Полный текст (2 250 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
وَيَدْعُو، وَقَالَ: هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصْنَعُ ".
وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَرَى أَنْ يَقِفَ بَعْدَ الرَّابِعَةِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، فَاحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَقَالَ: لَا أَعْرِفُ شَيْئًا يُخَالِفُهُ، وَاسْتَحَبَّ ذَلِكَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ.
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الدُّعَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ، فَكَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يَقُولُ: بِحَدِيثِ عَائِشَةَ، وَذَكَرَ إِسْحَاقُ الدُّعَاءَ الَّذِي فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ، فَقَالَ: «إِنْ دَعَا بِهِ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَيْنَا»، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ بِحَدِيثِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا، وَحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا».
٣١٧٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ، قَالَ: ثنا بِشْرُ بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: ثنا الْأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، رَجُلٌ مِنْ عَبْدِ الْأَشْهَلِ، عَنْ أَبِيهِ.
وَكَانَ الشَّافِعِيُّ، يَذْكُرُ دُعَاءً قَدْ ذَكَرْتُهُ عَنْهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَقَالَ إِسْحَاقُ: " إِذَا كَبَّرَ الثَّانِيَةَ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَيْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مَا وَصَفَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ؛ لِأَنَّهُ أَجْمَلَ مَا جَاءَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، أَنْ يَقُولَ: «اللهُمَّ اجْعَلْ صَلَاتَكَ وَبَرَكَاتِكَ وَرَحْمَتَكَ عَلَى إِمَامِ الْمُتَّقِينَ وَسَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، وَخَاتَمِ النَّبِيِّينَ مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ، إِمَامِ الْخَيْرِ وَقَائِدِ الْخَيْرِ وَرَسُولِ الرَّحْمَةِ، اللهُمَّ ابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا، يَغْبِطُهُ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ، اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ
стр. 1892
كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالنَّخَعِيُّ، يَقُولَانِ: «لَيْسَ فِيهِ دُعَاءٌ»، قَالَ إِبْرَاهِيمُ: مَعْلُومٌ، وَقَالَ سَعِيدٌ: مُؤَقَّتٌ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: «مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يَعْنِي مَا لَهَا ذِكْرًا إِلَّا الدُّعَاءَ عَلَى الْمَيِّتِ قَطُّ».
١٠٣ - ذِكْرُ التَّسْلِيمِ عَلَى الْجِنَازَةِ
٣١٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَهَلٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ بْنَ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: «السُّنَّةُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ أَنَّ تُكَبِّرَ، ثُمَّ تَقْرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، ثُمَّ تُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ تَدْعُوَ لِلْمَيِّتٍ، ثُمَّ تُسَلِّمَ عَنْ يَمِينِكِ تَسْلِيمَةً خَفِيفَةً، وَلَا تَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ إِلَّا فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى».
١٠٤ - ذِكْرُ اخْتِلَافِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي التَّسْلِيمِ عَلَى الْجِنَازَةِ
اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي عَدَدِ التَّسْلِيمِ عَلَى الْجِنَازَةِ، فَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً، رُوِّينَا هَذَا الْقَوْلَ عَنْ عَلِيٍّ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، وَوَاثِلَةَ
стр. 1893
بْنِ الْأَسْقَعِ، وَابْنِ أَبِي أَوْفَى، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، وَأَنَسٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ.
٣١٧٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَضَى الصَّلَاةَ عَلَى الْجَنَائِزِ سَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ».
٣١٨٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللهِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «تَسْلِيمَةٌ».
٣١٨١ - وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، قَالَ: «إِذَا صَلَّى الْإِمَامُ عَلَى الْجِنَازَةِ سَلَّمَ فِي نَفْسِهِ عَنْ يَمِينِهِ».
٣١٨٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللهِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُهَاجِرِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «تَسْلِيمَةٌ خَفِيفَةٌ».
стр. 1894
٣١٨٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، أَمْلَى مِنْ كِتَابِهِ، قَالَ: ثنا الْفَضْلُ بْنُ مُبَشِّرٍ، قَالَ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَلَى جِنَازَةٍ فَكَبَّرَ عَلَيْهَا أَرْبَعًا، ثُمَّ سَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ».
٣١٨٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: ثنا حَفْصٌ، عَنْ أَبِي الْعَنْبَسِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى جِنَازَةٍ فَكَبَّرَ عَلَيْهَا أَرْبَعًا، وَكَبَّرَ عَنْ يَمِينِهِ تَسْلِيمَةً».
٣١٨٥ - وَأَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُهَاجِرٍ، قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ وَاثِلَةَ عَلَى سِتِّينَ جِنَازَةٍ مِنَ الطَّاعُونِ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ، فَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ وَسَلَّمَ تَسْلِيمَةً».
٣١٨٦ - حَدَّثَنَا حسنامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى عَلَى جِنَازَةٍ فَسَلَّمَ تَسْلِيمَةً».
٣١٨٧ - حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، «أَنَّهُ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا خَفِيفًا حَتَّى يَنْصَرِفَ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يَفْعَلَ مَنْ وَرَاءَهُ مَا يَفْعَلُ إِمَامَهُ».
٣١٨٨ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: ثنا حَفْصٌ، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: «صَلَّى عَلِيٌّ عَلَى يَزِيدَ بْنِ الْمُكَفَّفِ فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا، وَسَلَّمَ تَسْلِيمَةً خَفِيفَةً عَنْ يَمِينِهِ».
стр. 1895
وَبِهِ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ، وَالْحَسَنُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ، وَوَكِيعٌ، وَابْنُ مَهْدِيٍّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ.
وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، فَقَالَ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ: «إِنْ شَاءَ سَلَّمَ تَسْلِيمَةً، وَإِنْ شَاءَ تَسْلِيمَتَيْنِ»، وَحَكَى الْبُوَيْطِيُّ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: «يُسَلِّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ». وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُسَلِّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ.
هَكَذَا قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَحُكِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَأَبِي إِسْحَاقَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنِ النَّخَعِيِّ.
стр. 1896
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: تَسْلِيمَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ لِحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ؛ وَلِأَنَّهُ الَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَهُمْ أَعْلَمُ بِالسُّنَّةِ مِنْ غَيْرِهِمْ؛ وَلِأَنَّهُمُ الَّذِينَ حَضَرُوا صَلَاةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَحَفِظُوا عَنْهُ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ مِمَّنْ رُوِّينَا ذَلِكَ عَنْهُ مِنْهُمْ إِنَّ التَّسْلِيمَ تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَقَدِ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّهُ يَكُونُ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ خَارِجًا مِنَ الصَّلَاةِ.
١٠٥ - ذِكْرُ قَضَاءِ مَا يَفُوتُ الْمَأْمُومَ مِنَ التَّكْبِيرِ عَلَى الْجِنَازَةِ
وَاخْتَلَفُوا فِي قَضَاءِ مَا يَفُوتُ الْمَأْمُومُ مِنَ التَّكْبِيرِ عَلَى الْجَنَائِزِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَقْضِي، رَوَى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
٣١٨٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: ثنا حَفْصٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَقْضِي مَا فَاتَهُ مِنَ التَّكْبِيرِ عَلَى الْجِنَازَةِ».
وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَأَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ.
وَفِيهِ قَوْلٌ ثَانٍ: وَهُوَ أَنْ يَقْضِيَ مَا فَاتَهُ مِنَ التَّكْبِيرِ، هَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَابْنِ سِيرِينَ،
стр. 1897
وَالزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَمَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَالنُّعْمَانِ، وَقَالَ بَعْضُ هَؤُلَاءِ: يَقْضِيهِ تِبَاعًا قَبْلَ أَنْ تُرْفَعَ الْجِنَازَةُ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَكَذَا أَقُولُ، وَإِنَّمَا يُكَبِّرُ مَا لَمْ تُرْفَعْ، فَإِذَا رُفِعَتْ سَلَّمَ وَانْصَرَفَ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنِ الشَّعْبِيِّ، فَرُوِيَ عَنْهُ الْقَوْلَانِ جَمِيعًا.
١٠٦ - ذَكْرُ الْمَرْءِ يَنْتَهِي إِلَى الْإِمَامِ قَدْ كَبَّرَ أَيُكَبِّرُ أَمْ يَنْتَظِرُ تَكْبِيرَ الْإِمَامِ؟
وَاخْتَلَفُوا فِي الرَّجُلِ يَنْتَهِي إِلَى الْإِمَامِ وَقَدْ كَبَّرَ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يُكَبِّرُ حَتَّى يُكَبِّرَ الْإِمَامُ، فَإِذَا كَبَّرَ كَبَّرَ الَّذِي انْتَهَى إِلَى الْإِمَامِ، كَذَلِكَ قَالَ الْحَارِثُ بْنُ يَزِيدَ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالنُّعْمَانُ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْحَسَنِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَنْتَظِرُ الْمَسْبُوقُ الْإِمَامَ أَنْ يُكَبِّرَ ثَانِيَةً، وَلَكِنْ يَفْتَتِحُ لِنَفْسِهِ، هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَيَعْقُوبَ، وَسَهْلِ بْنِ أَحْمَدَ، فِي الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا، وَذَكَرَ قَوْلَ الْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ الَّذِي بَدَأْنَا بِذِكْرِهِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا الْقَوْلُ أَحَبُّ إِلَيَّ قِيَاسًا عَلَى الرَّجُلِ يَنْتَهِي فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ
стр. 1898
إِلَى الْإِمَامِ وَقَدْ كَبَّرَ، يُكَبِّرُ مَعَهُ وَلَا يَنْتَظِرُ تَكْبِيرَهُ.
١٠٧ - ذِكْرُ الِاسْتِغْفَارِ لِلْمَيِّتِ الْغَائِبِ
٣١٩٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ثنا مُسَدَّدٌ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا مَاتَ النَّجَاشِيُّ أُخْبِرَ أَنَّهُ مَاتَ، قَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لَهُ».
جِمَاعُ أَبْوَابِ دَفْنِ الْمَوْتَى
١٠٨ - ذِكْرُ الْأَمْرِ بِحَفْرِ الْقُبُورِ لِلْمَوْتَى، وَتَحْسِينِ ذَلِكَ، وَالتَّوْسُّعِ فِيهِ
٣١٩١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ثنا مُسَدَّدٌ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أَبِي الدَّهْمَاءِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «احْفِرُوا وَأَوْسِعُوا، وَأَحْسِنُوا، وَادْفِنُوا الْاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَ، وَقَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا».
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَمْ يَخْتَلِفْ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ دَفْنَ الْمَوْتَى وَاجِبٌ لَازِمٌ عَلَى النَّاسِ، لَا يَسَعُهُمْ تَرَكُ ذَلِكَ عِنْدَ الْإِمْكَانِ، وَوُجُودِ السَّبِيلِ إِلَيْهِ، وَمَنْ قَامَ بِهِ سَقَطَ فَرَضُ ذَلِكَ عَنْ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ.
١٠٩ - ذِكْرُ اللَّحْدِ فِي الْقَبْرِ
٣١٩٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ، قَالَ: ثنا ابْنُ الْأَصْبَهَانِيِّ، قَالَ: ثنا
стр. 1899
حَكَّامُ بْنُ سَلْمٍ، قَالَ: بَعَثَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى يَذْكُرُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اللَّحْدُ لَنَا وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا».
٣١٩٣ - حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: ثنا مُحَاضِرٌ، قَالَ: ثنا مُجَالِدٌ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: " كُنْتُ فِيمَنْ حَفَرَ قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَحَدْنَا اللَّحْدَ، فَلَمَّا أُدْخِلَ النَّبِيُّ ﷺ الْقَبْرَ طُرِحْتِ النَّاسُ، ثُمَّ قَلَّتِ النَّاسُ، ثُمَّ نَزَلَتُ فَوَضَعْتُ يَدَيَّ عَلَى اللَّحْدِ، وَقَالَ: كَانَ يَقُولُ: أَنَا أَقْرَبُ النَّاسِ مَهْدًا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ".
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي اللَّحْدِ وَالشَّقِّ، فَاسْتَحَبَّ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ اللَّحْدَ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لُحِدَ لَهُ، وَرُوِّينَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ أَوْصَاهُمْ «إِذَا وَضَعْتُمُونِي فِي لَحْدِي فَافْضُوا بِخَدِّي إِلَى الْأَرْضِ».
٣١٩٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: ثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُجَالِدٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ أَوْصَاهُمْ «إِذَا وَضَعْتُمُونِي فِي لَحْدِي فَافْضُوا بِخَدِّي إِلَى الْأَرْضِ».
وَمِمَّنِ اسْتَحَبَّ اللَّحْدَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ: «إِذَا كَانُوا بِأَرْضٍ شَدِيدَةٍ لُحِدَ لَهُمْ، وَإِنْ كَانُوا بِبَلَادٍ رَقِيقَةٍ شُقَّ لَهُمْ شَقًّا».
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: الَّذِي قَالَ الشَّافِعِيُّ حَسَنٌ.
стр. 1900
١١٠ - ذِكْرُ صِفَةِ أَخْذِ الْمَيِّتِ عِنْدَ إِدْخَالِهِ الْقَبْرَ
اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي صِفَةِ الْمَيِّتِ عِنْدَ إِدْخَالِهِ الْقَبْرَ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُسَلُّ سَلًّا مِنْ قِبَلِ رِجْلِ الْقَبْرِ، رُوِّينَا هَذَا الْقَوْلَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ.
٣١٩٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: «كُنْتُ مَعَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فِي جِنَازَةٍ فَأَمَرَ بِالْمَيِّتِ فَأُدْخِلَ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ».
٣١٩٦ - حَدَّثَنَاهُ إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّهُ أَدْخَلَ مَيِّتًا مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ».
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ: " هَذَا مِنَ الْأُمُورِ الْعَامَّةِ الَّتِي يُسْتَغْنَى فِيهَا عَنِ الْحَدِيثِ،
стр. 1901
وَيَكُونُ الْحَدِيثُ فِيهَا كَالتَّكْلِيفِ بِعُمُومِ مَعْرِفَةِ النَّاسِ لَهَا، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ وَالْمُهَاجِرُونِ، وَالْأَنْصَارُ بَيْنَ أَظْهُرِنَا يَنْقُلُ إِلَيْنَا الْعَامَّةُ عَنِ الْعَامَّةِ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمَيِّتَ يُسَلُّ سَلًّا.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُؤْخَذُ الْمَيِّتُ مِنَ الْقِبْلَةِ مُعْتَرِضًا "، رُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ الْحَنَفِيَّةِ.
٣١٩٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ، أَنَّ عَلِيًّا، «أَخَذَ يَزِيدَ بْنِ الْمُكَفَّفِ مِنَ الْقِبْلَةِ».
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: الصَّحِيحُ أَنَّ عَلِيًّا، أَخَذَ يَزِيدَ بْنِ الْمُكَفَّفِ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ. وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا بَأْسَ أَنْ يَدْخُلَ الْمَيِّتُ مِنْ نَحْوِ رَأْسِ الْقَبْرِ، أَوْ رِجْلَيْهِ، أَوْ وَسَطِهِ، هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: مِنْ حَدِيثٍ يَكُونُ أَسْهَلَ عَلَيْهِمْ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَقَدْ رُوِّينَا فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثَيْنِ أَحَدَهُمَا:
٣١٩٨ - هُوَ حَدِيثُ حَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَهُ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ، يَعْنِي الْمَيِّتَ».
٣١٩٩ - وَالْآخَرَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الطَّاهِرِ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ أَبِي الذِّئْبِ
стр. 1902
عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُلَّ فِي قَبْرِهِ سَلًّا».
وَلَيْسَ فِيهِمَا ثَابِتٌ، وَالَّذِي أُحِبُّ أَنْ يُفْعَلَ مَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْحِجَازِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا يَسُلُّونَ الْمَيِّتَ سَلًّا مِنْ قِبَلِ رِجْلِ الْقَبْرِ، وَإِنْ فَعَلَ فَاعِلٌ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
١١١ - ذِكْرُ قَدَّرِ مَا يُعَمَّقُ الْقَبْرُ وَاخْتَلَفُوا فِي قَدْرِ مَا يُعَمَّقُ الْقَبْرُ
رُوِّينَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ «أَنَّهُ أَوْصَى أَنْ يُعَمَّقَ قَبْرُهُ قَامَةً وَبَسْطَةً».
٣٢٠٠ - حَدَّثَنَاهُ إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: ثنا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنِ الْحَسَنِ عنِ عُمَرَ.
وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالنَّخَعِيِّ، أَنَّهُمَا قَالَا: «يُحْفَرُ لِلْمَيِّتِ إِلَى السُّرَّةِ» وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: «لَمْ يَبْلُغْنِي فِي عُمْقَ قَدْرِ الْمَيِّتِ شَيْءٌ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ، وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ لَا يَكُونَ عَمِيقَةً جِدًّا، وَلَا قُرَيْبَةً مِنْ أَعْلَى الْأَرْضِ جِدًّا»، وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ «أَنَّهُ أَوْصَى أَنَّ يُعَمَّقَ إِلَى قَبْرِهِ».
٣٢٠١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِي مُوسَى.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: «أُحِبُّ أَنْ يُعَمَّقَ، لِلْمَيِّتِ قَدْرَ بَسْطَةٍ، وَلَا يَقْرُبَ عَلَى أَحَدٍ إِنْ أَرَادَ أَنْ يَنْبُشَهُ، وَلَا يَظْهَرَ لَهُ رِيحٌ».
стр. 1903
١١٢ - ذِكْرُ نَصْبِ اللَّبِنِ عَلَى اللَّحْدِ
٣٢٠٢ - أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ، قَالَ: ثنا أَبُو عَامِرٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، أَنَّ سَعْدَ، حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، قَالَ: «الْحَدُوا إِلَيَّ لَحْدًا، وَانْصِبُوا عَلَيَّ، يَعْنِي اللَّبِنَ، نَصَبًا كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ».
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَالَّذِي نُحِبُّ أَنْ يُنْصَبَ اللَّبِنُ عَلَى اللَّحْدِ، أَوْ مَا قَامَ مَقَامَ اللَّبِنِ إِنْ لَمْ يَحْضُرِ اللَّبِنُ، وَإِنْ شُقَّ لِلْمَيِّتِ جُعِلَ حَوَائِزُ، لِأَنَّ ذَلِكَ أَحْكُمُ.
١١٣ - ذِكْرُ طَرْحِ الْإِذْخِرِ فِي الْقَبْرِ وَبَسْطِهِ فِيهِ فَوْقَ الْحَوَائِزِ وَاللَّبِنِ
٣٢٠٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: ثنا أَبُو بِشْرٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: ثنا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللهَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ»، قَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِلَّا الْإِذْخِرَ فَإِنَّهُ لِصَاغَتِنَا وَلِقُبُورِنَا، قَالَ: «إِلَّا الْإِذْخِرَ».
١١٤ - ذِكْرُ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ وَضْعِ الْمَيِّتِ فِي الْقَبْرِ
٣٢٠٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ قُتَيْبَةَ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: ثنا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا
стр. 1904
وَضَعْتُمْ مَوْتَاكُمْ فِي قُبُورِهِمْ فَقُولُوا: بِسْمِ اللهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ".
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: رُوِّينَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَوَّى عَلَى الْمَيِّتِ، قَالَ: «اللهُمَّ أَسْلَمَهُ إِلَيْكَ الْأَهْلُ وَالْمَالُ وَالْعَشِيرَةُ، وَذَنْبُهُ عَظِيمٌ فَاغْفِرْ لَهُ».
٣٢٠٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللهِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي مُدركٍ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْهُ.
وَدَفَنَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ابْنًا لَهُ، فَقَالَ: «اللهُمَّ جَافِ الْأَرْضَ عَنْ جَنْبِهِ، وَافْتَحْ، أَبْوَابَ السَّمَاءِ لَرُوحِهِ، وَبَدِّلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ».
٣٢٠٦ - حَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، قَالَ: ثنا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: " إِذَا وُضِعَ الْمَيِّتُ فِي قَبْرِهِ، قَالَ مَنْ يَضَعُهُ: بِسْمِ اللهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ، وَأُحِبُّ أَنْ يَقُولَ: اللهُمَّ أَسْلَمَهُ إِلَيْكَ الْأَشِحَّاءُ، كَانُوا عَلَى قُرْبَةٍ مِنْ وَلَدِهِ، وَأَهْلِهِ، وَقَرَابَتِهِ، وَإِخْوَانِهِ، وَفَارَقَ مَنْ كَانَ يُحِبُّ قُرْبَهُ، وَخَرَجَ مِنْ سَعَةِ الدُّنْيَا وَالْحَيَاةِ إِلَى ظُلْمَةِ الْقَبْرِ وَضِيقِهِ، وَنَزَلَ بِكَ وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ، إِنْ عَاقَبْتَهُ عَاقَبْتَهُ بِذَنْبٍ، وَإِنْ عَفَوْتَ فَأَنْتَ أَهْلٌ لِلْعَفْوِ، اللهُمَّ أَنْتَ غَنِيُّ عَنْ عَذَابِهِ، وَهُوَ فَقِيرٌ إِلَى رَحْمَتِكَ، اللهُمَّ اشْكُرْ حَسَنَتَهُ، وَتَجَاوَزْ عَنْ سَيِّئَتِهِ، وَشَفِّعْ جَمَاعَتَنَا فِيهِ، وَاغْفِرْ ذَنْبَهُ وَأَفْسِحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَدْخِلْ عَلَيْهِ الْأَمَانَ وَالرَّوْحَ فِي قَبْرِهِ.
١١٥ - ذِكَرُ إِلْقَاءِ الثَّوْبِ فِي الْقَبْرِ
٣٢٠٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: ثنا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: ثنا
стр. 1905
شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، قَالَ: قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: «أُلْقِيَ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ» وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يُرَخِّصُ فِي الْقَطِيفَةِ تُلْقَى الْقَبْرَ مُحْتَجًّا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرُوِّينَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُجْعَلَ تَحْتَهُ ثَوْبٌ، يَعْنِي فِي الْقَبْرِ.
٣٢٠٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: ثنا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَخِي يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، «كَرِهَ أَنْ يُجْعَلَ، تَحْتَهُ ثَوْبٌ، يَعْنِي فِي الْقَبْرِ.
٣٢٠٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ رَافِعٍ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، «أَوْصَى أَهْلَهُ حِينَ تُوُفِّيَ أَنْ لَا يُظْهِرُوا عَلَيْهِ الطِّيبَ، وَلَا يَجْعَلُوهُ فِي قَطِيفَةٍ حَمْرَاءَ».
١١٦ - ذِكْرُ مَدِّ الثَّوْبِ عَلَى الْقَبْرِ
وَاخْتَلَفُوا فِي مَدِّ الثَّوْبِ عَلَى الْقَبْرِ وَقْتَ يُدْفَنُ الْمَيِّتُ، فَكَرِهَ قَوْمٌ سَتْرَ الثَّوْبِ عَلَى قَبْرِ الرَّجُلِ، وَمِمَّنْ رَأَى أَنْ لَا يُفْعَلَ ذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ، وَشُرَيْحٌ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ: " يُسْتَرُ الْقَبْرُ بِثَوْبٍ نَظِيفٍ حَتَّى يُسَوَّى عَلَى الْمَيِّتِ لَحْدُهُ، وَسَتْرُ الْمَرْأَةِ أَوْكَدُ مِنْ سَتْرِ الرَّجُلِ إِذَا أُدْخِلَتْ
стр. 1906
قَبْرَهَا "، وَكَانَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ يَرَيَانِ أَنْ يُفْعَلَ ذَلِكَ بِقَبْرِ الْمَرْأَةِ، وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا بَأْسَ أَنْ يُفْعَلَ ذَلِكَ بِقَبْرِ الْمَرْأَةِ، وَلَا يَضُرُّهُمْ تَرْكُ ذَلِكَ فِي قَبْرِ الرَّجُلِ، وَلَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ فِي قَبْرِ الرَّجُلِ لَمْ يَضُرَّهُمْ، وَكَانَ أَبُو ثَوْرٍ لَا يَرَى بَأْسًا فِي قَبْرِ الرَّجُلِ وَقَبْرِ الْمَرْأَةِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَيْسَ لِسَتْرِ قَبْرِ الرَّجُلِ مَعْنًى وَقْتَ دَفْنِهِ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ عَلَى السَّرِيرِ قَبْلَ أَنْ يُدْفَنَ، وَأسْتَحِبُّ أَنْ يُسْتَرَ قَبْرُ الْمَرْأَةِ وَقْتَ الدَّفْنِ تَشْبِيهًا بِالنَّعْشِ الْمَنْصُوبِ عَلَى السَّرِيرِ.
١١٧ - ذِكْرُ الْأَمْرِ بِالِاسْتِغْفَارِ لِلْمَيِّتِ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الدَّفْنِ وَالدُّعَاءِ لَهُ بِالتَّثْبِيتِ
٣٢١٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، قَالَ: ثنا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَحِيرٍ الْقَاصِّ، عَنْ هَانِي، مَوْلَى عُثْمَانَ، عَنْ عُثْمَانَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الرَّجُلِ، قَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ بِالتَّثْبِيتِ، فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ».
وَكَانَ إِسْحَاقُ يَقُولُ: " إِذَا دُفِنَ الْمَيِّتُ أَتَاهُ وَلِيُّهُ مَنْ أَحَبَّ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَدَعَا لَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ، وَكَانَ أَنَسٌ إِذَا سَوَّى عَلَى الْمَيِّتِ قَامَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: " اللهُمَّ عَبْدُكَ رُدَّ إِلَيْكَ، فَارْؤُفْ بِهِ وَارْحَمْهُ، اللهُمَّ جَافِ الْأَرْضَ عَنْ جَنْبِهِ، وَافْتَحْ أَبْوَابَ السَّمَاءِ لَرُوحِهِ، وَتَقَبَّلْهُ مِنْكَ بِقَبُولٍ حَسَنٍ، اللهُمَّ إِنْ كَانَ مُحْسِنًا فَضَعِّفْ لَهُ فِي إِحْسَانِهِ، أَوْ قَالَ: فَزِدْ فِي إِحْسَانَهُ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ ".
٣٢١١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: ثنا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: كَانَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ.
стр. 1907
١١٨ - ذِكْرُ النَّهْيِ عَنِ الدَّفْنِ، بِاللَّيْلِ إِلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ
٣٢١٢ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَارِثِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَا: ثنا الْحَجَّاجُ الْأَعْوَرُ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، يُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ فَذَكَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ قُبِضَ، فَكُفِّنَ فِي كَفَنٍ غَيْرِ طَائِلٍ، وَقُبِرَ لَيْلًا فَزَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إِنْسَانٌ إِلَى ذَلِكَ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا وَلِيَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ».
١١٩ - ذِكْرُ الْخَبَرِ الدَّالِّ عَلَى إِبَاحَةِ الدَّفْنِ بِاللَّيْلِ
٣٢١٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: ثنا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «مَا عَلِمْنَا بِدَفْنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى سَمِعْنَا صَوْتَ الْمَسَاحِي مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ».
٣٢١٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَغَيْرِهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «مَا شَعُرْنَا بِدَفْنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى سَمِعْنَا بِصَوْتِ الْمَسَاحِي مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ».
стр. 1908
١٢٠ - ذِكْرُ اخْتِلَافِهِمْ فِي الدَّفْنِ بِاللَّيْلِ
اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الدَّفْنِ بِاللَّيْلِ، فَمِمَّنْ دُفِنَ بِاللَّيْلِ: أَبُو بَكْرٍ، وَفَاطِمَةُ، وَعَائِشَةُ، وَرُوِّينَا أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ دُفِنَ لَيْلًا، وَمِمَّنْ رَخَّصَ فِي الدَّفْنِ بِاللَّيْلِ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَشُرَيْحٌ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ.
٣٢١٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ عَلِيًّا، دَفَنَ فَاطِمَةَ لَيْلًا، وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ.
٣٢١٦ - وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ، أَنَّ عُمَرَ، «دَفَنَ أَبَا بَكْرٍ بَعْدَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ حِينَ صَلَّاهَا».
٣٢١٧ - وَحَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: ثنا مُحَاضِرٌ، قَالَ: ثنا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ، مَاتَ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ، وَدُفِنَ مِنْ لَيْلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ».
٣٢١٨ - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ رَجُلٌ لِعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: وَيُقْبَرُ بِاللَّيْلِ؟ قَالَ: «نَعَمْ، قُبِرَ أَبُو بَكْرٍ بِاللَّيْلِ».
стр. 1909
٣٢١٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ، دَفَنَ عَائِشَةَ لَيْلًا.
٣٢٢٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: ثنا خَالِدٌ، عَنْ زُرْعَةَ بْنِ عَمْرٍو، مَوْلًى لِآلِ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «دَفَنَّا عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ بَعْدَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ بِالْبَقِيعِ، وَكُنْتُ رَابِعَ أَرْبَعَةٍ فِيمَنْ حَمَلَهُ».
وَكَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يَكْرَهُ الدَّفْنَ بِاللَّيْلِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: الدَّفْنُ بِاللَّيْلِ مُبَاحٌ، لِأَنَّ سَكِينَةَ تُوُفِّيَتْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَدُفِنَتْ بِاللَّيْلِ، وَلَمْ يُنْكِرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ لَمَّا عَلِمَ بِهِ؛ لِأَنَّهُمْ أَعْلَمُوهُ بِذَلِكَ، فَأَتَى قَبْرَهَا فَصَلَّى عَلَيْهِ، وَقَدْ دُفِنَ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَيْلًا، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مَكْرُوهًا مَا فَعَلُوهُ، وَالْمُبِينُ تَوَلَّوْا ذَلِكَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَوْ مَنْ تَوَلَّاهِ مِنْهُمْ.
١٢١ - ذِكْرُ النَّهْيِ عَنِ الدَّفْنِ، عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَعِنْدَ غُرُوبِهَا، وَعِنْدَ الزَّوَالِ
وَقَدْ ذَكَرْتُ الْخَبَرَ الَّذِي فِيهِ النَّهْيُ عَنِ الدَّفْنِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنِ الدَّفْنِ فِيهَا، فِي أَبْوَابِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ.
١٢٢ - ذِكْرُ حَثْيِ التُّرَابِ عَلَى الْقَبْرِ
رُوِّينَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، أَنَّهُ حَثَى عَلَى يَزِيدَ بْنِ الْمُكَفَّفِ ثَلَاثًا،
стр. 1910
وَمِمَّنْ رُوِّينَا عَنْهُ، أَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ الزُّهْرِيُّ، وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ يَلْحَدُونَ لِمَوْتَاهُمْ وَيَنْصِبُونَ اللَّبِنَ عَلَى اللَّحْدِ نَصْبًا، وَيَحْثُونَ عَلَيْهِمُ التُّرَابَ، وَرُوِّينَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ لَمَّا دَفَنَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ حَثَى عَلَيْهِ التُّرَابَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا يُدْفَنُ الْعِلْمُ.
٣٢٢١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعِيْدٍ، أَنَّ عَلِيًّا، " حَثَى عَلَى يَزِيدَ بْنِ الْمُكَفَّفِ، قَالَ: هُوَ أَوْ غَيْرُهُ ثَلَاثًا ".
٣٢٢٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ ثَوْرٍ، قَالَ: ثنا عَامِرُ بْنُ جَشِيبٍ، وَغَيْرُهُ، مِنْ أَهْلِ الشَّامِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: «إِنَّ مِنْ تَمَامِ أَجْرِ الْجِنَازَةِ أَنْ يَحْثُوَ فِي الْقَبْرِ».
٣٢٢٣ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، لَمَّا دُفِنَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ حَثَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «هَكَذَا يُدْفَنُ الْعِلْمُ».
٣٢٢٤ - حَدَّثَنَا خُشْنَامُ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرٍ الطَّبَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الْأَلْهَانِيُّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، صَاحِبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «تُوُفِّيَ رَجُلٌ فَلَمْ تَصُبْ لَهُ حَسَنَةٌ، إِلَّا ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ حَثَاها فِي قَبْرٍ، فَغُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ».
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَيُحْثَى مِنْ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ بِيَدَيْهِ مَعًا مِنَ التُّرَابِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ».
стр. 1911
١٢٣ - ذِكَرُ الرُّخْصَةِ فِي دَفْنِ الْجَمَاعَةِ فِي الْقَبْرِ الْوَاحِدِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ
وَاخْتَلَفُوا فِي دَفْنِ الِاثْنَيْنِ فِي قَبْرٍ، فَرُوِّينَا عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُدْفَنَ اثْنَانِ فِي قَبْرٍ، وَرَخَّصَ فِي ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، رُوِّينَا عَنْ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ فِي الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ يُدْفَنَانِ فِي الْقَبْرِ؟ قَالَا: يُقَدَّمُ الرَّجُلُ أَمَامَ الْمَرْأَةِ فِي الْقَبْرِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَالنُّعْمَانُ، غَيْرَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ وَأَحْمَدَ قَالَا: «يُدْفَنَانِ فِي مَوَاضِعِ الضَّرُورَاتِ»، وَكَانَ الْأَوْزَاعِيُّ يُرَخِّصُ فِي دَفْنِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِي الْقَبْرِ.
وَكَذَلِكَ نَقُولُ، وَيُقَدَّمُ أَفْضَلُهُمْ وَأَسَنُّهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ قُرْآنًا، كَذَلِكَ السُّنَّةُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا إِسْنَادَهُ قَبْلَ ذَلِكَ.
١٢٤ - ذِكْرُ النَّصْرَانِيَّةِ تَمُوتُ وَفِي بَطْنِهَا وَلَدٌ مِنْ مُسْلِمٍ
اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي النَّصْرَانِيَّةِ تَمُوتُ وَفِي بَطْنِهَا وَلَدٌ مِنْ مُسْلِمٍ فَرُوِّينَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ دَفَنَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ حُبْلَى مِنْ مُسْلِمٍ فِي مَقْبَرَةِ الْمُسْلِمِينَ.
٣٢٢٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، أَنَّ شَيْخًا، مِنْ أَهْلِ الشَّامِ أَخْبَرَهُ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، «أَنَّهُ دَفَنَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ».
стр. 1912
١٢٥ - ذِكْرُ نَقْلِ الْمَيِّتِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ غَيْرِهِ
وَاخْتَلَفُوا فِي نَقْلِ الْمَيِّتِ مِنْ بَلَدٍ، فَمِمَّنْ كَرِهَ ذَلِكَ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: «لَوْ حَضَرْتُ أَخِي مَا دُفِنَ إِلَّا حَيْثُ مَاتَ»، وَكَانَ مَاتَ بِالْحُبْشِيِّ فَدُفِنَ بِأَعْلَى مَكَّةَ، وَكَرِهَ ذَلِكَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَسُئِلَ الزُّهْرِيُّ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، قَالَ: «قَدْ حُمِلَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ مِنَ الْعَقِيقِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَدَفَنَّاهُ بِهَا»، وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، مَاتَ ابْنُ عُمَرَ هَهُنَا، يَعْنِي بِمَكَّةَ، فَأَوْصَى أَنْ لَا يُدْفَنَ بِهَا، وَأَنْ يُدْفَنَ بِسَرِفَ، فَغَلَبَهُمُ الْحَرُّ، وَكَانَ رَجُلًا بَادِيًا.
٣٢٢٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ، يَقُولُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: «لَوْ حَضَرْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، تَعْنِي أَخَاهَا، مَا دُفِنَ إِلَّا حَيْثُ مَاتَ»، وَكَانَ مَاتَ بِالْحُبْشِيِّ فَدُفِنَ أَعْلَى مَكَّةَ، وَالْحُبْشِيَّ قَرِيبٌ مِنْ مَكَّةَ.
٣٢٢٨ - وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أُمَّهُ صَفِيَّةَ أَخْبَرَتْهُ، قَالَتْ: عَزَّيْتُ عَائِشَةَ فِي أَخِيهَا، فَقَالَتْ: «يَرْحَمُ اللهُ أَخِي، إِنَّ أَكْثَرَ مَا أَجِدُ فِيهِ مِنْ شَأْنِ أَخِي لَمْ يُدْفَنْ حَيْثُ مَاتَ».
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُدْفَنَ الْمَيِّتُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، عَلَى هَذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَعَلَيْهِ عَوَامُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ الْعَامَّةُ فِي عَامَّةِ الْبُلْدَانِ، وَيُكْرَهُ حَمْلُ الْمَيِّتِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ يُخَافُ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ فِيمَا بَيْنَهُمَا.
١٢٦ - ذِكْرُ مَا يُصْنَعُ بِالَّذِي يَمُوتُ فِي الْبَحْرِ
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يُفْعَلُ بِالَّذِي يَمُوتُ فِي الْبَحْرِ، فَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: «إِذَا
стр. 1913
مَاتَ فِي الْبَحْرِ جُعِلَ فِي زِنَبِيلٍ ثُمَّ قُذِفَ بِهِ»، وَقَالَ عَطَاءٌ: «يَغَسَّلُ، وَيُكَفَّنُ، وَيُحَنَّطُ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُرْبَطُ فِي رِجْلَيْهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُرْمَى بِهِ فِي الْبَحْرِ»، وَكَذَلِكَ قَالَ أَحْمَدُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: «إِنَّ قَدَرُوا عَلَى دَفْنِهِ، وَإِلَّا أَحْبَبْتُ أَنْ يَجْعَلُوهُ بَيْنَ لَوْحَيْنِ، وَيَرْبِطُوا بِهِمَا لِيَحْمِلَاهُ إِلَى أَنْ يَنْبِذَهُ الْبَحْرُ بِالسَّاحِلِ، فَلَعَلَّ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَجِدُوهُ فَيُوَارُوهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا وَأَلْقَوْهُ فِي الْبَحْرِ رَجَوْتُ أَنْ يَسَعَهُمْ».
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: انْ كَانَ الْبَحْرُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ الْمَيِّتُ الْأَغْلَبُ مِنْهُ أَنْ يُخْرِجَ أَمْوَاجَهُ إِلَى سَوَاحِلِ الْمُسْلِمِينَ يُفْعَلُ بِهِ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فُعِلَ مَا قَالَهُ أَحْمَدُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
стр. 1914
٤٥ - كتاب الْجِزْيَة
أخبرنَا أَبُو مَنْصُور مُحَمَّد بن زُرَيْق الْبَلَدِي قَالَ: أخبرنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر.
١٦ - ذكر أَخذ الْجِزْيَة من ثمن الْخمر، والخنازير
٦٤٠٠ - حَدثنَا عَليّ بْنُ الْحسن قَالَ: حَدثنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيد عَن سُفْيَان عَن إِبْرَاهِيم بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى عَن سُوَيْد بْنِ غَفلَة أَن عُمَرَ ذَكَرَ لَهُ أَن عُمَّالا يَأْخُذُونَ الْخمر، وَالْخَنَازِيرَ فِي الْجِزْيَة، قَالَ: فَشَدَّهُمْ عُمَرُ، فَقَالَ بِلَال: إِنَّهُم لَيَفْعَلُونَ، فَقَالَ: لَا تَكُونُوا أَمْثَال الْيَهُود، حُرِّمَتْ عَلَيْهِم الشُّحُومُ فَبَاعُوهَا فَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا، ولّوهم بيعهَا.
стр. 1915
وَقد اخْتلف أَصْحَابنَا فِي هَذَا الْبَاب فَفِي مَذْهَب الشَّافِعِي: لَا يجوز أَن يَأْخُذ مِنْهُم أحد أَثمَان الْخمر والخنازير، وَهَذَا قِيَاس قَول أبي ثَوْر، وَكَانَ مَالك يَقُول: وَإِنَّمَا يعْطى أهل الْكتاب الْجِزْيَة من ثمن الْخمر والخنازير، وَذَلِكَ حَلَال للْمُسلمين إِن يأخذوه من أهل الْكتاب فِي الْجِزْيَة، وَلَا يحل لَهُم أَن يَأْخُذُوا فِي جزيتهم الْخمر بِعَينهَا وَلَا الْخِنْزِير حَيا.
وَاخْتلفُوا فِي الْخمر والخنازير يمر بهَا على الْعَاشِر، فَمِمَّنْ رأى أَن يعشر الْخمر مَسْرُوق، وَالنَّخَعِيّ، والنعمان، وَقَالَ ابْن الْحسن: أما الْخَنَازِير فَلَا يعشرها، وَأما الْخمر فَيَأْخُذ نصف عشر قيمتهَا.
وَقَالَ الْحسن بن صَاع: يقوم عَلَيْهِم الْعَاشِر الْخمر والخنازير إِذا اتَّجرُوا فِيهَا، وَيَأْخُذ عشرهَا من الْقيمَة.
قَالَ أَبُو بكر: وَقد روينَا عَن شُرَيْح أَنه ضمن مُسلما خمرا أهراقها لذمي، وروينا عَن الْحسن أَنه قَالَ فِي الْخمر: الْعشْر، وَقد روينَا عَن عمر بن عبد الْعَزِيز أَنه قَالَ: «الْخمر لَا يعشرها مُسلم»، وَهَذَا على مَذْهَب أبي ثَوْر، وَأبي عبيد.
وَكَانَ أَحْمد بن حَنْبَل لَا يُوجب على من أهراق لذِمِّيّ خمرا. أَو قتل لَهُ خنزيرا شَيْئا، وَهَذَا على مَذْهَب الشَّافِعِي.
стр. 1916
قَالَ أَبُو بكر: وَقِيَاس قَول من كره تعشير الْخمر والخنازير أَن يكره أَخذهَا فِي الْجِزْيَة، وَيُشبه أَن يكون قِيَاس قَول من رأى للعشارين أَن يعشرُوا الْخمر عَلَيْهِم وَيَأْخُذ عشرهَا الْخمر فِي الْجِزْيَة، وَلَا معنى لتفريق من فرق بَين الْخمر والخنازير فَقَالَ: يعشر الْخمر وَلَا يعشر الْخَنَازِير، لِأَن الْخمر قد كَانَ فِي الأَصْل قبل أَن يكون خمرا حَلَالا، لِأَنَّهُ كَانَ عنبا وعصيرا، ثمَّ لَعَلَّه أَن يعود خلا، وَالْخِنْزِير لم يكن حَلَالا قط، وَهَذِه غَفلَة من قَائِلهَا، وَذَلِكَ أَن الْخمر فِي الْحَال الَّتِي هِيَ مُحرمَة ضد الْحَلَال، فالحال الَّتِي هِيَ عَلَيْهَا أولى بهَا من حَالَة كَانَت.
وَيلْزم قَائِل هَذَا القَوْل، والمعتل بِهَذِهِ الْعلَّة، أَن يُجِيز بيعهَا وشرائها، فَإِذا أَبى ذَلِك فِي البيع وَنظر إِلَى إطالة الَّتِي هِيَ عَلَيْهَا، وَامْتنع من بيعهَا لِأَنَّهَا مُحرمَة فِي وَقت البيع وَالشِّرَاء، وَجب أَن يمْتَنع أَن يعشر الْخمر من حَيْثُ امْتنع من بيعهَا وشرائها.
١٧ - ذكر التَّغْلِيظ على من عنف بِأَهْل الذِّمَّة فِي مطالبتهم بالجزية
٦٤٠١ - أخبرنَا مُحَمَّد بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أخبرنَا ابْن وَهْبٍ قَالَ: أَخْبرنِي يُونُس بْنُ يزِيد عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة أَن هِشَام بْنَ حَكِيم وَجَدَ رَجُلا وَهُوَ على حمص، يشمش نَاسا مِنَ الْقِبْطِ فِي أَدَاء الْجِزْيَة
стр. 1917
فَقَالَ: مَا هَذَا إِنِّي سَمِعت رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: «إِن اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذين يُعَذبُونَ النَّاس فِي الدُّنْيَا».
١٨ - ذكر اسْتِحْبَاب الرِّفْق فِي الْأُمُور كلهَا
٦٤٠٢ - حَدثنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّد قَالَ: حَدثنَا مُسَدّد قَالَ: حَدثنَا أَبُو عوَانَة عَن الْأَعْمَش عَن تَمِيم بْنِ سَلمَة عَن عَبْدِ الرَّحْمَن بْنِ هِلَال عَن جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : «مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْق يُحرم الْخَيْر».
٦٤٠٣ - حَدثنَا مُحَمَّد بْنُ إِسْمَاعِيل قَالَ: حَدثنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان قَالَ: حَدثنَا عَمْرو هَكَذَا، عَن ابْن أَبِي مليكَة عَن يَعْلَى بْنِ مَمْلَكٍ عَن أُمِّ الدَّرْدَاء عَن أَبِي الدَّرْدَاء أَن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أعْطى حَظه مِنَ الرِّفْق فَقَدْ أعْطى حَظه مِنَ الْخَيْر، وَمن حُرِمَ حَظه من الرِّفْق ففد حُرِمَ حَظه مِنَ الْخَيْر».
стр. 1918
١٩ - ذكر اخْتِلَاف أهل الْعلم فِي الْجِزْيَة كَيفَ تجبى
قَالَ الله : (حَتَّى يُعطُوا الجِزِيَةَ عَنْ يَد وهُمْ صاغِرُون) الْآيَة.
٦٤٠٤ - حَدثنَا مُوسَى بْنُ هَارُون قَالَ: حَدثنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ قَالَ: حَدثنَا مَرْوَان بْنُ مُعَاوِيَة عَن أَبِي بَكْرٍ عَن أَبِي صَالح عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: يَمْشُونَ بهَا ملبين.
وَقد اخْتلف فِي قَوْله: (عَن يَدٍ وهُمْ صَاغِرُون) فَقَالَ بَعضهم: يَمْشُونَ بهَا، وَقَالَ بَعضهم: نَقْدا، يَقُول عَن ظهر يَد لَيْسَ بنسيئة، وَقَالَ أَبُو عبيد: كل من انطاع لمن قهره وَأَعْطَاهُ عَن غير طيب نفس فقد أعطَاهُ عَن يَد.
وَكَانَ الشَّافِعِي يَقُول: " سَمِعت عددا من أهل الْعلم يَقُولُونَ: الصغار أَن يجْرِي عَلَيْهِم حكم الْإِسْلَام، قَالَ الشَّافِعِي: وَمَا أشبه مَا قَالُوا بِمَا قَالُوا، قَالَ الشَّافِعِي: فَإِذا أحَاط الإِمَام بِالدَّار، فعرضوا عَلَيْهِ أَن يُعْطوا الْجِزْيَة على أَن يجْرِي عَلَيْهِم حكم الْإِسْلَام، لزمَه أَن يقبلهَا مِنْهُم، وَلَو سَأَلُوهُ أَن يعطوها على أَن لَا يجْرِي عَلَيْهِم حكم الْإِسْلَام، لم يكن ذَلِك لَهُ، وَكَانَ عَلَيْهِ أَن يقاتلهم حَتَّى يسلمُوا، أَو يُعْطوا
стр. 1919
الْجِزْيَة عَن يَد وَهُمْ صَاغِرُونَ، بِأَن يجْرِي عَلَيْهِم حكم الْإِسْلَام ".
وَقَالَ أَصْحَاب الرَّأْي: "يَنْبَغِي للوالي أَن يولي الْخراج رجلا يرفق بهم ويعدل عَلَيْهِم فِي خراجهم، وَلَا يعذبهم، فَإِن كسروا من خراجهم شَيْئا لم يبع عَلَيْهِم عرضا، وَلم يهنهم فِيهِ، وَلم يعذبهم، وَله أَن يحول بَينهم وَبَين غلاتهم حَتَّى يَسْتَوْفِي الْخراج، فَإِن صَار على أحد مِنْهُم مائَة بَعْدَمَا مَضَت السنة فَلَا يُؤْخَذ بِالْمِائَةِ فِي قَول النُّعْمَان، وَيُؤْخَذ بِهِ فِي قَول يَعْقُوب.
وَقَالَ أَبُو ثَوْر: وَيُؤْخَذ مِنْهُم فِي كل سنة فِي وَقت من الْأَوْقَات، وَيكْتب لَهُم بَرَاءَة إِلَى مثله من الْحول، ويرفق بهم فِي الاستبداء، وَلَا يضْربُونَ وَلَا يحبسون إِلَّا أَن يكون رجل مِنْهُم عِنْده مَال فَلَا يُؤدى، فَيكون للْإِمَام عُقُوبَته بِحَبْس، أدب، وَلَا يُؤْخَذ مِنْهُم إِلَّا نقد الْبَلَد الَّذِي هم فِيهِ، وَلَا يكلفون نقد بَيت مَال إِن كَانَ أَجود من نقد الْبَلَد.
٢٠ - ذكر مَا يُؤْخَذ بِهِ أهل الذِّمَّة من تَغْيِير الزي خلاف زِيّ الْمُسلمين
٦٤٠٥ - أخبرنَا مُحَمَّد بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أخبرنَا ابْن وَهْبٍ قَالَ: أَخْبرنِي الْقَاسِم بن عبد الله قَالَ: حَدثنِي عبد الله بن دِينَار عَن
стр. 1920
عبد الله بن عَمْرو أَن عمر كتب إِلَى أُمَرَاء الأجناد يَأْمُرهُم أَن يختموا فِي رِقَاب أهل الْجِزْيَة بالرصاص، ويصلحوا مناطقهم، ويجزوا نواصيهم، ويركبوا على الأكف عرضا، وَلَا يضْربُوا الْجِزْيَة إِلَّا على من جرت عَلَيْهِ الموسى، وَلَا يَدعُوهُم يتشبهوا بِالْمُسْلِمين فِي ركوبهم.
قَالَ أَبُو عبيد فِي قَوْله: مناطقهم: يَعْنِي الزنانير.
٦٤٠٦ - حَدثنَا علي عَن أبي عبيد قَالَ: حَدثنَا النَّضر بن إِسْمَاعِيل عَن عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق عَن خَليفَة بن قيس قَالَ: قَالَ عمر: يَا يرفأ: أكتب إِلَى أهل الْأَمْصَار فِي أهل الْكتاب: أَن تجز نواصيهم، وَأَن يربطوا الكستيجان فِي أوساطهم، ليعرف زيهم من زِيّ أهل الْإِسْلَام.
وَقد روينَا عَن عمر بن عبد الْعَزِيز «أَنه أَمر فِي أهل الذِّمَّة أَن يحملوا على الأكف، وَأَن تجز نواصيهم»، وَسُئِلَ مَالك هَل لِلنَّصَارَى أَن
стр. 1921
يحدثوا فِي أَرض الْإِسْلَام الْكَنَائِس؟ قَالَ: لَا، إِلَّا أَن يكون لَهُم أَمر أَعْطوهُ على ذَلِك.
وَكَانَ الشَّافِعِي يَقُول: " يَنْبَغِي للْإِمَام أَن يحدد بَينه وَبَين أهل الذِّمَّة جَمِيع مَا يعطيهم، وَيَأْخُذ مِنْهُم، وَيرى أَنه ينوبه وينوب النَّاس مِنْهُم فيسمى الْجِزْيَة، وَأَن، يؤدوها على مَا وصفت، وَيُسمى شهرا تُؤْخَذ فِيهِ الْجِزْيَة، وعَلى أَن يجْرِي عَلَيْهِم حكم الْإِسْلَام إِذا طَلَبهمْ بِهِ طَالب، أَو أظهرُوا ظلما لأحد، وعَلى أَن لَا يذكرُوا رَسُول الله ﷺ إِلَّا بِمَا هُوَ أَهله، وَلَا يطعنوا فِي دين الْإِسْلَام، وَلَا يعيبوا من حكمه شَيْئا، فَإِن فعلوا فَلَا ذمَّة لَهُم، وَيَأْخُذ عَلَيْهِم أَلا يسمعوا السلمين شركهم، وَقَوْلهمْ فِي عُزَيْر، وعيسى، فَإِن وجدوهم فعلوا بعد التَّقَدُّم فِي عُزَيْر، وعيسى إِلَيْهِم، عاقبهم على ذَلِك عُقُوبَة وَلَا يبلغ حدا، لأَنهم قد أذن بإقرارهم على دينهم، وَأَن لَا يكرهوا أحدا على دينهم إِذا لم يروه من أبنائهم، وَلَا رقيقهم وَلَا غَيرهم، وعَلى أَن لَا يحدثوا فِي مصر من أَمْصَار الْمُسلمين كَنِيسَة، وَلَا مجتمعا لصلاتهم، وَلَا ضرب ناقوس، ولَا حمل خمرٍ، وَلَا إِدْخَال خِنْزِير، وَلَا يعذبوا بَهِيمَة، وَلَا يقتلوها ضربا لذبح، وَلَا يحدثُونَ مَا يطيلون بِهِ بِنَاء الْمُسلمين، وَأَن يفرقُوا بَين هيئاتهم فِي الملبس والمركب، وَبَين هيئاتِ الْمُسلمين، وَأَن يعقدوا الزنَانِير فِي أوساطهم، فَإِنَّهَا من أبين فرق بَينهم وَبَين هيئات الْمُسلمين، وَأَن لَا يدخلُوا مَسْجِدا، وَلَا يبايعوا مُسلما
стр. 1922
بيعا يحرم فِي الإسلام، وَلَا يزوجوا مُسلما مَحْجُورا، إِلَّا بِإِذن وليه، وَلَا يمنعوا من أَن يزوجوه حرَّة إِذا كَانَ حرا مَالِكًا لنَفسِهِ أَو مَحْجُورا بِإِذن وليه بِشُهُود مُسلمين، وَلَا يسقوا مُسلما خمرا، وَلَا يطعموه محرما من لحم الْخِنْزِير وَلَا غَيره، وَلَا يظهروا الصَّلِيب فِي الْجَمَاعَات فِي أَمْصَار الْمُسلمين، وَإِن كَانُوا فِي قَرْيَة يملكونها منفردين لم يمنعهُم إِحْدَاث كَنِيسَة وَلَا رفع بِنَاء، وَلَا يعرض لَهُم فِي خنازيرهم وخمرهم وأعيادهم وإجماعهم، وَأخذ عَلَيْهِم أَن لَا يسقوا مُسلما أَتَاهُم خمرا، وَلَا يبايعوه محرما، وَلَا يطعموه إِيَّاه، وَلَا يغشوا مُسلما.
» وَإِن كَانَ بِمصْر الْمُسلمين لَهُم كَنِيسَة، أوبناء طائل كبناء الْمُسلمين، لم يكن للْإِمَام هدمها وَلَا هدم بنائهم، وَترك كلا على مَا وجد عَلَيْهِ، وَمنع من إِحْدَاث الْكَنِيسَة، وَهَذَا إذاكان الِمصر للْمُسلمين أحيوه، أَو فتحوه عنْوَة، وَشرط على أهل الذِّمَّة هَذَا، فَإِن كَانُوا فتحوه على صلحٍ بَينهم وَبَين أهل الذِّمَّة، من ترك إِظْهَار الْخمر والخنازير، وإحداث الْكَنَائِس فِيمَا ملكوا، لم يكن لَهُ مَنعهم من ذَلِك، وَإِظْهَار الشرك أكبر مِنْهُ، وَلَا يجوز للْإِمَام أَن يُصَالح أحدا من أهل الذِّمَّة على أَن ينزلُوا من بِلَاد الْإِسْلَام منزلا يظْهر فِيهِ جمَاعَة وَلَا كَنِيسَة وَلَا ناقوسا، إِنَّمَا يصالحهم على ذَلِك فِي بِلَادهمْ الَّتِي وجدوا فِيهَا ففتحوها عنْوَة أَو صلحا، فَأَما بِلَاد لم تكن لَهُم، فَلَا يجوز هَذَا لَهُ فِيهَا، فَإِن
стр. 1923
فعل ذَلِك أحد فِي بلد يملكهُ مَنعه مِنْهُ، وَإِن أظهرُوا ناقوسا، أَو اجْتمعت لَهُم جمَاعَة، أَو تهيئوا بهيئة نَهَاهُم عَنْهَا، يقدم فِي ذَلِك إِلَيْهِم، فَإِن عَادوا عاقبهم، وَإِن فعل هَذَا مِنْهُم فَاعل، أَو بَاعَ مُسلما بيعا حَرَامًا فَقَالَ: مَا علمت، تقدم إِلَيْهِ الْوَالِي وأحلفه وأقاله فِي ذَلِك، فَإِن عَاد عاقبه ".
وَقَالَ أَصْحَاب الرَّأْي: «يَنْبَغِي للْإِمَام أَن لَا يتْرك أحدا من أهل الذِّمَّة يتشبه فِي لِبَاسه وَلَا مركبه، وَلَا فِي هَيئته بالسلمين، وَيَنْبَغِي أَن يؤخذوا حَتَّى يَجْعَل كل إنسانٍ مِنْهُم فِي وَسطه كشتنجا مثل الْخَيط الغليظ، ويعقده على وَسطه، وَأَن يؤخذوا بِأَن يلبسوا قلانس مضربة، وَأَن يركبُوا السُّرُوج وعَلى قربوس السرج مثل الرمانة، وَأَن يجْعَلُوا شرك نعَالهمْ مُثَلّثَة، وَلَا يتخذوها على حذاء الْمُسلمين، وَلَا يلبسوا طيالسة مثل طيالسة الْمُسلمين، وَلَا أردية مثل أردية الْمُسلمين».
وَقيل لِأَحْمَد بن حَنْبَل: لِلنَّصَارَى أَن يظهروا الصَّلِيب أَو يضْربُوا بالنواقيس؟ قَالَ: لَيْسَ لَهُم أَن يظهروا شَيْئا لَيْسَ فِي صلحهم.
قَالَ إِسْحَاق: " لَيْسَ لَهُم أَن يظهروا الصَّلِيب أصلا، لما نهى عمر بن الْخطاب عَن ذَلِك، وَيَقُولُونَ: إِن إظهارنا الصَّلِيب إِنَّمَا هُوَ دُعَاء ندعوكم إِلَى ديننَا، فيمنعون أَشد الْمَنْع ".
стр. 1924
٢١ - ذكر الِامْتِنَاع من أَخذ الْجِزْيَة من الْكِتَابِيّ على سُكْنى الْحرم ودخوله
قَالَ الله جل ذكره: (يَا أّيها الذيِنَ امنُوا إِنَّمَا المُشرِكُونَ نجسٌ فَلَا يَقرَبُوا المَسجِدَ الحَرام بَعدَ عامِهم هَذا) الْآيَة.
روينَا عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ فِي قَوْله (إِنّما المُشرِكُونَ نجس) قَالَ: قذر، وَقَالَ قَتَادَة: نجس أَي أجناب، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: «نجس متحرك الْحُرُوف بالفتحة، ومجازه قذر، وكل نتِن وطَفَس نجس».
٦٤٠٧ - حَدثنَا مُحَمَّد بْنُ إِسْمَاعِيل الصَّائِغ، وَإِبْرَاهِيم بْنُ الْحَارِث الْبَغْدَادِيّ، وَسَهل بْنُ عَمَّارٍ النَّيْسَابُورِي قَالُوا: حَدثنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّد الْأَعْوَر قَالَ: قَالَ ابْن جُرَيْجٍ: أَخْبرنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنه سَمِعَ جَابر بْنَ، عَبْدِ اللَّهِ يَقُول فِي هَذِه الْآيَة (إِنّما المُشرِكُونَ نَجسٌ فَلا يَقرَبُوا المَسْجِدَ الحَرام بَعْدَ عَامِهِمْ هَذا) إِلَّا أَن يَكُونَ عَبْدًا أَو أَحَدًا مِنْ
стр. 1925
أَهْلِ الْجِزْيَة.
وَقَالَ قَتَادَة فِي هَذِه الْآيَة كَمَا قَالَ جَابر.
وَفِيه قَول ثَان:
٦٤٠٨ - حَدثنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيز عَن أبي عبيد قَالَ: حَدثنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوام عَن أَشْعَث عَن أَبى الزُّبَيْرِ عَن جَابر: «فَلَا يقربُوا الْمَسْجِد الْحَرَام بَعْدَ عَامهمْ هَذَا، وَلَا يقربهُ مُشْرك».
روينَا عَن سعيد بن الْمسيب أَنه قَالَ: إِن أَبَا سُفْيَان كَانَ يدْخل الْمَسْجِد بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ كَافِر، غير أَن ذَلِك لَا يحل فِي الْمَسْجِد الْحَرَام، قَالَ الله تَعَالَى: (إِنّما المُشرِكُونَ نجسٌ فَلا بَقرَبُوا المَسجِدَ الحَرام بَعدَ عامِهم هَذا) الْآيَة.
وَكَانَ الشَّافِعِي يَقُول: «لَا يدع مُشْركًا أَن يطَأ الْحرم بحالٍ من الْحَالَات طَبِيبا كَانَ أَو صانعا بنيانا أَو غَيره، لتَحْرِيم الله دُخُول الشركين الْمَسْجِد الْحَرَام، وَبعده تَحْرِيم رَسُول اللَّهِ ﷺ ذَلِك»، وَقَالَ الشَّافِعِي: «فَأَما مَكَّة فَلَا يدْخل أحد مِنْهُم الْحرم بحالٍ أبدا، كَانَ لَهُ بهَا مَال أَو لم يكن وَإِن غفل عَن رجلٍ مِنْهُم فَدَخلَهَا، فَمَرض أخرج مَرِيضا، أَو مَاتَ أخرج مَيتا وَلم يدْفن بهَا، وَلَو دفن نبش مَا لم يَنْقَطِع».
стр. 1926
٢٢ - ذكر منع أهل الذِّمَّة سُكْنى الْحجاز
٦٤٠٩ - أخبرنَا مُحَمَّد بْنُ عَليّ النَّجَّارُ قَالَ: نَا عَبْدُ الرَّزَّاق قَالَ: نَا ابْن جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنه سَمِعَ جَابر بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُول: أَخْبرنِي عُمَرُ بْنُ الْخطاب أَنه سَمِعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ ، يَقُول: لأخْرجَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَة الْعَرَب حَتَّى لَا أدع بهَا إِلَّا مُسلما.
٦٤١٠ - حَدثنَا مُحَمَّد بْنُ إِبْرَاهِيم بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحلْوانِي عَن النُّفَيْلِي قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بْنُ سَلمَة عَن مُحَمَّد بْنِ إِسْحَاق قَالَ: حَدثنِي صَالح بْنُ كيسَان عَن الزُّهْرِيّ عَن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَن عَائِشَة حَدَّثَتْهُ قَالَت: آخِرُ مَا عُهِدَ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يتْرك بِجَزِيرَة الْعَرَب دِينَانِ».
٦٤١١ - حَدثنَا مُحَمَّد بْنُ إِبْرَاهِيم قَالَ؟ حَدثنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَان الْعَسْكَرِيُّ حَدثنَا زِيَاد عَن مُحَمَّد بْنِ إِسْحَاق عَن يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَن أَبِيه عَن عَائِشَة عَن الني ﷺ مِثْلَهُ.
стр. 1927
حَدثنَا علي عَن أبي عبيد قَالَ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: جَزِيرَة الْعَرَب مَا بَين حفر أبي مُوسَى إِلَى أقْصَى الْيمن فِي الطول، فَأَما الْعرض فَمَا بَين رمل يبُرِيُن إِلَى مُنْقَطع السماوة، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: جَزِيرَة الْعَرَب من أقْصَى عدن أبين إِلَى ريف الْعرَاق فِي الطول، وَأما الْعرض فَمن جدة وَمَا والاها من سَاحل الْبَحْر إِلَى أطوار الشَّام، قَالَ: قَالَ أَبُو عبيد: فَأمر رَسُول اللَّهِ ﷺ بإخراجهم من هَذَا كُله، فيرون أَن عمر إِنَّمَا استجاز إِخْرَاج أهل نَجْرَان من الْيمن وَكَانُوا نَصَارَى، إِلَى سَواد الْعرَاق لهَذَا الحَدِيث، وَكَذَلِكَ اجلاؤه أهل خَيْبَر إِلَى الشَّام وَكَانُوا يهوداً.
٦٤١٢ - حَدثنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمد قَالَ: حَدثنَا الْمقري قَالَ: حَدثنَا اللَّيْث قَالَ: حَدثنِي سَعِيدٌ عَن أَبِيه عَن أَبِي هُرَيْرَة قَالَ: بَيْنَمَا نَحن فِي الْمَسْجِد خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "انْطَلقُوا إِلَى يَهُودَ، فَخَرَجْنَا مَعَه حَتَّى جِئْنَا بَيت الْمِدْرَاس فَقَامَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَنَادَاهُمْ فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ يَهُودَ أَسْلمُوا تَسْلَمُوا»، قَالُوا: بَلَّغْتَ يَا أَبَا الْقَاسِم؟ قَالَ: «ذَلِك أُرِيد»، ثمَّ قَالَهَا الثَّالِثَة، فَقَالَ: «اعْلَمُوا أَن الأَرْض لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَأَنا أُرِيد أَن أُجْلِيَكُمْ مِنْ هَذِه الأَرْض، فَمن وَجَدَ مِنْكُم بِمَالِه شَيْئا فَلْيَبِعْهُ، وَإِلَّا فَاعْلَمُوا أَن الأَرْض لله وَلِرَسُولِهِ».
стр. 1928
٦٤١٣ - حَدثنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّد قَالَ: حَدثنَا مُسَدّد قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان عَن سُلَيْمَان الْأَحول عَن سَعِيدِ بْنِ جُبَير سَمِعَ ابْن عَبَّاس يَقُول: يَوْم الْخَمِيس، وَمَا يَوْم الْخَمِيس؟ ثمَّ بَكَى حَتَّى بَلَّ دَمْعُهُ الْحَصَى، قُلْتُ: يَا أَبَا عَبَّاس: مَا يَوْم الْخَمِيس؟ قَالَ: اشْتَدَّ برَسُول اللَّهِ ﷺ وَجَعه فِيهِ فَقَالَ: «ائتونى بكتب اكْتُبْ كِتَابًا، وَلَا تَنَازَعُوا، وَلَا يَنْبَغِي عِنْد رَسُول اللَّهِ ﷺ تنَازع، وَأَوْصَاهُمْ أَن أخرجُوا الْمُشْركين مِنْ جَزِيرَة الْعَرَب، وَأَجِيزُوا الْوَفْد الَّذِي كُنْتُ أُجِيزُهُمْ».
٦٤١٤ - حَدثنَا عَليّ عَن أبي عبيد قَالَ: حَدثنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَة وَمُحَمّد بْنُ عُبَيْدٍ عَن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَن نَافِع عَن ابْن عُمَرَ قَالَ: أَجْلَى عُمَرُ الْمُشْركين مِنْ جَزِيرَة الْعَرَب، وَقَالَ: «لَا يجْتَمع فِي جَزِيرَة الْعَرَب دِينَانِ»، وَضرب لن قَدِمَ مِنْهُم أَجَلًا قَدْرَ مَا يبيعون سلعهم.
٦٤١٥ - حَدثنَا عَليّ عَن أبي عبيد قَالَ: حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش عَن سَالم بْنِ أَبِي الْجَعْد قَالَ: جَاءَ أَهْلُ نَجْرَان إِلَى عَليّ فَقَالُوا: شَفَاعَتُكَ بِلِسَانِكَ، وَكِتَابُكَ بِيَدِك، أخرجنَا عُمَرُ مِنْ أَرْضنَا، فَرُدَّهَا إِلَيْنَا، قَالَ: وَيْلكُمْ إِن عُمَرَ كَانَ رَشِيدَ الْأَمر، فَلَا أُغَيِّرُ شَيْئا صَنَعَهُ عُمَرُ، وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَة: قَالَ
стр. 1929
الْأَعْمَش: كَانُوا يَقُولُونَ: لَو كَانَ فِي نَفسه عَلَيْهِ شَيْء لاغْتَنَمَ هَذَا.
٦٤١٦ - حَدثنَا عَليّ عَن أبي عبيد قَالَ: حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة عَن حجاج عَمَّن سمع الشّعبِيّ يَقُول: قَالَ عَليّ لما قدم هَهُنَا، ثغر الْكُوفَة: مَا قدمت لأحل عقدَة شدّها عمر.
قَالَ أَبُو بكر: وَقد ثَبت أَن عمر بن الْخطاب ضرب للْيَهُود، وَالنَّصَارَى، وَالْمَجُوس إِقَامَة ثَلَاثَة أَيَّام يتسوقون بهَا ثغر الدينة، وَبِه قَالَ مَالك، وَالشَّافِعِيّ.
٦٤١٧ - حَدثنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيز قَالَ: حَدثنَا القعْنبِي عَن مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عُمَرَ أَن عمر بن الْخطاب ضرب للْيَهُود، وَالنَّصَارَى، وَالْمَجُوس إِقَامَة ثَلَاث لَيَال يَتَسَوَّقُونَ بهَا، وَيَقْضُونَ حَوَائِجَهُمْ، وَلم يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُم يُقيم بَعْدَ ثَلَاث لَيَال.
وَقَالَ مَالك: لَا يتْرك أحد على غير دين الْإِسْلَام يُقيم بِالْمَدِينَةِ فَوق ثَلَاثَة أَيَّام وَقد نهى عمر بن الْخطاب، قَالَ مَالك: فَأرى أَن يجلوا من الْمَدِينَة، وَمَكَّة، واليمن، وَأَرْض الْعَرَب، لِأَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «لَا يبْقى دينان بِأَرْض الْعَرَب»، وَقد أجلاهم عمر بن الْخطاب هن فدك، ونجران.
стр. 1930
قَالَ الشَّافِعِي: " فَإِن سَأَلَ من تُؤْخَذ مِنْهُ الْجِزْيَة أَن يُعْطِيهَا وَيجْرِي عَلَيْهِ الحكم على أَن يسكن الْحجاز، لم يكن ذَلِك لَهُ، والحجاز مَكَّة، وَالْمَدينَة، واليمامة، ومخاليفها كلهَا، لِأَن تَركهم بسكنى الْحجاز مَنْسُوخ، وَقد كَانَ رَسُول الله ﷺ اسْتثْنى على أهل خَيْبَر فَقَالَ: «أُقِرِّكم مَا أَقَرَّكم الله»، ثمَّ أَمر بإجلاهم، وَأحب أَن لَا يدْخل الْحجاز مُشْرك بِحَال لما وصفت من أَمر النَّبِي ﷺ ، وَلَا يبين لي أَن يحرم أَن يمر ذمِّي بالحجاز مارا لَا يُقيم بِبَلَد مِنْهَا أَكثر من ثَلَاث لَيَال، وَذَلِكَ مقَام مُسَافر، لِأَنَّهُ قد يحْتَمل أَمر النَّبِي ﷺ بإجلائهم عَنْهَا، أَن لَا يسكنوها، وَيحْتَمل لَو ثَبت عَنهُ «لَا يبقين دينان بِأَرْض الْعَرَب»، لَا يبْقين دينان مقيمان، وَلَوْلَا أَن عمر ولي إِخْرَاج أهل الذِّمَّة لما ثَبت عِنْده من أَمر رَسُول الله ﷺ ، وَأَن أَمر رَسُول اللَّهِ ﷺ مُحْتملا مَا رأى عمر بن الْخطاب من أَن أجل من قدم من أهل الذِّمَّة تَاجِرًا ثَلَاث، لَا يُقيم فِيهَا بعد ثَلَاث، لرأيت أَن لَا يصالحوا بِدُخُولِهَا بِكُل حَال.
وَقَالَ الشَّافِعِي: وَلَيْسَت الْيمن بحجاز، فَلَا يجليهم أحد من الْيمن، وَسَائِر الْبلدَانِ مَا خلا الْحجاز، فَلَا بَأْس أَن يصالحوا على الْمقَام بهَا، وَلَا يتَبَيَّن لي أَن يمنعوا ركُوب بَحر الْحجاز، وَيمْنَعُونَ الْمقَام فِي سواحله،
следующие страницы →