﴾ (١) وعندنا ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ (٢) وعندنا ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (٣)، يارب خذ بأيدينا فتقول ﴿إِِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وتطلب من الله الزيادة والترقي والثبات، ليس لنفسك فقط، بل حتى لا يبقى إنسان في الكون إلَّا ويركع لله ، فالهداية مقصد حياة المسلم.
يقول أحد الصالحين: وَدِدْتُ أن أُقَطع إرباً إرباَ ولا يُعصى الله في الأرض، فكأنه يقول ما رأيك لو تُقَطَع إربا إربا ويكون جميع الناس مهتدين لا يعصون الله، فهو مستعد لأي ثمن لتحقيق المقصد - أي الذي تضحي من أجله - وهو الهداية لنا وللناس كافة.
وآخر يقول: وَدِدْتُ لو تَغْلِي بِيَ المراجل (أي يوضع في القدر ويغلي به كطهي اللحم) ولا يعصى الله في الأرض.
فمن أجل هذا المقصد تقطعت نِعال الصحابة، ومن أجله جُرحوا وقُرِّحوا، وبسبب الصدق في التضحيه لهذا المقصد، أعطى الله الهداية لملايين من الناس يسبب جهدهم، ولأجل هذا المقصد خرجنا ثلاثة أيام بالصعوبة، ونقول: يا الله بسبب هذه الثلاثة أيام أعطي البشرية الهدايةً فهو مقصد عظيم، أعطيناه تضحية بسيطة، مقصد عظيم: ﴿اهدِنَا﴾، أعطيناه أيام قليلة.
يصلي المريض ويقول ﴿اهدِنَا﴾ ولا يقول اشفنا لأن الهداية مقصد عظيم والشفاء مطلوب، فالهداية مطلوبة، والشفاء مطلوب لكن الشفاء حاجتنا والهداية مقصد حياتنا٠٠ فلو مات الإنسان مريضا فالله يعطيه أجراً ويدخله الجنة٠٠
стр. 247
لكن لو مات المريض ضالأً، لم يكن يصلي وهو مريض فيدخل النار وما شفع مرضه له.
فالهداية مقصد حياة الشبعان ٠٠ ومقصد حياة الجائع٠٠ ومقصد حياة المريض ٠٠ مقصد حياة الصحيح ٠٠ ومقصد حياة الملك والمملوك، إذن اهدنا وحّدت مقصد الأمة، فالكل يقول ﴿اهدِنَا﴾.
لكن الآن الأمّة مقصدها ليس واحداً لأن ﴿اهدِنَا﴾ مقصد لفظي، فالجائع يقول: ﴿اهدِنَا﴾ وبقلبه يقول أطعمنا، والعُزَّاب لسانهم يقول ﴿اهدِنَا﴾ وقلوبهم تقول ياالله زوجنا، فالمقصد اللفظي لا يُوَحِّد، لكن عندما جماعة الدعوة خرجوا لاجتماع في بنجلاديش، ملايين الناس من ٢٠٠ جنسية، لكن كل واحد منهم مقصد حياته كيف الله ... يُنزل الهداية علي أمة الحبيب محمد ﷺ .
فنحن نجتهد لا ليكون ﴿اهدِنَا﴾ مقصد لساني لفظي، فمقصدك في قلبك لكن اللسان يعبر، فالمقاصد في القلوب ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ (١)، فلا يضاف المقصد إلى اللسان، مقصد اللسان، مقصد العين، لكن مقصد القلب، فأنت عندما تسافر إلى مكان ما، لا تقول أقصد بلد فلان ولكن مقصدك بقلبك، فكيف يكون مقصد ﴿اهدِنَا﴾ مقصد أربع وعشرين ساعة، ليس مقصد صلاة بل مقصد حياة، تدعو الله بالصلاة أن يعطيك الهداية.
و ﴿إِِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ منهاج حياة، لكن ﴿اهدِنَا﴾ مقصد حياة، والحياة بدون مقصد وبال قِلَّتُها أحسن منها، بدونها يقول الكافرُ يوم القيامة ﴿إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ لمن لم يحمل هذا المقصد، فبدون هذا المقصد، تكون حياة الحيوان أحسن من
стр. 248
حياة هذا الإنسان، لأن الحيوان قام بمقصده، لكن الإنسان أُعطي مقصداً، وما قام به، فالحيوان خلق ليكون حيوانا، أما أنت فخلقت لتكون إنساناً كاملاً حياتك مثل حياة الأنبياء.
قوله تعالي: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾
وحينئذ تأتي النصرة من الله ٠٠ ولكن إذا حصل تحول في القلوب، كانت الهزيمة، حتي ولو كان قائد الكتيبة محمد ﷺ كما في غزوة أُحد وحنين.
فالخطر في الطريق أنه طريق واحد، وليس فيه اعوجاج.
وإذا أردت أن تسير علي هذا الطريق، فلا بد لك من النظر في سيرة الذين نهجوه قبلك وكيف مشوا عليه قبلك.
لأن الذين سبقوك علي هذا الصراط، هم السبب في هدايتك ونجاحك.
فعندما يدخل أهل الجنة، الجنة، فكل فوج يدخل يُسلم علي الذين سبقوه، لأنهم كانوا السبب في نجاته، فاللاحق يسلم علي السابق.
وكذلك أهل الضلال في النار، قال تعالي: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاء أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِن لاَّ تَعْلَمُونَ﴾ (١).
فكل فعل فعلوه، وكل أذي تحملوه، وكل نهج انتهجوه، فلا بد أن تسير علي ضربه.
وصراط من هذا؟ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾
قف مع هذه الآية: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ فأول هدايتك من البشر هم الأنبياء والرسل، فيجب النظر في حياتهم، فانظر في حياة إبراهيم ﵇، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنّهُ كَانَ صِدّيقاً نّبِيّا ً﴾ (١). هذا الذي ربنا هداه، أقول يا رب! أنا أريد حياة مثل حياة إبراهيم ﵇، الحياة المملوءة بتقديم التضحيات من أجل الله تبارك وتعالي، أُلقي في النار من أجل الله تعالي، ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ ً﴾ (٢) ٠٠ ترك زوجه في الصحراء من أجل الله ... قصصه كثيرة في القرآن تبين تضحيات إبراهيم من أجل هداية البشرية ٠٠فكل يوم أنت تطلب بنفسك يا الله أعطني جولات إبراهيم ﵇، وفكر إبراهيم ﵇، وأخلاق إبراهيم ﵇.
وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَىَ إِنّهُ كَانَ مُخْلِصاً وَكَانَ رَسُولاً نّبِيّاً﴾ (٣).وكل يوم يا الله أعطني صبر موسى على الدعوة، كم تعب في دعوة بني إسرائيل ٠٠ وكم صبر عليهم؟!.
وانظر في حياة خاتمهم محمد ﷺ لقد أُلقي علي رأسه الشريف فرث الجذور وهو يصلي، فصبر وتحمل علي هذا الإيذاء، ولم ييأس، فيجب أن تتحمل كما تحمل وتتعب كما تعب، وتصبر كما صبر ٠٠ كُسرت رباعيته من أجل الدين، وشج وجهه من أجل الدين، ودميت قدماه من أجل الدين، وخرج من الطائف هائما علي وجهه فلم يستفق إلا بقرن الثعالب من أجل الدين، ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ فإذا أردت الهداية فاجعل حياتك شبيهة بحياتهم.
стр. 251
وكذلك انظر في حياة الصحابة الكرام، وعلي رأسهم أبو بكر الصديق ﵁ فالنبي ﷺ قال ": خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم .... " متفق عليه (١).
فعليك بحياة الصحابة الكرام، فمنهم من قطعت يداه من أجل الله تعالي، مثل جعفر الطيار ٠٠ ومنهم من قطعت أُذناه من أجل الله تعالي مثل عبد الله بن جحش ٠٠ ومنهم من بقر بطنه وأكلت كبده، مثل سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ٠٠ ومنهم من أكل ورق الشجر حتي تشققت شدقاه مثل سعد بن أبي وقاص وأصحابه ٠٠ كلهم أُوذوا وتحملوا، وابتلوا وصبروا من أجل الدين ٠٠ فإذا أردت الهداية فعليك بطريقهم، صراطهم وليس صراط غيرهم ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾،
﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾: وهم اليهود، ﴿وَلاَ الضَّالِّينَ﴾: وهم النصاري.
فإذا رأيت مالك ينقص ومالهم يزداد فلا تحزن ٠٠ وإذا رأيت ملكك ينقص وملكهم يزداد فلا تحزن ٠٠ وإذا رأيت تجارتك تنقص وتجارتهم تزداد فلا تحزن ٠٠ ومعك فاتحة الكتاب في صدرك، قال تعالي: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ *لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢).
стр. 252
فكيف إذا كنت كل يوم تطلب الهداية، ولا تأتي الهداية، لأنك لا تقصد ما تقوله، لسانك يطلب، وقلبك لا يطلب، فاللسان ترجمان القلب، فإذا طلب الإنسان، ولم يطلب القلب، إذاً أصبح اللسان كذاب، ولا يستجاب لدعائه، ليس أهل التبليغ، يقولون لك: أُخرج ٤٠ يوم، ولكن أنت تطلب يا الله أخرجني.
تقول اهدني، كيف هي هداية موسى؟ كم تعب موسي ﵇ فيا الله إجعلني أُضَحِّي كما ضَحَوْا، فأنت كل يوم تطلب من الله جهد الدعوة.
كل يوم المسلم يطلب من الله جهد الدعوة وعندما تأتي تُشَكِّلُه يهرب، فهو يطلب شيئا يهرب منه، يطلب شيئا ولا يحبه، فمطلوبك ما أصبح محبوبك، مطلوبك الهداية، ومحبوبك الذهب، تضحك على الله، لسانك يقول يا الله اهدنا ولكن فقط مجاملة، المطلوب على اللسان الهداية، والمحبوب في القلب هي الدنيا.
ليس ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾ صراط كصراطهم ولكن بلا (ك)، بل مطابقة كأنه هو، كيف حياتنا تطابق حياتهم وفكرنا يطابق فكرهم وهذا أقوى تشبيه، تشيبه المطابقة، فهذا أعظم مقصد، وأعظم مطلب، وأعظم ما نرجوه طَمَعَنَا ربنا فيه، وقال اطمعوا فيه، واطلبوه بحق أُعطيه لكم، طلب الصحابة بحق فليس هناك صحابي ضال، بل كمّل الله هدايتهم، ونحن كل يوم نقول ﴿اهدِنَا﴾ ولم يعطينا، فالكريم يعطي فكيف إذا ألْحَحْت عليه بالدعاء، لوهناك غني وأنت فقير وطلبت منه ألف ريال، وهوعنده مليارات من الريالات، وهو كريم جدا، فهو أغنى واحد، وأكرم واحد، وأنت كل يوم تطلب منه هذه الألف ريال، ولم يعطك فهل يبقى كريم؟ كلا فقد صار بخيلا، ولله المثل الأعلى الذي عنده خزائن الهداية وكل يوم ١٧ مرة على الأقل في الركعات المفروضة تقول ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾ فما السبب أنّ الله لا يعطينا؟ لأنه ما عندك صدق في الطلب، مثالك مثال: الفقير
стр. 253
قليل الأدب يدير ظهره للغني، وبلا مبالاة يطلب من الغني العطاء، ولكن أنت اسأل بالأدب والحاجة والافتقار كما الفقير يسأل منكسراً محتاجا.
فلو طلبنا هذا المقصد بالانكسار والافتقار والاحتياج والصدق لأعطانا الله إياه.
كيف؟ عندما يكون ولدك مريض ولا ينفعه دواء والطبيب يقول لك ما بقى إلا ربك يشفيه، فكيف تطلب الشفاء لهذا الولد؟ للأغراض الدنيويه صلاة الحاجة كل يوم نصليها، ولكن هذه صلاة الحاجة لأي شيئ شُرعت؟ لقضاء أكبر حاجة، ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ (١) على حاجة الدعوة، استعينوا كل يوم تصلي صلاة الحاجة، ما هي حاجتك؟ يا الله ﴿اهدِنَا﴾ فكل صلاة تسمى صلاة الحاجة، وليست للحاجات الدنيوية فقط، ولكن الهداية هي حاجة الحاجات، ونحن أحوج ما نكون للهداية، كل يوم نُصلي حتى الله يقضي حاجتنا، وأنت ساجد تقول: ﴿اهدِنَا﴾ ولكن قلبك على الهداية، تقول سبحان ربي الأعلى وقلبك يا الله أعطنا الهداية.
استعينوا على هذا المقصد، كيف الله يجعلك داعية ويصبرك على الدعوة كما صبر الأنبياء.
﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ﴾ على قضاء هذه الحاجة، أن يعطينا صفات الأنبياء، وأخلاق الأنبياء، ويثبتنا كي لا نُفْتًن.
ربنا ذكَرَ مَنْ هم المنعم عليهم ومن هم الذين ماتوا مغضوبا عليهم فذكر ماذا قال قارون، وماذا قال فرعون، وذكر ما هي اليهودية، والله ﷻ ما ذكر أسماء بل ذكر صفات، ﴿َ لَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللهُ
стр. 254
بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ (١) هذه يهودية، قل غَيِّر يا الله، لا تجعلني أحرص على الحياة مثل اليهود.
﴿إِِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ِ﴾ يا رب! أعطني حياته، فكل صفة ربنا أعطاها للصالحين، قل: يا رب! أعطنيها.
وكل صفة فتن بها الكفار والمشركين والفساق، فقل: يا الله! باعد بيني وبين هذه الفتنة، وهذه الصفة.
عندنا يهود وعندنا يهودية والمذكور في القرآن اليهودية أي الصفات، ماهي اليهودية الموجودة في القرآن، والتي نقول يا الله باعد بيننا وبينها، وجنبنا شرها؟، هذه صفات اليهودية.
حب الدنيا ﴿وَلَتَجِدَنّهُمْ أَحْرَصَ النّاسِ عَلَىَ حَيَاةٍ﴾، ليس الحياة بل (حياة) ولو مع قرف، وخمسين مرض، لا يحب أن يموت، لأن أقل حياة، أحسن من مستقبله بعد الموت، والمرض بحد ذاته جحيم، واليوم الشيبة عندنا لو عمره ثمانين سنة، ومَرِض وعلاجه فقط في أوربا، ويكلفه نصف مليون ريال وعنده اثنين مليون ريال، يقول أدفع؟، بدل ما تضع نصف مليون أنفقهم في سبيل الله ومت، لكن اليهودي لا يريد أن يموت، ويفعل المستحيل لكي يؤخر الموت، يومان أو ثلاث، وهكذا نحن غير مطمئنين على الآخرة.
وصفة: ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ (٢)
﴿َ سمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ (٣)﴾ (٤) هذه يهودية.
стр. 255
ونحن نخرج في سبيل الله ، حتى نسمع قال الله ، وقال رسول الله ﷺ ، حتى نُخْرِج هذه الصفة من حياتنا.
وصفة: ﴿ٌتَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتّىَ ذَلِكَ بِأَنّهُمْ قَوْمٌ لاّ يَعْقِلُونَ﴾ (١). كل المسلمين في بيوتهم قلوبهم شتى، وما في قلب واحد على الثاني، هذا يُشَرِّق وهذا يُغَرِب، وعندما نخرج في سبيل الله ليست هناك قلوب شتى، بل قلوبنا متوجهة، اللذين هنا في المسجد وجميع الدعاة في العالم قلب واحد.
﴿وَقُلُوبُهُمْ شَتّىَ ِ﴾ وكل يوم نقول: غَيِّر يا الله، فقوة المطابقة في حياتك لحياة الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين ٠٠ وقوة المغايرة في حياتك للمغضوب عليهم، هو الهداية.
واليوم مغايرتنا هي حَلْقِية (أي بالكلام) وليس هناك مغايرة حقيقية.
غَيِّر مغايرة السلوك للسلوك، مغايرة الأخلاق للأخلاق، ومغايرة الفكر للفكر.
وصفة: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَىَ لَن نّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الّذِي هُوَ أَدْنَىَ بِالّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنّ لَكُمْ مّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذّلّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مّنَ اللهِ ذَلِكَ بِأَنّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النّبِيّينَ بِغَيْرِ الْحَقّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وّكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (٢).
стр. 256
ما اسم هذه اليهودية؟ هذه اسمها تَتَبُع الشهوات، ونحن عندنا تَتَبُع المجاهَدات، فمن زيارةٌ إلى جولة إلى انتقال، كلها من مجاهدة إلى أخرى، ولكن تجلس في البيت تَتَبع الشهوات، فهات شاي، وهات قهوة، ما عنده إلا مزاج الشهوات.
فنحرج حتى نُخْرٍج هذه اليهودية، وهي تتبع الشهوات: ﴿وَاللهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا﴾ (١).
الجنّةُ خُلقت لِتَتَبُع الشهوات ﴿: يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٢) وأما في الدنيا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (٣)
وصفة: ﴿لُعِنَ الّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِيَ إِسْرَائِيلَ عَلَىَ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وّكَانُوا يَعْتَدُون * كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٤). هذه اليهودية اسمها عدم الغيرة على محارم الله.
فلعنهم الله على لسان أنبيائهم، ولو قال على لسان محمد لقالوا: محمد ما يحبهم.
стр. 257
فإذا جلسنا تأتي هذه اليهودية في حياتنا، إذا كان جارك تارك للصلاة زوره _ ما لي وما له _ ﴿ِ كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مّنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ تأتي هذه اليهودية في حياتنا في الجلوس.
المشايخ يقولون لا ننتصر على اليهود، إلا أن نخرج صفة اليهودية من حياتنا، فاليهودية هي يهودية الصفات، فما كان رسول الله ﷺ يَتَقَزَزُ من يهودية الذات فالذوات ليست نجسة، يصافح اليهود، دعته يهودية لطعام فاستجاب، وفي المعاملة استلف منهم ﷺ ، فما تتقزز منهم، وأما نحن فنتقزز من ذواتهم، ولكن الصفات نعانقُها، فإذا جاءَنا عربي وعنده اليهودية فنعانقه، ونقول له مرحبا لأنه عربي، فربنا ما خلق في رحم الأم دما يهوديا، ودما عربيا، ولكن الله خلق إنسانا، ولمّا هذا الإنسان يَذٍلُّ، ويكذب، ويأكل السحت، صار يهوديا.
فاليهودية صفات، والإسلام صفات، وليس ذوات، لو حللنا دمك ما يطلع أنت مسلم، أو يهودي، ولكن لو حللنا صفاتك تعرفك.
فصفاتهم إذن فينا، صفة التبرج، وصفة حب الدنيا، وصفة الكذب، وصفة أكل الحرام، ﴿َبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا﴾ (١)
جميع العوالم، عالم البشر، عالم الطيور، عالم الملائكة، عالم الجان، عالم النيران وكل العوالم مربوبة، وعالم الصحة، ما تأتيك ذرة من عالم الصحة إلا بإذن ربها، وما تأتيك ذرة من المرض إلا باذن ربها، ما تسقط من ورقة إلا يعلمها، رب كل شاء، رب الشياطين، ورب الملائكة، الشيطان يعرف ربه: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (٢) ولكنه عصى، فما عنده لا إله إلا الله
стр. 258
فهو تمرد على ألوهيته، لكن ليس لديه رب آخر، مثل الطفل الصغير يتمرد على أبوه لكن ليس لديه أب آخر، وهكذا الشيطان، فما يقدر يعيش بنفسه.
وفي سنن النسائي وكتاب ابن السني، عن صُهيب ﵁: أن النبيّ ﷺ لم يرَ قريةً يُريد دخولَها إلا قال حين يَراهَا: " اللَّهُمَّ رَبَّ السمَوَاتِ السَّبْعِ وَما أظْلَلْنَ، وَالأَرْضيِن السَّبْعِ وَما أقْلَلْنَ، وَرَبَّ الشَّياطينِ وَمَا أضْلَلْنَ، وَرَبَّ الرّياحِ وَمَا ذَرَيْنَ، أسألُكَ خَيْرَ هَذِهِ القَرْيَةِ وَخَيْرَ أهْلِها وَخَيْرَ ما فيها، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّها وَشَرّ أهْلها، وَشَرّ ما فِيها ". (١)
يا رب! بحق هذا الإسم يعني الله، وما معنى: (الله)؟ يعني المعبود، تقول إياك نعبد.
الحمد لله على التوحيد العقلي، الاعتقادي، القلبي، يعني قلبك اعترف بأنه الله، لكن قلبك اعترف بأنه الله، والجوارح تعصي، إذن الحمد لله، كيف تتفاعل مع الله ﴿إِِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، صار توحيد عملي، ولما نقول: ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فما دام رب العالمين، لا أحد يقدر أن يعينك، إذن: ﴿وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فالرب يُستعان به والإله يُعبد، فتقول الحمد لله أي الإله بحق أن يُعبد، ﴿إِِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، ولمّا نقول: ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ استرحم، وأعظم رحمة هي الهداية، (اهدنا)، ولما تقول الرحمن تذكر أعظم رحمة، ولما تُسمع الله (إياك نعبد)، ولما تسمع (رب)، ﴿وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
وهكذا بدأت السورة بالتوحيد العلمي (الله، رب، رحمن) وبعد ذلك بالتوحيد العملي (اهدنا، نعبد، نستعين)،أعتقد بأنه إلهاً ربا رحيما، ولما تقول: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ تذكر كم نعمه في الجنة، رضا وحور وقصور فتقول ﴿
стр. 259
صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ وكم غضب الله في النارمن الحميم والغساق فتقول: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّين﴾ غير المغضوب عليهم.
فمن مستعد يُحْيٍي ﴿إِِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ يجعلها منهاج ٢٤ ساعة، ﴿وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ يجعلها عبودية ٢٤ساعة، ويجعل ﴿اهدِنَا﴾ مقصد حياة عن طريق هذا الجهد المبارك، وربنا يجعل جهد الدعوة المبارك سبب لإحياء الدين كله في العالم كله وإلى يوم القيامة؟. مستعدين إن شاء الله؟؟؟
اللهم! لك الحمد يا رب! كما يرضيك عنا، اللهم صلي على محمد نبينا.
اللهم! يا رب! اغفر لأمة نبيك، وارحم أمة نبيك، واهدي أمة نبيك، وأقم أمة نبيك على جهد وفكر ومقصد نبيك.
اللهم! يا رب! اغفر وارحم وتجاوز عمّا تعلم إنك أنت الأعز الأكرم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
* * * * *
стр. 260
مذاكرة
في جهد الدعوة إلي الله
قال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (١).َ
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٢)
وقال تعالى: ﴿وَالّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣).
الأسرة المحمدية، جاعت من أجل الأمة .. تسع أبيات وما يستطيعوا أن يُضيفوا ضيف واحد (٤) وبيتي أنا يستطيع أن يُضيف ألف ضيف لأني ما جوعت
стр. 261
الأسرة، ولكن جوعت الأمة.
شرع الله لنبيه ﷺ خُمس الغنيمة، ولو أمسك ﷺ نصيبه من الغنائم التي أحلها الله له، وهي أطيبُ الحلال، قال تعالي: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (١) لكان ﷺ أغنى رجل في العالم، ولكن أنفقها من أجل نشر الدين، وكان يُعطى المسلم الجديد مائة ناقة ليألف قلبه كما فعل في غزوة حنين (٢) ويطوي علي بطنه الحجارة من أجل الدين.
стр. 262
أعلي مرتبة في العبودية: هي أن تكون عبادتك قدوة للناس ٠٠ ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (١) قدوة للمتقين، للحاضرين والغائبين إلي بوم القيامة، وقبل ختم النبوة لم تُعط هذه المنزلة إلا للأنبياء ﵈.
الله مجد صفات موسى ﵇، نقتدي به ولا نقتدي بأصحابه، فأصحابه قالوا: ﴿فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ (٢) ما يستحقوا أن يكونوا قدوة، لكن موسى ﵇: ﴿قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (٣) لكن أمة النبي ﷺ ، جعل لكل فرد فيها الأهلية أن يقول: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾.
ميزة الأمة:
стр. 263
١) تقديم الجهد:
أ _ يَمْشُونَ: (قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبّكَ فَكَبّرْ (١))
ب _ يِبِيتُونَ: ﴿لِرَبّهِمْ سُجّداً وَقِيَاماً﴾ (٢) _ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (٣)
_ ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ (٤) _ قُمِ الْلّيْلَ إِلاّ قَلِيلاً (٥)﴾.
٢) تطلب من الله النتيجة.
أولا: نقدم الجهد، يعني: تزرع، ثم تقول يا الله أعطيني الزرع ٠٠ فأولا يمشون .. يبيتون ٠٠ لكن لو يجلسون ويضحكون، ويرفعون أيديهم ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ يا أخي الآن أنت إمام الغافلين ٠٠ أنت تضحك وتلعب ٠٠ كيف تدعو بهذا الدعاء.
لهذا يقول علماؤنا ومشايخنا الأفاضل (يعلمُ الله أننا لانقول كلمة واحدة أتينا بها من الجامعات، ولا من الكتب، بل من أهل الجهد) يقولون: بدأ الدين بتوبة آدم، كذلك بدأ الدين بالتوبة من عبادة الأصنام ٠٠ والأنبياء ﵈ كانوا أزكي الناس، وأفهم الناس، فما كانوا يعبدون الأصنام (عصمهم الله قبل البعثة وبعد البعثة) فكان النبي ﷺ يذهب إلي غار حراء يتعبد ويتحنث الليالي ذوات العدد يهيئه الله للبعثة.
стр. 264
والله تبارك وتعالي، قال للنبي ﴿: ﷺ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ﴾ (١) فكثير من الصحابة ﵃ كانوا عباد أصنام، وكانوا يشربون الخمر، فلو أن أحد الناس تلطخ بهذه الأشياء ثم تاب وعاد ما نستطيع أن نقول لك: ليس عندك أهلية، بل نقول له: استلم جهد نبيك ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ﴾ يعني أمتك كلهم.
فبالدعوة نتحصل علي ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾، وبالعفو نتقي عذاب الله، وبالغبار في سبيل الله، نتقي عذاب الله، فعن أبي عبس عبد الرحمن بن جبير، ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار " رواه البخاري (٢).
وعن أبي هريرة ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يلج النار رجل بكي من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع على عبد غبار في سبيل الله ودخان جهنم " رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح (٣).
الدعوة ثم التقوي ثم الإمامة ثم الاستخلاف (الخلافة)،قال تعالى: ... ﴿وَالّذِينَ يَقُولُونَ رَبّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرّيّاتِنَا قُرّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتّقِينَ إِمَاما﴾ (٤) وهذا الجهد يُعلم التقوي.
الفرق بين إمام الصلاة ٠٠ وإمام التقوي (الدعوة):
стр. 265
إمام الصلاة: يقتدي به وقت الصلاة فقط.
وإمام التقوي (الدعوة): يقتدي به طول ٢٤ ساعة.
o الأمة اليوم تُريد الاستخلاف قبل الدعوة والتقوى والإمامة، قال تعالى:
﴿قَالُوَاْ أَإِنّكَ لأنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهََذَا أَخِي قَدْ مَنّ اللهُ عَلَيْنَآ إِنّهُ مَن يَتّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١).
المراحل التي مرت بها الأمة هي:
التوبة ٠٠ فالدعوة مع الصبر والتحمل ٠٠ فالتقوي العامة ٠٠ ثم التقوى الخاصة ٠٠ فالإمامة ٠٠ فلما وصلت الأمة إلي مرحلة الإمامة استخلفهم الله في الأرض، قال تعالي: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢).
ما الفرق بين الإمامة والاستخلاف؟
تعريف الإمامة: هي أن يصل الداعي إلي مرتبة القدوة ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (٣) يقتدي بأخلاقه، بحلمه، بعفوه، بصفحه، بكرمه، يعني منهاج
стр. 266
العبودية الذي عنده، يكون قدوة للعالمين.
أما الاستخلاف: إمامة مع تمكين .. إمامة مع قوة .. تستطيع أن تفرض المنهج علي الناس (الإسلام .. أو الجزية .. أو السيف)
سيدنا نوح ﵇ كان إمام .. وسيدنا إبراهيم ﵇ كان إمام ولكن لم يُعطيا قوة ليفرضا الدين علي الناس.
من الممكن أن يكون إماما للمتقين ويدعو في الخفاء، فالرسول ﷺ كان إماما للمتقين واختبأ في الغار.
لكن الاستخلاف يُعطيك قوة تُفرض هيمنة الدين علي الناس.
فمعظم الأنبياء حققوا الإمامة ولكن لم يستخلفوا.
فالاستخلاف لا يكون إلا مع التمكين، لهذا قرن الله الاستخلاف بالتمكين، قال تعالي: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١).
ويمكن أن تكون إماما في التقوي ويضربونك ويخوفونك، فالصحابة ﵃ كانوا يحققون إمامة التقوي في مكة، يدعون ويجوعون، يدعون ويضربون، يدعون ويخافون، لكن بعد التمكين ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾، يُصبح الداعي في أمن ثم يُعطي الأمن لغيره، كما حدث في فتح مكة: فعن أم هانئ ﵂ قالت: لما كان عام يوم الفتح فر إلي رجلان من بني مخزوم فأجرتهما، قالت: فدخل علي، علي بن أبي طالب، فقال: أقتلهما، قالت: فلما
стр. 267
سمعته يقول ذلك أتيت سول الله ﷺ وهو بأعلى مكة، فلما رآني رسول الله ﷺ رحب وقال: " ما جاء بك يا أم هاني، قالت: قلت: يا رسول الله! كنت أمنت رجلين من أحمائي، فأراد علي قتلهما، فقال رسول الله ﷺ : " قد أجرنا من أجرت "، ثم قام رسول الله ﷺ إلى غسله فسترته فاطمة، ثم أخذ ثوبا فالتحف به، ثم صلى رسول الله ﷺ ثمان ركعات سبحة الضحى (١).
وأمن عكرمة بن أبي جهل: فهذه أم حكيم امرأة عكرمة بن أبي جهل قالت لرسول الله ﷺ : يا رسول الله! قد ذهب عكرمة عنك إلى اليمن، وخاف أن تقتله، فأمنه يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ :" هو آمن " فخرجت أم حكيم في طلبه، حتى أتت به من ساحل اليمن وأسلم ﵄ (٢).
فالتمكين ليس بعده ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾، لكن بعده: ﴿فَاصْفَحِ الصّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ (٣) كما حدث في فتح مكة أيضا: قال رسول الله ﷺ : " يا معشر قريش ماذا تقولون؟ ماذا تظنون؟ " قالوا: نقول خيرا ونظن خيرا، نبي كريم، وأخ كريم، وابن أخ كريم، وقد قدرت. فقال رسول الله ﷺ :" فإني أقول كما قال أخي يوسف: قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٤) اذهبوا فأنتم الطلقاء " فخرجوا كأنما نشروا من القبور فدخلوا في الإسلام (٥)
o فجاء بعد كلمة الاستخلاف التمكين ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾، والآن لا الاستخلاف موجود، ولا الإمامة موجودة، ولا التقوي موجودة، ولا
стр. 268
الدعوة موجودة، ولا التوبة موجودة، وأهل المنكرات في منكراتهم، وأهل المساجد في مساجدهم!!!.
o لما نخرج نبدأ بالتوبة، فالدعوة، فالتقوي.
o ولما نقعد كأننا نقول لا نُريد أن نُغير ولا نبدل.
o الصبر أولا: قال تعالي: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (١).
o مدة الدعوة مع الخوف ثلاث عشر سنة في مكة.
o ومدة الدعوة مع الأمن مئات السنين.
o فخوفك في سبيل الله يسبب الأمن للأجيال القادمة.
o جوعك في سبيل الله يسبب الطعام والثروة للأجيال القادمة.
o فأعظم مصدر من مصادر الثروة المادية لهذه الأمة، تحمل الجوع في سبيل الله ٠٠ جاءت الغنائم وكنوز كسري وقيصر لمسجد النبي ﷺ ، بعد تحمل الصحابة ﵃ الجوع في سبيل الله .
o أحسن عبودية بالليل، عبودية قيام الليل، والتملق والخشوع والخضوع والتذلل لله .
o الإنسان يخرج أربعين يوما، وما في تحديد لقيام الليل، بل بعد العودة من الخروج، يواظب علي استمرارية الحركة الليلية، والحركة النهارية في الدعوة، جولات، زيارات .. لو يحافظ علي ذلك يحق له أن يقول: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾، لكن في النهار تضحك، وفي الليل تلهو، وبعد ذلك تقول: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ إماما لمن؟ للغافلين؟!!!.
حتي تكون إماما للمتقين، قدم السبب علي الدعاء، والسبب (يمشون ..
стр. 269
يبيتون) وبعدها الدعاء.
فمثلا: الرجل يتزوج أولا، ثم يطلب الولد .. ولكن ما في يمشون، وما في يبيتون، وترفع يديك وتقول: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ يا لطيف!!! وأنت قاعد تضحك، تطلب أعلي مراتب العبودية لله تعالي؟!.
o الله جعل في الدين فرائض، وكل فريضة فيها نور، ففي الحديث، عن أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن -أو تملأ- ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك. كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها، أو موبقها " رواه مسلم (١). ولكن كل أنوار الدين وبركات الدين، أخفاها ربك في الدعوة إلي والخروج في سبيل ، كما أخفي ثروات الأرض: بترول ٠٠ ذهب ٠٠ فضة ٠٠ في الأرض، فالله أخفي كنوز الدين كلها في هذا الدين المبارك.
o سيدنا إبراهيم ﵇ ما رأي نتيجة جهده علي أبيه، بل جاءت النتائج في الأبناء، قال تعالي: َ ﴿واذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا* يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا *َ قالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ
стр. 270
سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا﴾ (١)
ظهرت نتيجة هذه الجولة الدعوية بعدين في الأولاد: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا * وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ (٢)
وقال تعالي: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ *َ ومِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (٣)
وقال تعالي: ﴿وََوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٤)
قوله تعالي: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ﴾: بسبب جهده، وليس بسبب نسبه.
بسبب جهده الله أعطي النبوة لأكثر من مائة ألف نبي من ذريته.
وممكن جولة في سبيل الله تتسبب في صلاح أحفادك، وأحفاد أحفادك ليوم القيامة.
стр. 271
النتائج التي نُشاهدها اليوم، وهذا الإجتماع الكريم فيه الملايين، نتيجة عظيمة، ولكنها نقطة في بحر النتائج، التي لا نُشاهدها.
مدح الله الجهد في الأمم السابقة قبل ختم النبوة انفراديا، لأن الجهد كان انفراديا، فقال الله تعالي: ﴿واذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ﴾ وحده ٠٠ وما قال: إبراهيم وأصحابه ٠٠ ومدح موسي ﵇: فقال تعالي: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، وقال تعالي: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مّؤْمِنٌ مّنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾، وقال تعالي: ﴿وَجَآءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىَ﴾ ٠٠ وما مدح الله جماعة مع بعض، فكان هناك فرق شاسع بين النبي وأمته ٠٠ ولكن هذه الأمة، ما قال الله فيها: واذكر في الكتاب محمد، ولكن قال تعالي: ﴿ُّمحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١)
وقال تعالي: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لّهُمْ مّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢).
стр. 272
فمدحت الأمة بأسرها كما مدح الأنبياء ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ وما قال فلان أخرج للناس، وفلان لا.
وكما مدحهم بالمشي إلي الناس، مدحهم بأخلاقهم، فقال: ﴿وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾.
o هناك فرق بين إيمان الأنبياء وبين أممهم، وببركة ختم النبوة، وحمل الأمة المسئولية، وقيامها علي جهد نبيها ﷺ ، الله ميزها بأربعة أشياء:
١) قرن الله بين إيمان الأمة وإيمان نبيها: فقال تعالي: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (١). ولو قلت آمن الرسول وسكت، ما أتيت بالخبر الصحيح، فليس مراد الله أن يخبرنا أن الرسول مؤمن، فهل هناك رسول غير مؤمن؟ لكن انظر إلي شرف الاقتران ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾.
٢) وقرن جهد النبي وأمته:
﴿ُّمحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ ونحنُ معه إن شاء الله.
﴿لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢).
стр. 273
﴿وَأُوْلَئِكَ﴾ يعني الرسول وأمته ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ فقرن الجزاء بالجزاء.
٣) وقرن الصفات بالصفات: فالجهد المشترك يولد الصفات المشتركة ﴿رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾ فجعل صفاتها صفات نبيها.
٤) وقرن حرمة الأمة بحرمة نبيها: قال تعالي: ﴿ِ إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ (١)
وقال تعالي: ﴿َوالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ (من أمة محمد) بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ (٢).
فإذا قعدنا في البيت نضحك ونُضحك ٠٠ فلا نستحق شرف الاقتران ٠٠ نتكلم كلام الجهد وكلام الجهد فيه متعة ٠٠ نستطيع أن نتكلم عن الجوع ونحنُ نأكل ٠٠ ونستطيع أن نتكلم عن العطش ونحنُ نشرب الماء ٠٠ ونستطيع أن نتكلم عن التعب ونحنُ نجلسُ علي الأريكة ٠٠ وما جئنا حتي نُبين ونصور ولكن جئنا حتي نُحقق ٠٠ فكيف تكون حقيقة الجهد؟ وليس كلام الجهد ٠٠وبعد الحقيقة كيف ربنا يعطينا الاستقامة علي الحقيقة، وبعد الاستقامة علي الحقيقة، كيف ربنا يتقبل منا هذه الحقيقة.
تقول خرج النبي ﷺ إلي الطائف تُصور جهد نبيك ﷺ ، نكتب علي الورقة أدوات تصوير ووسائل تصوير اللسان والقلم.
تقول خرج النبي ﷺ إلي الطائف (تصور) ٠٠ وتكتب خرج النبي ﷺ إلي الطائف (تصور).
стр. 274
ولكن تخرج فتحقق جهد نبيك ﷺ وخروجه.
إذا تكلمنا صورنا الجهد ٠٠ وإذا كتبنا صورنا الجهد ٠٠ وإذا خرجنا في سبيل الله وضحينا حققنا الجهد.
هنيئا لمن يطوي فراشه، ويحمله علي كتفه، ويخرج في سبيل الله سبحانه وتعالي.
o ما هي الشخصية المرموقة عند الله ؟
الشخصية المرموقة عند الله حددها النبي ﷺ ، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره " رواه مسلم. .
وعن أبي سلام الأسود أنه قال لعمر بن عبد العزيز: سمعت ثوبان ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : " حوضي مابين عدن إلي عمان البلقاء، ماؤه أشدُ بياضا من اللبن، وأحلي من العسل، وأوانيه عدد النجوم من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدا، وأول الناس ورودا عليه فقراء المهاجرين الشعث رؤوسا، الدنس ثيابا، الذين لا ينكحون المتنعمات، ولا يفتح لهم السدد، " قال عمر: لكني قد نكحت المنعمات فاطمة بنت عبد الملك، وفتحت لي السدد، لا جرم لا أغسل رأسي حتي يشعث، ولا ثوبي الذي علي جسدي حتي يتسخ. رواه الترمذي وابن ماجة والحاكم (١)
هذه هي الشخصية المرموقة عند الله يوم القيامة في القصور والخيام مع الحور في الفردوس الأعلي.
الدنيا ليس فيها موازين قسط ٠٠ فأحيانا لا تعطي الأجور علي قدر المشقة، في الأعمال الدنيوية، فنجد العمال هم أشدُ الناس مشقة، يكدحون ويتعبون،
стр. 275
ومع ذلك هم أقل الناس أجور.
لكن عمل الآخرة الأجر علي قدر المشقة، منه ما تناله في الدنيا، ومنه ما توفيه يوم القيامة أحوج ما تكون إليه ٠٠ تتكلم للدين لك أجر ٠٠ تتغبر للدين لك أجر أكثر .. هذه الخيام التي أقيمت في الإجتماع، فالذي أقامها وأخفي نفسه، وما نعرفه فهنيئا له ٠٠ والذي قعد علي الكرسي يتكلم هذا مسكين، إلا إذا تغبر في سبيل الله ، وأخلص لله تعالي.
o ذات مرة كنت أُبين في عمان، وبعد البيان جاء إليَّ رجل، وقال: يا شيخ ... ماهذا الفتح؟ الله فتح عليك كلام ليس في الكتب ٠٠ فهم طيب، وكلام طيب.
قلت له: أي فتح تعني يا سيدي؟ اجلس حتي أُبين لك أنواع الفتح.
فجلس. فقلتُ له: فيما أعلم يوجد:
ثلاث أنواع من الفتوحات الربانية علي أوليائه:
الفتح الأول (مهم): الفهم الطيب، والكلام الطيب.
الفتح الثاني ... : (أهم).
الفتح الثالث: أهم فأهم ٠
قال: يا سيدي أنا أعرف الفتح الأول، مهم ما شاء الله، بيانك جيد وتفسير وتنسيق في التفسير، وتأويل وإشارات، مع وجود الفصاحة والتأثير.
قلتُ: الفتح الأول: مهم ويعطي للمؤمن كرامة، ويُعطي للمنافق استدراجا، قال تعالي: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا
стр. 276
فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ (١) وما يُعجب نبينا من الأقوال التي فيها خطأ؟ الذي يعبه كلام الإيمان وكلام التوحيد، يعني إذا بين يُعجبك قوله.
لكن لما مدح الصحابة ﵃، مدحهم بأعظم فتح، مع أن كلامهنم طيب، إلا أن الله فتح عليهم بالتضحية، َ ﴿ومِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (٢).
فلما مدح الله الصحابة، ما مدحهم بأقل ما فيهم (الكلام الطيب)، لكن مدحهم بالتضحية.
يبدأ الدين بالكلمة الطيبة وينتهي بالتضحية الطيبة.
فالفتح الأول: الكلام الطيب والفهم الطيب والعلم الطيب.
والفتح الثاني: الجهد الطيب والأ عمال الطيبة ٠٠ فتجد المسلم ما يحب الراحة والجلوس في المسجد، بل يُحب الحركة والتجوال علي الناس حتي يُتعب بدنه، مستعد لقيام الليل: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (٣) وربما لا يستطيع أن يتكلم عن قيام الليل، فهناك من يستطيع أن يتكلم عن قيام الليل ولكن ملأ بطنه من الحرام، فما يستطيع أن يُقيم الليل، وربما رجل أعجمي ومع أعجميته لا يستطيع القراءة ولا الكتابة، ولكن ما يعرف النوم، لأنه عرف ربه فقام بين يديه، هذا هو الفتح العظيم.
أخلاق ﴿وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ هذا فتح عظيم.
وإنفاق ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ هذا فتح عظيم.
стр. 277
ولما يجلس عن الخروج فيشعر بالضيق .. هذا فتح عظيم.
والفتح الثالث:
الفتح علي القلب بقوة الإخلاص ٠٠ بقوة اليقين ٠٠ بقوة التوجه ٠٠ ما يأتي في قلبي هيبة المخلوق ٠٠ لو يسقط علي الأرض ما يتزلزل يقينه ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (١) فتح عظيم.
وقال تعالي: ﴿َإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٢)
وقال تعالي: ﴿فتح عظيم. جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ (٣) فتح عظيم.
الفتح الأول: بسبب الأحوال الموافقة ٠
والفتح الثاني: بسبب الأحوال المخالفة٠٠ بلال يُجر علي الأرض، ويجر علي الرمال المحرقة، ويقول: أَحَدٌ .. أَحَدٌ .. وهي أجمل وأفضل من بيان ونحنُ جالسين علي الأرائك.
والفتح الثالث: ثمرة للفتح الثاني، قال تعالي: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤) بعدها ربنا يفتح علي قلبك ٠٠ فقط منك الجهد
стр. 278
، وربنا يملأ قلبك إيمان .. نور .. يقين .. إخلاص .. تقوي.
الشيء المهم: أن يُحفظ الإنسان في الفتح الأول، لأن من الخارج ممكن يُحسد الإنسان، يقولون: كيف جلس هذا علي الكرسي ٠٠ ومن الداخل يأتي داء العُجب، يقول الإنسان أنا حضرت الإجتماع، وفصلوا عليَّ بالبيان ٠٠ لكن لو فصلوا عليه بالخدمة يستحي أن يقول أنا خدمت.
والعجب: معناه شيء يذهبُ بك إلي جهنم ولا كفارة له ٠٠ أخطاء القلوب ليس لها كفارة، لكن أخطاء الجوارح لها كفارة .. مالك إلا أن تتوب، أعظم من أن تُكفَّرَ، احمي نفسك، دبر حالك.
أما في الفتح الثاني: لا أحد يحسدك علي الغبار، ولا علي الخدمة، ولا علي التضحية والترك ٠٠ فهو فتح عظيم ومحفوظ ويملأه الله نورا وإخلاصا.
فما يكون مزاجنا كيف يفتح الله علي ألسنتنا، ونبين البيانات العريضة، ويكون مزاجنا كيف ربنا يفتح علينا بالتضحية والجهد، حتي يُصبح الجهد هو المألوف والمحبوب، ويُصبح القعود يقول لك: أنا أقعد مع النسوان؟.
فكر المرأة غير فكرك، إذا قعدت مع النساء طويلا تتنسون، يصبح عندك عواطف حب الزينة، ينظر إلي الثلاجة ويقول لونها غير حسن لا بد أن نغيرها.
والجلوس مع الأولاد، بابا ماما، كلام هوي.
ولكن إذا خرجنا في سبيل الله في ميادين الرجال، الله هو الذي يُعطيك الرجولة، قال تعالي: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (١).
o عبودية الأمم السابقة في الصلاة والصيام ٠٠ وعبوديتنا في الصلاة والصيام والزكاة والحج والمشي إلي الناس في الدعوة إلي الله.
стр. 279
o التيسير في العبادة:
ما شدد الله علينا في عبادتنا، فعبادتنا مبناها علي اليسر، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة. (١) فبين كل صلاة وصلاة وقت تتفرغ فيه، إما لطلب المعاش إن كنت في حاجة، وإما لطلب المعاد.
ففي الصلاة: يُقصر المسافر الصلاة الرباعية، فالقصر عند الجمهور أفضل من الكمال.
والصيام شهر في السنة .. والمريض في شهر رمضان إذا لم يستطيع الصوم يفطر ويقضي إذا كان يستطيع القضاء، ويفدي إذا كان لا يستطيع القضاء لمرض مزمن أو شيخوخة تحول بينه وبين القضاء.
والحج مرة في العمر ولمن استطاع إليه سبيلا ٠٠ حتي تتفرغ لجهد نبيك، حتى تتجول وتزور الناس.
جعل الله الرخص في مطالب العبادة عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ. رواه أحمد وصححه ابن خزيمة وابن حبان وفي روايَةٍ: كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُه. ُ (٢).
o أما في مطالب الدعوة لا بد من العزائم:
قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَىَ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾ (٣).
стр. 280
وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِل لّهُمْ كَأَنّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوَاْ إِلاّ سَاعَةً مّن نّهَارٍ بَلاَغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١) ..
ففي الدعوة يحب الله أن تؤتي الهمم .. أقصي الهمم .. أقصي العزائم .. وعلي قدر أهل العزم تأتي العزائم.
الله بين عزائم نوح ﵇، وعزائم إبراهيم ﵇، وعزائم موسي ﵇ وعزائم عيسي ﵇ في الدعوة إلي الله ٠٠ عزائم قوية، تحملوا المشقات ٠٠ هذا دينك.
وفي الجهد هات عزيمتك (جوع .. عطش .. جراح .. إيذاء .. فلو أُذيت وصبرت حتي قتلت فهنيئا لك).
وفي العبادة: لو صمت يوما وعطشت عطشا شديدا لو صبرت عليه أدي بك إلي الموت، فعليك أن تُفطر، وإلا تأثم.
وفي الدعوة لا تذكر عذرك:
لأن الله ذم الذين اختلقوا الأعذار، قال تعالي: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (٣).
стр. 281
o كانت بنو إسرائيل عليهم الأغلال، قال تعالى: ﴿الّذِينَ يَتّبِعُونَ الرّسُولَ النّبِيّ الاُمّيّ الّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلّ لَهُمُ الطّيّبَاتِ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلاَلَ الّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتّبَعُوا النّورَ الّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلََئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١)
قوله تعالي: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلاَلَ الّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ أي يذهب عنهم التكاليف الشاقة، والأغلال التي كانت عليهم (٢).
فما ثمرة هذا التخفيف؟
الثمرة: ﴿فَالّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتّبَعُوا النّورَ الّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ﴾ فكانت ثمرة التخفيف أن تتفرغ الأمة للنصرة ﴿وَاتّبَعُوا النّورَ الّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ﴾
стр. 282
نور القرآن، لأن بيانه في القلوب كبيان النور في العيون (١) نور الدعوة إلي الله.
فماذا يُعطيهم الله تبارك وتعالي؟
ختم الله الآية ببيان الثواب الجزيل: ﴿أُوْلََئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وهي نظير قوله تعالي: ﴿وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلََئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢). فكان الأجر في الآيتين الفلاح.
o مزاج الاعتزال الاستيحاش من المخلوق، حتي أمه، مثل جريج العابد، حينما دعته أمه، قال: ربي أمي وصلاتي.
o مزاج العبادة علي منهج العباد إعتزال الناس (بل يفرون من الناس)، ومزاج العبادة علي منهج الأنبياء يمشون للناس ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لّهُمْ مّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٣).
o قوة العبادة في مزاج العزلة .. وقوة الدعوة في مزاج الاختلاط بالناس.
o أولياء الله في الأمم السابقة، حتى يحققوا منشور الولاية، يفرون من الناس .. وأولياء الله علي نهج النبوة يمشون للناس.
o الله مدح جهد الداعي: ﴿وَعِبَادُ الرّحْمََنِ الّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىَ الأرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَما﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿وَجَآءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىَ قَالَ يَقَوْمِ اتّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ (٥). ومدح إنفاقهم
стр. 283
فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (١). لم يسرفوا كأهل الدنيا، ولم يقتروا كتقتير العباد، حتي يقوي الجسم علي الحركة والطاعة.
o عِبَادُ الرّحْمََنِ:
كانوا في البداية عند نزول الآيات عددهم قليل من ٦٠: ١٠٠ فرد، فأين الباقي؟ الباقي يكفرون .. يشركون .. يعبدون الأصنام .. يقتلون .. يزنون .. يسرقون. الله جاء بهم بعد ذلك وألحقهم بالأوائل، حتي وصل عددهم في حجة الوداع ١٢٤ ألف صحابي.
لا يجوز المدح بالصفات السلبية، مثل أن تقول: فلان هذا لا يزني، أو لا يسرق، أو لا يقتل.
لكن الله مدح كبراء هذه الأمة بأنهم لا يزنون، لا يقتلون، حتى يلحق هؤلاء بأولئك، قال تعالي: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (٢). الذين قاتلوه، وعادوه، واستهزءوا به، التحقوا بعِبَادِ الرّحْمََنِ.
o بسبب ختم النبوة الله تبارك وتعالي شرف هذه الأمة بجهد الرسول ﷺ .
o في الأمم السابقة، ما طلب أحد من الأنبياء النصرة من قومه، إلا ما كان من موسي ﵇ طلب من الله أن ينصره بأخاه هارون ﵇، وعيسي ﵇ طلب النصرة من الحواريين فقط، قال تعالي: ﴿يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا كُونُوَاْ أَنصَارَ اللهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيّينَ مَنْ أَنّصَارِيَ إِلَى اللهِ قَالَ
стр. 284
الْحَوَارِيّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللهِ فَآمَنَت طّآئِفَةٌ مّن بَنِيَ إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طّآئِفَةٌ فَأَيّدْنَا الّذِينَ آمَنُوا عَلَىَ عَدُوّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ (١). أما محمد ﷺ من أول يوم قال: من ينصرني حتى أُبلغ رسالة ربي؟ والله أمر المؤمنين كلهم أن ينصروه.
o الفرق بين طلب عيسي ﵇ للنصرة وبين محمد ﷺ :
١) الفرق الأول: سيدنا عيسي ﵇ طلب النصرة حينما انتهت دعوته، قبل أن يُرفع إلي السماء، علم أنه سيُرفع إلي السماء، وخشي أن يضيع الدين، قال تعالى: ﴿فَلَمّآ أَحَسّ عِيسَىَ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِيَ إِلَى اللهِ قَالَ الْحَوَارِيّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ آمَنّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنّا مُسْلِمُونَ﴾ (٢).
أما نبينا محمد ﷺ بدأت دعوته: بمن ينصرني حتى أُبلغ رسالة ربي؟
٢) الفرق الثاني: سيدنا عيسي ﵇ طلب النصرة وما حمل السيف، لينصروه في الدعوة، ومن هم الذين طلب منهم النصرة؟
ما طلب سيدنا عيسى ﵇ النصرة من كل من قال لا إله إلا الله طلب من الحواريين وهم الأصحاب المقربون منه، وهم العلماء والحكماء، يعني الذين معهم مؤهلات للقيام بالدعوة، وبعثهم إلي الأمصار (٣).
стр. 285
أما سيدنا محمد ﷺ لما بعث ما عنده حواريين ولا مسلمين، فيأتي علي مجمع من عباد الأوثان (يعني بنسبة الدين صفر) فيقول: من ينصرني؟
عابد صنم ما يفهم من الدين شيء، هل هذا مؤهل للنصرة؟
فقط بينه وبين النصرة: قول لا إله إلا الله .. يعني أول فقه في الدين فقه النصرة.
يعني الكافر مؤهل بعد إسلامه مباشرة أن يقوم بوظيفة الدعوة إلي الله .. يعني ليس بينك وبين وظيفة الدعوة، سبع سنوات، أو عشر سنوات، حتي تتحصل علي الوظيفة مثلا: ٦ سنوات ابتدائي + ٣ سنوات إعدادي + ٣ سنوات ثانوي + ٤ سنوات جامعة = ١٦ سنة.
ليس هكذا كنظام أهل الدنيا، بل الكافر لحظة أن ينطق بشهادة أن لا إله إلا الله يُصبح داعية، يقول: يا رسول الله! إئذن لي أن أذهب إلي قومي لأدعوهم إلي الله .. لا يقول يا رسول الله تعال معي أنت لتدعوهم إلي الله، بل يقوم بالدعوة نيابة عن النبي ﷺ .
فلهذا معني بعثة النبي ﷺ أن الله رفع مستوي البشرية كلها، فتح الباب لكل البشر، لأعظم جهد .. ولهذا من ضمن رسالة عيسي ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ