أَحْمَدُهُ أَبْلَغَ حَمْدٍ وَأَكْمَلَهُ، وَأَزْكَاهُ وَأَشْمَلَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ الْوَاحِدُ الْغَفَّارُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، المُصْطَفَى المُخْتَارُ صلى الله وسلم عَلَيْهِ. وَزَادَهُ فَضْلًا وَشَرَفًا لَدَيْهِ. أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الِاشْتِغَالَ بِالْعِلْمِ مِنْ أَفْضَلِ الطَّاعَاتِ، وَأَوْلَى مَا أُنْفِقَتْ فِيهِ نَفَائِسُ الْأَوْقَاتِ، وَقَدْ أَكْثَرَ أَصْحَابُنَا ﵏ مِنْ التَّصْنِيفِ مِنْ المَبْسُوطَاتِ وَالمُخْتَصَرَاتِ، وَأَتْقَنُ مُخْتَصَرٍ ((المُحَرَّرِ)) لِلْإِمَامِ أَبِي الْقَاسِمِ الرَّافِعِيِّ ﵀ ذِي التَّحْقِيقَاتِ، وَهُوَ كَثِيرُ الْفَوَائِدِ، عُمْدَةٌ فِي تَحْقِيقِ المَذْهَبِ،
ملائكة (أحمدُه) أي أصفه بجميع صفاته (أبلغ حمد) من حيث الإجمال (وأكمله وأزكاه وأشمله، وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد الغفار) أي الستار لذنوب من شاء من عبادة المؤمنين فلا يؤاخذهم بها (وأشهد أن محمدا عبده ورسوله) إلى الإنس والجن والملائكة (١) والجمادات (المصطفى) أي المستخلص من الصفوة (المختار صلى الله وسلم عليه وزاده فضلا وشرفا لديه، أما بعد:) هي سنة في الخطبة (فإن الاشتغالَ بالعلم) أي التفسير والحديث والفقه وآلاتها (من أفضل الطاعات) ففرض عينه أفضل الفروض العينية وأفضلها معرفة الله، وفرض الكفاية منه أفضل فروض الكفايات، ونفله أفضل من بقية النوافل، والمراد أنه أفضل الطاعات و ((من)) زائدة فائدتها الإشارة إلى أن كلاً من العلوم الثلاثة أفضل بقية أفراد أنواعه ومفضول بالنسبة إلى نوع آخر أعلى منه (وأولى) يصح عطفها على أفضل، وكذا من أفضل (٢) (ما أنفقت فيه نفائس الأوقات، وقد أكثر أصحابنا ﵏ من) زائدة (التصنيف) بمعنى التأليف (من المبسوطات) هي ما كثر لفظها ومعناها (والمختصرات) هي ما قل لفظها وكثر معناها، ويرادف الاختصار الإيجاز، (وأتقنُ مختصر المحرر) هو كأسماء الكتب من قبيل عَلَمِ الجنس، وأسماء العلوم من قبيل عَلَمِ الشخص (للإمام) هو من يُقتدى به في الدين (أبي القاسم) ولم تحرم هذه الكنية؛ لأنها وُضعت له واشتهر بها ولم يضعها هو أوّلاً، وأيضا للحاجة كذلك (الرافعي ﵀ ذي التحقيقات) والتحقيق إثبات المسألة بدليلها أو علتها، والتدقيق إثباتها بدليل آخر (وهو كثير الفوائد) وهي ما يُرغب في استفادته (عمدة في تحقيق المذهب).
стр. 37
مُعْتَمَدٌ لِلْمُفْتِي وَغَيْرِهِ مِنْ أُولِي الرَّغَبَاتِ، وَقَدْ الْتَزَمَ مُصَنِّفُهُ ﵀ أَنْ يَنُصَّ عَلَى مَا صَحَّحَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ وَوَفَّى بِمَا الْتَزَمَهُ وَهُوَ مِنْ أَهَمِّ أَوْ أَهَمِّ المَطْلُوبَاتِ لَكِنْ فِي حَجْمِهِ كِبَرٌ يَعْجِزُ عَنْ حِفْظِهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعَصْرِ إلَّا بَعْضَ أَهْلِ الْعِنَايَاتِ، فَرَأَيْت اخْتِصَارَهُ فِي نَحْوِ نِصْفِ حَجْمِهِ، لِيَسْهُلَ حِفْظُهُ مَعَ مَا أَضُمُّهُ إلَيْهِ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى مِنْ النَّفَائِسِ الْمُسْتَجَادَاتِ
أي بيان الأصح وإيضاح المشتبه منه (معتمد للمفتي) أي المجيب في الحوادث بما يستنبطه أو يرجحه (وغيره) وهو المستفيد لنفسه أو لإفادة غيره (من أولي الرغبات).
[تنبيه] يجوز النقل من الكتب المعتمدة ونسبة ما فيها لمؤلفيها وإن لم يتصل سند الناقل بمؤلفيها، نعم النقل من نسخة كتاب لا يجوز إلا إن وثق بصحتها أو تعددت تعددا يغلب على الظن صحتها أو رأى لفظها منتظما وهو خبير فطن يدرك السقط والتحريف، فإن انتفى ذلك قال: ((وجدت كذا)) أو نحوه. والكتب المتقدمة على الشيخين لا يعتمد شيء منها إلا بعد مزيد الفحص والتحري حتى يغلب على الظن أنه المذهب فيتعين سبر كتبهم، هذا كله في حكم لم يتعرض له الشيخان أو أحدهما، وإلا فالمعتمد ما اتفقا عليه أي ما لم يجمع متعقبو كلامهما على أنه سهو، فإن اختلفا فالمصنف فإن وجد للرافعي ترجيح دونه فهو. وكتب الإمام النووي غالبا يقدم منها ما هو مُتَتَبِّع فيه كـ ((التحقيق)) فـ ((المجموع)) فـ ((التنقيح)) ثم ما هو مختصِر فيه كـ ((الروضة)) فـ ((المنهاج))، ونحو فتاواه فـ ((شرح مسلم)) فـ ((تصحيح التنبيه)) و ((نكته)) من أوائل تأليفه فهي مؤخرة عما ذكر وهذا تقريب، وإلا فالواجب في الحقيقة عند تعارض هذه الكتب مراجعة كلام معتمدي المتأخرين واتباع ما رجحوه منها، (وقد التزم مصنفه ﵀ أن ينص على ما صححه معظم الأصحاب) ; لأن الخطأ إلى القليل أقرب منه إلى الكثير، وهذا حيث لا دليل يعضد ما عليه الأقلون وإلا اتبعوا، (ووَفَّى بما التزمه وهو من أهم أو أهمُّ المطلوبات، لكن في حجمه كِبَرٌ يعجز عن حفظه أكثر أهل العصر، إلا بعض أهل العنايات فرأيت اختصاره) مستوعبا لمقاصده بحسب الإمكان أو غالبا (في نحو نِصف حجمه ليسهل حفظه مع ما أضمه إليه إن شاء الله من النفائس المستجادات).
стр. 38
مِنْهَا التَّنْبِيهُ عَلَى قُيُودٍ فِي بَعْضِ المَسَائِلِ هِيَ مِنْ الْأَصْلِ مَحْذُوفَاتٌ، وَمِنْهَا مَوَاضِعُ يَسِيرَةٌ ذَكَرَهَا فِي المُحَرَّرِ عَلَى خِلَافِ المُخْتَارِ فِي المَذْهَبِ كَمَا سَتَرَاهَا إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى وَاضِحَاتٍ، وَمِنْهَا إبْدَالُ مَا كَانَ مِنْ أَلْفَاظِهِ غَرِيبًا، أَوْ مُوهِمًا خِلَافَ الصَّوَابِ بِأَوْضَحَ وَأَخْصَرَ مِنْهُ بِعِبَارَاتٍ جَلِيَّاتٍ، وَمِنْهَا بَيَانُ الْقَوْلَيْنِ وَالْوَجْهَيْنِ وَالطَّرِيقَيْنِ وَالنَّصِّ،
(منها التنبيه على قيود) والقيد ما جئ به لجمع أو منع أو بيان واقع (في بعض المسائل هي من الأصل محذوفات، ومنها مواضع) نحو الخمسين (يسيرة ذكرها في المحرر على خلاف المختار في المذهب كما ستراها إن شاء الله واضحات، ومنها إبدال ما كان من ألفاظه غريبا أو موهما خلاف الصواب) بأن كان معناه المتبادر منه غير مراد أو استوى معنياه فلا يُدرى المراد، وإن كان ذلك اللفظ مما يؤلف فلا يتحد هذا مع الغريب; لأن ذاك فيه عدم إلف ولو بلا إيهام وهذا فيه إيهام ولو مع إلف فبينهما عموم وخصوص من وجه (بأوضح وأخصر منه بعبارات جليّات، ومنها بيان القولين) والأقوال للشافعي ﵁، و الراجح منهما ما تأخر إن عُلم، وإلا فما نص على رجحانه وإلا فما فرَّع عليه وحده وإلا فما قال عن مقابله مدخولٌ أو يلزمه فساد، وإلا فما أفرده في محل أو جواب، وإلا فما وافق مذهب مجتهد؛ لتقويه به، فإن خلا عن ذلك كله فهو لتكافؤ نظريه وهو يدل على سعة العلم ودقة الورع حذراً من ورطة هجوم على ترجيح من غير اتضاح دليل.
[تنبيه] يجوز تقليد أرباب المذاهب الأخرى إن كانوا ممن يجوز تقليدهم ، وعلمنا نسبة القول إليهم ولم يتَّبِع المقلِّد الرُّخص بحيث تنحل ربقة التكليف عنه، وإلا فسق، وبحيث لا يبقى من آثار العمل الأول ما يلزم عليه مع الثاني حقيقة لا يقول بها كل من الإمامين كتقليد الشافعي في مسح بعض الرأس ومالك في طهارة الكلب في صلاة واحدة.
(والوجهين) أو الأوجه للأصحاب خرَّجوها على قواعده أو نصوصه، وقد يشذون عنهما كالمزني وأبي ثور فتنسب لهما ولا تعد وجوها في المذهب (والطريقين) أو الطرق وهي اختلافهم في نقل المذهب؛ فيحكي بعضهم نصين وبعضهم نصوصا وبعضهم بعضها أو مغايرها حقيقة كأوجه بدل أقوال أو عكسه، أو مغايرها باعتبارٍ كتفصيل في مقابلة إطلاق وعكسه (والنص) أي المنصوص للشافعي ﵁، وقد لا يذكره؛ لأنه التزم فقط ذكر نص يقابله
стр. 39
وَمَرَاتِبُ الخِلَافِ فِي جَمِيعِ الحَالَاتِ. فَحَيْثُ أَقُولُ: الْأَظْهَرِ أَوْ المَشْهُورِ فَمِنْ الْقَوْلَيْنِ أَوْ الْأَقْوَالِ، فَإِنْ قَوِيَ الخِلَافُ قُلْت الْأَظْهَرُ وَإِلَّا فَالمَشْهُورُ، وَحَيْثُ أَقُولُ الْأَصَحُّ أَوْ الصَّحِيحُ فَمِنْ الْوَجْهَيْنِ أَوْ الْأَوْجُهِ، فَإِنْ قَوِيَ الخِلَافُ قُلْت: الْأَصَحُّ وَإِلَّا فَالصَّحِيحُ، وَحَيْثُ أَقُولُ: المَذْهَبُ فَمِنْ الطَّرِيقَيْنِ أَوْ الطُّرُقِ، وَحَيْثُ أَقُولُ: النَّصُّ فَهُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ ﵁، وَيَكُونُ هُنَاكَ وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَوْ قَوْلٌ مُخَرَّجٌ،
وجه أو تخريج (ومراتب الخلاف في جميع الحالات)، وقد لا يذكر الخلاف؛ لأنه التزم إن ذكر الخلاف أن يبين مرتبته، (فحيث أقول الأظهر أو المشهور فمن القولين أو الأقوال فإن قوي الخلاف)؛ لقوة مدرك غير الراجح منه بظهور دليله وعدم شذوذه وتكافؤ دليلهما في أصل الظهور، ويمتاز الراجح بأن عليه المعظم أو بكون دليله أوضح، وقد لا يقع تمييز (قلت الأظهر) المشعر بظهور مقابله (وإلا فالمشهور) المشعر بخفاء مقابله (وحيث أقول الأصح أو الصحيح فمن الوجهين أو الأوجه)، ثم إن كانت من واحد فالترجيح بما مر في الأقوال أو من أكثر فهو بترجيح مجتهد آخر، (فإن قوي الخلاف قلت الأصح) المشعر بصحة مقابله أي أن مدركه له حظ من النظر بحيث يحتاج في ردِّه إلى غوص على المعاني الدقيقة والأدلة الخفية بخلاف مقابل الصحيح فيستهجن من أول وهلة. وقد يقع للمصنف أنه في بعض كتبه يعبر بالأظهر وفي بعضها يعبر عن ذلك بالأصح فإن عرف أن الخلاف أقوال أو أوجه فواضح، والأرجح الدال على أنه أقوال; لأن مع قائله زيادة علم بنقله عن الشافعي ﵁ بخلاف نافيه عنه، (وإلا فالصحيح)، ولا يسن مراعاة خلاف مقابله إلا في بعض المسائل التي ظهر لغير المصنف قوة مقابلها، (وحيث أقول المذهب فمن الطريقين أو الطرق)، كأن يحكي بعضٌ القطع أي أنه لا نصَّ سواه وبعضٌ قولا أو وجها أو أكثر، وبعضٌ ذلك أو بعضه أو غيره مطلقا أو باعتبار كما مر، ثم الراجح المعبَّر عنه بالمذهب قد يكون طريق القطع أو موافقها من طريق الخلاف أو مخالفها. (وحيث أقول النص فهو نص الشافعي ﵁ ويكون هناك وجه ضعيف أو قول مخرّج) من نصه في نظير المسألة على حكم مخالف، بأن ينقل بعض أصحابه نص كل إلى الأخرى، فيجتمع في كل منصوص ومخرج، ثم الراجح إما المخرج وإما المنصوص وإما تقرير النصين والفرق وهو الأغلب.
стр. 40
وَحَيْثُ أَقُولُ: الجَدِيدُ فَالْقَدِيمُ خِلَافُهُ، أَوْ الْقَدِيمُ، أَوْ فِي قَوْلٍ قَدِيمٍ فَالجَدِيدُ خِلَافُهُ، وَحَيْثُ أَقُولُ: وَقِيلَ كَذَا فَهُوَ وَجْهٌ ضَعِيفٌ وَالصَّحِيحُ أَوْ الْأَصَحُّ خِلَافُهُ، وَحَيْثُ أَقُولُ: وَفِي قَوْلٍ كَذَا فَالرَّاجِعُ خِلَافُهُ. وَمِنْهَا مَسَائِلُ نَفِيسَةٌ أَضُمُّهَا إلَيْهِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُخَلَّى الْكِتَابُ مِنْهَا أَقُولُ فِي أَوَّلِهَا قُلْت، وَفِي آخِرِهَا، وَاَللهُ أَعْلَمُ وَمَا وَجَدْتَهُ مِنْ زِيَادَةِ لَفْظَةٍ وَنَحْوِهَا عَلَى مَا فِي المُحَرَّرِ فَاعْتَمِدْهَا فَلَا بُدَّ مِنْهَا، وَكَذَا مَا وَجَدْتَهُ مِنْ الْأَذْكَارِ مُخَالِفًا لِمَا فِي المُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ فَاعْتَمِدْهُ فَإِنِّي حَقَّقْتُهُ مِنْ كُتُبِ الحَدِيثِ المُعْتَمَدَةِ، وَقَدْ أُقَدِّمُ بَعْضَ مَسَائِلِ الْفَصْلِ لِمُنَاسَبَةٍ أَوْ اخْتِصَارٍ، وَرُبَّمَا قَدَّمْت فَصْلًا لِلْمُنَاسَبَةِ، وَأَرْجُو إنْ تَمَّ هَذَا المُخْتَصَرُ أَنْ يَكُونَ فِي مَعْنَى الشَّرْحِ لِلْمُحَرَّرِ؛ فَإِنِّي لَا أَحْذِفُ مِنْهُ شَيْئًا مِنْ الْأَحْكَامِ أَصْلًا وَلَا مِنْ الخِلَافِ وَلَوْ كَانَ وَاهِيًا مَعَ مَا أَشَرْت إلَيْهِ مِنْ النَّفَائِسِ
(وحيث أقول الجديد) وهو ما قاله الشافعي بمصر (فالقديم) وهو ما قاله قبل دخولها (١) (خلافه، أو القديم أو في قول قديم فالجديد خلافه، وحيث أقول وقيل كذا فهو وجه ضعيف والصحيح أو الأصح خلافه) والعمل عليه إلا في نحو عشرين، ولو نص في القديم على ما لم ينص عليه في الجديد، وجب اعتماده; لأنه لم يثبت رجوعه عن هذا بخصوصه. (وحيث أقول وفي قول كذا فالراجح خلافه) ولم يبين قوة الخلاف وضعفه فيهما؛ لعدم ظهوره له، (ومنها مسائل) جمع مسألة وهي ما يبرهن على إثبات محموله لموضوعه في العلم (نفيسة أضمها إليه ينبغي أن لا يُخلى الكتاب منها أقول) غالباً (في أوّلها قلت، وفي آخرها والله أعلم، وما وجدتَّه من زيادةِ لفظةٍ ونحوها على ما في المحرر فاعتمدها فلا بد منها، وكذا ما وجدتَّه من الأذكار) وهو شرعا قول سيق لثناء أو دعاء (مخالفا لما في المحرر وغيرِهِ من كتب الفقه فاعتمده فإني حققته من كتب الحديث المعتمدة، وقد أقدم بعض مسائل الفصل لمناسبة أو اختصار، وربّما قدمت فصلا للمناسبة، وأرجو إن تَمَّ هذا المختصر أن يكون في معنى الشرح للمحرر؛ فإني لا أحذف منه شيئا) الشيء ما يصح أن يعلم ويُخبر عنه (من الأحكام) الحكم خطاب الله المتعلق بفعل المكلَّف من حيث أنه مكلف (أصلا، ولا من الخلاف ولو كان واهيا مع ما أشرت إليه من النفائس،
стр. 41
وَقَدْ شَرَعْت فِي جَمْعِ جُزْءٍ لَطِيفٍ عَلَى صُورَةِ الشَّرْحِ لِدَقَائِقِ هَذَا المُخْتَصَرِ، وَمَقْصُودِي بِهِ التَّنْبِيهُ عَلَى الحِكْمَةِ فِي الْعُدُولِ عَنْ عِبَارَةِ المُحَرَّرِ، وَفِي الحَاقِ قَيْدٍ أَوْ حَرْفٍ أَوْ شَرْطٍ لِلْمَسْأَلَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَأَكْثَرَ ذَلِكَ مِنْ الضَّرُورِيَّاتِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا. وَعَلَى اللهِ الْكَرِيمِ اعْتِمَادِي، وَإِلَيْهِ تَفْوِيضِي وَاسْتِنَادِي، وَأَسْأَلُهُ النَّفْعَ بِهِ لِي وَلِسَائِرِ المُسْلِمِينَ وَرِضْوَانَهُ عَنِّي، وَعَنْ أَحِبَّائِي وَجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ.
وقد شرعت في جمع جزء لطيف على صورة الشرح لدقائق) جمع دقيقة وهي ما خفي إدراكه إلا بعد مزيد تأمل (هذا المختصر) من حيث اختصاره لعبارة المحرر (ومقصودي به التنبيه على الحكمة في العدول عن عبارة المحرر وفي إلحاق قيد) هو أعم من الشرط؛ لشموله ما أتى لبيان واقع (أو حرف أو شرط للمسألة، ونحو ذلك) وهو التنبيه على المقاصد وما قد يخفى ومنه بيان شمول عبارته لما لم تشمله عبارة أصله، (وأكثر ذلك من الضروريات التي لابد منها) وقال ((أكثر)) احترازا عن إلحاق الحرف الذي لا يتوقف صحة المعنى عليه (وعلى الله الكريم اعتمادي، وإليه تفويضي واستنادي، وأسأله النفع به لي ولسائر المسلمين ورضوانه عنّي وعن أحبَّائي وجميع المؤمنين)، والإسلام والإيمان متحدان ماصدقا (١) مختلفان مفهوماً.
стр. 42
كتاب الطهارة
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ الفرقان: ٤٨، يُشْتَرَطُ لِرَفْعِ الحَدَثِ وَالنَّجَسِ مَاءٌ مُطْلَقٌ، وَهُوَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ مَاءٍ بِلَا قَيْدٍ
(كتاب الطهارة)
مصدر طَهَر يطهُر لغة الخلوص من الدنس ولو معنوياً، وشرعاً: لها وضعان حقيقي: وهو زوال المنع الناشئ عن الحدث والخبث، ومجازي: وهو الفعل الموضوع لإفادة ذلك أو بعض آثاره، وعلى هذا عُرِّفت بأنها رفع حدث أو إزالة نجس أو ما في معناهما -كالتيمم وطهر السلس- أو على صورتهما -كالغسلة الثانية والطهر المندوب- وافتتح بالآية؛ لتعود بركتها على جميع الكتاب.
(قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ الفرقان: ٤٨)
أي مُطَهِّرا؛ لأنه يفيد التأسيس، وكونه بمعنى مطهراً هو الأصل في فعول، وتندفع إرادة المستعمل؛ لأن القائل به استدل بالمبالغة وهي خلاف الأصل، وتدل الآية أيضاً على اختصاص الطهارة بالماء (يشترط) فلا يجوز ولا يصح إلا الماء (لرفع) وعدل عن الإزالة؛ لأن الرفع مجاز وهو أبلغ من الحقيقة التي هي الإزالة (الحدث) وهو أمر اعتباري قائم بالأعضاء يمنع صحة نحو الصلاة حيث لا مرخِّص، أو المنع المترتب على ذلك (١)، (و) رفع (النجس) وهو مستقذر يمنع صحة الصلاة حيث لا مرخِّص، أو معنى يوصف به المحل الملاقي لعين من ذلك مع رطوبة وهو المراد هنا، وذلك؛ لأن المصنف عبَّر بالرفع وإطلاق الرفع على الأول مجاز، وخرج بالحدث والنجس وما في معناهما وما على صورتهما إزالةُ طيب بدن محرم (ماء مطلق)؛ لأمره تعالى بالتيمم عند فقده والماء ينصرف للمطلق (وهو ما يقع عليه اسم ماء بلا قيد).
стр. 43
فَالمُتَغَيِّرُ بِمُسْتَغْنًى عَنْهُ كَزَعْفَرَانٍ تَغَيُّرًا يَمْنَعُ إطْلَاقَ اسْمِ المَاءِ غَيْرُ طَهُورٍ، وَلَا يَضُرُّ تَغَيُّرٌ لَا يَمْنَعُ الِاسْمَ، وَلَا مُتَغَيِّرٌ بِمُكْثٍ وَطِينٍ وَطُحْلُبٍ، وَمَا فِي مَقَرِّهِ وَمَمَرِّهِ،
لازم -ولو ندىً وبخار طهور المُغْلَى، أو كان زلالاً (١) - بخلاف المتغير بما لا يضر والمقيَّد بغير لازم نحو ماء البئر، (فالمتغير بـ) مخاط طاهر وهو ما لا يمكن فصله (مستغنَىً عنه كزعفران) ومنيٍّ وثمر ساقط وملح جبلي ليس في مقر أو ممر (تغيراً يمنع إطلاق اسم الماء) ولو تقديراً كأن وقع فيه ما يوافقه كمستعمل وقع في ماء قليل، و كماء ورد منقطع الرائحة (٢) فإنه يُقدَّر وسطاً كريح لاذن (٣) ولون عصير (٤) وطعم رمان فإن تغير مع تقدير ذلك ضرَّ وإلا فلا؛ لأنه لما كان لموافقته لا يغير أعتبر بغيره كالحكومة (غير طهور) وإن تغير بما على عضو المتطهر. (ولا يضر تغير لا يمنع الاسم) ولو احتمالا بأن شكّ أهو كثير أم قليل، فإن تحقق التغير الكثير وشُك في زواله ضَرَّ (٥)، (ولا متغير) الميم؛ للتفنن (بِمَُِكث وطين وطحلُب) نابت من الماء أو ألقي فيه ولم يدق، وورق وقع بنفسه وإن تفتت وخالط، أما إن طرح الطحلب بعد دقّه أو الورق ثم تفتت فهو مخالط مضر (وما في مقرّه) ولو مخالطاً كقطران (٦) دُهن به باطن قربة (٧) (وممره) -كأن صنع من نورة فلا يضر وإن فحش التغير؛ لتعذر صون الماء عن ذلك-، ولو وُضِع من هذا المتغير على غيره فغيَّره لم يضر (٨)؛ لأنه طهور فهو كالتغير بالملح المائي.
стр. 44
وَكَذَا مُتَغَيِّرٌ بِمُجَاوِرٍ كَعُودٍ وَدُهْنٍ، أَوْ بِتُرَابٍ طُرِحَ فِيهِ فِي الْأَظْهَرِ. وَيُكْرَهُ المُشَمَّسُ. (وكذا متغير بمجاور) -ولو احتمالا كأن شك فله حكم المجاور- طاهر، ومن المجاور الدخان كالبخور ولو دخان مخالط؛ لأن المشاهَد أنه مجاور (كعودٍ ودُهن) وأما الكتان (١) فإن علم انفصال عين فيه مخالطة سالبة للاسم ضر وإلا فلا (٢)، فإن شك في انفصال عين فيه فإن تجدد له اسم آخر بحيث تُرك الاسم الأول ضر وإلا فلا (أو بتراب) طهور بناءً على أنه مخالط (طرح) لا لتطهير مغلّظ وإلا لم يضر جزماً، ولم يصر طيناً لا يجري بطبعه وإلا أثَّر جزماً (فيه في الأظهر)؛ لأن التغير بالمجاور مجرد تروح، وظاهر المتن أن التراب مجاور وهو الأشهر وقال جمع هو مخالط؛ لإعادة الباء ومع ذلك التغيير به مغتفر تيسيراً، وأصل ذلك اختلافهم في المخالط أهو ما لا يمكن فصله (٣) فخرج التراب أو ما لا يتميّز في رأي العين فدخل وهو المعتمد (٤) أو المعتبر العرف.
(ويكره) تنزيهًا شرعاً وطِبَّاً شديدُ حرٍّ وبردٍ؛ لمنعهما الإسباغ أو للضرر، ومثلهما (المشمَّس)؛ لقوله ﷺ ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك))، وكراهة المكشوف منه أشد، والمشمس: ما أثّرت فيه الشمس بحيث قويت على أن تفصل بحدّتها منه زهومةً، ماءً كان أو مائعا، وشرطه أن يكون بقطر حار وقت الحرِّ، في إناءٍ منطبع -وهو ما يمتد تحت المطرقة ولو بالقوة كبركة في جبل من حديد- غير نقد ومُغَشَّىً به بحيث يمنع انفصال الزهومة (٥) بخلاف نقد غُشِّي بنحو نحاس أو اختلط بما تتولد الزهومة منه فيكره ولو غير غالب، ويُشترط أيضاً أن يستعمل وهو حار -ولو في ثوب لبسه رطبا- في ظاهر أو باطن بدن حي كأبرص يخشى زيادة برصه، ومحل الكراهة حيث لم يظن بقول عدل أو بمعرفة نفسه ضرره له بخصوصه وإلا حرم فيلزم التيمم إن لم يجد غيره، ومحلّه أيضاً ما لم يتعين وإلا بأن لم يجد غيره وقد ضاق الوقت
стр. 45
وَالمُسْتَعْمَلُ فِي فَرْضِ الطَّهَارَةِ. قِيلَ وَنَفْلِهَا غَيْرُ طَهُورٍ فِي الجَدِيدِ، فَإِنْ جُمِعَ فَبَلَغَ قُلَّتَيْنِ فَطَهُورٌ فِي الْأَصَحِّ ....
وجب استعماله، وتنتفي الكراهة أيضاً (١) إن سُخِّن الماء المشمّس بالنار؛ لأنها تذهب الزهومة لقوّتها، بخلافها في الطعام المائع؛ لاختلاطها بأجزائه. ويكره ماء وتراب كلِّ أرض غُضِب عليها (٢) إلا بئر الناقة بثمود، والأولى عدم إزالة النجاسة بماء زمزم (٣)، ويكره الطهر بفضل المرأة.
(والمستعمل في فرض (٤) الطهارة) -أي ما لابد منه في صحَّتِها، ولو من طهر صبيٍّ لم يميز لطواف، أو سلس أو حنفي لم ينو أو كتابية لتحلّ لحليل مسلم يعتقد توقف الحل عليه (٥) أو مجنونة أو ممتنعة غسلها حليلها المسلم (٦) لتحل له- غير طهور، (قيل و) ولو قال أو لكان أوضح (نفلها)، ومنه ماء غسل الرِّجل بعد مسح الخف (غير طهور) أيضا; لأن المدار على تأدي العبادة به ولو مندوبة، ويرد بأنه لا مانع ينتقل إليه حتى يتأثر به (في الجديد، فإن جُمِع) المستعمل (فبلغ قلتين فطهور في الأصح) كالنجس إذا بلغهما بلا تغير وأولى، فعُلم أن الاستعمال لا يثبت إلا مع قِلة الماء، وبعد فصله ولو حكماً كأن جاوز منكب المتوضئ أو ركبته وإن عاد إلى محلّه أو انتقل من يد إلى أخرى، نعم لا يضر في المحدث خرق الهواء مثلاً للماء من الكف إلى الساعد ولا في الجنب انفصاله من نحو الرأس للصدر مما يغلب فيه التقاذف وهو جريان الماء إليه على الاتصال.
[فرع في نية الاغتراف] يصير الماء مستعملا إذا أدخل المحدث يده للغسل عن الحدث أوْ لا بقصدٍ بعد نية الجنب وتثليث وجه المحدث -ما لم يقصد الاقتصار على الأولى وإلا فبعدها- بلا نية اغتراف ولا قصد أخذ الماء لغرض آخر، وكونه مستعملاً إنما هو لغير يده.
стр. 46
وَلَا تَنْجُسُ قُلَّتَا المَاءِ بِمُلَاقَاةِ نَجِسٍ، فَإِنْ غَيَّرَهُ فَنَجِسٌ. فَإِنْ زَالَ تَغَيُّرُهُ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِمَاءٍ طَهُرَ،
ولو انغمس محدث ثُمَّ نوى (١) أو جنب في ماء قليل ارتفع حدثه وما دام لم يخرج له أن يرفع ما يطرأ عليه فيه (٢)، والمراد أن ينغمس ببدنه وليس له أن يغترف ولو بيده وإن نوى اغترافا.
(ولا تنجس قلّتا الماء) ولو احتمالا كأن شك في الماء أبلغهما أم لا (بملاقاة نجس)؛ لخبر ((إذا بلغ الماء قلّتان لم يجنس))، وخرج بقلتا الماء ما لو بلغ قلتين بمائع يوافقه ولم يغيره فرضاً لو قدّر مخالفًا فإنه ينجس بالملاقاة ولكنه يرفع الحدث، لأن الأول دفع والثاني رفع والأول أقوى غالباً، وخرج بغالباً الطلاق فإنه يرفع النكاح و لا يدفعه لحل ارتجاع المطلّقة، فعُلم أن الرفع إزالة موجود والدفع منع التّأثر بما يصلح له لولا ذلك الدافع. ولو كان القلتان في محلّين وبينهما اتصال و بأحدهما نجِسٌ نَجُسُ الآخر إن ضاق ما بينهما و إلا طهر النجس، (فإن غيَّره) ولو يسيراً أو تقديراً كأن وقع فيه موافقه فغيّره بالفرض والتقدير، ثم إن وافقه في الصفات الثلاث قدّرناه مخالفا أشد فيها كلون الحبر وريح المسك وطعم الخل، أو في صفة قدّرناه مخالفاً فيها فقط (فنجس) إجماعاً، ولو نجس بعض القلّتين فإن كثر غير المتغيّر بقي على طهارته و إلا فلا، ولو وقع نجس في ماء كثير متغيرٍ تغيراً لا يضر قدّر زواله فإن غيّره حينئذٍ ضرّ وإلا فلا، ومثله ما لو وقع طاهر في ماء قليلا كان أو كثيراً. (فإن زال تغيره بنفسه) كمكث (أو بماء) ولو متنجساً أو أُخذ منه والباقي كثير بأن كان الإناء منخنقاً (٣) به فزال انخناقه ودخله الريح وقصرّه، أو زال تغيره بمجاور وقع فيه أو بمخالط تروَّح به. أما بالنسبة للتغير التقديري فيطهر بتقدير مدّة لو كان ذلك في الحسي لزال أو صبّ قدر من ماء على ما لو كان حسيّاً لزال تغيّره ويعلم ذلك بمشاهدة مثله (طَهُر)؛ لزوال سبب التنجس، وإنما لم يقدروا حينئذٍ النجس الذي ذهبت أوصافه مخالفاً بأشد الصفات؛ لأن المخالفة كانت موجودة بالفعل ثم أزيلت بخلافها ابتداءً، ولو عاد التغير لم يضر إلا إن بقيت عين النجاسة،
стр. 47
أَوْ بِمِسْكٍ وَزَعْفَرَانٍ فَلَا، وَكَذَا تُرَابٌ وَجِصٌّ فِي الْأَظْهَرِ، وَدُونَهُمَا يَنْجُسُ بِالمُلَاقَاةِ، فَإِنْ بَلَغَهُمَا بِمَاءٍ وَلَا تَغَيُّرَ بِهِ فَطَهُورٌ. فَلَوْ كُوثِرَ بِإِيرَادِ طَهُورٍ فَلَمْ يَبْلُغْهُمَا لَمْ يَطْهُرْ، ....
ومثله ما لو زال بالغسل ريح نحو ثوب متنجس ثم عاد (أو) زال تغير ريحه (بمسك و) لونه بـ (زعفران) وطعمه بخلٍّ مثلاً (فلا)؛ للشك في زوال أو استتار التغيّر، ولذا لو زال الريح والطعم مثلا بنحو زعفران لا طعم له ولا ريح عادت الطهارة، (وكذا تراب وجصّ في الأظهر)؛ للشك أيضا، ولو صفى الماء ولا تغير طهر جزماً. (ودونهما ينجس) إن لم يكن وارداً (بالملاقاة) من نجس غير معفو عنه، ومن اختار مِنَّا مذهب مالك في التسوية نظر للتسهيل و إلا فالأول صريح من حيث الدليل (فإن بلغهما بماء) -شامل للمتنجس أو المتغير أو المستعمل؛ لمطلق العرف بذلك- أو بملحٍ مائيٍّ (ولا تغير به فطهور)، ومن بلوغهما به ما لو كان النجس بحفرة والماء الآخر بحفرة وفتح بينهما حاجز واتسع بحيث يتحرك ما في كلٍّ بتحرك الآخر تحرّكاً عنيفاً ومضى زمن يزول فيه تغير لو كان ولا يشترط زوال كدورة أحدهما، ومثله لو كان المتنجس في كوزٍ (١) واسع بحيث يتحرّك كما مر وكان الكوز ممتلئاً ثم غمس بماء (٢) ومكث بحيث لو كان ما فيه متغيراً أزال تغيره، ولو تلاصقت أحواض أكتفي بتحرك الملاصق الذي يبلغ به قلتان، (فلو كوثر بإيراد) ماء (طهور فلم يبلغهما لم يطهر)؛ لقلته، ولذا فقولهم إن الوارد القليل لا ينجس بملاقاة النجاسة و قولهم إن الإناء يطهر حالاً بإدارة ماء على جوانبه محلهما في وارد على حكميه أو عينية أزال جميع أوصافها بخلاف إن بقي بعضٌ كنقطة دم، ومن صور الوارد فوّار (٣) أصاب النجس أعلاه.
стр. 48
وَقِيلَ طَاهِرٌ لَا طَهُورٌ وَيُسْتَثْنَى مَيْتَةٌ لَا دَمَ لَهَا سَائِلٌ فَلَا تُنَجِّسُ مَائِعًا عَلَى المَشْهُورِ. وَكَذَا فِي قَوْلٍ نَجَسٌ لَا يُدْرِكُهُ طَرْفٌ
(وقيل طاهر لا طهور) كثوب غسل، ورُدّ بأن الثوب زالت نجاسته بما ورد عليه دون الماء.
[تنبيه] لو صُبَّ ماء من أنبوب إناءٍ فيه ماء قليل على سرجين لم يتنجس إلا ملاقي النجاسة ؛ لأنه كالجاري بل أولى و مثل الماء المائع.
(و يستثنى ميتة لا دم لها) أي لجنسها (سائل) عند شقّ عضو منها في حياتها كذباب و سام أبرص لا سلحفاة (١) و ضفدع، ولو شكّ لم يجرح (٢) وله حكم ما لا يسيل (فلا تنجس) بشرط عدم التغير (مائعاً) أو نحو ثوب رطبٍ (على المشهور)؛ لخبر الذباب، وغمسه يؤدي إلى موته فلو نجس لم يأمر به، وقيس بالذباب ما ليس فيه دم متعفّن؛ لاقتضائه خفّة النجاسة، لكن لو طَرح شخصٌ ميتاً من ذلك نَجُس؛ إذ لا حاجة ولو كان الطارح إنسانا غير مميز (٣)، أما لو طرح ماء أو مائعاً فيه النجاسة المعفو عنها على غيره فلا يضر (٤)، ولا يؤثر أيضا ملاقاة الأصابع لها في إخراجها، وأيضاً وضع لحم مدود في قدر الطّبيخ؛ للحاجة (٥)، ولا يضر طرح الحي مطلقاً أو الميتة التي منشؤها منه (٦).
[تنبيه] يمنع غمس الذباب في غير هذه الصورة التي ورد فيها الحديث ؛ لأن فيه تعذيباً بلا حاجة. (و كذا في قول نجس) غير مغلّظ (٧) وليس بفعله (لا يدركه) ولو احتمالاً بأن شك في إدراكه (طرف) معتدل مع فرض مخالفة لون الواقع عليه له، وإن كان في محال ولو اجتمع لكثر (٨)، فلا ينجس رطبا؛ للمشقة أيضاً، والعفو هنا لما من شأنه المشقة ولذا مثّلوه بنقطة خمر مع أنه من شأنه الاحتراز عنه.
стр. 49
قُلْتُ: ذَا الْقَوْلُ أَظْهَرُ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَالجَارِي كَرَاكِدٍ، وَفِي الْقَدِيمِ لَا يَنْجُسُ بِلَا تَغَيُّرٍ،
(قلت: ذا القول أظهر والله اعلم)، ويستثنى أيضا ما على رِجْل الذباب وإن رُؤي، ويسيرٌ عرفا من شعر أو ريش، نعم المركوب يعفى عن كثير شعره، ويسيرٌ من دخّان أو بخار تصَعَّد بنار -وإلا كبخار كنيف (١) وريح دبر رطب فطاهر- ويسير من غبار السرجين (٢)، وما على منفذ غير آدمي بسبب النجاسة الخارجة منه لا غيره ولو من جوفه كقيئه (٣)، وروث ما نشؤه من الماء كسمك، و ذرق طير وقع فيه، وما على فمه، وفم كل مجتر وفم صبي، وكذا ما تلقيه الفئران من الروث في الحياض إذا عمّ الابتلاء به، وشرط ذلك كله: أن لا يغير، وأن يكون من غير مغلّظ، وأن لا يكون بفعله.
[تنبيه] إنما لم تُنَجِّس المستثنيات هنا ملاقيها ونجست المعفوات المذكورة في شروط الصلاة ؛ لأن الضرورة هنا آكد، ويؤيده عدم تأثر ظرف الخمر إن تخللت، ومن المعفو عنه أيضاً ما لو تنجس آدمي أو حيوان طاهر ثم غاب وأمكن عادة طهره فلا ينجس ما مسه؛ لاجتماع احتمال طهره مع أصل طهارة الممسوس فضعف أصل تنجسه، ويؤخذ منه أنه لو أصاب شخصاً من أحد المشتبهين شيء لم ينجسه؛ للشك وهو واضح قبل الاجتهاد، أما لو اجتهد فينجسه ما أصابه من الإناء المظنون نجاسته، و الأقرب انعطاف الحكم على ما أصابه قبل ظن نجاسته بالاجتهاد، وعلى القول بأنه لا أثر له محله إن لم يستعمله و إلا فيلزمه أن يغسله لكي تصحّ صلاته.
(والجاري (٤) وهو ما اندفع في منحدر أو مستو فإن كان أمامه ارتفاع فهو كالراكد (كراكد، وفي القديم لا ينجس بلا تغير)؛ لقوّته، وعلى الجديد فالجريات وإن اتصلت حسّاً هي منفصلة حكماً فكل دفعة بين الحافّتين (٥) -ولو تقديراً- طالبة لما أمامها هاربة مما ورائها، فإن كانت دون القلتين تنجست بالملاقاة و إلا فالمتغيّر فقط، ثم إن جرت النجاسة مع الجرية
стр. 50
وَالْقُلَّتَانِ خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ بَغْدَادِيٍّ تَقْرِيبًا فِي الْأَصَحِّ. وَالتَّغَيُّرُ المُؤَثِّرُ بِطَاهِرٍ أَوْ نَجِسٍ طَعْمٌ، أَوْ لَوْنٌ، أَوْ رِيحٌ،
طهر محلّها بما بعدها وإلا فكل جرية قليلة مرت عليها نجسة حتى يقف الماء (والقلتان) ذراع وربع تقريباً بذراع الآدمي في كل بُعْدٍ ويساوي تقريبا شبرين، و المدور ذراع من سائر الجوانب بذراع الآدمي وذراعان عمقاً بذراع النجار وهو ذراع وربع (خمسمائة رِطل بغدادي) أي قلّتين هجريّتين، وقد قدَّر الشافعي ﵁ القلة منها -أخذا من تقدير شيخه ابن جريج الرائي لها- بقربتين ونصف بقرب الحجاز والواحدة منها غالبا لا تزيد على مائة رطل بغدادي (تقريباً) فلا يضر نقص رطلين فأقل (في الأصح) وقيل تحديد، لكنّ هذا إفراط. (والتغير المؤثر بطاهر أو نجس طعم أو لون أو ريح) ولا يشترط اجتماعها، و لا يؤثر غيرها كحرارة، و لو وُجد في الماء وصف لا يكون إلا لنجاسة لم ينجس؛ لاحتمال أن تغيره تروّح (١)، ولا ينافيه ما لو وقع في الماء الكثير نجس لم يغيره حالاً بل بعد مدّة فإنه يسأل أهل الخبرة -و لو واحداً- فإن جزم أنه منه فينجس وإلا فلا؛ لتحقق الوقوع هنا لا ثَمَّ، وعليه فإن علم في المسألة الأولى أن لا نجاسة ثَم يحتمل تروحه بها أمكن أن يقال بالنجاسة. ولو وقع في ماء كثير نجس وطاهر فتغيّر فإن أحتمل أن التغيّر من أحدهما فقط فله حكمه وإن شك فإن ترتبا في الوقوع وتأخر التغير عنهما أسندناه إلى الثاني، وإن وقعا معا أو مرتّباً ولم يعلم ذلك الترتيب لم يؤثر؛ لأن الأصل طهارة الماء، ولو خالط الطاهرُ النجسَ قبل وقوعهما في الماء تنجّس؛ لأن التغيّر به كالنجس، ولذا قالوا أن دخان النجاسة ودخان المتنجس حكمهما واحد، نعم إن خالط النجس ماء ووضع هذا المختلط في ماء كثير يوافقه فرضنا النجس وحده؛ لأن الماء الثاني من جنس الأول و ماء مثله، أما إذا وقعت النجاسة في مائع ثم في ماء كثير فنفرض الكل؛ لأن الجميع صار نجاسة.
стр. 51
وَلَوِ اشْتَبَهَ مَاءٌ طَاهِرٌ بِنَجِسٍ اجْتَهَدَ وَتَطَهَّرَ بِمَا ظَنَّ طَهَارَتَهُ، وَقِيلَ: إنْ قَدَرَ عَلَى طَاهِرٍ بِيَقِينٍ فَلَا، وَالْأَعْمَى كَبَصِيرٍ فِي الْأَظْهَرِ، أَوْ مَاءٌ وَبَوْلٌ لَمْ يَجْتَهِدْ عَلَى الصَّحِيحِ بَلْ يُخْلَطَانِ ثُمَّ يَتَيَمَّمُ، أَوْ وَمَاءُ وَرْدٍ تَوَضَّأَ بِكُلٍّ مَرَّةً،
(ولو اشتبه) على متأهل للاجتهاد بالنسبة لنحو الصلاة ولو صبيا مميزا (ماء) أو ترابُ أو غيره كثياب (١) لكن لا يعتد فيها بالنسبة لنحو الملك باجتهاد غير المكلف (طاهر) أي طهور (بنجس) أي متنجس، أو بمستعمل (اجتهد) -وإن قلّ عدد الطاهر كواحد في مائة فيجب أن يبحث عن أمارة وجوباً مضيّقاً بضيق الوقت و موسعاً بسعته- إن لم يجد غير المشتبهين ولم يبلغا بالخلط قلتين. فإن ضاق الوقت أتلفهما وتيمم (٢). ويجتهد جوازاً إن وجد طهوراً بيقين (وتَطَهَّر بما ظنّ طهارته) ولا يجوز الهجوم من غير اجتهاد أدَّاه لأمارة و لو بان أنه الطهور كما لو بان خلاف ما أوصله اجتهاده، وللمجتهد تطهير المجنونة وغير المميّز بذلك الماء، (وقيل إن قدر على طاهر) أي طهور آخر غير المشتبهين (بيقين فلا) يجتهد كالقِبلة، ورُدَّ بأنها في جهة واحدة فطلبها من غيرها عبث بخلاف الماء ونحوه، ويندب رعاية هذا الوجه، (والأعمى كبصير) فيما مر (في الأظهر)؛ لقدرته على إدراك النجس بنحو لمس وشم وذوق، وحرمة ذوقها مختصة بغير المشتبه، فإن فَقَد الحواس لم يجتهد جزماً، وإذا تحير الأعمى جاز له التقليد ولو لأعمى أقوي إدراكا منه، ويتيمم فيما إذا تحيّر وفقد -لمشقة كمشقة الجمعة- من يقلّده ولو لاختلاف بصيرين لم يترجّح أحدهما عنده، (أو ماء وبول لم يجتهد على الصحيح)؛ لأن البول لا أصل له في التطهير يرد بالاجتهاد إليه (بل) يتلفان كأن (يخلطان) أو يصبّان أو يصب من أحدهما في الآخر (ثمّ يتيمم) لا العكس، ويفعل ذلك أيضا فيما إذا تحيّر أو اختلف اجتهاده أو تحير أعمى ولم يجد من يقلّده أو وجده وتحير أو اختلف عليه اثنان ولا مرجّح (أو وماء ورد) منقطع الرائحة (توضأ) وجوبا إن لم يجد غيرهما وندبا إن وجده (بكلٍّ مرّة) و لا يجتهد؛ لأنه ليس له أصل في التطهير، ويندب له وضع بعضِ كلٍّ في كفٍّ ثم يغسل بكفيه معاً وجهه من غير خلط؛ لكي يجزم بالنيّة، وفيما إذا اشتبه طهور بمستعمل لا يتوضأ بكل منهما؛ لعدم جزمه بالنية مع قدرته على الاجتهاد إلا إن فعل تلك الكيفية.
стр. 52
وَقِيلَ لَهُ الِاجْتِهَادُ. وَإِذَا اسْتَعْمَلَ مَا ظَنَّهُ أَرَاقَ الْآخَرَ، فَإِنْ تَرَكَهُ وَتَغَيَّرَ ظَنُّهُ لَمْ يَعْمَلْ بِالثَّانِي عَلَى النَّصِّ بَلْ يَتَيَمَّمُ بِلَا إعَادَةٍ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ أَخْبَرَهُ بِتَنَجُّسِهِ مَقْبُولُ الرِّوَايَةِ (وقيل له الاجتهاد) ويُرَدُّ بما تقدّم، نعم له الاجتهاد للشرب، قيل فإن اجتهد جاز له التطهر به (١)، (وإذا استعمل ما ظنه أراق) ندباً (الآخر) -إن لم يحتجه-؛ لئلا يغلط فيستعمله، وتندب الإراقة قبل الاستعمال، (فإن تركه) ولم يبق من الأول شيء لم يجتهد؛ لاشتراط التعدد حقيقة ككمين منفصلين، أما إن بقي من الأول بقيّة فيلزمه إعادة الاجتهاد عند إرادة الوضوء ولو كان الباقي لا يكفيه، فإن وافق الاجتهاد الأول فواضح، (و) إن (تغيّر ظنه لم يعمل بالثاني) ولا بما يترتب عليه كنجاسة أعضائه بوضوئه الأول (على النص)؛ لئلا يُنقض اجتهاد باجتهاد إن غسل جميع ما أصابه الأول، أو يصلي بيقين النجاسة إن لم يغسله، ومقابل النص أنه يجوز له العمل بذلك الاجتهاد الثاني؛ قياسا على القبلة لكنه بعيد; لأن أحد هذين الفسادين لا يأتي في العمل بالثاني فيها لاحتمال الجهة الثانية للصواب كالأولى فلم يلزم عليه نقض اجتهاد أصلا، (بل يتيمم) إن انتقض وضوؤه وإلا كفاه الأول (٢) وإن تغيّر اجتهاده (بلا إعادة (٣) حيث لم يغلب وجود الماء في محل التيمم (في الأصح)؛ لعدم وجود طاهر بيقين، ويُشرط للاجتهاد أن يتأيد بأصل حل المطلوب، فلا يجتهد عند اشتباه خَلٍّ بخمر، وأن يكون للعلامة فيه مجال، ولذا لا يجتهد في صورة اختلاط محرمه كما يأتي، ويشترط للعمل بالاجتهاد ظهور العلامة فلا يُقدِم على أحدهما بمجرّد حدس (ولو أخبر بتنجسه) -أي الماء مثلا- أو استعماله ولو على الإبهام (٤)، أو بطهارته على التعيين سواء كان الخبر بعد الاستعمال أم قبله (مقبول الرواية) -وهو المكلف العدل ولو امرأة وقناً- عن نفسه أو عدل آخر، فلا يكفي إخبار غير مقبول الرواية إلا إن تواتر أو أخبر عن فعله، فمثلا يقبل قوله في شيءٍ أمر بتطهيره: ((إني طهَّرتُه)) لا قوله: ((طهُر)).
стр. 53
وَبَيَّنَ السَّبَبَ، أَوْ كَانَ فَقِيهًا مُوَافِقًا اعْتَمَدَهُ. وَيَحِلُّ اسْتِعْمَالُ كُلِّ إنَاءٍ طَاهِرٍ إلَّا ذَهَبًا وَفِضَّةً فَيَحْرُمُ،
(وبيّن السبب) في تنجسه أو استعماله أو طهره، كولغ هذا الكلب في هذا وقت كذا ولم يعارضه مثله وإلا فإن استويا ثقة أو كثرة أو كان أحدهما أوثق والآخر أكثر (١) سقطا وبقي أصل طهارته (أو كان فقيهاً) أي عارفاً بأحكام الطهارة والنجاسة أو الاستعمال (موافقاً) لاعتقاد المخبِر، أو عارفاً به وإن لم يعتقده (اعتمده) وجوباً وإن لم يبين.
(ويحل استعمال كلِّ إناء طاهر) من حيث كونه طاهراً وإن حرم من جهة أخرى كجلد آدمي غير حربي ومرتد (٢) و كمغصوب، بخلاف النجس فيحرم إلا في ماء كثير أو في شيء جاف والإناء جاف لكن مع الكراهة، والمراد بالنجس ما يشمل المتنجس، وعلة ذلك؛ حرمة التضمّخ بها في البدن والثوب (٣) (إلا ذهباً وفضة) أي إناءً ولو مروداً أو خلالاً، ولو كان بعضه فقط نقداً (فيحرم)؛ للنهي، والعلة العين بشرط ظهور الخيلاء، فيحرم استعماله وإن لم يؤلف كأن استعمل أسفله فيما يصلح له ولو على امرأة أكحلت طفلا لغير حاجة الجلاء (٤)، نعم يجوز الجلوس تحت سقف من ذهب؛ لأنه لا يعد استعمالاً له (٥). ويجوز الاستنجاء بالنقد (٦) إن كان قطعة لم تهيأ ولم تطبع، واتخاذ رأس الإناء منه، بشرط أن لا يسمّى إناء بأن كان صفيحةً لا تصلح عرفاً لشيء مما تصلح له الآنية (٧)، ومع ذلك يحرم (٨) وضع شيء عليه
стр. 54
وَكَذَا اتِّخَاذُهُ فِي الْأَصَحِّ. وَيَحِلُّ المُمَوَّهُ فِي الْأَصَحِّ، وَالنَّفِيسُ كَيَاقُوتٍ فِي الْأَظْهَرِ
للأكل منه؛ لأنه إناء بالنسبة للأكل كالخلال، ولو صَدِي ظاهر إناءٍ وباطنه أو غُشّي بغيره -وإن لم يحصل من التغشية شيء (١) - حلّ استعماله، والمدار هنا على الاستعمال العرفي، ولذا يحرم احتواء وشمّ رائحة مجمرةُ نقدٍ قريبة بخلاف البعيدة، ويحرم تبخير الميت بها، ولا يحرم الشّرب من ميزاب الكعبة ولو بفمه (٢)، وليس من الإناء سلسلة الإناء وحلقته ولا غطاء الكوز -وهو غير الرأس-؛ لأنه منفصل عن الإناء، وأيضاً صفيحة فيها بيوت للكيزان (٣) ومحله حيث لم يكن شيء من ذلك على هيئة إناء وإلا حرم، ومن الحيل المبيحة للاستعمال صبّ ما فيه في شيء ثم استعماله لكن مع حرمة الوضع والاتخاذ.
[تنبيه] محلّ النظر لكونه يسمّى إناء بالنسبة للفضة، أما الذهب فيحرم منه نحو السلسلة مطلقاً .
(وكذا اتخاذه) أي اقتناؤه (في الأصح)؛ لأنه يجّر لاستعماله غالبا؛ لميل النفس الشديد إليه بخلاف الحرير (ويحل المموَّه) المطلي منهما بغيرهما مطلقاً (٤)، والمطلي من غيرهما بهما حيث لم يتحصل يقيناً منه شي بالعرض على النار لا إن تحصّل بعلاج نادر (في الأصح)؛ لانتفاء العين فإن حصل حرم. والكلام في استدامته أما فعل التمويه فحرام؛ لأنه إضاعة مال فلا أجرة لصانعه ولا أرش على مزيله، والكعبة وغيرها سواء في ذلك، نعم فعل التمويه يجوز في آلة الحرب وإن حصل منها شيء بالعرض على النار (٥)، وليس من التمويه التحلية وهي لصق قطع النقد في جوانب الإناء؛ لإمكان فصلها من غير نقص، نعم حكمها (٦) في الآنية أنها كالضبة لزينة، أما في آلة الحرب فكالضبة لحاجة. (و) يحل مع الكراهة (النفيس كياقوت في الأظهر)؛ لأنه لا يعرفه إلا الخواص، نعم فَصُّ الخاتم يحلّ جزماً.
стр. 55
وَمَا ضُبِّبَ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ ضَبَّةً كَبِيرَةً لِزِينَةٍ حَرُمَ، أَوْ صَغِيرَةً بِقَدْرِ الحَاجَةِ فَلَا، أَوْ صَغِيرَةً لِزِينَةٍ، أَوْ كَبِيرَةً لِحَاجَةٍ جَازَ فِي الْأَصَحِّ، وَضَبَّةُ مَوْضِعِ الِاسْتِعْمَالِ كَغَيْرِهِ فِي الْأَصَحِّ. قُلْتُ: المَذْهَبُ تَحْرِيمُ ضَبَّةِ الذَّهَبِ مُطْلَقًا، وَاَللهُ أَعْلَمُ.
(وما ضبب) وأصل الضبّة حديث انكسار قدح النبي ﷺ المشهور (بذهب أو فضّة ضبة كبيرة) عرفاً (لزينة) ولو كان بعضها لزينة وبعضها لحاجة ولم يتميز الذي للزينة (١) -فإن تميز فصَّلنا في حكمه بين الصغر والكبر- (حرُم) استعماله، نعم إن شك في كبره فالأصل الإباحة (أو صغيرة بقدر الحاجة) أي غرض الإصلاح (فلا) يكره ولا يحرم، (أو صغيرة لزينة أو كبيرة لحاجة جاز) مع الكراهة (٢) فيهما (في الأصح)؛ لوجود الصغر الواقع في محل المسامحة وللحاجة، نعم الضبّة المموهة بنقد يتحصل كالمتمحضة منه، (وضبة موضع الاستعمال) بنحو شرب (كغيره في الأصح) ولو تعددت ضبات صغيرات لزينة فإن لم يحصل من مجموعها ضبة كبيرة جازت و إلا فتحرم؛ للخيلاء.
(قلت: المذهب تحريم) إناء (ضبة الذّهب مطلقاً)؛ لأن الخيلاء فيه أشدّ كضبة الفضّة إذا عمّت (٣)، ومنه ما اعتيد في مرآة العيون، ولذا لو فقدت الآنية غير الذهب والفضة تعيّنت الفضّة (والله أعلم).
стр. 56
بابُ أسبابِ الحدثِ
هِيَ أَرْبَعَةٌ: أَحَدُهَا: خُرُوجُ شَيْءٍ مِنْ قُبُلِهِ، أَوْ دُبُرِهِ إلَّا المَنِيَّ،
بابُ أسبابِ الحدثِ (١)
إنما قدمت الأسباب على الوضوء؛ لأنها متقدّمة طبعاً فكان الأنسب تقديمها وضعاً (هي أربعة) لا غير، ولم ينقض ما عداها؛ لأنه لم يثبت فيه شيء كأكل لحم جزور على ما قالوه، وكخروج نحو قيء ومس أمرد حسن أو فرج بهيمة وقهقهة مصلٍّ وانقضاء مدة مسح الخف والبلوغ بالسن والردة وإنما أبطلت التيمم؛ لضعفه، ونحو شفاء السلس لا يرد؛ لأن حدثه لم يرتفع.
(أحدها خروج شيء) -؛ للنص على الغائط والبول والمذي وقيس غيرها- ولو عوداً أو رأس دودة وإن عادت ولا يضرّ إدخاله، وإنما امتنعت الصلاة؛ لحمله متصلاً بنجس (من قُبُلِهِ) أي الحي الواضح ولو ريحاً وإن تعدد القبل، نعم لما تحققت زيادته أو احتملت حكم منفتح تحت المعدة، ومن الناقض بللٌ رآه على قبله ولم يحتمل كونه من خارج، ومنه وصول نحو مذيّها لما يجب غسله في الجنابة وإن لم يخرج إلى الظاهر، ومنه أيضاً خروج رطوبة فرجها إذا كان من وراء ما يجب غسله يقيناً، أما المشكل فلا بدّ من خروجه من فرجيه (أو دبره) ومنه إذا كان الباسور داخل الدبر فخرج منه دمّ، وكالباسور نفسه إذا كان نابتاً داخل الدّبر فخرج أو زاد خروجه، وكمقعدة المزحور إذا خرجت فلو توضّأ حال خروجها ثمّ أدخلها لم ينتقض وإن خرج منها شيءٌ، (إلا المني) أي مني المتوضئ -ولو امرأة- وحده الخارج منه أوّلاً فلا نقض به؛ لأنه أوجب أعظم الأمرين بخصوص كونه منيّاً فلا يوجب أدونهما بعموم كونه خارجاً، أما لو خرج منه مني غيره أو نفسه بعد استدخاله فينقض. ويصح غسله وإن لم يتوضّأ. وإنما نقض الحيض والنفاس؛ لأن حكمها أغلظ (٢)، ونقضت المضغة؛ لاختلاطها
стр. 57
وَلَوِ انْسَدَّ مَخْرَجُهُ وَانْفَتَحَ تَحْتَ مَعِدَتِهِ فَخَرَجَ المُعْتَادُ نَقَضَ وَكَذَا نَادِرٌ كَدُودٍ فِي الْأَظْهَرِ، أَوْ فَوْقَهَا، وَهُوَ مُنْسَدٌّ، أَوْ تَحْتَهَا وَهُوَ مُنْفَتِحٌ فَلَا فِي الْأَظْهَرِ.
الثَّانِي: زَوَالُ الْعَقْلِ. إلَّا نَوْمَ مُمَكِّنٍ مَقْعَدَهُ
بمنيّ الرجل (١). (ولو) خُلق منسد الفرجين نقض خارجه من أي محلٍّ كان ولو الفم (٢)، أو أحدهما نقض المناسب له (٣) كأن انسدّ قبله فخرج بول، أو المناسب لهما كدمّ لا غير، ثَمَّ إن للأصلي المنسد له أحكامَه الأخرى (٤) فينقض مسّه ويجب الغسل والحدّ بإيلاجه والإيلاج فيه وغير ذلك، أما المنفتح الناقض فلا يثبت له إلا النقض (٥) لذا فلو نام ممكن المنفتح من الأرض لم ينقض وضوؤه هنا وفيما يأتي. ثمّ إن طرأ الانسداد فإن (انسد مخرجه) المعتاد (وانفتح) مخرج (تحت مَعِدته (٦) فخرج المعتاد نقض، وكذا نادر كدود) ومنه الدم، كذا والريح هذا (في الأظهر، أو) انفتح (فوقها) أو فيها، أو محاذياً لها (وهو) أي الأصلي (منسد) انسداداً طارئاً فلا ينقض؛ لشبهه بالقيء، (أو) انفتح (تحتها وهو منفتح فلا) ينقض (في الأظهر)؛ إذ لا ضرورة لجعله ناقضا مع انفتاح الأصلي (٧).
(الثاني زوال العقل) أي التمييز بجنون أو إغماء أو نحو سكر -ولو ممكناً- إجماعاً، أو نوم؛ لخبر (( .. فمن نام فليتوضّأ)) (إلا نوم) قاعد (ممكن مقعده) أي ألييه من مقرّه ولو دابة سائرة، وإن احتبى، وليس بين بعض مقعده ومقرّه تجافٍ؛ لخبر أبي داود ((أن الصحابة كانوا ينامون حتّى تخفق رؤوسهم الأرض))، ولو أخبر نائماً غيرَ ممكن معصومٌ بأنه لم يخرج منه شيءٌ انتقض وضوؤه أيضاً؛ لأن الزّوال هنا نفسه سبب لخروج شيء من الدبر غالباً وما نيط بالمظنّة لا فرق بين وجوده وعدمه. وخرج بالقاعد الممكن غيره كالنائم على قفاه وإن الصق مقعده
стр. 58
الثَّالِثُ: الْتِقَاءُ بَشَرَتَيْ الرَّجُلِ وَالمَرْأَةِ إلَّا مَحْرَمًا فِي الْأَظْهَرِ، وَالمَلْمُوسُ كَلَامِسٍ فِي الْأَظْهَرِ، وَلَا تَنْقُضُ صَغِيرَةٌ وَشَعَرٌ، وَسِنٌّ وَظُفْرٌ فِي الْأَصَحِّ
بمقرّه، وبالنوم النعاس وأوائل نشأة السكر؛ لبقاء نوع تمييز، ولو شكّ هل نام أو نعس؟ أو هل كان ممكناً أوْ لا؟ لم ينتقض، أما الرؤيا فإن تذكّرها مع عدم تذكّر نوم فلا أثر لها بخلافه مع الشكّ فيه، ولا تنتقض الأنبياء به؛ لأن قلوبهم يقضه وقصّة الوادي محتملة.
(الثالث التقاء بشرتي الرّجل) -ولو صبيّاً وممسوحاً- (والمرأة) أي الذكر والأنثى الواضحان المشتهان طبعا يقينا لذوي الطباع السليمة، وإن كان أحدهما مكرهاً أو ميتاً لكن لا ينتقض وضوء الميت، أما الجنّي فلا نقض به (١). والأصل فيه قوله تعالى ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ النساء: ٤٣ أي لمستم والجماع خلاف الظاهر، وغمزه ﷺ رجل عائشة وهو يصلّي يحتمل الحائل، أما معنى اللمس فهو الجسّ باليّد، ونَقَضَ لمظنّة اللذّة والشهوة التي لا تليق بالمتطهر وقيس باليد غيرها، وأُلحق بالبشرة لحم الأسنان و اللسان لا باطن العين؛ لإناطة الحكم باللذّة في الجميع وباطن العين يلتذ بنظره فقط دون مسّه كالشّعر (إلا محرماً) ولو احتمالاً كأن اختلطت بعدد غير محصور فلا ينقض لمسه ولو بشهوة (في الأظهر)؛ لأنه ليس مظنة الشهوة، وإنما نقضت المجوسيّة؛ لأن تحريمها لعارض يزول، وعُلم من الالتقاء عدم نقض المسّ بحائل ولو رقيقاً كغبار مجمّد يمكن فصله من غير خشية مبيح تيمم وإلا فهو ناقض، نعم العرق ينقض إذا صار كالجزء من الجلد، (والملموس كلامس في الأظهر)؛ لاشتراكهما في مظنة اللذة، (ولا تنقض صغيرة) وصغير لا يشتهيان (وشعر وسنٌّ) ويلحق به كلّّ عظم ظهر (٢) بل هو أولى؛ للذة النظر في السّن (وظفر في الأصح)؛ لانتفاء لذّة اللمس، ولا ينقض جزء منفصل وإن التصق بحرارة الدم أو نما وسرى أليه الدمّ وذلك؛ لوجوب فصله بل وإن لم يجب فصله لخشية محذور تيمم؛ لأنه لو زال المحذور فُصِلَ، نعم إن كان الذي عادت إليه الحياة فوق النصف نقض (٣). ولا ينقض ما شكّ في نحو أنوثته أو خنوثته إن قرب الاحتمال عادة، ويسنّ الوضوء
стр. 59
الرَّابِعُ: مَسُّ قُبُلِ الْآدَمِيِّ بِبَطْنِ الْكَفِّ، وَكَذَا فِي الجَدِيدِ حَلْقَةُ دُبُرِهِ لَا فَرْجُ بَهِيمَةٍ، وَيَنْقُضُ فَرْجُ المَيِّتِ وَالصَّغِيرِ، وَمَحَلُّ الجَبِّ، وَالذَّكَرُ الْأَشَلُّ وَبِالْيَدِ الشَّلَّاءِ فِي الْأَصَحِّ، وَلَا يَنْقُضُ رُؤُوسُ الْأَصَابِعِ وَمَا بَيْنَهَا
من كل ما قيل أنه ناقض كلمس الأمرد.
[تنبيه] لو أخبره عدل بنحو ناقض اعتمده ؛ لأن هذا الظنّ أقامه الشارع مقام العلم.
(الرابع مسُّ) الواضح والخنثى (قبل) أو جزء قبل (الآدمي) الواضح ومشتبها به (١)، وكذا زائد عَمِل أو كان على سنن الأصلي، وينقض من الفرج فقط ملتقى شفريه المحيطين (٢) بالمنفذ إحاطة الشفّتين بالفم (٣)، وينقض الذّكر حتى قلفته المتّصلة. وإن أُبين بعض القبل وبقي اسمه نقض كدبر قُوِّر (٤) (بـ) جزء من (بطن الكفّ) الأصلية والمشتبهة بها، ومثلهما الزائدة من كفٍ أو إصبع إن عملت أو سامتت الأصلية (٥) بأن كانت الكف على معصمها والإصبع على كفّها وسامتاهما، والعبرة في العمل والمسامتة بوقت المس، ودليل النقض خبر ((إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه وليس بينهما سترٌ ولا حجاب فليتوضأ)) والإفضاء المس ببطن الراحتين وبطن الأصابع والمنحرف إليهما عند انطباقهما مع يسير تحامل، وفرج غيره تشمله رواية ((من مسَّ ذَكَراً))، وخبر النقض أحوط من خبر عدم النقض.
[تنبيه] إنما لم ينقض أحد فرجي الخنثى؛ لأن كلاً منهما لا يصدق عليه وحده أنه فرج رجل أو أنثى فلم يؤثّر الشّبه الصوري فيه، (وكذا في الجديد حلْقة) وهي ملتقى المنفذ (دبره) كالقبل؛ لأن كلاً ينقض خارجه (لا فرجُ بهيمةٍ)؛ لعدم اشتهائه طبعاً ومن البهيمة الطيّر، (وينقض فرج الميت والصّغير) لصدق الاسم (ومحلّ الجبّ)؛ لأنه أصل الذّكر أو الفرج (والذّكر) والفرج (الأشل وباليد الشلاء في الأصح)؛ لشمول الاسم، (و لا تنقض رؤوس الأصابع وما بينها) وحرفها وحرف الكف؛ لخبر الإفضاء مع أنها ليست مظنّة اللذة.
стр. 60
وَيَحْرُمُ بِالحَدَثِ الصَّلَاةُ وَالطَّوَافُ، وَحَمْلُ المُِصْحَفِ، وَمَسُّ وَرَقِهِ، وَكَذَا جِلْدُهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَخَرِيطَةٌ، وَصَُنْدُوقٌ فِيهِمَا مُصْحَفٌ، وَمَا كُتِبَ لِدَرْسِ قُرْآنٍ كَلَوْحٍ فِي الْأَصَحِّ،
(ويحرم) على غير فاقد الطّهورين ونحو السلس (بالحدث الصّلاة) إجماعاً، ومثلها صلاة الجنازة وسجود التلاوة والشّكر وخطبة الجمعة (والطّواف)؛ لحديث ((الطواف بمنزلة الصّلاة)) (وَحَمْل المُِصحف) وخرج به ما نُسخت تلاوته والكتب السابقة (ومَسُّ ورقِهِ) ولو البياض؛ لخبر ((لا يمس القرآن إلا طاهر)) والحمل أبلغ من المس، (وكذا جلده) المتصل به (١) يحرم مسّه ولو بشعرةٍ (على الصّحيح)؛ لأنه كالجزء منه، ولذا لو جُلِّد المصحف مع غيره حرم مس الجلد الجامع لهما من سائر جهاته (٢)؛ لتغليب المصحف كما غُلّب على التفسير في حالة الاستواء، ولا يشترط للحرمة كون الجلد مُعدّاً له. ويلزم عاجزاً عن طهر -ولو تيمماً- حملُهُ أو توسده إن خاف عليه نحو غرق أو حَرْق أو كافر أو تنجّس ولم يجد أميناً يودعه إيّاه، فإن خاف ضياعه جاز الحمل لا التوسّد؛ لأنه أقبح. ويحرم توسد كتاب علم محترم لم يخش نحو سرقته (وخريطة وصَُندوق) ككرسي وضع عليه (٣) (فيهما مصحف) وقد أُعدّا له وحده؛ لأنهما حينئذ كالجلد ولو لم تكن ثمّ مناسبة بين حجمهما وحجم المصحف، (وما كُتِبَ لدرس قرآن) فيحرم المس والحمل بخلاف قصد غيره كتبرّك، أو شُكَّ في قصده فيحلّ؛ لأن الأصل عدم الحرمة (٤)، أما إن لم يقصد شيئاً فينظر للقرينة (كلوحٍ في الأصح) ولو بعض آية بشرط كونه جملة مفيدة، ويعتبر قصدُ الدّراسة والتبرك حين الكتابة فقط وقصدُ الكاتب لنفسه أو لغيره تبرّعاً وإلا فآمره أو مستأجره، ومحل هذا فيما لا يسمى مصحفاً أما ما يسمّاه عرفاً فلا عبرة فيه بقصد دراسة ولا تبرّك.
стр. 61
وَالْأَصَحُّ حِلُّ حَمْلِهِ فِي أَمْتِعَةٍ، وَتَفْسِيرٍ، وَدَنَانِيرَ لَا قَلْبِ وَرَقِهِ بِعُودٍ فِي الْأَصَحِّ، وَأَنَّ الصَّبِيَّ المُحْدِثَ لَا يُمْنَعُ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ حِلُّ قَلْبِ وَرَقِهِ بِعُودٍ وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ، وَاَللهُ أَعْلَمُ
(والأصح حل حمله) مع الكراهة (في) أي مع (أمتعة) بل متاع ومثله حمل حامله (١) أو ربط متاع معه، والشرط في الكلّ قصد المتاع فقط؛ لأن المصحف تابع حينئذٍ، فإن أطلق حرم (٢) قياس استواء قرآن وتفسير، وإن قصد المصحف فقط حرم كذلك (٣)، ولو قصدهما فالقياس الحرمة (٤). والمس هنا كالحمل فلو وضع يده فأصاب بعضها المصحف وبعضها غيره تأتى فبه التفصيل المذكور، (و) يحلّ حمله ومسّه (٥) في نحو ثوب كُتِب عليه و (تفسير (٦) أكثر منه مع الكراهة؛ لأن نحو التفسير حينئذ هو المقصود، بخلاف ما لو كان التفسير أقل أو مساوٍ للقرآن المقصود حينئذٍ، والعبرة في القلّة والكثرة بالحروف المرسومة؛ لأن المدار هنا على المحمول، وعليه فيعتبر العدّ في القرآن برسمه بالنسبة لخط المصحف الإمام؛ لأن رسمه لا يقاس عليه، ويعتبر في التفسير رسمه على قواعد علم الخطّ؛ لعدم ورود شيء فيه فرجعنا إلى قواعد أهله. ولو شكّ كونه أكثر أو مساوٍ حَلَّ؛ لعدم تحقق المانع (٧) (ودنانير) عليها قرآن؛ لأنه لم يقصد للدراسة والحفظ، ولذا حلّ أكل طعام وهدم جدار نقش عليهما (لا قلب ورقه بعود) مثلاً ولو كانت قائمة (في الأصح)؛ لأنه لانتقاله بفعله صار كالحامل (وأن الصبيّ) المميز -ولا يُمَكَّن غيره- (المحدث) ولو حدثاً أكبر (لا يمنع) عند حاجة تعلّمه ودرسه ووسيلتهما كحمله للمكتب والإتيان به للمعلِّم ليعلمه منه، وذلك؛ لمشقّة دوام طهره، (قلت: الأصح حِلُّ قلب ورقه بعودٍ) أو نحوه (وبه قطع العراقيون والله أعلم)؛ لأنه ليس بحمل ولا في
стр. 62
وَمَنْ تَيَقَّنَ طُهْرًا أَوْ حَدَثًا وَشَكَّ فِي ضِدِّهِ عَمِلَ بِيَقِينِهِ، فَلَوْ تَيَقَّنَهُمَا وَجَهِلَ السَّابِقَ فَضِدُّ مَا قَبْلَهُمَا فِي الْأَصَحِّ
معناه، ولذا لو انفصلت الورقة على العود حَرُم اتفاقا؛ لأنه حمل كما لو لفّ كمه على يدّه وقلب بها وإن لم تنفصل. ويحرم مسّ القرآن ومثله كلّ اسم معظّم بمتنجّس بغير معفو عنه، ووطء شيء نُقش به؛ لإهانته قصداً، ولذا كره فقط لبس ما كتب عليه المستلزم الجلوس عليه؛ لأنه يغتفر تابعاً ما لا يغتفر مقصوداً، ووضع نحو درهم في مكتوبه، وجعله وقاية ولو لما فيه قرآن (١)، كما يحرم تمزيقه عبثاً؛ لأنه إزراءٌ به وترك رفعه عن الأرض، وينبغي أن لا يجعل في شِقٍّ؛ لاحتمال سقوطه، وبلع ما كتب عليه بخلاف أكله؛ لزوال صورته قبل ملاقاته للمعدة ولا تضر ملاقاته للريق. ويحرم مدّ الرجل إليه. و يجوز للمحدث كتبه بلا مسٍ. ويسن القيام له كالعالِم. ويكره حرق ما كتب عليه قرآن لغير دراسته أو لها وبه نحو بِلىً إلا لغرض نحو صيانة والغسل أولى من الحرق، أما المصحف فيحرم حرقه مطلقاً، ولا يكره شرب محوه. (ومن تيقن طهراً أو حدثاً وشكّ) أي تردد باستواء أو رجحان (في ضدّه عمل بيقينه)؛ لنهيه ﷺ الشاك في الحدث عن الخروج من المسجد إلا أن يسمع صوتاً أو يجد ريحاً، نعم يندب الوضوء للشاك في الحدث إن لم يؤدّ إلى وسوسة، (فلو تيقنهما وجهل السابق فضدّ ما قبلهما في الأصح) فإن كان قبلهما محدثاً فهو الآن متطهر مطلقاً؛ لتيقنه الطّهر وشكّه في تأخر الحدث عنه والأصل عدم تأخره، أو متطهّراً فإن أحتمل وقوع تجديد منه فهو الآن محدث؛ لتيقّن رفع الحدث لأحد طهريه مع الشّك في تأخر الطهر الآخر عنه والأصل عدم تأخره، وإن لم يحتمل فهو الآن متطهر؛ لأن الظاهر تأخر طهره الثّاني عن حدثه، ولو علم قبلهما طهارة وحدثاً وجهل أسبقهما نظر لما قبل قبلهما وهكذا ثمّ أخذ بالضد في الأوتار وبالمثل في الأشفاع بعد اعتبار احتمال وقوع التجديد وعدمه، فإن لم يعلم ما قبلهما لزمه الوضوء بكلّ حال حيث احتمل وقوع تجديد منه، أما من لم يحتمل منه ذلك فيأخذ بالطهر بكلّ حال ولا أثر لتذكره وعدمه.
стр. 63
فصل
يُقَدِّمُ دَاخِلُ الخَلَاءِ يَسَارَهُ، وَالخَارِجُ يَمِينَهُ، وَلَا يَحْمِلُ ذِكْرَ اللهِ تَعَالَى، وَيَعْتَمِدُ جَالِسًا يَسَارَهُ،
(فصل) في آداب قضاء الحاجة والاستنجاء
(يُقَدِّم) ندبا (داخل الخلاء) -ولو لحاجة أخرى-، والمراد محلّ قضاءها ولو بصحراء، والتعيين فيها لغير المعدّ بالقصد؛ لصيرورته به مستقذراً، وفيما له دهليز طويل يقدمها عند بابه وعند وصوله لمحلّ جلوسه (يساره) أو بدلها ككل مستقذرٍ من نحو سوق ومعصية كالصّاغة، ويحرم دخولها إن علم أن فيها حال دخوله معصية كربا ولم تكن له حاجة يتوقف قضاؤها على الدخول ويكون لفقدها وقع عرفاً (والخارج يمينه) كداخل مسجدٍ، أما ما لا تكرمة فيه ولا استقذار فيفعل باليمين (١)، وفي شريف وأشرف يراعى الأشرف كالكعبة وبقيّة المسجد (٢)، وفي شريفين كمسجدين ملتصقين يتخيّر ولذا يتخيّر الخطيب عند صعوده المنبر، نعم لو التصق بيت بمسجد فالبيت مستقذر بالنسبة للمسجد فيراعى المسجد، أما القذرين فيراعى الأقذر كحمّام وسط سوق، (ولا يحمل) أي يكره للواصل لمحل قضاء الحاجة حمل (ذكر الله) أي مكتوب ذكره ككل معظّم من قرآن (٣) واسم نبي مختصٍ أو مشترك وقصد به المعظّم أو قامت قرينة قوية على أنه المراد، وذلك؛ لخبر ((أنه ﷺ كان ينزع خاتمه إذا دخل الخلاء))، وكان نقشه محمد رسول الله. ولو دخل به -ولو عمداً- غيَّبَهُ ندباً بنحو ضمّ كفّه عليه. ويجب على من بيساره خاتم عليه معظّم نزعه عند استنجاء ينجسه، (ويعتمد) ندباً في حال قضاء الحاجة (جالساً يساره) فيضع أصابعها بالأرض وينصب باقيها؛ لأنه أسهل لخروج الخارج، أما القائم فإن أمن النجاسة مع اعتماد
стр. 64
وَلَا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، وَلَا يَسْتَدْبِرُهَا، وَيَحْرُمَانِ بِالصَّحْرَاءِ، وَيَبْعُدُ، وَيَسْتَتِرُ،
اليسرى اعتمدها (١) وإلا اعتمدهما، وإن أمن النجاسة مع عتماد اليمين اعتمدها. ويكره
قضاؤها قائماً بلا عذرٍ بل يحرم إن علم التلويث ولا ماء، أو ضاق الوقت، أو اتسع وحرَّمْنَا التضمّخ بالنجاسة عبثاً، (ولا يستقبل القبلة) أي الكعبة، أما قبلة بيت المقدس فيكره فيها نظير ما يحرم هنا (ولا يستدبرها) -في مكان غير معدّ- أدباً، فإن فعل فخلاف الأولى إن وجد ساتراً ارتفاعه ثلثا ذراع فأكثر -ولا يشترط له عرض يستر العورة (٢) - وقد دنى منه ثلاثة أذرع فأقل، ومن الساتر إرخاء ذيله؛ لأن القصد تعظيم جهة القبلة (٣)، أما المعدّ فذلك مباح فيه والتّنزّه عنه حيث سهل أفضل، (ويحرمان) بعين الفرج الخارج منه البول أو الغائط لعين القبلة، ولا تضر المقابلة أو الاستدبار بالصدر. ويحلّ الاستنجاء والجماع (٤) وإخراج الرّيح إليها، ولو اشتبهت القبلة على قاضي الحاجة لزمه الاجتهاد، ويأتي هنا جميع ما يأتي قبيل صفة الصلاة (بالصّحراء) يعني بغير المُعد وحيث لا ساتر. وأصل ما تقدّم نهيه ﷺ عن ذينك مع فعله للاستدبار في المعدّ، ولو لم يكن له مندوحة عن الاستقبال والاستدبار استدبر، ويكره استقبال القمرين دون استدبارهما؛ لأن الأخير غالباً لا تتأتى فيه حقيقة الاستدبار، ومحل الكراهة حيث لا ساتر -ومنه السّحاب-، ولا يضرّ محاذاة القمر نهاراً؛ لأنه ليس محل سلطانه، (ويبعُد) ندباً عن النّاس في الصّحراء -بحيث لا يسمع لخارجه صوت ولا يشمّ له ريح- والبنيان كالصّحراء إن سهل، فإن لم يبعد سُنّ لهم الإبعاد كذلك، ويسنّ أن يُغَيِّب شخصه عن الناس؛ للاتباع، (ويستتر) بالساتر السابق لكن مع عرض يمنع رؤية عورته، ومحلّه في الجالس من سرّته إلى قدميه وفي القائم منها إلى ركبتيه، هذا إن لم يكن ببناءٍ يسهل تسقيفه عادةً وإلاّ كفى وإن بعد عنه الساتر، وإنما لم يكف إن بعد عنه فيما تقدّم في القبلة؛ لأن القصد تعظيمها وهو لا يحصل مع ذلك أما هنا فالقصد عدم رؤية عورته، ومحل ما تقدّم حيث لم يكن من ينظر لعورته غير حليلته وعلمه وإلاّ لزمه السّتر على المعتمد. ويسن رفع ثوبه شيئاً فشيئاً، فإن رفعه دفعة قبل دنوّه كره إلاّ لخشية نحو تنجّس؛ لأنه غرض، وإن
стр. 65
وَلَا يَبُولُ فِي مَاءٍ رَاكِدٍ، وَجُحْرٍ، وَمَهَبِّ رِيحٍ، وَمُتَحَدَّثٍ، وَطَرِيقٍ، وَتَحْتَ مُثْمِرَةٍ، وَلَا يَتَكَلَّمُ، وَلَا يَسْتَنْجِي بِمَاءٍ فِي مَجْلِسِهِ،
تعارض السّتر والإبعاد أو والاستقبال أو والاستدبار قُدّم السّتر في الأولى، وفي غيرها إن وجب، ويعدّ الأحجار أو الماء قبل جلوسه، (ولا) أي يكره أن (يبول) أو يتغوّط (في ماء) مملوك له أو مباح غير مسبّل ولا موقوف (راكد)؛ للنهي عنه ما لم يستبحر بحيث لا يعاف، أما الجاري الكثير فلا يكره فيه؛ لقوّته، ولا يحرم في قليله؛ لإمكان تطهيره إلا إن دخل الوقت وتعيّن لطهره فيحرم كإتلافه. ويحرم أيضًا في مسبّلٍ وموقوفٍ مطلقاً وماءٍ هو واقفٌ فيه إن قلّ؛ لحرمة تنجيس البدن. ويكره في الماء بالليل مطلقاً، والكراهة هنا شرعية، (و) يكره البول والتغوّط في (جُحْر) غير معدٍ لئلا يَتأذى أو يُؤذي، والجحر هو الثّقب المستدير النازل في الأرض، وأُلحق به السَّرَب وهو الشق المستطيل. (و) لا يبول ولا يتغوّط مائعاً في محل صلبٍ ولا في (مهبّ ريح) أي جهة هبوبها الغالب في ذلك الزمن فيكره وإن لم تكن هابّة بالفعل (١) خوف الرّشاش، وكالمائع جامد يُخشى عود ريحه والتأذي به (٢). ولا يبول ولا يتغوّط في مستحمّ لا منفذ له؛ لأنه يجلب الوسواس، (ومتحدث) وهو محل اجتماع الناس في الشّمس شتاءً والظل صيفاً، والمراد كلُّ محلٍّ يقصد لغرض كمعيشة فيكره إن اجتمعوا لجائزٍ وإلا فلا (٣)، (و) يكره في (طريق)؛ للنهي عن التّخلّي فيها (٤) (وتحت مثمرة) أي شأنها ذلك فيكره ما لم يُطَهِّر المحل أو يعلم مجيء ماء يطهره قبل وجود الثمرة، (ولا يتكلم) أي يكره التكلّم بحيث يسمع نفسه حال خروج الخارج ولو بغير ذكر أو ردّ سلام، فلو عطس حمد الله بقلبه كالمُجَامِع، نعم يجب الكلام لخوف محذور (٥) كما هو ظاهر، أما مع عدم خروج شيءٍ فيكره بذكر أو قرآن فقط، (ولا يستنجي بماء في مجلسه)، أي يكره ذلك في غير معد أو في معد صعد منه هواء مقلوب؛ خشية تنجسه، أما المستنجي بالحجر فيسن له عدم الانتقال بل يلزم حيث لا ماء يكفيه لطهارة الحدث والخبث وقد دخل الوقت؛ لأن قيامه يمنع إجزاء الحجر إلا أن
стр. 66
وَيَسْتَبْرِئُ مِنَ الْبَوْلِ، وَيَقُولُ عِنْدَ دُخُولِهِ: بِسْمِ اللهِ اللهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ وَالخَبَائِثِ. وَعِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْهُ: غُفْرَانَكَ الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي
يباعد بين فخذيه بحيث لا يتماس باطن صفحتيه (ويستبرئ) ندبا بما اعتاده من نحو تنحنح، ومسح ذكر أو أنثى مجامع العروق بيده وغير ذلك (من البول) والغائط إن خشي عود شيء منه عند انقطاعه؛ لئلا يعود شيء فينجّسه، ولا يبالغ في الاستبراء؛ لأنه يورث الوسوسة، ويجوز مسك الذكر المتنجس في نحو المشي إن عَسُر تحصيل حائل يقيه النجاسة، ويكره القيام قبل الاستنجاء لمن استبرأ من جلوس، ويحرم التبرّز على محترم كعظم وقبر وفي موضع نسك ضيّق كالجمرة والمشعر وبقرب قبر نبيّ وبين قبور نبشت؛ لاختلاط تربتها بأجزاء الميت، ويكره بقرب قبر محترم وتشتدّ الكراهة في قبر ولي أو عالم أو شهيد، ويسن اتخاذ إناء للبول فيه ليلاً، نعم نُهي أن ينقع (١) البول في إنائه؛ لأن الملائكة لا تدخل بيتاً هو فيه ككلب وجنب وصورة، وأن يقول أهرقت الماء بل بلت، (ويقول) ندباً (عند دخوله) أي وصوله لمحل قضاء حاجته أو لبابه ولو لحاجة أخرى، فإن غفل ودخل قاله بقلبه (باسم الله) أي أتحصّن، ولا يزيد الرّحمن الرّحيم (اللهم إني أعوذ بك من الخُبُْث) ذكران الشياطين (والخبائث) إناثهم (وعند خروجه) أو مفارقته له (منه غفرانك (٢) أي اغفر لي؛ للعجز عن شكر هذه النعمة (الحمد لله الذي أذهب عنّي الأذى وعافاني)، ومن الآداب الانتعال وستر الرأس (٣) وأن لا يطيل قعوده بلا ضرورة ولا يعبث ولا ينظر للسماء أو فرجه أو خارجه بلا حاجة.
стр. 67
وَيَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ بِمَاءٍ أَوْ حَجَرٍ، وَجَمْعُهُمَا أَفْضَلُ،
(ويجب) عند إرادة نحو صلاة أو ضيق وقت، وحينئذٍ لو تعيّن الاستنجاء وعلم أن ثمّ من لا يغُض بصره عن عورته لم يعذر؛ لحرمة إخراج الصلاة عن وقتها (الاستنجاء)؛ للأمر به، ويندب تقديمه عن الوضوء أو الغسل إلا في السلس والمتيمم فيجب تقديمه على طهرهما، ويكون (بماء (١) ويكفي غلبة ظنّ زوال النجاسة، ولا يسن شم يده وهو منها دليل نجاستها فقط إلا أن يشمها من الملاقي للمحل فهو دليل على نجاستهما (٢). ولو توقف زوالها في المحل على نحو صابون سُنّ، وينبغي الاسترخاء؛ لئلا يبقى أثر النجاسة في تضاعيف شرج المعدة (أو حجر، و) الماء أفضل، ثمّ إن (جمعهما) بأن يقدّم الحجر (أفضل) من الاقتصار على أحدهما كي لا يمسّ عين النجاسة؛ لأن عينها تزول بالحجر، ولذا يحصل أصل السّنة بالنجس، وبدون ثلاث مسحات مع الإنقاء فيهما، ويتعيّن الماء في قبلي مشكل دون ثقبته التي بمحلّهما؛ لأصالتها حينئذ، وفي ثقبة منفتحة وبول الأقلف إذا وصل للجلدة وبول ثيب أو بكر وصل إلى مدخل الذكر يقيناً (٣)؛ لأنه يلزم من وصوله انتشاره عن محلّه إلى ما لا يجزئ فيه الحجر، فليس السبب عدم وصول الحجر لمدخله؛ لأن الخرقة تصل إليه. ولا يتعيّن الماء في دم حيض أو نفاس لم ينتشر عن محله فلها بعد الانقطاع ولو ثيّباً الاستنجاء بالحجر فيما إذا أرادت التيمم لفقد الماء ولا إعادة عليها. والواجب على المرأة غسل ما ظهر بجلوسها على قدميها.
стр. 68
وَفِي مَعْنَى الحَجَرِ كُلُّ جَامِدٍ طَاهِرٍ قَالِعٍ غَيْرِ مُحْتَرَمٍ وَجِلْدٍ دُبِغَ دُونَ غَيْرِهِ فِي الْأَظْهَرِ، وَشَرْطُ الحَجَرِ أَلَّا يَجِفَّ النَّجَسُ،
(وفي معنى الحجر)؛ بناءً على جواز القياس في الرخص (كل جامد طاهر قالع غير محترم) فلا يجزئ نحو ماء وردٍ ومتنجّس وقصبٍ أملس وتراب أو فحم يلصق منه شيء بالمحل، ويتعيّن الماء فيما تقدم لا في أملس لم ينقل النّجاسة، ويحرم بالمحترم وإن لم يجد غيره فيتيمم ويعيد، ومثله مطعوم لنا ولو قشراً مأكولاً كالبطيخ بخلاف قشر مزيل للنجاسة لا يؤكل لكنّه يكره به إن كان المطعوم داخله، وكمطعوم للجن كعظم وإن أحرق، أو لنا وللبهائم والغالب نحن (١)، وكحيوان كفأرة، و جزئه المتصل، ونحو يد آدمي محترم (٢) وإن انفصلت، وكمكتوب عليه اسم معظّم، أو منسوخ لم يعلم تبديله (٣)، أو عِلْمٍ محترم كمنطق وطبّ خليا عن محذور؛ لأن تعلمهما فرض كفاية، أما مكتوب ليس كذلك فيجوز الاستنجاء به (وجلدٌٍ دبغ)؛ لانتقاله من طبع اللحم إلى طبع الثياب، ويلحق به جلد الحوت الكبير إذا تحجر بحيث صار لا يلين وإن نقّع في الماء (٤) (دون غيره في الأظهر)؛ لأنه إما نجس أو مأكول، نعم إن استنجى بشعرِهِ الطاهر أجزأ (٥). ويحرم بجلد علمٍ إن اتصل وجلد مصحف وإن انفصل.
(وشرط) إجزاء الاقتصار على (الحَجَر أن) لا يكون به رطوبة كالمحلّ إلا إن كانت عَرَقاً، وأن (لا يجفّ النجس) الخارج أو بعضه وإلا تعيّن الماء في الجاف، وكذا غيره إن اتصل به، فإن بال أو تغوّط مائعاً مرّة أخرى فوصل إلى ما وصل إليه بوله الأول فقط تعيّن كذلك الماء (٦)؛ لتعينه بالجفاف فلا يرتفع بما حدث من الرطوبة، ولو غسل ذكره ثمّ بال قبل الجفاف لم ينجس غير مماس البول.
стр. 69
وَلَا يَنْتَقِلَ وَلَا يَطْرَأَ أَجْنَبِيٌّ، وَلَوْ نَدَرَ أَوِ انْتَشَرَ فَوْقَ الْعَادَةِ وَلَمْ يُجَاوِزْ صَفْحَتَهُ وَحَشَفَتَهُ جَازَ الحَجَرُ فِي الْأَظْهَرِ، وَيَجِبُ ثَلَاثُ مَسَحَاتٍ، وَلَوْ بِأَطْرَافِ حَجَرٍ، فَإِنْ لَمْ يُنْقِ وَجَبَ الْإِنْقَاءُ. وَسُنَّ الْإِيتَارُ وَكُلُّ حَجَرٍ لِكُلِّ مَحَلِّهِ
(ولا ينتقل) عمّا استقر فيه عند خروجه؛ إذ لا ضرورة فكان كالأجنبي، (ولا يطرأ) على المحلّ (أجنبي) نجسٌ مطلقا، أو طاهر جاف (١) اختلط بالخارج أو رطب ولو ماء لغير تطهيره (٢)، لا عرق إلا إن سال وجاوز الصّفحة أو الحشفة؛ إذ لا يعمّ الابتلاء به حينئذٍ. (ولو ندر) كدم (أو انتشر فوق العادة) الغالبة (ولم يجاوز) غائطٌ (صفحته) وهي ما ينظمّ من الأليين عند القيام، ويلحق بها شعر بباطن الصّفحة (و) بول (حشفته) وهي ما فوق محلّ الختان (جاز الحجر في الأظهر)؛ إلحاقاً له بالمعتاد، فإن جاوز تعيّن الماء في المجاوز والمتصل به مطلقاً، فإن لم يجاوز وانفصل عمّا اتصل بالمحل تعين في المنفصل فقط، نعم من ابتلي هنا بمجاوزة الصّفحة والحشفة دائماً يعفى عنه فيجزيه الحجر (٣). (ويجب ثلاث) وإن أنقى بواحدة؛ لأن البقيّة للاستطهار كالأقراء (مسحات)؛ للنهي عن أقل (ولو) بطرفي حجر بأن لم يتلوّث في الثانية فتجوز هي والثالثة بطرف واحد؛ لأنه بالثانية خفف النجاسة فلم يؤثر فيه الاستعمال، أو (بأطراف حجر)؛ لأن القصد عدد المسحات مع الإنقاء، (فإن لم يُنقِ) بأن بقي أثر يزيله ما فوق صغار الخزف (وجب الإنقاء، وسُنّ الإيتار)؛ للأمر به (وكلّ حجر لكل محلّه) فيجب تعميم كل مسحة من الثلاث لكل جزء من المحل، ولا يشترط وضع الحجر على محل طاهر. ويندب أن يبدأ بأول الأحجار من مقدّم صفحته اليمنى ويديره قليلا قليلا إلى محلّ ابتداءه وبالثاني من مقدّم اليسرى ويديره كذلك ويمر الثالث على مسربته وصفحته جميعاً.
стр. 70
وَقِيلَ يُوَزَّعْنَ لِجَانِبَيْهِ وَالْوَسَطِ، وَيُسَنُّ الِاسْتِنْجَاءُ بِيَسَارِهِ، وَلَا اسْتِنْجَاءَ لِدُودٍ، وَبَعَرٍ بِلَا لَوْثٍ فِي الْأَظْهَرِ.
(وقيل) الأفضل أن (يوزّعن لجانبيه والوسط) فيمسح بحجر الصّفحة اليمنى ثمّ يعمم فاليسرى ثمّ يُعمم فالوسط ثمّ يُعمم، أما الذّكر فيمسحه على ثلاثة مواضع من الحجر، ولو مسحه صعوداً ضرّ أو نزولا فلا (١). والأولى للمستنجي بالماء أن يقدّم القبل، وبالحجر أن يقدّم الدّبر؛ لئلا يجفّ. (ويسن الاستنجاء بيساره)؛ للنهي عنه باليمين فيكره كمسه بها، والاستعانة بها في الاستنجاء (٢) لغير حاجة. (ولا استنجاء لدود و بَعَر بلا لوث في الأظهر)؛ إذ لا معنى كالريح له، نعم يتأكّد للخلاف. ويكره من الريح إلا إن خرج والمحلّ رطب (٣)، ولو تيقّن الاستنجاء وشكّ في غسل ذكره غسله؛ لأن كلاً من الذكر والدبر مستقل فتيقنه مطلق الاستنجاء لا يقتضي دخول غسل الذكر فيه بخلاف ما لو شكّ هل مسح ثنتين أو ثلاثاً فلا يعيد الاستنجاء.
стр. 71
باب في الوضوء
(باب الوضوء)
هو اسم مصدر، والأفصح ضمُّ واوِهِ إن أريد به الفعل كما يأتي وفتحها إن أريد به الماء، وهو بمعنى النضارة، ومن خصائصنا كيفيته فقط أو الغرة والتحجيل.
وشرطه: * ماء مطلق، نعم الشرط عند الاشتباه ظن كونه مطلقا، و* عدم نحو حيض في غير نحو أغسال الحج، و* أن لا يكون على العضو ما يغيّر الماء تغيّراً ضاراً، أو جرم* كثيف يمنع وصوله إلى البشرة، لا نحو خضاب ودهن مائع، أما الوسخ الذي صار جزأً من البدن بحيث يخشى من إزالته محذور تيمم فلا يمنع صحّة الوضوء أو النّقض، ولا يضرّ في الخضاب تنفيطه للجلد وتربيته القشرة عليه؛ لأنها من عين الجلد لا منه، و*جري الماء عليه، و*إزالة النجاسة بتفصيلها الآتي، و* تحقق المقتضي إن بان الحال (١) فإن لم يبن صحّ كوضوء الاحتياط فيمن تيقّن الطهر وشكّ في الحدث، والأولى أن ينقض نفسه خروجاً من الخلاف، وإنما صحّ وضوء الشّاك في طهره بعد تيقّن حدثه مع تردده وإن بان الحال؛ لأن الأصل بقاء الحدث، فلو نوى في هذه إن كان محدثاً وإلا فتجديد صحّ وإن تذكّر (٢)، و*إسلام، و*تمييز إلا في نحو غسل كتابيّة مع نيّتها لتحلّ لحليلها المسلم وتغسيله لحليلته المجنونة (٣) أو الممتنعة مع النيّة منه، بخلاف ما إذا أكرهها لا يحتاج لنيّة؛ للضرورة في الجميع، ولذا يجب إعادته عند زوالها، و* عدم الصّارف بأن لا يأتي بمناف للنيّة كردّة أو قول إنشاء الله لا بنية التّبرك (٤) أو بنية قطع، لا نوم طويل مع التّمكن فلا يحتاج لتجديدها إن كان البناء
стр. 72
فَرْضُهُ سِتَّةٌ:
أَحَدُهَا نِيَّةُ رَفْعِ حَدَثٍ، أَوْ اسْتِبَاحَةِ مُفْتَقِرٍ إلَى طُهْرٍ، أَوْ أَدَاءِ فَرْضِ الْوُضُوءِ
بفعله (١)، و*معرفة كيفيته وإلا فإن ظنّ الكل فرضاً أو شرّك ولم يقصد بفرضٍ معيّن النفلية صح أو نفلا فلا، و*يزيد السلس بدخول الوقت وظنّ دخوله و* تقديم نحو استنجاء وتحفظ احتيج إليه، و* الموالاة بينهما، وبينهما وبين الوضوء، وبين أفعال الوضوء، وبينه وبين الصّلاة.
(فرضه ستّة) أربعة بالقرآن واثنان بالسنّة:
(أحدها نيّة) وهي قصد الشيء مقترناً بفعله، ومحلّها القلب، والتّلفظ سنة؛ مراعاة للخلاف في وجوبه (رفع) أسبابه كـ (حدث) أي رفع حكمه كحرمة نحو الصّلاة؛ لأنه القصد من الوضوء فالحدث هنا الأسباب، أما إن أريد رفع المانع أو المنع فلا حاجة لتقدير حكم، والمراد رفع ما يصدق عليه ذلك وإن نوى غير ما هو عليه -كتبديل أصغر بأكبر فيصح غلطاً، أما عمداً فلا؛ لتلاعبه (٢) - أو نفى بعض أحداثه، أو نوى رفعه في صلاة واحدة دون غيرها؛ لأنه لا يتجزّأ (٣)، ولو نوى رفعه وأن لا يرفعه لم يصّح؛ للتناقض وكذا لو نوى أن يصلّي به بمحلّ نجس (أو) نيّة الطهارة عن الحدث أو نيّة (استباحة مفتقر إلى طهر (٤) أي وضوء بدليل قوله: ((أو ما يندب له الوضوء))، وذلك كطواف وإن كان النّاوي بمصر، أو عيد ولو في رجب؛ لتضمنها رفع الحدث، ولو قال نويت استباحة مفتقِر إلى وضوء أجزأه وإن لم يخطر له شيء في مفرداته، (أو) نيّة (أداء فرض) وليس المراد حقيقة الفرض وإلا لم يصحّ وضوء الصّبي بل فعل طهارة الحدث المشروطة لنحو الصّلاة (الوضوء) أو أداء الوضوء أو فرض الوضوء أو الوضوء، والطّهارة كالوضوء في الثّلاثة الأُوَل، وإنما صحّت نية فرض الطّهارة وكذا الطهارة الواجبة؛ لتبادر طهارة الحدث دون الخبث ولذا فلو ربطها بالصّلاة
стр. 73
وَمَنْ دَامَ حَدَثُهُ كَمُسْتَحَاضَةٍ كَفَاهُ نِيَّةُ الِاسْتِبَاحَةِ دُونَ الرَّفْعِ عَلَى الصَّحِيحِ فِيهِمَا. وَمَنْ نَوَى تَبَرُّدًا مَعَ نِيَّةٍ مُعْتَبَرَةٍ جَازَ فِي الصَّحِيحِ. أَوْ مَا يُنْدَبُ لَهُ وُضُوءٌ كَقِرَاءَةٍ فَلَا فِي الْأَصَحِّ. وَيَجِبُ قَرْنُهَا بِأَوَّلِ الْوَجْهِ
تمحضت له، لا الرابعة؛ لشمولها الخبث من غير تمييز، وعدم وجوب التّعرض لنيّة الفرضية يُشعِر بأن اعتبار النيّة هنا؛ للتمييز وليس للقربة. (ومَنْ دام حدثه كمستحاضة) وسلس (كفاه نيّة الاستباحة) وغيرها مما مرّ (دون الرفع على الصّحيح فيهما)؛ لأن حدثه لا يرتفع، نعم يُسنّ الجمع بينهما؛ مراعاة للخلاف. وحكم نيّة دائم الحدث فيما يستبيحه من الصّلوات حكم المتيمم (١)، وعليه تجزئ نيته رفع الحدث إن أراد به رفعه بالنسبة لفرض فقط. ومجدد الوضوء (٢) لا تحصل له سنّة التجديد إلا بنيّة مما مر حتى نيّة الرفع أو الاستباحة إن أراد صورتهما (٣) بل إن لم يرد الحقيقة كفى. (ومَن نوى تبرّداً مع نيّة معتبرة جاز على الصّحيح)؛ لحصول التبرّد وإن لم ينوه، نعم في الثّواب يثاب على قصد العبادة بقدره (٤) بشرط كونه مساوياً أو راجحاً على غيره، نعم الرِّيا ونحوه لا ثواب معه، وخرج بـ ((مع)) طروّها بعد النيّة المعتبرة فيبطلها ما لم يكن ذاكراً لها؛ لأنها حينئذٍ تكون قاطعة ويعيد ما غسله بها، (أو) نوى استباحة (ما يندب له وضوء) -لا غير ما يندب له كلبسٍ جزماً- (كقراءة) ودرس وكتابة قرآن أو حديث أو علم شرعي أو آلة له، وكدخول مسجد وزيارة قبر، وبعد التّلفظ بمعصية أو فعلها، وغضب وحمل ميت ومسّه ومسّ أبرص أو يهودي (٥) ونحو فصد وقصّ ظفر وكل ما قيل أنه ناقض (فلا) يكفيه (في الأصح)؛ لأن قصده لا يتضمّن قصد رفع الحدث، نعم إن نوى الوضوء للقراءة لم يبطل إلا إن قصد التعليق بها أوّلا -أي قبل ذكر الوضوء- بخلاف ما لو لم يقصده إلا بعده فتصحّ؛ لصحة النية حينئذ فلا يبطلها ما وقع بعد، (ويجب قرنها بأوّل) مغسول من (الوجه)، ومنه ما يجب غسله من نحو اللحية، وما يجب غسله من الأنف
стр. 74
وَقِيلَ يَكْفِي بِسُنَّةٍ قَبْلَهُ، وَلَهُ تَفْرِيقُهَا عَلَى أَعْضَائِهِ فِي الْأَصَحِّ.
الثَّانِي: غَسْلُ الوَجْهِ، وَهُوَ مَا بَيْنَ مَنَابِتِ رَأْسِهِ غَالِبًا وَمُنْتَهَى لَحْيَيْهِ، وَمَا بَيْنَ أُذُنَيْهِ، المقطوع،
ولو قرنها بأثنائه كفى وأعاد ما سبقها. ومَن سقط غسل وجهه فقط لعلّة ولا جبيرة قرنها بأول مغسول من اليدّ -أما لو كانت عليه جبيرة فتكفيه النيّة عند المسح عليها (١) - فإن سقطتا أيضاً فالرأس فالرجل ولا يُكتفى بنيّة التيمم؛ لاستقلاله، (وقيل يكفي بسنّة قبله) ومحلّه إن لم تدم النيّة لغسل شي من الوجه وإلا كفت قطعاً؛ لاقترانها بالواجب، نعم تكفي نية المضمضة مثلا عن نية غسل الوجه إن انغسل معها شيء من الوجه كحمرة الشّفة؛ لأنه وإن قصد المضمضة دون غسل الوجه فإن ذلك لا يصلح أن يكون صارفاً عن الاعتداد بالنية بل عن الانغسال عن الوجه (٢)، (وله تفريقها) أي نية رفع الحدث والطهارة عنه لا غيرهما؛ لعدم تصوره فيه (على أعضائه) كعن الوجه فقط وهكذا (في الأصح) كما يجوز تفريق أفعال الوضوء، نعم يحتاج لتجديد النية في كل عضوٍ لم تشمله نيّة ما قبله، ولو أبطله في الأثناء -ومثله في ذلك نحو الصلاة- أثيب على ما مضى إن كان لعذر، وخلاف التفريق يأتي في الغسل.
(الثاني غسل) ولو بالغمس، ولا يكفي مس الماء بلا جريان (الوجه) أي انغساله ولو بفعل غيره بلا إذنه أو بسقوطه في نحو نهر إن كان ذاكراً للنيّة فيهما، أما ما وقع بفعله كتعرّضه للمطر فلا يشترط فيه تذكّرها إقامة للفعل مقامها (وهو ما بين منابت) شعر (رأسه غالباً و) تحت (منتهى) أي طرف المقبل من (لَحييه، وما بين أذنيه) حتى ما ظهر بالقطع من جرم نحو أنفٍ قطع؛ لوقوع المواجهة به بخلاف باطن عين وأنف وفمّ وإن ظهر بقطع، ولو التحم أنف من نقد أو أنملة منه وخشي من إزالة ذلك محذور تيمم وجب غسل ما في محلّ الالتحام من الأنف -لا غير (٣) - وكلّ ما ظهر من نقد الأنملة -ومثلها عظم وصل ولم يكتسِ-؛ لأن الأول بدل عن ذلك المحلّ والثّاني عن الكلّ.
стр. 75
فَمِنْهُ مَوْضِعُ الْغَمَمِ، وَكَذَا التَّحْذِيفُ فِي الْأَصَحِّ، لَا النَّزْعَتَانِ، وَهُمَا بَيَاضَانِ يَكْتَنِفَانِ النَّاصِيَةَ. قُلْتُ: صَحَّحَ الجُمْهُورُ أَنَّ مَوْضِعَ التَّحْذِيفِ مِنَ الرَّأْسِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَيَجِبُ غَسْلُ كُلِّ هُدْبٍ، وَحَاجِبٍ، وَعِذَارٍ، وَشَارِبٍ، وَخَدٍّ وَعَنْفَقَةٍ شَعَرًا وَبَشَرًا، وَقِيلَ لَا يَجِبُ بَاطِنُ عَنْفَقَةٍ كَثِيفَةٍ، وَاللِّحْيَةُ إنْ خَفَّتْ كَهُدْبٍ وَإِلَّا فَلْيَغْسِلْ ظَاهِرَهَا، وَفِي قَوْلٍ لَا يَجِبُ غَسْلُ خَارِجٍ عَنِ الْوَجْهِ
(فمنه) الجبينان والبياض الذي بين الأذن والعذار، و (موضع الغمم) لا الصلع، (وكذا التحذيف في الأصح) وهو ما بين ابتداء العذار والنّزعة (لا) الصّدغان وهما المتصّلان بالعذار من فوق وتد الأذن، ولا (النّزَعتان وهما بياضان يكتنفان الناصية)؛ لأنهما في تدوير الرأس (قلت: صحح الجمهور أن موضع التحذيف من الرأس)؛ لاتصال شعره بشعره (والله أعلم)، ويسن غسل كلّ ما قيل أنه من الوجه، (ويجب غسل) محاذي الوجه وشعر المحاذي مما لا يتحقق غسل جميعه إلا بغسله؛ لأن ما لا يتمّ الواجب إلا به واجب، و (كلّ هدب وحاجب وعذار) وهو الشّعر النابت على العظم الناتئ قرب الأذن، (وشارب وخدّ وعنفقة شعراً وبشراً، وقيل لا يجب غسل باطن عَُِنفقة كثيفة. واللِحية) وهي الشّعر النابت على الذّقن، ومثلها العارض المنحط عليها من العذار (إن خفّت كهدب وإلا) تخفّ بأن لم تُرَ البشرة من مجلس التخاطب عرفاً (فليغسل) الذكر المحقق (ظاهرها) لا البشرة وما استتر من الشّعر، ولِمَا خرج من اللحية عن حدّ الوجه والسلعة المتدلية عن حدّه وبقيّة شعور الوجه الخارجة أيضاً والشّعر المحاذي للوجه حكم اللحية، ثمّ إن ضابط الخروج أن يخرج بالمدّ عن جهة نزوله؛ لانقطاع نسبته للوجه حينئذٍ، (وفي قول لا يجب غسل خارج عن الوجه)؛ لأنه خارج عن محل الغرض. أما لحية الخنثى والمرأة وبقيّة شّعورهما الخارجة عن الحدّ ففيهنّ الغسل مطلقاً (١)؛ للشك في الذكورة في الخنثى والندور في المرأة، ولو خفّ بعض اللحية فلكلّ حكمه إن تميّز وإلا غسل باطن الكلّ احتياطاً. ومن له وجهان غسلهما ولو زائداً؛ لوقوع المواجهة بهما، أو رأسان كفى مسح بعض أحدهما؛ لصدق كونه رَأَسَ وعَلا، ويندب أن يبدأ بأعلى وجهه وأن يأخذ الماء بيديه جميعاً.