مقدمة:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تتطلب وقائع المعاصرة النسبية بين الحضارات الكبرى في الشرق الأدنى القديم، ومجالات التعامل والتكامل، أو التقابل والتنافس، بين إنجازات شعوبها وثقافاتها، إيثار تضمين المعالم الرئيسية لتاريخها العريض في مؤلف واحد، ذي خطة شمولية متجانسة، يتناول مراحل التطور والتأثير في حضارات مصر والعراق والشام وشبه الجزيرة العربية، وبعض أنحاء شمال إفريقيا وشرقها وشمال السودان، إن صعودًا، وإن توقفًا أو هبوطًا، خلال عصورها القديمة وفي عالمها الكبير. وذلك هدف لا ينتقص من قيمة ما صدر عن تاريخ هذه أو تلك من مؤلفات فردية، باللغة العربية أم بغيرها من اللغات. وبدأت خطة الإصدار الأول لهذا الكتاب في عام ١٩٦٧ لتحقيق الفكرة المسبقة، فكرة تقديم تاريخ حضارة الشرق الأدنى القديم متواصلًا في مؤلف شامل كبير. ولكن ما أن تمت به ابتداء الخطوط العريضة لحضارتي مصر والعراق، حتى تأكد ما توقعناه من أن مختصر الحديث العلمي عنهما، أضخم من أن يسع معهما بحوثًا أخرى. واقتضى هذا إفرادهما بجزء أول، على أن يخصص لبقية الحضارات جزء آخر، أو جزءان يصدران بعده.
وندع التمهيد بالعوامل الموجهة لمسيرة الحضارات الرئيسية لهذا الشرق القديم، وصور التشابه أو التنوع بين إمكانياتها واتجاهاتها الثقافية الخاصة، للفصل الأول من هذا الكتاب. وحسب المقدمة الراهنة أن تعرض موجزًا لبعض المذاهب الفكرية الحديثة في تعليل البواعث والمضامين ذات الأثر في تشكيل طابع الحضارات الكبرى، ومصادرها المتنوعة. وللشرق الأدنى مكانة عريقة، في فلك تواريخ الشعوب الكبرى، وفي مراكب الحضارة الإنسانية بعامة، في عصوره القديمة، وبعض عصوره الوسيطة. وقد تداولت على أممه الكبرى، عصور استمسكت خلالها بمراتب الريادة أو القيادة في عدد من مجالات الفكر والمادة، وعصور أخرى انفلتت منها زعامتها والتزمت فيها بالتبعية الضمنية أو الكلية لغيرها. ولهذا كان من البدهي أن تشغل علل أحداثها وخواصها جانبًا مما تدارسه كبار المفكرين منذ الازدهار الإغريقي وحتى الآن، عن فلسفة المسببات لازدهار الحضارات العالمية، وعلل ضعفها أو انهيارها، في العصور المتعاقبة.
وإذا عدونا آراء مفكري العصور الكلاسيكية القديمة، ومؤرخي العصور الوسطى، إلى آراء رواد الفكر الحديث، بحسبانها أقرب مما سواها إلى مفاهيم الثقافة المعاصرة، ألفينا محاولات عدة لرد نوعية الحضارات وطبيعة تطوراتها، إلى جذور وفروع قد يرتب بعضها بنواميس الكون وسنن الحياة وبداهة التطور حينًا، ويتصل بعضها بإيحاءات البيئات الطبيعية حينًا آخر، ويتأثر بعضها بالروح الشعوبية حينًا ثالثًا. دون أن تنفي حداثة هذه الآراء وجود أصول مهدت لها، من عصور سابقة عليها.
ففي المدرسة الإيطالية، ذهب "فيكو" في دفاعه عن منهجية علم التاريخ إلى أن لحضارات الشعوب قواعد مطردة جرت على مقتضاها، تستوي في ذلك أمور العمران، وتصرفات الجماعات، وقيم الأخلاق والسلوك، وما عداها. وأقر "فيكو" بأن ما يجعل فترة تاريخية ما جديرة بالدراسة، لا يتمثل فيما حققته من أمجاد تقاس بمقاييسها الذاتية فحسب، وإنما تتحدد قيمتها الجوهرية أساسًا بوضعها في نسيج التاريخ العام.
стр. 2
وقصرت المدرسة الإنجليزية تطورات تاريخ الحضارة على إيحاء عبقريات فردية جبارة فرضت نتائج فكرها على جموع الناس. وقدرت بالتالي أن نصيب الحضارات من الازدهار أو التخلف أو التدهور إنما يرتبط بوفرة أو ندرة ما يظهر من العقليات المبدعة في كل مرحلة من مراحلها. وتجاوبت هذه الآراء مع ما حققه أفذاذ عصرها من تقدم علمي وانقلاب صناعي وانطلاق عالمي منذ القرن الثامن عشر وما تلاه.
وفي المدرسة الفرنسية تداولت النهضة الفكرية في القرن الثامن عشر، مذهبين أساسيين: فرد "مونتسكيو" الفوارق بين الحضارات على فوارق بيئاتها المناخية وظروفها الخاصة، بمعنى أنه إذا تشابهت الطبيعة البشرية في كل زمان ومكان، إلا أنها تسلك مسالك متباينة بوحي البيئات التي تعايشها. وذهب "جان جاك روسو" في أولية أثر الإنسان على أثر البيئة، إلى أن عامل الزمن في مسيرة الحضارة، وتأثير الظروف الخاصة المحيطة بأهلها، ثم مدى وضوح إرادة المجموع، ومدى فاعلية التربية في بنيان المجتمع، كل ذلك له تأثيره في تطور تواريخ الشعوب. ونادى بالاعتراف لكل حضارة، أيامًا كانت مرتبتها، بجهودها وقيمتها الذاتية، مع اعتبار كل منها حلقة من سلسلة تطور طويلة لا تزال الملكات البشرية تنتجها في مختلف الدهور والظروف.
ومع النهضة البروسية الجرمانية، ذهب "هيردر" إلى أن تاريخ كل شعب هو حصيلة للفعل المتبادل بين مجموعتين من القوى: القوى الخارجية التي تشكل محيطه الجغرافي، والقوى الباطنية التي يعبر عنها بروح الشعب. وهذه الأخيرة هي الأهم والأبقى. فلكل شعب روح من نوع معين توارثها في تكوينه فأصبحت تترجم عنه وتعبر عن نفسها في كل ما خرج أهلها به من نظم وتقاليد، ومثل عليا للحياة. كما غدت بالتالي هي المسئولة عن صورة تاريخ شعبها. وعدل "هيجل" هذا الرأي إلى رأي آخر، قال فيه إن لكل شعب عبقريته الخاصة التي تنعكس على ما يأتيه من أعمال في عالم الفكر والمادة، وبهذه العبقرية يساهم كل شعب مساهمة خاصة قدرت له في نطاق إمكانياته، في صنع تاريخ العالم. ثم أخذ برأي للفيلسوف "كانت" مؤداه أن التاريخ هو تاريخ المجموع، ينظر المفكر إليه ككل ويتغاضى فيه عن الجزيئات، ويرى فيه لكل شعب مكانًا في مسيرة عالمية تتيح الدنيا في نهاية أمرها تحقيق أسمى معانيها، وهو معنى التوازن عند "كانت" ومعنى الوعى الكامل بالحرية عند "هيجل". وكان "كانت" قد استهل فلسفته التاريخية بفكرة مسبقة خلاصتها أنه ما من شيء في الكون إلا ويسعى إلى غاية عظمى ينتهي إليها. ومن هذا المنطلق رأى أن وقائع الماضي التي قد تبدو متناثرة بغير قيمة تذكر – تتجلى في مجملها وكأنها تخدم هدفًا أعظم. ذلك لأن التاريخ يكاد يتبع خطة طويلة المدى غايتها البعيدة هي الأنواع الإنسانية ككل، ولو أدت إلى التضحية بمنفعة الجزء أو الفرد. وارتأى "كانت" أن السلام والعداء وإن كانا طرفين متناقضين، إلا أنه لا مندوحة عن تواجدهما معًا لتحقيق التوازن، والحض على التفوق.
وما من شك أن لكل رأي من هذه الآراء قيمًا كبيرة لا تجحد. وإذا كان ثمة ما يضاف إليها، فهو أنه تحت الظروف الخاصة بكل أمة، وروحها أو عبقريتها، هي المؤثرة وحدها في تطورات تاريخها، فقد تبقى
стр. 3
روحها الخاصة كما هي، وتظل في بيئتها كما هي، ولكن قد تتغير الظروف الخارجية المحيطة بها تغيرًا جذريًّا لا دخل لها به ويتغير تاريخها تحت تأثيرها إن قليلًا أو كثيرًا.
وردد "شبنجلر" آراء سابقيه من الحرمان من أمثال هيردر وهيجل بأن لكل حضارة طابعًا خاصًّا تعبر عنه، وهو في الوقت نفسه يتداخل في كل تفاصيلها وكل تطوراتها. ورأى أن كل حضارة أسيرة مصيرها، وأن اتجاهها لا يمكن أن يتحول؛ لأنه اتجاه حدده المصير وحددته الصيرورة. ثم إن كل الحضارات على الرغم من تنوعها تشترك في عملية واحدة تخضع لقانون ملحوظ من قوانين الطبيعة، وهو أن كلا منها تقطع دورة تشبه دورة حياة الكائن الحي، فيها طفولة وشباب ورجولة وشيخوخة، وهذه الدورة تبدأ بالبربرية التي تطبع المجتمعات البدائية، ثم تتطور إلى مرحلة تعمل الحضارة فيها على بدء التنظيم السياسي وبدء مقومات العلوم والفنون ولكن في صورة أولية. وفي شبابها تزداد الحضارة نقاء وصفاء وتحقق كينونتها. وأخيرًا تنتقل إلى مرحلة المدنية، فإذا بلغت غايتها من هذه المرحلة جمدت واستهلكت كل إمكانياتها واستنزفت عصارة حياتها، وأصبح ذلك إيذانًا ببداية انهيارها الذي يقترن عادة باتجاهها إلى لون آخر من ألوان البربرية يصطبغ كل شيء فيه بصبغة الاستغلال والضعة، وهذه هي نهاية حياتها، ولن يخلفها شيء بعد لأنها قد ماتت ونضب معين الابتكار فيها. وتلك سنة لا يستطاع معها تحديد عدد مراحل الدورة الحضارية فحسب، بل ويمكن تحديد زمنها أيضًا.
وليس من اعتراض على فكرة الدورة الحضارية أو التاريخية في حد ذاتها، ولم يكن القول بها من ابتداع شبنجلر، وإنما ... إلى القول بها كثيرون ومنهم ابن خلدون في الشرق وفيكو في الغرب. ولكن ينصب نقد آرائه على ما ارتآه من إمكان التنبوء الصحيح بمستقبل الحضارات وإمكان تحديد زمن دوراتها وتحديد أمد كل مرحلة من مراحلها، وما قال به من أن انهيار حضارة ما يعني موتها موتًا لا نشور بعده. وقبل الإدلاء ببعض ما يمكن تعديل نظريته به ينبغي التقديم بأمرين، وهما: أن قوانين الدورات الحضارية قوانين اعتبارية مرنة ليست كالقوانين الطبيعية جامعة ولا مانعة، وأن تعبير الدورة لا يعني الحركة الدائرية بالضرورة، وإلا لعادت الحضارات إلى حيث بدأت وسارت في نفس خطوطها القديمة، وظلت في حلقة مقفلة، وهذا يخالف سنة التطور. كما أنها لا تعني الحركة الحلزونية، كما ظنها "فيكو" فالحركة الحلزونية قد تعني الاتساع إلى الخارج باطراد، وهذا إن حدث مرة قد لا يحدث مرة أخرى.
وفي ظل هذه المقدمات يمكن القول بأن الدورات الحضارية والدورات التاريخية للأمم المتحضرة لا تكاد تخلو من وجوه شبه ظاهرية مع دورة الحياة التي يمر بها الكائن الحي، لا سيما الكائن العاقل الذي يؤثر في غيره ويتأثر بغيره، ويختار بعض أمره ويجبر على بعض أمره. وعلى هذا الاعتبار تعاقبت الحضارات الكبرى مراحل طفولة ونشأة، ومراحل فتوة وشباب، ومراحل كهولة وشيخوخة. وكثيرًا ما طالت في الحضارات مراحل نشأتها وتلونت فيها بلون بيئتها، وتعثرت فيها بين الفشل وبين النجاح في تجارب تناسبها خلقت فيها بمجهوداتها أشياء من العدم، وقلدت فيها أشياء أخرى من غيرها. وكثيرًا كذلك ما تأثر شباب الحضارات
стр. 4
بمدى استمرار الإمكانيات البكر في أرضها، ومدى ما توفر لشعبها من قدرة
على الإبداع المادي والمعنوي في فتوتها، ومدى ونوع التحديات والأزمات التي واجهتها وأظهرت قيمة معدنها. وتتفاوت مصائر الحضارات في مراحل شيخوختها تبعًا لما أسست به بنيانها في مراحل نشأتها وشبابها وازدهارها. وتتعاقب عليها خلال المراحل السابقة كلها ظروف داخلية وظروف خارجية قد تشجعها على الطفرة حينًا، وتجبرها على التراخي حينًا، وتدفعها إلى الانطواء أحيانًا. ودورتها لا تكاد تختلف في ذلك كله عن دورة الحياة للكائن الحي إلا فيما جرت به سنة الخلق من انتهاء الكائنات الحية بعد الشيخوخة إلى زوال، على حين استطاعت بعض الحضارات والشعوب أن تسترجع شبابها بعد شيخوختها مرة ومرات، ونجحت في أن تفيق من نهاية دورة تاريخية لتستأنف دورة أخرى مزودة بعزمات جديدة ومستعينة ببعض خبراتها القديمة التي تغنيها عن الرجوع إلى تجارب النشأة والبدء بها مرة أخرى. وكان حضارات وشعوب الشرق الأدنى، على رأس هذا البعض من الحضارات والشعوب، فتعددت دوراتها واستعادت شبابها عدة مرات.
سبتمر ١٩٦٧
أغسطس ١٩٧٣
ديسمبر ١٩٨٠
عبد العزيز صالح
стр. 5
الشرق الأدنى القديم
الفصل الأول: التشابه والتنوع في الشرق الأدنى القديم وتأثيرات البيئة في حياة أهله
مدخل
...
الشرق الأدنى القديم:
الفصل الأول: التشابه والتنوع في الشرق الأدنى القديم وتأثيرات البيئة في حياة أهله
تعبير الشرق الأدنى القديم تعبير اصطلاحي تأثر إلى حد ما بالتعبير الأوروبي " The Ancient Near East" وقد امتدت معالم الحضارات القديمة فيه امتدادا عميقا واسعا، على الرغم من غلبة الطابع الصحراوي على معظم أراضيه. فانتشرت خلال عصور ازدهارها من أعالي الشام وأعالي العراق شمالا حتى سواحل بحر العرب "أو المحيط الهندي" جنوبًا، ومن شمال إفريقيا وشمال السودان غربًا حتى الخليج العربي شرقًا، وشغلت ما يشغله الشرق العربي في حدوده الحالية. وبعد أن سايرت الحضارات الأولية الدهور الحجرية في هذا الشرق الأدنى بقية حضارات العالم المسكون التي عاصرتها، تميزت عنها بالسبق الحضاري منذ فجر تاريخها، أي منذ الألف السادس ق. م فصاعدًا، حين تمايزت بين حضارات وديان أنهارها الكبرى حضارتان أصليتان توافر لهما أثر عميق على أغلب ما تعاقب بعدهما من حضارات، ونعني بهما حضارة مصر وحضارة العراق، اللتين بدأ فيهما الانقلاب الرئيسي الثاني في مجالات الحياة المادية للإنسان القديم، وهو بدء حرفة الزراعة "بعد معرفة سر إيقاد النار" كما بدأ فيهما التطور المعنوي الكبير الثاني لثقافات الشعوب القديمة وهو بدايات الكتابة "بعد معرفة بدايات الفنون". ثم ظهرت في الشرق الأدنى مع نضج ثقافات القديمة تشريعات وضعية متكاملة، وعقائد أخروية واعية، وبذور الوحدانية، وأسس العلوم، كما أشرقت فيه ديانات سماوية ساهم بعض أهله في نشرها وكانت ولا تزال هدى للعالمين القديم والحديث. وظلت آثار حضارات الشرق المادية والفنية أوفر عددا وأعظم ضخامة مما عداها من آثار بقية الحضارات القديمة. كما استمرت تطوراته أوسع وأوضح من تطوراتها حتى أواسط الألف الأول قبل ميلاد المسح، حين أدت ظروفه وظروفها إلى انتقال موازين القوى وزعامة الحضارة من بلاده إلى أمة الفرس في شرقه وإلى بلاد الإغريق ومن تلاهم في شماله الغربي، وإن لم يكن هذا قد حرم الشرق الأدنى من أن يظل رمزا باقيا للأصالة، برغم كل ما تعاقب عليه من نكبات وشدائد، كما لم يحرمه من النهوض بعد قرون طويلة عملاقًا قويًّا في ثوب حضاري جديد بعد ظهور الإسلام على أرضه وبين أهله.
وربطت بين مواطن العمران الأولى في الشرق الأدنى القديم عدة روابط طبيعية وجنسية وحيوية بقيت آثارها المحسوسة حتى الآن. ومعروف ما للعوامل المناخية والبيئية من تأثير في نفسيات الشعوب وملامحها ومعايشها وأخيلتها، لا سيما في عصورها التكوينية الأولى التي كان ارتباط الإنسان فيها ببيئته وخضوعه لإيحاءاتها أكبر مما هو عليه الآن بكثير، وظلت الظروف المناخية التي سادت العصور التاريخية
стр. 6
للشرق الأدنى متشابهة المظاهرة ومتشابهة النتائج إلى حد واضح. وكانت ولا تزال تميل إلى الجفاف في معظم أحوالها، فيما خلا مناطق قليلة اتصفت بمناخها الخاص على سواحل البحر المتوسط وإلى حد ما على سواحل البحر الأحمر وبحر العرب أو المحيط الهندي. وظلت معابر الشرق الأدنى البرية التي استخدمها أهله القدماء في تنقلاتهم واتصالاتهم مفتوحة مطروقة في غالب الأحيان إلى حيثما تطلبت المصالح الإقليمية زيادة تحصيناتها وتشديد الرقابة عليها في فترات الغزوات الخارجية والهجرات العنيفة. وترتب على هذين العاملين أن ظلت أغلب الجماعات ذات الأثر في عمران الشرق الأدنى وتحضره من السلالات التي عرفت اصطلاحا باسم السلالات السامية الحامية، وقد تحدرت في بداية نشأتها من عائلة جنسية واحدة ذات أرومة لغوية متقاربة، ثم انضافت إلى هوامشها من حين إلى آخر هجرات شعوبية دخيلة وفدت من أواسط آسيا ومرتفعاتها ومن جزر البحر المتوسط، ولكنها وفدت في أغلب حالاتها قليلة الأعداد وعلى فترات متباعدة، وذلك مما شجع اللبانة السامية الحامية على أن تتشربها وأن تصبغها بصبغاتها ثم تذيبها تدريجيًّا في كيانها الجنسي واللغوي والفكري الكبير وقد نتج عن ذلك أن استمرت مظاهر التشابه في لغات شرقنا الأدنى القديم واتجاهات عقائد شعوبه وأساطيرهم أكثر وأوضح من مظاهر الاختلافات الإقليمية بينها. وقد استشهدنا على ذلك بنماذج عدة تخيرناها من صور التقارب اللغوي بين المصريين القدماء وبين جيرانهم من أصحاب اللغات السامية والحامية في كتابنا السابق عن "حضارة مصر القديمة وآثارها"، ولهذا نحيل القارئ إلى ما ذكرناه فيه عنها. وحسب هذا الفصل من صورة ذلك التقارب أنه أمكن التعرف على ما يقرب من مائتي كلمة مصرية قديمة لا تزال أمثالها حية في مفردات اللغة العربية الفصحى، وهي مجرد قلة من كثرة اندثر بعضها، وانزوى بعضها الآخر في بطون المعاجم نتيجة للتطور الزمني والحضاري لمفردات الكتابة والحديث. ولعل الأكثر دلالة على صلة الرحم القديمة هو وجود صلات جوهرية بين قواعد النحو في كل من اللغة المصرية القديمة واللغة العربية بخاصة، على الرغم من اختلاف صور الكتابة بينهما، ومن ذلك وجود حروف الحاء والعين والقاف في اللغة المصرية القديمة، وشيوع المصدر الثلاثي بين أفعالها، وغلبة الفعل المعتل الآخر فيها، وما أخذت به من سبق الفعل للفاعل، وإلحاق الصفة بالموصوف، واستخدام صيغة المثنى، وإضافة تاء التأنيث في نهاية بعض أسمائها وصفاتها المؤنثة، واستخدام ياء النسبة، وتمييز البعض من الكل، واستخدام كاف المخاطب وميم المكان ونون الجمع، مثلها في ذلك مثل اللغة العربية، وذلك فضلًا عن كتابة الحروف الساكنة وشبه اللينة في كلماتها دون حروف الحركة، وتشابه عدد من ضمائرها مع ضمائر بعض لهجات اليمن ولهجات العراق ولهجات جنوب الشام في العصور القديمة، مع اختلاف في طريقة النطق بين كل واحدة والأخرى، ولا شك في أن التقارب في قواعد النحو بين اللغات لا يتأتى إلى عن طريق وحدة أصولها القديمة.
غير أنه كان من البديهي أن يترتب على شدة انفساح رقعة الشرق الأدنى القديم، وتباعد المواقع الجغرافية لأطرافه، وتباين التكوينات التضاريسية لأجزائه، بعض التنوع الإقليمي في الأوضاع المعيشية والاجتماعية والسياسية لشعوبه ومجتمعاته. وتتضح بعض صور هذا التنوع فيما ستتناوله الصفحات التالية من اختلاف ظروف البيئات النهرية والصحراوية والساحلية، ومدى توافر فرص الاختلاط والاتصالات، على تكوين القوميات القديمة وخصائص الشعوب هنا وهناك.
стр. 7
في وادي النيل:
إذا بدأنا بمصر، فلعل أقرب ما يتبادر إلى الخاطر من نصيبها في التمايز الإقليمي عن جيرانها، هو أن جريان نهر النيل في أرضها قد خفف نتائج جفافها المناخي إلى حد كبير، على الرغم من دخولها في النطاق الصحراوي العظيم الذي يمتد في أغلب بقاع الشرق الأدنى من الخليج إلى المحيط. ثم استطاع أن يطبعها بطابع خاص من الكفاية والاستقرار، وأن يوجه معايش أهلها وجهة زراعية غالبة مترابطة منذ أن أنس أجدادهم إلى ضفافه وزاد استقرارهم عليها في فجر تاريخهم القديم، ومنذ أصبحوا يستغلونه ويقدرون جوانب نفعه أكثر ما يتهيبون مظاهر جبروته وطغيان فيضاناته.
وأدت خاصية الامتداد الرأسي الطويل لنهر النيل من الجنوب إلى الشمال مع ندرة فروعه الطبيعية الجانبية في مصر، إلى توزيع مواطن العمران فيها على جانبيه توزيعا رأسيا أكثر منه أفقيًّا، وهي ظاهرة أدت فيما هو معروف إلى تكاثف سكانها في مناطق محدودة المساحات نسبيًّا، وإن سمحت في مقابل ذلك بتيسير الاتصالات المكانية ووسائل النقل المائية بينهم. وترتب على هذه الاتصالات البشرية والمكانية المتاحة بعض الأثر في الإيحاء إلى الحكام والمفكرين المصريين القدماء بواقع الترابط الطبيعي بين أجزاء أرضهم ومدى اتصال مصالحها ومقومات حياتها وقوميتها. وأفضى هذا الأثر أو هذا الإيحاء، مع غيره من مجريات الأحداث القديمة في مصر، إلى التبكير فيها بظهور أول وحدة سياسية كبيرة مستقرة معروفة في تاريخ البشرية كلها.
ولم تخل البيئة المصرية من مشكلات تطلبت أن يوجهها سكانها بالتحدي العملي والفكري حتى يتغلبوا عليها أو ييسروها ويقللوا من أخطارها. وغالبًا ما كانت التحديات ولا تزال من أهم الحوافز إلى الرقي والإبداع الحضاري.
والواقع أن أمور النيل والزراعة لم تكن هينة دائمًا في أوائل عصور التحضر المصري القديم، وإنما تخللتها مصاعب وظواهر ظلت تتطلب من أهلها كثيرًا من الصبر والجهد المتصل، وإن يكن جهدا منتجا في حد ذاته. ففيضانات النهر كانت ولا تزال، على الرغم من جودها وانتظام مواسمها، تستدعي اليقظة الجماعية لمواجهتها، وتتطلب التعاون لتقليل أخطارها، وتحتاج إلى كثير من بذل الجهد وتطوير المهارة لتيسير الانتفاع بها وتوصيلها إلى الأراضي المرتفعة عن مستوياتها. وبقيت بعض ضفاف النيل ومناطق دلتاه بخاصة، على الرغم من خصوبتها الفطرية، موطنا للأحراج النباتية والمناقع المائية طوال دهور ما قبل التاريخ وخلال أوائل العصور التاريخية ذاتها، وبهذا ظلت هي الأخرى تحتاج إلى تكاتف بشري وجهد متصل في سبيل استصلاحها وتهذيبها واستغلالها. وأدت جهود المصريين في الحالين إلى تزكية إحساسهم الجماعي بضرورة الارتباط بحكم مركزي مستقر يشرف على جهودهم العامة وينسقها وينظم الانتفاع بنتائجها.
وإذا كانت الصحراوات المصرية الواسعة قد شابهت غيرها من صحراوات الشرق الأدنى، في مظاهر فقرها الطبيعي، وفي أن هذا الفقر كثيرًا ما دفع بدوها المحليين إلى تعكير أمن حواف المناطق الزراعية وطرق التجارة البرية، وظلت نتيجة لذلك تستدعي اليقظة الدائمة من الحكومات المصرية القائمة لكسر شرة بدوها
стр. 8
وإلزامهم حدود الطاعة قدر المستطاع، إلا أنه بقي لهذه الصحراوات من الخصائص ما تميزت به إلى حد ما عن غيرها.
فعلى نحو ما ظل النيل أبًا حانيًا لحضارة المصريين القدماء، على الرغم من الجبروت الظاهر لفيضاناته كانت صحراواتهم الجافة الموحشة أمًّا لحضاراتهم من حيث لم يحتسبوا. فقد أدى اتساع فيافيها الداخلية الخطرة إلى التقليل من إمكانية استخدامها سبيلًا للغزوات الشعوبية الخارجية التي كان يمكن أن تهدد استقرار وادي النيل الأخضر، وبذلك تحقق للمصريين نصيب كبير من الوحدة الجنسية النسبية ومن الأمن الدولي القديم. وكفلت لهم صحاراهم ومرتفعاتها، على الرغم من وحشتها، بعض مقومات مدنيتهم المادية، نتيجة لوفرة معادنها وفرة نسبية، وكثرة أحجارها مع تعدد أنواع هذه الأحجار وألوانها وضخامة بحورها مما سمح لهم بأن يقيموا على مر الزمن أضخم وأروع عمائر حجرية عرفها العالم القديم قبل نهضة الإغريق. بل إن رمال الصحراء القريبة من وادي النيل لم تكن بدورها بغير أثر في تزكية آمال المصريين في الخلود حيت استغلوا جفافها لصيانة رفات موتاهم ومقتنيات مقابرهم سليمة لآماد طويلة.
وما من بأس في أن يضاف إلى كل ذلك أن ما لقيه المصريون الأوائل من متاعب بيئتهم يقل كثيرًا عما عاناه بعض جيرانهم الشرقيين من مشكلات بيئاتهم، لا سيما إذا قدرنا أن البيئة المناخية في مصر كانت ولا تزال غير ذات تأثير معاكس على وجدان أهلها على الرغم من جفافها وقلة أمطارها، فهي إذا قورنت بكثير غيرها بيئة مأمونة العواقب هينة الحدة قليلة التقلب، ليس فيها من صراع الظواهر الطبيعية أو مظاهر الرهبة والصخب العنيف ما يوجه أهلها إلى اعتياد الصخب والعنف أو يطبعهم بطبعهم بطابع التمرد والقلق وتقلب الأهواء والمشاعر والعادات. ولهذا لم يكن من الغريب، أن يترتب على ما ألفه المصريون القدماء من غلبة الخير على الشر في أحوال نيلهم وواديهم وصحراواتهم ومناخهم بعض الأثر في صبغ حضاراتهم الطويلة بصبغة غالبة من مظاهر الاستقرار والاتصال، وصبغ حياتهم السياسية بطابع الهدوء والاستمرار، ثم الإيحاء إليهم بنوع من الشعور التلقائي بالكفاية، كفاية الجهد المنتج في الأرض، وكفاية الموارد النسبية بها، فضلًا عن كفاية مقومات الحضارة في بلدهم بوجه عام وبغير حاجة إلى مدد خارجي كبير.
ولم يكن انطباع المصريين بيسر البيئة واستقرارها ووضوح معالمها بغير أثر مرة أخرى في ثبات تقاليدهم الاجتماعية والثقافية، وصبغ إنتاجهم الفني القديم بصبغة غالبة من بساطة الخطوط ووضوح التعبير وسماحة الهيئة والطابع إذا قورن بغيره من الفنون القديمة، وذلك فضلًا عن ثبات عقائدهم الدينية التي استوحوها من بيئتهم، وبعدهم عن مظاهر التعصب المذهبي وتغليبهم طابع الرحمة في أربابهم على طابع العنف والنقمة. بل ولم يكن بغير أثر كذلك في تزكية آمالهم في عالم أخروي مستقر يجدون فيه أحسن ما استحبوه من الطمأنينة والكفاية والاستقرار في دنياهم.
وعلى أية حال، فليس في كل هذا ما يؤدي بالضرورة إلى تفضيل بيئة مصر على بيئة غيرها أو تفضيل حضارة شرقية على أختها، وإنما يكفي الاستشهاد به على ما يمكن أن يتأتى من تبادل التأثر والتأثير بين البيئة وبين أهلها، هنا وهناك، وما قد يترتب على ذلك من اصطباغ حياة الشعوب بخصائص معينة تحتسب لها أحيانًا أو تحتسب عليها أحيانًا أخرى.
стр. 9
في بلاد النهرين:
تشابهت تأثيرات الأنهار الكبيرة والصحراوات الواسعة في العراق القديم مع تأثيرات أمثالها في مصر في بعض أمورها واختلفت عنها في بعض آخر. فقد كفل نهرا دجلة والفرات لأهل العراق الأقدمين خصبًا وكفاية، ووفرا لهم نصيبًا كبيرًا من الاستقرار في المعيشة والسكن، الأمر الذي ساعد حضاراتهم الأولى على أن تنضج في عصور مبكرة لا تبعد كثيرًا عن العصور التي نضجت فيها الحضارة المصرية الأولى.
وعمل النهران وفروعهما على تيسير الاتصالات المكانية والمواصلات المائية وإتاحة فرص الارتقاء بصناعة السفن منذ فجر التاريخ العراقي القديم أو في أواخر الألف الرابع ق. م. ولكن الملاحة في النهرين لم تكن على الرغم من ذلك مأمونة دائمًا، وذلك نتيجة لشدة انحدارهما وسرعة جريان تياراتهما في أجزائهما العليا بعامة، وبطء جريانها وكثرة مناقعهما في أجزائهما الدنيا بخاصة، وذلك بحيث ظلت عملية عبور النهرين في بعض أجزائهما تحتسب من الأمور الشاقة التي رددت النصوص العراقية القديمة مخاطرها حتى في العصور الآشورية المتأخرة ذاتها١. يضاف إلى هذا أن فيضانات النهرين مع ما حملته للعراق من خصب ورخاء واستقرار ظلت قبل أن تخفف الجسور ومشاريع الري والصرف من وطأتها وحدتها، عنيفة مخشية الجانب في غالب أمرها، لعدم انتظام مواسمها ولشدة اندفاعاتها، وذلك إلى حد أن أصبحت عبارة "زوبعة الفيضان" مثلًا استخدمه أدباء العراق القدماء للتعبير عن كل أمر كاسح مدمر. وقد تشتد هذه الفيضانات في غير فترات الحاجة الملحة إليها، بحيث قد تعنف خلال مواسم الحصاد، أو تعنف في أوائل الصيف حيث تؤدي شدة الحر والبخر إلى سرعة تسرب ماء الري وجفافه من الأرض.
وأفضت خاصية الامتداد العرضي الكبير للأراضي التي تتوسط النهرين والأراضي الواقعة على جانبيهما والمترامية على روافدهما وفروعهما "مثل الزاب الأكبر والزاب الأصغر وديالي والكرخة وبالخ والخابور .. "، فضلًا عن ظاهرة الامتداد الطولي الكبير للمناطق العراقية الواقعة بين الخليج العربي وبين جبال أرمينيا وزاجوراس، إلى إمكانية قيام وحدات سياسية وحضارية كثيرة متفرقة مستقلة بعضها عن بعض، نعمت كل منها بأسلوب حكمها الخاص في ظل دويلات المدن لفترات طويلة، ولكن تفرقها هذا أدى من ناحية أخرى إلى قلة إحساس أهلها بالضرورة الملحة إلى التكاتف السياسي والترابط القومي فيما بينها، إلا بوحي المطامع الإقليمية الطارئة التي تمثلت في أغلب أحوالها في رغبة بعض دويلات المدن في تعويض شح مواردها على حساب جيرانها، وتأمين طرق تجارتها إذا سلكت سبلها في أقاليم أخرى قريبة منها. وعملت هذه الأوضاع مع غيرها، على ما شهد به تاريخ العراق القديم من أن سياسته العالمة لم تتطور من الإقليمية إلى مرحلة الوحدة السياسية الكاملة والقومية الشاملة والاتساع الخارجي إلا في عصور متأخرة نسبيًّا "منذ عصر الأكديين" وبغير استقرار
стр. 10
سليم طويل، ثم ما شهد به من استمرار المشاحنات الداخلية بين أمثال البابليين وجيرانهم الآشوريين على الرغم مما كان بينهما من صلة الجنس وقرب الجوار ووحدة الديار.
واتصلت ببلاد النهرين من الغرب والجنوب صحراوات وبوادي واسعة لم تخل من نفع كبير ومن متاعب كثيرة في الوقت نفسه. فكان من وجوه الخير فيها أن قامت على أطرافها أسواق تجارية رائجة، وخرجت منها هجرات سامية كبيرة نزلت أراضي العراق القريبة منها على فترات متقطعة، وكانت تشتد على أهلها الزراع في بداية اندفاعها ثم لا تلبث أن تطمئن بعد ذلك إلى أسلوب معايشهم وتكفل التجديد في دمائهم وتؤدي إلى التنويع في حضاراتهم، بل ونجحت أحيانًا في ضم شملهم وتوسيع حدودهم تحت راية زعمائها، كما فعل الأكديون الساميون الذين حققوا وحدة معظم العراق لأول مرة في القرن الرابع والعشرين ق. م، ثم اتسعوا بنفوذه الخارجي لأول مرة في تاريخه. وقلدهم بعد ذلك البابليون الساميون. كما أن بعض من عاشوا في واحات البوادي المتناثرة بين العراق وبين الشام ظلوا من أدوات الاتصال التجاري والتبادل الحضاري بين بلاد النهرين وبين ما أحاط بها من مواطن الحضارات القديمة الأخرى. ومعنى ذلك كله أن انكشاف حدود العراق للهجرات السامية الصحراوية لم يكن شرًّا كله "على خلاف ما تصفه به عادة أغلب المؤلفات التاريخية الحديثة".
ولكن صحراوات العراق وبواديه ظلت من وجه آخر شحيحة في مواردها الطبيعية من المعادن والأحجار، ولم تجد بما جادت به الصحراوات المصرية منهما. كما ظلت حوافها المطلة على أرض الزراعة تتطلب جهدًا عسكريًّا متصلًا لمراقبة تحركات وتحرشات قبائلها البدوية الرعوية التي لم تكن تنقطع.
وجاور بلاد العراق من الشرق شعب كبير قوي لا يقل عن شعبها قدمًا وحضارة وطموحًا، ألا وهو شعب عيلام في هضبة إيران. وكان من منطق الحوادث ألا ينقطع التنافس بينهما لاتصال الحدود واختلاف الجنس وتضارب المصالح وشهوة الغلبة, وبلاد العراق بلاد قارية داخلية ليست لها سواحل بحرية غير سواحل الخليج العربي في مناطقها الجنوبية، وأدى هذا بها إلى أن تتطلع دائمًا إلى مخرج غربي على ساحل البحر المتوسط يخدم مصالحها، سلمًا أو حربًا.
وعوضت المرتفعات الشمالية والشمالية الشرقية سهول العراق القريبة منها ببعض ما أعوز غيرها من المواد الأولية لا سيما الأحجار، لولا أن شعابها كثيرًا ما اجتازتها هي الأخرى هجرات آرية رعوية كاسحة، وكثيرًا ما جاست في وديانها أقليات متفرقة خشنة عز على أفرادها أن ينسجموا في معايشهم وعاداتهم مع الزراعين العراقيين المستقرين على السهول، وعز عليهم التوطن بسهولة معهم. وترتب على ذلك أنه كثيرًا ما فاجأت هذه الأقليات وتلك الهجرات دويلات العراق المتحضرة المعاصرة لها بين كل حين وآخر وقطعت عليها نضجها السياسي وحرمتها نعمة الاستقرار الطويل. وينطبق ذلك على ما فعلته هجرات الجوتين والكاسيين والحوريين والميتانيين فصلًا عن غزوات العيلاميين والخاتيين "الحيثيين" على التوالي.
ومرة أخرى لم تكن الهجرات الآرية التي نزلت أرض العراق شرًّا كلها، فقد توفرت لها جوانب أخرى
стр. 11
نافعة، وقد لا يكون من قبيل المصادقة أن أقدم تشريعات آشورية معروفة حتى
الآن يغلب على الظن أنها ظهرت في عصر امتداد هجرات الحوريين الآريين إلى أرض آشور١.
ولعله كان لتعدد الجنسيات والهجرات التي نزلت العراق في عصوره القديمة بعض الأثر في ظهور تشريعات عراقية متعددة تنظم العلاقات بين الطوائف المختلفة من السكان، وظهور فكرة معاجم المفردات المقارنة باللغات القائمة في حينها لتيسير انتفاع الجماعات المتنوعة بها.
وأخيرًا قد لا يكون من المستبعد أنه ترتب على ما تعوده أهل العراق القديم من الظواهر الغالبة لفيضاناتهم وصحراواتهم وجبالهم من حيث غلبة المشكلات فيها إزاء المنافع، فضلًا عن تقلبات المناخ وحدة الفوارق فيه، بعض الأثر في صبغ حياتهم القديمة بغير قليل من الحدة والتوتر، وهي صبغة توفرت لها مزاياها أحيانًا، كما توفرت لها عثراتها أحيانًا أخرى. بل وتوفر لها بعض الأثر كذلك فيما رددته أساطيرهم عن شدة عداء بعض أرباب بيئتهم لبعض ومنافسة بعضهم بعضا، وبعض الأثر أيضًا في توجيه فنون النحت والتصوير، في عصورها الأولى بخاصة، إلى إيثار المبالغة والميل إلى إشاعة الرهبة، ثم صرف معظم جهودهم الفكرية القديمة إلى توفية مطالب دنياهم والتشريع لمعاملاتها دون اهتمام صريح عميق بأمور الآخرة وفلسفات الحساب والثواب المعنوية، على خلاف المصريين القدماء، وذلك رغم ما تدل عليه بعض الآداب العراقية من رغبة حكمائهم الملحة في تحصيل الخلود الدنيوي ودفع الموت والفناء بكل سبيل "في مثل قصص جلجميش وغيرها"٢، ومع ما تدل عليه نصوصهم الدينية من حرصهم على إرضاء أربابهم في دنياهم وطمعهم في أن يدع هؤلاء الأرباب أرواح موتاهم آمنة في عوالمها البعيدة الغامضة٣.
стр. 12
في بلاد الشام:
خضعت بلاد الشام في تاريخها القديم لإيحاءات بيئتها وخصائص موقعها، شأنها في ذلك شأن غيرها من مواطن الحضارات القديمة. وكان أوضح هذه المظاهر والخصائص تأثيرًا فيها هو وضوح التنوع في تضاريسها وتعاقب الفواصل الجبلية فيها، وتباعد مناطقها الخصبة بعضها عن بعض. فقد ترتب على تنوع تضاريسها كثرة التباين بين ميول أهلها، أهل الجبال، وأهل السواحل، وأهل السهول والوديان، وأهل البوادي والصحاري، وصعوبة اتحادهم في وحدة قومية صريحة خلال الغالبية العظمى من عصورهم القديمة. وأفضى قيام الفواصل الجبلية في بلاد الشام وتباعد مناطقها الخصبة بعضها عن بعض إلى النتيجة نفسها، فتوزعت الوحدات السياسية والاقتصادية في طول البلاد وعرضها على هيئة دويلات صغيرة أسهمت كل منها بدورها المجيد في ركب الحضارة، ولكنها ظلت متفرقة الإمكانيات، محدودة المساحات، محدودة وسائل الهجوم والدفاع، ولم يلتئم شملها في وحدة سياسية كبيرة طوال عصورها القديمة.
стр. 13
وتوسطت بلاد الشام بين حضارة النيل وبين حضارة النهرين، فكانت من أدوات الوصل بينهما واستفادت منهما. وظلت مناطقها الشرقية والشمالية الشرقية أكثر تجاوبًا مع حضارات بلاد النهرين، بينما ظلت مناطقها الساحلية الغربية ومناطقها الجنوبية أكثر تجاوبًا مع حضارة النيل منذ مراحلها العتيقة الأولى. وأفضى هذا إلى نتيجة أخرى، وهي أن مناطق الاحتكاك في بلاد الشام كثيرًا ما غدت ميدانًا للتنافس السياسي بين جارتيها القويتين مصر والعراق. ووقعت أعالي سوريا في الوقت ذاته بين الكتلة السامية في الشرق الأدنى وبين المجموعة الآرية التي تحف بها في آسيا الصغرى وأعالي النهرين، فكانت ميدانًا للاتصال الحضري بينهما واستفادت بذلك منهما، ولكنها بقيت في الوقت نفسه ميدانا للتنافس المسلح بينهما، فشقيت بذلك بهما.
وظلت بوادي الشام من أهم مناطق الجذب والدفع البشريين في الشرق الأدنى، ولم تهدأ الحركة فيهما في أغلب عصورها القديمة. وقد اكتسبت خاصية الجذب نتيجة لتميزها عن صحراوات شبه الجزيرة العربية المتصلة بها في جنوبها، بوفرة عشبها الطبيعي وفرة نسبية وصلاحية بعض واحاتها للإقامة والتكاثر صلاحية نسبية، فترتب على ذلك أن أصبحت منطقة إغراء بالنسبة لقبائل هذه الصحاري كلما ازدادت كثافتهم عن طاقة مواردهم المحدودة، وكلما طالت موجات الجفاف واشتدت على مراعيهم، وكلما مزقت الخلافات الداخلية شمل قبائلهم وبطونهم وأجبرتهم على ترك مواطنهم. واكتسبت هذه البوادي خاصية الدفع، من ناحية أخرى، نتيجة لوقوعها بين منطقتين غنيتين تمتازان عنها من مناطق الهلال الخصيب، وهما ضفاف الفرات شرقًا والسهول المطلقة على سواحل البحر المتوسط غربًا، وذلك مما جعل هاتين المنطقتين مطمحا دائمًا لأهلها، فتسربوا إلى دولهما في تحركات بطيئة صغيرة عديدة خلال عهود تماسكها السياسي وقوتها العسكرية، كما اندفعوا إليها في هجرات كبيرة غالبة في عهود تخلخلها السياسي وضعفها الحربي.
ولم تقم البادية وحدها بعمليتي الجذب والدفع البشريين في تاريخ الشام، وإنما شابهتها في ذلك إلى حد ما بعض المناطق الجبلية الساحلية، مثل مرتفعات لبنان. فقد حفلت هذه المرتفعات بغابات متسعة من أشجار الأرز والصنوبر استغلها السكان في تنشيط الملاحة البحرية وضمنوا بها موردًا تجاريًّا ضخمًا في تعاملهم مع كل من مصر وبلاد النهرين، ولكن غناها النسبي هذا بمواردها الطبيعية جعلها مناطق إغراء في الوقت ذاته لطمع الهجرات والغزوات الهندوآرية ذات الصلة بأمثال الحوريين والميتانيين، الذين اندفعوا عليها على فترات مختلفة عن طريق ثغرة حلب وجنوبي الأناضول، وذلك فضلًا عن إغراء السيطرة الاقتصادية أو السياسية عليها من الدول القوية المحيطة بها.
واكتسبت نفس المناطق المرتفعة خاصية الدفع من جهة أخرى، نتيجة لأن غناها النسبي ليس من شأنه أن يوفر الحياة الرغدة لغير الأعداد المحدودة من السكان، بينما هو يعجز عن توفيرها بكفاية كلما تكاثفت أعدادهم وتضخمت فوق طاقة مواردها الطبيعية، فلا يكون أمام بعضهم حينذاك إذا شاءوا أن يستعيدوا رغد الحياة إلا أن يلتمسوا أسباب الرزق الواسع بالهجرة إلى أرض أخرى تستوعب طموحهم وترضيه.
وامتدت سواحل الشام امتدادًا طويلًا على البحر المتوسط، ومثلت جزءًا كبيرًا من النهاية الغربية لمنطقة غرب آسيا. وأدى هذا الوضع الطبيعي إلى عدة نتائج حيوية، فكان له أثره في ازدهار عدة مواني طبقت
стр. 14
شهرتها آفاق العالم القديم وأصبحت عصبًا لدويلات مدن مستقلة ثرية. وكان له أثره في توجيه نشاط أهلها وجهة بحرية وتجارية غالبة وقيامهم بدور الوسيط الاقتصادي والثقافي بين المناطق الداخلية في غرب آسيا وبين جزر الحوض الشرقي للبحر المتوسط من ناحية، وبين سواحل إفريقيا الشمالية من ناحية أخرى، كما كان له أثره في تشجيع بعض طوائفهم على الهجرة إلى الخارج عن طريق البحر المفتوح. ثم كان له أثره في استقبالهم هجرات كثيرة وفدت عليهم عن طريق البحر وكانت لها منافعها كما كانت لها أخطارها. وقد أدت هذه العوامل كلها إلى وضوح الاختلاط الجنسي بين أهل السواحل وتزويدهم بنصيب كبير من المهارة التجارية مع المرونة في التعامل وقدرة ملحوظة على التأقلم السريع بخصائص المجتمعات التي عاشروها أو التي اضطرتهم الظروف إلى الانتقال إليها والتماس الإقامة القصيرة أو الإقامة الطويلة فيها.
стр. 15
في شبه الجزيرة العربية:
حمت ضخامة الكتلة الصحراوية الكبيرة في شبه الجزيرة العربية أهلها من أخطار الغزوات الكثيفة، فكفلت لهم نعمة الاستقلال آمادًا طويلة، وساعدت على نقائهم الجنسي واللغوي إلى حد مناسب، وجعلتهم وسطاء لا غنى عن الاستعانة بهم في عمليات الوصل التجاري البري بين سواحل المحيط الهندي وسواحل شرق إفريقيا من ناحية، وبين ضفاف الفرات في العراق وسواحل البحر المتوسط في الشام وحدود مصر الشمالية الشرقية من ناحية أخرى. وربما أسبغت عليهم طبيعتهم الطلقة الرحبة القاسية في الوقت نفسه شيئًا من صفاء الذهن وتوقد القريحة، وإن لم يصلنا للأسف من آثارها الحضارية الأولى حتى الآن غير قليل مما أثر عن عشية ميلاد المسيح وصبحه بالنسبة لمناطقهم الجنوبية، وقليل مما أثر عن عشيرة الإسلام وصبحه بالنسبة لمناطقهم الشمالية.
ولكن ضخامة الكتلة الصحراوية الجافة في شبه الجزيرة عملت في الوقت ذاته على تضييق آفاق الاستثمار القديمة أمام أهلها فيما أقامت شعوب الهلال الخصيب القريبة منها حضاراتها المادية عليه، سواء من حيث وفرة الإنتاج الزراعي ورواج الصناعة، أم من حيث اتصال العمران وكثرة السكان. كما قللت تفاعلهم مع هذه الحضارات تفاعلًا إيجابيًّا عميقًا، وإن لم تحرمهم تمامًا من الاحتكاك بها والاستفادة منها استفادة متقطعة عن طريق مناطق الحواف الحدودية وعن طريق الاتصالات التجارية.
وفرضت الظروف الطبيعية لشبه الجزيرة على حياة أهلها نصيبًا من التنوع. وترتب هذا التنوع على ضخامة مساحتها وتباين تضاريسها واختلاف مواقع أطرافها وبطء الاتصالات بينها ثم تفاوت نوعية فرص الاستفادة التي تهيأت لكل جماعة من جماعاتها. فشبه الجزيرة العربية من أكبر أشباه الجزر القارية مساحة كما هو معروف، وقد توزعت فيها تلال عادية الارتفاع وجبال شاهقة الارتفاع. وامتدت حولها سواحل صخرية يصعب الانتفاع بها وسواحل أخرى سهلية يتيسر استغلالها. وانتشرت في بعض أماكنها حرار وبراكين صغيرة ظلت ترمي بالحمم ويصدر عنها نيران ودخان حتى ظهور الإسلام، وشغلت أواسطها صحراويات شاسعة مترامية تنوعت هيئات كثبانها وأشكال رمالها. كما توزعت فيها مناطق تنزلها السيول العنيفة، وأخرى خصبة
стр. 16
تصلح للاستغلال، وثالثة قاحلة تعز عليها موارد الماء من الأرض ومن السماء على السواء، وأدى هذا التباين الإقليمي والتنوع البيئي في شبه الجزيرة إلى اختلافات ضمنية في معايش واتجاهات سكانها القدامى، البدو منهم والحضر، والجبليين والمزارعين، والشرقيين والغربيين والشماليين والجنوبيين، مع اتساع المسافات الفاصلة بينهم، وكان لذلك بعض الأثر أيضًا في حرمان شبه الجزيرة من الوحدة السياسية الكاملة إلا حين وحد الإسلام بين جماعاتها وأطرافها، ثم حين ظهرت الوحدات والدول الكبيرة في العصر الحديث.
وكان أهم ما تداولته المناقشات التاريخية عن توجيهات بيئة شبه الجزيرة العربية لأهلها، هو دفعها لأغلب قبائلهم القديمة إلى التحركات الداخلية من منطقة إلى أخرى بين كل حين قصير وآخر، ثم دفعها لبعضهم في هجرات كبيرة إلى ما يجاورهم من مناطق الهلال الخصيب بين كل حين طويل وآخر.
وتمثلت دوافع التحركات الداخلية القديمة، فيما هو معروف، تفرق موارد الماء، وتغير مناطق العشب والرعي، وتسابق القبائل، والعشائر إلى استغلال هذه الموارد، والمناطق ومحاولة التحكم فيها كلما استطاعت سبيلًا إلى ذلك، فضلًا عن كثرة المنازعات والحروب الداخلية التي تغذيها الطبيعة البدوية والروح القبلية، واضطرار الجماعات المستضعفة إلى النزوح خلالها عن مواطنها المحلية إلى حيث تبحث عن الأمن والاستقرار ولو بعيدًا عنها. وترتبت على هذه التحركات الداخلية مزايا وعيوب. وتمثلت مزاياها في اعتياد البدوي القديم على حرية السعي والانتقال، وتجدد رغبته في أن تظل مسالك الأرض العربية مسالكه يسعى فيها أنى شاء ويتلمس رزقه فيها حيثما شاء، طالما توفرت له الوسيلة والجرأة وطالما اطمأن إلى مساندة عشيرته وكثرتها. وذلك على حين تمثلت عيوبها في أنها كثيرًا ما شلت أيدي رؤساء القبائل الكبيرة القديمة عن توحيد كلمتهم داخل وحدات سياسية مستقرة واسعة تستطيع أن ترسي مقومات الحضارة الثابتة وتطورها وتنميها، إلا لمرات معدودة ولفترات محدودة، وذلك نتيجة لتباعد مواطن بعض هذه القبائل عن بعض، واختلاف مصالحها الخاصة، وتضارب الحريات التي افترضتها لأنفسها، ثم حرص أوفرها عددًا وبأسًا على توسيع مجالات نفوذها وحرياتها وأرزاقها على حساب غيرها، دون كبير اعتبار منها لفكرة الصالح القومي العام ودون التزام كبير منها بحقوق بقية القبائل الغريبة عنها أو العشائر المستضعفة إزاءها، على الرغم من وحدة الجنس واللغة والديار بين الجميع.
ولم تقتصر مظاهر التحركات الداخلية على المناطق الصحراوية الشمالية في شبه الجزيرة، وإنما امتدت مسبباتها ونتائجها كذلك إلى بعض المناطق الصالحة للاستقرار الطويل في الجنوب العربي، فكثيرًا ما أفضت منازعات أمراء القبائل الجنوبية هناك، وأطماع الدول الجنوبية فيما بينها، بل ومنافسات أقاليم الدولة الواحدة منها، كمنافسات الهمدانيين والريدانيين والسبأيين بعضه لبعض، إلى استهلاك قوى دولهم ودويلاتهم وإمارتهم وتقصير أمدها وتشتيت بعض أهلها. وكثيرًا ما دفعت هذه المنافسات بطونا إلى ترك أمهاتها إلى أطراف الجنوب والرحيل عنها إلى مواطن أخرى شمالية بالحجاز وما وراءه، بل وإلى نجد أحيانًا على الرغم من فقر بيئتها الداخلية عن بيئة الجنوب.
وانشعبت الآراء في تعليل دفع شبه الجزيرة العربية لبعض سكانها في هجرات خارجية كبيرة إلى مناطق الهلال الخصيب في العراق والشام ومصر، إلى ثلاثة:
стр. 17
رأي تصور أصحابه "ومنهم كايناتي" أن شبه الجزيرة كانت أشبه بمستودع بشري كبير للساميين، وأن نوبات الجفاف الشديدة الطويلة التي تعاقبت عليها في دورات مناخية ثابتة ظلت عاملًا أساسيًّا في ضيقها بسكانها الزائدين عن طاقة مواردها الطبيعية وظلت سببًا في دفعها إياهم إلى الهجرة الكثيفة منها على حقب متباعدة يفصل بين الواحدة منها والأخرى نحو ألف عام١.
ورأي آخر عارض تعليل الرأي الأول، وهون أصحابه "ومنهم موزيل" من أهمية تأثير نوبات الجفاف في عملية الدفع الكثيف إلى الخارج. ورأوا أن تحديد الدورة المناخية وما بين فترات الهجرة بألف عام ليس له ما يزكيه. وقدروا من ناحيتهم أن أسباب الهجرات العربية الكبيرة القديمة انحصرت أساسًا في عاملين بشريين وهما: تعاقب الضعف السياسي على إمارات شبه الجزيرة العربية من حين إلى آخر، ثم تحول الطرق التجارية عن مسالكها الداخلية لسبب أو لآخر. وأقام هذا الرأي حجته عن أساس أن الإمارات المستقرة القوية تستطيع أن تذود عن ديارها وأن تحمي مواردها الطبيعية وتنميها، وتستطيع أن تحسن استغلالها وتنظم الانتفاع بها، وتستطيع أن ترعى أسباب العمران في أرضها، وتستطيع أن توفر السلام لأهلها وتيسر الرزق لأعدادهم المتزايدة، طالما احتفظت بقوتها، فإذا ما اعتراها التمزق السياسي أدى إلى عجزها عن حماية أرضها ومواصلة مشاريع التنمية والاستغلال ومسايرة العمران فيها، والعجز عن حفظ الأمن والسلام الداخلي، حتى ينتهي الأمر إلى شيوع الفتن والفرقة في أقاليمها، وإلى بوار أرضها وإهمال موارد الري فيها والعجز عن تنظيم استغلالها، والعجز بالتالي عن توفية مطالب سكانها.
ولم يقل أثر تحول الطرق التجارية الرئيسية، في نظر أصحاب هذا الرأي، عن أثر ضعف الإمارات في عمليات الهجرة الكثيفة على أساس أنه كان من شأنه كلما حدث أن يفضي إلى كساد التعامل وبوار الأرزاق وانتشار الفقر والمجاعات على امتداد الطرق التجارية الداخلية وفي محاط القوافل التي يقل نشاطها، ثم يؤدي في نهاية أمره إلى ضيق أهلها بأرضهم وضيق مواردها بهم.
وهكذا إذا اشتد تأثير أحد العاملين، تمزق الإمارات، أو تحول طرق التجارة ومواردها، أو ازدوج هذان العاملان، لم يكن هناك مناص من أن تترك جماعات كثيرة من السكان مواطنها وتهاجر منها إلى مواطن خارجية أخرى تطمع أن تأمن فيها على أهلها وتطمع أن تضمن فيها معاشها٢.
ويبدو أن هذا الرأي كان أكثر التفاتًا إلى ظروف الجنوب العربي حيث قامت دول وانهارت، وحيث اشتدت المنافسات الداخلية والخارجية على تحويل طرق التجارة من مسار إلى مسار بين كل حين وآخر.
وجمع رأي ثالث بين وجهتي النظر السابقتين، واعتقد أصحابه "ومنهم حزين" أن العوامل السياسية التي
стр. 18
تمثلت في ضعف الإمارات وعجز الحكام عن رعاية مصالح أرضهم، كما تمثلت في نشوب الفتن والمنازعات، هي عوامل يشتد أثرها في دفع الهجرات فعلا، ولكنها غالبًا ما تكون عوامل مباشرة وليست عوامل أصيلة. أما العوامل الأصيلة فتتمثل في الجفاف الطبيعي نفسه، وذلك بمعنى أن منازعات القبائل على الماء والمرعى تشتد عادة بعد ظهور الجدب البيئي فعلًا، وأن ضعف الإمارات يشتد بدوره بعد بوار مواردها وبعد حدوث القحط فعلًا، لا سيما وأن نزوح الهجرات كان يبدأ عادة من المناطق المعرضة للجفاف الشديد أكثر مما يبدأ من غيرها١.
ونرى تزكية آراء هذا الاتجاه الأخير، مع إضافة ملاحظة رئيسية عليه، وهي أنه مع منطقية اعتبار شبه الجزيرة العربية مصدرًا أوليًّا لكثير من العناصر السامية القديمة التي انتشرت في الشرق الأدنى القديم، إلا أنه ليس ثمة ما يؤكد اتجاه هجراتهم الكثيفة منها إلى الأراضي الزراعية في بلاد الهلال الخصيب رأسًا وفي دفعات كبيرة أو فترات قصيرة، وذلك لأمرين: أولهما أن نزوح هجرات كثيفة متماسكة من أرض ما يتطلب عاملًا أساسيًّا وهو أن تسمح موارد هذه الأرض في أحوالها العادية بشدة تكاثف سكانها، حتى إذا نزل القحط بها واشتد وطال أمده ونضبت معه مواردها، اضطرت أعداد كبيرة من سكانها الكثيرين إلى أن تنشد لنفسها حياة أفضل من حياة أرضها، وذلك على نحو ما حدث في مناطق الإستبس الأورو آسيوية أكثر من مرة في تاريخها القديم وتاريخها الوسيط.
أما موارد شبه الجزيرة العربية في عصورها القديمة، فلم تكن تسمح بالتكاثف السكاني الكبير، في حدود المعلومات المعروفة عنها حتى الآن وبغض النظر عن الدهور الحجرية المطيرة التي سبقت عصور الهجرات التاريخية بعشرات الآلاف من السنين. وإنما الأقرب إلى الظن فيما يبدو هو أن الهجرات السامية الكبيرة لم تكن تصل من شبه الجزيرة إلى مناطق الهلال الخصيب دون أن تمر ببضع مراحل تمهيدية. وذلك بمعنى أن عوامل القحط والجفاف الشديد وضعف الإمارات ونشوب الخصومات وتغير مسالك التجارة كان من شأنها أن تدفع جماعات قبلية صغيرة أو كبيرة إلى التحرك في هجرات بطيئة متقطعة من شبه الجزيرة إلى بوادي الشام وبوادي العراق حيث المعيشة أنسب وآثار القحط أخف وحيث البيئة أقرب إلى بيتها الأصيلة، وحيث هي معتادة عليها في هجراتها الفصلية. فإذا نجحت أمثال هذه الهجرات القبلية المتقطعة في الإقامة بمواطنها الجديدة مع سكانها الأصليين بناء على تراض واتصالات سابقة، أو بناء على القسر والغلبة، تشجعت جماعات قبلية أخرى من جاراتها وألحقت بها، أو مرت جماعات أخرى بنفس ظروفها وكررت فعلتها ...
وتبدأ مرحلة تالية إذا طال توطن هذه الجماعات في بيئتها الجديدة، وساعدتها ظروفها على التكاثر الجنسي والتكاثف المعيشي النسبي، واقترب أهلها شيئًا فشيئًا من أطراف الهلال الخصيب بعد أن سمعوا بخيراتها أو دفعتهم ظروفهم إليها، ثم تعاملوا معها ونهلوا بعض الشيء من أرزاقها ولمسوا رخاءها وطمعوا في أن ينعموا بنصيب منه. وترتبط هذه المرحلة بالأمر الآخر الذي بنينا عليه ما أضفناه على المذهب الثالث في تعليل الهجرات العربية الكبيرة، وهو أنه لم يكن من اليسير على أصحاب هذه الهجرات وأغلبهم من البدو الرعاة أن يسارعوا بتغيير حياتهم إلى مزارعين مستقرين في الهلال الخصيب بعد وقت قصير من نزوحهم عن صحراواتهم.
стр. 19
وجدير بالذكر، على سبيل التشبيه الضيق، أن طغيان العوامل البيئية على مقومات الحياة البشرية في بعض مناطق شبه الجزيرة وعمله على تقليل فرص الاستقرار والاستثمار الطبيعي أمام سكانها بقيت بعض آثاره حتى العصر الحديث فيما قبل استغلال النفط. فإقليم الأحساء على سبيل المثال، وهو إقليم ساحلي سبخة كثير المياه والزروع في أحواله العادية، كثيرًا ما تعرضت أرضه المحيطة بالعقير والقطيف، وهي من مناطق الاتصال الرئيسية بين المنطقة الشرقية لشبه الجزيرة العربية وبين جيرانها على الخليج العربي وفي جنوب العراق، لزحف الكثبان الرملية الكثيفة التي قد تغطي مزارعها أحيانًا وتطويها، بل إنها لتكسو حين شدتها أشجار الأثل والنخيل النامية في المنخفضات بحيث لا تظهر منها غير أطرافها١. وتكرار مثل هذه الظاهرة أو اشتدادها في عهود ما قبل الثراء البترولي الحديث، كان من شأنه أن يضيق مجالات الزرق أمام أهل المنطقة ويدفع بعضهم إلى الهجرة منها. ولما كانوا أصحاب مزارع ومياه، فإن العراق الجنوبي الزراعي هو أنسب لهجراتهم من غيره. ولكن يغلب الظن أن أمثالهم ما كانوا يتركون أرضهم في شكل هجرة جماعية كبيرة بسهولة، فأرض الوطن عزيزة على أهلها مهما بلغ من فقرها الطارئ. ولنا أن نفترض أن جماعاتهم الصغيرة كانت تتسرب ببطء تدريجي إلى الشمال مدفوعة بقسوة الظروف. وما كانت مثل هذه الجماعات مهما بلغ عددها لتسمح بتشكيل هجرة تاريخية تجتاز العراق مثلًا وتستقر فيه دفعة واحدة، أو تؤثر فيه تأثيرًا جذريًّا، وإنما كان أهلها يتلاحقون وراء بعضهم البعض على فترات، أسرًا وعشائر، ثم يتفرقون على أطراف العراق أو بالقرب منها، إلى أن تكتمل لهم مقومات مرحلة جديدة يمكن أن تجعل منهم أصحاب هجرة فعلية مؤثرة.
وتبدأ مرحلة ثالثة للهجرات الكبيرة حين يتعرف المهاجرون الطامحون على مواطن الضعف في حدود دويلات الهلال الخصيب المستقرة المجاورين لها، فيبدءوا من ثم يترقبون الفرص، حتى إذا تفككت وحدتها وضعفت قوتها وخفت قبضتها عن حماية ذمارها، لأسباب داخلية أو لأسباب خارجية، تسربوا إليها أسرًا وعشائر وشاركوا أهلها معايشهم، أو اندفعوا إليها قبائل وجيوشًا إذا توافرت لهم الزعامات القوية، ثم تغلبوا على أهلها وسيطروا على أرضهم وحكمهم.
ويمكن افتراض ما يشبه هذه المراحل المتتالية بالنسبة للهجرات الأكد: والبابلية والآرامية حتى نزولها أرض الزراعة بالعراق، وبالنسبة كذلك لهجرات الأموريين "والساتو والأخلامو والخابيرو والعابيرو" والكنعانيين والآراميين حتى نزولهم مناطق الخصب في بلاد الشام.
هذا ولم تخل طبيعة شبه الجزيرة من تأثير في عقائد سكانها الأوائل، فقد ترتب على صفاء سمائها في أغلب أحوالها، وتطلع أهلها إلى طيب السماء وأمطارها، واعتماد قوافلهم السارية بالليل على هادية القمر والنجوم، أن اتجه تدينهم إلى السماء أكثر من غيرها، وحاولوا أن يتقربوا من القوى المتحكمة فيها، وجعلوا القمر والشمس والشعرى على رأس أربابهم العديدين، أو هم بمعنى آخر قدسوا أربابًا تخيلوهم يتحكمون في هذه الكواكب الثلاثة وأطلقوا عليهم ما شاءوا من الأسماء والصفات. وظلت ديانتهم في جوهرها ديانة قمرية
стр. 20
أكثر منها شمسية١، ربما لشدة هجير الشمس وقلة نفعها بالنسبة لأهل الصحاري بخاصة، وإن لم يصرفهم هذا عن إجلال ربتها ورهبتها.
وأخيرا فليس من شك في أن التنوع البيئي والمعيشي والوجداني والسياسي الذي أوجزناه لأجزاء شرقنا الأدنى القديم داخل وحدته الجنسية واللغوية القديمة الكبيرة، كان مسئولًا إلى حد كبير عن مظاهر التنافس السياسي والحربي التي نشبت بين شعوبه من حين إلى آخر وقطعت عليها سلامها واطمئنانها لفترات، وكان مسئولًا كذلك عن سوء فهم فريق منها للفريق الآخر أحيانًا، ليس على مستوى الشعوب وحدها بل وبين طوائف الشعب الواحد أيضًا في بعض الأحوال، لا سيما في مناطق العراق وبلاد الشام.
ولكن ليس من ريب كذلك في أن ذلك التنوع لم يكن في الوقت نفسه بغير قيم وفوائد حيوية لشعوبه. فقد كان من شأنه أن يحفظ لكل شعب منها شخصيته الإقليمية واضحة، وأن يكفل لكل شعب منها خبراته الخاصة التي اعتز بها واشتهر بها، وأن يطلق العنان لخيال أصحابه كي يشيدوا بعراقتهم وأصالة موطنهم كيفما شاءوا، أن يؤدي إلى ثراء فنون المنطقة في مجملها، وإلى تعدد صناعاتها، باختلاف مقوماتها واختلاف أذواق أصحابها، وإلى فتح مجالات المنافسات الاقتصادية والفنية المشروعة بينها في الأسواق الداخلية والخارجية وكان من شأنه كذلك أن يفتح مجالات الاتصال الحيوية بين حضارات أهله، حين كان يلزم أصحاب كل حضارة بأن يستكملوا ما ينقص بيئتهم من المواد الأولية والكمالية ومن الخبرات الصناعية والفنية من أصحاب الحضارة الأخرى.
ولا زال مدى تأثير كل حضارة من الحضارات الشرقية في أختها، موضعا لمجادلات تاريخية وأثرية طويلة ولكنها مجادلات لا تنفي إطلاقًا عمق صلات هذه الحضارات بعضها ببعض منذ فجر تاريخها البعيد٢. وذلك ما سوف تناقشه الفصول التالية في سياق بحثها لمراحل التطور في كل حضارة من حضارات الشرق الأدنى القديم على حدة.
стр. 21
الفصل الثاني: الشرق الأدنى القديم ودهوره الحجرية فيما قبل التاريخ
مدخل
...
الفصل الثاني: الشرق الأدنى ودهوره الحجرية فيما قبل التاريخ
تعبير "ما قبل التاريخ" تعبير زمني اصطلاحي مرن، يطلق عادة على كل الأزمنة السحيقة التي سبقت عصور اهتداء الأمم القديمة إلى الكتابة وإلى تكوين الوحدات السياسية المستقرة والقوميات الكبيرة. ويرادفه إلى حد ما تعبير حضاري اصطلاحي آخر يقل عنه امتدادًا في الزمن، وهو تعبير "الدهور الحجرية" وتقصد به الدهور التي بدأت معها حضارة الإنسان البدائي، أو التي بدأت بمعنى أصح بالدهر الذي استطاع الإنسان الأول أن يصنع فيه شيئًا بيده عن قصد وهدف، والتي لم يستخدم أهلها معادن مصنوعة، وإنما اعتمدوا أساسًا على أدوات حجرية بدائية كانوا يشكلونها بما يناسب مطالبهم المحدودة ويستخدمون إلى جانبها أدوات أخرى أقل بقاء منها اتخذوها من فروع الشجر ومن عظام الحيوانات الكبيرة النافقة وقرونها وأنيابها الضخمة. ومن الأصداف البحرية الكبيرة حيثما توفرت لهم.
ولا يزيد المعروف من الآثار الحضارية لدهور ما قبل التاريخ وما تضمنته من دهور حجرية طويلة، عن آثار متواضعة ضئيلة خشنة متفرقة لا تكاد ترضي غير المتخصصين في دراستها وبحثها، ولكنها على الرغم من ضآلتها وخشونتها، على الرغم من بطء تطورها واستمرار مظاهرها المتواضعة عشرات الآلاف من السنين، آثار لا يستطيع التاريخ أن يتجاهلها إلا إذا تنكرت البشرية لأصولها الأولى وتناست شقاء أسلافها المبكرين الذين واجهوا وحشية البيئات القديمة وعملوا على أن يستغلوها، وواجهوا جبروت كائناتها العديدة وكافحوها ما استطاعوا، وذلك على الرغم من أنهم كانوا حينذاك لا يزالون قلائل متفرقين، وكانوا لا يزالون عزلًا إلا من عقليات طفلية حائرة وتجارب محدودة متعثرة، في عالم كان البقاء فيه للأقوى دائمًا.
стр. 22
في الدهر الحجري القديم الأسفل:
بدأت بواكير النشاط الحضاري البدائي لإنسان الشرق الأدنى، وما عداه من المناطق الصالحة للإقامة في العالم القديم، في دهر يسمى اصطلاحًا باسم الدهر الحجري القديم الأسفل١، وهو دهر مديد للغاية، لن نطيل في مناقشة امتداده وخصائصه، ولكن يكفي أن نذكر أن الفوارق الزمنية بين النظريات المختلفة في توقيته تبلغ وحدها عشرات الآلاف من السنين، وأنه تعاقبت فيه على مناطق العروض الوسطى والمدارية التي يقع الشرق الأدنى فيها، حقب مطيرة طويلة جدا، وحقب أخرى جافة طويلة جدا٢.
стр. 23
وكانت خطوات بواكير الحضارة في هذا الدهر بطيئة للغاية بحيث تشابهت مظاهرها المتواضعة حيثما وجدت آثار البشر في دهرها. واستخدم الإنسان فيها أدواته اليدوية البدائية في الدفاع عن نفسه ضد الحيوان وضد أخيه الإنسان. وكان يستعين بها في تحصيل معاشه، وذلك كأن يستخدمها في صيد الحيوانات الصغيرة وتهشيم عظامها وتقطيع لحومها وسلخ جلودها، ويستخدمها في اقتلاع ما يستسيغ أكله من جذور النباتات، وما يود إسقاطه من ثمار الشجر. واتخذ الإنسان أدواته تلك من الأحجار وفروع الأشجار ومن العظام والمحار، ولكنه حرص حيثما استطاع على أن يتخذ أكثرها استعمالًا في حياته اليومية مما يتوفر في بيئته من قطع الأحجار الصلبة، وقد هدته التجارب إلى أن أصلح الأحجار لأغراضه قطع الظران، فكانت أداته المفضلة عبارة عن زلطة غليظة من الظران١ كان يحرص حين يتخيرها على أن تكون قاعدتها مناسبة لقبضة يده، ويترك هذه القاعدة بشكلها الطبيعي وبقشرتها الطبيعية ما دامت ملساء نوعًا لا تؤذي كفه، ثم يشكل قمتها وجوانبها بما يسمح له بأن يستخدمها في أغراضه المحدودة التي أسلفناها. ويمكن تسمية الواحدة من مثل هذه الأدوات باسم الفهر.
ومرة أخرى لن نتعرض لتفاصيل خصائص الفهر وتطوراته ونحيل من شاء الاستزادة من المعلومات عنه إلى كتابنا عن "حاضرة مصر القديمة وآثارها". وكل ما يعنينا هنا أن فريقًا من الباحثين يفترضون منطقة قديمة واسعة منبسطة متوسطة الموقع معتدلة المناخ مفتوحة المداخل والمخارج تمرس الإنسان الأول فيها على صناعة الفهر الحجري وتطويره، ثم انتشر به منها إلى بقية المناطق الصالحة للسكنى في العالم القديم. ويعتقد بعضهم أن هذه المنطقة ذات الميزات الخاصة كانت ضمن مناطق الشرق الأدنى، وربما في شمال إفريقيا وغرب آسيا بخاصة، وكان منها هضاب مصر وما يحيط بها شرقًا وغربًا٢، وهي هضاب كانت تتلقى نصيبًا كافيًا من الأمطار، وتنمو عليها نباتات تشبه نباتات السفانا الحالية ولا زالت شواهد صلاحيتها المناخية القديمة ماثلة في بقاء عدد من الوديان والأخاديد والينابيع شقتها المياه الغزيرة وجرت فيها، ثم جفت أو تحجرت. ولا زالت شواهد سكناها القديمة ماثلة كذلك في وجود أعداد من الأدوات الحجرية البدائية التي خلفها إنسانها الأول في مواضع متفرقة على سطحها.
وقسم الباحثون الحضارات البدائية في الدهر الحجري القديم الأسفل إلى قسمين متعاقبين، وهما: الحضارة الشيلية، أو الأبيفيلية، نسبة إلى قريتين في فرنسا وجدت فيهما نماذج كثيرة لأقدم أدوات الإنسان الأول. ثم الحضارة الأشيلية نسبة إلى قرية أخرى في فرنسا أيضًا عثر الباحثون فيها على نماذج عدة لأدوات حجرية امتازت بتطور نسبي عن الأدوات الشيلية التي سبقتها. ويتلخص هذا التطور بين الحضارتين في بداية اهتمام الإنسان بتصغير سمك وحجوم أدواته الحجرية بعض الشيء ربما ليسهل عليه استعمال أكبر عدد منها، ثم اهتمامه بتحديد حوافها وبتهذيب سطوحها بحيث تصبح مستوية بقدر الإمكان وبحيث ترضي ذوقه بعد أن أرضت مطالبه.
стр. 24
واهتدى الإنسان في خواتيم هذا الدهر، وفي بقعة أو بقاع ما من العام القديم، إلى طريقة إيقاد النار اهتداء عفويًّا في الأغلب، وكان اهتداؤه إليها مبشرًا بأول انقلاب مادي فعال في تاريخ الحضارة البشرية، انقلاب تميز به طعام الإنسان بعد طهيه بالنار عن طعام الحيوان، وأصبح الإنسان بفضله أكثر اطمئنانًا على نفسه وعلى عياله حين يستعين بدفء النار على مقاومة البرد والصقيع، وحين يستعين بنورها على مخاوف ظلام الليل عدوه المخيف، وحين يستعين بأثرها في حفظ لحم الصيد وعدم فساده سريعا. وليس من المستبعد أنه حين لم يعد فكه وأسنانه يتطلبان المجهود الذي كان يبذله في أكل اللحم النيئ كان لذلك بعض الأثر في أن تهذبت خلقته وخفت وحشيته.
стр. 25
في الدهر الحجري القديم الأوسط:
أعقبت حضارتي الدهر الحجري القديم الأسفل، حضارة الدهر الحجري القديم الأوسط، وهذه نكتفي بأن نذكر عن خصائصها هي الأخرى أن مناطق الشرق الأدنى عاشت في أغلب دهرها في ظل حقب مطيرة طويلة، وإن تكن أقل أمدًا واتصالًا من الحقب المطيرة التي سبقتها خلال الدهر الحجر القديم الأسفل. وأن الاصطلاح العلمي جرى على تسمية الأدوات الشائعة في أجزاء العالم المعمور خلالها باسم الأدوات الموستيرية "نسبة إلى أدوات كهف موستييه في فرنسا". وقد ميزها توسع أصحابها في صناعة كان أهل الدهر السابق قد بدءوا بها، وقامت على أساس استخدام الشظايا التي تنفصل عن جوانب الفهر حين صناعته. وقد زادت مهارتهم في فصلها بعناية وسهولة وتشكيلها بأشكال مختلفة، بحيث إذا حددوا جانبي الشظية استخدموها استخدام المدية، وإذا حددوا أحد جانبيها استخدموها استخدام المبشر أو المكشط، وإذا دببوا أحد طرفيها استخدموها استخدام المثقاب أو المخراز. وعلى الرغم من شيوع الخصائص العامة لهذه الصناعات الحجرية في أغلب المناطق المعمورة من العالم القديم، دون تغيير كبير، إلا أن بعض جهات الشرق الأدنى استطاعت أن تنحو بصناعتها الحجرية المتواضعة نحو التخصص، ومنها مصر التي نهج بعض أهلها نهجًا إقليميًّا في صناعة النصال والأفهار "الليفلوازية" مم ميز بعض الشيء بين إنتاجهم المتواضع منها وبين إنتاج الأدوات والشظايا الموستيرية العامة الشائعة عند من سواهم من أهل العالم القديم١.
стр. 26
في الدهر الحجري القديم الأعلى:
تغيرت بانتهاء الدهر الحجري القديم الأوسط صورة الشرق الأدنى القديم إلى حد كبير، فانتهت بانتهائه فترات الأمطار الكثيفة المتصلة في العروض المدارية والوسطى، وتضاءلت بانتهائه فرص نمو نباتات السفانا الوفيرة، وقلت بذلك فرص الحياة للحيوانات الضخمة التي تحب وفرة الماء ووفرة النباتات كالفيل، والخرتيت والثور البري، فانقرض بعضها، ولجأ بعضها الآخر إلى المناطق الاستوائية أو المناطق الشمالية الباردة. وأخذت ظروف الجفاف تسود الشرق الأدنى شيئًا فشيئًا، وظهرت معها حضارات بدائية جديدة هي حضارات الدهر الحجري القديم الأعلى، وفيها حاول الإنسان أن يتطور بوسائله المادية إلى ما يناسب ظروف حياته
стр. 27
قرائن العمران:
وجدت آثار النشاط البشري خلال الدهور الحجرية الثلاثة القديمة وافرة في أغلب بقاع الشرق الأدنى القديم. فتفرقت في مصر، على سبيل المثال وليس على سبيل الحصر، في مناطق العباسية والجبل الأحمر وجبل المقطم ودهشور وسقارة وسفوح مرتفعات الأقصر وقرب أسوان، وفي الطرق المؤدية إلى الواحات، خلال الدهرين الحجري القديم الأسفل والحجري القديم الأوسط. كما وجدت على أطراف الدلتا، وحول وديان وعيون كان لا يزال يجري بها نذر من الماء كعيون حلوان، ووادي الطميلات، ووادي العنجبية، وفي الجيزة، والفيوم، وحوض كوم أمبو، وقرية السبيل، والواحة الخارجة، خلال الدهر الحجري القديم الأعلى١.
وتوزعت آثار الدهور نفسها في بلاد النهرين في مناطقها الشمالية أكثر من مناطقها الجنوبية التي غطت الرواسب الطبيعية الكثيفة على آثارها، إن كانت بها آثار. فوجدت نماذجها في الشمال على سبيل المثال وليس على سبيل الحصر أيضًا، في كهف بردايلكا قرب جمجمال خلال الدهر الحجري القديم الأسفل أو الأوسط، وفيما بين كهف شانيدار وبالي جاورا خلال الدهر الحجري القديم الأوسط أيضًا. ووجدت غيرها في مثل كهف هزارمرد وكهف زرزى، في أواخر الدهر القديم الأوسط وخلال الدهر الحجري القديم الأعلى٢.
ووجدت أمثالها في الشام في كهوف عدلون ومنطقتي نهر إبراهيم ونهر الكلب وفي رأس الشمرا، في الشمال، وفي جبل الكرمل وأم قطفة والزطية وقرب مجرى نهر الأردن في الجنوب، خلال الدهرين القديم الأسفل والقديم الأوسط. ثم وجدت غيرها في كهوف أنطلياس، ونهر الكلب، ومغارة الأميرة قرب بحيرة طبرية خلال الدهر الحجري القديم الأعلى٣.
стр. 28
ولا تزال شبه الجزيرة العربية أقل حظًّا من غيرها في نتائج البحوث الأثرية لأدوات الدهور الحجرية القديمة. ولو أنه يلاحظ من جهة أخرى أن ما عثر عليه من أدوات الدهر الحجري القديم الأسفل في جنوب الأردن قد يعني أن هذه المنطقة وما يتصل بها من شمال شبه الجزيرة العربية معها على أقل تقدير، كانا صالحين للنشاط البشري منذ أواخر الدهر الحجري القديم الأسفل. كما أنه ليس من المستبعد أن الأودية الجافة الكبيرة التي لا تزال تقطع شمال الجزيرة ويجري بعضها ناحية البحر الأحمر، بينما يجري بعضها الآخر ناحية الخليج العربي، قد شقتها أمطار كثيفة خلال فترات مطيرة طويلة ساعدت على قيام النشاط البشري في شبه الجزيرة خلال الدهر الحجري القديم الأسفل أو الدهر الحجري القديم الأوسط١.
أما عن أدوات الدهر الحجري القديم الأعلى فيها، فقد عثر عليها في الشمال، وفي مناطق الأحساء والعروض تحت مستوى سطح الأرض الحالي، وكذلك في حضرموت ومناطق متفرقة من اليمن. أي أنها وجدت في كل من شرق شبه الجزيرة وجنوبها وجنوبها الغربي. وذهب بعض الباحثين إلى أن بعض الأدوات الحجرية البركانية التي عثر عليها في الأحساء والعروض، كان أصحابها يجلبون أحجارها البركانية من المناطق الغربية لشبه الجزيرة نظرًا لعدم توافرها في بيئتهم. وقد يصعب تأييد هذا الرأي نظرًا لاتساع الشقة بين شرق شبه الجزيرة وغربها، مع تفاهة الأدوات نفسها وبطء الإنسان القديم، ولكنه إذا صح احتمالًا أمكن أن ترتب عليه بداية قيام الاتصالات وتبادل المنافع بين أجزاء شبه الجزيرة منذ ذلك الحين، على أن تفترض أن هذه الاتصالات كانت تجري بطرق غير مباشرة، إذ أنه من الصعب أن نتصور رجالًا يرحلون من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب من أجل أحجار صغار يمكن أن تحل محلها إلى حد ما أحجار بيئتهم.
وذهب نفس الرأي إلى ما هو أبعد من ذلك، فرجح تبادل التأثير الحضاري بين مناطق جنوب شبه الجزيرة وبين المناطق التي تقابلها على سواحل إفريقيا الشرقية٢. وقد يكون هذا التأثير المتبادل صحيحا، غير أنه ينبغي أن نضيف إليه أن تحديد زمن أدوات الدهر الحجري القديم الأعلى في شبه الجزيرة، وشرق إفريقيا، بالنسبة لتطور الصناعات الحجرية في المناطق الخصيبة من الشرق الأدنى أمر غير يسير. فهي قد تعاصر أدوات الدهر الحجري القديم الأعلى في مصر وبلاد النهرين والشام فعلا، أو تتأخر عنها بعصور طويلة وهذا هو المرجح نظرًا لاتساع خطى التطور وسرعتها في وديان الأنهار الكبيرة عنها في شبه الجزيرة، مع احتمال بقاء أدوات الدهور الحجرية في شبه الجزيرة لأزمان متأخرة نوعا.
стр. 29
من السلالات البشرية:
ليس من اليسير الحديث عن أصحاب حضارات الدهور الحجرية القديمة، والدهر الأسفل بخاصة، كأجناس أو سلالات أو قوميات، فكل ما يمكن استنتاجه مما أتى به علم الأنثروبولوجي عن أقدم البقايا
стр. 30
البشرية في العالم القديم، هي الصفات التي استنتجها بعض الباحثين من بقايا ما يسمونه إنسان جاوة ثم إنسان بكين أو الصين وإنسان شرق إفريقيا. وهي صفات صورت لكل منهم قامة قصيرة وقدرة على انتصاب الجذع مع ميل الرأس الضخمة قليلًا إلى الأمام، وشدة تراجع الفك الأسفل، وبروز عظام الحاجبين وغلظهما واتصالهما ببعضهما. وذلك مع ملاحظة تطور الجبهة من الضيق والتراجع في جمجمة إنسان جاوة إلى البروز الخفيف في جمجمة إنسان بكين أو الصين. واستمر سلالات هذه الأجناس آمادًا طويلة، ثم ظهرت معها سلالات أخرى في أواخر الدهر القديم الأسفل مثلتها في أوروبا بقايا إنسان هدلبرج الذي اتصف باتساع عظمة الصدغ وقوة عضلات الوجه المتصلة بعملية المضغ، مع غلظ الفك وتراجعه من ناحية الذقن١.
وانتشرت في الدهر الحجري القديم الأوسط سلالات من جنس جرى الاصطلاح على تسميته باسم الإنسان النياندرتالي "نسبة إلى وادي نياندر بألمانيا". وهو جنس ذو جسم ممتلئ لم يكتمل انتصاب قامته تمامًا، ورأس كبيرة قليلة الاستدارة لا زالت تميل قليلًا إلى الأمام، وجمجمة ضخمة عريضة سميكة العظام، وحاجبين شديدي التقوس سميكي العظام، وفك ضخم بارز، وأنف متسعة المنخرين. وإن تميز هذا الجنس في الوقت نفسه بتناسق أطرافه بالنسبة للأجناس التي سبقته. وتضمنت حفريات الشرق الأدني بقايا من سلالات هذه الإنسان، فكان منها ما وجد في كهف شانيدار بالعراق، كما كان منها ما وجد في مغارات بجبل الكرمل وجنوب الناصرة وشمال غرب بحيرة طبرية بالشام، وما وجد من حفريات هوافتيح في شمال إفريقيا٢. وهذه وإن كانت جميعها من السلالات النياندرتالية العامة إلا أنها اتصفت بخصائص إقليمية، مثل وضوح كبر الذقن في رأس إنسان جبل الكرمل.
وكان الجنس الغالب لإنسان الدهر الحجري القديم الأعلى جنسًا مهجنًا وبداية لما يسمى باسم الإنسان العاقل Homo Sapiens جد الإنسان الحالي. وقد ظهرت في بقايا الهياكل البشرية التي عثر عليها في مناطق قنا وقاو الكبير وكوم أمبو في مصر، من الدهر الحجري القديم الأعلى، وجوه شبه جنسية قريبة من الهياكل التي تخلفت من فجر التاريخ المصري القديم٣. وذلك مما يعني وحدة الجنس واتصال العمران بين هذين الزمنين. كما رأى بعض الباحثين في بعض هياكل جبل الكرمل المتطورة حلقة وصل بين الخصائص التشريحية لإنسان الدهور الحجرية القديمة والإنسان الحالي. ولعل الخصائص التشريحية والذهنية المميزة لهذا الجنس من بني الإنسان كانت مسئولة إلى حد كبير عن نجاحه في تطوير أدواته وتنويعها خلال ظروف الجفاف القاسي الدهر الحجري القديم الأعلى، ثم نجاحه في ابتداع حرفة الزراعة وحرفة الرعي وما ترتب عليها في بداية العصر الحجري الحديث.
ولم تكن الحدود الإقليمية لجماعات الإنسان القديم وتنقلاتها، ذات أثر واضح خلال الدهور الحجرية القديمة إلا إذا وقفت دونها البحار الواسعة أو الجبال الشاهقة. وكانت شعاب الأرض مفتوحة للأقوى ولمن
стр. 31
يستطيع أن يطرقها، سواء للأفراد والأسر أم للجماعات التي انتشرت تبحث عن الأراضي المعشبة المطيرة التي يتيسر الصيد فيها وتتوفر قطعان الماشية البرية على مراعيها. وكان في هذا ما أدى إلى تشابه أغلب أدوات الدهور الحجرية القديمة مع بعضها البعض إلى حد ما، سواء وجدت في الشرق أم وجدت في الغرب وبعد أزمان طويلة أخذت كل من هذه الجماعات تألف الإقامة تدريجيًّا في البقاع التي ناسبتها طبيعتها الجغرافية وأحست بالأمن النسبي فيها.
وأعقب هذه الدهور دهر رأى فيه بعض الباحثين من الخصائص ما يسمح بتسميته باسم الدهر الحجري الوسيط، بينما أنكر باحثون آخرون أهميته بالنسبة للشرق الأدنى بخاصة.
وعلى أية حال، فإنما نود قبل أن ننتهي من استعراض أحوال الدهور الحجرية القديمة، أن نشير إلى أنه ليس من ضرورة للمغالاة في تصوير ما بلغه إنسانها البدائي من قدرة على التطور بحضاراته الأولى والابتداع فيها. فقدرة الإنسان الأول على التفكير والابتداع لم تتعد كثيرًا دائرة حياته الفردية الخشنة ودائرة مطالبه المحدودة. ولم يكن التطور في آفاق حياته ومطالبها يسير في غالب أمره إلا بجهد وبطء شديد، وذلك إلى الحد الذي رتب معه الأستاذ فلندرز بتري أن ألف عام من حياة البشر في الدهور الحجرية القديمة لا تكاد تعادل في تطورها الفكري ما كان يتم من تطوير خلال عمر شخص واحد في العصور التاريخية القديمة. وهذا بطبيعة الحال لا يكاد يعادل ما يتم خلال أعوام قلائل أو حتى بضعة شهور من حياة الإنسان وإمكانياته في عصوره التاريخية الحديثة. زد على ذلك أن الأدوات التي كان الإنسان القديم يستخدمها في عصر ما لم تكن تجب الأدوات التي اعتاد أسلافه عليها فيما تقدمه من عصور، وإنما كانت تستخدم معها جنبًا إلى جنب وإن زادت عنها في شيوعها وأعدادها وأنواعها.
стр. 32
بداية الزراعة في فجر التاريخ أو العصر النيوليثي:
شهد الشرق الأدنى القديم طفرته الحضارية المنتجة حقًّا منذ أوائل الألف السادس قبل ميلاد المسيح، وتلك هي طفرة الاهتداء إلى بداية حرفة الزراعة قبل معرفة المناطق الأوروبية بها بنحو ألفي عام. وكان من منطق التطور أن تنشأ أولى خطواتها وتنضج في وديان الأنهار الكبيرة أو بقربها. وقد اشتركت بلاد الهلال الخصيب في معرفتها بممهدات الزراعة الأولية. ومن ذلك معرفة المصريين وأهل العراق والشام منذ أواخر الدهر الحجري القديم الأعلى بانتقاء أنواع الحبوب الغذائية المفيدة كالشعير البري والحنطة البرية وبطرق جرشها والانتفاع بها، بدليل العثور على بعض مناجل الحصاد ومراحي جرش الحبوب في منطقة عيون حلوان وحوض كوم أمبو في مصر، وفي مغارة الناطوف وما حولها في فلسطين١. وربما تولدت عندها حينذاك
стр. 33
معرفة فطرية بظواهر الإنبات الطبيعية عن طريق ما كانوا يشهدونه من خروج النبت من الحبوب البرية والبذور التي تلقيها الرياح والمصادفات أمام أعينهم فوق سطح الأرض اللينة، أو التي تسقط منهم وهم في طريقهم إلى حيث يقيمون، كلما أصابها البلل والمطر. ولم تكن مهمة جمع الحبوب الغذائية البرية يسيرة دائمًا لتفرق عيدانها في الطبيعة على مساحات واسعة، ولتقدم الجفاف شيئًا فشيئًا خلال الدهر الحجري القديم الأعلى وما كان يستتبعه من شح نمو النباتات الطبيعية تدريجيًّا أيضًا، وذلك مما كان من شأنه أن يولد الرغبة لديهم في محاولة الاهتداء إلى وسيلة يضمنون بها تواجد هذه الحبوب المفيدة في مساحات متصلة قرب أماكن إقامتهم بقدر الإمكان.
ووجدت مصر ميلًا كبيرًا من أغلب الباحثين لافتراض تحقيق هذه الرغبة ومعرفة الزراعة لأول مرة على أرضها. وذلك على أساس أن اشتداد الجفاف على هضابها الشرقية والغربية في أواخر الدهر القديم الأعلى كان من شأنه أن يدفع أهلها إلى أن يتتبعوا انتشار النباتات والحبوب الطبيعية على ضفاف مورد الماء الدائم في أرضهم، وهو نهر النيل، فاقتربت جماعاتهم من مدرجاته في دفعات متتالية وشجعتهم أحوالها الآمنة على الاستقرار عليها، ولما طالت إقامتهم في أرجائها ابتغاء الانتفاع بنباتاتها الطبيعية وأسماك الماء والحيوانات التي تقصد ضفاف النهر وفروعه التماسا للشرب، أصبحت ملاحظاتهم لنمو بذور النباتات الطبيعية في أرضها الخصبة مستقرة مضطردة، نتيجة لما كانوا يشهدونه من أثر التعاقب السنوي المنتظم لفيضان النيل وانسياب مائه عليها ثم انحساره، في النمو التلقائي السنوي الجديد للنباتات والحبوب كلما توفرت لها الأرض الطميية السوداء على وجه الخصوص. ولما استرعت هذه الظواهر الطبيعية أنظار المصريين جيلًا بعد جيل واستوعبوها، وأدركوا بها العلة في نمو النباتات في أعقاب الفيضانات مع انتشار البذور في الأرض الخصبة، كما أدركوا معها العلة في ذواء النباتات وجفافها حين قلة الماء وجفافه وصلابة التربة، حاولوا أن يستفيدوا مما استخلصوه فائدة إيجابية، وبمعنى آخر حاولوا أن يباشروا عملية النمو الطبيعية للنباتات والحبوب الغذائية بأنفسهم، وأن يصبحوا منتجين لغذائهم متحكمين فيه بأنفسهم وسواء طالت محاولاتهم هذه أم قصرت، فقد انتهت باهتدائهم إلى أساليب الزراعة البسيطة منذ أكثر من سبعة آلاف عام أو ثمانية آلاف، وقبل غيرهم من أهل العالم القديم المسكون١، أو قبل أغلب أهل العالم القديم المسكون إن نظرنا بعين الاعتبار إلى ما يراه أنصار حضارات وديان الأنهار الكبرى الأخرى مثل أنصار حضارة بلاد النهرين، وأنصار حضارة سوريا وفلسطين وأنصار حضارة إيران، بل والباحثين في حضارات جنوب شرق آسيا، من أن كلا منها قد عرفت الزراعة في عصر قريب من العصر الذي اهتدت مصر فيه إلى معرفة الزراعة٢.
стр. 34
وترتبت على بدايات معرفة الزراعة في الشرق الأدنى نتائج اجتماعية وعمرانية واقتصادية متعددة كانت أساسًا لبعض ما تلاها من مظاهر الحضارات التاريخية:
فقد ترتب على الاشتغال بالزراعة زيادة التماسك الأسري بين الأفراد نتيجة لإمكان انتفاع رب كل أسرة بمجهودات أولاده وبناته وزوجاته في عمليات الزراعة، ثم زيادة الاستقرار السكني بين الزارعين نتيجة لحرصهم على الإقامة بجوار مزروعاتهم لرعايتها وحمايتها ثم للانتفاع بها، وزيادة الاستقرار المعيشي بينهم نتيجة لإمكان تحكم الإنسان في محصول أرضه بقدر ما يبذله فيها من الجهد، وزيادة تعوده على الادخار للاستعانة بمحصوله المدخر على المعيشة في غير فصول الإنبات وفي مواسم الجفاف. مع زيادة التعاون بين الأقارب في استصلاح المزيد من الأرض واستغلالها. وازدياد الميل إلى التجمع بين الجيران في سبيل حماية المناطق المزروعة ودرء أخطار الفيضانات عنها. ثم التماس الفرد للأمن وسط الجماعة وفي حماية المجموع، مع زيادة إحساسه بفرديته وشخصيته نتيجة لما أصبح يمتلكه من الأرض الزراعية وما يستغله عليها من الحيوانات الأليفة، وإن وضحت الفوارق الاقتصادية في الوقت نفسه مع حياة الزراعة بين المالك وبين الأجير وبين الغني وبين الفقير.
стр. 35
تعدد الحرف وبدايات الفنون:
عرف أهل الشرق الأدنى، وأهل مصر وبلاد النهرين بخاصة، مع الزراعة نوعا من ضمان الرزق لم يعرفه أسلافهم من قبل. واتسعت مطالبهم الفردية والجماعية بعض الشيء. وبدأ تعدد الحرف بينهم في الوضوح. فظهرت لديهم إلى جانب حرف الزراعة والصيد واستئناس الحيوان ورعيه وصناعة الأدوات الحجرية، حرف الصناعة أدوات الزراعة من فئوس ومناجل، وأخرى لتضفير الحبال وعمل الزنابيل والسلال "من الخوص ونباتات الحلفا وألياف البردي" لخزن الحبوب وعمل الحصير، ونسج الكتان، وحرف غيرها لصناعة أواني الفخار والقليل من الأواني الحجرية١.
ولم يكن الإنسان ليستطيع أن يهتدي إلى صناعة من هذه الصناعات بسهولة وفي وقت قصير، وإنما لعبت عوامل المصادفة والملاحظة والصبر ثم رغبة الابتداع دورها في كل واحدة منها. ففي عوامل الاهتداء إلى صناعة الأواني الفخارية على سبيل المثال ليس من المستبعد أن يكون الإنسان القديم قد هيأ لنفسه منذ الدهر القديم الأعلى أوعية بدائية خشنة يسيرة يحتفظ فيها بقوت يومه ويأكل فيها حبوبه المجروشة ويشرب فيها الماء واللبن. وإذا صح هذا الظن، صح التساؤل معه، وكيف وفر هذا الإنسان الأول أوعيته هذه وكيف كانت هيئتها؟ هناك احتمالان للإجابة على هذا السؤال وهما: أن يكون الإنسان قد اتخذ أوعيته تلك من بيض النعام على نحو ما فعل أصحاب الحضارة القفصية في شمال إفريقيا. أو يكون قد صنع أواني الطعام من ألياف النخيل والدوم وما يشبهها، واتخذ أواني الشراب من جيوب الجلد التي تشبه السقاء، على نحو ما تفعل بعض الجماعات البدائية المتخلفة حتى الآن٢.
стр. 36
ومنذ استقر الإنسان على مدرجات وضفاف الأنهار استقراره الطويل، اهتدى إلى صلاحية الطمي لصناعة أوانية، ثم استعمالها بعد حرقها. ومرة أخرى يصح التساؤل عن المقدمات التي سمحت له بأن يتبين خواص الطمي وفوائد حرقة، وفي تخمين هذه المقدمات احتمالان أيضًا، وهما: أن يكون الإنسان قد لحظ صلابة الطمي واحمراره تحت مواقد النار التي كان يستعملها منذ دهوره القديمة، وأطال ملاحظته حتى أدرك أثر الحرارة في هذه الصلابة وذاك الاحمرار، ثم تعمد أن ينتفع بهذا الأثر في حياته العملية وجريه في صناعة أواني الفخار حتى أتقنها. أو أنه اعتاد على أن يغشي أوعيته الليفية القديمة بغشاء خفيف من الطمي يسد مسامها ثم لاحظ بعد مرات ومرات، أن أوعيته تلك إذا تعرضت لحرارة الشمس جف سطحها الخارجي وإذا تعرضت لحرارة النار احترقت أليافها واحمر طميها أو اسود وتماسك. فلما أطال الملاحظة في هاتين الظاهرتين أدرك أنه يستطيع أن يستغني عن استعمال الليف في صناعة أوانيه، ويستطيع أن يكتفي في صناعتها بالطمي المحروق وحده١.
وظل الصناع يصنعون أوانيهم الفخارية يدويًّا أمدًا طويلًا "دون معرفة عجلة الفخراني". وكان الصانع يبدأ بتنقية من الشوائب العالقة به، ويعجنه بالماء بقدميه، ويضيف إليه أحيانًا بعض التبن الدقيق الخفيف أو الروث المسحوق، ليقلل به لزوجته ويزيد من تماسكه. ثم يشكل آنيته ويسوي سطحها بيده المبللة حتى يقلل من سعة مسامها، ويجففها في حرارة الشمس قبل أن يحرقها حتى لا تؤثر النار المتوهجة على شكل عجينتها الطرية أو تعمل على تبخير مائها بسرعة فتتشقق جوانبها. وكانت هذه الخطوات تكفي لصناعة الأواني العادية قبل حرقها، فإذا شاء الصانع أن يزيد عنايته بها غشى سطوحها قبل أن تجف بغشاء خفيف من صلصال ناعم؛ ليسد مسامها ويقلل رشحها ويجعل سطوحها ملساء تصلح للرسم والزخرفة. وإذا شاء أن يصقلها، حكها قبل تمام حرقها بصدفة أو حصاة ناعمة، حتى يزيد تماسك مسامها ويقلل خشونة سطحها ويجعلها أكثر قابلية للتلون بعد حرقها في النار٢.
وفي ظل الرزق المكفول مرة أخرى، وفي ظل أوقات الفراغ التي سمحت بها ظروف الدورة الزراعية الواحدة، مع نمو عادة الادخار وتنوع الحرف، وفي ظل الرخاء النسبي المترتب على ذلك كله، بدأت خيوط التحضر في الشرق تتزيد في الوضوح قليلا قليلا، وأخذت أذواق الرؤساء وأهل اليسار تتحسس سبل الاستمتاع بالجمال، ومضت صناعة أدوات الزينة وأساليب الزخرفة وراءها تتلمس لأصحابها الجزاء المقبول ورواج الصنعة. وبمعنى آخر كان من الطبيعي بعد أن نجح الإنسان القديم في تحسن حياته المادية أن يتجه إلى إشباع ذوقه وإرضاء تطلعاته المعنوية.
وبدأت طفولة الفن حينذاك بصناعة تماثيل صغيرة من الصلصال "والخشب والعظم والعاج"، قلد الصناع فيها
стр. 37
الكحل "الملاخيت" بجوار مواقد الأكواخ عن غير قصد، فإذا اشتدت نار المواقد وصهرتها خلصتها من لونها الأخضر وأبقت منها رواسبها المعدنية البارقة. ولما تكررت هذه الظواهر وأمثالها، والتفتت الأنظار إليها وظهر من الصناع من أدركوا مسبباتها، أصبحوا يكررونها عن قصد ويبحثون عن أخلاط النحاس في مواطنها القريبة والبعيدة ثم يصرونها بوسائلهم البدائية اليسيرة١.
وتعتبر العهود الأولى لاستخدام النحاس في الشرق الأدنى جزءًا من فجر تاريخه، ولكنها توصف على الرغم من ذلك بثلاث تعريفات خاصة بها، وهي: تعريف زمني يسميها العصر الإنيوليثي بمعنى العصر الحجري الأحدث، وتعريف حضاري يسميها العصر الخالكوليثي بمعنى العصر النحاسي الحجري "وتعرب تجاوزا باسم عصر بداية المعادن"، ثم تعريف تاريخي يسميها باسم عصر ما قبل الأسرات في مصر بخاصة.
وبدأ الانتفاع بالنحاس على نطاق ضيق، ولم يزد استخدامه في بداية أمره عن صناعة مجموعات من الخرز الصغير تستخدم في أغراض الزينة، ومثاقب طويلة دقيقة استخدمت في ثقب حبات الخرز الحجرية، ودبابيس طويلة استخدمت في شبك أرديتهم الجلدية أو الكتانية. ثم اتسع استخدام النحاس اتساعًا نسبيًّا مع مرور الزمن، وصنعت منه بعض المدى والأسلحة الصغيرة، وتطلب هذا التوسع مزيدًا من النشاط في استخراج المعدن وتنقيته، ومزيدًا من النشاط في البحث عن مصادره. وكان أمر هذا النشاط في مصر أمرًا ميسرًا بعض الشيء، فقد توفرت مصادر النحاس فيها في شبه جزيرة سيناء وبعض مناطق الصحراء الشرقية، وذلك على العكس من حال أهل بلاد النهرين، الذين قلت مصادر النحاس في أرضهم وتوفرت فيما حولهم في إيران والأناضول وعمان، وكان عليهم بذلك أن يبذلوا المجهود في استيراده.
стр. 38
وضوح التجمعات:
صحب التطور الحضاري في فجر التاريخ بشقيه، العصر النيوليثي والعصر الخالكوليثي، اتجاه إلى تكوين المجتمعات القروية ثم بداية التطور نحو المجتمعات المدنية. وقد مر بنا كيف دعت حياة الزراعة أصحابها إلى الاستقرار بالقرب من زراعاتهم لرعايتها وحمايتها، وإلى التعاون في سبيل استصلاح الأرض واستغلالها، ثم في سبيل دفع أخطار الفيضانات وتيسير الانتفاع بمائها، كما دعتهم إلى التقارب والتماس الأمن للفرد وأسرته وملكيته وسط الجماعة وفي حماية المجموع. وأدت هذه العوامل إلى تجمع سكان المناطق الزراعية في قرى صغيرة كانوا ينشئونها على مناطق الحواف، أي الحواف الزراعية والحواف الصحراوية، أو المناطق المرتفعة بعض الشيء عن مناطق الزراعة المنخفضة؛ بغية الابتعاد عن رطوبة أرضها، وبغية توفير مساحاتها للإنتاج الزراعي بقدر الإمكان. وكان المادة الميسرة في إنشاء مساكن القرى الزراعية هي الطين، الذي بدأ استخدامه في البناء على هيئة الجواليص، أي الكتل غير منتظمة الشكل، ثم تطور إلى هيئة قوالب اللبن المستطيلة المنتظمة الشكل مع تدعيم الطين فيها بالحشائش الجافة والمواد العضوية حتى يزداد تماسكه، ومع تدعيم أساسات المساكن نفسها بقطع الدبش الغفل، ونشأت أمثال هذه القرى في بداية أمرها متواضعة
стр. 39
متفرقة متباعدة، ولكن لم يكن من منطق الأشياء أن تظل على التفرق طويلًا أو تستقل كل منها دائمًا عن الأخرى، وإنما كانت عرضة لأن تستجيب من حين إلى آخر إلى دواعي التقارب والتضام بعضها من بعض، وهذه الدواعي قد تكون دواعي سليمة كاتصال المصالح التجارية وصلات النسب، والاشتراك في الديانة، والتحالف من أجل تحقيق منفعة أو دفع خطر عدو مشترك. أو تكون دواعي قسرية تتأتى من سعي بعض القرى القوية إلى بسط نفوذها على القرى الضعيفة القريبة منها وضمها تحت رايتها عن طريق القسر والغلبة. وكانت كل من الطريقتين تؤدي في العادة إلى تميز قرية معينة ضمن كل مجموعة من القرى، سواء بميزات الموقع الطبيعي والرخاء النسبي ووفرة الإنتاج واتساع المساحة، أو بميزات الكثرة العددية وشدة البأس. ومثل هذه القرية القوية بأهلها وبرئيسها وبإنتاجها وبموقعها غالبًا ما كانت تتحول إلى بلدة عامرة محصنة بأسوارها، ومتميزة بأسواقها وصناعها، أي إلى مدينة أولية، وهنا قد يصحب الرقي المادي في هذه المدينة رقي فكري نسبي يماثله، ثم يؤدي هذا الرقي الفكري إلى تنظيم سياسي معين أو إلى تحقيق زعامة دينية أو ما أشبه ذلك مما تختلف به كل بلدة عن أخرى. وهذا التمايز فيما بين بلدان فجر التاريخ في الشرق الأدنى القديم، المتعاصرة مع بعضها البعض، أو المتتابعة بعد بضعها البعض، سوف نؤجل بحثه لحين بحث التطور التاريخي والحضري لكل شعب من شعوب الشرق القديم على حدة في الفصول التالية.
وإذا كان لا بد من عودة إلى شبه الجزيرة العربية وأحوالها فيما يعاصر حضارات عصر بداية المعادن في المناطق المحيطة بها، فإن كل ما يمكن تقديمه بشأنها أمرين، وهما: أنه ليس من المستبعد أن أهل أطرافها الشمالية الغربية قد عرفوا النحاس وعرفوا استخدامه على نطاق ضيق بحكم مجاورتهم لشبه جزيرة سيناء المورد الرئيسي لمعدن النحاس في مصر، ثم بحكم مجاورتهم لجنوب الشام الذي عرف أهله النحاس في وقت قريب من وقت معرفة المصريين به. ويمكن ترتيب مثل هذا الرأي احتمالًا كذلك بالنسب للمناطق الشرقية القريبة من حدود العراق والخليج العربي.
أما الأمر الآخر، فهو مبني على ما لوحظ من وجود شيء من التشابه بين بعض المصنوعات والمظاهر الحضارية في مصر وبين أمثالها في العراق خلال ما قبل العصور التاريخية وفي بدايتها١. ونم هذا التشابه الذي سنشرح تفاصيله في فصول تالية، عن اتصال حضاري وتجاري قديم بين أصحاب الحضارتين. غير أنه لم يكن من الضروري أن يتم مثل هذا الاتصال بين الفريقين بطرق مباشرة دائمًا، بحيث يرتحل من أجله عراقيون إلى مصر بالضرورة أو يرتحل فيه مصريون إلى العراق، وإنما يبدو أن أغلب الاتصالات بينهما كانت تتم عن طريق وسطاء تلقائيين يرتادون المناطق التي تفصل بينهما. وغالبًا ما كان بعض هؤلاء الوسطاء من أهل الشام، ولكن لا يستبعد في الوقت نفسه أن بعضهم الآخر كان من أهل شبه الجزيرة العربية، سواء من أهل أطرافها الشمالية أم من أهل أطرافها الجنوبية. وإذا صح هذا الفرض الأخير، وهو فيما يبدو فرض محتمل، أمكن أن نرتب عليه أن بعض أهل هذه الأطراف العربية قد انتفعوا بالحضارتين وقلدوا بعض أوجه نشاطهما في حدود ما كانت تسمح به بيئتهم وما يسد مطالبهم.
стр. 40
تمهيد بتقسيمات عصور مصر القديمة ومصادرها:
هيأت لمصر طريقها الحضاري القديم عوامل طبيعية وبشرية عدة، كان منها موقعها الجغرافي المتميز، وضخامة نصيبها من نهر النيل، وتجدد خصوبة أرضها، وانبسط سطحها، وقلة العوائق الطبيعية الحادة فيها، واعتدال مناخها بما لم يعق نشاط إنسانها القديم، وتوفر عدد من المواد الأولية الأساسية في ساحتها، وتميز حدودها بحصانة طبيعية نسبية على الرغم من شدة اتساعها وطول امتدادها. ولم يقل أثرًا عن ذلك كله في دفع مسيرة الحضارة المصرية كثافة أعداد أهلها كثافة نسبية، مع جلدهم ووحدة لغتهم وندرة الفوارق الجنسية بينهم، وسهولة الاتصالات بين جماعاتهم، وقدم إدراكهم لوحدة وطنهم، فضلًا عن استقرار نظم الحكم الداخلية بينهم في أغلب عصورها، وكلها عوامل ساعدت على نمو الحضارة المصرية في عصور مبكرة واستمرار نضجها واتصال حلقات تطورها.
ولسنا نعني بتعداد كل هذه العوامل أنها حققت "المثالية" في تاريخ مصر وحضارتها بحكم الضرورة، ولكننا نعني بتقديمها أنها كانت من المقومات الأولية لتكييف التربة التي نشأ تاريخ مصر القديم فيها، وأنها كان من العوامل المساعدة على إظهار الجوانب الطيبة فيه، بغير أن ننفي قيام عوامل أخرى مضادة لها من داخل مصر ومن خارجها.
سمى المصريون القدماء أرضهم باسم "كيمة"، بمعنى السوداء أو السمراء؛ إشارة إلى سمرة تربتها الطينية وخصوبتها. وكثيرًا ما عبروا عنها باسم "تاوي" أي الأرضين، أرض الدلتا وأرض الصعيد. وارتبط الاسم الشائع "مصر" في اللغة المصرية واللغات السامية القديمة بمترادفات تدل على معاني الحد والحاجز والمكان الحصين فضلًا عن البلد المتمدين. كما يحتمل أن تسميتها باسم إيجبت الشائع في اللغات الأجنبية منذ أيام الكُتاب الإغريق في تحرف في أصله عن اسم آجبة المصري بمعنى الفيضان. وذلك إلى جانب أسماء أخرى وكنيات يمكن مراجعة مدلولاتها في الفصل الأول من كتابنا عن حضارة مصر القديمة وآثارها.
تقسم عصور الحضارة المصرية القديمة تقسيمًا اصطلاحيًّا إلى ثمان وحدات اعتبارية كبيرة، تمايزت كل وحدة منها عن أختها من حيث أمدها الزمني وطاقتها البشرية ومستوياتها الحضارية، ولكن اتصلت كل واحدة منها اتصالًا تطويريًّا وثيقًا بسابقتها كما مهدت بتطوراتها للاحقتها. وقد تعاقبت بمصادرها القديمة على النحو التالي الذي نصوره ها هنا في إيجاز:
أولًا- دهور ما قبل التاريخ: وهذه أسلفنا في صفحات سابقة ما اتصفت به من امتداد زمني طويل وظواهر مناخية متمايزة، ومصنوعات متواضعة بطيئة التطور، خلال بحثنا لما قبل التاريخ في الشرق الأدنى القديم بوجه عام، ولم نستثن منها للدراسة التفصيلية بكل قطر على حده سوى خصائص آخر عصورها،