أشار الإمام إلى الصورة الكلية في القطعة السابقة لابن الرومي وإن لم يصرح بها، وقد ذكرها في معرض التشبيه حيث شبه حمرة الورد بحمرة الخجل تشبيهًا مقلوبًا، ولو كان حديثه عن الصورة الجزئية لوقف عند هذا الحد، ولكنه استمر في تحليل الصورة كلها ليقف على مواطن الحسن فيها غير مكتف بالتشبيه فقط، الذي يدل على ذلك الفقرة الأخيرة حيث قام النرجس بفطنته النافية بتقديم الحجج والأدلة ليستحق الفضل على الورد وينال الشرف وحده ثم ختم حديثه بقوله فجاء بحسن وإحسان لا تكاد تجد مثله إلا له.
وصحيح أن الإمام لم يصرح بلفظ الصورة الكلية إلا أن تحليله يدل عليها، وتناول غيرها في الدلائل في قطع صغيرة تشبه السابقة، وفي بعض آيات القرآن الكريم.
ثانيًا: للصورة الشعرية في باب السرقات
ولن يكون حديثنا هنا عن السرقات الأدبية فذلك له مجال آخر، ولكن الحديث سيكون عن الصورة الأدبية التي كشف عنها الإمام أثناء حديثه عن السرقات.
ولذلك نراه يتصدى للقوم، ويصف رأيهم فالخطأ المحض؛ لأنهم اعتبروا الصورتين المختلفين لمعنى واحد يعدان شيئًا واحدًا، ولا تفاوت بينهما؛ لأن المعنى في الصورة الأولى هو نفسه في الصورة الثانية، إنما الاختلاف في هيئة النظم وتركيب الصورة وهذا لا يفيد شيئًا.
ويوضح لهم بأن التفاوت بين الصورتين على هذه الصفة السابقة أمر محتم ولازم، وأن التغاير في المعنى بعد التصوير جاء نتيجة الاختلاف في هيئة الصورة.
стр. 72
مع أن المعنى كان واحدًا في البداية، فتباين الصورتين عليه أعطى لهما معنى جديدًا.
ولا يعقل أن يتم الاتفاق بينهما إلا في حالة واحدة، حينما يغير الشاعر المتأثر كل لفظة عند الشاعر الأول بلفظة تشبهها في المعنى، وهكذا حتى آخر الصورة فيكون بين الصورتين اتفاق تام ولا تفاوت بينهما؛ لأن الشاعر الثاني لم يعرض للمعنى في نظم أو صورة جديدة يقول الإمام عن القوم: "وجدتهم قد قالوا ذلك من حيث قاسوا الكلامين على الكلمتين، فلما رأوا إذا قيل في الكلمتين أن معناهما واحد لم يكن بينهما تفاوت، ولم يكن للمعنى في أحدهما حال لا يكون له في الأخرى، ظنوا أن سبيل الكلامين هذا السبيل، وقد غلطوا فأفحشوا؛ لأنه لا يتصور أن تكون صورة المعنى في أحد الكلامين أو البيتين مثل صورته في الآخر البتة، اللهم إلا أن يعمد عامد إلى بيت فيضع مكان كل لفظة منه لفظة في معناها ولا يعرض لنظمه وتأليفه، كمثل أن يقول في بيت الخطيئة:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
ذر المفاخر لا تذهب لمطلبها ... واجلس فإنك أنت الآكل اللابس
وما كان هذا سبيله كان بمعزل من أن يكون به اعتداد. ولا أن يجعل الذي يتعاطاه بمحل من يوصف بأنه أخذ معنى، ذلك لأنه لا يكون بذلك صانعًا شيئًا يستحق أن يدعى من أجله واضع كلام، ومستأنف عبارة وقائل شعر"١.
стр. 73
لأن اللفظ المفرد، لا يمكن أن يخفي المعنى، إنما الذي يخفيه النظم والصورة "ولو كان المعنى معادًا على صورته وهيئته، وكان الآخذ له من صاحبه لا يصنع شيئًا غير أن يبدل لفظًا مكان لفظ، لكان الإخفاء فيه محالًا؛ لأن اللفظ لا يخفي المعنى، وإنما يخفيه إخراجه في صورة غير التي كان عليها١".
وكذلك ليست العبرة بمعنى اللفظ في نفسه وذاته، بل في نظمه وصورته كما لا يكون الذهب بنفسه وإنما بصورته خاتمًا كان أو سوارًا يقول الإمام: "وجملة الأمر أنه كما لا تكون الفضة خاتمًا أو الذهب سوارًا أو غيرهما من أصناف الحلي بأنفسهما ولكن بما يحدث فيهما من الصورة، كذلك لا تكون الكلمة المفردة التي هي أسماء وأفعال وحروف كلامًا وشعرًا من غير أن يحدث فيها النظم الذي حقيقته توخي معاني النحو وأحكامه"٢.
وتأسيسًا على ذلك يضع الإمام عبد القاهر الأساس في التفاوت والمفاضلة بين شاعرين في صورتهما، إذا تناولا معنى متحدًا، فيقسمه قسمين: قسم يكون فيه أحد الشاعرين قد أخفق في تصويره، والآخر جاء بصورة فائقة، قسم جاء فيه كل من الشاعرين في المعنى الواحد بصورة غريبة جديدة.
يقول الإمام في الشاعرين اللذين صورا معنى واحدًا: "وهو ينقسم قسمين: قسم أنت ترى أحد الشاعرين فيه قد أتى بالمعنى غفلًا ساذجًا، وترى الآخر قد أخرجه في صورة تروق وتعجب.
وقسم أنت ترى واحد من الشاعر قد صنع في المعنى وصور.
ويعلل سر التفاوت في القسم الأول: "إما لأن متأخرا قصر عن متقدم،
стр. 74
وإما لأن هدى متأخر لشيء لم يهتد إليه المتقدم ومثال ذلك قول المتنبي:
بئس الليالي سهرت من طربى ... شوقًا إلى من يبيت يرقدها
مع قول البحتري:
ليل يصادفني ومرهفة الحشا ... ضدين أسهره لها وتنامه١
والقسم الثاني: ذكر ما أنت ترى فيه في كل واحد من البيتين صنعة وتصويرًا وأستاذية على الجملة، ويورد أمثلة كثيرة منها قول النابغة:
إذا ما غدا بالجيش حلق فوقه ... عصائب طير تهتدي بعصائب
جوانح قد أيقن أن قبيله ... إذا ما التقى الصفان أول غالب
مع قول أبي نواس:
يتأبى الطير غدوته ... ثقة بالشبع من جزره
قال عمرو الوراق لأبي نواس: "أما تركت للنابغة شيئًا حيث يقول: إذا ما غدا بالجيش: البيتين فقال "أي أبي نواس": اسكت فلئن كان سبق فما أسأت الاتباع.
يقول عبد القاهر: وهذا الكلام من أبي نواس دليل بين في أن المعنى ينقل من صورة إلى صورة ذلك؛ لأنه لو كان لا يكون قد صنع بالمعنى شيئًا، لكان قوله: فما أسأت الاتباع محالًا؛ لأنه على كل حال لم يتبعه في اللفظ.
ويبين عبد القاهر بعد ذلك الفرق بين الصورتين البارعتين فيقول: "ثم إن الأمر ظاهر لمن نظر في أنه قد نقل المعنى عن صورته التي هو عليها، في شعر النابغة إلى صورة أخرى، وذلك أن ههنا معنيين أحدهما أصل، وهو علم الطير بأن الممدوح
стр. 75
إذا غزا عدوًّا كان الظفر له، وكان هو الغالب، والآخر فرع، وهو طمع الطير في أن تتسع عليها المطاعم من لحوم القتلى، قد عمد النابغة إلى الأصل، الذي هو علم الطير بأن الممدوح يكون الغالب فذكره صريحًا وكشف عن وجهه، واعتمد في الفرع الذي هو طمعها في لحوم القتلى وإنها لذلك تحلق فوقه على دلالة الفحوى، وعكس أبو نواس القصة فذكر الفرع الذي هو طمعها في لحوم القتلى صريحًا فقال كما ترى: "ثقة بالشبع من جزره" وعول في الأصل الذي هو علمها بأن الظفر يكون للممدوح على الفحوى، ودلالة على علمها أن الظفر للممدوح هي في أن قال: "من جزره" وهي لا نثق بأن شبعها يكون من جزر الممدوح حتى تعلم أن الظفر يكون له، فيكون شيء أظهر من هذه في النقل من صورة إلى صورة١"؟.
ولعل القارئ الكريم معي في نقل النص كله كاملًا هنا؛ لأنني أقصد ذلك وأعنيه فالمقام هنا يستدعي ذكر هذا النص الذي يشكف عن وجهة نظر الناقد ورأيه في الصورة الأدبية؛ لأنني في مجال بيان مفهوم الصورة عند النقاد القدامى المفترى عليهم حديثًا في أنهم لم يفهموا معنى الصورة الأدبية، ولم يتذوقوها ولعل النص الأخير للإمام يعطي لنا صورة صادقة عن وعيه التام بالصورة الأدبية فهمًا وتذوقًا وتحليلًا أدبيًّا وتطبيقًا في الشعر العربي على اختلاف صوره، وقد أثبت الفرق الكبير بين اختلاف الصورتين مع أن الغرض واحد وهو الظفر للممدوح وهما في نفس الوقت صورتان بارعتان، رائعتان، ثم ذلك الاعتداد القوي بالصورة الأدبية في الموازنة والتقدير، والحكم على صاحبها بالسرقة أو الابتكار فيها، مع إهمال اللفظ منفردًا إذ لا قيمة له وحده في الشعر والتصوير، وإنما تكون له إذا ظهر دوره مع غيره في النظم والصورة،
стр. 76
وبعد فهذا ما وصل إليه النقد العربي القديم في شخص الإمام عبد القاهر -لتوضيح مفهوم الصورة الأدبية التي نبعت في النهاية من النظم المحكم الجيد، وبيان أركانها ومعالمها وخصائصها عن طريق التحليل للنصوص الأدبية، وإيراد النماذج القوية من الصور والتعرف على خصائص الجمال والجلال فيها من غير قصد إلى التبويب أو العنونة لها والنص الصريح، أو التقعيد لخصائصها وأركانها، هذا هو ما ينقص النقد القديم في تناوله لمفهوم الصورة وليس عيبًا؛ لأنه كان يمثل مرحلة من المراحل التاريخية في التعرف عليها وبيانها وتوضيحها.
وفي نهاية المطاف مع الإمام عبد القاهر، نجمل ما وصل إليه في توضيح الصورة الأدبية والتعرف على خصائصها وذلك في إيجاز:
أولًا: أنه أعطي للفظ حقه، كما أعطى للمعنى حقه كذلك.
ثانيًا: أنكر الإمام إتيان الصورة من اللفظ وحده، كما أنه ينبغي ألا يكون جمال الصورة راجعًا إلى المعنى فقط.
ثالثًا: اللفظ عنده تابع للمعنى وعند ابن خلدون وغيره أن المعنى تابع للفظ والأصح ما ذهب إليه الإمام؛ لأنه مجال لظهور العبقريات في التصوير، والواقع أن بينهما فوارق كبيرة أهمها:
أ- الصورة الأدبية عند الإمام تشكل في الذهن أولًا، ثم تبرز إلى الخارج بعد انتظامها، بعكس رأي ابن خلدون، فهي عنده تشكل خارج الذهن؛ لأن الأديب يجمع ألفاظًا قد تفرقت هنا وهناك، وأحيانًا يخطئ الغرض بذلك الجمع الخارجي.
ب- الصورة عند الإمام ما دامت داخلية أولًا، فسيكون للعقل والعاطفة والمشاعر أثر في حيويتها وقوتها، بينما نجدها على رأي ابن خلدون ربما لا يعمل فيها غير العقل، في عملية جمع الألفاظ لتحقيق غرض ما.
стр. 77
ج- الصورة عند الإمام يكون لها معنى مقصود، وغرض يهدف إليه الشاعر، وعلى ذلك ينظمها في ذهنه حسب الغرض، بينما في رأي ابن خلدون قد يخطئ الشاعر الغرض؛ لأن عملية الجمع التي يقوم بها الشاعر ابتداء، ربما تكون على غير اتفاق مع الغرض الذي يهدف إليه.
د- الصورة عند الإمام فيها احتمال للإيحاء بمعنى ثان خلاف المعنى الأول -الذي بنيت عليه الصورة في الذهن، بخلافها عند أمثال ابن خلدون، فإن لها معنى واحدًا ناتجًا عن نظم الألفاظ، بعد اختيار موقع كل كلمة فيها.
هـ- اتجاه عبد القاهر فيه مجال لظهور العبقريات في الفن، أما اتجاه ابن خلدون فالمجال فيه ضعيف يأتي عن طريق المصادفة غالبًا، كالطفل الذي يلعب بالمكعبات، حتى يقع على تشكيل فريد بالمصادفة، وهذا نادر بينما في الأول تكون له الإرادة، والتحكم في التشكيل، وذلك أقرب إلى العبقرية من الثاني.
وعلى ذلك فإذا حضر المعنى للصورة عند الإمام أتت إليه الألفاظ ميسورة سهلة، وأما عند أمثال ابن خلدون فسنجد صعوبة في تحضيرها، وحتى إذا تيسر ذلك، فلن نصل إلى المعنى إلا بعد محاولات عديدة.
رابعًا: أساس الجمال عنده يرجع إلى النظم والصياغة والتصوير.
خامسًا: الصورة الأدبية الحقة تتكون من العلاقات بين الألفاظ، وتتألف من خيوط النظم الجيد.
سادسًا: كل كلمة في النظم أو الصورة لا بد أن تأخذ مكانها بين أخواتها، يرتبط معناها بمعاني الكلم فيهما على أساس التوخي لمعاني النحو١.
стр. 78
سابعًا: لهذا تحققت الوحدة الفنية والترابط الوثيق بين أجزاء النظم والصورة والتلاؤم بين عناصرها.
ثامنًا: الصورة عنده لا تتعلق بالشكل وحده، ولكنها تتعانق مع المضمون، من حيث التبع والنتيجة، وإنما جاءت الصورة لتوضيح المعنى وتعميقه، والكشف عن الغرض من القصيد، الذي يترابط فيه الصور لتأدية المراد.
تاسعًا: ولصلة الصورة بالمضمون صلة وثيقة، توحي بمعان جديدة لتأكيد المعنى الأول، فيزداد جلاء ووضوحًا، وهو ما سماه الإمام "معنى المعنى".
عاشرًا: قيمة الخيال في الصورة لا يعدو أن يكون رافدًا واحدًا من الروافد العديدة فيها، وإن وقع في نظم زاد الصورة جمالًا على جمال النظم المحكم.
الحادي عشر: أهم روافد الصورة هو النظم، أما ما عدا ذلك من روافد اللفظ الحسن والخيال والموسيقى والمزاوجة وغيرها، فهي روافد إضافية تزيد من جمال النظم.
الثاني عشر: الإمام عبد القاهر صرح بوسائل الموسيقى الداخلية التي يتدفق بها النظم، وجعلها من أدق أنواع الصنع، وأشرف ألوان النظم، كالمزاوجة والتقسيم وغير ذلك مما سبق. ولم يهتم بالموسيقى لشيوعها.
стр. 79
الثالث عشر: أنه ركز اهتمامه على نقد الصور الجزئية والتعرف على خصائصها، والتحليل لها، إلا القليل من الصور الكلية.
الرابع عشر: أدى كشفه لنظرية الرمز في ألفاظ اللغة لتوخي معانيها إلى توفيقه في توضيح معاني النظم، وتثبيت دعائمه، واعتماد الصورة الأدبية عليه وحده أولًا وقبل كل شيء.
الخامس عشر: أفاد الإمام من سابقيه فيما انتهى إليه، فأصبح اتجاهه في الصورة الأدبية واضحًا لا غموض فيه.
السادس عشر: المرجع في التفاضل عنده بين الصور في الشعر والأدب إلى الصورة الأدبية في ذاتها، وما أوحت إليه من معان، لا إلى ذات المعنى والمضمون وحدهما.
السابع عشر: اختلاف النظم عنده، وتباين التعبير لمعنى واحد لا يمكن بحال أن تتفق فيه صورتان لشاعرين مختلفين يستقل كل منهما بنظم يخالف الآخر مع اتحاد المعنى -مثل ما سبق بين النابغة وأبي نواس- بل لا بد من الاختلاف في التأليف، والإيحاء ودرجة التأثير في النفس.
الثامن عشر: استطاع عبد القاهر بذوقه الأدبي أن يربط بين النظم وصورته في الشعر وبين الفنون الأخرى، مما يصح فيه التصوير، كالنقش والصياغة للمعادن وأصباغها،
стр. 80
وأن الصورة تلائم النظم كتلاؤم الهيئة والشكل للمعادن في صورها المختلفة من خاتم وأسورة مثلًا، أو ملازمة الألوان والأصباغ وتوزيعها ومقاديرها على رقعة الصورة، في تشابه تام بين الصناعتين، صناعة الشعر وغيرها من الصناعات الأخرى.
التاسع عشر:
عرض الإمام وسائل الخيال من تشبيه واستعارة وغيرها، وأنها أحد الروافد في النظم، والنظم فوقها؛ لأنه لم يعتد بألوان الخيال إلابعد اعتداده بالنظم في تأليف الصورة، وأما تحديد معالم الخيال في ذاته، فقد تردد عبد القاهر في مفهومه وسماه التخييل أو الإيهام، وذكر د. غنيمي هلال أن النقاد العرب القدامى لم يصلوا إلى مفهوم دقيق للخيال وأثره في الصورة١.
ويعبر الإمام عن الخيال بالتخيلات، فيذكر بعد قول الشاعر:
إن السحاب لتستحيي إذا نظرت ... إلى نداك فقاسته بما فيها
وعلق عليه بقوله: وكذلك يوهمك بقوله: "إن السحاب لتستحيي" إن السحاب حي يعرف ويعقل، وأن يقيس فيضه بفيض كف الممدوح، فيخزى ويخجل.
فالاحتفال والصنعة في التصورات التي تروق السامعين وتروعهم، والتخيلات التي تهز الممدوحين وتحركهم شبيه بما يقع في نفس الناظر إلى التصاوير التي يشكلها الحذاق بالتخطيط والنقش والنقر، فكما أن تلك تعجب وتخلب، وتدخل النفس من مشاهدتها حالة غريبة قبل رؤيتها، ويغشاها ضرب من الفتنة لا ينكر مكانه
стр. 81
كذلك حكم الشعر، فيما يصنعه من الصور، ويشكله من البدع، ويوقعه في النفوس من المعاني، التي يتوهم بها الجامد الصامت في صورة الحي الناطق ... والمعدوم المفقود في حكم الموجود الشاهد، كما قدمت القول في باب التمثيل حتى يكسب الدني رفعة والغامض القدر نباهة١.
والإمام يعبر عن الخيال في الصورة الشعرية التي تشبه الصناعات الخلابة الرائقة بالتخيلات، فترى الصورة التي قامت عليها تحيل الجامد حيًّا ناطقًا، والمعدوم منظورًا مشاهدًا أمام الحس والعيان، وبذلك يكتسب المعنى الغامض قدرًا ونبلًا.
ومع اعترافه بأن التخييل له قدرته وقيمته، إلا أنه يخلط بينه وبين الوهم، وهو غير الخيال كما في قوله: "من المعاني التي يتوهم بها الجامد الصامد ... إلخ" وهو صح ذلك يفضله في الشعر عن الحقيقة، فيقول معقبًا على بيت البحتري:
كلفتمونا حدود منطقكم ... في الشعر يكفي عن صدقه كذبه
أراد كلفتمونا أن نجري مقاييس الشعر على حدود المنطق، ونأخذ نفوسنا فيه بالقول المحقق، حتى لا ندعي إلا ما يقوم عليه من العقل برهان يقطع به، ويلجأ إلى موجبه مع أن الشعر يكفي فيه التخييل، والذهاب بالنفس إلى ما ترتاح إليه من التعليل، ولا شك أنه إلى هذا النحو قصد وإياه عمد٢.
وما ذهب إليه الإمام هنا يفسره النقد الحديث بالخيال؛ لأن الشعر يعتمد أساسًا على هذا الركن، وأنه لا يهتم بالحقيقة، بقدر ما يصور إحساس الشاعر بصدق ودقة، ما دام هذا تطمئن إليه النفس، وتستريح إلى سماعه لقيامه لا على القياس والحقيقة بل على حسن التعليل.
стр. 82
ومع تقديره لقيمة الخيال في الشعر إلا أنه في تحديد مفهومه يخلط بينه وبين الوهم، فكلاهما له أثره في الصورة الأدبية الحديثة.
ويزداد الأمر وضوحًا عند الإمام حينما يفرق بين التخييل١ والاستعارة، وكلاهما من ألوان الخيال في الصورة "وجملة الحديث الذي أريده بالتخييل ههنا ما يثبت فيه الشاعر أمرًا هو غير ثابت أصلًا، ويدعي دعوى لا طريق إلى تحصيلها، ويقول قولًا يخدع فيه نفسه، ويريها ما لا ترى.
أما الاستعارة فسبيلها سبيل الكلام المحذوف، في أنك إذا رجعت إلى أصله ووجدت قائله، وهو يثبت أمرًا عقليًّا صحيحًا، ويدعي دعوى لها شبح في العقل، وستمر بك ضروب من التخييل هي أظهر أمرًا في البعد عن الحقيقة تكشف وجهه في أنه خداع للعقل وضرب من التزويق"٢.
فهو يرى أن التخييل في قولهم: فلان يقدم رجلًا ويؤخر أخرى للإنسان المتردد أمر غير ثابت؛ لأنه دعوى باطلة، يمكن تحصيلها وتحقيقها، وأنه خادع للنفس؛ لأنها ترى غير الحقيقة فيها. كما يرى أن الاستعارة دعوى لها شبح في العقل.
وفي هذا يربط الإمام ألوان الخيال بالعقل، ويقيسه بالحقيقة، ويرى أنه وهم وخداع للنفس، ودعوى باطلة وشبح وغير ذلك من الأوصاف المبتورة، التي إن كشفت عن جانب من مفهوم الخيال في الصورة، فلا تكشف عن الجوانب الحية فيه، بل الخيال كالعقل، لكن لغته الصور المحسة من تخييل واستعارة، وتشبيه وكناية وغيرها والإمام يجعله أشباحًا وصورًا لا صلة لها بالإحساس، تخدع
стр. 83
النفس؛ لأنها لا تعرف طريقًا إلا طريق العقل، والعقل وحده هو الذي يربط بين الصورة المحسة في المثال السابق وبين المعنى الذهني، ويرى الصلة بينهما في الجامع، فيأنس الصورة؛ لأنها تتفق مع المتردد حين يأخذ ويعطي في أمرها، كالرجل المتردد حين يقدم رجلًا ويؤخر أخرى، وحينئذ يرى العقل أيضًا أن هذا المعنى أصبح حبًّا متحركًا ولذلك يكون تأثيره في النفس أعظم من الحقيقة المكشوفة، التي يتلقفها العقل من غير روية ولطف نظر، وموازنة تجري، وصلات تعقد، ومن غير تقارب واتفاق.
هذا هو ما يفهم من الخيال عند الإمام، وهو إن كان تفسيرًا غير دقيق وشامل للخيال فهو قريب نوعًا ما من مفهوم الخيال حديثًا لأسباب هي:
أ- أنه يخالف الحقيقة بغض النظر عن التشبيه الذي قالوا عنه: إنه فرع الحقيقة لا المجاز، فيكفي فيه حسن التعليل لا المنطق.
ب- الخيال الركن الركين للشعر.
جـ- الخيال يهز العواطف ويحرك النفس.
د- أنه يتخذ مادته من المشاهدات المحسة.
هـ- أنه يبعث الحياة والحركة والمعاينة في الجامد والمعدوم والمفقود.
و أنه يحتاج في الوقوف عليه إلى دقة ولطف ونظر وروية.
ز- أنه يعقد الصلات بين الأشتات حتى تظل مقبولة في النفس.
وهذه الخصائص تمثل شوطًا لا بأس به في تحديد مفهوم الخيال وتوضيحه وبيان أثره في النفس، وهو في نفس الوقت يمثل طورًا من أطوار مفهومه التي مر بها في الأدب العربي، حتى اكتملت معالمه في العصر الحديث.
стр. 84
والنقاد العرب قطعوا شوطًا كبيرًا في توضيح مفهوم الصورة الأدبية، بعد أن مرت هي كذلك بمراحل النمو والتدرج الطبعي للأشياء، وإن اتجهت عنايتهم التامة بالصورة الجزئية، مغفلين أمر الصورة الكلية إلا نادرًا، وهذا لا يضر بمفهومها في ذاته.
ولا يصح أن نفرض مفهومًا حديثًا، ونطبقه على المفهوم القديم، لنتهمهم بالتقصير لعدم المطابقة بين المفهومين، ليس هذا بمعقول؛ لأن النقد القديم كان يمثل مرحلة تاريخية في بناء الفهم للصورة الأدبية، ولذلك كان النقاد غالبًا ما يستعملون الشعر والكلام مكان الصورة كالآمدى، أو النظم والتأليف -والصياغة كما هو الشأن عند معظمهم، حتى من فطن منهم إلى التعبير بالصورة كان يمر بها خاطفًا كالبرق، ولعل فن التصوير والرسم لم يبلغوا فيه درجة ما بلغناه في عصرنا، حتى أصبح هذا اللفظ على كل لسان حديثًا، فاستخدموه في التجارب المعملية، وفي معامل العلوم الحديثة، وكذلك يرجع الإقلال من التعامل بالصورة قديمًا، وإحلال النظم أو الصياغة إلى غير ذلك محلها، إلى حداثة الامتزاج بالأعاجم وشيوع اللحن في اللغة العربية فوجد النقاد، والأدباء أن الأنسب في مواجهة هذا التيار المشوب باللكنة والعجمة والتعبير باللفظ والمعنى والنظم والتأليف والصياغة والكلام، مما يدل بالنص والتصريح على اللغة وخصائصها؛ لأن الصورة تعبير غير مباشر، لبيان المراد في اللغة، وإن ترددت على ألسنتهم متأثرين بما ترجموه عن الأعاجم، فما زالت الصورة غير مختمرة بعقولهم ولا ممتزجة بعواطفهم، لذلك تجنبوا التعبير بها إلا قليلا، حتى تختمر وتمتزج بنفوسهم، ليعبروا بها عن أصالة وإحساس صادق وقد نبعت من حياتهم ولغتهم وأدبهم.
стр. 85
ابن الأثير والصورة الأدبية:
ومن أنصار النظم ابن الأثير١ الذي يرى أن الصورة لا تكون إلا من علاقات الألفاظ بعضها ببعض، وهو دون الإمام عبد القاهر؛ لأنه أولًا متأثر به، وثانيًا لم يأت بجديد، فهو أقل منه في التناول والتفصيل والدقة والاستيعاب.
ولكن الذي دعاني إلى ذكره في مراحل نمو الصورة وأطوارها، هو ذوقه الأدبي الذي ينبغي أن يذكر هنا كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
يرى صاحب "المثل السائر" أن الصورة الشعرية لا تكون في اللفظ وحده، ولا في المعنى وحده، بل في العلاقة بين الكلم والنظم لمعاني الألفاظ، وبه يقع التفاضل في الصورة الناتجة عن النظم، وتأخذ من الفضل على قدر درجة التنسيق في التركيب، وحسن التأليف فيه، وتلبية الكلمة لمكانها، لترجع المزية إليه لا إلى اللفظ المفرد، أو المعنى المستقبل. يقول:
"إن تفاوت التفاضل يقع في تركيب الألفاظ أكثر مما يقع في مفرداتها؛ لأن التركيب أعسر وأشق. إذا فكرت في قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ بل تجد ما وجدته من المزية الظاهرة، إلا لأمر يرجع إلى تركيبها، وأنه لم يعرض لها هذا الحسن، إلا من حيث لاقت الأولى بالثانية والثالثة بالرابعة وكذلك إلى آخرها"٢.
стр. 86
ثم يوضح اتجاهه في الصورة، ورأيه في النظم، ويؤيد ذلك بالأدلة القوية، والشواهد الرادعة، التي لا تبقي لمنكر بقية من اعتراض أو نفي، فيذكر الفروض للمرتاب ليتأمل الصواب فيما يقول ويحكم على نفسه بالخطأ، حينما يوجه افتراضه إلى المعترض قائلًا له: لو أخذت لفظة من مكانها في الآية السابقة، فإننا لا نرى لها بمفردها من الحسن ما لها وهي في موضعها بين أخواتها، إذ لو كان لها هذا الحسن مفردة، لأصبحت كل لفظة صورة أدبية للمعنى، وهذا مما يأباه العقل السليم، والحس الصادق، ويثني بدليل آخر، وهو أن اللفظة الواحدة، قد تروق في صورة ولا تحسن في صورة أخرى وهو في هذا متبع للإمام عبد القاهر الناقد العربي الكبير يقول ابن الأثير:
"فإن ارتبت في ذلك فتأمل هل ترى لفظة منها لو أخذت من مكانها، وأفردت من بين أخواتها، كانت لابسة من الحسن ما لبسته في موضعها من الآية؟ ومما يشهد لذلك ويؤيده، أنك ترى اللفظة تروقك في كلام، ثم تراها في كلام آخر فتكرهها١".
وذلك مثل كلمة "تؤذي" في آية الأحزاب، فقد حسن موقعها منها، وأخذت مكانها في نظم القرآن، وفيها من التناسب والتلاؤم والترابط والانسجام ما يرتفع بالآية إلى درجة الإعجاز، كالشأن في القرآن الكريم كله، فتعلقت الكلمة بأخواتها وامتزج معناها بمعاني أخواتها، فتلاقت مع الشرط في: ﴿إِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ وفي الشرط تقييد، ولا يخفى ما فيه من إيذاء إيجابًا وسلبًا ومع النفي في قوله تعالى: ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ والنفي كالشرط لما فيه من الترك والإهانة كذلك الاستحياء ومن لا يستحيي من المطعمين، فهو أشد الناس إيذاء، وأبعدهم
стр. 87
عن معاني النبل والإنسانية، ألم تبلغ الكلمة الإعجاز مع أخواتها في الآية ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .
ونفس الكلمة قد وقعت في بيت للمتنبي، فلم تجد مكانها بين أخواتها في النظم فكان التناقض والانفصام في الصورة الشعرية يقول المتنبي:
تلذ له المروءة وهي تؤذي ... ومن يعشق يلذ له الغرام
فهل لكلمة "تؤذي" -وفيها ما فيها من القبيح- مكان من أخواتها في الصورة التي تدل على الجمال والحب والوفاء، وهي: "تلذ، المروءة، يعشق، يلذ، الغرام" بل البيت كله، وبها اختلت الصورة واضطرب الانسجام في البيت.
ويضرب ابن الأثير المثل لذلك في نقده للكلمة التي وقعت في آية الأحزاب وفي صورة للمتنبي فيقول: أما الآية فهي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ وأما بيت الشعر فهو كقول أبي الطيب المتنبي:
تلذ له المروءة وهي تؤذي ... ومن يعشق يلذ له الغرام
وهذا البيت من أبيات المعاني الشريفة، إلا أن لفظة "تؤذي" قد جاءت فيه وفي الآية من القرآن، فحطت من قدر البيت لضعف تركيبها، وحسن موقعها في تركيب الآية، وهذه اللفظة التي هي "تؤذي" إذا جاءت في الكلام، فينبغي أن تكون مندرجة مع ما يأتي بعدها، متعلقة به كقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ وقد جاءت في قول المتنبي منقطعة"١.
стр. 88
ويقيم دليلًا آخر على مذهبه أكثر إيضاحًا، فيرى أنه قد يكون هناك لفظتان مختلفتان في المادة، متحدتان في المعنى، والوزن، وحسن الاستعمال، ومع ذلك لا تصلح هذه مكان تلك، بل لكل منهما موضع متميز في النظم والتصوير. يقول: "إنك قد ترى -لفظتين يدلان على معنى واحد، وكلاهما حسن الاستعمال وهما على وزن واحد، وعدة واحدة إلا أنه لا يحسن استعماله هذه في كل موضع تستعمل فيه هذه، بل يفرق بينهما في مواضع السبك"١.
ويرى ابن الأثير أن الكلمة في الصورة الأدبية، توحي بمعان جديدة في النظم لم تكن لها وهي مفردة عنه، وتشف عن أضواء لم تكن فيها قبل، كاللآلئ الغالية، فكل حبة من اللؤلؤ في العقد، اكتسبت من جاراتها إيحاءات جديدة إذا وقعت في مكانها المناسب، وتفيض عليها أخواتها ظلالًا وأضواء، تعكس ألوانًا وأطيافًا خلابة، وتؤدي هي الأخرى دورها كذلك، فتتجاوب بشعاعها مع الأصداء، ثم ذلك النمو التدريجي بين الحبات، ليتم لها الانتقام والالتئام مع غيرها ويضفي على العقد الصورة الرائقة الفريدة.
وكذلك الأمر في الألفاظ الغالية وغيرها، لو أخذ كل لفظ مكانه من النظم لأضفى على الصورة الأدبية، ما يشبه هذه الإيحاءات في العقد من اللؤلؤ، فإن ضلت الكلمة مكانها من النظم فقدت الصورة وحيها، وتلاشت الظلال والأضواء فيها. وكذلك الأمر حين يقع اللفظ الغالي في نظم فاسد، وصورة مضطربة فستفقد قيمتها من الصورة، مع أنها في غاية الجودة وهي مفردة، وفي ذلك يوفق ابن الأثير غاية التوفيق، ويسبق نقادنا المعاصرين إلى وحي الصورة، في دقة تناول وبراعة
стр. 89
تقديم، وقدرة فائقة لتحديد معالمها، بذوقه الأدبي وإحساسه الصادق، وثقافته الواسعة، وخبرته بالنقد والأدب، يقول ابن الأثير: "يخيل للسامع أن هذه الألفاظ ليست تلك التي كانت مفردة. ومثال ذلك كمن أخذ لآلئ ليست من ذات القيم الغالية، فألفها وأحسن الوضع في تأليفها فخيل للناظر بحسن تأليفه، وإتقان صنعته، أنها ليست تلك، التي كانت منثورة مبددة، وفي عكس ذلك، من يأخذ لآلئ من ذوات القيم الغالية، فيفسد تأليفها، فإنه يضع من حسنها، وكذلك يجري حكم الألفاظ الغالية مع فساد التأليف"١.
يحيى بن حمزة العلوي:
وصاحب الطراز قد بالغ في اهتمامه بالمعنى أكثر من غيره وظهرت أثر الفلسفة في تناوله للمعنى، ورعايته لها في كتابه، فقد عد المعاني أصلًا والألفاظ تابعة لها وترجع أصالة المعنى عنده، والاعتداد به في الكلام والتصوير إلى أسباب هي في معظمها ترجع إلى الفلسفة وعلوم العقل وإلى علوم اللسان، وعذره في ذلك أنه متأثر في عصره بهذا اللون من الفكر، وكاد أن يفسد الذوق الأدبي ويقضي على روح البلاغة العربية.
فالصورة الأدبية عنده التي تأسر العقل والإحساس بجمالها إنما ترجع إلى المعنى؛ لأنه الأصل، ولو وقعت في لفظ رديء باهت. لذا عد صاحب الطراز من أبرز أنصار المعنى والأسباب التي ترجع المعنى عنده هي٢:
أ- أن لكل من الإنسان والأسد والفرس معنى واحد في كل لغة. وإنما
стр. 90
الذي يقع التغيير فيه هو اللفظ لهذه المعاني، فقد تواضعت لكل لغة على لفظ خاص بها يختلف على اللغة الأخرى.
ب- قد يكون للمعنى الواحد ألفاظ كثيرة، يدل كل لفظ منفردًا على المعنى وتعدد الألفاظ للمعنى الواحد يدل على أن الأصل للمعنى لا للفظ، لاختلاف الألفاظ عليه، وتعاقبه فيه، ولو كانت هي الأصل لاختلفت تبعًا لاختلاف المعاني عليها كذلك.
ج- لو كانت المعاني تابعة للألفاظ لأصبح لكل معنى لفظ يدل عليه. وهذا باطل؛ لأن المعاني غير محدودة، ولا نهاية لها، ولكن الألفاظ محدودة محصورة ولا يعقل أن يكون اللانهائي تابعًا للمحدود، والعكس صحيح، وهو تبعية المحدود وهي "الألفاظ" لما نهاية له من "المعاني"؛ لأن المعاني في الأذهان، والألفاظ طارئة عليها.
والذين انتصروا للمعنى اهتموا به مجردًا غير مرتبط باللفظ غالبًا، فتؤدي عنايتهم به إلى عدم الاهتمام بالصورة الأدبية، وقلة مبالاتهم بالجودة فيها اكتفاء منهم بشرف المعنى وجودته.
وهذا الاتجاه يذهب بجمال اللغة، وروعة التصوير وقوة التعبير، فيضعف الذوق الأدبي، وتموت الحاسة الفنية، التي تدرك جمال الصياغة، وجلال الصورة فتنفق صورة الأدب، وتقفر دولة الشعر؛ لأن البراعة والابتكار يكون محدودًا في مجال المعنى، لا يبرع فيه إلا الشعراء الأوائل، أو العباقرة من الشعراء بعد ذلك، وهم واحد أو اثنان في كل عصر أو قرن.
ولكن مجال الصياغة والتصوير للمعنى، أو توليد معنى آخر منه، أوسع دائرة وأعم في صورة أخرى، وهي دائمًا موطن الابتكار، وأساس الاختراع في المعنى لذلك تتسع دولة الآداب، ويتكاثر الشعراء النابغون في كل عصر،
стр. 91
فيستوحي كل منهم صورة من صورة سابقة، أو يولد صورة من غيرها، أو يبتكر صورة من عنده، فيأخذ الشاعر اللاحق مكانه من الفضل، كما أخذ السابق في ابتداعه مكانًا، وساغ الشعراء بعد ذلك الاستيحاء والتوليد، والتأثر والاختراع.
لذلك كان أنصار اللفظ أكثر نشاطًا في الأدب، وأعظم عونًا لتفوق الشعر واتساع مملكته وأجدى نفعًا للصورة الأدبية، وللأدب بصفة عامة. وأكثرهم رعاية لتربية الأذواق، وتنمية الحواس الفنية.
وأصدق من هؤلاء تقديرًا للشعر والأدب، هم الذين يربطون المعنى واللفظ -ويهتمون بالنظم والتركيب، فهم أقرب فهمًا للصورة الأدبية بمعناه الكامل، ومغزاها الدقيق النامي، فبالنظم يأخذ الأدب مكانه، وتعود للشعر رونقه، ويكون للصورة سحرها وأثرها القوي في النفوس.
ومهد الطريق في دراسة فن النظم للإمام عبد القاهر الذي ثم على يديه، مهده كثرة من الأدباء والنقاد قبله.
منهم من أشار إشارة عابرة، ومنهم من نص وتذوق، ومنهم من طبق النظم على نصوص لانكشف عن عبقرية في باب النظم والتصوير حتى جاء الإمام عبد القاهر فحقق ما لم يحققوه واستحق لذلك الإمامة بينهم وأتى من بعده فألقى عصى التسيار عنده، وأخذ يدور ويلف حول آرائه في النظم، حتى ضل الطريق ووقع مغشيًّا عليه في ساحة الجدل والمنطق والفلسفة وسنوضح أثر أنصار النظم في الصورة الأدبية، ومدى نضوجها واكتمالها بمصادر حيويتها وقوتها وروعتها.
وأراني في هذه القمة بلغت حد التجاوز قليلًا، فإذا أطلقت على من يؤثر اللفظ "أنصار اللفظ" فهذا أولًا من باب تغليب اللفظ على المعنى عندهم وثانيًا: فهو حكم تقريبي.
стр. 92
وكذلك الأمر في أنصار المعنى، وأنصار النظم "أي اللفظ والمعنى"؛ لأن من رجح اللفظ أو المعنى لا يهمل المرجوح منها ألبتة، ولكنه يكون دون ما رجحه، وكذلك أيضًا اللفظ والمعنى معًا فمن شايعهما لا يهتمون بالنظم وحده بل باللفظ على حدة وبالمعنى كذلك، وإن كان جل عنايتهم بالنظم والتأليف أولى وأعظم وهي محل النبوغ الأدبي، وموطن البراعة في التصوير الشعري.
الصورة الأدبية عند نقاد آخرين:
وممن عرف للصورة الأدبية مكانها من المزية والبلاغة أبو علي أحمد بن الحسن المرزوقي١ وغيره من النقاد، وسبق بحث قضية الصورة الأدبية عند ابن الأثير وقد حفل عبد الرحمن بن خلدون بالصياغة وعد المعاني تابعة للألفاظ، فهي التي تكشف عنها، وتدل عليه يقول:
"إن صناعة الكلام نظمًا ونثرًا إنما هي في الألفاظ، لا في المعاني، وإنما المعاني تبع لها وهي أصل ... وذلك أن قدمنا أن للسان ملكة من الملكات في النطق، يحاول تحصيلها بتكرارها على اللسان حتى تحصل، والذي في اللسان والنطق إنما هو الألفاظ. أما المعاني فهي في الضمائر، وأيضًا فالمعاني موجودة عند كل واحد، وفي طوع كل فكر منها ما يشاء ويرضى، فلا يحتاج إلى صناعة، وتأليف الكلام للعبارة عنها هو المحتاج للصناعة كما قلناه، وهو بمثابة القوالب للمعاني، فكما أن الأواني التي يغترف بها والماء من البحر، منها آنية الذهب والفضة، والصدف والزجاج والخزف والماء واحد في نفسه، وتختلف الجودة في الأواني المملوءة بالماء باختلاف جنسها لا باختلاف الماء، كذلك جودة
стр. 93
اللغة وبلاغتها في الاستعمال، تختف باختلاف طبقات الكلام في تأليفه باعتبار تطبيقه على المقاصد والمعاني واحدة في نفسها"١.
ولشدة اهتمامه باللفظ وعنايته بالصورة جعل المعاني تابعة للألفاظ، فهي قوالب للمعاني، والصورة آنية لها، كالأواني تختلف في صورتها -مع الماء الواحد- من ذهب إلى فضة، ومن زجاج إلى صدف، فتختلف جودتها، كذلك الأمر في جودة اللفظ والصورة، إنما ترجع إلى حسن الاختيار وقوة الرصف وجمال التنسيق.
وتحديد ابن خلدون للشكل والصورة بما تقدم. يؤدي إلى الفصل التام بين اللفظ والمعنى، وضعف العلاقة بينهما، فالآنية منفصلة عن الماء، انفصال الثوب عن البدن كما ارتأى ذلك أبو هلال، واللفظ عنده لا حياة فيه ولا ماء، بل هو مجرد من الروح والحيوية.
ورد اختلاف الصورة إلى اختلاف الشكل مع اتحاد المعنى، وشبهها باختلاف المعادن مع اتحاد الماء بداخلها في كل معدن.
ويبدو في هذا عدم الدقة في فهمه للصورة الحقة، التي يستطيع الشاعر فيها أن يشكل من المعنى الواحد -كالمعدن الواحد- صورًا عدة مع أن عبد القاهر الجرجاني قد سبقه بذلك مما يدل على تسرع منه في فهم الشكل والصورة، وإن اتفق مع الجاحظ في الاهتمام باللفظ والصياغة.
стр. 94
وهو يخالف ابن الأثير وغيره حيث عد الأخير الألفاظ تابعة للمعاني، خادمة لها، وإن اتفق معه ومع أبي هلال العسكري في انفصال الصورة عن معناها، فجعلها كالأردية والأثواب المحبرة يقول ابن الأثير١.
"إذا رأيت العرب قد أصلحوا ألفاظهم وحسنوها ورققوا حواشيها وصقلوا أطرافها فلا تظن أن العناية إذ ذاك إنما هي بألفاظ فقط بل هي خدمة منهم للمعاني، ونظير ذلك إبراز صورة الحسناء في الحلل الموشية والأثواب المحبرة فإننا نجد من المعاني الفاخرة ما يشوه من حسنه بذاءة لفظه وسوء العبارة عنه".
стр. 95
الفصل الثاني: الصورة الأدبية في النقد الأدبي الحديث
سبق أن قلنا: إن النقد العربي القديم، قطع شوطًا مضنيًا وشاقًّا لتحديد مفهوم الصورة الأدبية، وساعد على ذلك شغل النقاد الشاغل ببحث قضية اللفظ والمعنى، وعن الصورة تعرفوا على معظم خصائصها، وبعضهم كالإمام عبد القاهر الجرجاني مثلًا عني بتحليل صور أدبية كثيرة، وبيان مصادر الجمال فيها، فدل بذلك على حسن ذوقه الأدبي، وأصالته ودقته.
وجاء دور النقد الحديث في بحث الصورة والتعرف على خصائصها، وأثرها في النفس، وقد استعانوا في نشاطهم النقدي برافدين أساسيين هما:
أولًا: الجهود التي قام بها النقاد العرب في النقد القديم، وكانت تمثل المراحل الأولى، وتكشف عن أصالة اللغة العربية في توضيح مفهوم الصورة الأدبية.
ثانيًا: النقد الأدبي الغربي، بما فيه صراع بين مذاهبه الأدبية المختلفة وأثر هذه المذاهب في تحديد مفهومها، حسب روح كل مذهب وأهدافه.
والعامل الثاني: وإن كان له أثره الذي لا ينكر في نقدنا العربي الحديث، إلا أنه بمذاهبه المختلفة غير المستقرة، التي تتجدد من وقت لآخر، تجعلنا لا نطمئن إلى حكم دقيق، في تحديد مفهوم الصورة الأدبية، من وجهة نظر أصحاب المذاهب النقدية في العرب.
وقد استطاع النقاد المعاصرون بنشاطهم النقدي توضيح الصورة وتعميق جوانبها المختلفة، وألبسوها ثوبًا جديدًا لم يكن في النقد العربي القديم، فشخصوا
стр. 96
أثرها وقيمتها، ومكانها من الأدب عامة ومن الشعر خاصة، ولتحديد مفهومها لا بد أن نوضح بإيجاز قضية الشكل والمضمون، لكي نعرف موقع الصورة منها. تعد هذه المشكلة من أهم قضايا النقد الأدبي الحديث، وكانت في النقد القديم تسمى قضية اللفظ والمعنى، وهي المشكلة التي أثارها الجاحظ، إذ شايع اللفظ ردًّا على عناية أبي عمرو الشيباني وأضرابه بالمعنى، فأصبح لكل من اللفظ والمعنى بعد ذلك أنصار، وقامت على أنقاضهما قضية النظم وأصبح لها أيضًا أنصار.
تلك هي مشكلة اللفظ والمعنى في النقد القديم قد وضحناها، وكشفنا عنها النقاب بقدر حاجة البحث إلى ذلك، وجاء النقد الحديث، ليخوض هذه التجرة في تيار عنيف، وهي التجربة الحية في مشكلة اللفظ والمعنى، أو الشكل والمضمون، أو الصورة والمحتوى.
ودراسة هذه القضية ضرورية في مجال الأدب والشعر؛ لأنها توضح جوهر الأدب وروحه، وتميز بينه وبين الرياضة والكيمياء، والطبيعة وغيرها من العلوم، التي تختلف في جوهرها وطبيعتها عن الأدب.
وأعظم التيارات التي أدت إلى إثارة المشكلة هي البحث عن القيم في العلوم والآداب ومدى النفع والخير فيها، ودرجة الفضيلة والإمتاع فيها، وغير ذلك مما يعود بالإصلاح والإمتاع، ويترتب على ما سبق: البحث عما تهدف إليه العلوم والآداب وأغراضها.
ومعلوم أن الغاية في العلوم هي ما تقدمه للبشرية من وسائل التقدم والحضارة، وتساعد بنظرياتها الدقيقة على رقي الإنسان وسموه، وأصبح لا خلاف في أن المضمون هو جوهر العلوم وروحها، ولا يهتم العالم أن يعرض نظرياته في أسلوب
стр. 97
فخم جزل حافل بالصور والأضواء، بل لا بد من اتخاذ الألفاظ والعبارات المحددة للمعنى في دقة وإيجاز.
وأما الأدب فهو محل الخلاف والصراع، فقد شغل خيرًا كبيرًا في النقد الأدبي وأخذ الناقد يبحث عن الغاية من الأدب، وينقب عن مصادر الجمال فيه، ومن هنا انبعث الانشقاق في ساحة النقد الأدبي، وظلت تصطخب بالفرق، التي تناصر كل فرقة رأيها واتجاهها في ذلك، وتشعبوا في نصرتهم لآرائهم إلى أنصار ثلاثة:
أ- أنصار الشكل:
وهم الذين يضعون حدًّا فاصًلا ودقيقًا بين العلم والأدب، فالعلوم تقوم على الاهتمام بالمضمون، والأدب ينبغي ألا يعرف إلا الشكل، الذي يهتم فيه المنشئ بالصياغة والموسيقى والتصوير، وكل ما يتصل بالناحية الخارجية في العمل الأدبي، وموطن الجمال فيه، وقد فلسفوا الشكل فلسفة نفعية عن طريق غير مباشر:
أولًا: أن ما يثيره الجمال من الإمتاع، يصقل ذوق الغير ويهذب نفسه ويطبعها على حب الجمال والفضيلة، فتكون النفس أهلًا للخير والنفع والإصلاح، إذ شارك صاحبها في ميدان العلم أي الإصلاح في الحياة والنهوض بها.
ثانيًا: أن العمل الفني الذي يعني فيه بالشكل، هو عصارة خالصة، تتصل بذات الفنان ومشاعره وأحاسيسه؛ لأنه يعبر عن واقع آخر، وفي هذا تحقيق لقيمته عند الشاعر أو الأديب في الحياة، ألا وهي الصدق بين نفسه وبين العمل الفني، وهي غاية نبيلة وخلقية في ذاتها١.
стр. 98
ثالًا: والشاعر الذي يهتم بالشكل، إنما يهرب من مطالب الحياة هروبًا صريحًا في شعره، وهو في الحقيقة باتجاهه الشكلي الخالي من التوجيه المباشر، يهرب من واقع المجتمع المر القبيح، وفي هذا الهروب ذاته سخط على أوضاع المجتمع وشروره، فهو يطالب بالتخلص منه ومن شروره عن طريق غير مباشر وبالإيحاء، وبعد هذا المركب الرمزي عند الشكلين من أخص خصائص الفن الراقي؛ لأن في الهروب والسخط على النمط السابق قيمًا أخلاقية وإصلاحًا اجتماعيًّا، وغايات نبيلة للفن الشعري١.
رابعًا: إن الشاعر حينما يعاني تجربته الذاتية، ويصورها كما هي في نفسه، من غير أن يكون لها صلة بالواقع في الظاهر، غاية اجتماعية، تفيد الغير، فإن عملية التخلص من هذه المعاناة، وإبراز التجربة في عمل فني مجسم في الخارج، تعد أكبر قيمة نفعية بها فتحرر الأديب من الألم المكبوت في نفسه، وكأنه بهذا يدعو كل الناس إلى أن يصنعوا مثل صنيعه حتى يتحرروا من شرور النفس، وهي في ذاتها غاية نبيلة في الحياة، وإن تحققت عن طريق غير مباشر وجاءت تبعًا من غير قصد في البداية.
وعلى ذلك فالشكليون يعنون بالصورة الأدبية أشد العناية، ويهتمون بأركانها وعناصرها، ويرصفون أجزاءها، ويهذبون متونها، ويحككون ويصنعون لتأخذ بمجامع القلوب وتستولي على العواطف والنفوس، ولا عليهم أن يملأ تجويفها بالمعاني اللطيفة، وتفيض مكامنها بالأفكار المنتجة النافعة، إلا إن كانت وسيلة في العمل الفني لا غاية، ولا يعنيهم أن يكون المضمون جميلًا أو قبيحًا، ما دام كل
стр. 99
من الجمال والغاية يرجع إلى الروعة الفنية بين التراكيب، والعمل على التنسيق بين الصور، وقدرتها على نقل أحاسيس الشاعر الذاتية.
فابن الرومي حينما يصور "الأخدع" إنما يتخلص في تصويره من شرور في النفس تكاد تزهقه، وفي هذا تنفيس عن شؤمه، واسترواحة مما يعانيه من الألم الممض المكبوت ثم تنفير الناس من هذا التكوين في شكل الأخدع وهيئته القبيحة، حتى يتجنبوا مهاويه ومساقطه، ولا يقترفوا أسبابه وعلله في حياتهم، وهو في صنيعه هذا يحذر الأجيال المقبلة من هذا القبح وهجر أسبابه، حتى لا تعتريهم العاهة في الكبر، فلا يكونوا محلا للسخرية والإضحاك مثل الأخدع في صورة ابن الرومي التي يقول فيها:
قصرت أخادعه وطال قذاله ... فكأنه متربص أن يصفعا
فكأنما صفعت قفاه مرة ... وأحس ثانية لها فتجمعا
وكذلك الأمر في تصوير ابن الرومي للمعنى القبيح الصوت، "أبي سليمان" فهو ينقل إلينا مشاعره بصدق إزاء صوته القبيح، ثم يحرر نفسه من هذا الألم الذي يعانيه من بشاعة الصوت، ثم الدعوة إلى أن يكون الغناء صادرًا عن مغن حسن الصوت، حتى لا يتأذى الناس منه؛ لأن في الغناء إمتاعًا وجمالًا. ولا بد أن يكون مصدره كذلك. يقول:
ومسمع -لا عدمت فرقته ... فإنها نعمة من النعم
يطاول يومي -إذا قرنت به- ... كأني صائم ولم أصم
إذا تغنى النديم ذكَّره ... أخذ السياق الحثيث بالكظم
يفتح فاه من الجهاد كما ... يفتح فاه لأعظم اللقم
стр. 100
أبح فيه شذوذ حشرجة ... منظومة في مقاطع النغم
نبرته غصة وهزته ... مثل نبيب التيوس في الغنم
كأنني -طول ما أشاهده- ... أشرب كأسي ممزوجة بدمي
وابن الرومي في هذا يولي اهتمامه بالصورة الأدبية، ولا يعنيه إلا التصوير وأما المضمون هنا فليس تعبيرًا مباشرًا عن إصلاح أو دعوة إلى الخير، أو تقديم منفعة للحياة، وإنما جاءت القيمة الخلقية في الصورة، من وراء ستار، وبععد إمعان ودقة نظر عن طريق الوحي والإشارة البعيدة.
ب- أنصار المضمون:
وهم في دعوتهم هذه لا يهملون الشكل والصورة، ولكن عنايتهم بها بعد المضمون في الدرجة والرتبة، فالصورة عندهم وسيلة فقط لإبراز الغاية من الأدب: وهو المحتوى والمضمون، ولو تحقق المضمون بدون اهتمام الصورة وعناية الشكل، فلا ينقص من جمال الأدب عندهم، الذي يقوم على غاية واحدة، وهي النفع والخير والفائدة.
فابن الرومي حينما يدعو إلى العفو والسماحة، إنما يريد أن يشيع المحبة والتسامح بين الناس حتى يسير ركب الحياة إلى ما هو أفضل. يقول:
أتاني مقال من أخ فاغتفرته ... وإن كان فيما دونه وجه معتب
وذكرت نفسي منه عند امتعاضها ... محسن تعفو الذنب عن كل مذنب
فيا هاربًا من سخطنا متنصلًا ... هربت إلى أنجى مفر ومهرب
فغدرك مبسوط لدينا مقدم ... وودك مقبول بأهل ومرحب
ولو بلغتني عنك أذني أقمتها ... لدى مقام الكاشح المتكذب
ولست بتقليب اللسان مصارمًا ... خليلي إذا ما القلب لم يتقلب
стр. 101
وكذلك حينما يصور فصل الصبر وميزاته، وحرمة المسلمين في رثاء البصرة، وذم الحقد وتنفير الناس منه صراحة، وغير ذلك مما تهدف إليه صورته الأدبية، من غير قناع ولا ستار فيقصد ابتداء المضمون، وينشد الغاية من التصوير الأدبي.
ج- أنصار العمل الفني "الصورة والمضمون معًا":
وهؤلاء لا يهتمون بالمضمون وحده، ولا بالشكل وحده، وإنما يهتمون بالعمل الأدبي، فيحرصون على الغاية من الأدب، كما يحرصون على إظهاره في صورة خلابة وشكل جميل، يهز أعماق النفس ويحرك المشاعر والعواطف، فالعناية فيهما بدرجة واحدة، فإن كان المضمون خلاقا ونافعًا، لكنه إن ظهر في شكل رديء وصورة واهية مهلهلة، فإن كان كذلك فسيفقد أساسًا كبيرًا وعنصرًا جوهريًّا يهز النفس، ويثير المشاعر، ويوقظ الأحاسيس، وكل هذه هي مفتاح العقل وصمام الفكر؛ لأن الإنسان يقتنع بمشاعره وأحاسيسه قبل أن يقتنع بعقله وفكره، يتنقل بين الجوانب المحسة في الصورة، قبل أن تستحيل إلى أفكار مجردة تصور واقعًا جديدًا، وإصلاحًا، أو إرشادًا يمت إلى الواقع بأسباب وعلاقات.
وعلى ذلك فالعمل الفني يبعث في النفس الحياة والنشاط، ويهز النفوس ويوقظ الأذهان، ويسهم في بناء الحياة ونهضة الأمم، التي لا تنهض ولا تقوى إلا على أساسين كبيرين هما: العاطفة والعقل، ولا يستغني أحدهما عن الآخر.
وكذلك الأمر هنا لو كانت الصورة الرائعة لا تحمل مضمونًا نافعًا، فإنها تشبه شجر الخلاف تفتن بمنظرها ولكن لا نفع لها ولا ثمر، مع أن اللفظ في ذاته لا بد أن يحمل معنى تكون قيمته بقدر مشاركته في الصورة، ويسهم كل
стр. 102
لفظ في موضعه الذي اقتضاه بين إخوته في تحقيق غرض الصورة ومغزاها، ثم توحي الصورة القوية البارعة، بإيحاءات تعمق هذا الغرض، وتزيده ثراء وسعة، وبناء على ذلك لو اختل الترتيب في الألفاظ وضلت مواقعها لأدت الصورة معنى آخر مختلفًا وإيحاء مغايرًا لما سبق؛ لأنها تختلف في معناها ووحيها حسب اختلاف مواقع الكلمات فيها، ولو كانت مادة الألفاظ واحدة لم تتغير من صورة إلى أخرى.
وهذا يدل على أن لغة الصورة تلزم مضمونًا معينًا، وأن المضمون والغاية فيها ترتبط بقدرة الأديب على تشكيل الصورة وتسخير أدواتها لخدمة هذه الغاية، وتوجيهها نحو المعنى الذي يريد في أقوى صورة، فالشكل والمضمون يمتزجان معًا في وحدة وترابط، بحيث لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر، وعلى هذا فما الفرق بين الاتجاه الأخير وبين الاتجاهين السابقين، فأنصار كل منهما لا يهمل الأمرين الشكل والمضمون؛ لكنه يجعل أحدهما غاية، والآخر وسيلة؛ فالشكليون يهتمون بذات الصورة، ثم يأتي المضمون والمغزى تبعًا لذلك، وأنصار المضمون يعنون به، ويجعلونه غاية في ذاته، وتصير الصورة التي تنقله إلى الغير وسيلة -لا غاية- في إظهاره.
أما ما نحن بصدده الآن من الاتجاه الثالث، فهو يعتد بالأمرين معًا، بحيث لا يمكن الفصل بينهما، ولا تتأتى بحال التفريق بين الصورة وبين ما تحويه من معنى أو مغزى؛ لأنه يتفق وطبيعة اللغة فالألفاظ إنما وضعت لمعان تدل عليها، وقد سخرت لخدمة الناس والحياة كالشأن في الإنسان الحي، فالجسد فيه لا يستغني عن الروح، وكذلك لا تنقل الروح عن البدن فالحياة رهن امتزاجهما، وارتباطهما جميعًا فلا جسد بدون روح، ولا يعقل أن توجد روح من غير جسد،
стр. 103
وكل منهما له قيمته التي لا تقل عن الآخر، وعلى سبيل المثال نجد أن الصورة تمثل الآلة "الميكانيكية" فالحركة فيها مرهونة بوضع الأجزاء وكل في مكانه، في رباط قوي وإحكام ودقة، وإلا توقفت عن العمل لاختلال أجزائها واضطرابها في مواقعها.
وابن الرومي كان في معظم شعره يسير على النمط الثالث، حتى كاد أن يجمع النقاد، أنه من أصحاب المعاني الذين يعنون بالفكرة، ويعمقونها، ويهتمون بمضمونها، ويكاد أيضًا أن يجمع النقاد قديمًا وحديثًا على أنه الشاعر المصور والرسام البارع، والعبقري في تصويره.
وعندي أن العناية بالصورة والنبوغ فيها يستلزم العناية بمضمونها الخلقي فيها؛ لأن مراعاة التمام في أجزاء الصورة، وارتباطها، واستيفاء عناصرها، يؤدي في النهاية إلى كمال المعنى، وتمام الغرض، وحيوية المضمون، فالنبوغ في التصوير لا يفصل الشكل عن المضمون بحال.
والعمل الفني أشبه بالدائرة الكهربائية التامة المغلقة التي تبدد الظلمات بأضوائها، فإن اختل جزء منها، وانفتحت الدائرة من أي مكان توقف التيار وانقطع النور، فلا قيمة ولا حياة، بل توقف وظلام.
والأمثلة كثيرة في شعر ابن الرومي مثل صورته الرائعة في رثاء البصرة، فإنه يثور فيها على الظلم وأهله من الزنج، الذين انتهكوا الحرمات، وقضوا على المقدسات، في أبشع صورة يعرفها البشر، كلها غدر وخيانة، وظلم وقسوة، لا هوادة فيها ولا رحمة، ولا مراعاة للمبادئ الإنسانية والخلقية والحضارية، ثم يستغيث الشاعر بالعالم بالإنسانية كلها لإنقاذ الحضارة والمقدسات، وردع الطغاة والظالمين في البصرة وغيرها من الأمم، وذلك كله في صورة أدبية يقول في مطلعها:
стр. 104
ذاد عن مقلتي لذيذ المنام ... شغلها عنه بالدموع السجام
أي نوع بعد ما حل بالبصـ ... ـرة ما حل من هنات عظام
أي نوع بعد ما انتهك الزنـ ... ـج جهارًا محارم الإسلام١
وكذلك صورة في فضل الصبر وذم الحقد والمتكبر، وغير ذلك من الصور الرائعة التي تنقل الواقع في الحياة، لتحض على الخير، وتنفر من الشر إما بالتصريح أو بالإيحاء الذي هو أقوى عنده من التصريح.
ولما كان المضمون والمعنى ملازمين للصورة والشكل تعذر الفصل بينهما أثناء تحليل العمل الفني ونقده، وشق على الناقد في نقده التفريق بينهما كل على انفراد، حتى يمكن التعرف على المضمون كوحدة مستقلة، وعلى الصورة كذلك.
والصورة بهذه الصلة التي لا تكاد تنفك عن المضمون فيها خصائص شكلية مستقلة كانسجام الكلمة وإيقاعها، وموسيقاها داخلية كانت أو خارجية، وعناصرها من حركة وشكل وهيئة ولون وظلال وأضواء، وغير ذلك مما سيأتي تفصيله، ومما يرجع إلى الناحية الشكلية في الظاهر، لكن الحقيقة أن الصورة بعناصرها وأصواتها وتركيبها لم تأت عبثًا، وإنما جاءت لتجلي المضمون، وتتآخى في جميعها، لتكشف عن الغرض، فكل كلمة كالوتر تشارك مع غيرها في تكوين المعزوفة الموسيقية، وكل لفظ له لون خاص، يشترك مع غيره في إتقان الرسم وإحكام الرقعة الفنية الرائعة.
وكما قلنا: إن اختلاف الكلمة في موقعها من الصورة يؤثر فيها، ويمنحها مضمونًا آخر يختلف مع السابق في صورة أخرى، وهذا يدل على قوة التلاحم بين اللفظ ومعناه، وامتزاجهما معًا في بوتقة واحدة، من أجل الفكرة المطلوبة والغرض المنشود.
стр. 105
ولعل هذا هو الذي حذر منه د. غنيمي هلال حيث يقول: "على أننا نحذر من اتخاذ المضمون والشكل معيارًا للتحليل الأدبي، إذ كثيرًا ما يستخدم هذا التقسيم لتحليل العمل الأدبي إلى شطرين تحليلًا تحكميا؛ لأنا إذا أمعنا النظر، وجدنا بعض عناصر الشكل داخلة في المضمون ... واحتراسًا من هذا اللبس في التحليل، وتجنبًا للتحكيم في تقسيم العمل الأدبي نرى العدول عن اتخاذ المضمون والشكل أساسًا للتحليل الأدبي"١.
ومع أنه حذر منه فقد سار على التفريق بينهما أثناء دراسته، وفي كتابه المعنى الذي ورد فيه قوله السابق ولم ينص على ذلك. وليس هذا محلًّا للمناقشة هنا.
ولكن ما أعنيه هنا، ويهمنا في هذه القضية، أنني أتفق معه في أن الفصل بين الشكل والمضمون يجب أن نحذر منه، وكما قلت: إنه عسير وشاق، لكني أختلف معه أثناء التحليل الأدبي فيهما ونقدهما، وحين التقويم لإنتاج الشاعر، يلزم الفصل بينهما، ولو على نحو ما. وعلى الدارس للشكل والصورة أن يجعلهما معًا العمدة في بحثه، وتأتي دراسة المضمون تبعًا لذلك، وتصبح أبواب البحث وفصوله خاضعة لتكوين الصورة والشكل، ومثل ذلك حينما يتناول الدارس قضية الوحي في الصورة، فإنه -لا شك- سيبين إيحاءها، ويوضح أثره في المضمون وهكذا.
وهذا الاتجاه يعين الدارس على التعمق في الجزئية التي يدرسها، مما يؤدي إلى التخصص والدراسة الموضوعية الرأسية المنتجة، لا الدراسة الأفقية المستعرضة التي يتناول فيها الدارس الصورة والمضمون والغاية، وأثر الشاعر في كل ذلك، وهذه طريقة جامدة لا تعين على النهضة، ولا تربية الذوق عند الناقد.
стр. 106
هذا ومكان الصورة الأدبية من قضية اللفظ والمعنى، أو الشكل والمضمون وعلينا الآن أن نوضح مفهومها في النقد الحديث، وما نراه في ذلك من خلال آراء النقاد فيها، حتى يكون هذا المفهوم الذي سأنتهي إليه هو المقياس، الذي أعرض عليه كل جزئية من أجزاء البحث، والميزان الدقيق الذي يتأثر بكل ما دق أو عظم فيه.
النقاد المحدثون:
معنى الصورة:
والصورة الأدبية تعد من القيم الهامة والأساسية في الأعمال الأدبية، وفي فن الشعر خاصة؛ لأنها هي الوسيلة الجيدة الدقيقة في إظهار التجارب الشعورية بما تحوي من أفكار وخواطر، ومشاعر وأحاسيس، وبدونها لا نعرف شيئًا بدقة عن تجارب الغير، فكما لا يستطيع الغير أن يعرف عن تجاربنا شيئًا. لذلك أولى النقاد الصورة الأدبية كل عناية، لتحديد مفهومها، وهم متأثرون في ذلك بعاملين، لا يقل أحدهما عن الآخر في التأثير، وإن اختلف نوع التأثير في مفهوم الصورة حسب اختلافهما، وهما أصالة النقد العربي في توضيح الصورة كما قدمنا وأثر التيارات الجديدة للمذاهب الأدبية الحديثة الواردة من الغرب، في تلوين المفهوم للصورة، مع خضوعه للأصالة العربية في بيان معالمه.
وبالطبع إنني لن أدرس كل النقاد الذي تناولوها حديثًا لسببين:-
أولهما: أن نكتفي بالرواد ونقتصر عليهم.
ثانيهما: أن هؤلاء النقاد عاشوا في قرن واحد، وتجاوبت أصداء مفاهيم الصورة الأدبية عندهم.
стр. 107
لذلك ساغ لي بعض الشيء أن أقتصر على بعض اللامعين منهم، وهم بدورهم سيعبرون عن غيرهم من اللامعين وسواهم.
أحمد حسن الزيات:
يقول الزيات: والمراد بالصورة: إبراز المعنى العقلي أو الحسي في صورة محسة١، والصورة عنده خلق المعاني والأفكار المجردة، أو الواقع الخارجي من خلال النفس خلقًا جديدًا. لتبرز إلى الوجود مستقلة عن حيز التجريد المطلق وتتخذ لها هيئة وشكلًا، يأتي على نمط خاص، وتركيب معين، بحيث تجري فيهما -على هذا النسق- الحياة والروح، والقوة والحرارة، والضوء، والظلال، والبروز والأثر٢، وبذلك يتلقى السمع من الصورة أصوات الفكرة، وترى العين ألوانها، وترقب حركاتها، وتحس النفس نسيمها وانطلاقه، وتستروح الآناف رائحتها، وتستعذب الأذواق طعومها.
ويرى الزيات أن الصورة لا يمكن فصلها بحال عن الفكرة، وينكر أشد الإنكار هؤلاء الذين يمثلون الصورة بالكساء، فهي رداء ذاتي مستقل له خصائصه وأوصافه، ولكنه يرى تبعًا لابن رشيق وغيره أن العلاقة بينهما كالعلاقة بين الجسد والروح، لا يمكن أن يستقل أحدهما عن الآخر، وإلا مات الحي؛ لأن البلاغة لا تفصل بين الموضوع والشكل، فالصورة والفكرة كل لا يتجزأ، إذا تغيرت الصورة تغيرت الفكرة. وكذلك الأمر لو تغيرت الفكرة تتغير الصورة، فهناك فرق بين القولين: ما شاعر إلا فلان، وما فلان إلا شاعر،
стр. 108
ويرى أن العمل الفني١. كالماء يتكون من الصورة والفكرة، كما يتكون الماء من الهيدروجين والأكسوجين, ولو استقل أحدهما، أو تغيرت نسبته، انعدم وجوده، حتى لو وجد لكان غير طبيعي٢. وأرى أن هذا الاتجاه مع ثقافة الزيات الواسعة، تظهر فيه الأصالة العربية، في فهم الصورة متأثرًا بابن رشيق وعبد القاهر وغيرهما، وإن كانت ثقافته العميقة أعانت على توضيح الصورة أكثر وأعمق ممن تأثر بهم من القدامى، وبيان خصائصها التي نبعت من عبارته "صورة محسة".
ويذكر بعض الصور ليميز فيها بين الفكرة وصورتها، التي يشخص معالمها في قوة وبراعة، وذلك في قول علي بن أبي طالب: "إلا أن الخطايا خيل شمس حمل عليها أهلها، وخلعت لجمها، فتقحمت بهم في النار. وأن التقوى مطايا ذلل حمل عليها أهلها، وأعطوا أزمتها، فأوردتهم الجنة". يقول الزيات: تجد صورتين صورة الفرس الشموس، لم يروض ولم يلجم، فيندفع براكبه جامحًا، لا ينثني حتى يتردى به في جهنم، وصورة الناقة الذلول قد سلس خطوها، وخف عنانها، فتنطلق بصاحبها في رسيم كالنسيم حتى تدخل به الجنة، ثم تجد عاطفتين عاطفة النفور من الألم الذي يشعر به الخاطئ، وقد جمحت به خطاياه الرعن في أوعار الأرض، حتى ألقته في سواء الجحيم، وعاطفة الميل إلى لذة المتقي والورع، وقد سارت به قواه سيرًا لينًا، حتى أبلغته جنة النعيم، ذلك من حيث الموضوع، أما من حيث الشكل فتجد اختيار الألفاظ المناسبة لفكرة كالمطايا وما يلائمها من الانقياد والإيراد هنا، وكالخيل وما يوائمها من الشماس والتقحم هناك. والفرق في الطبيعة بين هذين الحيوانين، في هذين المكانين لا يخفى على ذي لب
стр. 109
ثم تجد بعد ذلك التأليف المتوازن المحكم الرصين، وهذه المقابلة البديعة بين عشرة معان لا تكلف في صوغها ولا تعسف١.
ويرى الزيات أن الصورة في العمل الأدبي، لا بد أن تتوافر فيها الوسائل المنتقاة، التي تتلاءم مع الفكرة والعاطفة في نسق يفيض بالإيقاع والنغم، فالمطايا التي اختيرت للتقوي سهلة الانقياد، والخيل التي اختيرت للخطايا شرود جموح، ثم هذه الموسيقى على امتداد النص من المزاوجة والطباق والمقابلة وفوق هذا وذاك خرجت الفكرة المجردة. وهي التقوى والخطايا في صورة محسة مألوفة وهي صورة المطية والخيل.
أحمد الشايب:
ويرى أحمد الشايب أن الصورة الأدبية لها معنيان حسب نوعية الجنس الأدبي:
أحدهما: يكون في الشعر التمثيلي وما يشبهه من النثر الفني كالقصة والأقصوصة والرواية والمسرحية النثرية، والصورة الأدبية في هذا النوع لا تدخل معنا في بحثنا وتخالف النوع الثاني الذي يتصل بموضوعنا. أولًا: من ناحية التصوير. وثانيًا: من ناحية معناها، وثالثًا: الصورة: إذ هي هنا يقابلها الأسلوب من حيث الكلمات والتراكيب الحقيقية والمجازية والسرد والوصف والحكاية والحوار، ولكن الصورة في النوع الثاني تقابلها المادة: الفكرة والعاطفة.
والصورة في النوع الأول هي منهج الكتاب، أو خطته العامة من حيث المقدمة والفصول والخاتمة وتناسقها معًا وبراءتها من الشذوذ والاضطراب....
стр. 110
تأخذ موضوعها وتقسمه فصولًا، وتلائم بين الشخصيات وتربط بين الحوادث، وتعني بالمفاجآت أو المبالغة أو المقصد١. ويشترط فيها الوحدة التي تشتمل على الكمال والمنهج والتناسب.
ثانيهما: المعنى الثاني في الصورة، يكون في الشعر الغنائي، وما يشبهه من النثر الفني، كالمقالة الأدبية فالصورة هنا في إيجاز هي: "اللغة والخيال" وتقابل المادة وهي: "الفكرة والعاطفة"، فالمعجب بالوردة وهي صورة جميلة في مرأى العين ينقلها كما هي أمام عينيه، ولذلك تثيره كما أثارته، والأديب لا يستطيع إجراء هذا السبيل ... لذلك كان مضطرًّا أن يلجأ إلى وسائل أخرى غير مباشرة ليوقظ بها النفوس، ويهيج العواطف، وهذه الوسائل التي يحاول بها الأديب نقل فكرته وعاطفته معًا إلى قرائه أو سامعيه تدعى "الصورة الأدبية"٢.
فالوصرة هي المادة التي تتركب من اللغة بدلالاتها اللغوية والموسيقية، ومن الخيال الذي يجمع بين عناصر التشبيه والاستعارة والكناية والطباق وحسن التعليل٣.
وهو يعتمد فيما اتجه إليه هنا في معناها إلى ما انتهى إليه الإمام عبد القاهر في قضية النظم٤، ولكنه يفوقه في دقة التحديد لمفهومها، ثم في فهم الخيال وأثره في تكوين الصورة وبيان وسائله، ثم في تفصيل ما عبر عنه عبد القاهر بالتآخي