صورته، حيث قال:
"مقذوفة" و"دخيس"
أظن أن ليس هناك صورة أروع من هذه الصورة، وخاصة وقد وقعت لشاعر جاهلي.
ولكن أبا تمام على الرغم من إيغاله في حضارة الدولة الإسلامية وفي عصورها الذهبية أساء التقليد والفهم معًا لموطن الكلمة السابقة في صورته، وقد نقده الآمدي نقدًا لاذعًا.
وتعقب الناقد صورة أبي تمام، ليكشف عن عيبها، ويفضح عجزه فيها، ويبين فهمه الخاطئ لصورة أبي نواس، وهي:
"وتلطم الورد بعناب"
فلم يفهم الفرق بين المقامين، فمقام صورة أبي نواس يقتضي هذا؛ لأن المرأة التي صورها كانت في الحقيقة كذلك، تلطم في مأتم خدها الأحمر بأصابعها المخضبة كالعناب.
وصحيح أن أبا تمام أساء الفهم والتقليد لصورة أبي نواس، التي تطابق واقع المرأة اللاطمة، وهو ما ذهب إليه الآمدي.
ولكن الذي قصر فيه الناقد أن الغرض في صورة أبي نواس هو الحزن والبكاء، ولا يتلاءم معه ذكر الورد والعناب بجوار اللطم فيها، ولذلك نرى أن صورتي أبي تمام وأبي نواس دون صورة النابغة بكثير.
وبهذا يكون الناقد قد حقق كثيرًا في مفهوم الصورة الأدبية وفي إيضاح بعض معالمها ليمثل مرحلة هامة من مراحل نضوجها وتمامها في النقد القديم، وذلك في جانبها النظري والعملي التطبيقي.
стр. 37
القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني:
ويقفز القاضي١ خطوات إلى الأمام بالصورة الأدبية، فتزداد وضوحًا وعمقًا وتشيع في مفهومها ألوان جديدة فوق ما سبق:
أولًا: يرى أن ليس من الضروري في كل نظم أو تأليف أن يكون فيه تصوير أدبي، يثير النفوس بسحره، ويهز الأعطاف بجماله، يقول في فصل: "ما عيب على أبي الطيب من معانيه وألفاظه٢".
"وأنا أعدل إلى ذكر ما رأيتك تنكر من معانيه وألفاظه، وتعيب من مذاهبه وأغراضه، وتحيل في ذلك الإنكار على حجة أو شبهة، وتعتمد فيما تعيبه على بينة أو تهمة، إذ كان ما قدمت حكاية عنك، وما عددته من مطاعنك، وأثبته من الأبيات التي استسقطتها وملت على هذا الرجل لأجلها، من باب ما يمتحن بالطبع لا بالفكرة".
ثانيًا: يوضح النظم الساقط الذي لا يرقى إلى مستوى التصوير الأدبي، والجمال الفني: من التأليف الذي به جهامة تعافها النفس، وكزازة تنفر منه، ويصبح خاليًا من بهاء رونقه وحلاوة منظره، وعذوبة وقعه، وجمال نثره ورشاقة عرضه، متعسف الديباجة متعمل الطلاوة، أفسده التصنع، وأخفى التعقيد معناه، فالنظم الذي يكون بهذه الطريقة يصير قلقًا متكلفًا، والصورة التي تتسم بهذه الصفات تكون متعسفة منحوتة، لا حياة فيها ولا روح، قد حشيت بالتزويق والتجنيس، والترصيع والمطابقة، والبديع والغموض واختلاف الترتيب واضطراب
стр. 38
النظم، وقد وصف مندور، هذا اللون الذي لا يستقيم من النظم عند القاضي بقوله: "ظاهر شكلي تخطيطي سقيم وهو يصدر عن البديع"١.
يقول القاضي في بيان ذلك: "والقسم الذي لا حظ فيه للمحاجة، ولا طريق له إلى المحاكمة، وإنما أقصى ما عقد عائبه، وأكثر ما يمكن معارضه أن يقول: فيه جهامة سلبته القبول، وكزازة نفرت عنه النفوس، وهو خال من بهاء الرونق وحلاوة المنظر وعذوبة المسمع، ودماثه النثر، ورشاقة العرض، وقد حمل التعسف على ديباجته واحتكم التعمل في طلاوته، وخالف التكلف بين أطرافه، وظهرت فجاجة التصنع في أعطافه، واستهلك التعقيد معناه، وقيد التغوص مراده ... ثم كان همه وبغيته أن يجد لفظًا مزوقًا، قد حشي تجنيسًا وترصيعًا وشحن مطابقة وبديعًا، أو معنى غامضًا. ثم لا يعبأ باختلاف الترتيب واضطراب النظم وسوء التأليف، وهلهلة النسج، ولا يقابل بين الألفاظ ومعانيها٢".
ثالثًا: ويقرر القاضي الجرجاني من معالم الكمال في الصورة، أن تكون مهمة اللفظ فيها ليست للكشف عن المعنى فحسب، بل لا بد أن يصير حلوا رشيقًا، أحظى في القلب، وأوقع في النفس، "ولا يرى اللفظ إلا ما أدى إليه المعنى" ولكنه "أحلى وأرشق، وأحظى وأوقع٣" والكلام فيها لا يصور الغرض فقط، ولكن ينبغي أن يكون ذا وقع قوي، يشتف الآذان ويستولي على القلوب، كما تشد مناظر الطبيعة الفائقة إليها النواظر، فلا ترى غير الجمال فيها. يقول: "ولا الكلام إلا ما صور له الغرض" إنما الكلام أصوات محلها من الأسماع محل النواظر من الأبصار"٤.
стр. 39
وليس الحسن مقصورًا على البديع، ولا الرونق للتصنيع فحسب ولكن لا بد من التهذيب فيهما، والتثقيف لهما، والترشيح لمنطقهما يقول:
"ولا الحسن إلا ما أبداه البديع، ولا الرونق إلا ما كساه التصنيع" ولكن لا بد أن "نجد منه الحكم الوثيق، والحزل القوي، والمصنع المحكك، والمنطق الموشح، قد هذب كل التهذيب، وثقف غاية التثقيف"١.
هذه هي الصورة الحقة عند القاضي، وذلك هو النظم القوي الموحي، والتأليف الرائق الخلاب، وبه يفرق بين الشعر المطبوع والمصنوع، ثم يقول: إن هذا الحسن في النظم والجمال في تصويره المعنى لا نهاية له "ولو احتمل مقدار هذه الرسالة استقصاءه، واتسع حجمها، للاستيفاء له، لاسترسلت فيه ولأشرفت بك على معظمه"٢.
رابعًا: ليس من الضروري في كل نظم أن تكون ألفاظه رصينة جزلة، ولا أجزاء الصورة قوية فخمة، تشتمل على استقصاء ألوان البديع، واستقطاب جموع التصنيع لتستكمل شروط الإحسان، وتستوفي كل كمال، ليس من اللازم هذا كله في الصورة الأدبية، فقد ينسج الشاعر المصور، والعبقري البارع صورة لا تستوفي أسباب الكمال السابقة، فألفاظها سهلة التناول، مألوفة الأخذ، لا تشتمل على حشد من الاستعارات، وقلما نجد فيها بديعًا، أو اتفاقا في الصنعة، ولكن الشاعر يبثها سره، وينفث فيها من سحره، ويبعث فيها الجلال الذي هو أسمى من الجمال، وهنا يعجز الإنسان عن إدراك كل أسبابه، وإن أدرك البعض فقد لا يعرف له سببًا، لا يستطيع أن يستوفي موارد السحر الحلال، ولا يتمكن من نفسه إلا شيء واحد، وهو أثر الصورة فيها، وعلوقها بقلبه كالنور الذي يبهر
стр. 40
البصر. ويهدي البشر، ولا يعرف الإنسان أسراره وتركيبه، مع وضوحه وشيوعه وألفته.
وما أشبه الصورتين السابقتين بصورة رجلين، أحدهما اكتملت فيه الأعضاء، وأوفت أجزاؤها على الغاية في التمام، واتسقت مقاطعه، وأصبح كل عضو فيه على حدة غاية الجمال، وثانيهما صورة رجل دون السابقة في كمال الأعضاء وتمام الأجزاء ولكنها في حسن موقع كل عضو منها وانسجام الأجزاء فيها، قد تكون أقوى من الأولى وأحظى بالحلاوة، ولا يدري المأخوذ بفتنتها لذلك سببًا، ثم يشير أخيرًا إلى صدق العاطفة في الصورة وقوتها حيث تلقى موقعها من القلب وتسرع إلى النفس، وهو عنصر هام في نجاح الصورة الشعرية.
يقول القاضي الجرجاني:
"وأنت قد ترى الصورة تستكمل شرائط الحسن، وتستوفي أوصاف الكمال وتقف بالتمام بكل طريق، ثم تجد أخرى دونها، في انتظام المحاسن والتئام الخلقة وتناسب الأجزاء، وتقابل الأقسام، وهي أحظى بالحلاوة، وأدنى إلى القبول وأعلق بالنفس، وأسرع ممازجة للقلب، ثم لا تعلم -وإن قايست واعتبرت ونظرت وفكرت- لهذه المزية سببًا، ولما خصت به مقتضيًا، ولو قيل لك: كيف صارت هذه الصورة، وهي مقصرة عن الأولى في الإحكام والصنعة، وفي الترتيب والصبغة، وفيما يجتمع أوصاف الكمال، وينتظم أسباب الاختيار أحلى وأرشق وأحظى وأوقع، لأقمت السائل مقام المتعنت المتجانف، ورددت رد المستبهم الجاهل، ولكن أقصى ما في وسعك، وغاية ما عندك، أن تقول: موقعه في القلب ألطف، وهو بالطبع أليق. كذلك الكلام منثوره ومنظومه، ومجمله وفصله، تجد منه المحكم الوثيق، والجزل القوي والمصنع المحكك؛
стр. 41
والمنطق الموشح، قد هذب كل التهذيب وثقف غاية التثقيف، وجهد فيه الفكر، وأتعب لأجله الخاطر، حتى أضحى ببراءته على المعايب، واحتجز بصحته عن المطاعن، ثم تجد لفؤادك عنه نبوة، وترى بينه وبين ضميرك فجوة"١.
ثم يضرب صورة للمصنوع المثقل بالألفاظ، والبدائع من البيان، بشتى ألوانها؟ ويضرب صورة أخرى، لما هو دون ذلك في الاهتمام، من لفظ سهل قريب المأخذ، ونظم خال من الصنعة، يكاد يخلو من البيان والبديع، ومع ذلك لا تجد الصورة الأولى طريقها إلى القلب، وتجد الثانية في سحر وبراعة، وتستريح إليها النفس، وتعتريها من النشوة والطرب، ما يجعلها للثانية، وتفتر عن الأولى وتضعف، يقول القاضي: "وقد تنزل أبو تمام فقال:
دعني وشرب الهوى يا شارب الكاسي ... فإنني للذي حسيته حاسي
لا يوحشنك ما استسمجت من سقمي ... فإن منزله من أحسن الناس
من قطع أوصاله توصيل مهلكتي ... وصل ألحاظه تقطيع أنفاسي
متى أعيش بتأمل الرجاء إذا ... ما كان قطع رجائي في يدي باسي
فلم يخل بيت منها، من معنى بديع، وصفة لطيفة، طابق وجانس، واستعار فأحسن، وهي معدودة من المختار من غزله -وحق لها- فقد جمعت على قصرها فنونًا في الحسن، وأصنافًا من البديع، ثم فيها من الإحكام والمتانة، والقوة ما تراه ولكن ما أظنك، تجد له من سورة الطرب، وارتياح النفس، ما تجده لقول بعض الأعراب:
أقول لصاحبي والعيس تهوي ... بنا بين المنيفة فالضمار
تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار
стр. 42
ألا حبذا نفحات نجد ... وريا روضة غب القطار
وعيشك إذ يحل القوم نجدا ... وأنت على زمانك غير زار
شهور ينقضين وما شعرنا ... بإنصاف لهن ولا سرار
فأما ليلهن فخير ليل ... وأقصر ما يكون من النهار
فهو كما تراه بعيد عن الصفحة، نازع الألفاظ، سهل المأخذ، قريب التناول١.
خامسًا:
وبهذا الفهم الواعي للصورة الأدبية يسبق القاضي الزمن، ويفرق بين الجمال والجلال فيها٢، فالجمال موضوعي، يستطيع المفتون بروعته أن يقف على أسبابه، ويحدد بعض عناصره، ويدرك خصائصه فيها، ويتعرض على مصادره في انتفاء الألفاظ، وسحر الكلمات، وإحكام التراكيب، وانسجام أجزاء النظم ومناسبة الوزن والقافية للمعنى، وسمو الخيال، وروعة التشبيهات، وحيوية الاستعارات، ووحي الكنايات، إلى غير ذلك من زهرات الرياض المتفتحة، ولا يحتاج في التعرف عليه من الناقد إلا ذوقه المستقيم، وإحساسه الصادق، ونفاذ البصيرة وحذق اللغة والإيمان بالفن الجميل.
وأما الجلال وهو فوق الجمال وغايته التي يسمو بها إلى مرحلة الإعجاز، ولم يكن ذلك ولن يكون إلا في "القرآن الكريم" المتفرد بالإعجاز، وسمو البيان.
стр. 43
والجلال لا يعرف الناقد البصير كل وسائله، وجميع مصادره، وليس في طاقته القدرة على كشف دلائله ومعالمه، وإن انتهى إلى البعض فسيظل حائرًا إلى الأبد عن البعض الآخر، وينتهي في حيرة إلى القول: بأ، الجلال في الصورة الأدبية، أو في نفسه، أو فيهما معًا، وهنا يعجز العقل الذي يبرهن ويدلل، ويترك للإحساس والوجدان مملكته وسلطانه، فالعقل لوضوحه وتحديده له مجاله وله غاية ونهاية غالبًا، أما الإحساس والشعور لغموضه، فلا غاية له ولا نهاية، فهو يدرك ما وراء الظاهر، ويحس وحده بالجمال المطلق، الذي هو في ذاته مصدر الجمال، وهو ما يقصده القاضي بالجلال في قول الأعرابي السابق: "لا تعلم -وإن قايست واعتبرت ونظرت وفكرت بهذه المزية سببًا، ولما حصت به مقتضيًا ... إلى قوله: "وهو بالطبع أليق".
سادسًا:
ويتعرض للصورة الأدبية في دفاعه عن المتنبي حين يقول:
بليت بلى الأطلال إن لم أقف بها ... وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه
ويرد القاضي البيت الذي وجهه النقاد إلى هذه الصورة، حيث إن المشبه به وهو "وقوف الشحيح" الذي ضاع في الترب خاتمه، لا يوفي بالغرض في المشبه؛ لأن الاستمرار في الوقوف على أطلال الحبيب، وترديد ذكريات الصبابة والعشق، فهذا يحتاج إلى وقت طويل يغيب فيه الحب عن الوجود، بينما البخيل لحرصه وشراهته فهو يجيد البحث عن خاتمة، ليحصل عليه بسرعة ولكن القاضي يصحح هذا الخطأ الذي ظنه النقاد عيبًا، في صورة المتنبي السابقة فيقول: "إن التشبيه والتمثيل قد يقع تارة بالصورة والصفة، وأخرى بالحال والطريقة فإذا كان الشاعر وهو يريد إطالة وقرفه قد قال: إني أقف وقوف شحيح ضاع
стр. 44
خاتمه فإنه لم يرد للسوية بين الوقوفين في القدر والزمان والصورة، وإنما يريد: لأقفن وقوفًا زائدًا على القدر المعتاد، خارجًا عن حد الاعتدال، كما أن وقوف الشحيح يزيد على ما يعرف في أمثاله، وما جرت به العادة في أضرابه"١.
والقاضي يرى أن الصورة لا عيب فيها؛ لأن الشاعر يقصد في تصوره موقوف المحب وغيبوبته في ذكريات الحبيب، واقفًا في جنبات الأطلال، إنه وقوفه خارج عن المألوف، وكذلك الشأن في وقوف الشحيح في هذه الصورة فهو يخرج عن عادة الناس، وإن أشار إلى الصورة بسرعة، ولم يقف عندها كثيرًا على عادة النقاد في عصره.
وأنا مع القاضي في هذا، بل إن المتنبي أحكم صورة الصب، وأتقنها غاية الإتقان؛ لأن البخيل يفنى كله في سبيل جمع الأموال، وتراه في حرصه يبحث عنه كالمجنون ويقوم بحركات غريبة وتصرفات متتابعة، ويقلب اليدين ويحرك الرجلين ويتابع النظرات ويستقصي كل جزئية حوله، ويعاود ويطاول ويجاهد من غير ملل ولا سأم ويصر على ذلك حتى يجد بغيته، وبنان طلبته.
وكذلك الشأن في المحب المتيم، حيثما يقف بطلل حبيبه، ومنازل ذكرياته الخوالي مشدودها مأخوذًا، غائبًا عن نفسه وعن الوجود كله، إلا في هذه الذكريات ومع تلك المنازل والأطلال.
أبو هلال العسكري والصورة الأدبية:
يتعصب أبو هلال للفظ، ويتعقب خطوات الجاحظ فيه، فينقل عباراته كاملة في تفضيل الصياغة، وإنها موطن الجمال وحده فيقول:
стр. 45
"وليس الشأن في إيراد المعاني؛ لأن المعاني يعرفها العربي والعجمي، والقروي والبدوي، وإنما هو في جودة اللفظ وصفاته، وحسنه، وبهائه، ونزاهته، ونقائه، وكثرة طلاوته ومائه، مع صحة السبك والتركيب، والخلو من أود النظم والتأليف"١.
فحديثه عن اللفظ وطلاوته، والسبك والتركيب، والنظم والتأليف، إنما يرجع غالبًا إلى التصوير، الذي لا يتم إلا بهذه الأمور، وبه يتحقق الجمال في العمل الأدبي فلولا الشكل لما تميز شاعر عن آخر، اتصف بالحذق والمهارة، حتى لو كان المعنى الذي يصوره وسطًا، فإنه يدخل في جملة الرائع من القول، لحسن عرضه، وحذق صناعته وحلاوة لفظه وعذوبته وسلاسته.
وهذا كله يدفع الخطيب والشاعر إلى المبالغة في التجويد والتصوير، ولو كان الأمر يرجع إلى المعنى لوفرا على أنفسهما تعبًا طويلًا٢.
وعد أبو هلال قول الشاعر كثيِّر عزة من الرائع النادر، مع بساطة معناه ودنو مادته، وإنما حظي بالجمال، بجودة صوغه، وروعة تصويره، قال كثير:
ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح
إلى آخر الأبيات الثلاثة المشهورة، يقول أبو هلائل معقبًا عليها: "وليس في هذه الألفاظ كثير معنى، وهي رائقة معجبة"٣.
وإن كان اهتمامًا بالشكل واللفظ لا ينسيه المضمون والمعنى، فالشاعر يحتاج إلى شرف المعنى والإصابة فيه، كاحتياجه إلى الحسن في الصياغة، ونسج الألفاظ.
стр. 46
والمعاني كالأبدان والصورة كالثوب، الذي يلف البدن، ويكسوه وقارًا ونبلًا، يقول أبو هلال:
"الكلام ألفاظ تشتمل على معان تدل عليها، ويعبر عنها، فيحتاج صاحب البلاغة إلى إصابة المعنى؛ ولأن المعاني تحل من الكلام محل الأبدان، والألفاظ، تجري معها مجرى الكسوة"١.
وهكذا نرى أبا هلال العسكري يعرف للعمل الأدبي عناصره المكونة له كما فعل قدامة ويرفع مع ذلك من شأن اللفظ والصياغة كما فعل الجاحظ.
واتجاه أبي هلال يجعله دون الجاحظ وقدامة في فهمه لصورة المعنى، فقد عد الصورة كالكسوة، التي هي منفصلة عن البدن، ومستقلة عنه، فأصبح اللفظ عنده أجوف مجردًا من كل معنى وروح، ويجرد اللفظ من القوة والحيوية.
وهذا يدل على عدم أصالته، على عكس الجاحظ وقدامة، اللذين أعطيا الصياغة والتصوير نوعًا من الحيوية، من غير فصل يفقد الروح في اللفظ، فصورة الخشب ليست منفصلة عن مادته انفصال الثوب عن البدن كما هو واضح في اتجاه العسكري الذي أوقعه في التقليد والخطأ؛ لأن العقل لا يتصور مطلقًا لفظًا من غير معنى يرتبط به، وصنيع ابن سنان الخفاجي في كتابه سر الفصاحة هو صنيع أبي هلال نفسه٢.
стр. 47
الباقلاني والصورة الأدبية:
يربط الباقلاني١ بين اللفظ والمعنى في الظاهر، ولكنه في الحقيقة يفضل المعنى على اللفظ؛ لأن مقياس الجمال عنده: أن المعنى البارع، إذا جاء في لفظ بارع، فهو أفضل من وقوع المعنى المألوف في لفظ بارع.
ومثل هذا يلحقه بأنصار المعنى، وإن كان يرجع الفضل في إشارته إلى علاقة اللفظ بالمعنى، وإن لم يوضحها، ويعمق جوانبها، ويبين مدى الترابط التام بينهما لكن عبد القاهر الجرجاني أفاد منه كما أفاد من غيره.
وعلى ذلك فمجال الصورة الأدبية لا يتحقق إلا في اللفظ البارع، الذي يحمل معنى لطيفًا، يقول الباقلاني:
"إن تخير الألفاظ للمعاني المتداولة المألوفة، أسهل وأقرب من تخير الألفاظ لمعان مبتكرة، ولكن إذا برع اللفظ في المعنى البارع، كان ألطف وأعجب، من أن يوجد اللفظ البارع في المعنى المتداول المتكرر"٢.
والعبارة الأخيرة تدل على عدم الدقة في فهمه لقضية النظم؛ لأن الألفاظ البارعة في المعنى تجعله شريفًا لطيفًا.
ابن رشيق:
والحسن بن رشيق٣ يذكر في باب "اللفظ والمعنى" آراء السابقين عليه بعد ذكر رأيه فيهما فيقول:
стр. 48
"للناس فيما بعد آراء ومذاهب: منهم من يؤثر اللفظ على المعنى، فيجعله غايته ووكده، وهم فرق:
١- قوم يذهبون إلى فخامة الكلام وجزالته على مذهب العرب، من غير تصنيع كقول بشار:
إذا ما غضبنا غضبة مضرية ... هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما
إذا ما أعرنا سيدا من قبيلة ... ذرى منبر صلى علينا وسلما
وهذا النوع أدل على القوة، وأشبه بما وقع فيه من موضع الافتخار ...
ب- وفرقة هي أصحاب جلبة وقعقعة، بلا طائل إلا القليل النادر كأبي القاسم بن هانئ، ومن جرى مجراه، فإنه يقول:
أصاخت فقال وقع أجرد شيظم ... وشامت فقالت لمع أبيض مخذم
وما ذعرت إلا لجرس حليها ... ولا رمقت إلا يرى في مخدم١
وليس تحت هذا كله إلا الفساد وخلاف المراد.
ج- ومنهم من ذهب إلى سهولة اللفظ، فعنى بها، واغتفر له فيها الركاكة واللين المفرط، وهم يرون الغاية في قول أبي العتاهية:
يا إخوتي إن الهوى قاتلي ... فيسروا الأكفان من عاجل
ولا تلوموا في اتباع الهوى ... فإنني في شغل شاغل
إلخ الأبيات.
ومنهم من يؤثر المعنى على اللفظ، فيطلب صحته، ولا يبالي حيث وقع من هجنة اللفظ وقبحه وخشونته.
وأكثر الناس على تفضيل اللفظ على المعنى"٢.
стр. 49
وليست هذه الآراء هنا محل مناقشة فقد نوقشت قبل ذلك، والذي يعنينا هنا هو اتجاه ابن رشيق، والآراء السابقة في النص تحدد اتجاهه عن طريق النفي والسلب؛ فهو يستعرض مذاهب العرب في اللفظ والمعنى، لينفيها عن وجهته، ويبني رأيه على نقائضها، فيكون من أنصار اللفظ والمعنى معًا: "النظم".
ويرى أن الصورة في الشعر أو النظم تقوم على العلاقة بين اللفظ والمعنى، فلا اللفظ ينهض بالصورة والجمال، ولا المعنى كذلك، كالإنسان الحي، فكلاهما يسقط بسقوط الآخر، ويسمو بسموه. يقول:
"اللفظ جسم وروحه المعنى، وارتباطه به كارتباط الروح بالجسم، يضعف بضعفه ويقوى بقوته"١.
ولو اختل التركيب "في الشعر بعض الخلل، واستقام المعنى، هوى ركن من أركانه لا يقوى إلا به، كالعرج والشلل، الذي يغض من تمام الخلقة، وكمال الجسم، ويظل صاحبه حيًّا يتحرك هنا وهناك، وكذلك الأمر في ضعف المعنى، ينال من جمال اللفظ. ويكون النظم أشبه بالجسم الأجوف الفارغ، الذي لا روح فيه، يقول ابن رشيق:
فإذا سلم المعنى واختل بعض اللفظ، كان نقصًا للشعر، وهجنة علية، كما يعرض لبعض الأجسام من العرج والشلل والعور، وما أشبه ذلك، من غير أن تذهب الروح -وكذلك إن ضعف المعنى، واختل بعضه، كان اللفظ من ذلك أوفر حظًّا، كالذي يعرض للأجسام من المرض بمرض الأرواح"٢.
ويقرر ابن رشيق أساسًا قويًّا، لم يسبق إليه، في فهمه للنظم، وتقديره للصورة
стр. 50
الأدبية، وهو ما وضحه للإمام عبد القاهر، وانتهى إليه النقد الحديث في أحدث نظرياته مع أن الأول في المغرب، والثاني في المشرق.
حيث ترى أن الخلل في المعنى، يحدث من خلل في النظم، ووهن في العلاقات بين الألفاظ، فالمعزل الأول على صحة المعنى يرجع إلى النظم، ووضع الألفاظ في مواضعها، والصورة الأدبية لا تبدو إلا في هذه العلاقات، وذلك الالتحام بين الشكل والمضمون، وهو ما سبق به ابن رشيق غيره، إن كان في إيجاز.
فالفساد في المعنى أو الضعف فيه، يرجع إلى اختلال اللفظ، والمقصود باللفظ عنده هنا هو النظم والتركيب، وإلا كيف يختل اللفظ الواحد؟ كما يقال: ألقى الخطيب كلمة، والمعنى كلام، وإلا لما شبه اللفظ بالجسد؟ وليس هو عضوًا واحدًا، بل أعضاء اشتركت جميعًا في بناء هيكله العام، وهو ما يقصد ابن رشيق من اللفظ، بدليل أنه عبر عنه بعد ذلك بقوله: "وإن اختل اللفظ جملة"، يقول في ذلك:
ولا تجد معنى يختل إلا من جهة اللفظ، وجريه على غير الواجب، قياسًا على ما قدمت من أدواء الجسوم والأرواح.
ويوضح نظريًّا ما وصل إليه فيرى أن اختلال المعنى، يرجع إلى تفكك عرى الألفاظ واختلال مواضعها، التي من شأنها أن تكون فيها، كانغلاق الدائرة الكهربائية ينتج عنها النور والحياة. وانفصال جزئية واحدة منها يقطع التيار فيعم الظلام. وكذلك لو اختلفت قطعة صغيرة عن مكانها في آلة "أتوماتيكية" فإنها تتوقف عن عملها، الذي بمنزلة الروح في الجسد، ولا يعلم الإنسان أين مكانها، فربما تكون الروح في الجسد نتيجة لتمام أجزائها، واتخاذ كل جزئية في مكانها، وبذلك تسري في الجسد، واختيار الأعضاء المناسبة.
стр. 51
وتنسيقها وترتيبها، وانتظامها، وعلاقة بعضها ببعض، سر من أسرار الله وأمر لا يعلمه، إلا هو ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا﴾ .
وكذلك الأمر بالعكس حين اختلاف الألفاظ يضعف المعنى ويسقط؛ لأنه لا يعقل أن يكون في الحياة النافعة جسد بدون روح، ولا روح بدون جسد ألبتة، يقول: "فإن اختل المعنى كله وفسد بقي اللفظ مواتًا لا فائدة فيه، وإن كان حسن الطلاوة في السمع، كما أن الميت لم ينقص من شخصه شيء في رأس العين إلا أنه لا ينتفع به، ولا يفيد فائدة، وكذلك إن اختل اللفظ جملة، وتلاشى لم يصح له معنى؛ لأنا لا نجد روحًا في غير جسم البتة١.
ولهذا يرى الناقد الأدبي، أن الجمال لا يكون إلا في النظم، لا في اللفظ وحده، ولا في المعنى وحده، ويترتب على ذلك أن تكون الصورة الشعرية، في العلاقة التي تتم بين الألفاظ. وتكشف عن المعنى والمضمون المستقيم الصحيح. ويزداد تمسكًا بهذه الحقيقة النقدية الخالدة، وما انتهى إليه من جديد في فهم طبيعة اللغة والشعر حينما لم يقتنع بآراء السابقين من أنصار اللفظ مستقلًّا، وهم كثيرون وأنصار المعنى كذلك وإن كانوا قلة، وذكر رأيه أولًا، وطرح أقوالهم بقوله:
"وللناس فيما بعد آراء ومذاهب". ثم يلقب على اتجاه ابن هاني، في عنايته بالجلبة والصخب في اللفظ، بدون كبير معنى، وينفي عنه الجودة ويرميه بالفساد يقول معقبًا: "وليس تحت هذا كله إلا الفساد، وخلاف المراد" وإن حكم له بجودة هذا البيت حين يصف شجاعًا فيقول:
لا يأكل السرجان شلو عقيرهم ... مما عليه من القنا المتكسر
стр. 52
فيرى أن تنسيق الألفاظ فيه، واختيار الكلمات، ووضع كل كلمة في موضعها، جعل البيت جيدًا، وحقق ما يصبو إليه الشاعر، من المدح بالشجاعة، وذلك كله راجع إلى اختيار الألفاظ، وعلاقة بعضها ببعض، حق انتهت الصورة الشعرية إلى الغاية في الجودة.
ولو بدل الشاعر في النظم بتغيير بعض الألفاظ أو التقديم والتأخير فيها، بأن مكن الأعداء وهم كثر من قتل ممدوحه باليد، لكانت الصورة هجوًا له، وأنه ما ثبت في ساحة النضال لحظة، حتى قتل، ولكن الشاعر انتقى الكلمات، وأحكم النظم، ليحقق الغرض ويسمو بالمعنى، فأراد رماحًا -لا رمحًا واحدًا- تتساقط عليه من كل جانب، حتى كست جسده، وتعذر على الذئب أن ينهشه، فهو مصون في حياته ومماته. يقول ابن رشيق مع الإيجاز، الذي يوحي بما سبق:
"والعقير ههنا معهم، أي: لم يمت لشجاعته، حتى تحطم عليه من الرماح -ما لا يصل معه الذئب إليه كثرة، ولو كان العقير هو الذي عقروه هم، لكان البيت هجوًا؛ لأنه كان يصفهم بالضعف والتكاثر على واحد"١.
ولا يعتد أيضًا برأي ابن وكيع الذي مثل المعنى بالصورة، واللفظ بالكسوة، ولا بما ذكره عبد الكريم من رأي لبعض الحذاق في قوله: "للمعنى مثال، واللفظ حذو، والحذو يتبع المنال، فيتغير بتغيره، ويثبت بثباته"٢.
ولا يرضى عن قول العباس بن حسن العلوي في صفة البليغ: "معانيه قوالب ألفاظه" وغير ذلك من الآراء التي خالفها ليتميز رأيه ويتحدد اتجاهه، وينفرد هو به.
стр. 53
ابن شرف القيرواني والصورة الأدبية:
يفضل ابن شرف المعنى على اللفظ، ويقدمه عليه، فمرجع الجمال في العبارة، ومجال الروعة في الصياغة، يكون في المعنى، ثم يأتي بعد ذلك اللفظ، فهو دونه في المرتبة والدرجة، فإن كان المعنى رائقا، فلا عليه أن يقع في لفظ رائق بارع.
ولا يعتد إلا بالمعنى الذي يسكن اللفظ، أي لفظ يقول:
فإن كان "أي المعنى" في البيت ساكنًا، فتلك المحاسن، وإن كان خاليًا فاعدده جسمًا باليًا"١.
الإمام عبد القاهر الجرجاني ٢:
وبعد الشوط الطويل يأتي فارس الميدان، وأستاذ النقد العربي القديم الإمام القاهر، ويصلنا وهو في القرن الخامس الهجري بما انتهى إليه النقد الحديث في القرن الخامس عشر، في توضيح معالم الصورة الأدبية.
ولا يظن القارئ الكريم أن من ذكرتهم قبل الإمام من النقاد العرب ليسوا هم وحدهم الذين تكلموا في اللفظ والمعنى، وما تفرع عن ذلك من النظم والصورة. بل هناك غيرهم كثيرون منهم الصاحب بن عباد، والمرزوقي وغيرهما، وكذلك فعل جار الله الزمخشري بعده، وغيره مما سار على نهج ما ذكرت من فهمهم للصورة وتحليلها ونقدها مما جعلني أستقصي في نمو وتحليل، وتفصيل وموازنة واستنتاج كل المراحل التي مر بها مفهوم الصورة الأدبية، وذلك ما دعاني إلى الاكتفاء بأشهر الأعلام في النقد القديم، على أن الإمام عبد القاهر، يكفي عمن ذكرتهم، ومن لم أذكرهم، لسعة ثقافته، وفرط ذكائه، فقد أفاد من هؤلاء جميعًا حتى انتهى إليه القول في النظم والتصوير الأدبي قديمًا.
стр. 54
فإذا حدد الإمام معنى النظم، ليصل عن طريقه إلى الصورة، فإنما يحدده بناء على مشاركة منه مع النقاد الذي سبقوه، فهم جميعًا قد شاركوا كل بقدر، واستقطبت عبقرية الإمام كل المنابع الثرة، وتجمعت في نفس واحدة، لتخرج قضية النظم والصورة، ممتزجة بروح ذلك الناقد القديم، وفاضت عن ذوقه الأدبي وأصالته المتميزة، مما يخيل للدارس أنها من صنعته، ومن ابتكار شخصه. وتلك عظمة العباقرة في قدراتهم، فإنها توهم الغير بأن أصحابها وحدهم هم أهل الفضل فيما وصلوا إليه، ولا فضل للعصور السابقة عليهم, ولا لمن سبقه ومهد له الطريق، ولا لعصره عليه.
والحق أننا في الحكم عليه بشخصيته الفذة وعقليته الخارقة، وعبقريته المجددة المبتكرة، لا يصح أن نغمط حق من قبله، وحق العصور السالفة عليه، وفضل عصره عليه، الذي هام الناس فيه باللفظ، وقد ثبت أركانه الجاحظ، حتى كاد الشكل في الصورة يقضي على الأدب، ووقف بجانب أنصار اللفظ وهم كثر، وجمع قليل يناصر المعنى، ثم تلك العامية التي انتشرت في عصره، وأوشكت أن تقضي على جمال اللغة.
وفي وسط هذا الصراع بتياراته المختلفة، تمكن أهل الجدل والطاعنون في إعجاز القرآن، وبلاغته من المساس بأعظم مقدساتنا، فالرأي باللفظ جعل الطاعنين يذهبون إلى دعاوى باطلة كمثل قولهم: إن اللفظ عربي، والعرب أقدر الناس على مجاراته، ولذا فهم يستطيعون الإتيان بمثله، ولكن الله صرفهم عن ذلك لتظل هيبة القرآن في النفوس متفردًا بالجلال والإعجاز، والرأي بالمعنى جعل طائفة تنفي الإعجاز أيضًا؛ لأن الأمر يتصل بالمعنى، وليس هذا في طاقة العرب وفي قدرة البشر.
وفي كلا الأمرين تسقط المعارضة، ولا تصح المجاراة، فالتفوق والتفاوت لا يتم
стр. 55
في أحدهما، إلا إذا أمكن التحدي حتى يتحقق العجز من المعترض من ناحية، ويسمو القرآن بإعجازه في ميدان المعارضة من ناحية أخرى، يقول الإمام عبد القاهر في حط نصرة المعنى:
"وأعلم أنهم لم يبلغوا في إنكار هذا المذهب ما بلغوه، إلا لأن الخطأ فيه عظيم وأنه يقضي بصاحبه، إلى أن ينكر الإعجاز، ويبطل التحدي من حيث لا يشعر، وذلك أنه إن كان العمل على ما يذهبون إليه من أنه لا يجب فضل ولا مزية إلا من جانب المعنى١".
وهذا الصراع هذا الذي اضطر الإمام إلى حسم القضية في عمق، وإلى أن يقيم الأدلة والبراهين -في تحليل أدبي وإطالة وتفصيل- ليقف على مصادر العظمة، وموارد البلاغة في كتاب الله، وأساس التفرد والإعجاز في معجزته الخالدة.
ويضيف في حديثه عن القرآن الكريم نماذج رائقة من الأدب العربي؛ لأن اللغة واحدة وهي اللغة العربية، ورد الأساس والمصدر في ذلك إلى ما نحن بصدده الآن وهو النظم، وما يتبع ذلك من التصوير الفني الأدبي، في لغتنا الحية النثرية.
والإمام عبد القاهر يتناول الصورة الأدبية في موطنين: أحدهما حينما يتحدث عن قضية النظم، وثانيها حينما يتكلم عن مشكلة السرقات الأدبية في الشعر العربي، وسنتناول ذلك بإيجاز، نقصد من ذلك بيان مفهوم الصورة الأدبية ومعالمها في نقدنا العربي الأصيل القديم، ومدى الصلة بينها وبين مفهومها في النقد الحديث.
стр. 56
أولًا النظم:
وقف الإمام قبل أن يرسي قواعد النظم ويحدد معالم الصورة موقف الباحث الدقيق، والناقد الذواقة الأديب، من أنصار اللفظ، وأنصار المعنى ليضع الأساس الثالث وهو النظم ويفند ما انتهى إليه السابقون حيث قالوا: "إنه ليس إلا المعنى واللفظ ولا ثالث١ فبين موقف من المعنى على حدة، ثم اللفظ على حدة، ليسلم له الأساس الفني الدقيق في الصورة وهو النظم. وما تلجلج الإمام في موقفه من كل من اللفظ والمعنى، قبل أن يستقر في النهاية إلى قضيته كما زعم بعض المعاصرين٢. ولكن الرجل على عادته، كان يهدم جزءًا جزءًا وقبل أن يهدم يحدد الخصائص اللازمة للفظ على انفراد، وكذلك المعنى، فيحدد صفات اللفظ البليغ، ويتخير منه ويعلي من قدره منفردًا على المعنى ثم في موطن آخر يبرز سمات المعنى ويعلي من شأنه منفردًا فإذا انتهى إلى النظم، لم يعط الميزة للفظ وحده حتى يفضل المعنى، ولا يمنح الدرجة للمعنى حتى يسمو على اللفظ، فلا هذا ولا ذاك، وإنما الفضل الحق أن يكون للثالث وهو النظم وكفى٣، فالإمام أعطى لكل حقه على انفراد، ولا قيمة لكل منهما وحده في الصورة وإنما يستحقان هذه القيمة. بل أكثر منهما، إذا ارتبطا بالنظم وهو وحده له القيمة الكبرى في الصورة الأدبية، فأما سمات اللفظ عنده، والخصائص التي ينبغي أن تكون فيه هي كما يقول: "أن اللفظة ما يتعارفه الناس في استعمالهم، ويتداولونه في زمانهم، ولا يكون وحشيًّا غريبًا، أو عاميًّا سخيفًا
стр. 57
سخنة بإزالته عن موضوع اللغة، وإخراجه عما فرضته من الحكم والصفة١، ويقول: "أن يكون حروف الكلمة أخف وامتزاجها أحسن، ومما يكد اللسان أبعد٢، ولكن الإمام يخشى على نفسه أن يكون متهمًا بأنه من أنصار اللفظ وحده، والجمال مقصور عليه فيثور عليهم وينكر عليهم ذلك بشدة فيقول: لا جمال في اللفظ من حيث صوت مسموع، وحروف تتوالى في النطق، وإنما يكون ذلك، لما بين معاني الألفاظ من الاتساق العجيب٣.
ويقول: "وهل تجد أحدًا يقول: هذه اللفظة فصيحة، إلا وهو يعتبر مكانها من النظم وحسن ملاءمته معناها لمعاني جاراتها، وفضل مؤانستها أخواتها٤" ويضربهم بأنصار المعنى فيقول: "إذا فرغت من ترتيب المعاني في نفسك، لم تحتج إلى أن -تستأنف فكرًا في ترتيب الألفاظ، بل تجدها تترتب لك بحكم أنها خدم للمعاني وتابعة لها وأن العلم بمواقع المعاني في النفس علم بمواقع الألفاظ الدالة عليها في النطق٥". ويطمئن أنصار المعنى لمذهبهم لوقت ما، بعد أن انتقض مذهب منافسيهم فيقرر الخصائص التي يشرف بها المعنى، بأن تكون غريبة نادرة، أو تشتمل على حكمة أو أدب". يقول:
"واعم أنهم لم يعيبوا تقديم الكلام بمعناه، من حيث جهلوا أن المعنى إذا كان أدبًا، أو حكمة، وكان غريبًا نادرًا، فهو أشرف مما ليس كذلك بل عابوه
стр. 58
لأجل الاعتداد بهذا الشرف وحده، وعدم النظر إلى ما سواه، وإن كان من الأول بسبيل أو متصلًا به اتصال ما لا ينفك عنه١".
ثم يثور عليهم ليحطم مذهبهم في المعنى مع اعتماده خصائصه في ذاته فيقول: "واعلم أن الداء الدوي، والذي أعيا أمره في هذا الباب غلط من قدم الشعر بمعناه، وأقل الاحتفال باللفظ، وجعل لا يعطيه من المزية، إن هو أعطي إلا ما فضل من المعنى يقول: "ما في اللفظ لولا المعنى، وهل الكلام إلا بمعناه"٢.
وبعد أن هوى بالذهبين أخذ يترفق بأصحابهما، لعلهما يجدان الصواب معه كما وقع له فيقول: "أتراك استضعفت تجنيس أبي تمام٣:
ذهبت بمذهبه السماحة فالتوت ... فيه الظنون أمذهب أم مذهب
أو استحسنت تجنيس القائل:
حتى نجا من خوفه وما نجا
وقول المحدث:
ناظراه فيما جنى ناظراه ... أو دعاني أمت بما أودعاني
لأمر يرجع إلى اللفظ؟ أم لأنك رأيت الفائدة ضعفت في الأول، وقويت في الثاني ورأيتك لم يزدك بمذهب ومذهب على أن أسمعك حروفًا مكررة، تروم لها فائدة، فلا تجدها إلا مجهولة منكرة، ورأيت الآخر قد أعاد عليك اللفظة، كأنه يخدعك عن الفائدة وقد أعطاها، ويوهمك أنه لم يزدك، وقد أحسن الزيادة.
стр. 59
ووفاها. إن ما يعطي التجنيس من الفضيلة لم يتم إلا بنصرة المعنى، ولو كان فيه مستحسن ولما وجد فيه إلا معيب مستهجن".
إذن فلا بد عند الإمام من الانتصار لها معًا، ولن يتم الفضل للكلام إلا بالنظم وبعد أن أقنع الفريقين، أخذ يقرر مبدأه الهام ونظريته في اللغة، وليست هي حشدًا من الألفاظ، ولا اهتمامًا بالمعاني الغريبة النادرة، بل اللغة علاقات بين ألفاظها لا تعرف إلا بارتباط بعضها ببعض، لتوضح ما في الذهن من علائق على جهة الرمز لا النقل بقول الإمام:
"إن الألفاظ التي هي أوضاع اللغة، لم توضع لتعرف معانيها في أنفسها، ولكن لأن يضم بعضها إلى بعض، فيعرف فيما بينها فوائد، وهذا علم شريف، وأصل عظيم والدليل على ذلك أنا إن زعمنا أن الألفاظ التي هي أوضاع اللغة، إنما وضعت ليعرف معانيها في أنفسها، لأدى ذلك إلى ما لا يشك عاقل في استحالته وهو أن يكونوا قد وضعوا للأجناس الأسماء التي وضعوها لها لنعرفها بها ...
حتى كأنهم لو لم يكونوا قد وضعوا الحروف لكنا نجهل معانيها، فلا نعقل نفيًا، ولا نهيًا ولا استفهامًا ولا استثناء، وكيف والمواضعة لا تكون ولا تتصور إلا على معلوم؟ فمحال أن يوضع اسم أو غير اسم لغير معلوم؛ ولأن المواضعة كالإشارة، فكما أنك إذا قلت: خذ ذاك لم تكن هذه الإشارة، لتعرف السامع المشار إليه في نفسه، ولكن ليعلم أنه المقصود من بين سائر الأشياء التي نراها ونبصرها، كذلك حكم اللفظ مع ما وضع له، ومن هذا الذي يشك أننا لم نعرف الرجل والفرص والضرب، والقتل إلا من أساسها؟ لو كان لذلك مساغ في العقل لكان ينبغي إذا قيل: زيد أن تعرف المسعى بهذا
стр. 60
الاسم، من غير أن تكون قد شاهدته، أو ذكر لك بصفته ... وإذا قد عرفت هذه الجملة، فاعلم أن معاني الكلام كلها معان لا نتصور إلا فيما بين شيئين، الأصل والأول هو الخبر، وإذا أحكمت العلم بهذا المعنى فيه عرفته في الجميع، ومن الثابت في العقول، والقائم في النفوس أنه لا يكون خير حتى يكون مخبريه ومخبر عنه، ومن ذلك امتنع أن يكون لك قصد إلى فعل من غير أن تريد إسناده إلى شيء، وكنت إذا قلت: أضرب لم تستطع أن تريد منه معنى في نفسك من غير أن تريد الخبر به عن شيء مظهر أو مقدر، وكان لفظك به إذا أنت لم ترد ذلك، وصوت تصوته سواء١".
والإمام هنا يقرر أن ألفاظ اللغة لا أهمية لها مفردة، لنتعرف على معانيها في ذاتها، ولكنها وضعت لأن يضم بعضها إلى بعض، ويتعلق بعضها ببعض حتى نعرف معانيها، ونبلغ الغرض منها، فلو أردنا أن نعرف ما يدل عليه كلمة "فرس" محددًا محصورًا، لما استطعنا ذلك؛ لأنه اسم جنس عام لا وجود له، إلا في أفراده فإذا وقع بين ألفاظ أخرى في عبارة كما تقول: "فرس في الحديقة" فقد دلت الكلمة في التركيب على منظور، ورمزت إلى شيء معين، ولم يكن المسمى في الحديقة هو كل المعنى للكلمة السابقة.
ولذلك استطاع عبد القاهر عن طريق الكشف لرمزية اللغة، أن يعتبر اللفظ الذي يرمز إلى معنى لا وزن له منفردًا، ولا ينهض وحده بتصوير معناه، إلا إذا اشترك مع غيره، وارتبط بألفاظ أخرى، في نظم محكم، عند ذلك يكون لكل لفظ قيمة بقدر اشتراكه في تجديد الصورة العامة للمعنى المراد، ويكون حينئذ للنظم
стр. 61
وحده الميزة في الكشف عن المعاني المبهمة واضحة ومحددة، بينما يعجز اللفظ عن النهوض بالمعنى وحده، ولا يتصور حدوث ذلك بالمعنى الذهني المجرد؛ لأن السامع لا يعرف عنه شيئًا إلا إذا أشار المتكلم إليه بكلمة ترمز إليه، فيحرك الرمز الصورة الذهنية المترسبة في الباطن ازدحام الصور الأخرى في الذهن لألفاظ اللغة التي اكتسبها الإنسان في حياته".
وقد فسر ذلك د. مندور بالرمزية في اللغة، التي وصل إليها النقد حديثًا في العرب، وألحق عبد القاهر بواضع هذه النظرية "فنت"١:
وأنا مع الدكتور نايل٢ في أن الإمام قد سبق النقد الحديث إلى هذه النظرية وبرع فيها واتخذها وسيلة للكشف عن أهمية النظم، وقدرته على تصوير المعنى والغرض بدقة وإحكام.
ولم يبق للإمام عبد القاهر بعد هذا الصراع إلا أن يحدد معنى النظم، لنرتقي منه في النهاية إلى توضيح معالم الصورة الأدبية عنده.
وفيتحديد معنى النظم يقول: "واعلم أنك إذا رجعت إلى نفسك علمت علمًا لا يعترضه الشك، أنه لا نظم في الكلم، ولا ترتيب، حتى يعلق بعضها ببعض، ويبنى بعضها على بعض، وتجعل هذه بسبب من تلك. وإذا كان كذلك تعليقًا أن ننظر إلى التعليق فيها والبغاء، وجعل الواحدة منها بسبب من صاحبتها، ما معناه وما محصوله٣؟..
стр. 62
فيصبح الاسم فاعلًا لفعل أو مفعلولًا أو خبرًا أو مجرورًا أو استفهامًا أو شرطًا إلى غير ذلك من ألوان العلاقات في علم النحو، الذي يربط بين النظم فيقول -عبد القاهر: "واعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها ...
وذلك أنا لا نعلم شيئًا يبتغيه الناظم بنظمه غير أن ينظر في وجوه كل باب وفروقه فينظر في وجوه الحال، وفي الحروف والفرق بينها بعضها عن بعض وفي حروف العطف والتعريف والتنكير والتقديم والتأخير، والحذف والتكرار والإضمار والإظهار والجمع والتقسيم والتشبيه التمثيلي١.
وحينما تتخذ الكلمة بخصائصها السابقة مكانها من النظم المبني على معاني النحو، تتألف الصور الأدبية عند الإمام؛ لأن في الصياغة كلمات مرتبطة، وجملًا مشدودة بعضها ببعض في اتساق وإحكام لينم عن التصوير الدقيق للغرض من الصياغة والنظم يقول عبد القاهر عن الصورة الناتجة من النظم:
"إنك ترى الرجل قد يهتدي في الأصباغ، التي عمل منها الصورة والنقش في ثوبه الذي نسج، إلى ضرب من التخير والتدبر في أنفس الأصباغ، وفي مواقعها ومقاديرها وكيفية مزجه لها، وترتيبه إياها، إلى ما لم يهتد إليه صاحبه فجاء نقشه من أجل ذلك أعجب، وصورته أغرب، وكذلك حال الشاعر في توخيهما معاني النحو ووجوهه، التي علمت أنها محصول النظم٢".
стр. 63
لذلك أصبح النظم عنده وسبيل الكلام لديه هو "سبيل الصياغة والتصوير وأن سبيل المعنى الذي يعبر عنه سبيل الشيء، الذي يقع عليه التصوير والصوغ كالفضة والذهب، يصاغ منهما خاتم أو سوار، فكما أن محالًا إذا أنت أردت النظر في صوغ الخاتم، وفي جودة العمل ورداءته أن تنظر إلى الفضة الحاملة لتلك الصورة أو الذهب الذي وقع عليه العمل والصفة كذلك محال إذا أنت تعرف مكان الفضل والمزية في الكلام، أن تنظر في مجرد معناه، وكما أننا لو فضلنا خاتمًا على خاتم، بأن يكون فضة هذا أجود، أو فضته أنفس، لم يكن ذلك تفضيلًا له من حيث هو خاتم، كذلك ينبغي إذا فضلنا بيتا على بيت، من أجل معناه ألا يكون تفضيلًا له، من حيث هو شعر وكلام، وهذا قاطع فأعرفه١".
هذا إذا كانت الكلمة التي اتخذت مكانها من النظم قامت على الحقيقة، لا تمت إلى الخيال بصلة، فكيف يراها الإمام إذا نبعت الكلمة من منابع الخيال الثرة، والخيال كما نعلم حديثًا عنصر حي من أهم عناصر الصورة الأدبية في النقد الحديث، وعبد القاهر يرى أنه رافد من روافدها الكثيرة، وأعظمها هو النظم، وهو الأساس الذي بدونه لا يقبل الخيال ولا تحسن وسائله، فلو وقعت استعارة في نظم، فالجمال في الصورة لا يرجع إلى الاستعارة فقط، ولكنه يرجع أولًا إلى جمال النظم، وإنما الاستعارة التي وقعت موقعها من الجملة أو التركيب، قد زادت النظم جمالًا على جمال.
فالكلمة المستعارة مثلًا هنا حققت غايتين: إحداهما الجمال الذي نبع من موقع الكلمة في النظم، واتخاذها الوضع اللائق بها، وثانيهما الجمال الذي أضافه الخيال على الكلمة، ولكن الجمال الثاني لا اعتبار له إلا بالنظم الذي تتألف منه الصورة،
стр. 64
ولذلك لو اختل النظم -مهما حوى من وسائل الخيال- سقطت الصورة وتجردت من كل عناصر الجمال".
وهذه نظرة دقيقة من الإمام في الصورة، أغفلها النقد الحديث إلا نادرًا كما سنرى ويذكر اتجاهه في مواطن كثيرة منها قوله بشأن الاستعارة:
"واعلم أن هذا -أعني الفرق بين أن تكون المزية في اللفظ، وبين أن تكون المزية في النظم- باب يكثر فيه الغلط، فلا تزال ترى مستحسنًا قد أخطأ بالاستحسان موضعه، فينحل اللفظ ما ليس له، ولا تزال ترى الشبهة قد دخلت عليك في الكلام، قد حسن من لفظه ونظمه، فظنت أن حسنه ذلك كله للفظ دون النظم، مثال ذلك أن ننظر إلى قول ابن المعتز:
وإني على إشفاق عيني من العدا ... لتجمح مني نظرة ثم أطرق
فنرى أن هذه الطلاوة، وهذا الظرف، إنما هو لأن جعل النظر يجمع، وليس هو لذلك؛ لأن قال في أول البيت "وإني" حتى أدخل اللام في قوله: "لتجمع" ثم قوله: "مني" ثم لأن قال: "نظرة" ولم النظر مثلًا؟ ثم لمكان "ثم" في قوله: "ثم أطرق" وللطيفة أخرى نصرت هذه اللطائف كلها، وهي اعتراضه بين اسم إن وخبرها بقوله: "على إشفاق عيني أخرى نصرت هذه اللطائف كلها، وهي اعتراضه بين اسم إن وخبرها بقوله:
"على إشفاق عيني من العدى"
وغير ذلك كثير من ألوان الخيال التي وفد إليها الجمال عن طريق النظم.
وبهذا العمق في التناول والاستقصاء، اعتد عبد القاهر بالنظم وحده في تأليف الصورة وتكون أركانها، كما هو واضح في نقده لأبيات كثيرة عزة، التي استحسنها بعض النقاد قبله لتفرد ألفاظها بالجمال، مع أنها لا تحمل كبير معنى،
стр. 65
وخالفهم الإمام وبين لهم أن الجمال فيما يرجع إلى حسن النظم، وبه يرتفع حيث يقول عقب قول كثيِّر السابق:
ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح
... إلخ الأبيات.
قال الإمام لائمًا عليهم صنيعهم: "ثم انظر هل تجد لاستحسانهم وحمدهم وثنائهم ومدحهم منصرفًا إلا إلى استعارة وقعت موقعها، أصابت غرضها، أو حسن ترتيب تكامل معه البيان، حتى وصل المعنى إلى القلب، مع وصول اللفظ إلى السمع، واستقر في الفهم مع وقوع العبارة في الأذن ... إلى قوله الذي بين فيه وجه الصواب: فقل الآن هل بقيت عليك حسنة تحيل فيها على لفظة من ألفاظها، حتى إن فضل الحسنة يبقى لتلك اللفظة، ولو ذكرت على الانفراد، وأزيلت عن موقعها من نظم الشاعر ونسجه وتأليفه وترصيفه، ثم يقول بعد أن يشبه النظم فيما اللآلئ في العقد: بل حق هذا المثل أن يوضع في نصرة بعض المعاني الحكيمة والتشبيهية بعضا، وازدياد الحسن منها بأن تجامع شكل منها شكلًا، وأن يصل الذكر بين متدانيات في ولادة العقول إياها، ومتجاورات في تنزيل الأفهام لها".
ولاهتمام عبد القادر بالنظم وعنايته به جعل بعض النقاد يزعم أنه شكلي لا يهتم بشرف المعنى وندرته، لذلك استحسن الصورة الأدبية السابقة للشاعر كثير، مع أنها لم تحفل بمعنى شريف.
والذي أراده أن نظرية عبد القاهر في النظم والصورة بريئة من الشكلية الصرفة التي اتهم بها، ونستطيع دفعها بالتالي:
стр. 66
أو لًا: أنه اهتم أولًا بالمعنى المفرد، وأعطى له سمات النبل والشرف وسبق ذلك في موضعه.
ثانيًا: النظم ينبني على اختيار معاني الألفاظ، وانتقائها، ثم تآلف هذه المعاني والتوخي بينها، ولا شك أن هذا يثبت للمعنى في النظم شرفًا ونبلًا١.
ثالثًا: الصورة الأدبية التي تألفت من خيوط النظم إنما يرجع جمالها وسحرها إلى ما تحققه من شرف الغرض وسمو المغزى.
رابعًا: وعلى ذلك فاهتمام عبد القاهر بالنظم والصورة إنما هو من أجل المعاني والأغراض، التي تكون الصورة خير سفارة عنها، وأقواها توصيلًا إلى النفس وتأثيرًا فيها.
خامسًا: وأدى اهتمامه بالمعنى والغرض، إلى أن يرتقي بالصورة إلى ما وراء الحس الظاهر عن طريق الوحي في الصورة، وهو ما يسميه عبد القاهر "بمعنى المعنى" الذي يزيد المضمون شرفًا.
ويرى أنه ليس من المراد من الألفاظ في التراكيب ظواهر معناها فقط، ولكن يراد فوق هذا أن يشار بمعانيها إلى معان أخرى "حتى يكون هناك مجاز واتساع، وحتى لا يراد من ألفاظ ظواهر وما وضعت له في اللغة، ولكن يشار بمعانيها إلى معان أخرى"٢. ويجلي "معنى المعنى" وضوحًا، لعنايته التامة به.
ولكن يدلك اللفظ على معناه الذي يقتضيه موضوعه في اللغة، ثم تجد لذلك المعنى دلالة ثانية إلى الغرض٣. ويضرب لذلك أمثلة عدة منها قولهم: "كثير
стр. 67
رماد القدر" وينتقل اللفظ فيه إلى المفهوم الذي هو المعنى الوضعي للغة إلى معنى الكرم، وهذا المعنى هو معنى المعنى، والمعنى الأول: هو الوضعي بمثابة الوشي والمعارض للمعنى الثاني، الذي قصد إليه عن طريق معنى المعنى، والمعنى الثاني: هو الذي كسى ذلك الوشي وزينه وحلي به١.
ويضيف إلى مفهوم الصورة فوق ما تقدم إيضاحًا لمعالمها، وكشفًا لجوانبها، مشاركة الألفاظ بموسيقاها، ودلالتها الصوتية، مما يزيد حسن النظم وجمال التأليف، فتثري الضرورة بعناصر عديدة تمنحها القوة والتأثير.
ولذلك ينبغي ألا تكون الكلفة غريبة وحشية، بل مألوفة للسمع، مستعملة غير مهجورة، وحروفها خفيفة، منسجمة بعضها مع بعض، متلائمة مع معناها، وأن تتواءم بسماتها السابقة مع جاراتها في النظم، إذ لا اعتداد بها مفردة، إلا حينما يتسق معانيها بعضها مع بعض يقول: "أن تكون حروف هذه أخف، وامتزاجها أحسن، وهل تجد أحدًا يقول: هذه اللفظة فصيحة، إلا وهو يعتبر مكانها من النظم، وحسن ملاءمة معناها لمعاني جاراتها"٢.
ويقول: "فلا جمال إذن في اللفظ من حيث هو صوت مسموع، وحروف تتوالى في النطق، وإنما يكون ذلك لما بين معاني الألفاظ من الاتساق العجيب فالملاءمة بين حروف الكلمات، وخفة المنطق بها، وتناسبها مع معناها شدة أو لينًا وخفة وثقلًا، كل ذلك حسن للألفاظ لا شك فيه، راجع إلى ذاتها ولكنه يزيد النظم فضلًا، إذا وقعت منه في مكانها، كالشأن في ألوان الخيال.
وينتقي أقوى أنواع الإيقاع في النظم، وأعمق موسيقي في التأليف،
стр. 68
كالمزاوجة بين معنيين في الشرط والجزاء، والتعليق والتقسيم مع الجمع، والتشبيه المتعدد والمركب حيث تتجاوب أصداء النظم مع أنغام الموسيقى، النابعة من زوايا متعددة لتشارك في جمال النظم الذي تتألف منه الصورة الأدبية ويذكر تحت عنوان "فصل" في النظم يتحد في الوضع، ويدق فيه الصنع" فيقول:
"واعلم أن مما هو أصل في أن يدق النظر، ويغمض المسلك في توخي المعاني التي عرفت أن تتحد أجزاء الكلام، ويدخل بعضها في بعض، ويشتد ارتباط ثان منها بأول وأن يحتاج في الجملة إلى أن تضعها في النفس وضعًا واحدًا، وأن تكون حالك فيها حال الباني، يضع بيمينه ههنا في حال ما يضع بيساره هناك، نعم وفي حال ما يبصر مكان ثالث ورابع يضعهما بعد الأولين، وليس لما يجيء على هذا الوصف حد يحصره أو قانون يحيط به، فإنه يجيء على وجوه شتى، وأنحاء مختلفة، فمن ذلك أن تزاوج بين معنيين في الشرط، والجزاء معًا كقول البحتري:
إذا ما نهى الناهي فلج به الهوى ... أصاخت إلى فلج بها الهجر
ويضرب الأمثلة لأنواع مختلفة من موسيقى النظم إلى أن يقول: ونوع ثالث هو ما كان كقول كثيِّر:
وإني وتهيامى بعزة بعد ما ... تخليت مما بيننا وتخلت
لكالمرتجي ظل الغمامة كلما ... تبوأ منها للعقيل اضمحلت
ثم ذكر منه التقسيم مع الجمع والتشبيه المتعدد والمركب١.
وملاءمة وضع الكلمة مع أختها في الشطرة، ثم ملاءمتها مع الشطرة الأخرى،
стр. 69
ثم ملاءمة البيت مع البيت، ومع أبيات القصيدة، وهكذا حتى يتم النظام الهندسي الموسيقي للقصيدة؛ لأن الرجل مغرم في الاهتمام بالأجزاء إلا نادرًا، لاعتقاده أن استقامة الجزء، وملاءمته مع الآخر سيؤدي في النهاية إلى سلامة الإيقاع في القطع أو القصيدة١.
واهتمام الإمام بالجزئيات في النظم دعا بعض النقاد٢ أن يقصر عنايته التامة الجزئية فحسب، ولم يهتم بالصورة الكلية في الأدب العربي ونقده.
والحق أنه وجه اهتمامه للصورة الجزئية إلا نادرًا، وكان الدكتور نايل موفقًا حينما أثبت أن الإمام تناول الصورة الكلية في نقده قليلًا، نظريًّا وتطبيقيًّا، ومن أراد تفصيلًا فليرجع مشكورًا إلى كتابه دفعًا للإطالة٣.
والذي أحب أن أذكره هنا ما أشار إليه الإمام من العناية بالصورة الكلية في قوله:
"واعلم أن من الكلام، ما أنت ترى المزية في نظمه الحسن، الأجزاء من الصيغ تتلاحق، وينضم بعضها إلى بعض، حتى تستكثر في العين، فأنت لذلك لم تكبر شأن صاحبه ولا تقضي له بالحذق والأستاذية، وسعة الذرع، وشدة المنة، حتى تستوفي القطعة، وذلك ما كان من الشعر في طبقة ما أنشدتك من أبيات البحتري٤:
بلونا ضرائب من قد نرى ... فما إن رأينا لفتح ضريبا
إلخ الأبيات٥.
стр. 70
ومن الصور الكلية التي تناولها أيضًا قول ابن الرومي:
خجلت خدود الورد من تفضيله ... خجلًا توردها عليه شاهد
لم يخجل الورد المورد لونه ... إلا وناحله الفضيلة عاند
للنرجس الفضل المبين وإن أبى ... آب وحاد عن الطريقة حائد
وفضل القضية أن هذا قائد ... زهر الرياض وأن هذا طارد
شتان ما بين اثنين هذا موعد ... بتسلب الدنيا وهذا واعد
ينهى النديم عن القبيح بلحظه ... وعلى المدامة والسماع مساعد
اطلب بعقلك في السماع سميه ... أبدا فإنك لا محالة واحد
والورد إن فكرت في اسمه ... ما في الملاح له سمي واحد
هذي النجوم هي التي ربيتها ... بحيا السحاب كما يربى الوالد
فانظر إلى الأخوين من أدناهما ... شبهًا بوالده فذاك الماجد
أين الخدود من العيون نفاسة ... ورياسة لولا القياس الفاسد
وترتيب الصنعة في القطعة أنه عمل أولًا على قلب التشبيه. فشبه حمرة الورد بحمرة الخجل، ثم تناسى ذلك وخدع عنه نفسه، وحملها على أن تعتقد أنه خجل على الحقيقة، ثم لما اطمأن ذلك في قلبه، واستحكمت صورته طلب لذلك الخجل علة، فجعل علته أن فضل على النرجس، ووضع في منزلة ليس يرى نفسه أهلًا لها، فصار يثوب من ذلك ويتخوف عيب العائب وغميزة المستهزئ وتجد ما يجد من مدح مدحه يظهر الكذب فيها، ويفرط حتى تصير كالهزء بمن قصد بها، ثم زادته الفطنة الثاقبة الطبع المثمر في سحر البيان، ما رأيت من وضع وحجاج في شأن النرجس، وجهة استحقاقه الفضل على الورد فجاء بحسن وإحسان لا تكاد تجد مثله إلا له١.
стр. 71
أشار الإمام إلى الصورة الكلية في القطعة السابقة لابن الرومي وإن لم يصرح بها، وقد ذكرها في معرض التشبيه حيث شبه حمرة الورد بحمرة الخجل تشبيهًا مقلوبًا، ولو كان حديثه عن الصورة الجزئية لوقف عند هذا الحد، ولكنه استمر في تحليل الصورة كلها ليقف على مواطن الحسن فيها غير مكتف بالتشبيه فقط، الذي يدل على ذلك الفقرة الأخيرة حيث قام النرجس بفطنته النافية بتقديم الحجج والأدلة ليستحق الفضل على الورد وينال الشرف وحده ثم ختم حديثه بقوله فجاء بحسن وإحسان لا تكاد تجد مثله إلا له.
وصحيح أن الإمام لم يصرح بلفظ الصورة الكلية إلا أن تحليله يدل عليها، وتناول غيرها في الدلائل في قطع صغيرة تشبه السابقة، وفي بعض آيات القرآن الكريم.
ثانيًا: للصورة الشعرية في باب السرقات
ولن يكون حديثنا هنا عن السرقات الأدبية فذلك له مجال آخر، ولكن الحديث سيكون عن الصورة الأدبية التي كشف عنها الإمام أثناء حديثه عن السرقات.
ولذلك نراه يتصدى للقوم، ويصف رأيهم فالخطأ المحض؛ لأنهم اعتبروا الصورتين المختلفين لمعنى واحد يعدان شيئًا واحدًا، ولا تفاوت بينهما؛ لأن المعنى في الصورة الأولى هو نفسه في الصورة الثانية، إنما الاختلاف في هيئة النظم وتركيب الصورة وهذا لا يفيد شيئًا.
ويوضح لهم بأن التفاوت بين الصورتين على هذه الصفة السابقة أمر محتم ولازم، وأن التغاير في المعنى بعد التصوير جاء نتيجة الاختلاف في هيئة الصورة.
стр. 72
مع أن المعنى كان واحدًا في البداية، فتباين الصورتين عليه أعطى لهما معنى جديدًا.
ولا يعقل أن يتم الاتفاق بينهما إلا في حالة واحدة، حينما يغير الشاعر المتأثر كل لفظة عند الشاعر الأول بلفظة تشبهها في المعنى، وهكذا حتى آخر الصورة فيكون بين الصورتين اتفاق تام ولا تفاوت بينهما؛ لأن الشاعر الثاني لم يعرض للمعنى في نظم أو صورة جديدة يقول الإمام عن القوم: "وجدتهم قد قالوا ذلك من حيث قاسوا الكلامين على الكلمتين، فلما رأوا إذا قيل في الكلمتين أن معناهما واحد لم يكن بينهما تفاوت، ولم يكن للمعنى في أحدهما حال لا يكون له في الأخرى، ظنوا أن سبيل الكلامين هذا السبيل، وقد غلطوا فأفحشوا؛ لأنه لا يتصور أن تكون صورة المعنى في أحد الكلامين أو البيتين مثل صورته في الآخر البتة، اللهم إلا أن يعمد عامد إلى بيت فيضع مكان كل لفظة منه لفظة في معناها ولا يعرض لنظمه وتأليفه، كمثل أن يقول في بيت الخطيئة:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
ذر المفاخر لا تذهب لمطلبها ... واجلس فإنك أنت الآكل اللابس
وما كان هذا سبيله كان بمعزل من أن يكون به اعتداد. ولا أن يجعل الذي يتعاطاه بمحل من يوصف بأنه أخذ معنى، ذلك لأنه لا يكون بذلك صانعًا شيئًا يستحق أن يدعى من أجله واضع كلام، ومستأنف عبارة وقائل شعر"١.
стр. 73
لأن اللفظ المفرد، لا يمكن أن يخفي المعنى، إنما الذي يخفيه النظم والصورة "ولو كان المعنى معادًا على صورته وهيئته، وكان الآخذ له من صاحبه لا يصنع شيئًا غير أن يبدل لفظًا مكان لفظ، لكان الإخفاء فيه محالًا؛ لأن اللفظ لا يخفي المعنى، وإنما يخفيه إخراجه في صورة غير التي كان عليها١".
وكذلك ليست العبرة بمعنى اللفظ في نفسه وذاته، بل في نظمه وصورته كما لا يكون الذهب بنفسه وإنما بصورته خاتمًا كان أو سوارًا يقول الإمام: "وجملة الأمر أنه كما لا تكون الفضة خاتمًا أو الذهب سوارًا أو غيرهما من أصناف الحلي بأنفسهما ولكن بما يحدث فيهما من الصورة، كذلك لا تكون الكلمة المفردة التي هي أسماء وأفعال وحروف كلامًا وشعرًا من غير أن يحدث فيها النظم الذي حقيقته توخي معاني النحو وأحكامه"٢.
وتأسيسًا على ذلك يضع الإمام عبد القاهر الأساس في التفاوت والمفاضلة بين شاعرين في صورتهما، إذا تناولا معنى متحدًا، فيقسمه قسمين: قسم يكون فيه أحد الشاعرين قد أخفق في تصويره، والآخر جاء بصورة فائقة، قسم جاء فيه كل من الشاعرين في المعنى الواحد بصورة غريبة جديدة.
يقول الإمام في الشاعرين اللذين صورا معنى واحدًا: "وهو ينقسم قسمين: قسم أنت ترى أحد الشاعرين فيه قد أتى بالمعنى غفلًا ساذجًا، وترى الآخر قد أخرجه في صورة تروق وتعجب.
وقسم أنت ترى واحد من الشاعر قد صنع في المعنى وصور.
ويعلل سر التفاوت في القسم الأول: "إما لأن متأخرا قصر عن متقدم،
стр. 74
وإما لأن هدى متأخر لشيء لم يهتد إليه المتقدم ومثال ذلك قول المتنبي:
بئس الليالي سهرت من طربى ... شوقًا إلى من يبيت يرقدها
مع قول البحتري:
ليل يصادفني ومرهفة الحشا ... ضدين أسهره لها وتنامه١
والقسم الثاني: ذكر ما أنت ترى فيه في كل واحد من البيتين صنعة وتصويرًا وأستاذية على الجملة، ويورد أمثلة كثيرة منها قول النابغة:
إذا ما غدا بالجيش حلق فوقه ... عصائب طير تهتدي بعصائب
جوانح قد أيقن أن قبيله ... إذا ما التقى الصفان أول غالب
مع قول أبي نواس:
يتأبى الطير غدوته ... ثقة بالشبع من جزره
قال عمرو الوراق لأبي نواس: "أما تركت للنابغة شيئًا حيث يقول: إذا ما غدا بالجيش: البيتين فقال "أي أبي نواس": اسكت فلئن كان سبق فما أسأت الاتباع.
يقول عبد القاهر: وهذا الكلام من أبي نواس دليل بين في أن المعنى ينقل من صورة إلى صورة ذلك؛ لأنه لو كان لا يكون قد صنع بالمعنى شيئًا، لكان قوله: فما أسأت الاتباع محالًا؛ لأنه على كل حال لم يتبعه في اللفظ.
ويبين عبد القاهر بعد ذلك الفرق بين الصورتين البارعتين فيقول: "ثم إن الأمر ظاهر لمن نظر في أنه قد نقل المعنى عن صورته التي هو عليها، في شعر النابغة إلى صورة أخرى، وذلك أن ههنا معنيين أحدهما أصل، وهو علم الطير بأن الممدوح
стр. 75
إذا غزا عدوًّا كان الظفر له، وكان هو الغالب، والآخر فرع، وهو طمع الطير في أن تتسع عليها المطاعم من لحوم القتلى، قد عمد النابغة إلى الأصل، الذي هو علم الطير بأن الممدوح يكون الغالب فذكره صريحًا وكشف عن وجهه، واعتمد في الفرع الذي هو طمعها في لحوم القتلى وإنها لذلك تحلق فوقه على دلالة الفحوى، وعكس أبو نواس القصة فذكر الفرع الذي هو طمعها في لحوم القتلى صريحًا فقال كما ترى: "ثقة بالشبع من جزره" وعول في الأصل الذي هو علمها بأن الظفر يكون للممدوح على الفحوى، ودلالة على علمها أن الظفر للممدوح هي في أن قال: "من جزره" وهي لا نثق بأن شبعها يكون من جزر الممدوح حتى تعلم أن الظفر يكون له، فيكون شيء أظهر من هذه في النقل من صورة إلى صورة١"؟.
ولعل القارئ الكريم معي في نقل النص كله كاملًا هنا؛ لأنني أقصد ذلك وأعنيه فالمقام هنا يستدعي ذكر هذا النص الذي يشكف عن وجهة نظر الناقد ورأيه في الصورة الأدبية؛ لأنني في مجال بيان مفهوم الصورة عند النقاد القدامى المفترى عليهم حديثًا في أنهم لم يفهموا معنى الصورة الأدبية، ولم يتذوقوها ولعل النص الأخير للإمام يعطي لنا صورة صادقة عن وعيه التام بالصورة الأدبية فهمًا وتذوقًا وتحليلًا أدبيًّا وتطبيقًا في الشعر العربي على اختلاف صوره، وقد أثبت الفرق الكبير بين اختلاف الصورتين مع أن الغرض واحد وهو الظفر للممدوح وهما في نفس الوقت صورتان بارعتان، رائعتان، ثم ذلك الاعتداد القوي بالصورة الأدبية في الموازنة والتقدير، والحكم على صاحبها بالسرقة أو الابتكار فيها، مع إهمال اللفظ منفردًا إذ لا قيمة له وحده في الشعر والتصوير، وإنما تكون له إذا ظهر دوره مع غيره في النظم والصورة،