← Адаб

Адаб · id 21102

الصورة الأدبية تاريخ ونقد

علي علي صبح

Полный текст (173 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أفصح الخلق أجمعين سيدنا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.... وبعد. ١- فالصورة في اللغة تحتاج من الباحث إلى الكشف عما يحول في حروفها من معان، وما يترقرق فيها من أضواء وظلال، وما توحي به من بوارق إشارات، وما تهدف إليه من غاية وشرف. فمادة "الصورة" بضم الصاد، بمعنى الشكل. فصورة الشجرة شكلها، وصورة المعنى لفظه، وصورة الفكرة صياغتها. والشكل هو ذلك المحس التي تراه، أو تسمعه الأذن، أو تشمه الأنف أو يتذوقه الفم، أو يشعر به الجسم، فهو الذي ينبه الحاسة، ويدفعها إلى الإعمال، ويمسح بالتسجيل، وعلى ذلك تكون الصورة الأدبية هي الألفاظ والعبارات، التي ترمز إلى المعنى، وتجسم الفكرة فيها، أو هي مدلول اللفظ الحسي، فكل لفظ يرجع في الأصل إلى مصدره الأول في اللغة، وهو الشيء المحسوس، فالأحمر مثلا يرجع إلى اللون المتميز القائم بجسم معين؛ لأن المعنى المجرد للون+ الأحمر لا يتحقق في الخارج، إلا قائمًا بالشيء، المحسوس وكذلك لفظ الشجرة يرجع إلى ذات الشجرة النامية على وجه الأرض، في جذورها وجذوعها، وفروعها وأوراقها وثمارها وأزهارها.

стр. 2

فالصورة على ذلك، تتحقق فيما توحي به الألفاظ من محسات متخيلة في النفس. وقيل: إن مادة "الصورة" بضم الصاد، بمعنى النوع والصنف من الشيء. فصورة الحمام، غير صورة النسور، وصورة الإنسان، غير صورة الأسد، فهذا نوع وذلك نوع آخر. وعلى ذلك إذا أطلقت الصورة الأدبية، فإنها ترجع إلى أنواع الأدب من شعر ونثر فني ومقال ومسرحية، وقصة وأفصوصة، والأول أقرب لموضوعنا هذا؛ لأن الصورة توجد في كل الأنواع، فالشعر فيه صورة، والنثر الفني فيه صورة، وهكذا في القصة والمسرحية وغيرها من أجناس الأدب المختلفة؛ ولأن النوعية لا تتأتى إلا بعد أن يأخذ المجرد المطلق شكلًا يعرف به، وصورة يظهر فيها خارجًا عن الذهن، حتى يستطيع الشخص أن يتفاهم به مع غيره بالأشكال المتعارف عليها. وبعد الشعر والنثر الفني والقصة إلى آخر الأقسام أجناسًا للأدب، يقوم كل جنس فيه على التشكيل بالصور والمحسات في الألفاظ والتراكيب، كما يؤلف الرسام فتاة أحلامه الساحرة في صورة غنية بالألوان والأشكال، والمخطوط والظلال، والأحجام، والأضواء، في تناسق وانسجام، وكذلك الشاعر في تصويره الأدبي. ٢- هذا ما يتصل بالمعنى اللغوي، وأما المعنى الذي اكتسبته المادة اللغوية من الاستعمال الأدبي، وما توحي به، حينما تنتقل في رياض الفنون في الأدب والشعر من روضة إلى أخرى، فالوصول إلى المعنى، ليس باليسير الهين، ولا السهل

стр. 3

اللين ومن قال ذلك قد احتجبت عنه أسرار اللغة وجمالها المكنون المستمر، وروحها المتجددة النامية وليس لها -كما عند المناطقة- حدود جامعة، ولا قيود مانعة. واللغة لسان الأحياء، وعقل الخلق، في تقلب دائم، وحركة مستمرة إلى الأمام، والعقل والإحساس في نمو مطرد، يختلف من وقت لآخر، ومن أمة إلى أمة وهما معها في جبل يختلفان عن نفسيهما معًا في جبل آخر، وهو شأن اللغة بصفة عامة، فما بالك لو ارتقى الإنسان إلى أسمى -وفي السمو تيه وغموض- ما في اللغة، وهو التصوير والإبانة بدقة عما في النفس، وكنهها الدفين المبهم، فلا شك أن المشقة في تحديد التصوير ستكون أعظم، والجهد أوفر وأضخم، وخاصة إذا كان بإيجاز في سطر أو سطرين، وفقرة أو فقرتين، على ما جرى عرفًا واصطلاحًا في التعاريف والحدود. وأرى أن في هذا الاتجاه تقليلًا من شأن التصوير، وعبثا بمفهومه الواسع وعجزًا عن فهم حقيقته الممتدة الرحبة، رحابة الجمال واللذة والألم، التي لن يصل إلى كنهها إلا من غاب في الوجود -وهو حي بين الناس- ولا يستطيع أن يفهم أحدًا ولا يفهم منه أحد. والأمر كذلك إن بقي مطمع في الإيجاز والتجديد، وهو ما لا يقره الذوق الصادق والعقل الناقب في القديم والحديث. والمقدمون في النقاد والأدباء ومن تكلموا في الجمال -كالغزالي مثلًا- لم يقصدوا -ولا كان من قصدهم- التحديد والتركيز لمعنى الصورة الأدبية، بل لم يقع لبعضهم وإن وقع للبعض الآخر، فمنهم من جرت على لسانه عفوًا، ومنهم من قصدها ولم يضع لها حدًّا موجزًا، كما حدد الاستعارة والتشبيه وغير ذلك، ولو أوشك

стр. 4

أحدهم على الإتيان بالمفهوم الصحيح، كالإمام عبد القاهر الجرجاني، لظهر قصوره في الإحاطة والشمول كحد مانع، وإن وفى الصورة في تحليلها الأدبي، ووقف على منظم منابع الجمال فيها. وأما موقف المتأخرين من النقاد حديثا في بيان مفهوم الصورة، فلا شك أنهم قطعوا شوطًا طويلًا، بقدر الزمن الذي باعد بينهم وبين المتقدمين، ولكنهم أيضًا لم يحددوها في إيجاز ببغيه المنطق، ولم يعرفوها في تركيز العلوم والرياضة؛ لأنهم فهموا جلال القضية، وسموا شأنها وقد لف الكثيرون حولها وداروا، فمنهم من اهتدى إلى كشفها وإيضاحها وتحليلها، وإلى مصادر الجمال فيها، ومنهم من ضل فلم يحسن التحديد، وند عنه التوضيح، وزاد من تيههم جميعًا في بيان المفهوم للصورة الشعرية، تلك الصراعات الذهبية الواردة حديثًا في الأدب والنقد، حى صار التوضيح هو الآخر صعبًا وشاقًّا، ولعل في هذا حفزًا للهمم، وقتلًا للفراغ، وحضا على مواصلة العلم والبحث، ما دامت الدنيا: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ . وأخشى أن يظن ظان أنني أضع العقبات لأصرفه عن التعمق في هذا البيان، أو على الأقل لينفرد الباحث هنا -بما وصل إليه- بالسبق والتقدير. وأحسبني أنني لا أقصد هذا ولا ذاك، ولكن لأكشف عن حقيقة الخوض في هذا البحر العميق الذي لا قاع له ولا قرار في ذلك، هو سر الخلود والروعة والجلال. ولا يظن أحد أيضًا أن المحدثين بانصرافهم عن التحديد والتركيز إلى التحليل والتوضيح قد عجزوا، ولكنهم باتجاههم هذا وصلوا في قوة ودقة إلى الكشف عن معالم الصورة، وبيان مظاهر الجمال فيها، فكان ذلك أكثر رفاء لنبل الصورة وتقديرًا لروعتها، وتوضيحًا لمغزاها وأثرها.

стр. 5

وهذا ما يجعلني أن أستبطن اتجاهات النقد في الصورة قديمًا خاصة ثم حديثًا لأوضح وجهة نظرهم فيها من خلال اتجاهي نحوها، وإبراز الكشف عنها. ومن المقرر عند الجميع أن رأس الأمر في هذا يرجع إلى الأذواق، التي تختلف من ناقد لناقد، ومن أمة لأمة. لذلك تناولت المفهوم لها متخذًا هذا المنهج، ليكون واضحًا -وعلى عجل- فالصورة الأدبية بحث مستقل متكامل، أجول فيه هنا وهناك، وأنقب وأثقب بالتحليل والموازنة والاستنتاج والاختراع وخطواتي ستترك علامات ما دمت في الطريق، وقلمى سيترك بصمات تميز صاحبها عمن قطع فيه شوطًا أو أشواطًا، والله أسأل أن ينفع به، وأن يسدد خطانا، والله ولي التوفيق. دكتور/ علي علي مصطفى صبح.

стр. 6

الفصل الأول: الصورة الأدبية في النقد الأدبي القديم قبل أن أبدأ الحديث عن موقف القدماء من الصورة الأدبية، أستميح القارئ عذرًا في استعمال لفظ الصورة مع بضع القدماء؛ لأن البعض ربما كان لا يقصدها في حديثه عن الشعر، وغالبًا ما يقصد اللفظ أو الشكل، والأسلوب أو الصياغة والعبارة أو التركيب والنظم أو التأليف، إلى غير ذلك مما تسمح له ظروف التعبير والحياة، ومدى قدرته للإصابة فيه. والذي قد يجيز لي التعبير بلفظ الصورة عندهم هو مقام البحث عنها في آرائهم وهل قد أصابوا في الوقوف على معناها أولًا؟ لأكشف من خلال ذلك مفهومها عند كل منهم غالبًا، هذه ناحية. وناحية أخرى، وهي أن من البدهي ألا أرتقى فجأة إلى مفهوم الصورة الأدبية عند الإمام عبد القاهر الجرجاني، الذي أوشكت أن تبلغ الكمال لديه، أو أغفله هو كذلك وأبدأ بالنقد الحديث فيها، كما قام بذلك بعض الباحثين المحدثين١ ظنا منهم أن مفهومها لم يصل إليها النقاد القدامى من العرب إلا نادرًا، فرأيت من الضروري أن أعرض الصورة في النقد القديم قبل النقد الحديث، وهي أولًا بذرة، ثم أوضح كيف نبتت وترعرعت؟ وشبت واستوت، ونضجت واستقام أمرها.

стр. 7

وليس من المعقول أن نفصل الصورة قديمًا عن قضية اللفظ والمعنى، وهي جوهرها ولبها وما اللفظ إلا الشكل؟ وما المعنى إلا المضمون؟ وهما اللذان أثارهما النقاد المحدثين. وكيف لا يتناول النقد الأساس الأول الذي قامت عليه المذاهب الأدبية في العصر العباسي فوجدنا منه شعرًا مطبوعًا، وآخر مصنوعًا، شعرًا يهتم بالمعنى، وآخر يهتم باللفظ. يقول نقادنا عن الشعر: إنما هو عواطف الشاعر وشعوره يركبها خيال وملكات قادرة ومقدرة فنية موهوبة في صور من الألفاظ والأساليب١. ولا مبرر لدعوة الذين يغمضون أعينهم عن هذه القضية، مدعين أنها دراسة عميقة لا قيمة لها في الصورة، وتبدأ القيمة عندهم من ابن رشيق وعبد القاهر، بل هما أيضًا كانت نظرتهما قاصرة، لم توف بالغرض المنشود. وهذا بعد عن الصواب، ونكران للحقيقة، وهم أشبه في ذلك بالذي سقط فجأة على ثمرة ناضجة، فقطفها، وأعمل أضراسه فيها، ولم يوجه انتباها لكيفية وجودها عندما كانت بذرة، ثم تحولت إلى جذور وجذوع، وسيقان، وفروع، وأوراق وأزهار، ثم مضى على ذلك وقت طويل، ونشط إليها من تعهدها ورعاها لتصير ثمرة شهية، تسيل لعاب المتذوق ويتلفظ بها في الآكل. وهكذا فلندعهم سادرين في غيهم، مخدوعين بما سمعوا وقرأوا، فهم أناس ألفوا الراحة، واكتفوا بما تحت أيديهم من غير جهد ولا تعب، أو تعقب للمراحل السابقة، قبل الوصول إلى نهاية الطريق، ثم يدعون باطلًا أن المراحل السابقة لا قيمة لها ولا وزن، ولا أهمية ولا اعتبار إلا للنتيجة النهائية في مفهوم الصورة الأدبية التي انتهى إليها النقاد في العصر الحديث.

стр. 8

مفهوم الصورة في العصرين الجاهلي والإسلامي: يكون من الصعب قبل عصر التدوين أن نقف بدقة على مدى الفهم للصورة الأدبية في العصر الجاهلي وفي بداية عصر الإسلام؛ لأن تعليقاتهم الموجزة على الشعر كانت في الغالب غير مدونة، فأصبحت عرضة للضياع، فإذا كان الشعر قد ضاع معظمه، ولم يبق إلا أقله، وليس هو مظنة الضياع، لتمكنه من النفس والعقل معًا، فكيف بالنثر الذي قيل حوله: ولو انتهى إلينا خبر عن بعض النقاد في العصر الجاهلي يبين مدى اهتمامه بالصياغة والصورة، فقد يسرب الشك فيه وفي نقله، كما حدث فيما ورد عن النابغة الناقد في سوق عكاظ تحت القبة الحمراء، ليصدر حكمه في شعر وقع لمشاهير ثلاثة الأعشى والخنساء وحسان، قد فاضل بينهم على الترتيب السابق، فسأله حسان عن سر تفوق الخنساء عليه، وهي في نفس الوقت دون الأعشى في الحكم، فقال النابغة لحسان: "قلت: الجفنات، وهي جمع قلة لو قلت: الجفان، لكان أفضل، وقلت: يلمعن، واللمعان يختفي ويظهر، ولو قلت: يشرفن لكان أفضل وقلت: بالضحى وكل شيء يلمع في الضحى، ولو قلت: بالدجى لكان أفضل، وقلت: يقطرن، ولو قلت: يجرين لكان أفضل. كان مثل هذا يحدث من نوابغ الشعراء النقاد كالنابغة، حين أظهر اهتمامه بالصياغة، واختيار الصورة المناسبة للمعنى الذي عبر عنه حسان، ووضح في المجاورة النقدية التي تمت بينهما ما هبط فيه شعر حسان، وكشف النابغة عن أسرار الضعف في اختيار الألفاظ غير الملائمة للمعنى، مما أدى إلى نزول شعره إلى المرتبة الثالثة. ويزيد من اهتمام النقاد في العصر الجاهلي بالصورة والصياغة، ما اتجه إليه بعضهم من الصناعة الشعرية، كزهير ابن أبي سلمى، زعيم مدرسة الصنعة في الشعر.

стр. 9

آنذاك -ومعلوم أنه إذا أطلق لفظ الصناعة في الكلام، إنما يتجه إلى الصياغة والتصوير؛ لأن زهيرًا ومن اعتنق مدرسته كانوا يعكفون على القصيدة حولًا كاملًا -حتى سميت القصائد بالحوليات- فيغير اللفظ ويوضع مكانه لفظ آخر، أو يعدل الأسلوب، أو تضاف استعارة، أو يحذف تشبيه ويستبدل آخر، وهكذا، ومثل هذا الصنيع، يجعلنا نحكم على المدرسة بأنها تهتم بالصياغة والصورة، ليشرف المعنى. يقول الجاحظ: "ومن شعراء العرب، من كان يدع القصيدة، نمكث عنده حولًا كريتًا، وزمنًا طويلًا يردد فيها نظره، ويحيل فيها عقله، ويقلب فيها رأيه اتهامًا لعقله، وتتبعًا على نفسه فيجعل عقله زمامًا على رأيه، ورأيه عيارًا على شعره، إشفاقا على أدبه، وإحرازًا لما خوله الله من نعمته، وكانوا يسمون تلك القصائد الحوليات والمقلدات -والمنقحات والمحكمات، ليصير قائلها خنذيذًا وشاعرًا مفلقًا"١. لذا يقول الدكتور خفاجي: "وكان ارتباط الشعر الجاهلي بالغناء ورغبة بعض الشعراء في التجويد والتجديد في المعاني من أسباب نشأة هذا المذهب الفني"٢. وقال أيضًا: "كان زهير بن أبي سلمى يسمي كبار قصائده بالحوليات، ولذا قال الحطيئة: خير الشعر الحولي المحكك، وقال الأصمعي: زهير بن أبي سلمى والحطيئة وأشباههما عبيد الشعر، وكذلك كل من جود في جميع شعره، وووقف عند كل بيت قاله وأعاد فيه النظر، حتى يخرج أبيات القصيدة كلها مستوية في الجودة"٣.

стр. 10

لهذا كله كان النقاد في العصر الجاهلي، يحكمون على الشعراء بمقدار جودتهم في الصياغة، ويصفونهم حسب أسلوبهم تصويرهم، فيقولون: إن ربيعة بن عدي كان يسمى المهلهل؛ لأنه أول من هلهل الشعر وأرقه١، وكذلك المرقش لتحسينه شعره وتنميقه٢، وكذلك قالوا: الأفوه، والمثقب، والمنخل، وسموا القصائد الحوليات والمقلدات والمنقحات والمحكمات٣. ويدل هذا على اهتمام مدرسة الصنعة بالأسلوب والصياغة، وعنهما كانت الصورة الأدبية بعد ذلك وهكذا استمر مذهب التثقيف وطول التهذيب مذهبًا فنيًّا يسير عليه بعض الشعراء حتى بعد العصر الجاهلي، وكان أساسًا لمذهب البديع الذي نشأ على يد مسلم وأبي تمام من المحدثين٤. وقد غالى من رمى الشعر الجاهلي ونقده بالشك وعدم صحة الإخبار عنه٥. ولست معهم في هذا الشك المطلق، ما دام هناك في الأدب العربي صناعة شعرية، وللصناعة في أي فن، مادة وشكل، ومعنى وصورة. لذلك نجد ذا الرمة الشاعر الإسلامي، يعجب بالصورة والشكل في أبيات للكميت ولم يصرح بهذا اللفظ، وإن ذكر خاصة تتصل بالصورة لا المعنى، قال: "أحسنت ترقيص هذه القوافي"٦.

стр. 11

كما تعجب الكميت من تصوير ذي الرمة حينما أنشد قوله: دعاني ما دعاني الهوى من بلادها ... إذا ما نأت خرقاء عني بغافل فقال الكميت: لله بلاء هذا الغلام، ما أحسن قوله وأجود وصفه يقول: الأستاذ الدكتور خفاجي: "وهذا يدل على إنصاف الكميت في النقد وتمييز الجيد من الرديء في الشعر"١. بشر بن المعتمر والصورة الأدبية: أول من تنبه من النقاد العرب القدامى إلى النظم، وهو بشر بن المعتمر٢ في صحيفته المشهورة٣، فهو لا يرتفع باللفظ وحده، ولا بالمعنى وحده، ولكن يقصدهما معًا وفي نفس واحد، ولا يفصل أحدهما عن الآخر، ويشهد بهما معًا ممهدًا لنظرية النظم يقول: "إياك والتوعر، فإن التوعر يسلمك إلى التعقيد، والتعقيد هو الذي يستهلك معانيك ويشين ألفاظك". فالتعقيد من سمات اللفظ والمعنى معًا وهو يفسد الصورة ويخل التعبير بفقد روح التأثير فيها، ويقول بعد ذلك: "ومن أراد معنى كريمًا فليلتمس له لفظًا كريمًا، فإن حق المعنى الشريف اللفظ الشريف، ومن حقهما أن تصونهما عما يفسدهما ويهجنهما".

стр. 12

فموطن الجمال عنده في العمل الأدبي، يرجع إلى ارتباط اللفظ بالمعنى، فلا بد للمعنى الشريف من لفظ شريف، ويريد بذلك أن يفصح عن العلاقة بينهما، فليس في اللفظ وحده، ولا في المعنى وحده، ولكن في العلاقة بينهما، وهي محل الصورة الأدبية التي توضح المعنى، وتسمو بالصياغة والتعبير، وليسمها بشر علافة، أو اهتمام باللفظ والمعنى كما يشاء، لمناسبة التسمية مع ذوق أدباء عصره، ونشأة النقد الأدبي قبل أن يعرف المصطلحات الأدبية. وهذا الاتجاه قريب من مفهوم الصورة التي تحددت معالمها فيما بعد، بل أضاف لما سبق معالم جديدة في مفهومها، منها التلاؤم بين اللفظ والمعنى، وقوة العاطفة، والوحدة الفنية، وتلاؤم الصورة مع العاطفة والمقام والغرض التي ذكرت من أجله. يقول أبو سهل بشر بن المعتمر في مناسبة اللفظ للمعنى والتلاؤم بينهما: "ومن أراد معنى كريمًا فليلتمس له لفظًا كريمًا، فإن حق المعنى الشريف اللفظ الشريف. إلى قوله: أن يكون لفظك رشيقًا عذبًا، وفخمًا سهلًا، ويكون معناك ظاهرًا مكشوفًا وقريبًا معروفًا". أما قوة العاطفة في الأسلوب والصورة يقول فيها: "خذ من نفسك ساعة نشاطك" وفراغ بالك، وإجابتها إياك، فإن قليل تلك الساعة أكرم جوهرًا، وأشرف حسبًا وأحسن في الأسماع، وأحلى في الصدور، من فاحش الخطأ، وأجاب لكل عين وفرة من لفظ شريف، ومعنى بديع، وأعلم أن ذلك أجدى عليك مما يعطيك يومك الأطول بالكد والمطاولة والمجاهدة، وبالتكلف والمعاودة". أليس هذا حديث العاطفة في الكلام؟ فإنها لا تتولد إلا ساعة النشاط والحيوية والحرارة والانفعال، وعند ذلك تعطي الكثير في وقت قليل كما وكيفا في النظم والتصوير، وتتوافر لديها المعاني البكر والألفاظ الغرر.

стр. 13

وفي غير هذا الوقت الذي تتوهج فيه العاطفة، يعاود الأديب ويطاول سليقته، ويتكلف ويجاهد نفسه وجسمه، حتى يحقق نظمًا وصياغة، لا يخلو من كلفة وفتور عاطفة. والعاطفة القوية هي التي تلهب التصوير، وتسري حرارتها في الصورة الأدبية وتبعث في النظم قوة التأثير وهو ما أراده بشر وإن لم يصرح بلفظها، أليس من الحق بعد وضوح معالمها وتحديد مفهومها حديثًا أن تقرر التشابه بين الحديث عنها عند بشر وفي العصر الحديث؟ ألم يكن بينهما توافق كبير؟ فحديث العاطفة في الصورة اليوم هو نفسه حديث أبي سهل عنها منذ اثني عشر قرنًا من الزمان؟ أظن أنه لا فرق في الجوهر واللب، وإن كان هناك فرق بينهما في التصريح بالعاطفة وعدمه. ويتحدث أبو سهل عن الدعامة الثالثة للصورة الأدبية، أو النظم والكلام البليغ وهي الوحدة الفنية أو مناسبة الكلمة لموقعها، يقول: "فإن كانت المنزلة الأولى لا تواتيك ولا تعتريك، ولا تسنح لك عند أول نظرك وفي أول تكلفك، وتجد اللفظة لم تقع موقعها، ولم تصر إلى قرارها، وإلى حقها من أماكنها المخصوصة لها، والقافية لم تحل في مركزها وفي نصابها، ولم تصل بشكلها، وكانت قلقة في مكانها، نافرة من موضعها، فلا تغصبها على اغتصاب الأماكن، والنزول فيغير أوطانها. فإن ابتليت بأن تتكلف القول وتتعاطى الصنعة، ولم تسمح لك الطباع في أول وهلة، وتعصي عليك بعد إجالة الفكرة، فلا تعجل ولا تضجر، ودعه بياض يومك أو سواد ليلك، وعاوده عند نشاطك وفراغ بالك، فإنك لا تعدم الإجابة والمواتاة، إن كانت هناك طبيعة أو جرت من الصناعة على عرق". فالشعر عند أبي سهل ليس ميسورًا، وصياغته ليست سهلة، والتصوير لمعنى

стр. 14

ما يحتاج إلى دقة، وبراعة، وعلى الشاعر بعد اختيار الألفاظ والمعاني الكريمتين أن يختار لكل كلمة موقعها من الصورة، لتستقر في مكانها المخصوص لها، وكذلك القافية لا بد أن تقع في نصابها، وتتوازن مع نظائرها، وتتشاكل مع أخواتها، وبذلك يصير كل من الكلمة والقافية غير قلق في مكانه، ولا نافر من موضعه، وغير مكره على اغتصاب، ولا مضطرب في غير أوطان. وإذا لم يتيسر للشاعر التناسب في الصورة الأدبية والوحدة الفنية بين الألفاظ فيها بحيث لا توافق الكلمة أختها، بأن تعبر إحداهما عن العشق والصبابة والأخرى عن الحماسة والفخر، مما يهلهل النسج، ويضعف التماسك، وعلى الشاعر حينئذ خوفًا من الخلط والاضطراب أن يترك العمل الأدبي يومًا أو ليلة، حتى يستطيع أن يحكم النسج، ويضع كلا في مكانه المناسب، فتقع الكلمة مع أختها، لا مع الغريبة عنها وبذلك يتم التلاؤم بين أجزاء الصورة، ودور الصياغة المنثورة، وتتحقق الوحدة الفنية فيها. وليسمها بشر بن المعتمر تناسبًا بين الكلمات، وتوافقًا في القوافي، حين تأخذ الكلمة موطنها، وتتلاءم القافية مع أخواتها، فيتحقق من عناصر الصورة دلالة الألفاظ في مدلولها وبموسيقاها على غرض الشاعر، وقد أخذ اللفظ والقافية مكانهما من النظم أو البيت وليسمها النقاد اليوم الوحدة الفنية أو العضوية، مما يدل على التناسب بين الكلمات في التركيب، والتلاؤم بين الأجزاء في التصوير. ويتحدث أبو سهل عن الدعامة الرابعة للصورة الأدبية، أو عن النظم والتأليف.

стр. 15

بين الكلم وهي تلاؤم الصورة أو التركيب، مع المقام والغرض الذي يهدف إليه الشاعر فيقول: "وينبغي للمتكلم أن يعرف أقدار المعاني، ويوازن بينها وبين أقدار المستمعين، وبين أقدار الحالات، فيجعل لكل طبقة من ذلك كلامًا، ولكل حالة من ذلك مقامًا، حتى يقسم أقدار الكلام على أقدار المعاني، ويقسم أقدار المعاني على أقدار المقامات وأقدار المستمعين على أقدار تلك الحالات. فإن كان الخطيب متكلمًا، لم يتجنب ألفاظ المتكلفين، كما أنه إن عبر عن شيء من صناعة الكلام واصفًا أو مجيبًا أو سائلًا، كان أولى الألفاظ به ألفاظ المتكلمين، إذ كانوا لتلك العبارات أفهم، وإلى تلك الألفاظ أميل، وإليها أحسم، وبها أشغف". وعالم البلاغة عندما يسمع حديث بشر يحكم عليه هنا بأنه لا يصلح إلا لمطابقة الكلام لمقتضى الحال، لارتباطه القوي بالبلاغة، ولا يمت للصورة الأدبية إلا بأدنى ملابسة. والحق أن كلام بشر السابق وما قبله لا يستطيع أحد ألا يلحقه بعلم البلاغة فحديثه وثيق الصلة بها، وينبغي أن يدخل في باب الصورة الأدبية؛ لأن الغرض من التصوير هو التأثير في النفس بحيث يسيطر على العقل والمشاعر، وهذا التأثير للصورة لا يتم ولا يقوى إلا إذا اتفقت مع الحالة التي تعبر عنها، في المقام الذي يبرزه الشاعر المصور مثل قول ابن الرومي في "الثقيل البارد". يا أبا القاسم الذي ليس يدري ... أرصاص كيانه أم حديد أنت عندي كما بئرك في الصـ ... ـيف ثقيل يعلوه برد شديد وأجزاء الصورة هنا تبرز معالم الثقل في شخص أبي القاسم، فهو ثقيل النفس عديم الحركة فاقد الإنسانية، ميت الشعور، بارد العاطفة، كالرصاص أو الحديد

стр. 16

اللذين لا ينتفع الناس بكل منهما، إلا إذا انصهر في النار واتخذ أشكالًا وجسومًا تصلح للاستعمال والانتفاع. فأبو القاسم بارد كهذين المدنيين، اللذين يظهر فيهما تأثير البرودة واضحًا وبسرعة، فهما جيدا التوصيل، كما يقول علماء الطبيعة حديثًا، بخلاف الخشب فهو رديء التوصيل ولكي يبلغ ابن الرومي الغاية في الصورة، ويمنحها القدرة على التأثير، أضاف إلى البرودة السابقة برودة أشد وأقوى، وهي برودة الماء التي ترتفع فيه الدرجة لسيلانه وليونته، ثم يرتفع بها إلى معدم غير عادي، وهو ما بعد الصفر، فيصور الماء في بئر تحت الأرض، بعيدًا عن حرارة الشمس، وفي ظل دائم، ثم أخيرًا يكسبه بطبقة من الجليد والبرد. وقد اختار الألفاظ في النظم التي تتناسب مع أبي القاسم، واستقطب الأجزاء في الصورة التي تتلاءم مع حالة الثقل البارد من الرصاص والحديد وماء البئر في الصيف، والثقل والبرد الشديد كل ذلك ليؤدي الشاعر الغرض الذي من أجله كانت الصورة ويتآلف مع مقام الهجاء العفيف، الذي أراده الشاعر، فقد رمى أبا القاسم في صورته بثقل النفس، وجمود العاطفة وتجريده من الإنسانية وموت الشعور فيه، مما يتناسب مع مقام الإقذاع والتنكيل به. وهذا هو نهاية ما يتطلبه بشر بن المعتمر من التركيب والتصوير، وما اهتم العلماء بالبلاغة إلا ليبلغوا بالكلام والصور مبلغ التأثير والإيقاع، ولعل هذه الشبهة هي التي وقفت دون النقاد عن فهم ما يقصده بشر من صحيفته المشهورة من العناية بالنظم، وإيضاح معالم التأليف والصور، حتى تكون جديرة بوصفه إياها بالبلاغة وقوة التأثير في النفس. وإن كانت هذه إشارات خاطفة منه في مفهوم النظم والتصوير، إلا أنها نبهت من بعده، فأخذ ينميها ويعمقها، ليبلغ بها الغاية في الدقة والكمال وقوة التأثير والإمتاع.

стр. 17

موقف الجاحظ من الصورة الأدبية: بعد أن نشط التدوين، وراجت الكتابة، وتسابقت الأقلام، أصبح من السهل أن نقف على آراء النقاد في الصورة والشكل، وكان أول من أثار هذه القضية هو أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ١. وبعثها كنظرية نقدية، وظاهرة أدبية، وقضى فيها بما يراه لائقًا بالأدب والشعر، وما عداه مناطًا للحسن والجودة، ومرتقى للسبق والفضل والتفوق. ووضح موقفه منها، حينما انتهى إلى سمعه أن أبا عمرو الشيباني استحسن بيتين من الشعر معناهما، مع سوء العبارة التي تصورهما، فقال الجاحظ وهو يهجم عليه: "ذهب الشيخ إلى استحسان المعنى، والمعاني مطروحة في الطريق، يعرفها العجمي والعربي، والبدوي والقروي، وإنما الشأن في إقامة الوزن، وتخير اللفظ، وسهولة المخرج وكثرة الماء، وفي صحة الطبع، وجودة السبك، فإنما الشعر صياغة، وضرب من التصوير٢. فهو يرى أن المعاني ممتدة واسعة. بعكس الألفاظ، فإنها محصورة محدودة، يقول: "المعاني مبسوطة إلى غير غاية، وممتدة إلى غير نهاية"٣. ويبين أن البلاغة والجمال، إنما يرجعان إلى اللفظ؛ لأن المعنى الشريف قد يؤدي باللفظ الرديء يقول: "ومن الدليل على أن مدار البلاغة على تحسين اللفظ أن الخطب الرائعة، والأشعار الرائقة، ما عملت لإفهام المعاني فقط؛ لأن الرديء من اللفظ، يقوم مقام الجيد منها في الأفهام"٤.

стр. 18

والجاحظ في اتجاهه يفصل بين اللفظ والمعنى "وينظر إلى اللفظة والجملة"١، هذا حديث المضمون والشكل، والمحتوى والصورة، وأن المعنى قد يكون واحدًا، ولكنه يعرض في صور مشددة، وصياغات مختلفة؛ لأن الشأن في الصياغة، والشعر ضرب من التصوير، ونطاق الصياغة والتصوير ضيق صعب، لا يليه، إلا لمن وهب القدرة والموهبة، بخلاف المعنى فهو ممتد ميسور، يقع للغبي والذكي. ويقصد الجاحظ بالصورة في حديثه الأسلوب والصياغة، وإحكام النسخ في العبارات وتخير الألفاظ والأوزان؛ لأن الحديث عنده نبع من الهجوم على أبي عمرو الشيباني نصير المعنى، ونعى عليه اتجاهه، وأقر بأن اللفظ هو مقياس الجمال وحده. وهذا الرأي ردده كثير ممن أتى بعده من أنصار اللفظ، الذين انتصروا له وأيدوا الصورة، بينما كان هناك من اهتم بالمعنى بجوار اللفظ، وانتصر لكل على حدة، حتى جاء بعد ذلك من انتصر لهما معًا بدعوة النظم، ورأى أن الصورة إنما تكون في النظم، لا في اللفظ المفرد، ولا في المعنى المفرد. موقف ابن قتيبة من الصورة الأدبية: كان ابن قتيبة من أنصار المعنى الذي شايعوه، ولم يعتبروا اللفظ إلا بشرف معناه، ولم يرفعوا الشكل إلا بنبل مغزاه، فلا قيمة للصورة عندهم إلا بشرف مضمونها، ولكنهم تفاوتوا في النظرة إلى درجة الجودة في اللفظ والمعنى، فمنهم من سوى بينهما في الشرف والجودة، ومنهم من رجح المعنى على اللفظ.

стр. 19

ويرى ابن قتيبة١ أن القصيد يعلو ويهبط، ويسمو ويقبح حسب قيمة اللفظ والمعنى فيه، ولكنه رجح جانب المعنى في الشعر على جانب اللفظ حينما قسمه على أربعة أضرب: أولًا: ضرب حسن لفظه وجاد معناه. ثانيًا: ضرب حسن لفظه وحلًا، فإذا فتشته لم تجد هناك فائدة في المعنى. ثالثًا: ضرب جاد معناه، وقصرت ألفاظه عنه. رابعًا: ضرب تأخر معناه، وتأخر لفظه٢. ويظهر ترجيحه للمعنى حينما ينقد أبيات كثيِّر المشهورة التي يقول فيها: ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح وشدت على حدب المهارى رحالنا ... ولم ينظر الغادي الذي هو رائح أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطي الأباطح فهي عنده خالية من كل معنى مفيد، على أنه يعجب بمثل قول أبي ذؤيب: والنفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنع وذلك لتضمنه معنى أخلاقيًّا٣، ومن هنا يظهر "فساد رأيه في العلاقة بين اللفظ والمعنى"٤. وهذا الاتجاه يوضح عدم اعتداده بالصورة الأدبية إلا إذا صور الشاعر بها معنى لطيفًا ومغزى شريفًا، ما التي تحمل معنى وسطًا أو ساقطًا -وإن اكتملت عناصرها وتلاءمت أجزاؤها- فلا تعد صورة عنده، ولا يقيم لها وزنًا كأبيات كثير السابقة؛ لأن الأساس عنده في الشعر هو شرف المضمون.

стр. 20

ابن طباطبا والصورة الأدبية: ويؤيد ابن طباطبا١ ما جاء به بشر بن المعتمر في صحيفته المشهورة فيقول: "إذا أراد الشاعر بناء قصيدة، فحضر المعنى الذي يريد بناء الشعر عليه في فكره نثرًا أو أعد له ما يلبسه إياه، من الألفاظ التي تطابقه، والقوافي التي توافقه، والوزن الذي سلس له القول عليه، فإذا اتفق له بيت، يشاكل المعنى الذي يرومه، ابتدأ وعمل فكره في شغل القوافي، بما تقتضيه من المعاني، على غير تنسيق للشعر، وترتيب لفنون القول فيه، بل يعلق كل بيت، يتفق له نظمه، على تفاوت ما بينه وبين ما قبله فإذا أكملت له المعاني وكثرت الأبيات، وفق بينها بأبيات تكون نظامًا لها، وسلكًا جامعًا لما تشقت منها، ثم يتأمل ما قد أداه إليه طبعه، ونتجته فكرته، فيستقصى انتقاده، ويرم ما وهي منه، ويبدل بكل لفظه مستكرهة، لفظة سهلة نقية، وإذا اتفق له قافية قد شغلها في معنى من المعاني، واتفق له معنى آخر مضاد للمعنى الأول، وكانت تلك القافية أوقع في المعنى الثاني، منها في المعنى الأول، نقلها إلى المعنى المختار، الذي هو أحسن، وأبطل ذلك البيت، أو نقض بعضه، وطلب لمعناه قافية تشاكله، ويكون كالنساج الحاذق، الذي يفوف وشيه بأحسن التفويف ويسديه. ولا يهلهل شيئًا منه فيشينه، وكالنقاش الدقيق الذي يضع الأصباغ في أحسن تقاسيم نقشه، ويشبع كل صبغ منها، حتى يتضاعف حسنه في العيان، وكناظم الجواهر، الذي يؤلف بين النفيس منها، والثمين الرايق ولا يشين عقوده، بأن يفاوت بين جواهرها في نظمها وتنسيقها، وكذلك الشاعر إذا أسس شعره على أن يأتي فيه بالكلام البدوي والفصيح، لم يخلط به الحضري المولد، وإذا أتى بلفظة غريبة أتبعها أخواتها٢".

стр. 21

وهذا هو العمل الفني في القصيدة الشعرية وهو ممتزج بالصورة الأدبية امتزاجًا كاملًا في العملية الشعرية، عندما ينفعل الشاعر بموضوع ما ويعانيه، فيعمد إلى نظمه في قصيدة، ويحضر المعاني، ويعيش معها في صراع داخلي، يعمل فيه العقل والوجدان والمشاعر، فإذا استوى لديه الشكل في ألفاظ تتلاءم معها، ثم اختار لها القالب الموسيقي الذي يتناسب معها قافية ووزنًا، شد جزئيات القالب بألفاظ وصور على هذا النمط، حتى يستقيم البيت من الشعر، وهكذا بقية الأبيات يختار لكل معنى في أبيات القصيدة صورة أدبية، تتفق معه دلالة وإيقاعًا، فإذا فرغ من القصيدة، عاودها مرة ومرة، فإذا وجد هناك ثغرات ملأها في المعاودة والمراجعة، فيصل ما انقطع بين المعاني بمعنى مناسب، أو ما نفر بين الصور "الأبيات" بصورة تتآلف مع أخواتها، وكذلك الأمر في لفظة شاردة أو قافية قلقة، فيأخذ بيده هذه، ويضع لأخرى تلك. والشاعر في تصويره وتأليفه كالنساج الحاذق، الذي يحكم نسجه، ويصقل ثوبه وكالنقاش الذي يختار في نقشه أحسن الألوان، ويرتبها، ويمزجها بالقدر اللازم، ويركز فيها حتى تخلب العيون، وكناظم الجواهر، الذي يؤلف بين حباته النفيسة، لتأخذ كل حبة مكانها الأصغر فالصغير، فالكبير فالأكبر، وهكذا يصنع في نظم العقد وتنسيقه، والناقد الكبير يبين: أولًا: عملية التحضير للقصيدة بما فيها من إعداد المعنى الذي هو هنا أوسع نطاقًا من الفكرة والغرض والتجربة الشعرية، يدل عليه قوله: "إذا أراد الشاعر بناء قصيدة، فحضر المعنى الذي يريد بناء الشعر عليه". ثانيًا: المعاني المجردة إنما تكون في الذهن "في فكر الشاعر نثرًا". ثالثًا: أن الشاعر وهو يعاني التجربة، يشكل أثناء ذلك من المعاني صورًا شعرية متناثرة "ويعد لها ما يلبسها إياه من الألفاظ التي تطابقه".

стр. 22

رابعًا: أن العقل والفكر يتدخل في النهاية، ليؤلف بين الصور، التي تكون بيتًا يتفق مع المعنى "فإذا اتفق له بيت يشاكل المعنى، ابتدأ وأعمل فكره في شغل القوافي، بما تقتضيه من المعاني ... إلخ". خامسًا: أنه يربط بين اللفظ بإيقاعه ودلالته وبين المعنى، ويشير بذلك إلى قضية النظم وبه تتحقق الصورة الشعرية. "وأعد له ما يلبسه من الألفاظ التي تطابقه، وللقوافي التي توافقه، والوزن الذي سلس له القول عليه". سادسًا: أن التجربة الشعرية في الذهن، التي تجسمها الصورة في الخارج، غامضة ومزلقة للشاعر، فيحتاج إلى معاودة الصور مرات، ليسترد ما ند من الصور أو ما خفي منها، ويبرزها في مكان تتناسب فيه مع أخواتها في الخارج. "فإذا أكملت له المعاني، وكثرت الأبيات، وفق بينها بأبيات تكون نظامًا لها ... إلى قوله وطلب لمعناه قافية تشاكله". سابعًا: والفقرة السابقة تؤكد التلاحم بين الصور والأبيات، فتشيع بينها الوحدة، ويسري فيها الترابط، وابن طباطبا يشير إلى الوحدة في الصورة الأدبية في موطن آخر فيقول: "بل يجب أن تكون القصيدة كلها كلمة واحدة في اشتباه أولها بآخرها نسجًا وحسنًا وفصاحة وجزالة ألفاظ، ودقة معان، وصواب تأليف ... حتى تخرج القصيدة كأنها مفرغة إفراغًا، لا تناقض في معانيها، ولا وهي في مبانيها ولا تكلف في نسجها١". وهذه هي الوحدة الموضوعية بأدق معناها كما يراها النقاد المعاصرون فهو يرى أن تكون الألفاظ في الصورة، والصور في البيت، والبيت في القصيدة، كلمة واحدة في تلاؤم النسج والحسن والفصاحة والجزلة وصواب التأليف، حتى لا يحدث ضعف في مبنى الصورة، ولا ثغرة فيها، ولا تكلف في نسجها.

стр. 23

ويؤكد هذه الوحدة في موطن آخر فيقول: "وينبغي للشاعر أن يتأمل تأليف شعره وتنسيق أبياته ... فلا يباعد كلمة عن أختها، ولا يحجز بينها وبين تمامها بحشو يشينها، ويتفقد مصراع كل يشاكل من قبله١". على الشاعر أن يتأمل نظمه وتأليفه فيتجنب الحشو فيه، ولا يفصل بين الأخوات من الكلام بأجنبي، ويضع المصراع متلائمًا مع قرينه. ومن الخطأ أن نذهب كما ذهب بعض الدارسين إلى أن ابن طباطبا لا يهتم بالوحدة العامة في القصيدة أو في الصورة الكلية، وإنما يهتم بالوحدة في البيت الواحد، أو في الصورة الجزئية كما يقول د. غنيمي هلال٢؛ لأن ابن طباطبا ناقدنا الجليل قد حدد الوحدة الموضوعية تحديدًا كاملًا. والذي أعنيه ويتصل بالبحث، هو موقف ابن طباطبا من الصورة الأدبية في الشعر ومدى إدراكه لها وكيف عالجها، ولا يضر هنا كثيرًا أنه عالجها في صورها الجزئية أو في البيت الواحد أو أنها ترتبط بالنظم والتأليف، أو كانت رافدًا قويًّا من روافد النضوج في النظم والصورة الأدبية كما عقد الإمام عبد القاهر الجرجاني بعد ذلك. ثامنًا: الذي يدل على أنه اهتم بالصياغة والتأليف وسلامة النظم، أنه جعل الشاعر كالنساج الحاذق والنقاش الماهر، وناظم الجواهر الدقيق، هنا يربط ابن طباطبا بين التصوير الأدبي، وبين فنون التصوير الأخرى المحسة من نسج ونقش وصوغ ليوضح أن هذه الصناعة من تلك، إذن فالصورة الأدبية عنده

стр. 24

كالنسج والنقش والصوغ، وبهذا المفهوم وتلك الموازنة تأثر عبد القاهر فيما بعد. "ويكون كالنساج ... إلى قوله وكذلك الشاعر". تاسعًا: التلاؤم الشديد بين اللفظية واللفظة في الجزالة والدقة، وفي غرابة اللفظ وبداوته وفي الحضرية المولدة يقول: "إذا أسس شعره على أن يأتي فيه بالكلام البدوي -الفصيح، لم يخلط به الحضري المولد، وإذا أتى بلفظة غريبة أتبعها أخواتها" وكذلك قوله: "في اشتباه أولها بآخرها نسجًا وحسنًا، وفصاحة وجزالة ألفاظ، ودقة معان وصواب تأليف". قدامة بن جعفر والصورة الأدبية: وممن أشار إلى الصورة الأدبية قدامة بن جعفر الذي اعترف بها عنصرًا من عناصر الشعر، وربطها بغيرها من العناصر الأخرى، فهو يرى "أن المعاني كلها معرضة للشاعر وله أن يتكلم منها فيما أحب وآثر، من غير أن يحظر عليه معنى يروم الكلام فيه، إذا كانت المعاني للشعر بمنزلة المادة الموضوعة، والعشر فيها كالصورة، كما يوجد في كل صناعة، من أنه لا بد فيها من شيء موضوع يقل تأثير الصورة منها. مثل الخشب للتجارة، والفضة للصياغة١". وكلام قدامة أدخل في باب التصوير من رأى الجاحظ فيه، فقد جعل للشعر مادة وهي المعاني، وصورة وهي الصناعة اللفظية، والتجويد في الصياغة، يقول: "وعلى الشاعر إذا شرع في أي معنى كان من الرفعة أو الضعة. وغير ذلك من المعاني الحميدة أو الذميمة أو يتوخى البلوغ من التجويد في ذلك إلى الغاية المطلوبة٢".

стр. 25

ويضعف قدامة عنصرا جديدًا في بيان مفهوم الصورة الشعرية، حيث يشبه صناعة الشعر بغيره من سائر الصناعات كالنجارة للخشب، والصياغة للفضة، فالجميع يعتمد على مادة وشكل، فالفضة مثلًا يتخذ منها أشكالًا مختلفة، وكل شكل يسمى صورة كالخاتم مثلًا، وكذلك الأمر في الشعر؛ لأنه كسائر الصناعات يقول ابن سلام الجمحي عن الشعر: "صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم كسائر أصناف العلم والصناعات١". ويبين أيضًا فضل الصورة في العمل الأدبي، إذ بها تقاس قدرة الشاعر ومهارته في صناعة الشعر، فالقطعة من الخشب أو الفضة في ذاتها لا تفصل قطعة أخرى إلا بالصورة التي ظهرت فيها، وقد يتناولها الصانع في صورتين، فتظهر إحداهما ذميمة، والأخرى جميلة، مع أن المادة من الخشب أو الفضة واحدة فيها. وكذلك الشعر عند ابن جعفر، قد يتناول الشاعر موضوعًا واحدًا، يصوره تصويرًا حسنًا في مواطن، ويعرض إياه في معرض قبيح في موطن آخر، ويدل هذا -مع اتحاد المادة- على قدرة الشاعر وبنوغه، التي ترجع إلى التصوير يقول في ذلك. "إن مناقضة الشاعر نفسه في قصيدتين أو كلمتين، بأن يصف شيئًا وصفًا حسنًا، ثم يذمه بعد ذلك ذمًّا حسنًا بينا غير منكر عليه، ولا معيب من فعله، إذا أحسن المدح والذم، بل ذلك يدل على قوة الشاعر في صناعته واقتداره عليها٢". وفي مكان آخر ينتصر للفظ والصورة، ويقدمها على المعنى والمادة، فيرى أن

стр. 26

معيار الجمال يرجع إلى الشكل أكثر مما يرجع إلى المعنى، مما لا يستغنى عنه شاعر ولا خطيب ويذكر الخصائص التي تتصل به وتنبني عليه، وهي موسيقى الصورة التي ترجع إلى الشكل لا إلى المعنى كالترصيع والسجع واعتدال الوزن وغيرها مما يتصل بالشكل ويرجع إلى بنائه يقول: "وأحسن البلاغة الترصيع والسجع، واتساق البناء، واعتدال الوزن، واشتقاق لفظ من لفظ، وعكس ما نظم من بناء وتلخيص العبارة بألفاظ مستعارة، وإيرادها موفورة بالتمام، وتصحيح المقابلة بمعان متعادلة، وصحة التقسيم باتفاق النظوم وتلخيص الأوصاف بنفي الخلاف، والمبالغة في الوصف بتكرير الوصف، وتكافؤ المعاني في المقابلة والتوازي، وإرداف اللواحق، وتمثيل المعاني. فهذه المعاني مما يحتاج إليه في بلاغة المنطق، ولا يستغني عن معرفتها شاعر ولا خطيب١". والحديث هنا حديث الألفاظ والصياغة، والإيقاع والوزن وغيرها مما تعتمد عليه الصورة الأدبية من ترصيع وسجع، وتلاؤم وزن، وطباق واستعارة، وتقسيم ومقابلة وتكافؤ ومبالغة في الوصف، وتواز وكناية، وغير ذلك مما يتصل بالشكل واللفظ اتصالًا مباشرًا لا بالمادة والمعنى. ومن هذا تعلم أن قدامة قد اعترف بالصورة الأدبية وعرف لها مكانها في العمل الأدبي ولم يجحد العناصر الأخرى المكونة مع الصورة للعمل الأدبي". ابن بشر الآمدي والصورة الأدبية: والآمدى٢ في تحديده للنظم، والاهتمام به، وعنايته بالصورة الجزئية كمعاصره القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني، ويتفق معه في جميع الوجوه التي ستأتي ولكن

стр. 27

معالم الصورة عنده زادت وضوحًا أكثر من القاضي، كما سيظهر من خلال اهتمامه باللفظ والمعنى "أي النظم" والصورة التي تقوم عليها معًا، وسنعرض اتجاهه على النحو التالي: أولًا: رجح الآمدى البحتري على أبي تمام في شعره، وذكر أدلة قوية تؤيد اتجاهه حيث فرق فيها بين العلم والشعر، فلكل منهما طابعه وخصائصه فالشعر عنده غير العلم، والعلم حكمة وفلسفة، والشاعر مصور، وليس حكيمًا أو فيلسوفًا، والصورة الأدبية تكون من اللفظ والمعنى، في حسن تأن، وقرب مأخذ، واختيار الموضع المناسب لكل لفظ، الذي يطابق المعنى في الاستعمال المعتاد، من غير كلفة ولا صنعة، مع اللياقة في الاستعارة والتمثيل للمعنى، حتى لا يقع بينهما تنافر، وبذلك يكتسي النظم رونقًا وبهاء، وهذا هو الأصل في بلاغة الصورة، من إصابة المعنى بألفاظ سهلة بعيدة عن التكلف. لا تزيد عن الغرض، فإن اتفق للنظم معنى لطيف، زاد من روعته، وإلا -فالصورة غنية في نفسها ودلالتها يقول: وليس الشعر عند أهل العلم به، إلا حسن التأتي، وقرب المأخذ، واختيار الكلام، ووضع الألفاظ في مواضعها، وأن يورد المعنى باللفظ المعتاد فيه المستعمل في مثله وأن تكون الاستعارات والتمثيلات لائقة بما استعيرت له، وغير منافرة لمعناه، فإن الكلام لا يكتسى بالبهاء والرونق، إلا إذا كان بهذا الوصف، وتلك طريقة البحتري، والبلاغة إنما هي إصابة المعنى، وإدراك الغرض، بألفاظ سهلة عذبة، مستعملة سليمة من التكلف لا تبلغ الهذر الزائد على قدر الحاجة. فإن اتفق مع هذا معنى لطيف، أو حكمة غريبة، أو أدب حسن، فذلك زائد في بهاء الكلام، وإن لم يتفق، فقد قام الكلام بنفسه واستغنى عما سواه. قالوا:

стр. 28

وإذا كانت طريقة الشاعر غير هذه الطريقة، وكانت عبارته مقصرة عنها، ولسانه غير مدرك لما يعتمد دقيق المعاني من فلسفة اليونان، وحكمة الهند، أو أدب الفرس، ويكون أكثر مما يورده منها بألفاظ متعسفة ونسج، مضطرب، قلنا له: قد جئت بحكمة وفلسفة، ومعان لطيفة حسنة، فإن شئت دعوناك حكيمًا، أو سميناك فيلسوفًا، ولكن لا نسميك شاعرًا، ولا ندعوك بليغًا"١. ويلتقي الآمدى مع القاضي في النص السابق، في أن جلال الصورة وجمالها لا يرتبط بفخامة اللفظ، ومهارة الصنعة، وكثرة ألوان البيان والبديع. ثانيًا: يدرك الآمدى الجمال في اللغة، وسحره في الصورة، فيجعل اللغة غاية في ذاتها ولو مجردة عن حكمة أو فلسفة، فهي كفيلة في ذاتها بالروعة والجمال؛ لأن الغرض منها إصابة المعنى، وإدراك الهدف، لا أن يحمل الشاعر لغته ما لا تطيق وهو متأثر في هذا بقول البحتري: والشعر لمح تكفي إشارته ... وليس بالهذر طولت خطبه يقول الآمدي: "وإن اتفق له معنى لطيف، زاد في بهاء الكلام، وإن لم يتفق فقد قام الكلام بنفسه واستغنى عما سواه"٢. ويرى د. مندور أن الآمدى اهتدى بهذا إلى أن اللغة ليست وسيلة، ولكنها غاية؛ لأنها تتضمن عناصر التصوير والموسيقى: "ويكون من حسن الذوق، وسلامة الحس بحيث يقيم النسب الدقيق بين اللغة كوسيلة، واللغة كفاية في

стр. 29

الأدب فلا يسرف في اعتبارها وسيلة؛ لأنه يحرم نفسه بذلك من عناصر هامة في التأثير، عناصر التصوير، وعناصر الموسيقى"١. "الجلال الحق في حسن التأليف، وبراعة اللفظ، ومهما يرتفع المعنى حتى يبدو غريبًا، وذلك مثل شعر البحتري، الذي هو عكس أبي تمام في شعره يقول: "وينبغي أن تعلم أن سوء التأليف، ورديء اللفظ، يذهب طلاوة المعنى الدقيق ويفسده ويعميه، حتى يحتاج مستمعه، إلى تأمل، وهذا مذهب أبي تمام في معظم شعره، وحسن التأليف وبراعة اللفظ، يزيد المعنى المكشوف بهاءً وحسنًا ورونقًا حتى كأنه أحدث فيه غرابة لم تكن، وزيادة لم تعهد، وذلك مذهب البحتري، ولذلك قال الناس: لشعره ديباجة، ولم يقولوا ذلك في شعر أبي تمام"٢. رابعًا: ويرفع من جانب التصوير في الشعر، ويفضله على المعنى اللطيف، فلا جمال للصياغة الرديئة، وإن تضمنت معنى نادرًا، أو مغزى لطيفًا، بل لا بد أن يكون المعنى اللطيف نتاج الصورة نفسها، جاء من غير قصد ابتداء، وعلى ذلك فالشعر للشعر لا للعلم، وللعلم مجال آخر. ويشبه الآمدى المعنى اللطيف في نسج رديء بالطراز الجيد على الثوب المتهتك، أو كرائحة الطيب على وجه جارية قبيح. يقول: "وإذا كان لطيف المعاني في غير غرابة، ولا سبك جيد، ولا لفظ حسن، كان مثل الطراز الجيد على الثوب الخلق، أو نفث العبير على خد الجارية القبيحة الوجه"، ويقول: "فقيمة التأليف في الشعر وكل صناعة هي أقوى دعائمه، بعد

стр. 30

صحة المعنى، وكلما كان أصبح تأليفًا كان أقوم بتلك الصناعة مما اضطرب تأليفه". ويؤكد النص الأخير عنايته التامة بالتأليف والنظم، كالشأن في كل صناعة تتألف من مادة وصورة، فقيمة التأليف له المنزلة الأولى ما دام المعنى صحيحًا، وأما اضطراب التأليف فلا مدخل له في الشعر، كالشأن في سوء التشكيل لمادة من المواد المعدنية وغيرها. خامسًا: ويكاد الآمدى يبلغ الغاية في توضيح الصورة التي فضل بها البحتري أستاذه أبا تمام وهو يتحدث في باب العلاقة بين اللفظ والمعنى، فقد فسر التأليف وهو النظم في الصورة، حينما عقد موازنة بين صناعة الشعر وبين غيرها من الأشياء في سائر الصناعات الأخرى، فيبنى الشعر الجيد المحكم وكذا الصناعات الأخرى، على دعائم أربع: أولًا: جودة الآلة. ثانيًا: إصابة الغرض. ثالثًا: صحة التأليف. رابعًا: بلوغ الغاية في التأليف بدون نقصان ولا زيادة. وكذلك الأمر في كل محدث مصنوع في الخلق والإيجاد، يحتاج إلى أربعة أشياء: أولًا: علة هيولانية: هي الأصل. ثانيًا: علة تصويرية.

стр. 31

ثالثًا: علة فاعلة. رابعًا: علة تمامية١. وعلى هذا تقابل الآلة الأصل "الهيولانية"، وإصابة الغرض: وهو التأليف والنظم يساوي العلة الصورية، وصحة التأليف: وهي استقامة الفكر الناتجة من التأليف تساوي العلة الفاعلة. ووفاء الجودة وتمام الصنعة: يقابل العلة التمامية والمقابلة الأخيرة هي التي أراد بها الآمدى البلاغة في الصورة في قوله السابق: "فالبلاغة: إنما هي -إصابة المعنى، وإدراك الغرض، بألفاظ سهلة عذبة مستعملة سليمة من التكلف، لا تبلغ الهذر الزائد على قدر الحاجة ... إلخ". يقول الآمدى في الموازنة التي عقدها بين صناعة الشعر وغيره من الصناعات الأخرى: "زعموا أن صناعة الشعر وغيرها من سائر الصناعات لا تجود وتستحكم إلا بأربعة أشياء: جودة الآلة وإصابة الغرض المقصود، وصحة التأليف، والانتهاء إلى نهاية الصنعة، من غير نقص فيها، ولا زيادة عليها، وهذه الخلال الأربع ليست في الصناعات وحدها، بل هي موجودة في جميع الحيوان والنبات. ذكرت الأوائل أن كل محدث مصنوع محتاج إلى أربعة أشياء: علة هيولانية وهي الأصل وعلة صورية، وعلة فاعلة، وعلة تمامية. وأما الهيولي فإنهم يعنون الطينة متى يبتدعها الباري ﵎، ويخترعها ليصور ما يشاء تصويره من رجل أو فرس أو غيرهما من الحيوان، أو برة أو كرمة. من أنواع النبات. والعلة الفاعلة: هي تأليف الباري ﷻ لتلك الصورة، والعلة التمامية هي أن ينميها تعالى ذكره، ويفرغ من تصويرها

стр. 32

من غير انتقاص منها وكذلك الصانع المخلوق في مصنوعاته التي علمه الله إياها، لا تستقيم له وتجود إلا بهذه الأربعة. وهي آلة يستجيدها ويتخيرها مثل خشب النجار ... وألفاظ الشاعر والخطيب وهي العلة الهيولانية، التي قدموا ذكرها وجعلوها الأصل، ثم إصابة الغرض فيما يقصد الصانع صنعته، وهي العلة الفاعلة، ثم أن ينتهي الصانع إلى تمام صنعته من غير نقص منها ولا زيادة عليها وهي العلة التمامية، فهذا قول جامع لكل الصناعات والمخلوقات، فإن اتفق الآن لكل صانع بعد هذه الدعائم الأربع أن يحدث في صنعته مبنى لطيفًا مستنيرًا، كما قلنا في الشعر من حيث لا يخرج عن الغرض فذلك زائد في حسن صنعته وجودتها، وإلا فالصنعة قائمة بنفسها مستغنية عما سواها". وهكذا يوضح الآمدى، ما يعتمد عليه الشعر وغيره من سائر الصناعات والصور التي يسببها الشعر في التركيب والبناء، وينص أيضًا على الصورة الشعرية نصًّا واضحًا، ولا يكتفي بالنظم والتأليف والصياغة كالسابقين، الذين اكتفوا بمجرد الذكر أو بإشارات مبهمة وهم يقصدون الصورة، ولكنه قطع شوطًا في توضيح الصورة وذكر معالمها لمرحلة نامية دافعة في أطوار مفهومها. فاقترن الشعر عنده -كصناعة- بسائر الفنون والصناعات، وتناول الصورة -باستقامة ذوقه ودقة فهمه، وحددها بحدود ينبغي مراعاتها في التصوير، ومن أخل بشيء منها اختلت هي كذلك، وهذه الحدود هي: ١- حسن التأني وقرب المأخذ في اللفظ والمعنى. ٢- انتقاء الألفاظ، واختيار الكلام الجيد الحسن.

стр. 33

٣- وضع الألفاظ في مكانها، وهذا ما يسمى حديثًا، بالوحدة في الصورة والملاءمة بين أجزائها. ٤- ألا يحمل اللفظ أكثر من معناه بالتكلف والتصنع، وهو ما يسمى حديثًا بالخروج عن التصوير الدقيق الواقعي. ٥- الترابط التام بين الصور الجزئية بعضها مع بعض، وبينها وبين المعنى المصور من غير تنافر "وأن تكون الاستعارات والتمثيلات لائقة.... إلخ" وكما سيأتي في بيت أبي تمام "ملطومة بالورد.... إلخ". ٦- قوة العاطفة في الصورة لتعلق في القلوب وتتداخل في النفس من غير تريث، وهذه هي البلاغة في الصورة التي يقصدها الآمدى من قوله: "والبلاغة إنما هي إصابة المعنى وإدراك الغرض بألفاظ سهلة عذبة مستعملة". ٧- الشعر غير العلم فالأول عماده العاطفة والشعور، والثاني عماده العقل والفكر وهو نفسه الفرق بين الشاعر والعالم. ٨- حسن التأليف، وتنسيق النظم، وتلاؤم الصياغة، يكشف عن المعنى في وضوح وروعة، وكذلك الأمر بالعكس فاضطراب النظم وفساد الصورة، يعقد المعنى، ويزداد به غموضًا. ٩- العبرة في الشعر بالصورة؛ لأنها هي التي تنقل ما في النفس، من خواطر ومشاعر بصدق ودقة، وتبرز للغير، فلو كانت رديئة التأليف، مضطربة التنسيق، ولو اشتملت على نادرة أو حكمة؛ فإنها تسقط في الاستعمال وتقبح في مرأى العين، وتضعف في تأثيرها على النفس. "كان مثل الطراز الجيد على الثوب الخلق". ١٠- الشعر صناعة وتصوير كسائر الحرف والصناعات، والجميع تشكيل وتجسيد للمواد وتصوير لها.

стр. 34

سادسًا: وفي مجال التطبيق لفهمه الواعي للصورة نذكر شاهدًا ومثلًا واحدًا، لبيان مدى إدراكه لمفهومها أولًا. وذوقه الأدبي في فهمه للصور الشعرية ثانيًا. فيقول في نقد صورة أبي تمام، القائل فيها: بيضاء تسري في الظلام فيكتسي ... نورًا وتبدو في الضياء فيظلم ملطومة بالورد أطلق طرفها ... في الخلق فهي مع المنون محكم وقوله: ملطومة بالخد يريد حمرة خدها، فلو لم يقل: مصفوعة بالقار؟ يريد سواد شعرها، ومخبوطة بالشحم يريد امتلاء جسمها، ومضروبة بالقطن يريد بياضها، إن هذا لأحمق ما يكون من اللفظ وأسخفه وأوسخه، وقد جاء مثل هذا في كلام العرب، ولكن بوجه حسن، قال النابغة: "مقذوفة بدخيس اللحم" يريد أنها قذفت بالشحم، أي كأنه رمى على جسمها رميا، وإنما ذهب أبو تمام إلى قول أبي نواس: "وتلطم الورد بعناب" وهذه كانت تلطم في الحقيقة في مأتم، على ميت بأنامل مخضوبة الأطراف، تجعلها عنابا تلطم به وردا، فأتى بالظرف كله، والحسن أجمعه والتشبيه على حقيقته، وجاء أبو تمام بالجهل على وجهه والحمق بأسره، والخطأ بيمينه"١. وفي نقده لصورة أبي تمام، يتجلى فهمه للصورة الأدبية؛ لأنه يكشف بذوقه الأدبي الرفيع عن وجه الخطأ فيها، وأن على الشاعر تجنب مثل هذه الأخطاء حتى تصح له الصورة، وتسلم جودتها، وأن لكل لفظ له معنى، وكل فكرة تخضع لصورة تتناسب معها، فالمقام في بيتي الشاعر هو مقام المدح، والمعنى الذي كسته

стр. 35

الصورة في الأبيات هو سحر جمال المرأة، الذي يصعق المتيم كالموت. وعلى ذلك فلا محل في صورة المدح للطم، الذي يتأذى به السمع، فهو يفسد التلاؤم فيها ويذهب انسجام أجزائها. فالشاعر لم يضع الألفاظ في مواضعها، ولم يورد المعنى باللفظ المعتاد فيه ووقع تنافر في المعنى بين طرفي الاستعارة، وغير ذلك مما سبق ذكره، مما جعل الآمدي يتهكم بالشاعر، ويرميه بالحمق والجهل، والخطأ، كما هو واضح من النص السابق. ويرى أيضًا أن التقليد الأعمى في الصورة ذهب برونقها وصحتها، ويطمس معالم الأصالة فيها، وقد يجهل المقلد الغرض الذي كسته الصورة. فأبو تمام لم يستعمل اللطم في مكانه المناسب في نظم الصورة، مقلدًا النابغة الذي أحسن أداءه في التصوير، حيث قال: "مقذوفة بدخيس الشحم" وهي على نصيب موفور من الجودة والحسن؛ لأن القذف بالشحم معناه: أنه رمى على جسمها رميًا وهو مصيب في حكمه هذا، الذي يدل على سلامة ذوقه في فهم الصور، وإصابته في الحكم عليها. فصورة النابغة بلغت غاية الجمال على عكس صورة أبي تمام، فقد أحسن الشاعر الجاهلي التعبير بالقذف لغزارة الشحم المتزايد في تتابع كسرعة القذف والرمي واختيار لفظ "القذف" هنا لا بديل عنه؛ لأن كثرة الشحم وغزارته، كما هو مفهوم من لفظ "دخيس" ينقص من جمال المرأة، ويودي برشاقتها ويسوي النتوء في جسدها، فلا يكون لها ردف وخاصرة، ولا ثدي ظاهر، وتقاطيع بارزة، مما يزيد من جمال المرأة وفتنة جسدها، ولكن التي طغى عليها الشحم، تستحق -لإهمالها نفسها- ألفاظ السباب والشتم، وهو ما اختاره النابغة في

стр. 36

صورته، حيث قال: "مقذوفة" و"دخيس" أظن أن ليس هناك صورة أروع من هذه الصورة، وخاصة وقد وقعت لشاعر جاهلي. ولكن أبا تمام على الرغم من إيغاله في حضارة الدولة الإسلامية وفي عصورها الذهبية أساء التقليد والفهم معًا لموطن الكلمة السابقة في صورته، وقد نقده الآمدي نقدًا لاذعًا. وتعقب الناقد صورة أبي تمام، ليكشف عن عيبها، ويفضح عجزه فيها، ويبين فهمه الخاطئ لصورة أبي نواس، وهي: "وتلطم الورد بعناب" فلم يفهم الفرق بين المقامين، فمقام صورة أبي نواس يقتضي هذا؛ لأن المرأة التي صورها كانت في الحقيقة كذلك، تلطم في مأتم خدها الأحمر بأصابعها المخضبة كالعناب. وصحيح أن أبا تمام أساء الفهم والتقليد لصورة أبي نواس، التي تطابق واقع المرأة اللاطمة، وهو ما ذهب إليه الآمدي. ولكن الذي قصر فيه الناقد أن الغرض في صورة أبي نواس هو الحزن والبكاء، ولا يتلاءم معه ذكر الورد والعناب بجوار اللطم فيها، ولذلك نرى أن صورتي أبي تمام وأبي نواس دون صورة النابغة بكثير. وبهذا يكون الناقد قد حقق كثيرًا في مفهوم الصورة الأدبية وفي إيضاح بعض معالمها ليمثل مرحلة هامة من مراحل نضوجها وتمامها في النقد القديم، وذلك في جانبها النظري والعملي التطبيقي.

стр. 37

القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني: ويقفز القاضي١ خطوات إلى الأمام بالصورة الأدبية، فتزداد وضوحًا وعمقًا وتشيع في مفهومها ألوان جديدة فوق ما سبق: أولًا: يرى أن ليس من الضروري في كل نظم أو تأليف أن يكون فيه تصوير أدبي، يثير النفوس بسحره، ويهز الأعطاف بجماله، يقول في فصل: "ما عيب على أبي الطيب من معانيه وألفاظه٢". "وأنا أعدل إلى ذكر ما رأيتك تنكر من معانيه وألفاظه، وتعيب من مذاهبه وأغراضه، وتحيل في ذلك الإنكار على حجة أو شبهة، وتعتمد فيما تعيبه على بينة أو تهمة، إذ كان ما قدمت حكاية عنك، وما عددته من مطاعنك، وأثبته من الأبيات التي استسقطتها وملت على هذا الرجل لأجلها، من باب ما يمتحن بالطبع لا بالفكرة". ثانيًا: يوضح النظم الساقط الذي لا يرقى إلى مستوى التصوير الأدبي، والجمال الفني: من التأليف الذي به جهامة تعافها النفس، وكزازة تنفر منه، ويصبح خاليًا من بهاء رونقه وحلاوة منظره، وعذوبة وقعه، وجمال نثره ورشاقة عرضه، متعسف الديباجة متعمل الطلاوة، أفسده التصنع، وأخفى التعقيد معناه، فالنظم الذي يكون بهذه الطريقة يصير قلقًا متكلفًا، والصورة التي تتسم بهذه الصفات تكون متعسفة منحوتة، لا حياة فيها ولا روح، قد حشيت بالتزويق والتجنيس، والترصيع والمطابقة، والبديع والغموض واختلاف الترتيب واضطراب

стр. 38

النظم، وقد وصف مندور، هذا اللون الذي لا يستقيم من النظم عند القاضي بقوله: "ظاهر شكلي تخطيطي سقيم وهو يصدر عن البديع"١. يقول القاضي في بيان ذلك: "والقسم الذي لا حظ فيه للمحاجة، ولا طريق له إلى المحاكمة، وإنما أقصى ما عقد عائبه، وأكثر ما يمكن معارضه أن يقول: فيه جهامة سلبته القبول، وكزازة نفرت عنه النفوس، وهو خال من بهاء الرونق وحلاوة المنظر وعذوبة المسمع، ودماثه النثر، ورشاقة العرض، وقد حمل التعسف على ديباجته واحتكم التعمل في طلاوته، وخالف التكلف بين أطرافه، وظهرت فجاجة التصنع في أعطافه، واستهلك التعقيد معناه، وقيد التغوص مراده ... ثم كان همه وبغيته أن يجد لفظًا مزوقًا، قد حشي تجنيسًا وترصيعًا وشحن مطابقة وبديعًا، أو معنى غامضًا. ثم لا يعبأ باختلاف الترتيب واضطراب النظم وسوء التأليف، وهلهلة النسج، ولا يقابل بين الألفاظ ومعانيها٢". ثالثًا: ويقرر القاضي الجرجاني من معالم الكمال في الصورة، أن تكون مهمة اللفظ فيها ليست للكشف عن المعنى فحسب، بل لا بد أن يصير حلوا رشيقًا، أحظى في القلب، وأوقع في النفس، "ولا يرى اللفظ إلا ما أدى إليه المعنى" ولكنه "أحلى وأرشق، وأحظى وأوقع٣" والكلام فيها لا يصور الغرض فقط، ولكن ينبغي أن يكون ذا وقع قوي، يشتف الآذان ويستولي على القلوب، كما تشد مناظر الطبيعة الفائقة إليها النواظر، فلا ترى غير الجمال فيها. يقول: "ولا الكلام إلا ما صور له الغرض" إنما الكلام أصوات محلها من الأسماع محل النواظر من الأبصار"٤.

стр. 39

وليس الحسن مقصورًا على البديع، ولا الرونق للتصنيع فحسب ولكن لا بد من التهذيب فيهما، والتثقيف لهما، والترشيح لمنطقهما يقول: "ولا الحسن إلا ما أبداه البديع، ولا الرونق إلا ما كساه التصنيع" ولكن لا بد أن "نجد منه الحكم الوثيق، والحزل القوي، والمصنع المحكك، والمنطق الموشح، قد هذب كل التهذيب، وثقف غاية التثقيف"١. هذه هي الصورة الحقة عند القاضي، وذلك هو النظم القوي الموحي، والتأليف الرائق الخلاب، وبه يفرق بين الشعر المطبوع والمصنوع، ثم يقول: إن هذا الحسن في النظم والجمال في تصويره المعنى لا نهاية له "ولو احتمل مقدار هذه الرسالة استقصاءه، واتسع حجمها، للاستيفاء له، لاسترسلت فيه ولأشرفت بك على معظمه"٢. رابعًا: ليس من الضروري في كل نظم أن تكون ألفاظه رصينة جزلة، ولا أجزاء الصورة قوية فخمة، تشتمل على استقصاء ألوان البديع، واستقطاب جموع التصنيع لتستكمل شروط الإحسان، وتستوفي كل كمال، ليس من اللازم هذا كله في الصورة الأدبية، فقد ينسج الشاعر المصور، والعبقري البارع صورة لا تستوفي أسباب الكمال السابقة، فألفاظها سهلة التناول، مألوفة الأخذ، لا تشتمل على حشد من الاستعارات، وقلما نجد فيها بديعًا، أو اتفاقا في الصنعة، ولكن الشاعر يبثها سره، وينفث فيها من سحره، ويبعث فيها الجلال الذي هو أسمى من الجمال، وهنا يعجز الإنسان عن إدراك كل أسبابه، وإن أدرك البعض فقد لا يعرف له سببًا، لا يستطيع أن يستوفي موارد السحر الحلال، ولا يتمكن من نفسه إلا شيء واحد، وهو أثر الصورة فيها، وعلوقها بقلبه كالنور الذي يبهر

стр. 40

البصر. ويهدي البشر، ولا يعرف الإنسان أسراره وتركيبه، مع وضوحه وشيوعه وألفته. وما أشبه الصورتين السابقتين بصورة رجلين، أحدهما اكتملت فيه الأعضاء، وأوفت أجزاؤها على الغاية في التمام، واتسقت مقاطعه، وأصبح كل عضو فيه على حدة غاية الجمال، وثانيهما صورة رجل دون السابقة في كمال الأعضاء وتمام الأجزاء ولكنها في حسن موقع كل عضو منها وانسجام الأجزاء فيها، قد تكون أقوى من الأولى وأحظى بالحلاوة، ولا يدري المأخوذ بفتنتها لذلك سببًا، ثم يشير أخيرًا إلى صدق العاطفة في الصورة وقوتها حيث تلقى موقعها من القلب وتسرع إلى النفس، وهو عنصر هام في نجاح الصورة الشعرية. يقول القاضي الجرجاني: "وأنت قد ترى الصورة تستكمل شرائط الحسن، وتستوفي أوصاف الكمال وتقف بالتمام بكل طريق، ثم تجد أخرى دونها، في انتظام المحاسن والتئام الخلقة وتناسب الأجزاء، وتقابل الأقسام، وهي أحظى بالحلاوة، وأدنى إلى القبول وأعلق بالنفس، وأسرع ممازجة للقلب، ثم لا تعلم -وإن قايست واعتبرت ونظرت وفكرت- لهذه المزية سببًا، ولما خصت به مقتضيًا، ولو قيل لك: كيف صارت هذه الصورة، وهي مقصرة عن الأولى في الإحكام والصنعة، وفي الترتيب والصبغة، وفيما يجتمع أوصاف الكمال، وينتظم أسباب الاختيار أحلى وأرشق وأحظى وأوقع، لأقمت السائل مقام المتعنت المتجانف، ورددت رد المستبهم الجاهل، ولكن أقصى ما في وسعك، وغاية ما عندك، أن تقول: موقعه في القلب ألطف، وهو بالطبع أليق. كذلك الكلام منثوره ومنظومه، ومجمله وفصله، تجد منه المحكم الوثيق، والجزل القوي والمصنع المحكك؛
следующие страницы →