o كانت بنو إسرائيل عليهم الأغلال، قال تعالى: ﴿الّذِينَ يَتّبِعُونَ الرّسُولَ النّبِيّ الاُمّيّ الّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلّ لَهُمُ الطّيّبَاتِ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلاَلَ الّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتّبَعُوا النّورَ الّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلََئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١)
قوله تعالي: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلاَلَ الّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ أي يذهب عنهم التكاليف الشاقة، والأغلال التي كانت عليهم (٢).
فما ثمرة هذا التخفيف؟
الثمرة: ﴿فَالّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتّبَعُوا النّورَ الّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ﴾ فكانت ثمرة التخفيف أن تتفرغ الأمة للنصرة ﴿وَاتّبَعُوا النّورَ الّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ﴾
стр. 282
نور القرآن، لأن بيانه في القلوب كبيان النور في العيون (١) نور الدعوة إلي الله.
فماذا يُعطيهم الله تبارك وتعالي؟
ختم الله الآية ببيان الثواب الجزيل: ﴿أُوْلََئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وهي نظير قوله تعالي: ﴿وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلََئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢). فكان الأجر في الآيتين الفلاح.
o مزاج الاعتزال الاستيحاش من المخلوق، حتي أمه، مثل جريج العابد، حينما دعته أمه، قال: ربي أمي وصلاتي.
o مزاج العبادة علي منهج العباد إعتزال الناس (بل يفرون من الناس)، ومزاج العبادة علي منهج الأنبياء يمشون للناس ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لّهُمْ مّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٣).
o قوة العبادة في مزاج العزلة .. وقوة الدعوة في مزاج الاختلاط بالناس.
o أولياء الله في الأمم السابقة، حتى يحققوا منشور الولاية، يفرون من الناس .. وأولياء الله علي نهج النبوة يمشون للناس.
o الله مدح جهد الداعي: ﴿وَعِبَادُ الرّحْمََنِ الّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىَ الأرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَما﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿وَجَآءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىَ قَالَ يَقَوْمِ اتّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ (٥). ومدح إنفاقهم
стр. 283
فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (١). لم يسرفوا كأهل الدنيا، ولم يقتروا كتقتير العباد، حتي يقوي الجسم علي الحركة والطاعة.
o عِبَادُ الرّحْمََنِ:
كانوا في البداية عند نزول الآيات عددهم قليل من ٦٠: ١٠٠ فرد، فأين الباقي؟ الباقي يكفرون .. يشركون .. يعبدون الأصنام .. يقتلون .. يزنون .. يسرقون. الله جاء بهم بعد ذلك وألحقهم بالأوائل، حتي وصل عددهم في حجة الوداع ١٢٤ ألف صحابي.
لا يجوز المدح بالصفات السلبية، مثل أن تقول: فلان هذا لا يزني، أو لا يسرق، أو لا يقتل.
لكن الله مدح كبراء هذه الأمة بأنهم لا يزنون، لا يقتلون، حتى يلحق هؤلاء بأولئك، قال تعالي: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (٢). الذين قاتلوه، وعادوه، واستهزءوا به، التحقوا بعِبَادِ الرّحْمََنِ.
o بسبب ختم النبوة الله تبارك وتعالي شرف هذه الأمة بجهد الرسول ﷺ .
o في الأمم السابقة، ما طلب أحد من الأنبياء النصرة من قومه، إلا ما كان من موسي ﵇ طلب من الله أن ينصره بأخاه هارون ﵇، وعيسي ﵇ طلب النصرة من الحواريين فقط، قال تعالي: ﴿يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا كُونُوَاْ أَنصَارَ اللهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيّينَ مَنْ أَنّصَارِيَ إِلَى اللهِ قَالَ
стр. 284
الْحَوَارِيّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللهِ فَآمَنَت طّآئِفَةٌ مّن بَنِيَ إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طّآئِفَةٌ فَأَيّدْنَا الّذِينَ آمَنُوا عَلَىَ عَدُوّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ (١). أما محمد ﷺ من أول يوم قال: من ينصرني حتى أُبلغ رسالة ربي؟ والله أمر المؤمنين كلهم أن ينصروه.
o الفرق بين طلب عيسي ﵇ للنصرة وبين محمد ﷺ :
١) الفرق الأول: سيدنا عيسي ﵇ طلب النصرة حينما انتهت دعوته، قبل أن يُرفع إلي السماء، علم أنه سيُرفع إلي السماء، وخشي أن يضيع الدين، قال تعالى: ﴿فَلَمّآ أَحَسّ عِيسَىَ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِيَ إِلَى اللهِ قَالَ الْحَوَارِيّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ آمَنّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنّا مُسْلِمُونَ﴾ (٢).
أما نبينا محمد ﷺ بدأت دعوته: بمن ينصرني حتى أُبلغ رسالة ربي؟
٢) الفرق الثاني: سيدنا عيسي ﵇ طلب النصرة وما حمل السيف، لينصروه في الدعوة، ومن هم الذين طلب منهم النصرة؟
ما طلب سيدنا عيسى ﵇ النصرة من كل من قال لا إله إلا الله طلب من الحواريين وهم الأصحاب المقربون منه، وهم العلماء والحكماء، يعني الذين معهم مؤهلات للقيام بالدعوة، وبعثهم إلي الأمصار (٣).
стр. 285
أما سيدنا محمد ﷺ لما بعث ما عنده حواريين ولا مسلمين، فيأتي علي مجمع من عباد الأوثان (يعني بنسبة الدين صفر) فيقول: من ينصرني؟
عابد صنم ما يفهم من الدين شيء، هل هذا مؤهل للنصرة؟
فقط بينه وبين النصرة: قول لا إله إلا الله .. يعني أول فقه في الدين فقه النصرة.
يعني الكافر مؤهل بعد إسلامه مباشرة أن يقوم بوظيفة الدعوة إلي الله .. يعني ليس بينك وبين وظيفة الدعوة، سبع سنوات، أو عشر سنوات، حتي تتحصل علي الوظيفة مثلا: ٦ سنوات ابتدائي + ٣ سنوات إعدادي + ٣ سنوات ثانوي + ٤ سنوات جامعة = ١٦ سنة.
ليس هكذا كنظام أهل الدنيا، بل الكافر لحظة أن ينطق بشهادة أن لا إله إلا الله يُصبح داعية، يقول: يا رسول الله! إئذن لي أن أذهب إلي قومي لأدعوهم إلي الله .. لا يقول يا رسول الله تعال معي أنت لتدعوهم إلي الله، بل يقوم بالدعوة نيابة عن النبي ﷺ .
فلهذا معني بعثة النبي ﷺ أن الله رفع مستوي البشرية كلها، فتح الباب لكل البشر، لأعظم جهد .. ولهذا من ضمن رسالة عيسي ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ
стр. 286
مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ ً﴾ (١).
يهيئ الناس لنصرة النبي ﷺ .
o قال تعالي: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ً﴾ (٢). مضمون هذه الآية أن كل أُذن في العالم من حقها، أن تسمع ما لها من الكرامة عند الله .. وكل أُذن في العالم، من حقها أن تسمع، ماذا عليها من التبعات، وما لها من الويل، إن عصت الله .. وكم أذن في العالم لا سمعت ولا عندها خبر، بسبب الأنصار قاعدين في بيوتهم يضحكوا.
o قال تعالي: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ... ً﴾ (٣). . يعني اذكر أيها المسلم وظيفة إبراهيم واشتغل بها .. اذكر جهده واستلم نيابة النبي ﷺ .
وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَىَ ... ﴾ (٤) .. اذكر أيها المسلم وظيفة موسي واشتغل بها .. اذكر جهده واستلم نيابة النبي ﷺ .
o أركان العبادات، أركان عظيمة، ومع ذلك لم يفصلها ربنا في كتابه العزيز، فمثلا: ﴿وَأَقِيمُوا الصّلاَةَ﴾: سمح الله لأئمتنا أن يجتهدوا، ففي مسألة آكل لحم الجذور، اختلف الفقهاء في كون أكل لحم الإبل ناقضاً للوضوء علي قولين:
الأول: يرى أن أكل لحم الإبل ناقض للوضوء، وهو قول الظاهرية، والمعتمد عند
стр. 287
الحنابلة، وإليه ذهب الإمام الشافعي في القديم، واختاره بعض فقهاء المالكية كابن العربي، وبعض فقهاء الشافعية كابن خزيمة، وأبي ثور، وابن المنذر، والبيهقي، والنووي.
الثاني: يرى أن أكل لحم الإبل لا ينقض الوضوء، وهو قول جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية، والشافعية - في الصحيح عندهم -، والزيدية.
والمجتهد إذا اجتهد وأصاب له أجران، وإذا اجتهد وأخطأ له أجر.
فالصلاة ركن من أركان الإسلام، ولو اختلفنا فيها فلا بأس، ولكن لا يسمح لنا أن نقول: دعوة صحيحة ودعوة باطلة.
ما وجدنا أحد يقول: أنا أتجول علي المذهب الشافعي .. وآخر يقول: أنا أتجول علي المذهب الحنفي ... وهكذا.
الله وضع لنبيه ﷺ تجارب إخوانه من الأنبياء السابقين ﵈، في الدعوة إلي الله.
فأمام النبي ﷺ سيرة ١٢٤ ألف نبي ورسول صلوات ربي وسلامه عليهم، قال تعالى: ﴿أُوْلََئِكَ الّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (١). فنتجول علي طريقة ١٢٤ ألف نبي ورسول، وطريق الأنبياء في الدعوة طريق واحد، أما في الصلاة: فنصلي بطريق نبي واحد، هو طريق نبينا محمد ﷺ ، ونتوضأ علي طريق نبينا محمد ... . ﷺ
o قال تعالي: ﴿إِنّ هََذِهِ أُمّتُكُمْ أُمّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٢)﴾ ويقول أيضا: ﴿وَإِنّ هََذِهِ أُمّتُكُمْ أُمّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبّكُمْ فَاتّقُونِ﴾ (٣).ففي الدعوة
стр. 288
تتوحد العواطف والمشاعر والفكر، وبذلك تصبح أمة، ومعني أمة يعني أجناس مختلفة، أشكال مختلفة.
o أكبر ثمرة لهذا الجهد المبارك، توحيد الأمة (فكر واحد .. هم واحد) لذا كانت أعظم ثمرة هي تكوين أمة ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ﴾.
أما أصحاب موسى ﵇ ما استطاعوا أن يقيموا أمة، حتى وهو بين أظهرهم مع قوته وعزمه، قال تعالى: ﴿وَقَطّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً﴾ (١).
o َهل الدعوة فرض عين أم فرض كفاية؟
أسخف سؤال نسمعه هذا السؤال، لأنه لم يوجد صحابي سأل هذا السؤال.
من أجل الدنيا يذهب الإنسان ليتدرب على وظيفته في الصين ليجود عمله، فرض عين!!!
فكيف نفرغ الوقت لنجود الدعوة إلي الله ، ونقوم عليها، حتى يحي الدين في العالم، وبهذه النية حتى يقبلنا الله ﵎.
o ميثاق النصرة:
الميثاق الذي أُخذ علينا هو ميثاق النصرة ﴿و َإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ * فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢)
والذين عصوه يوم السبت: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الّذِينَ اعْتَدَوا مِنْكُمْ فِي السّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ (١).
قال لهم: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾.
وما قال لهم مثل ما قال لعصاة هذه الأمة ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٢) وهو خطاب للمسرفين إلي يوم القيامة ﴿يَا عِبَادِيَ﴾ كم تحمل هذه الكلمة من معاني المحبة لهذه الأمة .. كل هذا بسبب جهد نبينا ﷺ .
o الله يقول لك: ﴿اذْهَبْ﴾ لماذا أنت جالس؟ .. ويقول لك: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ (٣) لماذا أنت ساكت؟
لما تصوم عن كلام الدعوة، أنت بتخرب، هذه وظيفتك، لماذا تُضرب عن الوظيفة.
o الله شدد علي بني إسرائيل، وجعل عليهم الإصرار والأغلال، فكانت العبادة مبنية علي الشدة، إذا جاءت نجاسة علي الثوب، اقطع مكان النجاسة .. فالله وضع عنا هذه الإصرار والأغلال، حتى نرتاح، حتى ننام!!!! الله وضع عنا حتى يشغلنا بما هو أهم.
نحنُ نقول الدين يُسر، ونضع رجل علي رجل، فبعد صلاة الفجر نقرأ كل الجرائد، لسه الظهر ما أذن!!!.
стр. 291
ونسينا أن الله رفع عنا المشقة حتى يُشغلنا بقوله: ﴿وَادْعُ إِلَىَ رَبّكَ وَلاَ تَكُونَنّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١) ..
وبقوله تعالي: ﴿ادْعُ إِلِىَ سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنّ رَبّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٢). .
o قال تعالي: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ... ً﴾ (٣).حين ألقوه في الجحيم .. اذكر كمال التضحيات، النبي ﷺ كان يقدم أكمل التضحيات، ويقول: " اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جدي وهزلي، وخطئي وعمدي؛ وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني؛ أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير " مُتَّفَقٌ عَلَيه (٤).
وعن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال لرَسُول اللَّهِ ﷺ علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: " قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم" مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٥).
ومع تقديم كمال الجهد: ﴿َلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ ً﴾ (٦).
الاستغفار بعد المعاصي، يسمي استغفار العوام.
стр. 292
والاستغفار بعد كمال الجهد، يسمي استغفار الخواص من هذه الأمة.
استغفر الله فقط بالشفتان فقط، ما تشعر بالتقصير .. لا بد أن تشعر أنك ما أعطيت هذا الجهد حقه.
o انشغل بالدعوة إلي الله فكم تستنير وتُنير غيرك.
o الهداية للمجتهد مضمونة .. وللمجتهد عليه غير مضمونة.
o نشكر الله علي هذا الجهد وإن لم نر النتائج، اقتداءً بسيدنا نوح ﵇، كل يوم جهد، وما في نتائج ﴿ذُُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ (١).
o الصحابة ﵃ ظلوا ١٣ سنة في مكة ما عندهم إلا: ﴿يا أَيّهَا الْمُدّثّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبّكَ فَكَبّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهّرْ * وَالرّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبّكَ فَاصْبِر﴾ ْ (٢). ﴿ُ يَأَيّهَا الْمُزّمّل * قُمِ الْلّيْلَ إِلاّ قَلِيلاً * نّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً * إِنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً * إِنّ نَاشِئَةَ اللّيْلِ هِيَ أَشَدّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ (٣). الآيات في مكة لتوظيف الداعي .. ولما كَمُلَ التشريع، نزلت الآيات التي توظف القاضي والمفتي، وفتح الله لهم أبواب الجهاد .. ما في آيات في مكة توظف القاضي والمفتي .. ١٣ سنة في مكة والقرآن يوظف وظيفة واحدة في الأمة.
o بعد وفاة النبي ﷺ ، قام العلماء بتبويب العلم والفقه، ليشمل كل الحياة:
стр. 293
١) فقه العبادات: (باب الإيمان _ باب الصلاة _ باب الصوم _ باب الزكاة _ باب الحج).
٢) فقه المعاملات: (الزواج _ الطلاق _ البيوع _ المواريث _ الجهاد).
o النبي ﷺ له حياتين الحياة المكية والحياة المدنية:
س: ماذا كان يفعل الرسول ﷺ في الحياة المكية؟
ج: القرآن الكريم يوضح هذه الحياة، قال تعالي: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ كَمَن مّثَلُهُ فِي الظّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا كَذَلِكَ زُيّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢).
وقال تعالي: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (٣)
هل يتم ذلك في البيت؟ هل الناس تأتي إليك؟
اذهب إلي المكان الذي فيه الفسق والسيئات، واشتغل في الدعوة، فسيدنا نوح ﵇ كان يري المنكرات علي مدي ٢٤ ساعة، فيدعوهم إلي الله ، وهم
стр. 294
يقولون له: ﴿َ قالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ (١) وهو يدرء بالحسنة السيئة، فيقول: يا قوم .. ملاطفة ودعوة.
كل نبي أعطي أتباعه مستوي معين من العبادة، يجتهد علي نفسه، إلا قرآننا الكريم، قال تعالى: ﴿الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظّلُمَاتِ إِلَى النّورِ بِإِذْنِ رَبّهِمْ إِلَىَ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيد ِ﴾ (٢) ليس تُخرج نفسك .. مقصد قصة نوح، لخرج الناس .. مقصد قصة إبراهيم، لتخرج الناس .. هذا مقصد جميع قصص الأنبياء ﵈ في القرآن، كيف أُخرج الناس من ظلمة العواطف الدنيوية، والتوجه للدنيا بالكلية، إلي التوجه إلي الآخرة بالكلية .. ومن ظلمة التعلق بالمخلوق، وهيبة المخلوق، والخوف من المخلوق، والتوجه إلي المخلوق، إلي نور التوجه إلي الخالق العظيم، والتعلق به .. ومن ظلمة التعلق بالأموال، وتقديس قيم الأموال، والتحدث عن قيم الأموال، إلي التحدث عن فضائل الأعمال.
o قال تعالى: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ (٣) وهم الأنبياء قبل ختم النبوة جُلهم من بني إسرائيل، شرف أخذه بنو إسرائيل، وببركة ختم النبوة: ومن قوم محمد؟ ومن العرب؟ لا صحح قراءتك: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ (٤)
وهي أمة محمد ﷺ بأكملها، قرأ ابن عباس هذه الآية، وقال: هذه ميزتكم يا
стр. 295
أمة محمد.
o لما نزلت: ﴿يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا كُونُوَاْ أَنصَارَ اللهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيّينَ مَنْ أَنّصَارِيَ إِلَى اللهِ قَالَ الْحَوَارِيّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللهِ فَآمَنَت طّآئِفَةٌ مّن بَنِيَ إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طّآئِفَةٌ فَأَيّدْنَا الّذِينَ آمَنُوا عَلَىَ عَدُوّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ (١) فأول قدم تحركت هي قدم نبينا ﷺ فكان أول من نصر الدين، وقال: من ينصرني؟.
o فيجب علينا أن نفعل مثل ما فعل نبينا ﷺ ، نحرك أقدامنا وننصر الدين، ثم نقول: من يخرج في سبيل الله؟ من مستعد؟.
* * * * *
стр. 296
وختاما
نحمد الله علي توفيقه أن من علينا وأصدرنا هذا الكتاب الطيب الممتع في مادته، الممتع في بيانه، القوي في برهانه.
وأسأله سبحانه وتعالي أن يوفقنا لحمل الأمانة، وتبليغ الرسالة، وأن يجعلنا أهلا لما أهلنا الله له، ولما وصفنا به فقال عنا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لّهُمْ مّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١).
وأسأله سبحانه وتعالي أن يُحركنا في العالم لنشر دينه، كما حرك أصحاب نبيه ﷺ وأن يجعل الدعوة إلي الله أحب إلينا من أنفسنا وأموالنا وأهلينا .. اللهم! آمين.
تم
بحمد الله وتوفيقه
ترقبوا صدور الجزء الثاني
* * * * *
стр. 297
المراجع
١) القرآن الكريم.
٢) مختصر تفسير القرآن العظيم لأبن كثير - الصابوني - طبعة دار التراث العربي للطباعة والنشر بالقاهرة.
٣) زاد المسير في علم التفسير _ لابن الجوزي.
٤) رياض الصالحين للنووي - طبعة المكتب الإسلامي - بيروت - الطبعة الأول ١٤١٢ هـ.
٥) مشكاة المصابيح - للخطيب التبريزى - المكتب الإسلامي - بيروت - الطبعة الثالثة ١٤٠٥ هـ.
٦) صحيح البخاري - طبعة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية.
٧) صحيح مسلم شرح النووي - طبعة المطبعة الأميرية بالقاهرة.
٨) سنن النسائي - طبعة دار الحديث بالقاهرة.
٩) سنن الترمذي - طبعة دار ابن الهيثم بالقاهرة.
١٠) مستدرك الحاكم - طبعة بيروت - لبنان.
١١) المتجر الرابح في ثواب العمل الصالح للدمياطي - مكتبة التراث الإسلامي بالقاهرة
١٢) سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد للصالحى الدمشقي - طبعة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية.
١٣) البداية والنهاية لابن كثير - طبعة دار ابن رجب.
١٤) تاريخ الإسلام للذهبي - طبعة دار الغد العربي بالقاهرة.
١٥) حياة الصحابة للكاندهلوي - طبعة دار المعرفة - بيروت - لبنان.