← Гариб и словари

Гариб и словари · id 21017

المعجم الاشتقاقي المؤصل

محمد حسن جبل

Полный текст (2 380 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المعجم الاشتقاقي في المؤصَّل لألفاظ القرآن الكريم مؤصَّل ببيان العلاقات بين ألفاظ القرآن الكريم بأصواتها وبين معانيها الأستاذ الدكتور محمد حسن حسن جبل أستاذ أصول اللغة بجامعة الأزهر العميد الأسبق لكلية اللغة العربية بالمنصورة حاليًا أستاذ غير متفرغ بكلية القرآن الكريم

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الناشر مكتبة الآداب على حسن حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى بطاقة فهرسة فهرسة أثناء النشر إعداد الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية إدارة الشئون الفنية جبل، محمد حسن حسن المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن الكريم مؤصل ببيان العلاقات بين ألفاظ القرآن الكريم بأصواتها وبين معانيها / تأليف محمد حسن حسن جبل - ط ١ - القاهرة مكتبة الآداب ٢٠١٠ ٤ مج، ٢٤ سم المحتويات: جـ ١ (ب- خ) - جـ ٢ (د-ش) - جـ ٣ (ص- ف) - جـ ٤ (ق- هـ) و (أوي) تدمك ٢ ٢٣١ ٤٦٨ ٩٧٧ ٩٧٨ ١ - القرآن -ألفاظ- معاجم أ- العنوان ٢٢٤.٣ عنوان الكتاب: المعجم الاشتقافي المؤصل لألفاظ القرآن الكريم مؤصل ببيان العلاقات بين ألفاظ القرآن الكريم بأصواتها وبين معانيها تأليف: محمد حسن حسن جبل رقم الإيداع: ١٣٦٥٧/ ٢٠١٠ الترقيم الدولي: ٢ ٢٣١ ٤٦٨ ٩٧٧ ٩٧٨ مكتبه الآداب ٤٢ ميدان الأوبرا - القاهرة هاتف: ٣٩٠٠٨٦٨ (٢٠٢) e-mail: adabook@hotmail.com

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢)﴾ [يوسف: ٢] • "وليست العربيةُ بأحدِكم من أبٍ ولا أمٍّ، وإنما هي اللسانُ؛ فمن تكلَّم بالعربية فهو عربي "حديث شريف. [رواه ابن عساكر مرسلًا عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو تابعي ثقة (ت ٩٤ هـ) (من الجامع الكبير للسيوطي- مخطوط تصوير الهيئة المصرية العامة للكتاب ١: ٩٥٨)]. • "تعلَّموا العربيةَ؛ فإنها تُشَبِّبُ (*) العقلَ وتَزيد في المروءة ". عمر بن الخطاب ﵁ [طبقات النحويين واللغويين لأبي بكر الزبيدي ص ١٣]. وله رواية أخرى بلفظ "تُثَبِّتُ العقل " (الجامع الكبير للسيوطي ١/ ١١١٣) وهي تحريف. "خُذ الناسَ بالعربية؛ فإنه يزيد في العقل، ويثبت المروءة ". عمر بن الخطاب ﵁ في كتاب منه إلى أبي موسى الأشعري عامله على البصرة. [تاج العروس: مرأ]. • "أصحابُ العربيةِ جنُّ الإنس ". الإمام الشافعي رواه الإمام الواحدي بسنده في تفسيره (البسيط ١/ ٤) مخطوط. [عن: (الواحدي ومنهجه في التفسير د. جوده محمد المهدي ص ٢١٠)].

стр. 4

الإهداء • إلى السادة: علماء تفسير القرآن الكريم ودارسيه، وأهل القرآن عامة. • إلى السادة: علماء أصول اللغة، والباحثين في فقه اللغة العربية، وفي متنها، وفي أصواتها وسائر قضاياها. • إلى كل من اعتز باللغة العربية، وتحمس لها، وناصرها ببحوثه أو عمله: في مجامع اللغة العربية، وفي الجامعات، والمدارس.

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومَن تبعهم بإحسان. وبعد .. فإن بيان معاني القرآن الكريم حقٌّ على كل ذي أهلية، وشرف عظيم لكل من يقوم بهذا الحق. وقد شُغلت بمعاني ألفاظ القرآن الكريم منذ ستينيات القرن الماضي، لكن على فترات متباعدة. وكان الهدف هو ضبط عملية تحديد المعاني، وإخراجها من دوّامة الأقوال الكثيرة في معنى كل مفردة قرآنية. والحمد والفضل لله الذي أعان ووفق للوصول إلى هذا الضابط، وهو ربط مفردات كل ترتيب بمعنى عامٍّ واحد، سميته "المعنى المحوري لمفردات التركيب "، وطبقتُ ذلك المعنى على كل ما ورد من مفردات التركيب في القرآن الكريم، مبينًا وجه انتمائه إلى ذلك المعنى العام، وكذلك مبينًا وجه انتاء كل مفرَدة غير قرآنية من التركيب إلى ذلك المعنى؛ ليكون ذلك برهانًا على سلامة تحديد ذلك المعنى. فمعاني المفردات القرآنية هي لبُّ هذا العمل وصميمه، والعلاقاتُ روابطُ مؤيِّدة، وما زاد عن ذلك هو تأصيل من نتائج المعايشة الممتدة، لم أحتجِنه؛ لأنه حقُّ اللغة وحق أهلها، وإنما ميزته ليختار القارئ ما يريد أن يدرسه. فهذا الذي بين يديك -أيها القارئ الكريم- معجم لمفردات القرآن الكريم موثقٌ ومؤَصَّل لغويًّا وتفسيريًّا، وفيه -مع ذلك- من العلاقات الاشتقاقية الصحيحة قدرٌ قلَّما يجتمع في كتاب آخر. ثم هو يطلعك على الكثير من تكييفات العرب لعناصر بيئتهم. وهو -باختصار- يضع في يدك مفتاحًا لفقه اللغة العربية، ويقدم أمامك رائدًا راشدًا إلى أسرارها: حروفًا، وكلماتٍ، وعباراتٍ. وبعد، ففي ختام هذه المقدمة لهذا المعجم، يحق عليّ أن أذكر بالعرفان التام فضل شيخين جليلين: أولهما أستاذي فضيلة الأستاذ الدكتور إبراهيم محمد نجا

стр. 6

النائب الأسبق لرئيس جامعة الأزهر، الذي أجرى الله هذه النعمة على يديه، فأشرف على أصل هذا العمل حتى تم، وَرَأَسَ لجنة مناقشته بعضوية الأستاذ الجليل الدكتور إبراهيم بسيوني، والعلَّامة الجليل الأستاذ الدكتور عبد الصبور شاهين. رحم الله الشيخين الدكتور إبراهيم محمد نجا والدكتور إبراهيم بسيوني، وأمد الله في عمر الدكتور عبد الصبور شاهين، وجزى الله الجميع خير الجزاء. وثانيهما شيخي فضيلة الأستاذ الدكتور جودة محمد أبو اليزيد المهدي نائب رئيس جامعة الأزهر، حيث كانت تزكيتُه -بل حثُّه المشكور على استمداد أجزاء من هذا العمل لتدريسها على طلاب كلية القرآن الكريم بطنطا- في مادة "الدلالات اللغوية والقرآنية "لثلاث فرق، وذلك حين كان فضيلته عميدا لكلية القرآن الكريم- كانت تزكيته تلك وحثه ذاك، حافزين عظيمين لي لمراجعة هذا المعجم؛ من أجل تيسير مادته للطلاب -مراجعةً شملت مادته كلها تقريبًا، مع إضافة تطبيقات قرآنية كثيرة بقدر الوسع- حتى صار على صورته الحالية خَلْقًا جديدًا. فجزى اللهُ شيخنا الدكتور جودة خير الجزاء. كما أذكر لفضيلة عميد كلية القرآن الكريم الحالي الأستاذ الدكتور سامي عبد الفتاح هلال تحمسه الشكور لإنجاز مراجعة هذا المعجم وطبعه، ودأبه في السؤال عن إتمامه، مشجعًا بعروضٍ كريمة. وأنوِّه بحماس أخي الحميم فضيلة الأستاذ الدكتور الموافي الرفاعي البيلي عميد كلية اللغة العربية بالمنصورة، وتحقيه البالغ بأن أُنْجِز مراجعة هذا المعجم وأطبعه. وهو الذي أعتز به رفيقًا في درب الجهاد العلمي، ومراعيًا في تعامله حق هذه الرفقة دماثةَ خلقٍ ونبلًا وفضلًا - فجزاه الله خير الجزاء. وأدعو الله أن يحفظ أبنائي الأعزاء ويزيدهم من فضله: الدكتور عبد الوهاب والمهندس عبد الفتاح لتنافسهما في تحمل نفقات طبع هذا المعجم ونشره.

стр. 7

والدكتور عبد الكريم لمتابعته المدققة لوضوح المراد بالعبارة، ومتابعة إنجاز كتابة المعجم وسلامتها، كما أنوه بجهد ابنتي العزيزة الأستاذة سماء، ورفيقة الحياة لحرصهما وجهدهما في تهيئة الظروف لإنجاز عملي هذا وكل مؤلفاتي. جزى الله الجميع خير الجزاء. كما أشكر ابني الفاضل الأستاذ الدكتور وحيد عبد المقصود زايد رئيس قسم أصول اللغة بكلية الدراسات الإسلامية بدسوق لمساعدته إياي في ترتيب ثبت المعجم. كما أشكر الأخ الكريم الأستاذ أحمد علي حسن صاحب مكتبة الآداب على اهتمامه بإنجاز هذا العمل على خير وجه. كما لا يفوتني أن أشكر الأستاذ طارق طه، على كريم استجابته وهمته في نسخ هذا العمل. إنني -في ختام هذا التقديم- أسأل الله أن يشرح لهذا العمل الصدور، ويلقي عليه القبول الحسَن، وأن ينفعني به والمسلمين، وكل دارس مخلص، في الدنيا والآخرة، اللهم آمين. وصلِّ اللهمَّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان، والحمد لله رب العالمين. طنطا في ٢٥ من المحرم ١٤٣١ هـ ١١ من يناير ٢٠١٠ م وكتبه: أ. د. محمد حسن حسن جبل أستاذ أصول اللغة بجامعة الأزهر (العميد الأسبق لكلية اللغة العربية بالمنصورة) أستاذ غير متفرغ بكلية القرآن الكريم بطنطا

стр. 8

بين يدي هذا المعجم هذا العمل الذي بين يديك أيها الدارس والقارئ الجاد معجم اشتقاقي مؤصل لمعاني ألفاظ القرآن الكريم. والمقصود بإخراجه على هذه الصورة الاشتقاقية هو تقديم تفسير لمفردات القرآن الكريم موثَّقٍ ومؤصل؛ لأن "الاشتقاق هو أكمل الطرق في تعريف مدلولات الألفاظ "كما قال الفخر الرازي (١)، وذلك حسمًا للتردد الذي يقع فيه دارس تفسير القرآن الكريم أو الباحث في معاني مفرداته، عندما يواجَه بأن هناك أقوالًا كثيرة في بيان معنى المفردة أو العبارة القرآنية، فيُضطر للاجتزاء بصورة مهتزة أو مُلْتَبِسة عن ذلك المعنى. وهذا يقدح في وثاقة التفسير، ويسيء إلى اللغة أيضًا. وإنما كان الاشتقاق "أكمل الطرق في تعريف مدلولات الألفاظ "؛ لأنه يقوم على استمداد معاني الألفاظ من استعمال العرب لها -مع أخذ تكييفاتهم (٢) في

стр. 9

الحسبان -ولا يخفى أن استعمال العربي للفظ في معنى مُعَيّن هو الحجة- في هذا؛ لأن العربي هو أهل اللغة، وهو هكذا عبَّر بها عما في نفسه. وشأن العرب في هذا شأن أهل كل لغة. وعلماء اللغة القدماء عايشوا العرب، وعرفوا ما يقصدون بكلامهم: مفرداته وعباراته، فرصدوا ذلك في المعاجم. ودراسة علماء اللغة المتأخرين للاستعمالات العربية وتفسيراتها تتيح تحرير معانيها عند الحاجة إلى ذلك. ثم إن كل لفظٍ مشتقٍّ من تركيب ما فإنه يحمل معنى ذلك التركيب أو فرعًا منه ضرورة؛ لوحدة الأصل التي هي خَصِيصةٌ للغة العربية (١)، ولأن ذاك هو معنى

стр. 10

الاشتقاق. وبذا تبيَّن وجهُ صحة قول الفخر الرازي إن الاشتقاق هو أكمل الطرق في تعريف مدلولات الألفاظ. يضاف إلى ذلك أن الاشتقاق يُعَدُّ فيصلًا في الحكم بعروبة اللفظ؛ فقد "أطبقوا على أن التفرقة بين اللفظ العربي والعجمي (تكون) بصحة الاشتقاق " (١) أي أن اللفظ المشكوك في عروبته تثبت عروبته -إذا كان على إحدى صيغ العربية- بصحة اشتقاقه من لفظ صحيحِ العروبة، بأن يكون معنياهما متجانسين. ووجهُ ذلك (الإطباق) أن المأخذ الاشتقاقي (= اللفظ الذي تُشتق منه كلمات أخرى) له معنى عربي وأريج عربي (= رائحة البيئة). فإذا تناسب اللفظان في المعنى وأريج البيئة، وكان أحدهما ثابت العروبة، كان ذلك المناسب دليلا على عروبة اللفظ الآخر. -والسبيل إلى تحرير المعنى الدقيق لكل مفردة من المفردات القرآنية بالاشتقاق تخطِّيًا للخلاف اللفظي (والأقوى من اللفظي في حالة المشترك): هو إيجاد ضابط، أي معيار، يوزن به ويُطمأن إلى سلامة تحديد معاني المفردات القرآنية. ومن البَدَهيّ أن يكون ذلك المعيار مستمَدًّا من لغة العرب، أي من كلمات اللغة العربية وعباراتها؛ لأن القرآن نزل ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾. - وقد تبين لعدد من أئمتنا المتقدمين من العلماء باللغة العربية الاشتقاقيين (٢)، ومن العلماء بمعاني المفردات القرآنية (٣)، أن كل أُسْرةِ كلماتٍ، أي كل تركيب

стр. 11

بمفرداته (أي كلماته كلها قياسيةً وغيرَ قياسية) له معنى محوري جامع. وقد ثبت لمؤلف هذا المعجم ثبوتًا علميًّا صحة هذا الذي تبينه عدد من أئمتنا، كما ثبت له أن هذا المعنى المحوري الجامع يكون معنى واحدًا لا يتعدى (١). وكان ذلك من خلال معالجةٍ تطبيقية لما يقرب من (٢٣٠٠) ألفين وثلاث مئة تركيب شملت جميع كلمات كل تركيب. فهذا المعنى المحوري الجامع هو الضابط وهو المعيار الذي نحتكم إليه في تقرير ما هو الدقيق من تفسيرات الأئمة للمفردة والعبارة القرآنية، أو قولهم إنه المراد بها (٢)، وفي تقرير ما اخترناه أو عدّلناه من الأمرين (: التفسير والمراد) وإنما كان هو الضابط؛ لأنه مُستخلَص من كل الكلمات والعبارات التي وردت عن العرب في هذا التركيب، فالمفروض أنه يحمل معنى جامعًا لمعاني كل مفردات التركيب، ذا مذاق خاص به -بحيث يصلح أن تُفسر به كل كلمات التركيب وعباراته. ومن هنا كان لزامًا أن أبيِّن في هذا العمل وجهَ تحقق هذا المعنى المحوري في كل استعمالٍ لهذا التركيب أوردتْه المعاجم. - وتوضيحًا لمعنى "أسرة كلمات "نقول: إن كلمات اللغة العربية جِدُّ كثيرة، لكنها تتجمع في مجموعات هي التي سمياها أُسَرًا. والأسرة الكلمية تشميتها المشهورة هي (مادة)، وتسميتها المستعملة في هذا المعجم هي (تركيب). - والذي يقضي بأن آية مجموعة من الكلمات تُعَدُّ من أسرةٍ كلمية واحدة، أي

стр. 12

من تركيب واحد، هو أن تكون كلٌّ من تلك الكلمات مكونة من أحرف أصلية بعينها، مرتبةً ترتيبًا معينًا. فمثلًا تركيب (كتب) مكون من (ك+ ت+ ب) بهذا الترتيب -بصرف النظر عن الأحرف الزائدة التي قد تتخلل أو تنضم إلى هذه الأحرف الثلاثة. فتركيب (كتب) هذا يضم الأفعال: كتب، كتَّب، أكتبَ، كاتبَ، تكاتبَ، تكتَّبَ، انكتبَ، استكتبَ ... ، وكلٌّ من هذه الأفعال له مصدر أو مصادر، واسما مرةٍ وهيأةٍ (١)، وأسماء فاعل، ومفعول، وتفضيل، ومكانٍ وزمان، وآلة، وصفةٌ مشبهة، وصفاتُ مبالغة، وأفعالُ تعجُّب. وكل هذه الكلمات هي من مفردات تركيب (كتب)، وهي قياسية أو كالقياسية، وهناك من كلمات هذا التركيب أيضًا ما هو غير قياسي، وهو كثير كذلك. إن المعنى المحوري للتركيب إذا أُحكم استخلاصه، فإنه يمكننا من إحكام تفسيرنا لمفردات التركيب في سياقاتها القرآنية، ويمكننا كذلك من تقويم التفسيرات المَرْويّة للفظ؛ لنختار منها ما نطمئن إلى صحته، ونستبعد ما يتجافى مع المعنى المحوري. وهذه جدوى بالغة القيمة؛ لأن كثيرًا من الألفاظ رُويت لها تفسيرات مختلفة، ولا يسعنا الاختيار العشوائي، وبخاصة إذا كان السياق يسمح بأكثر من تفسير. وهذا المعنى المحوري هو أهم مستويات التأصيل هنا. وبهذا الاستشعار لقيمة المعنى المحوري، ولأن مجال تطبيقه هنا هو مفردات القرآن الكريم، فقد حشدتُ لصياغته كلَّ الخبرة والصبر، وراجعتُ -عند التطبيق على المفردات القرآنية- أقوال المفسرين؛ لأميز ما ينبغي الأخذ به في تفسير المفردات القرآنية في سياقها؛ فآخذ به، أما ما ينبغي أن يُستبعد؛ فلا أشغل القارئ

стр. 13

به، وما كان له وجهٌ ضعيف فإني أذكره مؤخَّرًا أو أُغفله، وتحديد موضع المراجعة يتيحها، ويمنع التثريب. إن التوثق من أن معنى مفردة أو عبارة قرآنية هو كذا، أو ليس كذا = هو حقُّ الله تعالى مُنزِل القرآن، وهو حق القرآن، وحق المسلمين، وحق اللغة العربية أيضًا؛ لأن معنى الكلمة القرآنية تعتمد عليه المقررات والأحكام العَقدية والتشريعية التي أرادها الله تعالى بالتعبير بتلك المفردات أو الكلمات العربية في قرآنه الكريم. ومن هنا، وإمعانًا في التوثيق والتأصيل جئت -على رأس كل تركيب عالجتُه في هذا المعجم الاشتقاقي- بشيئين قبل أن آتي بمعاني المفردات القرآنية: أولًا: مجموعة من الكلمات والعبارات الواقعية، أي التي استعملها العرب فعلًا في عصر الاحتجاج في نثرهم وشعرهم، وأثبتها اللغويون في المعاجم القديمة، مع تفسير علماء اللغة المتقدمين لها. وذلك بيانًا للاستعمالات اللغوية العربية التي استنبطنا منها المعنى المحوريَّ الجامع الذي سنتحدث عنه في الفقرة (ثانيا) الآتية. وقد تحريت في كل مجموعة جئت بها على رأس التركيب أن تكون من الاستعمالات المادية الحسية التي ذكرتْها أوثق المعاجم العربية وبخاصة: لسان العرب وتاج العروس (١)، وإنما اخترنا الاستعمالات الحسية خاصة؛ لأنها أوضح في

стр. 14

معانيها وأبعد عن الهلامية، كما أنها أثبتُ وأوضحُ في استخلاص المعاني المحورية منها. والعلماء الذين فسَّروا تلك الاستعمالات هم من الذين عاصروا عربَ عصر الاحتجاج في البادية، أو كانوا أقرب ما يكون إلى معاصرتهم وفهمِ معاني كلامهم وما يقصدون منه. والقصدُ من تقديم ذكر المفردات والعبارات العربية التي حددنا نوعها أن تكون تلك الاستعمالات أمام الدارس مباشرةً؛ ليرجع إليها ويتوثَّق بنفسه من صحة ما استخلصناه منها في المعنى المحوري، وليتيسر له نقد استخلاصنا، أو نقد التعبير عنه، إذا شاء. وهذا تأصل لأساس استنباط المعنى المحوري. إن مسئوليتي في فقرة الاستعمالات العربية هذه تنحصر في اختيارها، وقد اخترتها على أساس أنها حسية -كما قلت، وحَرَصتُ على أن تكون مغنيةً عن غيرها، فإذا تعدد التعبير عن المعنى نفسِه اخترت من كل تعبير ما يكون جامعًا، وأفصِل بين التعبيرات المختارة عن المعنى الواحد بشرطة مائلة هكذا /، مستمِدًّا من لسان العرب أساسًا، وأحيانًا من تاج العروس. والتزمتُ بنص ما أخذته، وعزوتُه. وإنما التزمتُ بنص ما أخذته من المعاجم في نطاق الاستعمالات الحسية دون أي تغيير؛ لتظل لما نقلتُه حُجِّيتُه؛ لأن المعاني المحورية تُستنبط منه. فإنه إذا غُيِّر عما هو به في للعاجم سقطت حُجيته، وصرنا إلى وضع مزيف: نختلق كلاما نعزوه إلى العرب، ثم نستنبط منه معنى محوريًّا ندّعي أنه مستنبَط من كلام العرب -نعوذ بالله من كل زيف. لقد عدَدتُ كلامَ العرب الوارد في المعاجم القديمة نصوصًا كالمقدسة، وتفسيرَ علماء اللغة له يليه في القداسة. ثانيًا: المعنى المحوري الجامع لمعاني الكلمات والعبارات التي استعملها عرب عصر الاحتجاج من هذا التركيب. وهو كما قلت مستخلص من الاستعمالات التي أوردتها في الفقرة (أولًا) المذكورة قبل هذا. وهذا الاستخلاص جهدي أنا بناءً على

стр. 15

خبرة ومعايشة طويلة لكلام العرب في الشعر الجاهلي وما بعده إلى آخر عصر الاحتجاج، وفي المعاجم القديمة الأصيلة. وقد اعتمدتُ في استخلاص المعاني المحورية للتراكيب من استعمالاتها العربية التي تحدثتُ عنها في الفقرة (أولًا) -على المَلاحظ المشتركة بين هذه الاستعمالات الحسية. وكان للاستعمالات المعنوية -أعني غير الحسية- سهمُها في هذا الاستخلاص، وهو أنها تلفت إلى هذه الملاحظ. إن الملاحظ المشتركة التي يبنى عليها استخلاص المعنى المحوري قد تكون صريحة مباشرة، كأن تكون صفةً بعينها متحققة في كل الاستعمالات الحسية التي اخترناها: طولًا أو قصرًا، سَعةً أو ضيقًا، خفةً أو كثافة، ضخامةً أو دقة جسم، صفاءً أو شَوبًا ... الخ. وهنا يكون الأمر قريبًا، أعني أنه يُلحَظ بأدنى تأمل (١). ولكنه في كثير من الأحيان يكون غامضًا يحتاج إلى فضل تأمل وإلى تأويل ينبغي أن يُحذر فيه من التكلف. وهنا يتحول الأمر إلى إدراك العلاقاتِ بين المعاني المختلفة لكلمات التركيب. وإدراك العلاقات بين معاني كليات التركيب هذا، هو قوام الجانب الاشتقاقي في هذا المعجم. ولتمثيل المعنى المحوري باختصار نقول: إن تركيبَي (عصو عصى) أوضح استعمالاتهما المادية هي "العصا "المعروفة، وقد عرّفها المعجم بـ "العُود "، والمقصود عُود الشجر أي الغصن منه الذي جف واتُّخذ عصا. وهناك ما حُمل عليها مثل "عصا الساق: عظْمها تشبيهًا بالعصا "، ثم قالوا: "عصا الشيء: إذا صلُب، اعتَصَت النَواةُ (٢): اشتدت، عَصَوْت الجُرْحَ: شدَدته "؛ فالمَلْحَظ في تسمية العصا وعظم

стр. 16

الساق هو صلابتها مع امتدادها. وسائرُ ما في التركيبين كله من العصيان: ضد الطاعة. فما المعنى الجامع بين العصا والعصيان؟ الجامح هو الصلابة كما تتمثل في طبيعة العصا، ثم كما تتمثل في صلابة من يعصي ربَّه أو أميرَه، بمعنى أنه يجمُد ويَصلُب على موقفه وعلى ما يريد هي، لا يطيِع ولا ينثني إلى ما أراده منه ربه أو أميره. هذه العلاقة بين العصا والعصيان هي الاشتقاق. والتعبير عن المعنى الجامع بين معاني مفردات التركيب هو المعنى المحوري. وعلى ذلك فالعصيان مأخوذ من معنى الصلابة، والصلابة تتمثل في حال العصا، وفي عظم الساق، وفي النوى الصُلب، وفي شَد الجرح (عَصبِه). واختار العرب التعبير عن العصا بهذه الأحرف (ع+ ص+ و) حسب ذوقهم للغتهم بحروفها في كل مواقع تلك الحروف. فإذا تعددت الاستعمالات اللغوية الحسية فالأصل أحدها: تعيينًا أو بلا تعيين، أو بعضُها أو كلها، هذه مسألة محدودة الأثر. وتمثيلًا للتكلُّف الذي حذرنا منه أن بعضهم قال: "أصل العصا: الاجتماع والائتلافُ، أخذًا من قولهم عصوتُ القومَ أعصوهم: إذا جمعتَهم على خير أو شر ". ثم لما أراد قائل هذا أن يبين سر تسمية العصا باسمها قال: "سُميت العصا عصا لأن اليد والأصابع تجتمع عليها " (١) يعني عند إمساكها. وقد أسلفنا أن العصا سُميت كذلك لصلابتها مع امتدادها. أما قولهم: "شَقَّ عصا المسلمين: أي جماعتهم، وكذلك عصوت القوم: جمعتهم "فلأن الجماعة قوة وصلابة. وفي مثلٍ آخر نقول: إن (المرح) معروف أنه النشاط والخفة. وفي تركيب (مرح) من الاستعمالات الحسية "مَرِحتْ العينُ: اشتد سيلان دمعها. المَرَح: خروج

стр. 17

الدمع إذا كثُر. مزادة (: قِرْبة) مَرِحة: لا تمسك الماء، (١)، فالمعنى المحوري الجامع هو: تسيُّب ما بالباطن وعدمُ ضبطه. فالأصل والمفروض أن العين تضبط دمعها، فلا ينساب إلا عند المناسبة المُبكية، وأن القِربة تضبط الماء المحتوَى فيها فلا يتسرب. لكن الذي أمامنا أن العرب كانوا إذا رأوا عين أحدٍ من الناس يسيل منها الدمع كثيرًا دون مناسبة، أو قِربةً يتسرب منها الماء الذي بداخلها من ثقوب دقيقة في جلدها -وصفوا كلًّا منهما بأنها "مَرِحة "، وعَبَّروا بالفعل من نفس التركيب فقالوا: "مرِحت العينُ ومرِحت القربة ". فأخذتُ أنا من هذا ومن سورة المرح (النشاط) أن تركيب (مرح) يعبر عن تسيب المختزَن في الباطن وعدم ضبطه. ونحن نرى بأنفسنا أن الإنسان في حالة مَرَحِهِ يتخلى عن وقاره وانضباطه، وكثيرا ما يأتي ما لا يليق به. وفي أحد تعريفات المرح أنه شدة الفرح والنشاط حتى يجاوز قدره (٢)، ومن هنا نُهي عنه إذا كان عن اختيال ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ (٣). وفي مَثل خفيف أخير نعلم أن الرَبوة من الأرض بقعة مرتفعة عن مستوى ما حولها، أي زائدة عنه إلى أعلى، وأن الرِبا الذي حرَّمه الله تعالى هو زيادة يفرضها صاحب المال على المقترِض مقابل فك عسرته؛ فالمعنى المحوري لتركيب (ربو) هو: الزيادة أو الارتفاع عن الأصل أو المعتاد، كما ترتفع الربوة عن مستوى ما حولها من الأرض، ومستوى الأرض هذا هو الأصل؛ لأنه المعتاد الطبيعي، كما أن الربا زيادة على المبلغ المقترض الذي هو الأصل. والزيادة من جنس الارتفاع. ولا يخفى -بعد ما قدمناه- أن استخلاص المعنى المحوري لكل تركيب هو أعوص ما في هذا العمل: من حيث إنه مبني على إدراك علاقات، ومن حيث إن

стр. 18

هذه العلاقات لا بد أن تُبيَّن مع خلوِّها من التكلف، ومن حيث إن هذه العلاقات لا بد أن تكون متَّسقة مع تكييف العرب ونظرتهم لأمور حياتهم بكل ما فيها، ثم من حيث إن المعنى المحوري المستخلَص لا بد أن تكون صياغته جامعةً (تصلح أن ينضوي تحتها معنى كلٍّ من مفردات التركيب)، ومحرَّرةً (بأن تكون خاصةً بهذا التركيب ومفرداته)، وموجزةً؛ ليمكن التعبير عن المعنى المحوري للتركيب بجملة واحدة. ومن هنا فإن كل كلمة في عبارة المعنى المحوري هي مقصودة، ويمكن أن يقربها لفظٌ أو أكثرُ من مفردات التركيب. ثالثًا: بعد الأمرين السابقين جئتُ بمعاني مفردات كل تركيب قرآني في سياقاتها -مع بيان وجه انضوائها تحت المعنى المحوري وانتمائها إليه- وهذا مستوى آخر من التأصيل. وقد التزمتُ في استقراء المفردات بالقدر الذي رجَحت أنه كافٍ -سواء كان السياق قرآنيًّا أو كان لغويًّا ليس من النص القرآني الكريم. وفي حالة السياق القرآني فإني أختار من المعاني التي تذكرها التفاسيرُ ما أعتقد أنه الأوْلَى أن يفسَّر به اللفظ القرآني في سياقه. وقد آتي بمعنًى لم تذكره التفاسير إذا اطمأننت إلى أنه الأدق أو الأوْلى بتفسير اللفظ الكريم. وقد حرصت على أن أعزو ما أخذته من التفاسير إليها، وكذلك ما كان من لسان العرب أو غيره من المعاجم، كما ميزتُ ما كان من كلامي أنا تحملًا للمسئولية. وأسأله تعالى مغفرةَ ما يمكن أن يكون فاتني من ذلك التمييز. ولم أترك من المفردات القرآنية إلا أسماء الأعلام الأعجمية، وربما بعض أحرف المعاني، وأسماءَ الإشارة والموصول والشرط. رابعًا: جئت ببيان العلاقة في المعنى بين تراكيب الفصل المعجمي الواحد. والفصل المعجمي يتمثل في التراكيب التي تبدأ بحرفين بعينيهما مرتَّبَيْن، سواء كانت تلك التراكيب ثلاثيةً أو رباعة. وقد ألحقنا بهذا الفصل ما توسَّطَ الحرفين فيه أو سبقهما أو تلاهما فيه حرفُ علة أو همزة، (مثلًا: بيان أن التراكيب: بدد، بدو، بيد، بدأ، أبد، بدر، بدع، بدل، بدن -وهي كلها من فصل (بدْ) - كلٌّ منها كلماته تعبر عن سورة من

стр. 19

الفراغ والاتساع -وما إلى ذلك- بين الأشياء). ومعنى الفصل المعجمي هذا لفتَ إليه عدد من الأئمة في فصول جِدِّ محدودة، على ما سأفصّل في المبحث التالي. لكن دراستنا هذه كشفت اطِّراده، فكان من حق لغة القرآن ودارسيها، وحقِّ علماء اللغات أن نبرز هذه الخصيصة للغة العربية. وهذه الدراسة أحق بها؛ لأن هذه الخصيصة لا تثبت إلا بتطبيقٍ موسَّع كالذي نحن فيه، فالتقطناها حتى لا تضيع، وقد عزلنا سورة اطرادها في كل فصل في فقرة خاصة في آخره، لمن شاء أن يدرسها أو يغفلها. وتفصيل ذلك أنه تكشَّف لنا في أثناء الدراسة التي ذكرنا أمرها من (أولًا) إلى الآن: أن الحرفين الأول والثاني الصحيحين بترتيبهما من كل تركيب، وهما اللذان سميتهما الفصل المعجمي = يستصحبان المعنى الذي كانا يعبران عنه، وهما في صورة الثلاثي المضعَّف (فتّ) مثلًا، عندما يتصدران ثلاثيًّا منبسطًا، أو يشتركان في بناء ثلاثي منبسط تكوَّن منهما مع ثالثٍ غير ثاني المضعفين (فتح، فتر، فتش، فتق، فتك، فتل، فتن، فتو، فتى، فتأ) في هذا المثال، بل إن ذلك المعنى يظل معهما بصورةٍ ما، حتى لو سبقهما أو توسطهما حرفُ علة أو همزة، كما في (فوت) هنا، ولا يوجد تركيب (أفت ولا فأت) في هذا المثال. وأمرُ اطِّراد معنى الفصل المعجمي هذا له إيضاحات: الأول أنه من الطبيعي أن المعنى الذي كان الثلاثي المضعَّف يعبر عنه لا يوجد كاملًا في الثلاثي المنبسط الذي مثلنا له؛ لأن في الثلاثي المضعف حرفا مكررا هو الثاني والثالث، وهذا التكرار له قيمته في التعبير عن المعنى. في حين أن في الثلاثي المنبسط من التركيب المضعف حرفين فقط ("فت "مكون من ف+ ت+ ت، و "فتح "مكون ف+ ت+ ح). وبذا فإن المعنى الذي تعبر عنه (فت) يوجد ثلثاه فحسب في (فتح) وهكذا الأمر في (فتر) ... إلخ .. وهذا واضح وطبيعي؛ لأن لكل حرف في هذه اللغة قيمته. كما سأذكر قريبا هنا.

стр. 20

الإيضاح الثاني أن الحرف الثالث (الحاء في فتح مثلًا) له هو أيضًا معناه. وسيأتي الكلام عن معاني الحروف مفصَّلًا. الإيضاح الثالث أن معاني الأحرف التي يتكون منها التركيب تتفاعل معًا حسب معنى كلٍّ منها، وحسب موقعه في التركيب، أي كونه هو الحرف الأول أو الثاني أو الثالث. والمعنى الكامل لأي تركيب أو كلمة من تركيب هو حصيلة هذا التفاعل. ولا شك أن العرب كانوا يشعرون بالمعنى الجُملي الذي هو حصيلة هذا التفاعل عندما اختاروا كل لفظ من أحرف معينة، بترتيب معين، ليعبر عن معنًى بعينه: تسميةً لشيء مادي في البيئة، أو قوليةً صوتية لمعنى في نفوسهم. والفصل المعجمي هذا مستوى بالغ الأهمية من مستويات التأصيل للألفاظ والمعاني في هذا المعجم. خامسًا: جئت -في أول معالجة كل فصل معجمي- ببيان معنى كل من حروف الهجاء المشتركة في بناء ذلك الفصل وتراكيبه. (وسيأتي قريبا تفصيل ذلك). وهذا هو المستوى الأخير من التأصيل في هذا المعجم. تأصيلٌ تاريخيّ لفكرة الفصل المعجمي: إن اطِّراد معنى الفصل المعجمي في التراكيب الثلاثية المصدرة به قد سبق إلى ملاحظته ثلاثةٌ من الأئمة، لكن في نطاق بالغ المحدودية. فالإمام أحمد بن فارس (ت ٣٩٥ هـ) نبه على ذلك في تركيب (زلل)، في معجمه: مقاييس اللغة، والإمام محمود بن عمر الزمخشري (ت ٥٣٨ هـ) نبه على ذلك في تركيبي (نفق)، و (فلح)، وذلك في تفسيره "الكشاف "، عند كلمتي (ينفقون) و (المفلحون) في أول سورة البقرة، والإمام شهاب الدين محمود الآلوسي (ت ١١٢٧ هـ) تبع الزمخشريَ في ملاحظته على التركيبين، ثم نبه على مثل ذلك في تركيب واحد (حسب اطلاعي) عند كلمة "دلوك "في قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ﴾ [الإسراء: ٧٨]. وكلام ابن فارس والزمخشري كالإشارة فحسب ط وكلام الآلوسي عن الدلوك

стр. 21

زاد فيه أمثلة التراكيب الثلاثية. لكن لا أحد من الأئمة الثلاثة نبه إلى اطراد الظاهرة، أو إلى أن التراكيب الثلاثية من الفصل المعجمي يتأثر المعنى العام لكل منها بالحرف الذي يَثلِثها. وفي أواخر القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين الميلاديين تطرق إلى فكرة الفصل المعجمي -من حيث هي سورة لثنائية الأصول اللغوية- ثُقة من كبار لغويي العربية (١) في بحوثهم عن الصورة الأولى لنشأة اللغة. لكن شابت معالجاتِهم أمور تقدح في علميتها: (أ) ادعاء الإبدال والقلب كثيرا، بلا سند؛ من أجل تأييد الفكرة، (ب) افتراض إضافة أحرف- في مواقع كثير مطردة لتكوين الثلاثيات وما فوقها، (ج) الانتقائية، والبعد عن الاطراد في التطبيق، (د) إغفال بيان وجه تقارب المعاني في ما ادَّعَوْا فيه ذلك ... وبذلك كله كان قسط هذه الحقبة في التأصيل لفكرة الفصل المعجمي محدودا. وقد وضح أثر تلك المحدودية في اقتصار لغوي أواسط القرن العشرين وآخره على عدد جِدّ محدود من أمثلة الفصل المعجمي يتمثل فيها اطراد معناه - دون سائر ما تناولته أو أثارته جهود الحقبة المذكورة. أما هذا العمل الذي بين يديك أيها القاريء الجاد، فإن التطبيق الموسع في السعي لبيان معاني ألفاظ القرآن الكريم بيانا موثقا، هو الذي أبرز -بل فَرَضَ- فكرة الفصل المعجمي فيه، وحدّد معالمها، حيث اتضح به أن قسط الحروف الصحاح في التعبير عن المعاني أعظم من قسط حروف العلة والهمزة، وأن بناء فصل معجمي شطره أحد حروف العلة يصعب معه بروز معنى مشترك مطرد، فتجنبت بناء هذا النوع. وقد استوفى هذا العمل (أ) سعة التطبيق (بيان المعنى المحوري لحوالي ٢٣٠٠ تركيب، تحديد المعنى المشترك لتراكيب نحو ٣٧٠ فصلًا معجميا .. (ب) مع بيان وجه انضواء كل استعمال (أورده القرآن أو المعاجم

стр. 22

اللغوية) تحت المعنى المحوري لتركيبه، وكذلك وجه تحقق معنى الفصل المعجمي في معنى كل من تراكيبه - مع البعد عن التكلف. (ج) انتفاء الانتقائية بالالتزام بمعالجة كل تركيب وردت منه كلمة في القرآن الكريم. (د) ومع الاطراد في بيان معنى التركيب، والمعنى اللغوي والصوتي للحرف الألفبائي. ثم إني رأيت أن أبرز الفكرة تطبيقيا باستثمار سعة معالجة معاني المفردات القرآنية، وذلك بعرض معالجة تراكيب تلك المفردات في سورة فصول معجمية، وأن ذلك أولى من إغفال الفكرة وتضييعها، وأقرب من عزلها بالمعالجة مع تكرار التطبيق. وشجع على ذلك أن استدراك ما يُعَدّ مخالفة للجاري في عصرنا في اطراد ترتيب التراكيب في المعجم حسب الترتيب الألفبائي = متاحٌ: باستيعاب طريقة ترتيب التراكيب في هذا المعجم، وبمسرد التراكيب (الفهرس). ... • إن تبيُّن صحة فكرتَيْ المعنى المحوري والفصل المعجمي وتحققهما باطراد في آلاف التراكيب ومئات الفصول المعجمية = لا يفسَّر إلا بوجود ارتباط علمي يقيني بين الألفاظ ومعانيها بصورة مجملة، ثم بين مكونات الألفاظ ومعانيها بصورة مفصَّلة. ومكونات الألفاظ هي الحروف الألفبائية. إن اطِّراد معنى التركيب ذي الأحرف المعينة بترتيب بعينه - في مفردات هذا التركيب يثبت ارتباطًا محدودًا بين أحرف هذا التركيب ومعناه [كلما وُجدت أحرف كذا بترتيب معين وُجد معنى كذا = كلما وُجد (أ) وجد (ب)]. ثم إن اطراد ذلك في آلاف التراكيب (حيث لا بد أن تستعمل كل أحرف الهجاء، وفي كل المواقع: صدرًا ووسطًا وآخِرًا ضرورةً، تفاديًا للتكرار) -مع اطِّراد تغير المعنى تبعا لتغير الحروف ولتغير مواقعها = كل ذلك يثبت أن لكل حرف ألفبائي معنى مستقلًّا، وبخاصة مع ثبوت التلازم بين جنس المعنى ووجود الحرف. واطرادُ سورة من معنى الحرف المعين، ومن

стр. 23

معنى الفصل المعجمي في ثلاثياته، مع وجود مقابل الحرف الثالث، هو أيضًا يثبت أن لكل حرف ألفبائي معنى مستقلًّا. ثم تبين إمكان ربط معنى الحرف بجرسه الصوتي، وخصائصه الصوتية المتمثلة في مخرجه، وكيفية خروجه بصفاته؛ فحاولت تحديد ذلك أخذا بالأصل، وهو التعبير لا العشوائية. وهذا التعبير هو ما يُسَمى المناسبة بين أصوات اللغة ومعانيها، وقد سبق إلى بيانه وإثباته الإمام ابن جني (١). هذا مع كون المعنى اللغوي للحرف ومناسبته صوتيا لمعناه متعدِّدَي الصور، في نطاق المعنى نفسه والمناسبة (٢). وذلك طبيعي، لاشتراك الحرف في تراكيب بالغة الكثرة، متنوعة المعاني. وقد حددنا لكل حرف معناه؛ تحقيقا وخروجا عن الهلامية. وبثبوت ذلك كله بما يشبه رَأْيَ العين، فإنه ما كان يسوغ لي ولا لغيري أن يغفل هذه الخصيصة للعربية، فتندفن وتغيب عن أهلها -في حين أنها حق العربية، وحق لأهلها، وهي من ذكرهم الذي امتن الله به إذ أنزل القرآن بالعربية ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (٤٤)﴾ [الزخرف: ٤٤]. • وحرصًا على الهدف الأساسي للمعجم عزلنا المعالجة التطبيقية لبيان المعاني اللغوية والصوتية، حرف الفصل مطبقة في تراكيبه، لتكون في حاشية في أول كل فصل معجمي، فيبقى المتن خالصًا لمعنى كل تركيب من تراكيب الفصل، مع التطبيق على مفردات كل تركيب في سياقاتها القرآنية وغير القرآنية. وذيّلنا متن الفصل بالمعنى المشترك بين تراكيب الفصل، مع إيجاز سورة تحقق ذلك المعنى في كل تركيب.

стр. 24

المعاني اللغوية للحروف الألفبائية في اللغة العربية استخلصتُ المعاني اللغوية العامة للحروف الألفبائية العربية استخلاصًا علميًّا، اعتبرت فيه الأساسين التاليين: الأول: هو معاني كلمات التراكيب المكونة من الحروف المراد تحديد معناها، سواء استغرق ذلك التكوين كلّ أحرف التركيب، أو غلب عليها، بأن يتكون التركيب من حرفين مع حرف علة. وذلك مثل: "الببَّة بمعنى الشاب الممتلئ البدن نَعمةً وشبابًا / السمين / الكثير اللحم "فإن كلمة الببَّة هنا مكونة من ثلاث باءات هي الحروف الأصلية لهذه الكلمة، فيمكن أن يؤخذ منها المعى اللغوي لحرف الباء وحده، ولا يكون في ذلك تكلف، وكما في كلمة (ادد): "أددُ الطريق: دَرَرُهُ " (أي مَتْنُه ومَدرَجَته) فإن كلمة (أَدد) مكونة من همزة ودالين، فيمكن أن يؤخذ منها ومن مثلها المعنى اللغوي لحرف الدال دون تكلف، وبخاصة عندما نعرف المعنى اللغوي للهمزة ونطرحه من معى كلمة (أدد) وهكذا. واستنباط المعاني اللغوية للحروف الألفبائية أخذًا من التراكيب المكونة من حرف مكرر هو منهج ليس فيه خروج عن العِلْمية، لولا قِلَّة هذا النوع من التراكيب، وإنما شرطه إحكام الاستنباط. أما التراكيب التي يغلب في بنائها حرف معين فحاجتها إلى إحكام الاستنباط أشد. وهناك من نوع هذا المنهج صور أخرى لم نذكرها هنا. الأساس الثاني لتحديد معنى الحرف: هو هيأة تكونه في الجهاز الصوتي؛ فإن هيأة التكون هذه يشعر بها الإنسان عند التنبه لذلك، ويستطيع أن يُحس منها بمذاقٍ للحرف يُسهم مع الاستعمالات اللغوية له في تحديد معناه. وقد كان الخليل (ت ١٧٠ هـ) ومَن بعدَه من الأئمة يسمون تجربة نطق الحرف من أجل تحديد مخرجه: "ذَوْقا "و "تذوقا ". ولا يخفى أن هذا الأساس الثاني الصوتي ليس في قوة الأساس الأول الاستعمالي.

стр. 25

وإنما استمد قوّته من إمكان ربطه به -أي من إقامة الصوتي على الاستعمالي. وهذه هي المعاني اللغوية للحروف الأبجدية حسب الأساسين المذكورين: فالهمزة: تعبّر عن ضغط كما يتمثل في "الآء (تركيبه: أوَأ): ثَمَرُ شجر السَرْح / يأكله النعام، وهو يشبه الزيتون (وثمرة الزيتون دقيقة صلبة كأنها مضغوطة). فهذا الضغط الدقيق المتمثل في الصلابة هو الملحوظ لمعنى الهمزة. ويتمثل صوتيًّا في تكوين الهمزة بضغط الزمير أثناء خروجه من الوترين الصوتيين في الحنجرة ضغطًا يؤدي إلى انطباقهما وتوقف الزمير، أو بضغط الزمير آنَ انطلاقه من الوترين عند انفتاحهما بعد إغلاق. والضغط الذي تعبر عنه الهمزة ينصَبُّ (في الاستعمالات اللغوية) على ما تعبر عنه الحروف التي تصحبها في نفس الكلمة (كما في أكل / كلأ؛ فالكَلَال فَقْد الحدّة، والهمزة قبله تقويه فِعْلا، وبعده تقويه انفعالا؛ لأن الكلأ يؤكل)، أو على معنى العبارة التي تليها كما في همزة الاستفهام. والخلاصة أن الهمزة ليس لها معنى لغوي مستقل بل يظهر معناها في غيرها، ومن أجل ذلك خففها الحجازيون بتسهيل نطقها أو بحذفها تمامًا بحيث لا يبقى محقَّقَ الهمز حتمًا في كلامهم إلا ما وقع في أول النطق بكلامٍ ما. ولو كان لها معنًى لغويٌّ مشقل ما أمكنهم حذفها حتى لا يستعجم كلامهم. والباء تعبّر عن تجمعٍ تراكميٍّ رخوٍ -مع تلاصقٍ ما: كما في "البَبَّة: الشاب الممتلئ البدن نَعمةً وشبابَا / السمين / الكثير اللحم " (لحم وشحم متراكم تعبر عنهما باء مكررة، فيؤخذ منه معنى الباء الذي ذكرناه)، وصوت الباء يتكون بانطباق الشفتين انطباقًا تامًّا في نقطة أقرب إلى باطنهما من نقطة التقائهما حين نطق الميم. وواضح أن الشفتين كُتلتا لحم رخو، وما تلتقيان من قرب باطنهما في نطق الباء مع إحساسٍ بالتصاق خفيف، والشعور بنطقها هكذا يلتقي مع الاستعمال

стр. 26

اللغوي للباء، كما في لفظة البَبَّة، ويُصَدِّق تعبير الباء عن تجمع تراكمي رِخو. والتاء: تعبّر عن ضغط دقيق (يؤدي إلى حبس ضعيف أو غير شديد، وقد يؤدي إلى قطع) كما يتمثل عند الاستعمال اللغوي في "التِيتاء وهو الزُمَلِق الذي يَقذِف قبل أن يخالِط، وكذا في قولهم: أتَّه أي غتَّه بالكلام أو كبته بالحجة وغلبه ". فإسكات الخصم بالكلام والحجة حبسٌ بضغط، ولكنه ضعيف نسبيًّا؛ لأنه حبس غير مادي، والتاء تتكون صوتيًّا بالتقاء طرف اللسان (وهو دقيق) بأصول الثنايا العليا التقاءً يحب النفَس، وهو حبسٌ ضعيف لدقة نقطة الالتقاء، ولأنه بطرف اللسان وحده. وأيضًا بالنسبة للحبس في أختي التاء، وهما الدال والطاء، فالشعور بنطق التاء هكذا يلتقي مع المعنى المستنبط لها من الاستعمالات التائية. والثاء: تعبّر عن نفاذِ دِقاقٍ بكثافة وانتشارٍ ما كالتفشي، أخذًا من قولهم: "شَعرٌ أثيث: غزير طويل، وكذلك النبات. وقد أثَّ النبتُ: كَثُر والْتف. ولحية أثَّة: كَثَّةُ أثيثة " (يُلحظ دِقَّة الشعر والنبت). وهذا يلتقي مع الشعور بتكون الثاء صوتيًّا بمد طرف اللسان بين أطراف الثايا العليا والسفلى، وخروج النفَس خيوطًا هوائية دقيقة منتشرة من منافذ الفم التي يسمح بها وضع اللسان ذاك من جانبيه وحول طرفه. والجيم: تعبّر عن تجمُّعٍ هَشّ له حدة ما. أخذًا من "أَجِيج النار: تلهُّبها / توقدها. وماء أجَاج: شديد الملوحة والحرارة " (فهذا وذاك تجمع هش لأن لهب النار هش وكذلك الماء. والحدة هي الحرارة والملوحة). وكذلك "الجاجَة: الخرزة الوضيعة التي لا قيمة لها "فعدم قيمتها هشاشةٌ وضعفٌ معنوي. ومن ضعفها الحسي أنها جِرمٌ مثقوب أي فارغ الجوف، أما حدّتها فتتمثل في قوة أثرها في تزيين شكل مَن تَتَحلَّى بها. ومعنى الجيم ذاك يلتقي مع الشعور بتكون صوت الجيم الفصحى بارتفاع وَسَطِ مُقَدَّم اللسان بعَرْضه إلى ما يحاذيه من الحنك الأعلى حتى

стр. 27

يلتقي به التقاءً محكمًا يحبس الهواء. فهذا الوضع يُشعر بنوع من امتلاء الفم بالجيم - وهذا تجمُّع هش، أما تعبير صوتها عن الحدة فمأتاه جهرها، وأيضًا تعطيشها، والتعطيش هو صدى الين الذي يخالط صوتها، وبخاصة عندما ينفجر هواؤها، وهو صَدَى قَوى يَغشى الأُذُن. والحاء: تعبر عن جفاف في الباطن مع احتكاك بِعِرَض يبرِز وجود الممر الجاف في الجوف. وذلك أخذا من "الأُحاح-: العَطش (جفاف في الباطن)، ومن "أَحَّ بمعنى: سَعَلَ " (احتكاك). ومن جفاف الباطن هذا جاء (الأُحاحُ: الغيظُ والضِغْن ". وهذا يلتقي مع الشعور تكون صوت الحاء باحتكاك الهواء المار لإخراجها بوسط الحلق احتكاكًا جافًّا ليس فيه نعومة العين وبَلالها، لكن فيه إحساسٌ بوجود ممر باطني (يؤخذ منه وجود اتساع في الباطن). والحاء: تعبّر عن تخلخل ونحوه في أثناء غِلَظ، وذلك أخذًا من "الخَوخَة: وهي كوَّة في البيت تؤدي إليه الهواء، ومُخترَق ما بين كل دارين لم يُنصَب عليه باب، وباب صغير كالنافذة الكبيرة تكون بين بيتين " (فالخوخة في جدار البيت وبين الدارين الملتحمين فراغٌ هو التخلخل). وهذا المعنى يلتقي مع الشعور بتكون الخاء بارتفاع أقصى اللسان حتى يماسّ أقصى الحنك الرخو صانعًا حاجزًا رخوًا مُتخلالًا، مع مرور هواء نَفَسِ الخاء متخللا ذلك التجمع الرخو محتكًّا به، فيتموج جانباه لرخاوتهما، ويُسمَع صدى ذلك الاحتكاك برخو يتموج: خاءً. والدال: تعبّر عن امتدادٍ طولي دقيق مع انحصار، أي احتباس عن العِرَض. وذلك أخذا من "الدَد: اللهو واللعب "الذي يُغْري بالاستمرار مع الانصراف عن غيره، ومن "الدُود المعروف، والدَوْداة، (وهي عُود، دقيق نسبيًّا)، ممتدٌّ أفقيًّا يُركز وسطه على مرتفع ويتأرجح الصبيان على طرفيه) وما ممتدان ولا فرصة فيهما للعِرَض، ومن "أدَد الطريق: دَرَره (أي متنه ومدرجته) حيث يمتد واضحا من

стр. 28

كثرة الوطء والمرور عليه دون ما حوله، والطُرق قديما لم تكن عريضة. وهذا يلتقي مع الشعور بخروج الدال بالتقاء متنِ مقدَّمِ اللسان إلى طرفه بما فوقه من سقف الحنك حتى أصول الثنايا العليا مع الجهر وحبس المس. ويتميز التقاء اللسان مع سقف الحنك في الدال بأن ارتكازه على متن اللسان من مقدَّمه إلى نهاية طرفه، أي لمسافة أطول كثيرا مما مع التاء، وهذا يشعر بالامتداد. والذال: تعبِّر عن ثخين رطب أو غض (محتوى) ينفذ: وذلك أخذًا من قولهم "شفرة أَذوُذٌ: تقطع الشحم والكبد "، ومن التعبير عن المحتوى في البطن بـ ذي البطن: "ألقت ذا بطنها: ولدت ". "الذئبُ مغبوطٌ بذي بَطْنه ": أي جَعْوه، وكذلك من الآذِيّ: موج البحر الشديد. (وهو ينتبر منه). وهذا الذي تعبر عنه الذال يلتقي مع الشعور بتكون صوتها بمد طرف اللسان مستعرضًا حتى يتوسط ما بين الثنايا العليا والسفلى، فيبرز قليلا، ويخرج صوتها مجهورا، على ذلك. والراء: تعبر عن سيولة الجرم مع استرسالٍ، أي شيء من التماسك يجعل الاتصال والامتداد واضحين. وذلك أخذًا من قولهم: "مُخٌّ رَارٌ، ورِيرٌ -بالفتح والكسر: ذائب رقيق من الهُزَال / كان شحمًا في العظام ثم صار ماء أسودَ رقيقًا. والرَير -بالفتح: الماء يخرج من فم الصبي "ومن قولهم: "أرَّ سَلْحُه: استطلق حتى يموت، والإرّة- كهِرّة: النار " (تمتد ألسنة لهبها). وهذا يلتقي مع تكوُّن صوت الراء بامتداد طرف اللسان حتى يمس طرفُه المرتعدُ لثةَ الثنايا العليا أكثر من مَسَّةٍ سريعة التوالي، ويخرج صوتها على ذلك كأنه موجات متتالية تكرارا، وهذا هو معنى الاسترسال فيها. والزاي: تعبِّر عن شدة اكتنازٍ بازدحام أشياء أو أجزاء بعضها إلى بعض. وذلك أخذًا من "الزِيزَى والزِيزاء والزِيزاءة: ما غلُظ من الأرض / القُفّ الغليظ المشرِف الخشن " (الغليظ من الأرض هو الصُلب المرتفع. والصلابة والارتفاع تكُون من

стр. 29

انضغاط مكوناتها من تراب الأرض بعضها في بعض اتضغاطا شديدا فيتداخل ويصلُب). وكذلك أخذا من قولهم: "بيت أزَز: مليء بالناس، ومجلس أزَزٌ: ضيق كثير الزحام ". وهذا المعنى اللغوي للزاي يلتقي مع الشعور بخروج الزاي حُزْمَةَ هواء مشحونةً بزمير الجهر، ومضغوطة في المضيق بين طرف اللسان من ناحية، وصفحات الثنايا العليا إلى ما بين أطراف الثنايا العليا والسفل من ناحية أخرى. والسين: تعبِّر عن امتدادٍ دقيق (حادٍّ أو قوي) نافذ في جرم أو منه. وذلك أخذا من "السِيساءة: المنقادة من الأرض المستدقة، والسِيساء -بالكسر فيهما: ظهر الحمار، ومنتظَمُ فِقار الظهر (كل منها خطٌّ أو نتوءٌ طويل صُلب). ومن السُوس والساس: العُثّة التي تقع في الصوف والثياب والطعام (= حب القمح) (وهي دقيقة تَخترقُ وتنفذ) والحَوَاسُ: شجر كالمرخ من أفضل ما اتخذ منه زَنْد، يقتدَحُ به (يستخرج به شرر النار) ولا يَصلِدُ ". (= لا يتوقف عن إخراج الشرَر إذا قُدِح) ومن "الأُسّ -بالضم وكسحاب: أصل البناء " (يمتد في الأرض إلى أسفل). وهذا المعنى للسين يلتقي مع الشعور بخروج السين خيطَ هواءٍ دقيقًا قويًّا ينفُذ -ممتدًّا- من المضيق الذي بين طرَف اللسان المستند إلى اللثة السفلى وبين صفحة الثنايا العليا. ثم من المضيق بين أطراف الثنايا العليا والسفلى التي تتقارب حتى تكاد تلتقي. والشين: تعبّر عن تسيُّب وتفرقٍ أي انتشار وتفشٍّ وعدم تجمع أو تعقد. وذلك أخذًا من قولهم: "ناقة شَوْشاة: أي خفيفة سريعة (الانتقال الخفيف تفرق وانتشار)، ومن الشيشاء- بالكسر، وهو التمر الذي لا يشتد نواه / التمر الذي لا يَعقِد نوى، وإذا أنوى لم يشتد ... " (هشاشةٌ وتسيب)؛ ومن "الأَش -بالفتح: الخبز اليابس الهش، وأشت الشَحمةُ: أخذت تتحلَب " (تذوب- وهذا تسيب). وهذا المعنى للشين يلتقي مع الشعور بتكونها بخروج الهواء متفشيا منتشرًا - بعد المضيق

стр. 30

الذي يعترضه بسبب ارتفاع وسط مقدم اللسان قرب طرف إلى ما يحاذيه من الحنك. وقد وصفوها بالتفشي، وهو أقوى أوصافها، ويمثل معناها. والصاد: تعبِّر عن كونِ الشيء غليظًا قويًّا في ذاته خالصًا مما يخالطه -أو نفاذٍ كذلك. وذلك أخذا من "صَياصي البقر: قرونها، واحدها صِيصة. والصِّيص من ثمر النخل: الذي لا يشتد نواه أو لا يكون له ثوى أصلا، والصِيصاء- بالكسر: حَبُّ الحنظل الذي ليس في جوفه لبٌّ، الرجل الصُوص -بالفم- وهو اللئيم / المنفرد بطعامه لا يؤاكل أحدًا ". ومن قولهم: "بناء أصيص: محكَم، وناقة أصوص: شديدة موثقة، وقد أَصَّت: اشتد لحمُها وتلاحكت ألواحها ". وذلك المعنى للصاد يلتقي مع الشعور بتكونها بخروج هواء الزفير حُزْمَةً كثيفة (غليظة) ممتدة بين اللسان الذي يتقعر حينئذ، وأعلى الحنك الذي يصير كالطبق له، فيحس الناطق بها حزمة كثيفة (غليظة) من الهواء الخالص، لا يخالطها زمير الجهر، ينفذ من الفم بأثر الإطباق. والضاد: تعبِّر عن غِلظٍ وثقلٍ له حِدَّةٌ ما، يخالط فيَضغَطُ بغِلَظِهِ وثقله ما خالطه. وذلك أخذا من "الضَوْضى والضَوضاء: الجلَبة وأصوات الناس " (توحي بتجمع كثيف ثقيل على الأذن)، ومن "الأَض: الكسر، وناقة مُؤْتَضَّة: أخذها كالحرقة عند نِتاجها فتصلَّقت (أي تقلبت) ظهرا لبطن. والأَضُّ -بالفتح: المَشَقّة، وأَضَّهُ: أحزنه وأجهده. وأضَّته إليه حاجة: أجهدته / ألجأته واضطرته " (وكل هذا فيه حدة وغِلظ مخالط وضغط). وهذا المعنى يلتقي مع الشعور بتكون صوت الضاد: حيث يمتد طرف اللسان إلى لثة الثنايا العليا، مع استعلاء أقصاه، وتقعر وسطه تقعرا واصلا إلى ترب طرفه، واستعراض جوانبه، فيملأ الفم؛ فلا يجد النفَسُ سبيلا للخروج إلا جانبي اللسان أو أحدَهما. فامتلاءُ الفم، وخروج النفَس بجُهد من الجانبين أو أحدهما، وغِلَظ الصوت الخارج، كل ذلك يُشعر بالغلظ والثقل وسائر

стр. 31

ما تعبر عنه الضاد. والطاء: تعبر عن نوع من الضغط بغلظ وثقل مع حدة مخالطة. وذلك أخذًا من قوله "الأَطّاط: الصَيَّاح، قال يصف إبلًا امتلأت بطونها: يَطحرن ساعاتِ إِنَى الغُبُوق ... من كظَّةِ الأَطَاطة السَنُوق [يَطحَرن: أي يتنفسن تنفسًا شديدًا كالأنين، والإنَى: وقت الشرب، والأطّاطة التي تسمع لها صوتًا]: وقال الآخر: ﴿على مُلَحَّبِ أَطَّاط﴾ يعني الطريق. و "الأطيط: صوت الرَحلِ الجديد، والإبلِ مِنْ ثِقَلها من ثقل أحمالها ". وقال علي بن حمزة: "الأطيط: صوت أجوافها من الكِظّة إذا شربت. وأطَط -بالتحريك: بلد، سُميت بذلك لأنها في هَبْطة من الأرض، ... والأَطّ: نقيض صَوتِ المحامل والرِحال إذا ثقل عليها الرُكبان. والأطيط: صوت الباب من الزحام عليه، وصوت تمد لي النِسع، وصوت القَناة عبد تقويمها. والأَطّ الثُمَام " (ويلحظ أن تفسير الاستعمالات هنا صُبَّ في جُلِّه على صوت الأشياء من ضغطٍ (: الكِظة امتلاء البطن، صوت الباب من ضغط الزحام، تمدد النسع من زيادة الشدِّ وهو ضغط، ضغط القناة عبد تقويمها)، لكني نظرت إلى سبب ذلك الصوت، وهو الضغط الشديد في كل، كما هو واضح. وأما الأَط: الثُمَام، فضغطه أنه يُحْشى به. هذا واستعمالات جذر (طوط) و (طيط) فيها شيء من هذا المعنى، فمنها: "الطوط بمعنى القطن، وأرجِّح أنهم نظروا إلى جَوزه، المَحشوِّ بالقطن. فقد ذكروا قول أمية بن أبي الصلت: والطُوطُ نزرَعه أغنَّ جِراؤُه ... فيه اللباسُ لكل حَول يعضَدُ فالجِراء هنا هي جَوْزه. ومعنى الطاء ذاك الذي استخلصناه من الاستعمالات اللغوية يلتقي مع الشعور بتكون الطاء بالتقاء ظهر مقدم اللسان مستعرضًا بما فوقه من الحنك ولثة الثنايا العليا، مع ارتفاع أقصى اللسان (استعلاء)، فتكون هناك بين وسط اللسان

стр. 32

المتقعر وما فوقه من الحنك طبقةٌ من الهواء المجهور (حِدة عرصة مضغوطة). والظاء: تعبر عن حِدة تخالط الشيء الكثيف، أي هي تَسري في أثنائه. وذلك أخذا من قولهم: "الظياةُ -كقناة: الرجلُ الأحمق، وأظوى الرجلُ: حمُق، والظيان - كحسّان: نبت باليمن يُدْبغ بورقه "-وهذا كله يعني حدةً في أثناء الشيء: فالحمق حِدة فساد، والدبغ حِدَّةُ حَرَافة يُدبَغ بها الجلد "أديم مُظيًّا: مدبوغ بالظيَّان ". وهذا المعنى للظاء المستخلص من الاستعمالات اللغوية يلتقي مع الشعور بتكون الظاء بامتداد طرف اللسان بين أطراف الثنايا العليا والسفلى، مع استعلاء أقصاه، وتقعر وسطه، ومرور الهواء مجهورًا- والجهر حدة في الأثناء، وتقعر وسط اللسان ووجود الهواء بينه وبين سقف الحنك يوحي بكثافةٍ واحتباسٍ ما. لكن الإحساس بالكثافة والاحتباس هنا أقل مما مع الطاء والضاء، لأن تقعر وسط اللسان أقل؛ لامتداده إلى ما بين أطراف الثنايا، وسبيل الهواء هنا أكثر يسرًا منه مع الضاد. أما الحدة فهي في الضاد أقوى. والعين: تعبر عن رخاوة جرم ملتحم (اتساعا أو امتدادا). وذلك أخذا من قولهم: "عَيَّعَ القوم تَعْييعا: عَيُوا عن أمرٍ قصدوه (فهذه رخاوة ضعف)، ومن قولهم: "الوعْوع: الرجل الضعيف / الجبان ". وهذا التحديد لما تعبر عنه العين مستخلَصًا من الاستعمالات (العينية) المتاحة، يلتقي مع الشعور بمذاق تكوُّن العين في وسط الحلق، بمرور زمير الجهر بين المضيق من أثناء السد البليل الرخو الذي يعترضه من تراجع جذع اللسان مع الغشاء العريض الرخو الذي يتصل به- إلى الجدار الخلفي الرخو، وبسبب نفاذ الصوت من ذلك التجمع الرخو يشعر الناطق بتلك الرخاوة الملتحمة، ويكتسب الصوت عِرَض صداه ورقّته ونصوعه. والغين: تعبر عما يشبه الغشاء الذي له شيءٌ من كثافةٍ أو قوة وحدة، مع تخلخلٍ ما. وذلك أخذا من قولهم: "الغَوغاء: الصَوت والجلَبة، والجراد حين (ينبت

стр. 33

جناحه) ويخف للطيران. والغاغ: الحَبَق (وهو نبتٌ طيب الرائحة حديد الطعم، ورقه عريض منه سُهْلي ومنه جبلي، وليس بمَرعى) ويكثر نباته على الماء " (١). فالجراد يبلغ ذلك الطور في الموضع الذي بِيضَ فيه، وهو يكون كثيرًا جدا، يغطي مساحة عريضة من الأرض، ويطير معًا كأنه سحابة صغيرة مخفضة، فهو كالغشاء، والحَبَق بوصفه هذا يشبه ما يسمّى ورد النيل، وهو يغطي الماء كالغشاء -والجلبة تحس كذلك بالنسبة للأذن، وفي كل من تلك الطبقات تخلخل ما. وهذا كله يلتقي مع الشعور بتكون الغين بوصول الهواء زامرًا إلى المضيق بين أقصى اللسان بما عليه من أغشية رقيقة وبين الحنك الرخو، وهما ملتقيان أو كالملتقيين، ويمر الهواء الزامر من بينهما بتموج محدثًا ما يشبه الغرغرة حسًّا وصوتا، كأنه ينفذ من غشاء له شيء من الكثافة والقوة مع تخلخل ما. والفاء: تعبّر عن النفاذ بقوة (كالطرد والإبعاد) إلى ظاهر الشيء مع اتساع النافذ أو انتشاره. وذلك أخذًا من "الفُوفة -بالضم: القشرة الرقيقة تكون على النواة / (على) النواة دون لحمة الثمرة، والقشرة التي على حبة القلب (قشرة الشيء مُفرَزةٌ منه إلى ظاهر). والفُوف أيضًا: البياض الذي يكون في أظفار الأحداث (كأنه ذاك). ومن "الفَيف والفَيفاء- بالفتح فيهما: المفازة التي لا ماء فيها مع الاستواء والسعة " (تبخر الماء الذي يتوقع أن يكون في جوفها)، ومنه "الأُف: وسخ الأذن، والوسخ الذي حول الظفر " (وسخ الأذن إفراز منها، والآخر شبيه به). و "اليأفوف: الأحمق الخفيف الرأي (فارغ العقل). واليأفوفة: الفراشة " (جسمها دقيق هي كأنه دقيق، وأبرز ما فيها أجنحتها المنتشرة وطيرانها). وهذا المعنى

стр. 34

الاستعمالي للفاء يلتقي مع الشعور بتكون الفاء بدفع الهواء بقوة بين المضيق المعترض بالتقاء الثنايا العليا بباطن الشفة السفلى، ويوجِّهه وضع الشفة العليا بالنسبة له. ويُلحظ الشعور بدفع الهواء إلى الخارج. وهذا يؤكد التعبير عن معنى الطرد والإبعاد. والكاف: تعبر عن تجَمُّعٍ (متعقد) ذي حدَّة في باطن السيء أو عمقه (قد ينفذ منه). وذلك أخذا من "القَقَّة: العِقْي الذي يخرج من بطن الصبي حين يولد، والقَقَّة أيضًا: حَدَث الصبي كالقَقَقَة -بالتحريك. والمعنى فيه واضح، ومن اليققة- بالتحريك: جُمَارة النخلة (وهي قُلبها وشَحمها: تُقطع قمة رأس النخلة ثم يُكشط عن جُمَّارةٍ في جوفها بيضاء، كأنها قطعة سَنام ضخمة، وهي رَخْصة تؤكل .. والكافور يخرج من الجمارة بين مَشَقّ السَعفتين) (١) - والتجمع المتعقد في الجوف واضح هنا أيضًا، وحِدَّتها أنها يخرج منها الكافور الذي يضم جنين تمر النخل، ومن "القُوق والقاق: الطويل القبيح الطول، والقُوقة: الصلعة) (حدة باطنية تُنتج الطول، ونَفْيَ شعر الرأس)، ومن "القِيقاءة: مكان ظاهر غليظ كثير الحجارة / الأَظِرّة .. (الظِرار: حجرٌ له حافة حادة يمكن أن تستعمل للذبح) لا تكاد تستطيع المشيَ فيها .. وتحت الحجارة الأظِرّة حجارة عاضٌّ (٢) بعضها ببعض لا تقدر أن تحفر فيها. والقِيقَة -بالكسر أيضًا: القِشرة الرقيقة التي تحت القَيض من البيض " (غِلَظُ ما بالباطن هنا هو كتلة البيضة المتماسكة بالسلق ونحوه / أو أنها تحوي جنينا)، وقشرة البيضة الداخلية متينة نسبيًّا (وهذا هو غلظها)، إذ يمكن نزعها متماسكة بعد سلق البيض أو شيِّه. وهذا المعنى اللغوي للقاف يلتقي مع الشعور بتكون

стр. 35

صوت القاف بالتقاء أقصى اللسان بما فوقه من الحنك اللين (أي في عمق الفم) التقاءً شديدًا محكَمًا في سبيل الصوت الزامر، مشعرا بكتلةٍ معقدة شديدة في جوف جهاز النطق. والكاف: تعبر عن ضغط غئوري مع حِدّة أو دقة. وذلك أخذًا من "الكَيكَة: البيضة "، فقشرها متماسك لكنه دقيق، وكذلك إمساكها (حفظها) ما بداخلها "والكَيكاءُ: من لا خير فيه من الرجال " (للضعف المأخوذ من دقة التماسك). ومن "الأَكّة: شدة الحر مع سكون الريح (سكون الريح وقوف وثبات كالتماسك، والعامة تقول في مثل هذه الحالة: الجو ماسك / الهوا محبوس) والحر حِدة، وسكون الريح مع الحر جو يحيط بالناس في أثنائه. ومن الحدة في الأثناء "الأكة: سُوء الخُلُق، والحِقدُ، وضيقُ الصدر، والزحمة " (لأن المزاحَم يشعر أنه معصور محصور في أثناء ما زحمه). ومن تماسك الأثناء أيضًا: "رجل كُواكيةٌ، وكَوكاة: قصير " (غير مُنبسط- وهو تماسك متوهَّم). وهذا المعنى اللغوي للكاف يلتقي مع الشعور بنطق الكاف بالتقاء جزء دقيق من قرب أقصى اللسان بما فوقه من الحنك الصلب التقاءً محكَمًا يمنع تسرب الهواء، ويُشعر بسدٍّ وحبسٍ دقيق (تماسك) في الأثناء، أي في عمق جهاز الصوت. واللام: تعبر عن نوع من الامتداد من شيء كالتعلق مع تميز أو استقلال. وذلك أخذًا من قولهم: "أُذُن مُؤلَّلَةٌ: محددة منصوبة ملطفة (دقيقة ممتدة إلى أعلى)، وألَلَا السكينِ والكتفِ وكلِّ شيء عريض: وَجْهَاه " (الوجه للشيء العريض ذي الوجهين جانبٌ منه متميز كالمستقل)، "والألَّة -بالفتح: الحربة في نَصْلها عِرَض " (والامتداد في السكين والحربة والكتف عَرْضي، وهو لدعم عملهن). ومن الامتداد من الشيء مع تميزه عن حقيقته: "ألَّ لونُه لَيلُ: صفا وبرق (امتداد بريق)، والأَلِيل: صليل الحجر أيًّا كان (امتداد صوت)، وألِلَ السقاء- كتعب: تغير ريحه

стр. 36

(بسبب امتداد زمني). أما "أل فلان: سأل فأطال المسألة "فهذا الإلحاح من الامتداد والتعلق. وهذا المعنى اللغوي للّام يلتقي مع الشعور بنطق اللام بامتداد طرف اللسان حتى يلتقي بأعلى اللثة كالمعلَّق مفسحًا جانبيه لمرور صوت اللام مجهورا قويا. والميم: تعبر عن تضامٍّ أو استواءٍ ظاهريٍّ لشيء أو على شيء. وذلك أخذًا من "أم الرأس: الخريطة / الجلدة التي تجمع الدماغ " (= المخ). فهذا ضم وجمع في كيس جامع، ومنه "أمَّةُ الطريق وأمُّه: معظمه، والإمام- ككتاب: الصُقع من الطريق والأرض " (مساحة أو مسافة متصلة تجمع وتضم من فيها). ومن "الموُم: المفازة الواسعة الملساء التي لا ماء بها ولا أنيس (تَضامٌّ ظاهري مع جفاف). وكذلك "المُوم: الجُدَرِي الكثير المتراكب (تضامٌّ على الظاهر مع جفاف)، وشَمع العسل (يَضُم العسل في جوفه وهو متماسك كالصُلب). ومن (اليَم: البحر / ... الذي لا يدرك قعره ولا شطّاه "- فهذا أيضًا تجمع في مساحات ظاهرة لا نهاية لها. وذلك المعنى اللغوي للميم يلتقي مع الشعور بتكون الميم بالتقاء الشفتين في نقطة أقرب إلى ظاهرهما- مع خروج زمير الجهر من الأنف. فالضم والاجتماع هنا أقل قوةً مما مع الباء. والنون: تعبِّر عن امتدادٍ لطيف في جوفٍ أو باطن جرمٍ أو منه. وذلك أخذًا من "النَنّ: الشعر الضعيف " (ينفذ من الجلد بلطف). ومن "النُونة: الثُقبة في ذقن الصبي الصغير، والسمكة، (غئور في جلد الذقن وفي الماء). ومن قوله: "أُنَّ ماءً ثم أغْلِه "أي صُبَّه (في إناء) ثم أغله، فهذا صب في جوف شيء: وهذا المعنى اللغوي للنون يلتقي مع الشعور بخروج النون زميرًا يمر في الخياشيم وقصبة الأنف حتى يخرج منها -مع التصاق طرف اللسان بأعلى لثة الثنايا العليا. والهاء تعبِّر عن فراغ الجوف أو إفراغ ما فيه بقوة "وذلك أخذًا من قولهم: "هَه

стр. 37

الرجل: لُثِغَ واحتبس لسانه " (هذا الاحتباس انقطاع لما يُتوقَّع صدوره من المتكلم يوحي بفراغ جوفه كأنه ليس عنده (في جوفه) كلام، ومن "الهوهاة- بالفتح: البئر التي لا مُتعلَّقَ بها، ولا مواضع فيها لرِجْل نازلها لبعد جَالَيْها، (= جوانبها من الداخل) (كأنها جُبٌّ لا قاع له، فهذا فراغ كامل). وهذا المعنى يلتقي مع الشعور بتكون صوت الهاء بإخراج هواء الرئتين دفعة كبيرة إلى الخارج بلا عائق؛ إذ يكون مجرى الهواء متسعًا ونُحِسُّ بإفراغ الهواء من الجوف بقوة. والواو: تعبِّر عن اشتمال واحتواء. وذلك أخذًا من "الواو "وهو اسم للبعير الفالج، وهو ذو السنامين (١). ولما كانت الإبل المعتادة المتعارَفة عند العرب ذات سنام واحد، فإن ذا السنامين يُعَدُّ جامعًا ومشتملا على أكثر من غيره. وهذا يتفق مع المعنى الاستعمالي للواو الذي استخلصناه من استعمالها حيثما وقعت، كما سيتضح في المعالجات التفصيلية. وهذا المعنى يلتقي مع تكوُّن الواو باستدارة الشفتين (مع ارتفاع في أقصى اللسان). والمستدير يضم ويشمل ما يحيط به. ومعنى الشمول والضم في الواو هو الذي عَبَّر عنه النحاة بالعطف؛ لأن العطف يُدخِل المعطوف في حكم المعطوف عليه ويضمه إليه، فيشمله المعنى المنسوب للمعطوف عليه وهذا المعنى أيضًا متحقق في واو الجمع، وواو القسم (تُدْخِل المقْسَمَ به في

стр. 38

الأمر كأنه شاهد -كقوله تعالى ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ وكقولهم: شَهِدَ اللهُ، عَلِمَ الله، وواو الحال (تقرن بين الأمر والحال)، وواو المعيَّة .. كذلك. والياء: تعبِّر عن اتصال الممتد شيئًا واحدًا، وعدم تفرقه أو تسيبه. وذلك أخذًا من "الإيَاء- كسَماء وبناء ورِضا: شُعاع الشمس (يمتد كالخيط). وآية الرجل: شخصه (جِرم وكتلة واحدة). وقولهم: تأيّا: توقف وتمكث / تلبّث وتحبس، تأنّى في الأمر. ليس ذلك المنزل بدارِ تَئِيَّة أي: بمنزلةِ تلبُّثٍ وتحبُّس ". وكل ذلك تماسك وعدم تسيب. وهو من صور الاتصال. ومعنى الياء هذا يلتقي مع الشعور بتكونها بامتداد الزمير، مارًّا -دون أن ينقطع- من المضيق الذي يسببه ارتفاع مقدم اللسان، مقتربًا مما يوازيه من الحنك.

стр. 39

ملخص المعنى اللغوي العام لكل من الحروف الهجائية بإيجاز الهمزة تؤكد معنى ما تصحبه في التركيب. ب تجمعٌ رخوٌ مع تلاصق ما. ت ضغطٌ بدقة وحدَّة يتأتى منه معنى الامتساك الضعيف ومعنى القطع. ث كثافةٌ أو غلظ مع تفشٍّ. ج تجمعٌ هش مع حدة ما. ح احتكاكٌ بعرض وجفاف. ح تخلخلٌ مع جفاف. د احتباسٌ بضغطٍ وامتداد. ذ نفاذ ثخين ذي رخاوة ما وغلظ. ر استرسالٌ مع تماسك ما. ز اكتناز وازدحام. س امتدادٌ بدقةٍ وحدة. ش تفشٍّ أو انتشار مع دقة. ص نفاذ بغلظٍ وقوة وخلوص. ض ضغطٌ بكثافه وغلظٍ. ط ضغط باتساعٍ واستغلاظ.

стр. 40

ظ نفاذ بغلظ أو حدة مع كثافة. ع التحامٌ على رقة مع حدَّةٍ ما. غ تخلخلٌ مع شيء من رخاوة. ف طردٌ وإبعاد. ق تعقدٌ واشتداد في العمق. ك ضغطٌ غئوري دقيق يؤدي إلى امتساك أو قطع. ل تعلقٌ أو امتدادٌ مع استقلال أو تميز. م امتساكٌ واستواء ظاهري. ن امتدادٌ لطيف في الباطن أو منه. هـ فراغٌ أو إفراغ. واشتمالٌ. ي اتصالٌ.
следующие страницы →