لنا نساء١ فرخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل. الحديث.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج نا إسحاق بن سليمان عن موسى بن عبيدة٢ عن محمد بن كعب القرظي عن ابن عباس قال: كانت متعة النساء في أول الإسلام كان الرجل إذا قدم البلدة ليس معه من يصلح له ضيعته ولا يحفظ له متاعه فيتزوج المرأة إلى قدر ما يرى أنه يفرغ من حاجته لذلك وكان يقرأ ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ﴾ الآية.
وأخرج أبو عبيد في كتاب "النكاح" وابن المنذر من طريقه عن حجاج بن محمد عن ابن جريج أخبرني عطاء سمعت ابن عباس يقول: يرحم الله عمر ما كانت المتعة إلا رحمة من الله رحم بها أمة محمد ولولا نهيه عنها ما احتاج إلى الزنى إلا شقي قال: وقال: كأني أسمع قوله الآن إلا شقي. عطاء القائل٣.
قال٤ وقال عطاء: وهي التي في سورة النساء ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ إلى كذا وكذا من الأجل على كذا وكذا، قال: وليس بينهما وراثة، فإن بدا لهما أن يتراضيا بعد الأجل فنعم وإن تفرقا فنعم ليس بينهما نكاح. قال: وأخبرني أنه سمع ابن عباس يراها الآن حلالًا٥ وقال عبد الأعلى عن داود بن أبي هند عن أبي نضرة سألت ابن عباس عن المتعة فقال: أما تقرأ سورة النساء؟ قلت: بلى قال: فما تقرأ ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ قلت: لا، قال فقال ابن عباس: والله
стр. 842
لهكذا أنزلها الله أخرجه "....."١.
وقال حبيب بن أبي ثابت: أعطاني ابن عباس مصحفا فقال: هذا على قراءة أبي بن كعب فرأيت منه ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ أخرجه [الطبري] ٢.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي عمر عن ابن عيينة: هي المتعة أمروا بها قبل أن ينهوا عنها.
٢- سبب آخر في قوله تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ .
أخرج الطبري٣ من طريق سليمان التيمي عن حضرمي بن لاحق٤ أن رجالا كانوا يفترضون٥ المهر ثم عسى أن تدرك أحدهم العسرة فنزلت٦.
стр. 843
٢٩١- قوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [الآية: ٢٧] .
أخرج ابن أبي حاتم١ من طريق بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان قال: كانت اليهود تزعم أن نكاح الأخت من الأب حلال من الله فأنزل الله هذه الآية.
ومن طريق السدي٢ ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾ : هم اليهود والنصارى.
٢٩٢- قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ [الآية: ٣٢] .
١- قال الترمذي٣ حدثنا ابن أبي عمر نا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أم سلمة أنها قالت: يغزو الرجال ولا تغزو النساء وإنما لنا نصف الميراث!
فأنزل الله: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ .
قال مجاهد: وأنزل فيها: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ ٤.
стр. 844
وكذا أخرجه عبد الرزاق١ عن ابن عيينة.
قال الترمذي: هذا مرسل "يعني: قول مجاهد"٢ وقد رواه بعضهم عن الثوري٣ عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أن أم سلمة قالت [كذا وكذا] ٤.
قلت: أخرجه الفريابي عن الثوري كذلك قال قالت أم سلمة فذكره٥ وسيأتي في سورة الأحزاب.
وأخرج ابن أبي حاتم٦ من طريق أشعث بن إسحاق عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت: يا نبي الله للذكر مثل حظ الأنثيين وشهادة امرأتين بشهادة رجل. أفنحن في العمل كذا إن عملت امرأة حسنة كتب لها نصف حسنة فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ﴾ . فإنه عدل مني وأنا٧ صنعته.
وقال مقاتل٨: لما نزلت للذكر مثل حظ الأنثيين قالت٩ النساء: نحن
стр. 845
كنا١ أحق أن يكون لنا سهمان، ولهم سهم؛ لأنا ضعاف الكسب والرجال أقوى على التجارة والطلب منا، فإذ٢ لم يفعل الله ذلك بنا فإنا نرجو أن يكون الوزر٣ على نحو ذلك عنا وعنهم٤ فنزلت.
وأخرج إسحاق بن راهويه٥ في "تفسيره"٦ من طريق خصيف عن عكرمة أن النساء سألت الجهاد فقلن: وددنا أن الله جعل لنا الغزو فنصيب من الأجر ما يصيب الرجال فنزلت.
وقال عبد الرزاق٧ عن معمر عن شيخ من أهل مكة: كان النساء يقلن: ليتنا كنا رجالا فنجاهد كما يجاهد الرجال ونغزو في سبيل الله! فقال الله تعالى: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا﴾ .
وأخرج عبد بن حميد من رواية شيبان عن قتادة٨: كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء إلا الصبيان يجعلون الميراث لذوي الأسنان، وقال النساء: لو جعل نصيبنا من الميراث كنصيب الرجال، وقال الرجال: إنا لنرجوا أن نفضل بحسناتنا كما
стр. 846
فضلنا في مواريثنا فأنزل الله ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا﴾ الآية يقول أن المرأة١ تجزى بحسنتها٢ كما يجزى الرجل "...."٣.
وأخرج ابن أبي حاتم٤ من طريق السدي في هذه الآية قال:
إن الرجال قالوا نريد أن يكون لنا من الأجر الضعف على أجر النساء، كما لنا في السهام سهمان، ونريد أن يكون لنا في الأجر أجران.
وقالت٥ النساء: نريد أن يكون لنا أجر مثل أجرهم٦ فإنا لا نستطيع [القتال] ٧ ولو كتب علينا القتال لقاتلنا فأبى الله ذلك وقال: سلوا الله من فضله.
٢- سبب آخر: قال عبد الرزاق٨ عن معمر عن الكلبي لا تتمن زوجة أخيك ولا مال أخيك واسأل الله من فضله.
٢٩٣- قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ ٩ أَيْمَانُكُمْ﴾ [الآية: ٣٣] .
стр. 847
١- قال عبد الرزاق١ عن معمر عن قتادة: كان الرجل في الجاهلية يعاقد الرجل فيقول: دمي دمك وهدمي هدمك٢ وترثني وأرثك وتطلب٣ بي وأطلب بك، فلما جاء الإسلام بقي منهم ناس، فأمروا أن يورثوهم٤ نصيبهم من الميراث وهو السدس ثم نسخها: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ ٥.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم من طريق حصن عن أبي مالك في قوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ قال: هو حليف القوم يقول أشهدوه أمركم.
وأخرج ابن أبي حاتم٦ من طريق السدي عن أبي مالك في هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ قال: كان الرجل في الجاهلية يأتي القوم فيعقدون له أنه رجل منهم إن كان ضر أو نفع أو دم فإنه فيه مثلهم، ويأخذون له من أنفسهم مثل الذين يأخذون منه، فكانوا إذا كان قتال قالوا: يا فلان أنت منا فانصرنا، وإن كانت مشقة٧ قالوا أعطنا أنت منا، وإن نزل به امر أعطوه وربما منعه بعضهم ولم ينصروه كنصرة بعضهم بعضا فتحرجوا من ذلك فسألوا النبي ﷺ فأنزل الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ قال: "أعطوهم مثل الذي تأخذون منهم".
وقال مقاتل٨ كان الرجل يرغب في الرجل فيحالفه بأن يعاقده على أن يكون
стр. 848
معه وله سهم١ من ميراثه كبعض٢ ولده فلما نزلت آية المواريث ولم يذكر أهل العقد أنزل الله بعدها: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ يعني من الميراث الذي عاقدتموهم عليه فلم تزل حتى نسختها: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق حجاج عن أبي جريج وعثمان بن عطاء كلاهما عن عطاء عن ابن عباس قال: كان الرجل يعاقد الرجل فذكر نحوه وزاد: كل حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة.
٢- سبب آخر: أخرج البخاري٣ وأبو داود٤ والنسائي٥ وابن أبي حاتم٦ من طريق طلحة بن مصرف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ قال: ورثة: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث [المهاجر] ٧ الأنصاري دون ذوي رحمة بالأخوة التي آخى النبي ﷺ بينهم فنسختها هذه الآية: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ من النصرة والنصيحة والرفادة٨ ويوصي لهم وذهب الميراث.
стр. 849
وأخرج عبد الرزاق١ عن الثوري عن منصور عن مجاهد نحوه.
وكذا أخرجه عبد بن حميد عن قبيصة عن الثوري.
٣- سبب آخر: أخرج ابن أبي حاتم٢ من طريق محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين قال: كنت أقرأ على أم سعد٣ بنت سعد بن الربيع، أنا وابن ابنها موسى ابن سعد٤ وكانت يتيمة٥: في حجر أبي بكر الصديق٦ فقرأت عليها ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فقالت: لا ولكن ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ٧ قالت: إنها نزلت في أبي بكر الصديق وولده عبد الرحمن حين أبى أن يسلم فحلف أبو بكر أن لا يورثه فلما أسلم حين حمل على الإسلام بالسيف أمره الله أن يؤتيه٨ نصيبه٩.
ونقل الثعلبي عن أبي روق نزلت في أبي بكر وابنه عبد الرحمن، وكان أبو بكر حلف أن لا يتبعه ولا يورثه شيئا من ماله فلما أسلم عبد الرحمن أمر أن يؤتى نصيبه
стр. 850
في المال.
٢٩٤- قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الآية: ٣٤] .
أخرج ابن أبي حاتم من طريق أشعث بن عبد الملك١ عن الحسن قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ تستعدي على زوجها أنه لطمها فقال رسول الله ﷺ : "القصاص" فأنزل الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ الآية، فرجعت بغير قصاص".
وأخرجه عبد بن حميد وابن المنذر من طريق حماد بن سلمة.
وأخرجه الواحدي٢ من طريق هشام٣ كلاهما عن يونس.
وأخرج ابن المنذر٤ من طريق جرير بن حازم كلاهما عن الحسن أن رجلا لطم امرأته فخاصمته إلى النبي ﷺ فجاء أهلها معها فذكر نحوه وفيه فجعل رسول الله ﷺ يقول: "القصاص القصاص ولا يقضي قضاء" فأنزل الله هذه الآية فقال النبي ﷺ : "أرادوا أمرا وأراد الله غيره".
ونقل الثعلبي عن الكلبي قال: نزلت في سعد بن الربيع وامرأته عميرة بنت محمد بن مسلمة٥ وذكر نحو القصة الآتية عن مقاتل.
стр. 851
ونقل عن أبي روق أنها نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبي وزوجها ثابت بن قيس بن شماس كانت نشزت عليه فلطمها فاستعدت عليه فنزلت.
قلت: وقد تقدم ذكر هذه الأخيرة في تفسير البقرة في قوله تعالى: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِه﴾ ١ وكان ذلك الخلع أول خلع في الإسلام.
وقال مقاتل٢: نزلت في سعد بن الربيع كان من النقباء وامرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير وهما من الأنصار "وذلك إنها نشزت عليه ف"٣ لطمها فانطلق أبوها معها إلى رسول الله ﷺ فقال: "أفرشته كريمتي فلطمها! فقال: "لتقتص من زوجها" فانصرفت مع أبيها لتقتص منه فقال النبي ﷺ : "ارجعا هذا جبريل أتاني" فأنزل الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ الآية فقال النبي ﷺ : "أردنا أمرا وأراد الله أمرا والذي أراد الله خير ورفع القصاص".
وقال عبد الرزاق٤ عن معمر عن قتادة: صك٥ رجل امرأته فأتت النبي ﷺ فأراد أن يقيدها منه فنزلت.
وأخرجه عبد بن حميد٦ من رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلغنا فذكر
стр. 852
نحوه وزاد في آخره أردنا وله طريق آخرى ذكرت في أواخر سورة طه١.
٢٩٥- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الآية: ٣٧] .
قال ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان كردم بن زيد حليف كعب بن الأشرف وأسامة بن حبيب ونافع بن أبي نافع وبحري بن عمرو وحيي بن أخطب ورفاعة بن زيد بن التابوت يأتون رجالا من الأنصار وكانوا يخالطونهم ينصحون لهم من أصحاب رسول الله ﷺ فيقولون لهم: لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم في ذهابها ولا تسارعوا في النفقة فإنكم لا تدرون ما يكون فأنزل الله فيهم ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ٢، أي: من النبوة التي فيها تصديق ما جاء به محمد أخرجه الطبري٣.
وأخرج الطبري٤ أيضا من طريق سليمان التيمي عن الحضرمي بن لاحق٥ في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ الآية قال: هم اليهود بخلوا بما عندهم من العلم فكتموا ذلك.
ومن طريق مجاهد نحوه.
стр. 853
ومن طريق السدي ومن طريق قتادة مثله١.
وقال مقاتل٢ في قوله: ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ : إن رؤوس اليهود كعب بن الأشرف وغيره كانوا يأمرون سفلة اليهود بكتمان أمر محمد أن يظهروه.
وأخرج ابن أبي حاتم٣ من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير قال: كان علماء بني إسرائيل يبخلون بما عندهم من العلم وينهون العلماء أن يعلموا الناس شيئا فعيرهم الله بذلك فأنزل الله تعالى ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ الآية.
٢٩٦- قوله تعالى٤: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [الآية: ٤٠] .
أخرج الطبري٥ من طريق فضيل بن مرزوق عن عطية العوفي عن عبد الله بن عمر قال: نزلت هذه الآية في الأعراب: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ ٦ فقال رجل: فما للمهاجرين؟ قال: ما هو أعظم من ذلك ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ وإذا قال الله لشيء عظيم فهو عظيم٧.
٢٩٧- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىْ﴾ [الآية: ٤٣] .
стр. 854
١- قال عبد بن حميد: نا أبو نعيم نا طلحة هو ابن عمرو١ عن عطاء هو ابن أبي رباح قال: أول ما نزل في الخمر ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ٢﴾ فقال٣ بعض المنافقين نشربها لمنافعها وقال آخرون: لا خير في شيء فيه إثم ثم٤ نزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىْ﴾ فقال بعض الناس: نشربها ونجلس في بيوتنا، وقال آخرون: لا خير في شيء يحول بيننا وبين الصلاة مع المسلمين فنزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ ٥ فنهاهم فانتهوا.
وأخرج هو والفريابي والطبري٦ وأحمد٧ والبزار٨ وأصحاب السنن٩ والحاكم١٠ كلهم من طريق عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي بن أبي طالب أن عبد الرحمن بن عوف صنع طعاما وشرابا فدعا نفرا من الصحابة
стр. 855
فأكلوا وشربوا حتى ثملوا فقدموا عليا١ فقرأ بهم في المغرب ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ فخلط فأنزل الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ .
وفي لفظ: قال دعا رجل من الأنصار عليا وعبد الرحمن فأصابوا من الخمر فقدموا عليا في صلاة المغرب فقرأ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ فخلط فيها فنزلت.
لفظ الفريابي عن الثوري.
وأخرج ابن المنذر من طريق محمد بن ثور عن ابن جريج كما سيأتي قال وقال٢ عن عكرمة: قرأ علي في آخر المغرب فقال في آخرها: ليس لكم دين وليس لي دين.
وأخرجه الطبري٣ من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن عطاء عن أبي عبد الرحمن عن علي أنه كان هو وعبد الرحمن بن عوف ورجل آخر شربوا الخمر فصلى بهم عبد الرحمن فقرأ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونض﴾ فخلط فيها فنزلت ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ وقال فيه أن عبد الرحمن هو الذي صلى بهم وقال: " ... "٤ أصح طرقه؛ لأن الثوري سمع من عطاء قبل اختلاطه وعبد الرحمن بن مهدي أثبت من الفريابي.
стр. 856
وفي رواية ابن أبي حاتم من طريق أبي جعفر الرازي عن عطاء عن أبي عبد الرحمن قال: صنع عبد الرحمن بن عوف طعاما ودعا أناسا من أصحاب رسول الله ﷺ فطعموا وشربوا وحضرت صلاة المغرب فتقدم بعض القوم فصلى بهم المغرب فقرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ فلم يقمها فأنزل الله تعالى الآية.
وأخرجه عبد "...."١ من طريق حماد عن عطاء عن أبي عبد الرحمن أن عبد الرحمن بن عوف صنع طعاما وشرابا فدعا نفرًا من أصحاب رسول الله ﷺ فأكلوا وشربوا حتى ثملوا فقدموا عليا فصلى بهم المغرب فقرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ فنزلت.
وفي رواية أبي داود عن علي: أن رجلا دعاه وعبد الرحمن، وفيه: فقدموا عليا٢.
وللترمذي والحاكم: صنع لنا عبد الرحمن، وفيه: فقدموني٣.
وللحاكم: دعانا رجل من الأنصار وأبهمه الأكثر٤.
وقال مقاتل بن سليمان٥: صنع عبد الرحمن بن عوف طعاما فدعا أبا بكر وعمر وعثمان وعلي٦ وسعد بن أبي وقاص فأكلوا وسقاهم خمرا فحضرت الصلاة فأمهم علي فقرأ بقل يا أيها الكافرون فخلط، فنزلت فتركوا شربها إلا من بعد صلاة الفجر إلى الضحى الأكبر ليصلوا الأولى وهم أصحياء، ثم يشربونها من بعد صلاة
стр. 857
العشاء إلى ثلث الليل فيصبحون وهم أصحياء، ثم أن رجلا من الأنصار يقال له عتبان بن مالك دعا سعدا فأكلا وشربا ثم سكرا فأخذ عتبان [لحى] ١ البعير فكسر أنف سعد٢ [فأنزل الله تحريم الخمر في المائدة بعد غزاة الأحزاب] .
وقال أبو داود الطيالسي٣: نا شعبة أخبرني سماك بن حرب سمعت مصعب بن سعد يحدث عن سعد هو ابن أبي وقاص قال: نزلت في أربع آيات صنع رجل من الأنصار طعاما فدعا أناسا٤ من المهاجرين وأناسا٤ من الأنصار فأكلنا وشربنا حتى سكرنا ثم افتخرنا٥ فرفع رجل لحى بعير ففزر٦ به أنف سعد فنزلت٧.
وأخرجه مسلم بطوله وأصحاب السنن٨ وبقية طريقه تأتي في تفسير
стр. 858
المائدة١.
٢- قول آخر: أخرج الطبري٢ وابن المنذر من طريق سلمة عن الضحاك ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىْ﴾ قال: لم يعن بها الخمر إنما عنى بها سكر النوم.
٢٩٨- قوله تعالى: ﴿وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيل﴾ [الآية: ٤٣] .
أخرج الطبري٣ من طريق الليث عن يزيد بن أبي حبيب أن رجالا من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد فتصيبهم الجنابة ولا ماء عندهم فلا يجدون ممرا إلا في المسجد فنزلت.
٢٩٩- قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [الآية: ٤٣] .
١- قال مالك في "الموطأ"٤ عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، حتى إذا كان بالبيداء، أو بذات الجيش انقطع عقد لي فأقام رسول الله ﷺ على التماسه، وأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء فأتى الناس إلى أبي بكر فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة أقامت برسول الله ﷺ وبالناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء! فجاء أبو بكر ورسول الله ﷺ واضع رأسه على فخذي قد نام فقال:
стр. 859
حبست١ رسول الله ﷺ والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء؟ فقال أبو بكر، ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعن بيده في خاصرتي، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله ﷺ على فخذي، فنام رسول الله ﷺ حتى أصبح على غير ماء فأنزل الله آية التيمم٢ ﴿فَتَيَمَّمُوْا﴾ فقال أسيد بن حضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته.
أخرجه البخاري٣ ومسلم٤ من طريق مالك٥ وأخرجاه من رواية هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة٦.
وأخرجه الطبري٧ من رواية عبيد الله بن عمر العمري عن عبد الرحمن بن
стр. 860
القاسم. ووقع عنده فجاء أبو بكر فجعل يهمزني١ ويقرصني، ولا أتحرك مخافة أن يستيقظ رسول الله ﷺ وقد أوجعني ولا أدري كيف أصنع.
ومن طريق أيوب٢ عن ابن أبي مليكة مرسلا "....."٣ وفي آخره: قال الناس: ما رأينا امرأة قط أعظم بركة منها.
حديث آخر أخرج أحمد٤ وأبو داود٥ والنسائي٦ من رواية الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن عمار بن ياسر أن رسول الله ﷺ عرس بأولات٧ الجيش ومعه عائشة زوجته فانقطع عقد لها من جزع ظفار٨ فحبس الناس ابتغاء عقدها ذلك حتى أضاء الفجر وليس مع الناس ماء فأنزل الله على رسول الله ﷺ رخصة التطهر بالصعيد الطيب الحديث.
وأخرجه النسائي٩ وابن حبان١٠ وأبو داود١١ من
стр. 861
طرق١ عن الزهري وقال أبو داود قال ابن عيينة٢ -يعني عن الزهري-: مرة عن ابن عباس، ومرة عن أبيه يعني عبد الله بن عتبة.
قلت: وهي رواية ابن ماجه٣ وأخرجه الطبري٤ من رواية الزهري٥ عن عبيد الله عن أبي اليقظان وهي كنية٦ عمار بن ياسر فذكره مختصرا وهو منقطع بين عبيد الله وعائشة.
وفيه بعد قوله "فتغيظ أبو بكر على عائشة" وزاد فيه فدخل أبو بكر على عائشة فقال لها: إنك لمباركة.
٢- سبب آخر: أخرج الطبري٧ والطبراني٨ وابن مردويه٩ من طريق الهيثم
стр. 862
ابن رزيق المالكي١ من بني مالك بن كعب بن سعد وعاش مئة وسبع عشرة سنة عن أبيه عن الأسلع بن شريك قال: كنت أرحل ناقة رسول الله ﷺ فأصابتني جنابة في ليلة باردة وأراد رسول الله ﷺ الرحلة فكرهت أن أرحل ناقته وأنا جنب وخشيت أن اغتسل بالماء البارد فأموت أو أمرض، فأمرت رجلا من الأنصار فرحلها ثم رضفت٢ أحجارا فأسخنت بها ماء فاغتسلت ثم لحقت برسول الله ﷺ وأصحابه فقال لي: "يا أسلع مالي أرى رحلتك تغيرت؟ " فقلت: يا رسول الله لم أرحلها إنما رحلها رجل من الأنصار قال: "ولم؟ " قلت: أصابتني جنابة فذكرت له القصة فأنزل الله تعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ فساق الآية إلى قوله: ﴿عَفُوًّا غَفُورًا﴾ ".
٣- سبب آخر: قال الفريابي: أنا قيس بن الربيع عن ابن أبي ليلى عن المنهال ابن عمرو عن عباد بن عبد الله عن علي في قوله تعالى: ﴿وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ قال: نزلت في المسافر تصيبه الجنابة فيتيمم ثم يصلي.
وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق قيس وفيه ضعف وانقطاع.
وأخرجا أيضا من طريق قيس بن الربيع عن خصيف عن مجاهد قال: نزلت في رجل من الأنصار كان مريضا فلم يستطع أن يقوم يتوضأ ولم يكن له خادم فيناوله فأتى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له فأنزل الله تعالى هذه الآية. وفيه أيضا ضعف وانقطاع.
٤- سبب آخر: أخرج الطبري٣ من طريق محمد بن جابر اليمامي٤ عن
стр. 863
حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي١ أصاب أصحاب رسول الله ﷺ جراحة ففشت فيهم، ثم ابتلوا بالجنابة فشكوا ذلك إلى النبي ﷺ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ الآية.
وقال مقاتل٢: نزلت في عبد الرحمن بن عوف أصابته جنابة وهو جريح فشق عليه الغسل وخاف منه شرا فنزلت ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ يعني من به جرح، ونزلت٣ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾ وأنتم أصحاء نزلت في عائشة أم المؤمنين.
٣٠٠- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [الآية: ٤٤-٤٦] .
أخرج الطبري٤ من تفسير سنيد عن حجاج عن ابن جريج قال: قال عكرمة: نزلت في رفاعة بن زيد بن التابوت٥.
٣٠١- قوله تعالى: ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ [الآية: ٤٦] .
ذكر الثعلبي عن ابن عباس قال: نزلت في رفاعة بن زيد بن التابوت ومالك بن دحشم كانا إذا تكلم رسول الله ﷺ لويا لسانهما وعاباه.
стр. 864
وذكر عنه أيضًا: كانت اليهود يأتون رسول الله ﷺ ويسألونه فيخبرهم ويظن أنهم يأخذون بقوله فإذا انصرفوا من عنده حرفوا كلامه ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ إلى قوله ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ .
وأخرج الطبري١ من طريق محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن سعيد أو عكرمة عن ابن عباس: كان رفاعة بن زيد [بن التابوت] ٢ من عظماء اليهود فكان إذا كلم رسول الله ﷺ لوى لسانه وقال: راعنا يا محمد حتى نفهمك فنزلت٣.
ومن طريق عبيد بن سليمان٤ عن الضحاك قال في قوله: ﴿رَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾ قال: كان الرجل من المشركين يقول: أرعني سمعك.
٣٠٢- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا ٥ الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ [الآية: ٤٧] .
أخرج الطبري٦ من طريق السدي قال: نزلت في مالك بن الصيف ورفاعة بن زيد ومن طريق محمد بن إسحاق٧ عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد عن ابن عباس: نزلت في أحبار اليهود عبد الله بن صوريا وكعب بن أسد٨ في قصة.
стр. 865
وأورده الثعلبي عن ابن عباس وزاد أن النبي ﷺ كلمهم فقال: معشر يهود اتقوا الله، وأسلموا، فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئت به الحق فقالوا: ما نعرف ذلك، وأصروا على الكفر فنزلت١.
وقال الثعلبي فقال٢: لما نزلت أتى عبد الله بن سلام رسول الله ﷺ من قبل أن يأتي أهله فأسلم وقال: يا رسول الله قد كنت أرى أن لا٣ أصل إليك حتى يتحول وجهي من قفاي٤.
٣٠٣- قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [الآية: ٤٨] ٥.
يأتي في أواخر السورة٦.
٣٠٤- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الآية: ٤٩] .
١- أخرج الفريابي وعبد بن حميد من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد٧ قال: نزلت في اليهود كانوا يقدمون صبيانهم في الصلاة فيؤمونهم يزعمون أنهم لا ذنوب لهم.
стр. 866
وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير١ عن ابن عباس قال: كانت اليهود يقدمون صبيانهم يصلون بهم، ويقربون قربانهم، ويزعمون أنه لا ذنوب لهم وكذبوا قال الله تعالى: إني لا أطهر ذا ذنب بآخر لا ذنب له ثم أنزل ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية.
وقال مقاتل٢: منهم بحري بن عمرو ومرحب بن زيد.
وقال ابن الكلبي٣: نزلت في رجال من اليهود أتوا رسول الله ﷺ بأطفالهم، فقالوا: يا محمد هل على أولادنا هؤلاء من ذنب؟ قال: "لا" قالوا: والذي يحلف به ما نحن إلا كهيئتهم ما من ذنب نعمله بالليل إلا كفر عنا بالنهار، وما من ذنب نعمله بالنهار، إلا كفر عنا بالليل".
فهذا الذي زكوا به أنفسهم.
٢- سبب آخر: أخرج عبد الرزاق٤ عن معمر عن الحسن البصري في هذه الآية قال: هم اليهود [والنصارى] ٥ الذين قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ ٦ ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ ٧.
وأخرج عبد بن حميد من طريق شيبان٨ عن قتادة٩ قال: هم أعداء الله
стр. 867
اليهود زكوا أنفسهم بأمر لم يبلغوه فقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ وقالوا: لا ذنوب لنا إلا كذنوب أبنائنا الأطفال.
٣٠٥- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ ٥١.
قال مقاتل: هم اليهود منهم أصبغ ورافع ابنا حريملة١.
٣٠٦- قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ ٥١.
قال الطبري٢: حدثنا محمد بن المثنى ثنا ابن أبي عدي عن داود عن عكرمة عن ابن عباس. لما قدم كعب بن الأشرف مكة، قالت له قريش: أنت حبر أهل المدينة وسيدهم قال: نعم. قالوا: ألا ترى إلى هذا الصنبور٣ المنبتر من قومه، يزعم أنه خير منا ونحن أهل الحجيج وأهل السدانة وأهل السلطنة؟ قال: أنتم خير منه. قال: فأنزل الله ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ وأنزل ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ ٤.
стр. 868
وأخرجه ابن أبي حاتم من هذا الوجه نحوه. يذكر ابن عباس فيه.
وأخرجه الطبري من طريق عبد الوهاب الثقفي ومن طريق خالد الواسطي١ كلاهما عن داود عن عكرمة نحوه وقال فيه فقال: أنتم والله خير منه. لم يذكر ابن عباس في السند.
ومن طريق معمر٢ عن أيوب عن عكرمة كذلك. وقال فيه: إن كعب بن الأشرف استجاشهم٣، وأمرهم أن يقاتلوا محمدا. قال: وإنا معكم فقالوا له: إنكم أهل كتاب وهو صاحب كتاب فنخشى أن يكون هذا خترا٤ منك فإن أردت أن نخرج فاسجد لهذين الصنمين ففعل ثم قالوا: نحن أهدى أم محمد؟ فذكر نحو ما تقدم.
وأخرج "....."٥ والفاكهي في "كتاب مكة" وابن أبي حاتم من طريق ابن عيينة عن عمرو٦ بن حصين عن عكرمة جاء حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف إلى أهل مكة فذكر القصة نحو الأول.
стр. 869
وأخرج الطبري١ من طريق أسباط بن نصر عن السدي قال: لما كان من أمر يهود بني النضير ما كان أتاهم النبي ﷺ يستعينهم في دم العامريين فهموا بقتله فاطلع الله ورسوله على ما هموا به هرب كعب بن الأشرف حتى أتى مكة فعاهدهم على المسلمين فقال له أبو سفيان: يا أبا سعد إنكم قوم تقرؤون الكتاب، فذكر نحو رواية أيوب عن عكرمة وفيه: فقال كعب: دينكم خير من دين محمد فأثبتوا عليه ألا ترون أن محمدا بعث بالتواضع وهو ينكح من النساء ما شاء وما نعلم ملكا أعظم من ملك النساء فذلك حين يقول الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ الآية إلى قوله: ﴿سَبِيلًا﴾ .
وأخرجه عبد بن حميد وابن أبي حاتم من طريق إسرائيل٢ بن يونس عن السدي عن أبي مالك: أن أهل مكة قالوا لكعب بن الأشرف.
وأخرج الطبري٣ من طريق محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد عن ابن عباس قال: كان الذين حزبوا الأحزاب من قريش وغطفان ومن قريظة:
حيي بن أخطب، وأبو رافع سلام بن أبي الحقيق، والربيع بن الربيع بن أبي الحقيق، وأبو عمار، ووحوح بن عامر، وهوذة بن قيس فقدموا على قريش قالوا: هؤلاء أحبار يهود، فسلوهم أدينكم خيرا أم دين محمد؟ فذكر الخبر.
ومن طريق سعيد٤ عن قتادة: ذكر لنا أنها نزلت في كعب بن الأشرف وحيي
стр. 870
ابن أخطب ورجلين من اليهود، فذكر القصة مختصرة.
٣٠٧- قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الآية: ٥٤] .
أخرج ابن أبي حاتم من طريق بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان قال: أعطى رسول الله ﷺ بضع١ سبعين شابا فحسدته اليهود فنزلت هذه الآية.
ومن طريق العوفي٢ عن ابن عباس قال: قال أهل الكتاب: زعم محمد أنه أوتي ما أوتي في تواضع وله تسع نسوة، وليس همه إلا النكاح فأي ملك أفضل من هذا؟ فنزلت.
وقد تقدم في الذي قبله قول كعب بن الأشرف في ذلك.
وقال عبد بن حميد: حدثنا عمرو بن عون عن هشيم عن خالد الحذاء٣ عن عكرمة ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال: الناس في هذا الموضع محمد ﷺ خاصة.
وأخرج عبد بن حميد من طريق إسرائيل عن السدي عن أبي مالك في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ قال: يحسدون محمدا ﷺ إذ لم يكن منهم فكفروا به.
وأخرج الطبري٤ من طريق أسباط بن نصر عن السدي في قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ
стр. 871
مُلْكًا عَظِيمًا﴾ أي: في النساء فكان لداود تسع وتسعون امرأة، ولسليمان مئة، فما بال١ محمد لا يحل له ما أحل لهم؟!
وأخرج الثعلبي بسند ضعيف إلى أبي حمزة الثمالي٢ قال: يعني بالناس في هذه الآية نبي الله ﷺ وحده، قالت اليهود: انظروا إلى هذا الذي ما شبع من الطعام لا والله ما له هم إلا النساء لو كان نبيا لشغله هم النبوة عن النساء حسدوه على كثرة نسائه وعابوه بذلك فأكذبهم الله تعالى فقال: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ﴾ إلى قوله: ﴿مُلْكًا عَظِيمًا﴾ فأخبرهم بما كان لداود وسليمان. فأقرت اليهود لرسول الله ﷺ إنه كان لسليمان ألف امرأة ثلثمائة مهرية وسبعمئة سرية، وعند داود مئة امرأة فقال لهم: ألف امرأة عند رجل أكثر أم تسع نسوة؟ وكان عنده يومئذ تسع نسوة. فسكتوا قال الله : ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ ٣ يعني من آمن عبد الله بن سلام وأصحابه. كذا قال وقال السدي: الهاء راجعة إلى إبراهيم، وذلك أنه زرع وزرع الناس فهلكت زروع الناس وزكا زرع إبراهيم فاحتاج الناس فكانوا يأتونه فقال: من آمن أعطيته، ومن لم يؤمن منعته. منهم من آمن به ومنهم من أبى.
٣٠٨- قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [الآية: ٥٨] .
أخرج الطبري٤ من تفسير "سنيد"٥ وهو الحسين بن داود عن حجاج بن محمد عن ابن جريج في هذه الآية: نزلت في عثمان بن طلحة بن أبي طلحة
стр. 872
العبدري١ قبض منه مفاتيح الكعبة، ودخل به البيت يوم الفتح، فخرج وهو يتلو هذه الآية، فدعا عثمان فدفع إليه المفتاح قال: وقال عمر بن الخطاب لما خرج رسول الله ﷺ من الكعبة وهو يتلو هذه الآية: فداه أبي وأمي ما سمعته يتلوها قبل٢ ذلك!
وقال سنيد٣ أيضًا حدثنا الزنجي بن خالد عن الزهري: دفعه إليه وقال: أعينوه٤ وقال محمد بن إسحاق في "السيرة النبوية"٥. حدثني محمد بن جعفر بن الزبير بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور عن صفية بنت شيبة، أن رسول الله ﷺ لما نزل بمكة واطمأن الناس، خرج حتى جاء البيت، فطاف به سبعا على راحلته يستلم الركن بمحجن في يده، فلما فرغ من طوافه، دعا عثمان بن أبي طلحة، فأخذ منه مفتاح الكعبة، ففتحت له فدخلها، فوجد فيها صمامة من عيدان وكسرها بيده ثم طرحها، ثم وقف على باب الكعبة وقد استكف٦ الناس له في المسجد.
ثم قال: ثم جلس رسول الله ﷺ في المسجد فقام إليه علي بن أبي طالب ومفتاح الكعبة في يده، فقال يا رسول الله اجمع لنا الحجابة مع السقاية فقال رسول الله ﷺ : "أين عثمان بن طلحة؟ " فدعي له فقال: "هاك مفتاحك يا عثمان اليوم يوم وفاء وبر".
стр. 873
قال الأزرقي١ في "كتاب مكة"٢ حدثنا جدي٣ عن٤ سعيد بن سالم٥ عن ابن جريج عن مجاهد٦ في هذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ قال: نزلت في عثمان بن طلحة قبض النبي ﷺ مفتاح الكعبة يوم فتح مكة فدخل الكعبة وهو يتلو هذه الآية فدعا عثمان فدفع المفتاح إليه وقال: "خذوها يا بني
стр. 874
أبي طلحة بأمانة الله ١ لا ينزعها منكم إلا ظالم".
وذكر ابن أبي خيثمة٢ عن مصعب بن عبد الله الزبيري قال: قال شيبة بن عثمان: دفع النبي ﷺ إلي وإلى عثمان بن طلحة وقال: خذوها يا بني أبي طلحة خالدة تالدة لا يأخذها منكم إلا ظالم فبنو أبي طلحة هم سدنة الكعبة دون بقية بني عبد الدار.
وأخرج ابن مردويه٣ من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في هذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة دعا عثمان بن طلحة فلما أتاه قال: أرني المفتاح فأتاه به فلما بسط يده إليه قام العباس بن عبد المطلب فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي اجمعه لي مع السقاية، فكف عثمان يده، فقال رسول الله ﷺ : "أرني المفتاح يا عثمان" فبسط يده يعطيه، فقال العباس مثل كلمته الأولى، فكف عثمان يده، ثم قال رسول الله ﷺ : "يا عثمان إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فآتني المفتاح" فقال: هاك بأمانة الله قال فقام رسول الله ﷺ ففتح باب الكعبة فوجد في الكعبة تمثال إبراهيم معه قداح يستقسم بها فقال رسول الله ﷺ : "ما للمشركين قاتلهم الله ما شأن إبراهيم وشأن القداح! " ثم دعا بجفنة فيها ماء فأخذ ماء فغمسه ثم غمس به تلك التماثيل وأخرج مقام إبراهيم، وكان في الكعبة، ثم خرج فطاف بالبيت شوطا أو شوطين فنزل عليه جبريل فيما ذكر لنا برد المفتاح فدعا رسول الله ﷺ عثمان بن طلحة فأعطاه المفتاح ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ حتى فرغ من الآية.
стр. 875
وقال الثعلبي: نزلت في عثمان بن طلحة الحجبي من بني عبد الدار وكان سادن الكعبة، فلما دخل النبي ﷺ مكة يوم الفتح، أغلق عثمان باب البيت وصعد السطح، فطلب رسول الله ﷺ المفتاح، فقيل له: إنه مع عثمان، فطلب منه، فأبى وقال: لو علمت أنه رسول الله [ ﷺ ] ١ لم أمنعه المفتاح، فلوى علي بن أبي طالب يده، وأخذ منه المفتاح وفتح الباب، فدخل رسول الله ﷺ البيت وصلى فيه ركعتين، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح فيجمع له بين السقاية والسدانة، فأنزل الله هذه الآية فأمر رسول الله ﷺ عليا أن يرد المفتاح إلى عثمان ويعتذر إليه ففعل ذلك، فقال له عثمان: يا علي أكرهت وأذيت ثم جئت ترفق! فقال علي: لقد أنزل الله في شأنك، وقرأ عليه الآية فقال عثمان: أشهد أن محمدا رسول الله، وجاء فأسلم فجاء جبريل ﵇ فقال: ما دام هذا البيت أو لبنة من لبناته قائمة فإن السدانة في أولاد عثمان. فهو اليوم في أيديهم.
قلت: كذا أورده الثعلبي٢ بغير سند جازما به، وتلقاه عنه غير واحد منهم الواحدي٣، وفيه زيادات منكرة منها أن المحفوظ أن إسلام عثمان بن طلحة كان قبل الفتح بمدة قدم هو وعمرو بن العاص٤ وخالد بن الوليد فأسلموا جميعا، بين الحديبية والفتح.
ومنها أنه أغلق الباب، وصعد السطح، والمعروف في كتب السير أن المفتاح كان
стр. 876
عند أمه، وأن النبي ﷺ لما طلب منه المفتاح امتنعت أمه من دفعه فدار بينهما في ذلك كلام كثير، ثم كيف يلتئم قوله: لوى علي يده مع كونه فوق السطح! ثم قد أسند الطبري١ عن مكحول في قوله تعالى: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قال هم أهل الآية التي قبلها ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ إلى آخر الآية.
ومن طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم٢ قال: قال أبي: هم الولاة٣.
ومن طريق علي بن أبي طلحة٤ عن ابن عباس: أمر الولاة أن يعطوا النساء حقوقهن٥.
قال الطبري٦: والأولى أنه خطاب من الله لولاة الأمور أن تودي الأمانة إلى من ولوا أمره في حقوقهم، وبالعدل بينهم والقسم بالسوية وأمر الرعية بطاعتهم فأوصى
стр. 877
الراعي بالرعية وأوصى الرعية بالطاعة.
ثم قال: وأما من قال: إنها نزلت في عثمان بن طلحة فجائز أن تنزل فيه، وفي كل مؤتمن، فدخل فيه ولاة الأمور وكل مؤتمن.
٣٠٩- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [الآية: ٥٩] .
١- أخرج البخاري١ ومسلم٢ والثلاثة٣ والطبري٤ من طريق يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قال: نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي٥ إذ بعثه النبي ﷺ في سرية. ولم يسمه الطبري قال: نزلت في رجل، وقال الباقون: عبد الله بن حذافة بغير زيادة في النسب٦.
وأخرجه الطبري٧ من "تفسير سنيد" قال: نا حجاج بن محمد عن ابن جريج عن عبد٨ الله بن مسلم بن هرمز عن سعيد بن جبير مثله.
стр. 878
قلت: وهذا من أغلاط سنيد.
قلت١: وإنما هو يعلى بن مسلم أخرجه الجماعة من رواية حجاج بن محمد كذلك كما تقدم وهو الصواب.
وأخرج الشيخان٢ وأحمد٣ والطبري٤ وغيرهم٥ من طريق أبي عبد الرحمن السلمي عن علي قال: بعث رسول الله ﷺ سرية واستعمل عليهم رجلا من الأنصار فوجد عليهم في شيء، فقال: أليس أمركم الله أن تطيعوني؟ قالوا: بلى. قال: فاجمعوا لي حطبا ثم دعا بنار فأضرمها فيه: ثم قال: عزمت عليكم لتدخلنها! فقال بعضهم: إنما فررتم إلى رسول الله من النار فلا تعجلوا حتى تلقوا رسول الله ﷺ ، فرجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه بذلك، فقال لهم: "لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدا إنما الطاعة في المعروف".
٢- قول آخر: أخرج الطبري٦ من طريق أسباط بن نصر عن السدي قال: بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد على سرية فيهم عمار بن ياسر فساروا قبل
стр. 879
القوم١ الذي يريدون حتى دنوا من الماء فعرسوا قربيا، فبلغ العدو أمرهم فهربوا، وبقي منهم رجل فجمع متاعه ثم أقبل يمشي في ظلمة الليل، حتى أتى عسكر خالد فسأل عن عمار فأتاه فقال: يا أبا اليقظان إن القوم سمعوا بكم فهربوا ولم يبق غيري وقد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسوله فهل ذاك نافعي غدا وإلا هربت؟ فقال عمار: بل ينفعك فأقم، فلما أصبح خالد أغار بجنده٢ فلم يجد إلا الرجل وماله فأخذوه وأخذوا ماله فبلغ عمارا الخبر فأتى خالدا فقال عمار: خل عن الرجل فقد أسلم وهو في أماني. فقال خالد: فيم أنت تجير علي وأنا أمير عليك؟ فاستبا، فلما رجعا إلى المدينة أجاز النبي ﷺ أمان عمار ونهاه أن يجير الثانية على أمير، فقال خالد: يا رسول الله يسبني هذا العبد! فقال النبي ﷺ : "لا تسب عمارا فإنه من سب عمارا سبه الله ومن أبغض عمارا أبغضه الله ومن لعن عمارا لعنه الله" فغض عمار وقام، فقال النبي ﷺ لخالد: "قم فاعتذر إليه" ٣ فقام فأخذ بثوبه واعتذر إليه فرضي عنه فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ".
هكذا رواه أسباط عن السدي مرسلا، ووصله ابن مردويه٤ من طريق الحكم بن ظهير عن السدي عن أبي صالح عن ابن عباس٥، وهكذا ساقه مقاتل بن سليمان بطوله وأكثر ألفاظه.
стр. 880
٣- قول آخر١: أخرج الطبري من طرق عن مجاهد، ومن طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ومن طريق عطاء بن أبي رباح، ومن طريق الحسن البصري، ومن طريق أبي العالية قالوا كلهم٢: معنى ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ : أولي العلم والفقه: زاد أبو العالية: ألا ترى أنه يقول: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ٣؟
٤- قول آخر: أخرج الطبري٤ من طريق ليث بن أبي سليم٥ قال: سأل مسلمة يعني ابن عبد الملك٦ ميمون بن مهران٧ عن هذه الآية: من ﴿أُولِي الْأَمْرِ﴾ ؟ قال: أصحاب السرايا على عهد رسول الله ﷺ .
ومن طريق الحكم بن أبان٨ عن عكرمة قال: هم أبو بكر وعمر.
واختار الطبري٩ اختصاصها بولاة الأمور.
وسبقه الشافعي١٠ وقرره تقريرا حسنا فقال: كان من حول مكة من العرب لم