عند أمه، وأن النبي ﷺ لما طلب منه المفتاح امتنعت أمه من دفعه فدار بينهما في ذلك كلام كثير، ثم كيف يلتئم قوله: لوى علي يده مع كونه فوق السطح! ثم قد أسند الطبري١ عن مكحول في قوله تعالى: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قال هم أهل الآية التي قبلها ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ إلى آخر الآية.
ومن طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم٢ قال: قال أبي: هم الولاة٣.
ومن طريق علي بن أبي طلحة٤ عن ابن عباس: أمر الولاة أن يعطوا النساء حقوقهن٥.
قال الطبري٦: والأولى أنه خطاب من الله لولاة الأمور أن تودي الأمانة إلى من ولوا أمره في حقوقهم، وبالعدل بينهم والقسم بالسوية وأمر الرعية بطاعتهم فأوصى
стр. 877
الراعي بالرعية وأوصى الرعية بالطاعة.
ثم قال: وأما من قال: إنها نزلت في عثمان بن طلحة فجائز أن تنزل فيه، وفي كل مؤتمن، فدخل فيه ولاة الأمور وكل مؤتمن.
٣٠٩- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [الآية: ٥٩] .
١- أخرج البخاري١ ومسلم٢ والثلاثة٣ والطبري٤ من طريق يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قال: نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي٥ إذ بعثه النبي ﷺ في سرية. ولم يسمه الطبري قال: نزلت في رجل، وقال الباقون: عبد الله بن حذافة بغير زيادة في النسب٦.
وأخرجه الطبري٧ من "تفسير سنيد" قال: نا حجاج بن محمد عن ابن جريج عن عبد٨ الله بن مسلم بن هرمز عن سعيد بن جبير مثله.
стр. 878
قلت: وهذا من أغلاط سنيد.
قلت١: وإنما هو يعلى بن مسلم أخرجه الجماعة من رواية حجاج بن محمد كذلك كما تقدم وهو الصواب.
وأخرج الشيخان٢ وأحمد٣ والطبري٤ وغيرهم٥ من طريق أبي عبد الرحمن السلمي عن علي قال: بعث رسول الله ﷺ سرية واستعمل عليهم رجلا من الأنصار فوجد عليهم في شيء، فقال: أليس أمركم الله أن تطيعوني؟ قالوا: بلى. قال: فاجمعوا لي حطبا ثم دعا بنار فأضرمها فيه: ثم قال: عزمت عليكم لتدخلنها! فقال بعضهم: إنما فررتم إلى رسول الله من النار فلا تعجلوا حتى تلقوا رسول الله ﷺ ، فرجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه بذلك، فقال لهم: "لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدا إنما الطاعة في المعروف".
٢- قول آخر: أخرج الطبري٦ من طريق أسباط بن نصر عن السدي قال: بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد على سرية فيهم عمار بن ياسر فساروا قبل
стр. 879
القوم١ الذي يريدون حتى دنوا من الماء فعرسوا قربيا، فبلغ العدو أمرهم فهربوا، وبقي منهم رجل فجمع متاعه ثم أقبل يمشي في ظلمة الليل، حتى أتى عسكر خالد فسأل عن عمار فأتاه فقال: يا أبا اليقظان إن القوم سمعوا بكم فهربوا ولم يبق غيري وقد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسوله فهل ذاك نافعي غدا وإلا هربت؟ فقال عمار: بل ينفعك فأقم، فلما أصبح خالد أغار بجنده٢ فلم يجد إلا الرجل وماله فأخذوه وأخذوا ماله فبلغ عمارا الخبر فأتى خالدا فقال عمار: خل عن الرجل فقد أسلم وهو في أماني. فقال خالد: فيم أنت تجير علي وأنا أمير عليك؟ فاستبا، فلما رجعا إلى المدينة أجاز النبي ﷺ أمان عمار ونهاه أن يجير الثانية على أمير، فقال خالد: يا رسول الله يسبني هذا العبد! فقال النبي ﷺ : "لا تسب عمارا فإنه من سب عمارا سبه الله ومن أبغض عمارا أبغضه الله ومن لعن عمارا لعنه الله" فغض عمار وقام، فقال النبي ﷺ لخالد: "قم فاعتذر إليه" ٣ فقام فأخذ بثوبه واعتذر إليه فرضي عنه فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ".
هكذا رواه أسباط عن السدي مرسلا، ووصله ابن مردويه٤ من طريق الحكم بن ظهير عن السدي عن أبي صالح عن ابن عباس٥، وهكذا ساقه مقاتل بن سليمان بطوله وأكثر ألفاظه.
стр. 880
٣- قول آخر١: أخرج الطبري من طرق عن مجاهد، ومن طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ومن طريق عطاء بن أبي رباح، ومن طريق الحسن البصري، ومن طريق أبي العالية قالوا كلهم٢: معنى ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ : أولي العلم والفقه: زاد أبو العالية: ألا ترى أنه يقول: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ٣؟
٤- قول آخر: أخرج الطبري٤ من طريق ليث بن أبي سليم٥ قال: سأل مسلمة يعني ابن عبد الملك٦ ميمون بن مهران٧ عن هذه الآية: من ﴿أُولِي الْأَمْرِ﴾ ؟ قال: أصحاب السرايا على عهد رسول الله ﷺ .
ومن طريق الحكم بن أبان٨ عن عكرمة قال: هم أبو بكر وعمر.
واختار الطبري٩ اختصاصها بولاة الأمور.
وسبقه الشافعي١٠ وقرره تقريرا حسنا فقال: كان من حول مكة من العرب لم
стр. 881
يكن يعرف الإمارة، وكانت تأنف أن تعطي بعضها بعضا طاعة الإمارة فلما دانت لرسول الله ﷺ بالطاعة لم تكن ترى ذلك يصلح لغير النبي ﷺ فأمروا أن يطيعوا أولي الأمر.
٣١٠- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [الآية: ٦٠] .
١- أخرج إسحاق بن راهويه١ في "تفسيره"٢ والطبري٣ من طريق داود بن أبي هند عن عامر هو الشعبي في هذه الآية ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ قال: كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة، فكان المنافق يدعو اليهودي إلى اليهود؛ لأنه يعلم أنهم يقبلون الرشوة، وكان اليهودي يدعو إلى المسلمين؛ لأنه يعلم أنهم لا يقبلون الرشوة فاصطلحا أن يتحاكما إلى كاهن من جهينة فأنزل الله هذه الآية إلى قوله: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٤.
وفي رواية٥: فأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ يعني المنافقين: ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يعني اليهود: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ يعني الكاهن: ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ أمر هذا في كتابه، وهذا في كتابه أن يكفروا بالكاهن.
стр. 882
وفي رواية١: كان بين رجل ممن يزعم أنه مسلم وقال فيها: أحاكمك إلى أهل دينك؛ لأنه علم أن النبي لا يأخذ الرشوة في الحكم فاختلفا ثم اتفقا على٢ ﴿أن يأتيا كاهنا في جهينة﴾ وفيها٣ يعني الذي من الأنصار والثاني مثل الثاني، وزاد: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ وتلا ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ الآية.
ومن طريق سليمان التيمي٤ قال: زعم حضرمي أن رجلا من اليهود كان قد أسلم كانت بينه وبين رجل من اليهود ودارأة في حق٥ فقال اليهودي: انطلق إلى نبي الله فعرف أنه سيقضي عليه فأبى، فانطلقا إلى رجل من الكهان فتحاكما إليه، فنزلت.
وأخرج ابن أبي حاتم والحسن بن سفيان٦ والطبراني٧ من طريق صفوان بن عمرو وعن عكرمة عن ابن عباس قال:
كان أبو برزة الأسلمي يقضي بين اليهود فيما يتنافرون إليه فتنافر إليه ناس من أسلم.
قلت: كذا وقع في هذه الرواية أبو برزة -براء ثم زاي منقوطة- ووقع في غيرها
стр. 883
أبو بردة١ بدال بدل الزاي وضم أوله وهو أولى٢ فما أظن أبا برزة الأسلمي٣ الصحابي المشهور إلا غير هذا الكاهن٤.
وقد أخرج الطبري٥ من طريق أسباط بن نصر عن السدي قال: كان ناس من اليهود قد أسلموا ونافق بعضهم، وكانت قريظة والنضير في الجاهلية إذا قتل الرجل من بني النضير قتلته قريظة قتلوا به منهم، فإذا قتل الرجل من بني قريظة قتلته بنو النضير أعطوا ديته ستين وسقا من تمر، فلما أسلم ناس من بني قريظة والنضير قتل رجل من بني النضير رجلا من بني قريظة فتحاكموا إلى النبي ﷺ ، فقال النضيري: يا رسول الله إنما كان نعطيهم في الجاهلية الدية فنحن نعطيهم اليوم ذاك. فقالت قريظة: لا ولكن إخوانكم في النسب والدين، ودماؤنا مثل دمائكم ولكنكم كنتم تغلبوننا في الجاهلية فقد جاء الله بالإسلام فأنزل الله يعيرهم بما فعلوا فقال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ٦ [فعيرهم] ٧ ثم ذكر قول النضيري، فذكر القصة الآتية في سورة المائدة إلى أن قال: فتفاخرت قريظة والنضير قالت كل
стр. 884
فرقة: نحن أكرم منكم ودخلوا المدينة إلى أبي بردة١ الكاهن الأسلمي، فقال المنافق من قريظة والنضير: وانطلقوا إلى أبي بردة ينفر بيننا، وقال المسلمون: لا بل ينفر بيننا النبي ﷺ ، فأبى المنافقون وانطلقوا إلى أبي بردة فسألوه فقال: أعظموا اللقمة! يقول أعظموا الخطر فقالوا: لك عشرة أوساق، فقال: لا بل مائة وسق ديتي فإني أخاف أن أنفر النضير فتقتلني قريظة أو أنفر قريظة فتقتلني النضير فأبوا أن يعطوه فوق العشرة أوساق وأبى أن يحكم بينهم وأنزل الله ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ وهو أبو بردة الأسلمي.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد عن ابن عباس قال: كان الجلاس بن الصامت قبل توبته٢ فيما بلغني ومتعب بن قشير ورافع بن زيد وبشر٣ كانوا يدعون الإسلام فدعاهم رجال من قومهم من المسلمين في خصومة كانت بينهم إلى رسول الله ﷺ فدعوهم إلى الكهان حكام الجاهلية فأنزل الله فيهم هذه الآية.
٢- قول آخر [أخرج] ٤ الطبري٥ من طريق عطية العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ الآية قال: والطاغوت رجل من اليهود كان يقال له كعب بن الأشرف، وكانوا إذا ما دعوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ﷺ قالوا: بل نحاكمكم إلى كعب، فنزلت.
ومن طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، ومن طريق الربيع بن
стр. 885
أنس١ وغيرهما٢ نحو ذلك.
وأخرج عبد بن حميد وغيره٣ من طريق قتادة قال: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في رجل من الأنصار يقال له قيس٤ وفي رجل من اليهود [في] ٥ مدارأة كانت بينهما في حق فساقوا إلى كاهن ليحكم بينهما، وتركا النبي ﷺ ، فعاب الله ذلك عليهما وكان اليهودي يدعو إلى نبي الله وقد علم أنه لا يجوز عليه، وجعل الأنصاري يأبى وهو يزعم أنه مسلم ويدعو إلى الكاهن فنزلت.
٣- قول آخر: قال الكلبي٦ عن أبي صالح عن ابن عباس: نزلت في رجل من المنافقين يقال له بشر٧ كان بينه وبين يهودي خصومة، فقال اليهودي: انطلق بنا إلى محمد، وقال المنافق: بل نأتي كعب بن الأشرف -وهو الذي سماه الله تعالى الطاغوت- فأبى اليهودي إلا أن يخاصمه إلى رسول الله ﷺ فلما رأى المنافق ذلك "أتى معه"٨ النبي ﷺ واختصما إليه فقضى رسول الله ﷺ لليهودي فلما خرجا من عنده لزمه المنافق وقال: ننطلق إلى عمر بن الخطاب فأقبلا إلى عمر، فقال
стр. 886
اليهودي: اختصمت أنا وهذا إلى محمد فقضى لي عليه فلم يرض بقضائه وزعم أنه مخاصم إليك وتعلق بي فجئت معه، فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ فقال: نعم فقال لهما: رويدكما حتى أخرج إليكما فدخل عمر البيت وأخذ السيف فاشتمل عليه ثم خرج إليهما فضرب به المنافق حتى برد وقال: هكذا أقضي بين من لم يرض بقضاء رسول الله ﷺ وهرب اليهودي، ونزلت هذه الآية وقال جبريل ﵇: إن عمر فرق بين الحق والباطل فسمي الفاروق وسيأتي في السبب١ الآتي شبيه بهذه القصة.
٣١١- قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الآية: ٦٤] .
تقدم في الذي قبله من طريق الكلبي أن تلك الآية وما قبلها٢ وما بعدها أيضا إلى قوله: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ كلها في قصة اللذين تحاكما إلى الكاهن وبهذا جزم مجاهد، أخرج الطبري٣ وغيره من طريق ابن أبي نجيح وغيره عن مجاهد في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وفي قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ الآية قال: هذا الرجل اليهودي والرجل المسلم اللذان تحاكما إلى كعب بن الأشرف فنزلت في ذلك هذه الآية إلى قوله تعالى: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ .
وأخرج الطبري٤ من طريق ابن علية عن داود بن أبي هند عن الشعبي نحوه إلا أنه قال: إلى الكاهن.
٣١٢- قوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ إلى قوله:
стр. 887
﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الآية: ٦٥] .
١- تقدم قبل هذا النقل عمن قال: إنها نزلت في تحاكم إلى الكاهن، وهو ظاهر السياق، فإن الآيات المذكورة متعاطفة بعضها على بعض، وأولها قصة المتحاكمين، على الاختلاف في ذلك.
٢- وجاء عن جماعة [أن] ١ هذه الآية الأخيرة نزلت في قصة أخرى:
قال الإمام أحمد٢ والبخاري٣ [جميعا] ٤ حدثنا أبو اليمان أنا شعيب عن الزهري أخبرني عروة بن الزبير عن أبيه٥ أنه كان يحدث أنه خاصم رجلا من الأنصار قد شهد بدرا إلى النبي ﷺ في شراج الحرة التي يسقون بها فقال النبي ﷺ للزبير: "اسق ثم أرسل إلى جارك"، فغضب الأنصاري وقال: يا رسول الله، إن كان ابن عمتك فتلون وجه رسول الله ﷺ ثم قال للزبير: "اسق ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر فاستوعى للزبير حقه"، وكان قبل ذلك أشار على الزبير برأي فيه سعة للأنصاري وله، فلما أحفظه الأنصاري استوعى للزبير حقه في صريح الحكم، قال الزبير: والله ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ ٦.
وأخرجه البخاري٧ ومسلم٨ من طريق الليث عن الزهري عن عروة عن
стр. 888
عبد الله بن الزبير خاصم فذكر الحديث.
وكذا أخرجه البزار١ وابن حبان٢.
وأخرجه النسائي٣ والطبري٤ والإسماعيلي وغيرهم من طريق ابن وهب أخبرني يونس بن يزيد والليث عن ابن شهاب عن عروة حدثه أن عبد الله بن الزبير حدثه عن الزبير بن العوام أنه خاصم رجلًا من الأنصار.
قيل: إن ابن وهب كمل رواية الليث على رواية يونس والليث لا يقول عن الزبير وإنما قال: إن الزبير كما تقدم.
وأخرجه الطبري٥ وغيره من رواية عبد الرحمن بن إسحاق وغيره عن الزهري عن عروة أرسلوه، ولفظ عبد الرحمن: خاصم الزبير رجل من الأنصار، وفيه: "يا زبير اشرب ثم خل سبيل الماء"، فقال الأنصاري وهو من بني أمية. بطن من الأنصار٦: اعدل يا نبي الله وإن كان ابن عمتك، وفيه: "احبس الماء إلى الكعبين" وفيه فنزلت
стр. 889
﴿فَلا وَرَبِّكَ﴾ إلى آخرها.
وغفل الحاكم فقال١ بعد أن أخرجه من طريق ابن أخي الزهري عن عمه عن عروة عن عبد الله بن الزبير عن الزبير: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه ولا أعلم أحدا أقام هذا الإسناد يذكر٢ [عبد الله بن الزبير غير ابن أخيه، وهو عنه ضعيف] ٣، طريق أخرى سمي فيها خصم الزبير.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي نا عمرو بن عثمان٤ نا أبو حيوة عن سعيد بن عبد العزيز عن الزهري عن سعيد بن المسيب في هذه الآية ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ الآية قال: اختصم الزبير بن العوام حاطب بن أبي بلتعة في ماء فقضى النبي ﷺ أن يسقي الأعلى قبل الأسفل.
وقال الثعلبي: قال الصالحي٥: اسمه ثعلبة بن حاطب ثم ساق القصة، وزاد في آخرها: ثم خرجا على المقداد فقال: لمن كان القضاء يا ثعلبة؟ قال: قضى لابن عمته -ولوى شدقه- ففطن له يهودي فقال: قاتل الله هؤلاء يشهدون أنه رسول الله
стр. 890
ثم يتهمونه في قضاء بينهم، وايم الله لقد أتينا ذنبا مرة في حياة موسى فدعاه موسى إلى التوبة فقال: اقتلوا أنفسكم القصة فنزلت١.
طريق أخرى: قال ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن سلمة رجل من ولد أم سلمة عن أم سلمة أن الزبير خاصم فقضى رسول الله ﷺ للزبير فقال الرجل: إنما قضى له أنه ابن عمته فأنزل الله تعالى ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ الآية. أخرجه٢ الطبري٣ والطبراني٤ ورجاله ثقات إلا أن بعض أصحاب ابن عيينة أرسلوه.
وأخرجه الفريابي عن ابن عيينة لم يقل عن أم سلمة، وكذا أخرجه عبد بن حميد عن أبي نعيم عن ابن عيينة.
٣- سبب آخر: أخرج ابن أبي حاتم٥ من طريق ابن٦ لهيعة عن أبي الأسود قال: اختصم رجلان إلى النبي ﷺ فقضى بينهما، فقال الذي قضى عليه: ردنا إلى عمر، فقال النبي ﷺ : "نعم انطلقا إليه"، فلما أتيا عمر قال الرجل: يا ابن الخطاب قضى لي رسول الله ﷺ على هذا فقال: ردنا إلى عمر، فردنا إليك. قال: أكذلك؟ قال: نعم، فقال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما فأقضي بينكما، فخرج إليهما مشتملا
стр. 891
على سيفه فضرب الذي قال ردنا إلى عمر فقتله، وأدبر الآخر فارا إلى رسول الله ﷺ فقال:
يا رسول الله قتل عمر صاحبي ولوما أنني أعجزته لقتلني! فقال رسول الله: "ما كنت أظن أن عمر يجترئ على قتل مسلم" فأنزل الله تعالى ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ وأهدر دم ذلك الرجل وبرأ عمر من قتله". وستأتي بقية هذا الخبر في الذي بعده.
وتقدم من طريق الكلبي في الذي قبله. وفيه تقوية لقول من قال: إن الآيات كلها أنزلت في حق المتخاصمين إلى الكاهن كما تقدم، وبهذا جزم الطبري١ وقواه بأن الزبير لم يجزم بأن الآية نزلت في قصته بل أورده ظنا٢.
قلت: لكن تقدم في حديث أم سلمة الجزم بذلك، ويحتمل أن تكون قصة الزبير وقعت في أثناء ذلك، فتناولها عموم الآية والله أعلم.
وقد تقدم أن القصة المذكورة نزل فيها ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ ٣.
طريق أخرى٤ فيها أن الذي ترافعا إليه عمر:
стр. 892
قال الحافظ بن الحافظ إبراهيم١ بن دحيم٢ في "مسنده"٣ نا شعيب٤ بن شعيب نا أبو المغيرة٥ نا عتبة٦ بن ضمرة حدثني أبي٧ أن رجلين اختصما إلى النبي ﷺ فقضى للمحق على المبطل فقال المقضي عليه: لا أرضى "حتى ترضى"٨ فقال صاحبه:
стр. 893
فما تريد؟ قال: أن نذهب إلى أبي بكر الصديق١ "فذكرا ذلك له"٢ فقال الذي قضى له النبي ﷺ : قد اختصمنا إلى النبي ﷺ فقضى لي عليه، فقال أبو بكر: فأنتما على ما قضى به النبي ﷺ فأبى صاحبه أن يرضى وفيه: أنه رد به إلى عمر، ثم ذكر قصة عمر في قتله.
٣١٣- قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ [الآية: ٦٦- ٦٨] .
أخرج الطبري٣ من طريق أسباط بن نصر عن السدي قال: افتخر ثابت بن قيس بن شماس ورجل من يهود، فقال اليهودي: والله لقد كتب علينا٤ أن اقتلوا أنفسكم فقتلنا أنفسنا٥.
فقال: والله لو كتب علينا أن اقتلوا أنفسكم لقتلنا أنفسنا. فأنزل الله في هذا: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ .
ومن طريق أبي إسحاق السبيعي٦: لما نزلت: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية.
قال رجل: لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا! فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال:
стр. 894
إن من أمتي لرجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي.
وذكر مقاتل بن سليمان١: إن الرجل المذكور هو عمر بن الخطاب، ولفظه:
لما نزلت قال عمر بن الخطاب: لو فعل ربنا لفعلنا، الحمد لله الذي لم يفعل بنا ذلك، فقال النبي ﷺ . فذكره.
وأخرج عبد بن حميد عن عمر بن سعد٢ عن سفيان -هو الثوري- في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية قال: نزلت في ثابت بن قيس.
وقال مقاتل أيضا٣: لما نزلت ﴿إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ قال رسول الله ﷺ لعمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود وثابت بن قيس بن شماس: هم٤ من أولئك القليل.
٣١٤- قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ [الآية: ٦٩] .
أخرج الطبري٥ من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل من الأنصار إلى النبي ﷺ وهو محزون، فقال له النبي ﷺ : "يا فلان مالي أراك محزونا؟ " قال: يا نبي الله شيء فكرت فيه! نحن نغدو عليك ونروح ننظر في وجهك ونجالسك غدا ترفع مع النبيين فلا نصل إليك، فلم يرد عليه شيئا فأتاه جبريل بهذه الآية ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ الآية قال: فبعث إليه النبي ﷺ فبشره".
стр. 895
ومن طريق أبي الضحى١ عن مسروق قال: قال أصحاب محمد: يا رسول الله ما ينبغي لنا أن نفارقك في الدنيا. فإنك لو مت رفعت فوقنا فلم نرك فأنزل الله ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ﴾ الآية.
ومن طريق سعيد٢ عن قتادة: ذكر لنا أن رجالا قالوا: هذا نبي الله نراه في الدنيا وأما في الآخرة فيرفع٣ فلا نراه! فنزلت إلى قوله: ﴿رَفِيقًا﴾ .
ومن طريق السدي٤ في هذه الآية: قال ناس من الأنصار يا رسول الله إذا أدخلك الله الجنة فكنت في أعلاها ونحن نشتاق إليك فكيف نصنع؟ فنزلت.
ومن طريق الربيع بن أنس٥ قال: إن أصحاب النبي ﷺ قالوا: قد علمنا أن النبي ﷺ له فضل على من آمن به في درجات الجنة ممن اتبعه وصدقه فكيف لهم٦ إذا اجتمعوا في الجنة أن يرى بعضهم بعضا؟ فأنزل الله في ذلك فقال: إن الأعلين ينحدرون إلى من هو أسفل منهم فيجتمعون في رياضها فيذكرون ما أنعم الله عليهم ويثنون عليه وينزل لهم٧ أهل الدرجات فيسعون عليهم بما يشتهون وما يدعون به فهم في روضة يحبرون ويتنعمون فيه.
وروينا في "المعجم الأوسط" للطبراني٨ في ترجمة أحمد بن عمرو الخلال، عن
стр. 896
عبد الله بن عمران نا فضيل١ بن عياض عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إنك لأحب إلي من نفسي وأهلي وولدي وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فأنظر إليك وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين فإني دخلت إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك فلم يرد عليه رسول الله ﷺ شيئا حتى نزل جبريل بهذه الآية: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ الآية.
قلت: رجاله موثقون٢.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم معا من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة قال: أتى فتى النبي ﷺ ، فقال: يا نبي الله! إن لنا منك نظرة في الدنيا وفي يوم القيامة لا نراك فإنك في الدرجات العلا فأنزل الله ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ .
وذكر الثعلبي٣ بغير ﴿إسناد﴾ ٤ قال: نزلت في ثوبان مولى رسول الله ﷺ وكان
стр. 897
[شديد الحب] لرسول الله ﷺ قليل الصبر عنه فأتاه ذات يوم [وقد تغير] لونه ونحل جسمه فعرف الحزن في وجهه فقال له: "يا ثوبان! ما غير [لونك؟ " فقال] : يا رسول الله ﷺ لا بي مرض ولا وجع غير إني إذا لم أرك اشتقت إليك [واستوحشت] وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة فأخاف أن لا أراك [هناك] ؛ لأني عرفت إنك ترفع مع النبيين، وإني إن دخلت الجنة كنت في [منزلة أدنى] من منزلتك وإن لم أدخل فذاك حين لا أراك أبدا فأنزل الله [تعالى هذه] الآية ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: "والذي [نفسي بيده] لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من نفسه وأبويه وأهله والناس [أجمعين] ".
وقال مقاتل بن سليمان١: قال رجل من الأنصار يسمى عبد الله [بن زيد] بن عبد ربه وهو [الذي] ٢ رأى الأذان مع عمر: يا رسول الله إنا [إذا خرجنا] من عندك إلى أهلينا اشتقنا إليك فلم ينفعنا شيء حتى نرجع [إليك] فذكرت درجتك في الجنة فكيف لنا برؤيتك إن دخلنا الجنة؟
[فنزلت] هذه الآية قال: فلما توفي النبي ﷺ وهو في حديقة [أتاه] ابنه فأخبره فقال عند ذلك: اللهم لا أرى شيئا بعد حبيبي [أبدًا، فعمي مكانه] وذلك من شدة حبه لرسول الله ﷺ .
٣١٥- قوله [تعالى: ﴿وَإِنَّ] مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [الآية: ٧٢] .
أخرج ابن أبي حاتم من طريق بكير بن معروف [عن مقاتل] بن حيان في قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ قال: هو فيما بلغنا عبد الله [بن أبي رأس] ٣
стр. 898
المنافقين وبذلك جزم مقاتل بن سليمان١.
وأخرج عبد بن حميد والطبري٢ من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: نزلت٣ في المنافقين.
٣١٦- قوله تعالى٤: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ [الآية: ٧٤] .
قال الثعلبي: معناه أنه يؤمر بالإيمان ثم بالقتال.
قال: وقال بعضهم معناه نزلت هذه الآية في المؤمنين المخلصين٥.
٣١٧- قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الآية: ٧٥] .
أخرج عبد بن حميد من رواية سعيد عن قتادة: كان بمكة رجال ونساء وولدان من المسلمين فأمر الله [نبيه] ٦ أن يقاتل حتى يستنقذهم.
وأخرج من رواية أبي يونس القوي٧ قلت لسعيد بن جبير في قوله: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ ؟
قال: كان بمكة ناس مظلومون مقهورون.
стр. 899
٣١٨- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الآية: ٧٧] .
١- أخرج الطبري١ والفاكهي في "كتاب مكة" [و] ٢ الحسن بن سفيان في "مسنده٣" وابن أبي حاتم٤ من رواية الحسين بن واقد عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس: إن عبد الرحمن بن عوف [و] ٢ أصحابا له أتوا النبي ﷺ بمكة فشكوا: إنا كنا في عز [و] ٢ نحن مشركون فلما آمنا صرنا أذلة فقال: إني أمرت بالعفو فلا تقتلوا٥ القوم فلما حوله الله تعالى إلى المدينة أمره بالقتال فكفوا فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وأخرج الطبري٦ وابن أبي حاتم من طريق أسباط بن نصر عن السدي قال: هم قوم أسلموا قبل أن يفرض عليهم القتال، ولم يكن عليهم إلا الصلاة والزكاة، فسألوا الله أن يفرض عليهم القتال، فلما كتب عليهم إذا فريق منهم يكره ذلك. فذكر الخبر.
ومن طريق سنيد٧ بسنده إلى عكرمة نحوه.
ومن طريق سعيد بن أبي عروبة٨ وعبد بن حميد من طريق شيبان كلاهما
стр. 900
عن قتادة قال: ذكر لنا أن أناسا من الصحابة وهم يومئذ بمكة قبل الهجرة فزعموا إلى القتال وسرعوا فيه حتى قالوا للنبي ﷺ : ذرنا نتخذ معنا معاول للمشركين١ فنهاهم عن ذلك وقال: "لم أؤمر بالقتال". فلما كانت الهجرة أمروا بالقتال فكره ذلك بعض وقالوا فيه ما تسمعون فقال الله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ .
وقال مقاتل بن سليمان٢: نزلت في عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وهما من بني زهرة وقدامة بن مظعون والمقداد بن الأسود وذلك أنهم استأذنوا في قتال كفار مكة لما يلقون منهم من الأذى فقال: "لم أؤمر بالقتال" فلما هاجر إلى المدينة وأذن بالقتال كره بعضهم ذلك".
وذكر مقاتل٣ المذكور أن من هذا الفريق "طلحة بن عبيد٤ الله".
كذا قال ولعله كان ممن قال ذلك أولا٥ وأما الفريق ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ فاللائق أنهم ممن لم يرسخ الإيمان في قلبه وطلحة كان من الراسخين٦.
ونقل الثعلبي٧ عن الكلبي قال: نزلت. فذكر نحو مقاتل إلا تسمية طلحة.
٢- قول آخر أخرج الطبري٨ من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى
стр. 901
الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ الآية نزلت في يهود.
ومن طريق عطية العوفي١ عن ابن عباس نحوه٢ وزاد أن تصنعوا كصنيعهم.
٣١٩ - قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [الآية: ٧٨] ٣.
١- قال الكلبي٤ عن أبي صالح عن ابن عباس: لما استشهد الله من المسلمين من استشهد يوم أحد قال المنافقون الذين تخلفوا عن الجهاد لو: كان إخواننا الذين قتلوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا فأنزل الله هذه الآية.
٢- قول آخر٥: قال الطبري٦: حدثنا علي بن سهل ثنا مؤمل بن إسماعيل نا أبو همام ثنا كثير أبو الفضل ح وقال ابن أبي حاتم: نا أبو سعيد٧ بن يحيى بن سعيد القطان [نا] ٨ عيسى٩ [نا] ٨ حميد الرؤاسي -واللفظ له- قال ثنا كثير
стр. 902
الكوفي ثنا مجاهد أبو الحجاج، قال: كان قبل أن يبعث النبي ﷺ .
وفي رواية مؤمل: كان فيمن كان قبلكم امرأة وكان لها أجير، فولدت فقالت لأجيرها: انطلق فاقتبس لي نارًا فانطلق الأجير، فإذا هو برجلين قائمين على الباب فقال أحدهما لصاحبه: ما ولدت؟ فقال: ولدت جارية فقال أحدهما لصاحبه: لا تموت هذه الجارية حتى تزني بمئة، ويتزوجها الأجير ويكون موتها بعنكبوت! فقال الأجير: أما والله لأكذبن حديثكما، فرمى بما في يده وأخذ السكين فشحذها وقال ألا تراني أتزوجها بعد ما تزني بمئة قال مجاهد: ففرى كبدها ورمى بالسكين وظن أنه قد قتلها.
وقال مؤمل في روايته: فخرج فوجد بالباب رجلا فقال له ما ولدت هذه المرأة؟ قال جارية قال أما إن هذه الجارية فذكره لكن قال: وأخذ شفرة فدخل فشق بطن الصبية. فصاحت الصبية فقامت أمها فرأت بطنها قد شق فخاطته وداوته حتى برئت.
وفي رواية مؤمل: وخرج على وجهه فركب البحر وخيط بطن الصبية وعولجت فبرئت فكانت تبغي فأتت ساحلا من سواحل فأقامت فيه تبغي. ولبث الرجل ما شاء الله ثم قدم ذلك الساحل ومعه مال كثير.
وفي رواية عيسى: وركب الأجير رأسه، فلبث ما شاء الله أن يلبث، وأصاب [الأجير مالًا فأراد] ١ أن يطلع أرضه فينظر من مات منهم، ومن حي فأقبل حتى نزل [على عجوز وقال] للعجوز: ابغي لي أحسن امرأة في البلد أصيب منها وأعطيها فا [نطلقت العجوز] إلى تلك المرأة وهي أحسن جارية في البلد فدعتها إلى الرجل وقالـ[ت: تصيبين] منه معروفا.
стр. 903
وفي رواية مؤمل: فقال لامرأة من أهل الساحل: [ابغيني] امرأة من أجمل امرأة في القرية أتزوجها فقالت: ها هنا امرأة من [أجمل الناس] لكنها تبغي قال: ائتيني بها١.
إلى هنا انتهى ما وجد من أسباب النزول لشيخ الإسلام [....] العالم العلامة الحافظ الشيخ شهاب الدين أبي الفضل أحمد [....] بخطه.
انتهى ذلك وكتبه من أوله إلى أثناء قوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ [....] أَنَّى شِئْتُمْ﴾ من خط الشيخ الإمام العامل العالم العلامة كمال الدين [....] ومن أثناء قوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ إلى هنا من خط الشيخ الإمام [....] الحافظ مؤلف هذا الكتاب شيخ الإسلام الشيخ شهاب الدين [....] أمده الله بالرحمة والرضوان: عبد الحق بن محمد السنباطي [....] غفر الله له ولوالديه ولمشايخه ولمن دعا لهم بالغفرة ولجميع المسلمين [....] وكان الفراغ من كتابة ذلك في الليلة المسفر صباحها عن الساد [....] من شهر شوال المبارك سنة تسع وثمانين وثمانمئة [....] بخير بمحمد وآله وصحبه وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 904
النتائج والمقترحات:
١- قدمت هذه الرسالة كتابا مخطوطا موسوعيا جديدا من كتب الإمام الكبير شيخ الإسلام الحافظ أبي الفضل شهاب الدين أحمد بن علي المعروف بابن حجر العسقلاني "٧٧٣-٨٥٢هـ" الذي عرف بسعة الاطلاع والحفظ، وجودة المؤلفات والآثار، وهو "العجاب في بيان الأسباب" وقد مر على تأليفة ستة قرون، ولم يفد منه خلالها إلا قلائل تسنى لهم الوقوف عليه، وفي تحقيقه والتعليق عليه ودراسته خدمة للتفسير عامة، ولعلم أسباب النزول خاصة، وكذلك خدمة للإمام المؤلف، وللعلماء والدارسين والمثقفين الذين يهمهم فهم القرآن والتكمن من علومه.
٢- واتبع في التحقيق أسس علمية تقوم على مراجعة كل ما كتبه المؤلف، والتعليق عليه بالشرح والإضافة، واستدراك والتوضيح، والتقريب والتنقيح، وإذا كان هذا واجبا في كل أثر تراثي يحقق ويخدم، فإنه هنا أشد وجوبا إذ كان المؤلف ابن حجر قد مات عن كتابه "العجاب" مسودة، ولم يتهيأ له أن يحرره، وشمل هذا كتبا أخرى له، لكثرة أعماله وأعبائه، وتنوع مصنفاته واهتماماته، فهناك كتب لم يكملها، وأخرى لم يبيضها.
٣- اعتنت هذه الرسالة بتقدم دراسة قبل النص المحقق اشتملت على ثلاثة فصول. تناول الفصل الأول: التعريف بالمؤلف، والفصل الثاني: علم أسباب النزول، والفصل الثالث: دراسة الكتاب.
стр. 905
ومن نتائج الفصل الأول ما يأتي:
١- أن الذين كتبوا عن حياة ابن حجر قرابة خمسين مؤلفا، على مر الأزمنة وتنوع الأمكنة، وهذا يبين المكانة العالية التي تبوأها هذا الإمام.
وإن أهم كتاب في هذا الباب هو "الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر" لتلميذه السخاوي، ومن الضروري جدا القيام بطبع هذا الكتاب مخدوما الخدمة اللائقة به، لغزارة فوائده واتساع مادته، وكذلك من الضروري طبع كتابيه "المجمع المؤسس للمعجم المفهرس" الذي ترجم فيه شيوخه وذكر ما قرأه عليهم وحمله عنهم، "المعجم المفهرس" الذي ذكر فيه مروياته على الأبواب، فهما يوضحان لنا التكوين العلمي له تمام التوضيح، وفيهما فائدة كبرى لطلاب العلم والراغبين فيه الذين يريدون الاقتداء به.
٢- أن ابن حجر وإن عرف بالحديث وعلومه إلا أن له باعا في علوم أخرى كالتفسير والفقه والأدب وقد درست جهوده في الحديث والشعر ولم تدرس جهوده التفسيرية والفقهية، وهذا واجب مهمل، ولعل تحقيق كتابه "العجاب" هذا يفتح الباب للكتابة في هذا الجانب المهمل، وإظهار ما لابن حجر من آراء وأفكار فيه، وقد نقل البقاعي عنه كلاما نفيسا في التفسير، ومر معنا أنه تسلم منصب الإفتاء في "دار العدل" من سنة ٨١١ إلى سنة ٨٥٢ وله كتاب سماه "عجب الدم في فتاوي شهر" ضم ثلاث فتوى ليس فيها شيء، من أجوبته الحديثية!.
٣- هناك اختلاف في عدد مؤلفات ابن حجر فقد قال السخاوي في "الضوء اللامع": زادت مؤلفاته على مئة وخمسين، ولكنه في "الجواهر والدرر" عد له "٢٧٠" عنوانا وهذا يحتاج إلى تحقيق وتخريج، ولاحظت أن ابن حجر يذكر كتبه في كتبه، وقد يدعو بتيسير إتمامها، أو يذكر أنه ينوي تأليف كتاب. فلو تتبع هذا لكان مفيدا جدا.
стр. 906
وقد عد بعض الباحثين المعاصرين له كتبا تجاوزت "٣٣٠" كتابا وفيها مكرر ومنسوب، وبعضهم أورد في المنسوب إليه كتبا ثابتة النسبة، ومن المستحسن إفراد كتاب تحليلي لمؤلفات ابن حجر تستقصى فيه على أن يذكر في كل كتاب من ذكره حسب التسلسل التاريخي ويشار إلى نسخة المخطوطة والمطبوعة وتبرز تواريخ تلك الكتب لمعرفة السابق من اللاحق. ويكتب فيه عن طريقه ابن حجر في التأليف.
ومن نتائج الفصل الثاني:
١- بلغ عدد الذين كتبوا في "أسباب النزول رواية": "٢٢" مؤلفا عرفت أسماؤهم وهناك كتب مجهوله المؤلف تبلغ "٦" كتب فيكون العدد "٢٨" مؤلفا.
وأقدم كتاب وصل إلينا من القرن الخامس وهو كتاب الإمام الواحدي "ت:٤٦٨" وهو يحتل المركز الرابع، وتوالت بعده المؤلفات إلى يومنا هذا، وأوسع كتاب في هذا المجال كتاب ابن حجر "العجاب" ولو وصل إلينا كاملا لا غنى عن كل ما كتب، إذ يورد كل ما روي أو قيل في أسباب النزول باستقصاء بالغ.
وبلغ عدد الذين كتبو في "أسباب النزول دراية": "٢٦" كتابا، يعد ابن تيمية من أولهم-فيما وقفت عليه- ويتلوه في الأهمية الزركشي والسيوطي، ولا نكاد نجد بعد هؤلاء الثلاثة شيئا جديدا حتى في الدراسات المعاصرة، وابن حجر وإن أطال النفس في جمع الأسباب إلا أنه لم يفرد فصلا للكلام على قواعد هذا العلم، ولكن جاء في ثنايا كلامه هنا، وفي الفتح تلميحا وتصريحا ما ينفع في هذا السبيل كثيرا.
وقد اتكأ اللاحقوذ علي هؤلاء الثلاثة بل على السيوطي بوجه أخص إذ كان قد أفاد من دراسات ابن تيمية والزركشي وابن حجر.
٢- إن المقصود بأسباب النزول في الاصطلاح: الحوادث والوقائع العينية والأسئلة والاستفتاءات المصرح بها، فأما الروايات التي لا تنص على شيء من ذلك
стр. 907
فلا يمكن حشرها في هذه الكتب، وقولهم: "نزلت الآية في كذا" كلام عام يحتمل السببية وغيرها فهو ليس نصا هنا، فإذا لم نجد في الرواية حدثا خاصا فلا تؤخذ على أنها سبب نزول-بالمعنى الاصطلاحي- وإن كان ذلك يعد سببا بالمفهوم الأعم، ولو ذكرنا الأمور العامة التي نزل القرآن ليعالجها ويصححها ويرشد إليها لاتسع الأمر جدًّا وخرجنا عن المقصود.
وقد تواردت كلمات العلماء على أهمية هذا العلم وفوائده، وحسبه أن ينقلك إلى عصر النبوة فتعيش مع النص القرآني: كيف نزل ليعالج أمرا وقع أو سؤالا عرض، وتعرف الظرف الزماني والمكاني لذلك الحدث، وتكاد تكون شاهدا له، مشاركا فيه، وتفهم الموضوع بأبعاده ومراميه تماما.
وهذا العلم بالغ الأهمية في الدراسات التاريخية والاجتماعية، ولم يلتفت إليه بعد، للإفادة منه في هذين المجالين، وسيقدم هذا الكتاب زادا كبيرا لمن سيقوم بذلك. ويجب أن يعلم: أن هذا العلم يقوم على النقل الصحيح المرفرع، وما جاء عن صحابي فله حكم الرفع، كذلك ما جاء عن تابعي ولكن بشروط.
ومن نتائج الفصل الثالث:
١- أن هذا الكتاب أوسع الكتب المؤلفة في أسباب النزول التي وقفت عليها-كما قلت قريبا- وعنوانه "العجاب في بيان الأسباب" وهو ثابت النسبة إلى ابن حجر، نسبه هو لنفسه في كتابه "الإصابة" وذكر فيه كتابين معروفين له، ونسبه إليه تلميذاه البقاعي والسخاوي ثم من جاء بعدهما، وقد ألفه قبل "٨٢٧" جزما، والظاهرأنه أكمله ولكن ضاع سائره بعد وفاته بقريب، ومن أسباب ذلك أنه تركه مسودة، وقد بيضه عالم كبير هو الشيخ عبد الحق السنباطي "٨٤٢-٩٣١" وينتهي ما وجده
стр. 908
بالكلام على قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ٧٨] .
٢- أن هذا الكتاب يشتمل على منهجين، الأول: مرتبط بالواحدي، يذكركلامه ثم يعلق عليه والثاني: مستقل عنه، يرجع إلى مصادره والمصادر الأخرى مباشرة، وقد ينقل كلامه ثم يعلق عليه والثاني مستقل عنه، يرجع إلى مصادره والمصادر الأخرى مباشرة، وقد ينقل عنه ويزيد عليه زيادات كثيرة.
وأخذ هذا المنهج الثاني الإمام السيوطي وطبقه في كتابه "لباب النقول في أسباب النزول" وإذا ثبت اتحاد المنهجين أغنى ذلك عن التطويل بذكر تشابه المادة.
وقد التزم ابن حجر الكلام على الأسانيد، ووفى بذلك في مواضع كثيرة، وترك في مواضع أخرى.
كما أنه التزم في المقدمة أن لا يذكر إلا ما هو سبب نزول ببادىء الرأي، لا ما يكون من هذا القبيل بضرب من التأويل ولكنه لم يف بهذا الالتزام تمامًا، وقد استدركت ما رأيت أنه لا يدخل في شرطه.
وفي الكتاب معالم أخرى كزيادة مسائل فقهية وأصولية وتفسيرية وضبط الأسماء وبيان الأنساب والترجيح بين الأقوال، أو الجمع بينها وتفسير بعض النصوص التي ينقلها.
٣- جمع الحافظ ابن حجر مادة كتابه من "١٢٣" مصدرا وفيها مصادر في التفسير والحديث تعد الآن مفقودة أو هي مخطوطة لم تر النور بعد.
وقد قمت بإحصاء هذا المصادر، وإحصاء المرات التي أفاد فيها منها وظهر لي:
أ- أن ابن حجر كثير التصرف في النصوص التي ينقلها حذفا وزيادة وتبديل لفظ بلفظ، ويجب أن يلاحظ هذا الذين يشتغلون بتحقيق كتبه أو يراجعون فيها، لما يترتب عليه من نتائج في الأحكام والآراء.
стр. 909
ب- أنه في نقوله يستدرك على من نقل عنهم، وفي استدراكاته فوائد كثيرة سواء ووفق فيها أم خولف.
ج- أنه كان يبهم أسماء مصادره-أحيانا- وقد يبهم أسماء القائلين، وفي مواضع ليست بكثيرة أفاد من غيره-فيما يبدو والله أعلم- ولم يصرح.
د- أن أهم مصادره على الإطلاق "تفسير الإمام الطبري" فقد أفاد منه أكثر من "٦٠٠" مرة ما بين رواية أو قول أو ترجيح، وهناك نصوص أخرى ينقلها عن مصادره التفسيرية والحديثية، وهي موجودة فيه، ولكنه يعدل عنه ولو أخذها منه لارتفع الرقم أكثر، وبعض ما نقله عنه لا يوجد في المطبوع منه، وهذا يؤكد لنا أهمية هذا التفسير البالغة، وضرورة العناية به من جديد وربط طلبة المعاهد والجامعات الإسلامية به، فهو يغني عن كثير من التفاسير ولا يغني عنه غيره.
٤- كان لابن حجر في هذا الكتاب آراء صرح بها أو لمح وقد قمت بتتبعها وخصصت لها مبحثا، بحثت فيه:
- مفهوم سبب النزول عنده ومن ذلك انتقاده للواحدي؛ لأنه أورد أسباب ما حدث في الأمم السابقة.
- والألفاظ الدالة على سبب النزول ومن ذلك استشعاري أنه يرى في قولهم "نزلت الاية في كذا" سببًا صريحًا وإن لم يذكر السبب.
- وطريق اعتماد الأسباب وفيه أنه يشترط الصحة وينتقد الواحدي؛ لأنه أورد ما لا يثبت وما لا سند له، وقد وقع فيما انتقده فأورد ما لا يثبت وما لا إسناد له، وهو معذور في إيراد بعض ما لا يثبت إذ كان قد نبه عليه في "فصله الجامع" ولكنه في إيراد البعض الآخر، وإيراد ما لا سند له يبدو خارجا عن شرطه.
ومن آرائه أنه يرى تعدد الأسباب وقد اعتمد السيوطي عليه كثيرا في هذه
стр. 910
القاعدة، وهو مسبوق بها نظريا ولكنه طبقها عمليا. ويرى تعدد النازل بسبب واحد، ويرى تكرر النزول-حين الضرورة- ولا يمنع نزول الآية الواحدة مجزأة، ويذهب إلى أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب-تلميحا هنا وتصريحا في الفتح- وأن السبب لا يعدل عن كونه مرادا، وإن كان اللفظ يتناول غيره.
٥- أن هذه النسخة من "العجاب" فريدة في العالم اليوم-حسب ما تقول الفهارس- وأن ناسخها من كبار علماء عصره، ومع ذلك فقد فاتته أشياء كثيرة استدركتها كالتنبيه على "٢٥٠" تحريفا، عللت وقوع بعضها بصعوبة قراءة خط ابن حجر.
وأن الناسخ استعمل رموزا كأنها خاصة به وقد جمعتها وحللتها على ضوء البحث والتتبع كاستعمال ط مثلا.
ومن النتائج العامة أيضا:
١- أن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس من أجود الطرق ولذلك كان البخاري وابن أبي حاتم يخرجان منها، وعلي وإن لم يلق ابن عباس إلا أنه حمل عن ثقات أصحابه، وإذا عرفت الواسطة فلا ضير فى ذلك. وما ذهب إليه الشيخ أحمد شاكر في تخريج تفسير الطبري من تضعيف هذه الطريق لانقطاعها غير سديد.
٢- أن شيخ الطبري: محمد بن سعد هو من ذرية عطية العوفي، وليس محمد بن سعد كاتب الواقدي، فالثاني توفي "٢٣٠"، ولم يدركه الطبري ليروي عنه، وأما الأول فقد توفي سة "٢٧٦"، وقد وقع بعض الباحثين في ما يؤسف عليه إذ ذهب إلى أن المقصود: محمد بن سعد كاتب الواقدي وأصدر حكما بأن الطبري لم يلقه ولم يسمع منه وهذا يعني تكذيبه إذ ينص في كل المرات التي ذكره فيها على الرواية
стр. 911
عنه بصيغة "حدثني" وذلك في "١٥٦٠" موضعا من تفسيره!!
ولعل هذا الباحث تبع المستشرق "هورست" في حكمه هذا.
٣- أن "الفصل الجامع" الذي صدر به ابن حجر كتابه "العجاب" هو كاسمه جامع لفوائد غزيرة تكشف عن طرق التفسير في الصدر الأول وهو فصل نافع للمشتغلين بالتفسير والمراجعين في كتبه. وقد ذكر الخليلي في "الإرشاد" فوائد مهمة أيضا في هذا المجال نقلها السيوطي في "الإتقان"، وزاد عليها ولو جمعت هذه الفوائد كلها، وأفردت بالطبع والتحقيق وقرر تدريسها لكان في ذلك أكبر عون للدارسين، إذ هي كمنور تكشف حال الأسانيد والرجال.
٤- أن في كتبنا المطبوعة كثيرا من التصحيف والتحريف، وهذا يوجب علينا الحذر والانتباه في مطالعتها ومراجعتها إذ تترتب على ذلك نتائج خطيرة، ومن الأمثلة: "سنيد" المحدث الذي تكلم فيه يتحرف إلى "شعبة" الإمام الحافظ الثقة الثبت، ومن لم ينته لذلك قد يحكم على السند من أول نظرة بالتضعيف، وكذلك: "الثعلبي" الذي تحرف إلى "الشعبي" وهكذا.
وقد التزمت في هذه الرسالة الإشارة إلى التحريفات وتصحيحها وهي كثيرة، ولولا ضيق المجال لصنعت لها فهرسا ليصحح من يشاء نسخة من تلك الكتب التي وقعت فيها على ضوئه، فإن منها ما لا ينكشف للناظر إلا أن يكون معنيا بالموضوع الذي يراجعه متوسعا فيه.
ومن ناحية أخرى فإن هذا يؤكد ضرورة تحقيق عدد من الكتب المهمة التي يكثر رجوع الدارسين إليها.
وفي الختام أقترح:
أن تتبنى كليتنا الموقرة-التي كتبت فيها رسائل تفسيرية كثيرة- تحقيق "تفسير
стр. 912
الطبري"، ومن ثم دراسته وإظهار موارده والكشف عن آرائه، وتتبع المستفيدين منه وستظهر لنا آنذاك نتائج مهمة جدا.
ويكون ذلك من خلال توزيعه على مجموعة من الطلاب النابهين. وإذا رؤي أن تحقيقه كله يطول، فمن الممكن البدء من حيث انتهى الأستاذ محمود محمد شاكر وقد ظهرت له مخطوطات كثيرة، ويوجد بعضها في مكتبات العراق. وبغداد التي ألف فيها هذا التفسير ودفن الإمام المفسر في ثراها أولى من غيرها لخدمته.
- دراسة علم أسباب النزول دراسة استقرائية تامة من حيث التطبيق، لإظهار الآيات التي تعددت أسبابها، أو تعددت بسبب واحد، والتي تكرر نزولها، أو نزلت مجزأة، أو أريد منها العموم وسببها خاص، وعند ذلك يطوى هذا الملف، وتظهر النتائج الحاسمة في استقرار بعض هذه القواعد أو زوالها، وهناك من ينازع في هذه القواعد، ولكن عدم استناده إلى الاستقراء يجعل نتائجه غير مسلمة بل غير مجدية أحيانا.
стр. 913
المصادر
المصادر المخطوطة
...
المصادر:
أ- المصادر المخطوطة:
- "أسباب النزول والقصص الفرقانية": لمحمد بن أسعد العراقي: نسخة الأستاذ محمد عبد الكريم الراضي، مصور عن نسخة جستر بتي.
- "أطراف الغرائب والأفراد": للمقدسي، مصورة في مكتبة الشيخ صبحي السامرائي، عن نسخة دار الكتب المصرية.
- "الأمالي الحلبية": لابن حجر، في دار صدام للمخطوطات.
- "انتقاض الاعتراض": لابن حجر، مصور في مكتبة الشيخ صبحي السامرائي.
- "تفسير الثعلبي": قطعة من آخره في دار صدام للمخطوطات.
- "تفسير الكواشي الكبير": الجزء الثامن منه في دار صدام للمخطوطات.
- "تفسير عبد الرزاق الصنعاني": مصور في مكتبة الشيخ صبحي السامرائي عن نسخة المكتبة المصرية.
- "التلخيص للكواشي": الجزء الأول في مكتبة الدكتور محيي هلال السرحان والثاني في دار صدام للمخطوطات.
стр. 914
- "الجمع بين الصحيحين" للحميدي: مصور في مكتبة الشيخ صبحي السامرائي.
- "جمع وترتيب السؤالات عن يحيى بن معين": للشيخ صبحي السامرائي.
- "الدر المستطاب": لحامد العمادي، في مكتبة الأوقاف المركزية في بغداد.
- "رونق الألفاظ": لسبط ابن حجر، في مكتبة الشيخ صبحي السامرائي، مصور عن نسخة المكتبة الخالدية بالقدس.
- "الشرح الجديد لجمع الجوامع": للشيخ عبد الكريم الدبان "مصور عن خطه".
- "عنوان الزمان": للبقاعي، الجزء الخاص بابن حجر، في مكتبة الدكتور شاكر محمود، مصور عن نسخة كوبريلي.
- "الفصل للوصل المدرج في النقل": للخطيب البغدادي، في مكتبة الشيخ صبحي السامرائي، مصور عن نسخة أحمد الثالث في اسطنبول.
- "فضائل القرآن": لأبي عبيد، في مكتبة الأستاذ الدكتور غانم قدوري حمد، مصور عن نسخة مكتبة الأوقاف في الموصل.
- "اللمع الألمعية": للخضيري، في دار صدام للمخطوطات.
- "المجمع المؤسس": لابن حجر، مصور في مكتبة الشيخ صبحي السامرائي عن نسخة دار الكتب المصرية.
- "مسند الروياني": مصور في مكتبة الشيخ صبحي السامرائي عن نسخة المكتبة الظاهرية.
- "المعجم المفهرس": لابن حجر، مصور في مكتبة الشيخ صبحي السامرائي،
стр. 915
عن نسخة دار الكتب المصرية.
- "المؤتنف": للخطيب البغدادي، بخطة-مصور في مكتبة الشيخ صبحي السامرائي.
- "الوسيط": للواحدي، في مكتبة الدكتور مهدي عبيد جاسم، مصور عن مكتبة الأوقاف المركزية ببغداد.
ولكل هؤلاءالأساتذة الأفاضل الذين تكرموا بإفادتي من هذه الكتب أتقدم بالشكر العميق والدعاء الوفير.