قبول إطلاقه، ومر في باب الشفعة كيفية دعواها. وجواب دعوى الوديعة لم تودعني أوْ لا تستحق علي شيئا أو هَلَكَتْ أَوْ دفعتُها دون قوله لم يلزمني دفع أو تسليم شيء إليك; لأنه لا يلزمه ذلك بل التخلية. وجواب دعوى ألف صداقا ((لا يلزمني تسليم شيء إليها)) إن لم يقر بالزوجية وإلا لم يكفه وقُضي عليه بمهر المثل إلا إن ثبت خلافه، وقد شنعوا على جهلة القضاة بمبادرتهم إلى فرض مهر المثل بمجرد عجزها عن حجة بما ادعته والصواب سؤاله فإن ذكر قدرا غير ما ادعته تحالفا، فإن حلفا أو نكلا وجب مهر المثل أو حلف أحدهما فقط قضي له بما ادعاه. ويكفي في جواب دعوى الطلاق أنت زوجتي، والنكاح لست زوجتي ولا يكون طلاقا فلو صَدَّقها سلمت له، ولو أنكر وحلف حل له نحو أختها وليس لها تزوج غيره حتى يطلقها أو يموت وتنقضي عدتها، وينبغي للحاكم أن يرفق به ليقول ((إن كنتُ نكحتُها فهي طالق))، (ويحلف على حسب جوابه هذا)؛ ليتطابق الحلف والجواب (فإن أجاب بنفي السبب المذكور حلف عليه)؛ ليطابق اليمين الجواب، (وقيل: له حلف بالنفي المطلق) كما لو أجاب به ويرده وضوح الفرق، أو بالطلاق فكذلك، ولا يكلف التعرض لنفي السبب فإن تعرض له جاز لكن لو أقام المدعي به بينة لم تسمع بينة المدعى عليه بأداء أو إبراء; لأنه كذبها بنفيه للسبب من أصله. وعُلم مما تقرر أنه لو ادعى دينا وهو مؤجل ولم يذكر الأجل كفى الجواب بلا يلزمني تسليمه الآن ويحلف عليه. ولو ادعى على من حلف ((لا يلزمني تسليم شيء إليك)) بأن حلفك إنما كان لإعسار والآن أيسرت سمعت دعواه ويحلف له ما لم تتكرر دعواه بحيث يظن منه التعنت.
[تنبيه] ما تقرر من الاكتفاء بـ ((لا تستحق عليَّ شيئا)) استثنوا منه مسائل منها: ما إذا أقر بأن جميع ما في داره ملك زوجته ثم مات فأقامت بينة بذلك فقال الوارث هذه الأعيان لم تكن موجودة عند الإقرار فإنه يحلف ((لا أعلم أن هذه ولا شيئا منها كان موجودا في البيت إذ ذاك)) ولا يكفي حلفه على أنها لا تستحقها (ولو كان بيده مرهون أو مكرى وادعاه مالكه كفاه) في الجواب (لا يلزمني تسليمه) ; لأنه جواب مفيد، ولا يلزمه التعرض للملك.
стр. 2063
فَلَوِ اعْتَرَفَ بِالمِلْكِ وَادَّعَى الرَّهْنَ أَوْ الْإِجَارَةَ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا وَخَافَ أَوَّلًا إنِ اعْتَرَفَ بِالمِلْكِ جَحْدَهُ الرَّهْنِ أَوْ الْإِجَارَةِ فَحِيلَتُهُ أَنْ يَقُولَ: إِن ادَّعَيْت مِلْكًا مُطْلَقًا فَلَا يَلْزَمُنِي تَسْلِيمٌ، وَإِنِ ادَّعَيْتَ مَرْهُونًا فَاذْكُرْهُ لِأُجِيبَ. وَإِذَا ادَّعَى عَلَيْهِ عَيْنًا فَقَالَ: لَيْسَ هِيَ لِي، أَوْ هِيَ لِرَجُلٍ لَا أَعْرِفُهُ، أَوْ لِابْنِي الطِّفْلِ، أَوْ وَقْفٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ، أَوْ مَسْجِدِ كَذَا، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا تَنْصَرِفُ الخُصُومَةُ وَلَا تُنْزَعُ الْعَيْنُ مِنْهُ، بَلْ يُحَلِّفُهُ المُدَّعِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ التَّسْلِيمُ إنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ
(فلو اعترف) له (بالملك وادعى الرهن أو الإجارة) وكذبه المدعي (فالصحيح أنه لا يقبل) في دعوى الرهن والإجارة (إلا ببينة) ; لأن الأصل عدمهما (فإن عجز عنها وخاف أوَّلاً (١) إن اعترف بالملك) للمدعي (جَحْدَه) مفعول خاف (الرهنِ أو الإجارةِ فحيلته أن يقول) في الجواب (إن ادعيت ملكا مطلقا فلا يلزمني تسليم) لمدعاك (وإن ادعيت مرهونا) أو مؤجرا عندي (فاذكره لأجيب. وإذا ادعى عليه عينا) عقارا أو منقولا (فقال ليس هي لي أو) أضافها لمن لا تمكن مخاصمته كقوله (هي لرجل لا أعرفه أو لابني الطفل) أو المجنون أو السفيه، سواء أزاد على ذلك أنها ملكه أو وقف عليه أم لا (أو وقف على الفقراء أو مسجد كذا) وهو ناظر عليه (فالأصح أنه لا تنصرف الخصومة) عنه (ولا تنزع العين منه) ; لأن الظاهر أن ما في يده ملكه أو مستحقه وما صدر عنه ليس بمزيل ولم يظهر لغيره استحقاق، نعم لو قال شخص ابتداء من غير سبق دعوى ((بيدي مال لا أعرف مالكه)) تولى القاضي حفظه؛ لوجود قرينة لليد في صورة المتن وهي الصرف عن المخاصمة، (بل يُحَلِّفه المدعي) لا على أنها لنحو ابنه بل على (أنه لا يلزمه التسليم) للعين؛ رجاء أن يقر أو ينكل فيحلف المدعي وتثبت له العين في الأوليين في المتن والبدل للحيلولة في البقية (٢)، وله تحليفه كذلك (إن) كان للمدعي بينة أو (لم تكن) له (بينة) كما سيعلم من كلامه الآتي وفيما إذا كان له بينة وأقامها يقضي له
стр. 2064
وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ لِمُعَيَّنٍ حَاضِرٍ تَمْكِنُ مُخَاصَمَتُهُ وَتَحْلِيفُهُ سُئِلَ، فَإِنْ صَدَّقَهُ صَارَتِ الخُصُومَةُ مَعَهُ، وَإِنْ كَذَّبَهُ تُرِكَ فِي يَدِ المُقِرِّ، وَقِيلَ: يُسَلَّمُ إلَى يَدِ المُدَّعِي، وَقِيلَ يَحْفَظُهُ الحَاكِمُ لِظُهُورِ مَالِكٍ. وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ لِغَائِبٍ فَالْأَصَحُّ انْصِرَافُ الخُصُومَةِ عَنْهُ، وَيُوقَفُ الْأَمْرُ حَتَّى يَقْدَمَ الْغَائِبُ فَإِنْ كَانَ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ قَضَى بِهَا، وَهُوَ قَضَاءٌ عَلَى غَائِبٍ، فَيَحْلِفُ مَعَهَا، وَقِيلَ عَلَى حَاضِرٍ
بها كذا أطلقوه وسيأتي فيه تفصيل (١)، (وإن أقر به) أي المذكور (لمعين حاضر) بالبلد (تمكن مخاصمته وتحليفه) جمع بينهما إيضاحا وإلا فأحدهما مغن عن الآخر؛ لاستلزامه له. ثم التقييد به ليس لإفادة أنه إذا أقر به لمن لا تمكن مخاصمته وهو المحجور لا تنصرف الخصومة عنه بل تنصرف عنه لوليه وإنما هو ليترتب عليه قوله (سئل فإن صدَّقه صارت الخصومة معه)؛ لصيرورة اليد له (وإن كذبه ترك في يد المقر)؛ لما مر في الإقرار، وحينئذ لا تنصرف الخصومة عنه؛ عملا بالظاهر (وقيل يسلم إلى المدعي)؛ إذ لا طالب له سواه (وقيل يحفظه الحاكم لظهور مالك) له، (وإن أقر به لـ) معين (غائب فالأصح انصراف الخصومة عنه و) حينئذ إن لم تكن للمدعي بينة (يوقف الأمر حتى يقدم الغائب) ; لأن المال بظاهر الإقرار للغائب إذ لو قَدِم وصدقه أخذه وصارت الخصومة معه (فإن كان للمدعي بينة) ووجدت شروط القضاء على الغائب (قضى) له (بها) و سلمت له العين (وهو قضاء على غائب فيحلف) المدعي (معها) يمين الاستظهار كما مر; لأن المال صار له بحكم الإقرار (وقيل) بل قضاء (على حاضر) فلا يمين.
[تنبيه] الذي يتجه في الغائب عن البلد لدون مسافة العدوى أنه كالحاضر فإن سهل سؤاله وجب ورتب عليه ما مر وإن لم يسهل وقف الأمر إلى حضوره ولا تسمع عليه حجة إلا لنحو تعزز أو توار. ثم انصراف الخصومة عنه في الصور السابقة والوقف إلى قدوم الغائب إنما هو بالنسبة للعين المدعاة أما بالنسبة لتحليفه فلا؛ إذ للمدعي طلب يمينه أنه لا يلزمه التسليم إليه، فإن نكل حلف المدعي وأخذ بدل العين المدعاة. ولو أقام المدعي بينة بدعواه والمدعى عليه بينة بأنها للغائب عمل ببينته إن ثبتت وكالته وإلا لم تسمع بالنسبة
стр. 2065
لثبوت ملك الغائب. والحاصل أن المُقِر متى زعم أنه وكيل الغائب احتاج في ثبوت الملك للغائب إلى إثبات وكالته وأن العين ملك الغائب، فإن أقامها بالملك فقط لم تسمع إلا لدفع التهمة عنه، وكذا (١) لو ادعى لنفسه حقا فيها كرهن مقبوض وإجارة فتسمع بينته أنها ملك فلان الغائب; لأن حقه لا يثبت إلا إن ثبت ملك الغائب فيثبت ملكه بهذه البينة.
[تنبيهان]
الأول/ قال المدعى عليه هي لي وفي يدي فأقام المدعي بينة وحكم الحاكم له بها ثم بان أنها ليست في يد المدعى عليه فالذي يتجه أنه لا ينفذ إن كان ذو اليد حاضرا وينفذ إن كان غائبا ووجدت شروط القضاء على الغائب.
الثاني/ عُلم مما مر أن من يدعي حقا لغيره وليس وكيلا ولا وليا لا تسمع دعواه، ومحله إن كان يدعي حقا لغيره غير منتقل إليه بخلاف ما إذا كان منتقلا منه إليه، أو كان عينا لمدينه له بها تعلق (٢)، فمن الأول -أي غير المنتقل- ما لو اشترى أمة ثم أراد أن يثبت على بائعه أنه أقر بأنها مغصوبة من فلان بخلاف ما لو ادعى فساد البيع؛ لإقراره قبله بغصبها؛ لأنه هنا يثبت حقا لنفسه هو فساد البيع، وإنما سمعت بينته بإقراره قبل البيع أنها عتيقة; لأنه لا يثبت حقا لآدمي، ومنه (٣) دعوى دائن ميتة أن لها مهرا على زوجها ودعوى زوجة دينا لزوجها فلا تسمعان وإن كان لو ثبت ذلك تعلق به حق الدائن ونفقتها في الثانية. ومن الثاني ما لو اشترى سهما شائعا من ملك وأثبت في غيبة البائع أن ما اشتراه منه هو الذي خصه من تركة أبيه فادعى أخوه أن أبانا وهبني ذلك الملك كله هبة لازمة وأقام بينة بذلك فأقام المشتري شاهدا بأن الأب رجع في الهبة سمعت دعواه وبينته -فيحلف مع شاهده-; لأنه يدعي ملكا لغيره منتقلا منه إليه كالوارث فيما يدعيه لمورثه بخلاف غريم الغريم، ومنه ما لو أقر من له أخ بملك لابنه فلان ثم مات فادعى الأخ أنه الوارث وأن المقر ببنوته وُلِد على
стр. 2066
وَمَا قَبِلَ إقْرَارُ عَبْدٍ بِهِ كَعُقُوبَةٍ فَالدَّعْوَى عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ الجَوَابُ، وَمَا لَا كَأَرْشٍ فَعَلَى السَّيِّدِ.
فصل
تُغَلَّظُ يَمِينُ مُدَّعٍ وَمُدَّعًى عَلَيْهِ فِيمَا لَيْسَ بِمَالٍ، وَلَا يُقْصَدُ بِهِ مَالٌ، وَفِي مَالٍ يَبْلُغُ نِصَابَ زَكَاةٍ،
فراش فلان وأثبت ذلك ثبت نسب المقر به ممن ولد على فراشه وبطل إقرار الميت ببنوته، ومنه ما لو ادعى دارا بيد بكر وأنه اشتراها من زيد المشتري لها من عمرو المشتري لها من بكر فأنكر سمعت بينته بالبيعين (وما قَبِل إقرار عبد) أي قن (به كعقوبة) لآدمي من قود أو حد قذف أو تعزير (فالدعوى عليه وعليه الجواب)؛ ليرتب الحكم على قوله لقصور أثره عليه دون سيده. أما عقوبة لله تعالى فلا تسمع الدعوى بها مطلقا كما مر (وما لا) يقبل إقراره به (كأرش) لعيب وضمان متلف (فعلى السيد) الدعوى به والجواب; لأن متعلقه الرقبة وهي حق السيد دون القن (١) فلا تسمع به عليه ولا يحلف كالمتعلق بذمته; لأنه في معنى المؤجل، نعم الدعوى والجواب على الرقيق في نحو قتل خطأ أو شبه عمد بمحل اللوث مع أنه لا يقبل إقراره به وذلك لتتعلق الدية برقبته إذا أقسم الولي. وقد تكون الدعوى والجواب على كل من الرقيق والسيد كما في نكاحه ونكاح المكاتبة؛ لتوقف ثبوته على إقرارهما.
(فصل) في كيفية الحلف وضابط الحالف وما يتفرع عليه
(تغلظ) ندبا وإن لم يطلبه الخصم بل وإن أسقط (يمين مدع) اليمين المردودة ومع الشاهد (و) يمين (مدعى عليه) إن لم يسبق لأحدهما حلف بنحو طلاق أنه لا يحلف يمينا مغلظة، ويصدق في ذلك من غير يمين; لأنه يلزم من حلفه طلاقه ظاهرا فساوى الثابت بالبينة (فيما ليس بمال ولا يقصد به مال) كنكاح وطلاق وإيلاء ورجعة ولعان وعتق وولاء ووكالة ولو في درهم وسائر ما مر مما لا يثبت برجل وامرأتين، وذلك; لأن اليمين موضوعة للزجر عن التعدي فغلظ مبالغة وتأكيدا للردع فيما هو متأكد في نظر الشرع وهو ما ذكر وما في قوله (وفي مال) أو حقه كخيار وأجل (يبلغ نصاب زكاة) وهو مائتا درهم أو عشرون دينارا، وما عداهما لا بد أن تبلغ قيمته أحدهما، لا في اختصاص ولا فيما دون نصاب أو حقه كأن اختلف متبايعان في ثمن فقال البائع عشرون والمشتري عشرة; لأن التنازع إنما هو في
стр. 2067
وَسَبَقَ بَيَانُ التَّغْلِيظِ فِي اللِّعَانِ. وَيَحْلِفُ عَلَى الْبَتِّ فِي فِعْلِهِ، وَكَذَا فِعْلُ غَيْرِهِ إنْ كَانَ إثْبَاتًا، وَإِنْ كَانَ نَفْيًا فَعَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ، وَلَوِ ادَّعَى دَيْنًا لِمُوَرِّثِهِ فَقَالَ أَبْرَأَنِي حَلَفَ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ بِالْبَرَاءَةِ، وَلَوْ قَالَ جَنَى عَبْدُك عَلَيَّ بِمَا يُوجِبُ كَذَا فَالْأَصَحُّ حَلِفُهُ عَلَى الْبَتِّ
عشرة وذلك; لأنه حقير في نظر الشرع، ولهذا لم تجب فيه مواساة، نعم إن رآه لنحو جراءة الحالف فعله (وسبق بيان التغليظ في اللعان) بالزمان، وكذا المكان في غير نحو مريض وحائض، ويظهر أن يلحق بالمرض سائر أعذار الجماعة وأنَّ التغليظ به حينئذ حرام، نعم التغليظ بحضور جمع أقلهم أربعة وبتكرير اللفظ لا يعتبر هنا، ويسن بزيادة الأسماء والصفات أيضا وهي معروفة. ويسن أن تُقرأ عليه آية آل عمران ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ آل عمران: ٧٧ وأن يوضع المصحف في حجره، ويحلف الذمي بما يعظمه مما نراه نحن لا هو. ولا يجوز التحليف بنحو طلاق أو عتق بل يلزم الإمام عزل من فعله إن لم يكن يعتقده. وقد يختص التغليظ بأحد الجانبين كما إذا ادعى قن على سيده عتقا أو كتابة فأنكره السيد فتغلظ عليه إن بلغت قيمته نصابا، فإن رد اليمين على القن غلظ عليه مطلقا; لأن دعواه ليست بمال (ويحلف على البت) وهو الجزم فيما ليس بفعله ولا فعل غيره كإن طلعت الشمس أو إن كان هذا غرابا فأنت طالق، نعم المودع إذا ادعى الوديع التلف ورد اليمين عليه يحلف على نفي العلم مع أن التلف ليس من فعل أحد، و (في فعله) نفيا أو إثباتا؛ لإحاطته بفعل نفسه أي من شأنه ذلك وإن كان ذلك الفعل وقع منه حال جنونه مثلا (وكذا فعل غيره إن كان إثباتا) كبيع وإتلاف وغصب؛ لسهولة الوقوف عليه. (وإن كان نفيا) غير محصور (فعلى نفي العلم (١) كلا أعلمه فعل كذا ولا أعلمك ابن أبي؛ لعسر الوقوف على العلم به، أما المحصور فيحلف عليه بتَّا، (ولو ادعى دينا لمورثه فقال أبرأني) منه أو استوفاه أو أحال به مثلا (حلف على) البت إن شاء كما مر، أو على (نفي العلم بالبراءة) ; لأنه حلف على نفي فعل الغير. ويشترط هنا وفي كل ما يحلف المنكر فيه على نفي العلم التعرض في الدعوى لكونه يعلم ذلك، (ولو قال جنى عبدك) أي قنك (عليَّ بما يوجب كذا فالأصح حلفه على البت) إن
стр. 2068
قُلْتُ: وَلَوْ قَالَ جَنَتْ بَهِيمَتُك حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ قَطْعًا، وَاَللهُ أَعْلَمُ، وَيَجُوزُ الْبَتُّ بِظَنٍّ مُؤَكَّدٍ يَعْتَمِدُ خَطَّهُ أَوْ خَطَّ أَبِيهِ. وَيُعْتَبَرُ نِيَّةُ الْقَاضِي المُسْتَحْلِفِ،
أنكر; لأن قنه ماله وفعله كفعل نفسه، ولذا سمعت الدعوى عليه. وفي قنٍّ مجنونٍ أو يعتقد وجوب طاعة الآمر يحلف بتا قطعا; لأنه كالبهيمة المذكورة في قوله (قلت: ولو قال جنت بهيمتك) على زرعي مثلا (حلف على البت قطعا، والله أعلم) ; لأنه إنما ضمن لتقصيره في حفظها فهو من فعله، ومن ثم لو كانت بيد من يضمن فعلها كمستأجر ومستعير كانت الدعوى والحلف عليه فقط (ويجوز البت بظن مؤكد يعتمد) ذلك الظن (خطه) إن تذكر وإلا فلا (١) (أو خط أبيه) أو مورثه الموثوق به بحيث يترجح عنده بسببه وقوع ما فيه، وظاهرٌ أن ذكر المورث تصوير فقط فلو رأى بخط موثوق به أنَّ له كذا على فلان أو عنده كذا جاز له اعتماده ليحلف عليه بخلاف ما إذا استوى الأمران، ومن القرائن المجوزة للحلف أيضا نكول خصمه -أي الذي لا يتورع مثله عن اليمين في حال كونه محقا- (ويعتبر) في اليمين موالاة كلماتها عرفا بحيث لا يفصل كلام أجنبي أو سكوت طال، ويعتبر أيضا طلب الخصم لها من القاضي وطلب القاضي لها ممن توجهت عليه و (نية القاضي) أو نائبه أو المحكم أو المنصوب للمظالم وغيرهم من كل من له ولاية التحليف (المستحلف) وعقيدته مجتهدا كان أو مقلدا دون نية الحالف وعقيدته مجتهدا كان أو مقلدا أيضا؛ لخبر مسلم ((اليمين على نية المستحلف)) وحُمِل على الحاكم; لأنه الذي له ولاية الاستحلاف ولأنه لو اعتبرت نية الحالف؛ لضاعت الحقوق. أما لو حلَّفه نحو الغريم ممن ليس له ولاية الاستحلاف أو حلف هو ابتداء فالعبرة بنيته وإن أثم بها إن أبطلت حقا لغيره.
стр. 2069
فَلَوْ وَرَّى أَوْ تَأَوَّلَ خِلَافَهَا أَوِ اسْتَثْنَى بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُهُ الْقَاضِي لَمْ يَدْفَعْ إثْمَ الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ. وَمَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ يَمِينٌ لَوْ أَقَرَّ بِمَطْلُوبِهَا لَزِمَهُ فَأَنْكَرَ حُلِّفَ،
[تنبيه] معنى يعتبر في غير الأخيرة (١) يشترط وفيها (٢) يعتمد (فلو ورَّى (٣) الحالف بالله ولم يظلمه خصمه (أو تأول خلافها) أي اليمين (أو استثنى) أو وصل باللفظ شرطا مثلا (بحيث لا يسمعه القاضي لم يدفع إثم اليمين الفاجرة) وإلا لبطلت فائدة اليمين من أنه يهاب الإقدام عليها خوفا من الله تعالى (٤). أما من حلف بنحو طلاق فتنفعه التورية والتأويل لكن إن لم ير القاضي التحليف به. وأما من ظلمه خصمه في نفس الأمر كأن ادعى على معسر فحلف لا يستحق عليَّ شيئا، أي تسليمه الآن فتنفعه التورية والتأويل; لأن خصمه ظالم إن علم ومخطئ إن جهل، ومعنى التورية قصد مجاز لفظه دون حقيقته كـ ((ما له عندي درهم)) أي حديقة، أو ((قميص)) أي غشاء القلب، أو ((ثوب)) أي رجوع، والتأويل هنا اعتقاد خلاف ظاهر لفظه؛ لشبهة عنده. وخرج بحيث لا يسمع ما إذا سمعه فيعزره ويعيد اليمين. ولو وصل بها كلاما لم يفهمه القاضي منعه وأعادها. (و) ضابط (٥) من تلزمه اليمين في جواب الدعوى أو النكول أنه كل (من توجهت عليه يمين) أي دعوى صحيحة، أو المراد طلبت منه يمين ولو من غير دعوى كطلب قاذف ادُّعِي عليه يمينَ المقذوف أويمين وارثه -أي المقذوف- أنه ما زنى (لو أقر بمطلوبها) أي اليمين أو الدعوى; لأن مؤداهما واحد (لزمه) وحينئذ فإذا ادعى عليه بشيء كذلك (فأنكر) هـ (حلف)؛ للخبر السابق ((واليمين على من أنكر))، ثم إن كلا من الضابطين أغلبيٌّ؛ إذ عقوبة الله تعالى كحد زنا وشرب لا تحليف فيها؛ لامتناع الدعوى بها كما مر، ولو قال أبرأتني عن هذه الدعوى لم يلزمه يمين على نفيه; لأن
стр. 2070
الإبراء من الدعوى لا معنى له. ولو علق طلاقها بفعلها فادعته وأنكر فلا يحلف على نفي العلم بوقوعه بل إن ادعت فرقة حلف على نفيها وإلا فلا. ولو ادعى عليه شفعة فقال إنما اشتريت لابني لم يحلف. ولو ظهر غريم بعد قسمة مال المفلس بين غرمائه فادعى أنهم يعلمون دينه لم يحلفوا (١). ولو ادعت أمة الوطء وأمية الولد فأنكر السيد أصل الوطء لم يحلف. ومر في الزكاة أنه لا يجب على المالك فيها يمين أصلا. ولو ادعى على أبيه أنه بلغ رشيدا وأنه كان يعلم ذلك وطلب يمينه لم يحلف مع أنه لو أقر به انعزل وإن لم يثبت رشد الابن بإقرار أبيه، أو على قاض أنه زوَّجه مجنونة فأنكر لم يحلف مع أنه لو أقر قبل، أو الإمام على الساعي أنه قبض زكاة فأنكر لم يحلف أيضا.
[تنبيه] للوارث والوصي والدائن المطالبة بحقوق الميت إن كانت أعياناً بخلاف الديون، فلو ثبت لزيد دين على عمرو فادعى على خالد أن هذا الذي بيدك لعمرو فقال بل لي لم يحلف؛ لاحتمال رد اليمين على زيد ليحلف فيؤدي لمحذور وهو إثبات ملك الشخص بيمين غيره، ولو قصد زيد إقامة البينة على خالد سمعت. وخرج بلو أقر إلى آخره نائب المالك كوصي ووكيل (٢) فلا يحلف; لأنه لا يقبل إقراره، نعم لو جرى عقد بين وكيلين تحالفا كما مر، وهذا مستثنى أيضا (٣)، وكالوصي فيما ذكر ناظر الوقف فالدعوى على أحد هؤلاء ونحوهم إنما هي لإقامة البينة إذ إقرارهم لا يقبل، ولا يحلفون إن أنكروا -ولو على نفي العلم- إلا أن يكون الوصي وارثا (٤). ولو أوصت غير زوجها فادعى آخر أنه ابن عمها ولا بينة له لم تسمع دعواه على الوصي والزوج; لأنها إنما تسمع غالبا على من لو أقر بالمدعى به قبل وهنا لو صدقه