← История

История · id 2113

الشرق الأدنى القديم في مصر والعراق

عبد العزيز صالح

Полный текст (670 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ومنذ استقر الإنسان على مدرجات وضفاف الأنهار استقراره الطويل، اهتدى إلى صلاحية الطمي لصناعة أوانية، ثم استعمالها بعد حرقها. ومرة أخرى يصح التساؤل عن المقدمات التي سمحت له بأن يتبين خواص الطمي وفوائد حرقة، وفي تخمين هذه المقدمات احتمالان أيضًا، وهما: أن يكون الإنسان قد لحظ صلابة الطمي واحمراره تحت مواقد النار التي كان يستعملها منذ دهوره القديمة، وأطال ملاحظته حتى أدرك أثر الحرارة في هذه الصلابة وذاك الاحمرار، ثم تعمد أن ينتفع بهذا الأثر في حياته العملية وجريه في صناعة أواني الفخار حتى أتقنها. أو أنه اعتاد على أن يغشي أوعيته الليفية القديمة بغشاء خفيف من الطمي يسد مسامها ثم لاحظ بعد مرات ومرات، أن أوعيته تلك إذا تعرضت لحرارة الشمس جف سطحها الخارجي وإذا تعرضت لحرارة النار احترقت أليافها واحمر طميها أو اسود وتماسك. فلما أطال الملاحظة في هاتين الظاهرتين أدرك أنه يستطيع أن يستغني عن استعمال الليف في صناعة أوانيه، ويستطيع أن يكتفي في صناعتها بالطمي المحروق وحده١. وظل الصناع يصنعون أوانيهم الفخارية يدويًّا أمدًا طويلًا "دون معرفة عجلة الفخراني". وكان الصانع يبدأ بتنقية من الشوائب العالقة به، ويعجنه بالماء بقدميه، ويضيف إليه أحيانًا بعض التبن الدقيق الخفيف أو الروث المسحوق، ليقلل به لزوجته ويزيد من تماسكه. ثم يشكل آنيته ويسوي سطحها بيده المبللة حتى يقلل من سعة مسامها، ويجففها في حرارة الشمس قبل أن يحرقها حتى لا تؤثر النار المتوهجة على شكل عجينتها الطرية أو تعمل على تبخير مائها بسرعة فتتشقق جوانبها. وكانت هذه الخطوات تكفي لصناعة الأواني العادية قبل حرقها، فإذا شاء الصانع أن يزيد عنايته بها غشى سطوحها قبل أن تجف بغشاء خفيف من صلصال ناعم؛ ليسد مسامها ويقلل رشحها ويجعل سطوحها ملساء تصلح للرسم والزخرفة. وإذا شاء أن يصقلها، حكها قبل تمام حرقها بصدفة أو حصاة ناعمة، حتى يزيد تماسك مسامها ويقلل خشونة سطحها ويجعلها أكثر قابلية للتلون بعد حرقها في النار٢. وفي ظل الرزق المكفول مرة أخرى، وفي ظل أوقات الفراغ التي سمحت بها ظروف الدورة الزراعية الواحدة، مع نمو عادة الادخار وتنوع الحرف، وفي ظل الرخاء النسبي المترتب على ذلك كله، بدأت خيوط التحضر في الشرق تتزيد في الوضوح قليلا قليلا، وأخذت أذواق الرؤساء وأهل اليسار تتحسس سبل الاستمتاع بالجمال، ومضت صناعة أدوات الزينة وأساليب الزخرفة وراءها تتلمس لأصحابها الجزاء المقبول ورواج الصنعة. وبمعنى آخر كان من الطبيعي بعد أن نجح الإنسان القديم في تحسن حياته المادية أن يتجه إلى إشباع ذوقه وإرضاء تطلعاته المعنوية. وبدأت طفولة الفن حينذاك بصناعة تماثيل صغيرة من الصلصال "والخشب والعظم والعاج"، قلد الصناع فيها

стр. 37

الكحل "الملاخيت" بجوار مواقد الأكواخ عن غير قصد، فإذا اشتدت نار المواقد وصهرتها خلصتها من لونها الأخضر وأبقت منها رواسبها المعدنية البارقة. ولما تكررت هذه الظواهر وأمثالها، والتفتت الأنظار إليها وظهر من الصناع من أدركوا مسبباتها، أصبحوا يكررونها عن قصد ويبحثون عن أخلاط النحاس في مواطنها القريبة والبعيدة ثم يصرونها بوسائلهم البدائية اليسيرة١. وتعتبر العهود الأولى لاستخدام النحاس في الشرق الأدنى جزءًا من فجر تاريخه، ولكنها توصف على الرغم من ذلك بثلاث تعريفات خاصة بها، وهي: تعريف زمني يسميها العصر الإنيوليثي بمعنى العصر الحجري الأحدث، وتعريف حضاري يسميها العصر الخالكوليثي بمعنى العصر النحاسي الحجري "وتعرب تجاوزا باسم عصر بداية المعادن"، ثم تعريف تاريخي يسميها باسم عصر ما قبل الأسرات في مصر بخاصة. وبدأ الانتفاع بالنحاس على نطاق ضيق، ولم يزد استخدامه في بداية أمره عن صناعة مجموعات من الخرز الصغير تستخدم في أغراض الزينة، ومثاقب طويلة دقيقة استخدمت في ثقب حبات الخرز الحجرية، ودبابيس طويلة استخدمت في شبك أرديتهم الجلدية أو الكتانية. ثم اتسع استخدام النحاس اتساعًا نسبيًّا مع مرور الزمن، وصنعت منه بعض المدى والأسلحة الصغيرة، وتطلب هذا التوسع مزيدًا من النشاط في استخراج المعدن وتنقيته، ومزيدًا من النشاط في البحث عن مصادره. وكان أمر هذا النشاط في مصر أمرًا ميسرًا بعض الشيء، فقد توفرت مصادر النحاس فيها في شبه جزيرة سيناء وبعض مناطق الصحراء الشرقية، وذلك على العكس من حال أهل بلاد النهرين، الذين قلت مصادر النحاس في أرضهم وتوفرت فيما حولهم في إيران والأناضول وعمان، وكان عليهم بذلك أن يبذلوا المجهود في استيراده.

стр. 38

وضوح التجمعات: صحب التطور الحضاري في فجر التاريخ بشقيه، العصر النيوليثي والعصر الخالكوليثي، اتجاه إلى تكوين المجتمعات القروية ثم بداية التطور نحو المجتمعات المدنية. وقد مر بنا كيف دعت حياة الزراعة أصحابها إلى الاستقرار بالقرب من زراعاتهم لرعايتها وحمايتها، وإلى التعاون في سبيل استصلاح الأرض واستغلالها، ثم في سبيل دفع أخطار الفيضانات وتيسير الانتفاع بمائها، كما دعتهم إلى التقارب والتماس الأمن للفرد وأسرته وملكيته وسط الجماعة وفي حماية المجموع. وأدت هذه العوامل إلى تجمع سكان المناطق الزراعية في قرى صغيرة كانوا ينشئونها على مناطق الحواف، أي الحواف الزراعية والحواف الصحراوية، أو المناطق المرتفعة بعض الشيء عن مناطق الزراعة المنخفضة؛ بغية الابتعاد عن رطوبة أرضها، وبغية توفير مساحاتها للإنتاج الزراعي بقدر الإمكان. وكان المادة الميسرة في إنشاء مساكن القرى الزراعية هي الطين، الذي بدأ استخدامه في البناء على هيئة الجواليص، أي الكتل غير منتظمة الشكل، ثم تطور إلى هيئة قوالب اللبن المستطيلة المنتظمة الشكل مع تدعيم الطين فيها بالحشائش الجافة والمواد العضوية حتى يزداد تماسكه، ومع تدعيم أساسات المساكن نفسها بقطع الدبش الغفل، ونشأت أمثال هذه القرى في بداية أمرها متواضعة

стр. 39

متفرقة متباعدة، ولكن لم يكن من منطق الأشياء أن تظل على التفرق طويلًا أو تستقل كل منها دائمًا عن الأخرى، وإنما كانت عرضة لأن تستجيب من حين إلى آخر إلى دواعي التقارب والتضام بعضها من بعض، وهذه الدواعي قد تكون دواعي سليمة كاتصال المصالح التجارية وصلات النسب، والاشتراك في الديانة، والتحالف من أجل تحقيق منفعة أو دفع خطر عدو مشترك. أو تكون دواعي قسرية تتأتى من سعي بعض القرى القوية إلى بسط نفوذها على القرى الضعيفة القريبة منها وضمها تحت رايتها عن طريق القسر والغلبة. وكانت كل من الطريقتين تؤدي في العادة إلى تميز قرية معينة ضمن كل مجموعة من القرى، سواء بميزات الموقع الطبيعي والرخاء النسبي ووفرة الإنتاج واتساع المساحة، أو بميزات الكثرة العددية وشدة البأس. ومثل هذه القرية القوية بأهلها وبرئيسها وبإنتاجها وبموقعها غالبًا ما كانت تتحول إلى بلدة عامرة محصنة بأسوارها، ومتميزة بأسواقها وصناعها، أي إلى مدينة أولية، وهنا قد يصحب الرقي المادي في هذه المدينة رقي فكري نسبي يماثله، ثم يؤدي هذا الرقي الفكري إلى تنظيم سياسي معين أو إلى تحقيق زعامة دينية أو ما أشبه ذلك مما تختلف به كل بلدة عن أخرى. وهذا التمايز فيما بين بلدان فجر التاريخ في الشرق الأدنى القديم، المتعاصرة مع بعضها البعض، أو المتتابعة بعد بضعها البعض، سوف نؤجل بحثه لحين بحث التطور التاريخي والحضري لكل شعب من شعوب الشرق القديم على حدة في الفصول التالية. وإذا كان لا بد من عودة إلى شبه الجزيرة العربية وأحوالها فيما يعاصر حضارات عصر بداية المعادن في المناطق المحيطة بها، فإن كل ما يمكن تقديمه بشأنها أمرين، وهما: أنه ليس من المستبعد أن أهل أطرافها الشمالية الغربية قد عرفوا النحاس وعرفوا استخدامه على نطاق ضيق بحكم مجاورتهم لشبه جزيرة سيناء المورد الرئيسي لمعدن النحاس في مصر، ثم بحكم مجاورتهم لجنوب الشام الذي عرف أهله النحاس في وقت قريب من وقت معرفة المصريين به. ويمكن ترتيب مثل هذا الرأي احتمالًا كذلك بالنسب للمناطق الشرقية القريبة من حدود العراق والخليج العربي. أما الأمر الآخر، فهو مبني على ما لوحظ من وجود شيء من التشابه بين بعض المصنوعات والمظاهر الحضارية في مصر وبين أمثالها في العراق خلال ما قبل العصور التاريخية وفي بدايتها١. ونم هذا التشابه الذي سنشرح تفاصيله في فصول تالية، عن اتصال حضاري وتجاري قديم بين أصحاب الحضارتين. غير أنه لم يكن من الضروري أن يتم مثل هذا الاتصال بين الفريقين بطرق مباشرة دائمًا، بحيث يرتحل من أجله عراقيون إلى مصر بالضرورة أو يرتحل فيه مصريون إلى العراق، وإنما يبدو أن أغلب الاتصالات بينهما كانت تتم عن طريق وسطاء تلقائيين يرتادون المناطق التي تفصل بينهما. وغالبًا ما كان بعض هؤلاء الوسطاء من أهل الشام، ولكن لا يستبعد في الوقت نفسه أن بعضهم الآخر كان من أهل شبه الجزيرة العربية، سواء من أهل أطرافها الشمالية أم من أهل أطرافها الجنوبية. وإذا صح هذا الفرض الأخير، وهو فيما يبدو فرض محتمل، أمكن أن نرتب عليه أن بعض أهل هذه الأطراف العربية قد انتفعوا بالحضارتين وقلدوا بعض أوجه نشاطهما في حدود ما كانت تسمح به بيئتهم وما يسد مطالبهم.

стр. 40

تمهيد بتقسيمات عصور مصر القديمة ومصادرها: هيأت لمصر طريقها الحضاري القديم عوامل طبيعية وبشرية عدة، كان منها موقعها الجغرافي المتميز، وضخامة نصيبها من نهر النيل، وتجدد خصوبة أرضها، وانبسط سطحها، وقلة العوائق الطبيعية الحادة فيها، واعتدال مناخها بما لم يعق نشاط إنسانها القديم، وتوفر عدد من المواد الأولية الأساسية في ساحتها، وتميز حدودها بحصانة طبيعية نسبية على الرغم من شدة اتساعها وطول امتدادها. ولم يقل أثرًا عن ذلك كله في دفع مسيرة الحضارة المصرية كثافة أعداد أهلها كثافة نسبية، مع جلدهم ووحدة لغتهم وندرة الفوارق الجنسية بينهم، وسهولة الاتصالات بين جماعاتهم، وقدم إدراكهم لوحدة وطنهم، فضلًا عن استقرار نظم الحكم الداخلية بينهم في أغلب عصورها، وكلها عوامل ساعدت على نمو الحضارة المصرية في عصور مبكرة واستمرار نضجها واتصال حلقات تطورها. ولسنا نعني بتعداد كل هذه العوامل أنها حققت "المثالية" في تاريخ مصر وحضارتها بحكم الضرورة، ولكننا نعني بتقديمها أنها كانت من المقومات الأولية لتكييف التربة التي نشأ تاريخ مصر القديم فيها، وأنها كان من العوامل المساعدة على إظهار الجوانب الطيبة فيه، بغير أن ننفي قيام عوامل أخرى مضادة لها من داخل مصر ومن خارجها. سمى المصريون القدماء أرضهم باسم "كيمة"، بمعنى السوداء أو السمراء؛ إشارة إلى سمرة تربتها الطينية وخصوبتها. وكثيرًا ما عبروا عنها باسم "تاوي" أي الأرضين، أرض الدلتا وأرض الصعيد. وارتبط الاسم الشائع "مصر" في اللغة المصرية واللغات السامية القديمة بمترادفات تدل على معاني الحد والحاجز والمكان الحصين فضلًا عن البلد المتمدين. كما يحتمل أن تسميتها باسم إيجبت الشائع في اللغات الأجنبية منذ أيام الكُتاب الإغريق في تحرف في أصله عن اسم آجبة المصري بمعنى الفيضان. وذلك إلى جانب أسماء أخرى وكنيات يمكن مراجعة مدلولاتها في الفصل الأول من كتابنا عن حضارة مصر القديمة وآثارها. تقسم عصور الحضارة المصرية القديمة تقسيمًا اصطلاحيًّا إلى ثمان وحدات اعتبارية كبيرة، تمايزت كل وحدة منها عن أختها من حيث أمدها الزمني وطاقتها البشرية ومستوياتها الحضارية، ولكن اتصلت كل واحدة منها اتصالًا تطويريًّا وثيقًا بسابقتها كما مهدت بتطوراتها للاحقتها. وقد تعاقبت بمصادرها القديمة على النحو التالي الذي نصوره ها هنا في إيجاز: أولًا- دهور ما قبل التاريخ: وهذه أسلفنا في صفحات سابقة ما اتصفت به من امتداد زمني طويل وظواهر مناخية متمايزة، ومصنوعات متواضعة بطيئة التطور، خلال بحثنا لما قبل التاريخ في الشرق الأدنى القديم بوجه عام، ولم نستثن منها للدراسة التفصيلية بكل قطر على حده سوى خصائص آخر عصورها،

стр. 41

وهو العصر الحجري الحديث، وذلك باعتباره البداية الواضحة للتخصص الإقليمي بين أقطار الشرق القديم بعامة، وباعتباره ممثلًا لمرحلة فجر التاريخ في كل من مصر والعراق بخاصة، وممهدًا لبداية العصور التاريخية التي أعقبته فيهما. وانحصرت مصادر الدهور الحجرية القديمة فيما مر بنا، فيما تركه إنسانها الأول من أدوات بدائية، كان أغلبها من الحجر، وما تركه في مناطق سكناه العتيقة من آثار المواقد وبقايا أسنان المناجل وقطع المراحي، ثم ما خلفه من رسوم بدائية تغني باحثها من حيث اتصالها بطفولة الفن الأولى، وبعقائد الدين وتخيلات السحر القديم، فضلًا عن أنها احتفظت في مناظرها بما يصور بعض حيوانات البيئات القديمة ووسائل الإنسان في مواجهتها وفي صيدها. أما عصر فجر التاريخ بخاصة، فقد زادت مصادره المادية نتيجة لاستقرار حياته الزراعية، فتعددت آثار الحرف الأولية التي مارسها أهله وتخصص بعضهم فيها، مثل أدوات الزراعة والأواني الفخارية والحجرية والصلايات والسلال والمنسوجات البسيطة، وبدايات المصنوعات النحاسية المتواضعة، ونماذج الرسوم والنقوش والتماثيل الصغيرة. وقد استمرت كل هذه الآثار غفلًا من الكتابة، وظل أولاها بالدراسة في نظر الأثري والمؤرخ للدلالة على التتابع الزمني والتطور الصناعي والتطور الفني خلال العصر الحجري الحديث، هي الأواني الفخارية، تستوي في ذلك الأواني الغفل ذات الأشكال المتطورة، والأواني ذات الرسوم والنقوش المعبرة. ثانيًا- بداية العصور التاريخية: وتسمى اصطلاحًا كذلك باسم عصر بداية الأسرات، والعصر العتيق. وقد بدأ عصرها حوالي القرن الثاني والثلاثين ق. م، وامتد إلى عام ٢٧٨٠ق. م أو نحوه، وامتاز تاريخيًّا ببداية استقرار وحدة مصر السياسية الكاملة منذ أوائله، وبمعرفة الكتابة منذ بدايته، وبظهور المصادر التاريخية المكتوبة فيه لأول مرة تبعًا لذلك. كما يعتبر عصر التكوين بالنسبة لنظم الحكم وأوضاع الإدارة، وقد تعاقبت خلاله على عرش مصر الأسرتان الحاكمتان الأوليتان من الأسر الفرعونية في مصر القديمة. ثالثًا- عصور الدولة القديمة: وهي عصور بدأت بعض الأسرة الحاكمة الثالثة في أوائل القرن الثامن والعشرين ق. م، وامتدت حتى نهاية عصر الأسرة السادسة "أو بعده بقليل" في أواخر القرن الثامن والعشرين ق. م. واتصفت أغلب عهودها بالاستقرار السياسي النسبي ومركزية الحكم. وتميزت مظاهر الحضارة فيها بالنمو الداخلي المتصل في شئون العمارة والفنون وتنظيمات الإدارة وعقائد الآخرة. واستقرت مبادئ ذلك كله دونما تأثيرات خارجية ملموسة. وتمثلت أغلب آثار هذه العصور في مقابرها الفخمة وأهرامها الرائعة التي انتشرت حول عاصمتها منف، فيما يمتد بين ميدوم ودهشور وسقارة والجيزة جنوبي القاهرة الحالية، فضلًا على ما تناثر من آثارها في بقية مناطق القطر الأخرى. رابعًا- عصر الانتقال الأول "أو عصر اللامركزية الأولى": وكان عصر انتقال من وحدة الحكم إلى تفرق وجهات الحكام، ومن الاستقرار إلى القلقلة، ومن ضخامة إمكانيات الدولة إلى قلتها، وإن

стр. 42

انتعشت خلال هذا العصر في الوقت ذاته أحوال الطبقة الوسطى ونمت فيه روح الفردية، وظهرت خلاله مبادئ سياسية وعقائد دينية متحررة. وقد امتد العصر من أعقاب نهاية عصر الأسرة السادسة حتى نهاية عصر الأسرة العاشرة في أواسط القرن الحادي والعشرين ق. م. خامسًا- عصور الدولة الوسطى: وهي عصور تميزت باستعادة مركزية الحكم ووحدة السياسة في الداخل وفي الخارج، مع الإبقاء على ازدهار الفردية. واتسعت مجالات التأثير والتأثر فيها بين مصر وبين جيرانها في الشرق الأدنى وجزر البحر المتوسط. واعتبرت العصر الذهبي لكل من اللغة المصرية وآدابها. وقد استمرت نحو ثلاثة قرون، ابتداء من عصر الأسرة الحادية عشرة حتى أوائل عصر الأسرة الثالثة عشرة أوائل القرن الثامن عشر ق. م. وكانت من عواصمها طيبة في الصعيد، واللشت عند مدخل مصر الوسطى، ومنف قرب رأس الدلتا. سادسًا- عصر الانتقال الثاني "أو عصر اللامركزية الثانية": وكان انتقالًا اضطراريًّا من حال الوحدة إلى التفكك ومن الاستقرار إلى القلق، وامتد بمشكلاته فيما بين أواخر عصر الأسرة الثالثة عشرة وبين أواخر عصر الأسرة السابعة عشرة، وشغلت أغلب أيامه محنة الهكسوس، وانتهى في أوائل القرن السادس عشر ق. م. بإجلاء الهكسوس وتشتيتهم وتحرر البلاد منهم. سابعًا- عصور الدولة الحديثة: وقد بدأت بعودة الاستقرار والاستقلال القومي الكامل ومركزية الحكم ثانية، وتميزت ببلوغ الذروة في الرخاء العام وفي الفنون ورقي مذاهب الدين ومرتبة الوحدانية، كما تميزت بالانطلاق الواسع في مجالات السياسة الدولية والتوسع الخارجي. وبدأت خصائصها ببداية عصر الأسرة الثامنة عشرة حوالي عام ١٥٧٥ق. م، وعمرت نيفا وستة قرون، حتى بلغت خواتيمها بنهاية عصر الأسرة الحادية والعشرين خلال القرن العاشر ق. م. ثامنًا- العصور المتأخرة "أو خواتيم العصور الفرعونية": وهذه بدأت مظاهرها منذ القرن العاشر ق. م، وتذبذب النشاط المصري خلالها بين مد وجذر في مجالات السياسة والحروب واختلطت فيها العناصر الدخيلة بالمصريين اختلاطًا ملحوظًا. وتأثرت مصر فيها بتأرجح موازين القوى بين ... الشرق والغرب القديمة، وابتدأت مقاليد الحضارة والسيادة تنفلت منها إلى غيرها، بل وتعرضت أرضها لأكثر هجوم خارجي، ثم انتهت بانتهاء الحكم الفرعوني القومي بعد عصر الأسرة الثلاثين، مع فتح الإسكندر المقدوني لمصر في خريف ٣٣٢ق. م، إلى جانب غيرها من أقطار الشرق القديم. تعددت المصادر المادية والمكتوبة والمصورة للعصور التاريخية المصرية القديمة السابقة بما يعبر عن آداب أهلها، وعلومهم، وعقائدهم، وفنونهم، وحرفهم، وأوضاعهم السياسية، واتصالاتهم الخارجية، تعددًا واسعًا فعبر عن الجوانب الفكرية والأدبية والعلمية القديمة من التراث المصري ما تضمنته مخطوطات البردي ونصوص

стр. 43

اللوحات الحجرية واللخاف المكتشفة، من قصص وأساطير، وتعاليم وقصائد وفلسفات، وطب وفلك ورياضيات، ودروس تعليمية، فضلًا عما أمكن استنتاجه من عمليات التحنيط من الجثث الباقية، وما أمكن استخلاصه عن مبادئ الهندسة النظرية والتطبيقية من المنشآت المعمارية الكثيرة القائمة. وعبر عن عقائد مصر القديمة الروحية، التعبدية منها والأخروية، ما تضمنته مخطوطات البردي أيضًا ونقرش المعابد والمقابر ومناظرها، من نصوص الدعوات والأناشيد وهيئات التعبد وصور الحساب والتصورات عن الآخرة، وتميزت منها تراتيل نصوص الأهرام ومتون التوابيت وكتب الموتى، فضلًا عما رمزت إليه تماثيل المعبودات وصورهم، والصفات التي نسبت إليهم، والألقاب التي حملها كهنتهم. وعبر عن فنون مصر الإنشائية وفنونها الصغرى والتطبيقية، ما بقي من عمائر أهرامها ومعابدها ومساكنها وحصونها ومقابرها، ومناظرها المنقوشة المصورة، وتماثيلها، فضلًا عن أدوات الترف والزينة التي عثر عليها في مقابرها وبقايا مساكنها. أما شئون الحياة اليومية العادية في العصور المصرية المتعاقبة، فقد صورت جوانبها النظرية، مناظر الزراعة والصناعة والتبادل التجاري والمناظر الأسرية المسجلة على جدران المقابر. وعبر عن جوانبها العملية الفعلية ما عثر عليه من أدوات الاستعمال اليومي في المساكن والمقابر، والنماذج الصغيرة التي قلد الصناع بها وجسموا فيها هيئات مصانعهم ومخازنهم ورمزوا بها إلى سيل العمل فيها. ثم الرسائل الشخصية وصيغ الشكاوى ونصوص القضايا التي صورت انفعالات أهلها ومشاعرهم، وعلاقات بعضهم ببعض. ثم عبر عن اتصال ما بين هذه الحياة القديمة بين المجتمع المصري الحديث من أواصر، ما بقي حتى الآن من ألفاظ ومسميات وعادات يمكن ربطها بما جاءت به المصادر السابقة جميعها، مما هو مكتوب وما هو مصور ومرسوم. ومن مصادر الحياة السياسية الداخلية والخارجية في تلك العصور التاريخية المتتالية، التواريخ الرسمية التي سجلها الكتبة والمؤرخون المصريون بأمر حكامهم وبأسمائهم، منذ أوائل عصورهم التاريخية على جذادات من البردي والخشب والعاج بأحداث مفردة أحيانًا، ثم في قوائم متصلة منقوشة على النصب الحجرية وجدران المعابد، وقوائم أخرى مخطوطة على صفحات البردي أحيانًا أخرى. ومن أهم ما عرف حتى الآن من هذه وتلك ما يسمى اصطلاحًا بأسماء قائمة حجر بالرمو من القرن ٢٥ق. م، وقائمة الكرنك من القرن ١٥ق. م، وقائمة أبيدوس وبردية تورين من القرن ١٣ق. م. وقد اكتفت بعض هذه القوائم بتسجيل تتابع أسماء الملوك، بينما أضاف بعضها إلى أسمائهم ذكر فترات حكمهم بالأعوام والشهور والأيام، كما تضمن بعضها الآخر وهو الأهم ما اشتهرت به عهودهم من منشآت خاصة وعامة، وأعياد وحروب وبعثات تجارية١. وإلى جانب هذه القوائم التاريخية الرسمية، عمل الكتاب والمؤرخون والفنانون في عهد كل فرعون على أن يسجلوا مآثره وأعماله وحروبه، فضلًا عن آيات تقواه، على جدران المعابد التي أنشئت في عهده

стр. 44

وعلى نصب حجرية كبيرة أقيم بعضها في رحاب المعابد والدواوين، وأقيم بعضها على حدود القطر وعلى حدود الأملاك الخارجية. ولم يكتفوا بالكتابة التاريخية وحدها على هذه وتلك، وإنما جعلوا مما سجلوه عليها معرضا للتاريخ المصور أيضًا. وساهمت النصوص والمناظر الفردية لكبار الموظفين والأدباء في التعبير عما اشترك أصحابها فيه من أعمال عامة وحروب وبعثات ومنشآت، وما ولوه من مناصب. اصطبغت بعض تسجيلاتهم الفردية هذه بصبغة تقليدية ردت الأمر كله فيها إلى إيحاءات الملوك ووصفتهم بما كانوا يستحبون أن يوصفوا به دائمًا من قداسة وعدل وقوة بأس، ولو لم يكن لبعضهم نصيب من ذلك كله بينما اصطبغ بعضها الآخر بنصيب أكبر من الواقعية، فصورت نصوصها الأحداث قريبة مما جرت به فعلا. بغير تضخيم كبير ولا تنميق كثير، وردت بعض الفضل فيها إلى أصحابها الفعليين. وتكتمل صورة المصادر المصرية القديمة عن العصور التاريخية الطويلة بما كتبه عنها المؤرخ المصري مانيتون السمنودي الذي عاش في القرن الثالث ق. م. وحاول أن يؤرخ به للحياة الاجتماعية والحياة السياسية معا، منذ أقدم العصور حتى أيامه، فنجح حينا واشتط أحيانًا. أما المصادر غير المصرية فمنها ما روته الكتب السماوية من إشارات قصيرة عن مصر ومن عايشها من الأنبياء. وعبارات متفرقة عن مصر أيضًا تضمنتها بعض نصوص حكام البلاد الشرقية القديمة ورسائلهم إلى الفراعنة مثل رسائل العمارنة. هناك أخيرا كتابات الرحالة والمؤرخين الإغريق والرومان الذين زاروا مصر وكتبوا عنها منذ أواخر القرن السادس ق. م. على أقل تقدير، من أمثال هيكاتيوس الميليتي، وهيرودوت الهاليكارناسي، وهيكاتيوس الأبديري، وديودور الصقلي، وأسترابون البونتي، وبلينوس الجغرافي، وبلوتارخ الخايروني. فضلًا عمن أقاموا منهم في مصر والإسكندرية بخاصة وأصبحوا مواطنين فيها وكتبوا عن تاريخها وأحوال مجتمعها من أمثال إراتوستينوس، وأبوللودوروس، وهورابوللو، ويوسيفوس، ويوليوس أفريكانوس، ويوسيبيوس، وجيوجرجيوس، وغيرهم. واختلف نصيب كل مؤرخ وجغرافي ورحالة من هؤلاء وهؤلاء عن زميله في مدى تحريه الأمانة فيما رواه عن مصر، ومدى معرفته الصحيحة بتاريخها، ومدى إقامته بها، ومدى فهمه لتقاليد أهلها. بل إن ما كتبه كل منهم جمع في طياته بين المنطق وبين الخرافة، وبين الصدق حينا والافتراء حينا آخر، وبين أدلة الذكاء وقرائن الغفلة، وبين صور المدح وصور الذم في آن واحد. وكل ذلك مما يحول دون الحكم على أحدهم بحكم عام، أو الحكم على كفاياتهم كلها بحكم شامل، سواء فيما يختص بكتاباتهم عن العصور القديمة التي سبقتهم والتي جمعوا أغلب أخبارها البعيدة من أفواه الرواة أو الأدلاء والكهان ومن منطوق الأساطير، أم فيما يختص برواياتهم عن العصور المتأخرة التي زاروا مصر إبانها ووصفوا ما رأوه فيها رأي العين، فأصابوا في وصفه أحيانًا، وخدعوا عنه أو أخطئوا تصويره أحيانًا أخرى. ووضحت لحركة وصف الآثار المصرية الظاهرة في العصر الحديث مرحلتان، مرحلة تكفل بها العلماء الفرنسيون الذين صحبوا نابليون إلى مصر، ونشروا نتائجها بن أعوام ١٨٠٩ - ١٨١٣ ضمن مجلداتهم الضخمة عن وصف مصر " Description De L' Egypte"، ومرحلة أخرى تكفلت بها بعثات أجنبية

стр. 45

منظمة منذ عام ١٨٢٨، وكان من روادها روسليني١، ولبسيوس، وواصل هذا الأخير عمله ونشر مجلدات ضخمة منذ عام "١٨٤٩"٢. صور ورسم فيها طائفة كبيرة من الآثار الظاهرة في مصر والنوبة، وآثارا أخرى كشف بنفسه عنها في سقارة ومصر الوسطى. ومنذ ذلك الحين سار وصف الآثار ورسمها وتصويرها جنبا إلى جنب مع التنقيب عن الآثار المدفونة، ودراسة اللغة المصرية القديمة. وبدأت دراسة اللغة المصرية وجهتها العلمية بعد العثور مصادفة على حجر رشيد في عام ١٧٩٩، ومحاولة قراءة نصوصه، وهو حجر من البازلت الأسود عثر عليه خلال حفر خندق حول قلعة قايتباي "أو سان جوليان" برشيد، وحاول الفرنسيون أن يخرجوا به من مصر مع غيره من الآثار التي وجدوها في أرضها، ولكن هزيمتهم في أبي قير أدت إلى انتقال هذه الآثار ومن بينها حجر رشيد إلى المتحف البريطاني بلندن. نقشت على واجهة حجر رشيد سطور كثيرة، بقي منها ١٤ سطرا كتبت بالخط الهيروغليفي في أعلاه، و٣٢ سطرا كتبت بالخط الديموطي في وسطه، و٥٤ سطرا كتبت باللغة اليونانية في أسفله. وحاول قراءة هذه الخطوط عدد من الباحثين، منذ عام ١٨٠٢، وكان أكثرهم مثابرة أربعة: Akerblad, T. Young, S. De Sacy, And J.F. Champollicn كما كان أكثرهم توفيقا وحظا واستمرارا هو جان فرنسوا شامبليون وانتهت دراساتهم المتفرقة عام ١٨٢١ إلى أن نقوش الحجر تضمنت قرارا أصدره المصريون المجتمعون في منف في عام ١٩٦ق. م، وشكروا فيه الملك البطلمي إبيفانس على إعفاء معابدهم من تكاليف فرضها أسلافه عليها. وما نود أن ندع شكر الكهنة هذا بغير أن نعقب عليه بحقيقتين، وهما: أن الكاتب المصري كاتب الحجر تعمد أن يجعل كتابته الهيروغليفية المقدسة في أعلى الحجر، وسجل كتابته الديموطية الشعبية في وسطه، ونحى الكتابة الإغريقية لغة الملك البطلمي وبطانته إلى أسفله، وذلك مما قد يعني أن عجز المصريين المادي إزاء حكامهم البطالمة الأجانب لم يمنعهم من أن يتلمسوا كل سبيل يعبر عن قوميتهم الدفينة وينتقم لكرامتهم المغلوبة على أمرها، وذلك على الرغم من أن الحجر قد أقيم في منطقة غلب عليها النفوذ الإغريقي سواء أكان ذلك في رشيد نفسها أم كان قد نقل إليها من منطقة سايس. أما الحقيقة الثانية فتتمثل في أن ثناء الكهنة المصريين على الملك الأجنبي لم يمنعهم من أن يلمزوه في سياق النص بعبارات ضمنية، كانت منها عبارة تقول "إن الملك ثبت للمعابد ومصر تقاليدها وفقا للقانون" وكأنهم بعبارتهم هذه التي ضمنوها عامدين في سياق شكر الملك لم يروا فيما أثابهم به هذا البطلمي غير تسليم بما يأمر به التقليد أو العرف الواجب والقانون٣. فقد حجر رشيد عددا كبيرا من سطوره الهيروغليفية، ولكنه تضمن سطوره الديموطية والإغريقية شبه كاملة، ويسر على الباحثين قراءة نصوصه معرفتهم السابقة باللغة الإغريقية، وورود عبارة في النص

стр. 46

الإغريقي توصي بكتابة القرار بالكتابة المقدسة أي الهيروغليفية، والكتابة العامة أي الديموطية، فضلًا عن الكتابة الإغريقية، وذلك مما نم عن أن الكتابات الثلاث ليست غير ثلاث نسخ لقرار واحد. ووجد أولئك الباحثون ألفاظا كررت عدة مرات في النص الإغريقي وحاولوا التعرف على مرادفاتها في الكتابة المصرية، ومنها اسم بطلميوس نفسه، وألفاظ المعابد، والكهنة، إلخ. ولما كانت أسماء الأعلام لا تتغير حروفها تغيرا كبيرا بين لغة وأخرى، بدءوا بالتعرف على مرادف اسم الملك بطلميوس في الكتابة المصرية، ويسر ذلك لهم أن المصريين اعتادوا على تضمين أسماء الملوك في إطارات مستطيلة ملفوفة الأركان يطلق عليها اصطلاحا اسم الخراطيش. وبمقارنة هذا الاسم في نصي اللغتين الإغريقية والمصرية اهتدوا إلى التعرف على مدلول بضع علامات وحروف مصرية. ثم تكررت المحاولة على نقوش مسلة مصرية نقلت إلى بريطانيا في عام ١٨١٩ ونشرت صور نقوشها الهيروغليفية ونقوش أخرى إغريقية سجلت على قاعدتها، في عام ١٨٢١. وتضمنت هي الأخرى اسم بطلميوس واسم كليوباترة. وبالجمع بين الحروف المشتركة في الاسمين، وضح ثلاثة عشر حرفا ذات اثني عشر صوتا. وكانت محاولات أولئك الباحثين بمثابة مفاتيح أسرار اللغة المصرية التي استغلقت على من سبقوهم قرونا طويلة. واستمرت المحاولات حينذاك لقراءة أسماء مصرية وإغريقية ورومانية، مثل تحوتمس والإسكندر وبرينيكي ودوميشان وتراجان. واتصلت الدراسات بعد ذلك على الآثار وصفحات البردي جيلا بعد جيل، حتى أصبحت اللغة المصرية تعرف اليوم بما لم تعرف به لغة قديمة أخرى من الصحة والوضوح١. مر التنقيب عن الآثار الدفينة في عدة مراحل خلال القرن الماضي والقرن الحالي٢. فبدأ بمرحلة شغلت النصف الأول من القرن التاسع عشر، واستغلها طائفة من الأجانب كان أقلهم من المتخصصين العلماء وأكثرهم من الهواة وتجار الآثار بل ومن الأفاقين الذين اجتذبتهم شهرة كنوز مصر وفنونها وعجائبها، وشجعهم استعداد المتاحف الدولية وكبار الأثرياء العالميين على شراء كل ما يعرضونه عليهم منها. وعن طريقهم انتقلت كنوز كثيرة إلى الخارج. وأخذت الحكومة المصرية تهتم بالآثار منذ الربع الثالث للقرن ١٩، وتنبت فكرة إنشاء إدارة تُعنى بها منذ عهد محمد علي، ولكن هذه الفكرة تعثرت واكتفى الولاة بتخزين الآثار المكشفة في دار بالأزبكية حينا، وفي القلعة حينا آخر، حتى أحيا أوجست مارييت الدعوة من جديد في عهد سعيد، وأنشأت مصر متحفا منظما لأول مرة كان مقره في بولاق عام ١٨٥٩، وانتقل منها إلى الجيزة، ثم استقر في موضعه الحالي منذ عام ١٩٠٣، ونشط التنقيب عن الآثار في هذه الفترة بموافقة الدولة، وظهر جيل من الآثاريين واللغويين والمؤرخين، راعوا الحرص حين التنقيب عن الآثار وحين تجميعها، وراعوا الحرص على التعجيل بتسجيلها ونشر أوصافها ودراسة نصوصها. وقدروا الأهمية لكل شيء براقا كان أم غير براق.

стр. 47

وتوالت بعثات المؤسسات العلمية والجامعات الأجنبية منذ عام ١٨٩٠ إلى مصر، وزاد نشاطها العلمي خلال القرن العشرين. وأسهم معها وبعدها نفر من الباحثين المصريين في مجال الكشف الأثري والنشر العلمي والتحليل التاريخي ممن يعرفهم الجيل الحاضر من خلال سمعتهم ومؤلفاتهم. وعن طريق كل هذه الجهود، أصبح التاريخ المصري القديم بكل ما فيه من سياسة واجتماع ودين وأدب وعلم وفن، يعرف اليوم بنصيب من الترابط والدقة يزيد إلى حد ملحوظ عن نصيب غيره من تواريخ وحضارات الأمم القديمة الأخرى.

стр. 48

الكتاب الأول: مصر منذ فجر التاريخ حتى نهاية العصور الفرعونية الفصل الثالث: مصر في فجر تاريخها مدخل ... الكتاب الأول: مصر منذ فجر التاريخ حتى نهاية العصور الفرعونية الفصل الثالث: مصر في فجر تاريخها كاد يصرفني عن تقديم هذا الفصل عاملان، وهما: أن تفاصيله تعني المتخصصين في الآثار أكثر مما تعني غيرهم، وأن المحصول الحضاري لعصره، عصر فجر التاريخ، ليس غير محصول متواضع بالنسبة إلى ما ألفه العالم عن المظاهر الضخمة للحضارة المصرية في عصورها الفرعونية. ولكن عاودني بعد ذلك إحساس آخر ملح بضرورة كتابته، بناء على دافعين أيضًا، وهما: أن عصره قد امتد أكثر من عشرين قرنا وهذه فترة لا يمكن إغفالها من عمر الحضارة المصرية بحال من الأحوال، وأن آثاره وتطوراته على الرغم من بساطتها كانت هي الأساس الغفل للآثار التاريخية التي أتت بعدها. وللتوفيق بين الأمرين، تكتفي الصفحات التالية بمعالجة الخطوط العريضة في تصوير هذا العصر، أما تفاصيله فيمكن الرجوع إلى ما نشرناه عنها في كتابنا الأول في "حضارة مصر القديمة وآثارها"، وقد شغلت فيه نيفا ومائة وخمسين صفحة١. وقد مر بنا كيف وضح تعامل الإنسان مع بيئته في عصر بداية الزراعة، أو عصر فجر التاريخ، أكثر مما وضح في العصور السابقة له، وكيف وضح هذا التعامل في أظهر صوره على هيئة تحد بطيء متتابع، تحد بين الزارعين الجدد الذين رغبوا في الانتفاع بما يستطيعون استغلاله من أرضهم الخصبة وفيرة الماء والقادرة على الإنتاج، وبين وحشية هذه الأرض في أغلب أحوالها واحتياجها إلى جهد طويل وتهذيب وسيطرة حتى تؤتى أكلها حسبما يود أهلها٢.

стр. 49

في الفترة النيوليثية الحجرية الحديثة مدخل ... في الفترة النيوليثية الحجرية الحديثة: أخذ المصريون في بداية فجر تاريخهم بما أخذ به غيرهم من أصحاب المجتمعات الزراعية، فيما يختص بعلاقاتهم المكانية ووسائلهم الاقتصادية، فظلت جماعاتهم تحيا لفترات طويلة في وحدات صغيرة متفرقة، يتصل البعض منها بالبعض الآخر ولكن بمقدار، ويأخذ البعض منها عن البعض الآخر ولكن بمقدار، وإن كانت على الرغم من تفرقها لم تعدم في الوقت ذاته ملامح مشتركة قربت بينها، ولم تعدم فنونها على الرغم من بداءتها روحا من التشابه يؤاخي بينها، وذلك بحيث أصبح التنوع بينها تنوعا داخل وحدة كبيرة، ألا وهي وحدة الجنس ووحدة البيئة ووحدة المطالب المحدودة والكماليات المحدودة أيضًا، وعلى هذا الاعتبار نجد من التسميات الحضارية الاصطلاحية عن أوائل العصر النيوليثي أو العصر الحجري الحديث في مصر:

стр. 50

حضارة مرمدة بني سلامة في جنوب غرب الدلتا، وحضارة الفيوم في مدخل مصر الوسطى، ثم حضارة دير تاسا في أسيوط أي في قلب الصعيد. ولا تعني هذه التسميات أن النشاط في مصر اقتصر أمره على هذه القرى فحسب، وإنما هي تعني قبل كل شيء أن قراها "وقليلا غيرها"١ هي التي تم الكشف عن آثارها كشفا منظما حتى الآن. وقد أخذت كل حضارة منها بالخطوط العامة لتنوع حرف عصرها، من حيث الجمع بين الزراعة وتربية الحيوان والصيد، وصقل الأدوات الحجرية، وصناعة الفخار، وصناعة الحصير والسلال وغزل الكتان. ولكن تميزت كل منها عن الأخرى في أساليب صناعتها، وفي طرق بناء المساكن والمقابر فيها، وفي مدى ما بلغه أهلها من النجاح في أساليب الزينة والزخرف. وذلك ما سوف نوجزه فيما يلي:

стр. 51

في مرمدة بني سلامة: اتصفت آثار مرمدة بني سلمة بخصائص أربع، وهي: أنها عرفت نوعين من المساكن أحدهما بيضي القاعدة يُبنى من جواليص الطين في حفرة متسعة بحيث يظل ربعه تقريبا تحت مستوى سطح الأرض مما يؤدي إلى ثبات جدرانه وإلى حمايته من هبات الرياح. وينزل صاحبه إليه من خارجه على درجة من ساق فرس النهر أو قطعة غليظة من فرع شجرة. والنوع الآخر عبارة عن دروة بيضاوية القاعدة أيضًا تشيد من البوص قرب المزارع، ويلجأ الزارعون إلى مثلها في أوقات الراحة نهارا. ويبيتون فيها في ليالي الصيف ومواسم الحصاد١، كما يفعل أضرابهم من المزارعين حتى الآن. وظهرت الخاصية الثانية لمرمدة بني سلامة في أن أهلها اعتادوا على أن يدفنوا أغلب موتاهم بين مساكنهم ويرقدوهم على الجانب الأيمن بحيث يتجهون بوجوههم ناحية الشرق وناحية بيوتهم، دون أن يزودهم بقربان خاص فيما عدا حفنة من الحبوب قد توضع أحيانًا قرب أفواههم٢؛ اعتقادا منهم بأن دفنهم بين المساكن يغنيهم عن القربان ويهيئ لأرواحهم أن تشارك أهلها فيما يطعمونه ويشربونه في بيوتهم. ولا تكاد تشارك مرمدة في هذه الخاصية في عصرها غير قرية العمري قرب حلوان٣. أما بقية قرى القطر المعاصرة لها فقد اعتاد أهلها على دفن موتاهم خارج مساكنهم واهتموا بتوفير قرابينهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيل. وتمثلت الميزة الثالثة لمرمدة في أن بعض مساكنها التي اكتشفت آثارها الطفيفة "من النوع الأول" قد التزمت صفين شبه مستقيمين يفصل بينهما طريق ضيق٤ وذلك هو أقدم تخطيط عرف للقرى المصرية

стр. 52

حتى الآن، وأقدم دليل على نشأة نوع من التفاهم الاجتماعي، ووجود سلطة في القرية استحبت التنظيم وعملت على تنفيذه. واتصلت الخاصية الرابعة لمرمدة ببدايات الفنون، فقد فتح أصحاب الذوق الفني البدائي من أهلها مجالات جديدة لتشكيل الفخار والأحجار، وعثر لهم على جزء من آنية صغيرة شكلت قاعدتها على هيئة قدم بشرية دقيقة، وقدم أخرى كانت جزءًا من آنية مماثلة، وقطعة من الصلصال المحروق مثلث الجذع الأعلى لأنثى ترتدي قلادة "في بداءة كبيرة"١. وتعتبر هذه النماذج أقدم الخطوات المعروفة لتشكيل التماثيل المصرية الصغيرة في فجر التاريخ. وعثر لهم على نموذج صغير من الفخار لقارب٢، يغلب على الظن أن قاربه الأصيل كان يصنع من حزم البردي، ويعتبر بدوره من أقدم الشواهد على اعتياد أهل الفترات الأولى من العصر الحجري الحديث على ركوب متن النيل. ثم عثر لهم على كأس صغيرة نحتها صانعها من حجر البازلت٣، وتعتبر من ناحيتها من أقدم الأواني الحجرية الصلبة المعروفة.

стр. 53

في الفيوم: تعتبر حضارة الفيوم نموذجًا لحضارات بداية العصر الحجري الحديث في مصر الوسطى. وتشغل الفيوم منطقة من مناطق الحواف الصحراوية، وقد يسرت لها حياتها وعوضتها عن بعدها عن النيل في عصورها القديمة، بحيرتها الكبرى التي كانت عذبة الماء كثيرة الأسماك تستهوي صنوفًا عدة من الحيوانات، وتتصل بالنيل بفروع مائية، وذلك فضلًا عن خصوبة مدرجاتها التي سمحت بنمو النباتات الطبيعية فيها وصلاحيتها للزراعة. وشهدت هذه المنطقة حضارتين متواضعتين متعاقبتين في العصر الحجري الحديث: حضارة عاش أهلها فوق مدرج متسع عاصر مرحلة بلغ ارتفاع مستوى ماء البحيرة فيها عشرة أمتار فوق مستوى سطح البحر، أو نحو ١٨٠ قدمًا فوق مستوى مائها الحالي، وهي حضارة الفيوم١. ثم حضارة أخرى أعقبتها وعاش أهلها فوق مدرجين متسعين عاصرا مرحلتين بلغ ارتفاع مستوى ماء البحيرة فيهما أربعة أمتار ومترين على التوالي فوق مستوى سطح البحر، وهي حضارة الفيوم ب. وكشف في مدرج الحضارة أوهي الأهم، عن منطقة السكن وحدها دون منطقة المقابر، ولم يعثر فيها على أطلال ... ظاهرة، وإنما عثر فيها على مواقع المواقد التي كانت تتوسط المساكن، وعلى عدد كبير من أدوات الاستعمال اليومي مثل الأواني الفخارية ومراحي الحبوب وأدوات الزينة المتواضعة وبعض أدوات الزراعة والصيد.

стр. 54

ولوحظ من العادات الزراعية لأهل الفيوم أنهم خرجوا بمطامير غلالهم عن منطقة المساكن وحفروها فوق ربوة عالية بعض الشيء بعيدة عن مساكنهم، ورتبوها في ساحتين ترتفع إحداهما عن مستوى الأخرى بنحو تسعة أمتار١. وحفروا كل مطمورة منها على هيئة مستديرة تفاوت قطرها بين القدم وبين الأربعة أقدام، وتفاوت عمقها بين القدم وبين الثلاثة أقدام، وكسوا قاعها وجوانبها بأغشية من الخوص والقش والحصير وأعواد الأثل، كانوا يلصقونها بها بملاط من الطين. واحتفظت مطاميرهم ببقايا نادرة من الحنطة والشعير وبذور الكتان وبذور نباتات أخرى تفحم بعضها وبقي بعضها الآخر بحالة مقبولة حتى الآن٢. ونشب الجدل حول هذه المطامير بناء على ظاهرتين وهما: أنها تجمعت مع بعضها البعض في منطقتين متقاربتين، وأنها استقلت بنفسها عن منطقة السكن، وذلك على خلاف مطامير مرمدة التي عثر عليها فردية متفرقة بين المساكن أحيانًا وداخل المساكن نفسها أحيانًا أخرى. وحاول الأستاذ هرمان يونكر أن يفسر أسباب الاختلاف بين مطامير الحضارتين، مطامير الفيوم ومطامير مرمدة، فكان من رأيه أن اجتماعها مع بعضها في الفيوم يدل على شيوع الملكية الزراعية ومحاصيلها بين أصحابها، في حين يدل تفرقها في مرمدة على استقلال كل فرد من أصحابها بملكيته الزراعية ومحاصيلها٣، أو هو يدل على استقلال كل أسرة صغيرة بملكيتها. وقد يزكي فرض شيوع الملكية في الفيوم ما رواه بعض الرحالة عن قدم شيوعية الأرض والقوت لدى بعض الجماعات البدائية المتخلفة، وأن أرض الفيوم كانت ضيقة المساحة نسبيًّا ولا تتيح فرصًا كثيرة للتملك الفردي والأسري. ومع ذلك فثمة فرض آخر أبسط منه وأكثر منطقية وهو أن أهل الفيوم اضطروا إلى الابتعاد بمطاميرهم عن منطقة السكن خوفًا عليها من رطوبتها وانخفاض مستوى أرضها وقربها من شواطئ البحيرة٤، وأنهم تعمدوا جمع مطاميرهم في مكانتين متقاربين لتسهل عليهم حراستها.

стр. 55

في دير تاسا: مثلت حضارة دير تاسا في مديرية أسيوط حضارات الصعيد في بداية العصر الحجري الحديث، وقد عمل أهلها فيما عمل فيه بقية أهل القطر من حرف متواضعة، ثم امتازوا عمن سواهم بعدة أمور كان منها: أولًا- أن فخارهم كان أرقى نسبيًّا من فخار أهل المناطق الأخرى التي عاصرتهم، سواء من حيث الشكل أم من حيث الزخرف. فمن حيث الشكل صنعوا بعض كئوسهم على هيئات لطيفة تشبه هيئة زهرة اللوتس أو زهرة التبوليب "بغير ضرورة إلى الظن بأنهم عرفوا هذه الزهرة بالذات وقلدوا صورة كأسها". ومن حيث الزخرف تكونت زخارف هذه الكئوس من مثلثات وأشكال تخطيطية صوروها على سطوحها بطريقتين:

стр. 56

فرسموا بعضها بخطوط مستقيمة ومائلة كانت تحفر على سطح الكأس ثم تملأ بعجينة بيضاء، ورسموا بعضها الآخر بنقط محفورة متجاورة كانت تملأ كذلك بنفس العجينة البيضاء١. ثانيًا- أن عادات الدفن وعقائد الآخرة اتضحت في مقابرهم أكثر مما اتضحت به في مقابر المناطق الأخرى التي عاصرتهم. وكان المقبرة لديهم عبارة عن حفرة بيضية صغيرة ذات أركان ملفوفة، يكفن المتوفى فيها بلفائف من الجلد أو الكتان أو الحصير بما يتفق مع ثراء أهله، ويوسد على جانبه الأيسر في هيئة الإنشاء بحيث يتجه وجهه ناحية الغرب، وتوضع رأسه فوق وسادة من القش أو الكتان. وتوضع معه آنية أو أكثر من الفخار، وبعض الأدوات التي كان يستخدمها في حياته، فضلًا عن بعض الحلي وأدوات الزينة التي تخصه، والتي كان منها بالنسبة للنساء لوحات حجرية صغيرة رقيقة كن يستخدمنها في صحن الكحل الأخضر لتزجيج العيون وصحن المغرة الحمراء لتجميل الحدود٢. ويمكن تفسير العقائد المتصلة بهذه العادات بتعليلين وهما: أن وضع رأس المتوفى فوق وسادة يعني أن أهله أرادوا له أن يتخذ في قبره وضع النوم العادي، وقد يتصل بهذه الفكرة اتخاذه وضع القرفصاء أيضًا٣، أو أن هذا الوضع الأخير قد أوحى به ضيق مساحة الحفرة التي كانوا يستطيعون حفرها من أجله بأدواتهم المتواضعة في طبقات الحصباء والرمل بل وفي الصخر نفسه أحيانًا. ولا ضرورة مع هذا لرأي ثالث شاء أصحابه أن يمثلوا وضع القرفصاء للمتوفى في قبره بوضع الجنين في بطن أمه، فذلك رأي فاسق يصعب تصوره لأهل فجر التاريخ. أما وضع بعض أدوات المتوفى وأوانيه معه في قبره، فقد يدل على نوع من إعزار الأحياء له عن طريق التضحية من أجله ببعض متاعه وبعض متاعهم، أو يدل على أملهم في أن ينتفع بها بعد موته بطريقة تناسبه وبفضل ما يتلونه عليها من دعوات وتعاويذ. وعثر في بعض المقابر التاسية على ما يمكن أن يعتبر بداية التطور إلى استخدام التوابيت؛ إذ كان الطفل المتوفى يوسد أحيانًا في سلة شبه مستطلية من البوص والأغصان يغطيها حصير٤.

стр. 57

في الفترة الخالكوليثية النحاسية الحجرية: في البداري: استمر التطور في طريقه خلال فجر التاريخ المصري، وكانت خطوته التطورية الرئيسية بعد معرفة الزراعة، هي معرفة استخراج النحاس من أخلاطه الطبيعية واستخدامه في صناعة أدوات صغيرة "كما أسلفنا في صفحة ٣١". وأقدم الأماكن الأثرية التي عثر فيها على مصنوعاته في مصر هي قرية البداري

стр. 58

في مديرية أسيوط، ولو أن مصنوعاتها تلك كانت لا تزال في مراحلها المتواضعة الأولى، فاكتفى أهلها بأن صنعوا من النحاس مجموعات من الخرز الصغير استخدموها في صناعة الحلي، ومثاقب دقيقة طويلة استخدموها في ثقب الخرز الحجري، ودبابيس طويلة استخدموها في شبك أرديتهم الجلدية والكتانية١. ويذهب الرأي إلى رد حضارة البداري إلى النصف الثاني من الألف الخامس قبل ميلاد المسيح. وقد ورث أهلها مهارة أهل دير تاسا في زخارف فخارهم وفي عاداتهم وعقائدهم، ثم تطوروا بها إلى ما يناسب أذواقهم وأحوال عصرهم. ففي الفخار صنعوا أواني رقيقة الجدران للغاية لا يكاد يدانيها في رقتها فخار آخر سابق لها. وفي زخارف الفخار اتخذوا من أشكال ورق الشجر وغصون النبات بديلًا عن خطوط الرسم المستقيمة والمائلة التي عرفتها دير تاسا من قبلهم، وقللوا غور الرسوم المحفورة على سطوح أواني الزينة واكتفوا بأن أخرجوها في حفر مسطح بسيط يكاد يستوي مع سطح الآنية المصقول بحيث لا تلحظ العين عمقه إلا بعد تدقيق٢. وفي عادات الدفن استمر أهل البداري على العناية بموتاهم وبالأدوات التي توضع معهم، ثم بدءوا عادتين جديدتين وهما: وضع المتوفى على لوحة مسطحة، وتبطين جوانب المقبرة بالحصير٣. ويعتبر وضع المتوفى على اللوحة المسطحة مرحلة من مراحل التطور إلى فكرة وضعه داخل تابوت "وقد سبقتها مرحلة أخرى في دير تاسا بالنسبة لتوابيت الأطفال"، كما كان تبطين جوانب المقبرة بالحصير مرحلة من مراحل التطور إلى تبطينها بالخشب وتحديدها باللبن فيما تلا ذلك من عصور. وشغف البداريون بأدوات الزينة والترف المناسبة لعصرهم، ولم تكن هذه قاصرة على نسائهم، وإنما اعتاد رجالهم أيضًا أن يتزينوا بالأساور في المعاصم والدمالج٤. واستحبوا الأصداف والخرز في زينتهم، وسلكوا حبات الخرز في خيوط الكتان وشعر البقر واستخدموها قلائد وأساور ورصعوا بها أساور العاج، وتزينوا بقليل من الخواتم العاجية والعظيمة وشنوف الآذان وربما شنوف الأنوف أيضًا٥. وصنعوا أمشاطهم من العظم والعاج بأسنان طويلة وتفننوا في هيئاتها وشكلوا أجزاءها العليا على هيئة رءوس الطيور٦. وصنعوا إبرهم من النحاس فضلًا على العظم والعاج، واهتدوا إلى طريقة ثقبها٧، ولم يكن ذلك الاهتداء بالأمر الهين في شئون حياتهم اليومية على الرغم من بساطته. وكان أمتع ما خلفوه من الأدوات الرقيقة ملاعق من العاج، فقد صنعوها بأشكال لا تكاد تختلف عن أشكالها الحالية، ونوعوا تجاويفها بين هيئة المستطيل والبيضاوي

стр. 59

والمربع، وشكلوا مقابضها بأشكال حيوانية وحلزونية طريفة١، وكل ذلك على الرغم من أنهم عاشوا قبل عصرنا الحاضر بأكثر من ستة آلاف عام. واتجهت أذواقهم إلى الفن التشكيلي، أي فن التماثيل، وتخلفت في مقابرهم سبعة تماثيل نسائية صغيرة: أربعة من الصلصال واثنان من الفخار، وسابع من العاج. وقد اختلفت صناعتها بين البداوة وبين الإتقان باختلاف مهارة صناعها واختلاف أغراضها واختلاف المواد التي صنعت منها. وأبرعها تمثال من الفخار الملون لفتاة عارية بلغ تناسق جسمها حدًّا واضحًا من الإبداع لولا بروز عجزها الذي يحتمل أنه قصد لذاته، ولولا عدم تشكيل كفيها٢. وكان تمثالها فيما يغلب على الظن واحدًا من التماثيل التي اقتناها أصحاب الذوق السليم لوجه الفن وحده. وقد ضاع للأسف رأسه وجزء من ساقيه. وتمثال من العاج لفتاة عارية أيضًا كانت عيناه مرصعتين بمادة أخرى مثل المحار الأبيض أو قشر بيض النعام، وحاول صاحبه أن يظهر تفاصيله الدقيقة مثل فتحتي الأنف وإنسان العين وفارق الشعر من الخلف٣. وقد نرى في صناعة البداريين لبعض تماثيلهم من العاج ما يدل على رخاء مجتمعهم رخاءً نسبيًّا، وما يتفق مع رقي أذواقهم الذي دل عليه ما تخلف لهم من الملاعق والأمشاط، لولا أن تمثالهم العاجي الباقي هذا، تنقصه سلامة النسب التي ظهرت في تمثال الفخار، وتعيبه ضخامة الرأس وكبر الأنف واتساع محجري العينين بالنسبة إلى بقية جسمه. وقد يرجع ذلك إلى حداثة اشتغال صاحبه بنحت العاج. وقلد البداريون تشكيل هيئة الحيوان كما قلدوا هيئة الإنسان واستغلوا العاج، ويحتمل أنه عاج فيلة كانت لا تزال تغشى أرضهم، في صناعة أواني صغيرة، بعضها أسطواني، وبعضها كري، وبعضها مستطيل، وبعضها مزخرف بصفين من الحبيبات البارزة الدقيقة. وكانت أمثالها على الرغم من بساطتها، تعتبر في عصرها من تحف الزينة وتخصص لحفظ المساحيق والعجائن الثمينة. ونسبت إليهم آنية صغيرة ممتعة من العاج شكلوها على هيئة فرس النهر وجعلوا فتحتها فوق ظهرها. وعلى أية حال، فإن ما يمكن الخروج به من ذكر ما أسلفناه للتاسيين والبداريين في عادات الدفن وزخارف الفخار وحلي الزينة وتشكيل التماثيل، هو أن ما اشتهرت به العصور التاريخية المصرية من الإيمان بحياة أخرى، ومن المهارة الصناعية والذوق الفني المرهف وحب الزخرف، كل هذا نبتت بذوره في أرض مصر وبأيدي أهلها وامتدت جذوره إلى ما قبل عصورها التاريخية بقرون طويلة.

стр. 60

في حضارة نقادة الأولى: استمر التطور الحضاري في طريقه بعد عهد البداري، فزاد المصريون من استخدامهم للنحاس وارتقوا رقيًّا نسبيًّا بمساكنهم وبزخارف فخارهم، ومارسوا فن النقش، كما ارتقوا بصناعة الخناجر والأسلحة من

стр. 61

الظران. وتركزت أغلب الآثار التي تنم عن هذه التطورات في المنطقة المحيطة بنقادة بمحافظة قنا بالصعيد. وبدأت هذه المنطقة نشاطها الحضاري بطابع محلي خاص بها خلال عهد يسمى اصطلاحًا باسم عهد نقادة الأول، ثم اشتركت بهذا النشاط المحلي في نشاط حضاري آخر واسع شملها هي وأغلب مناطق الصعيد والدلتا في عهد يسمى اصطلاحًا باسم عهد نقادة الثاني. وقد تميز كل عهد منهما بخصائص وميزات نترك تفاصيلها لمجالات التخصص ويمكن الرجوع إليها في الجزء الأول من كتابنا عن حضارة مصر القديمة وآثارها، وحسبنا أن نستشهد هنا على رقي الحضارة النقادية في عهديها المتتابعين، الأول والثاني، بعرض نماذج مختارة من تطور أهلها المناسب لعصرهم بفنون الرسم والنقش، والمساكن والمقابر. كانت نقادة التي نسبت الحضارتان إليها مجرد جبانة لمدينة متحضرة ابتعدت عنها شمالًا بسبعة كيلومترات وهي مدينة نوبت "ربما بمعنى الذهبية لقربها من مصادر الذهب في الصحراء الشرقية" وقامت على أطلالها بلدة طوخ الحالية على الضفة اليسرى للنيل في محافظة قنا وفي مواجهة مدينة قفط. وليس من شيء مؤكد عن الأوضاع السياسية والدينية في هذه المدينة خلال عهد حضارتها الأولى، وكل ما يعرف عنها هو أن الأساطير القديمة احتفظت لمعبودها "ست" بذكرى واسعة واعتبرته ربًّا للصعيد كله، وذلك مما يحتمل معه أن أقاليم الصعيد أو أغلبها اعترفت بزعامة نوبت وسيادة معبودها في فترة من الفترات القديمة البعيدة. وظهرت الأهمية الأثرية لهذه المنطقة في القرن الماضي منذ اتخذ الأستاذ فلندرز بترى من أعداد أواني الفخار الكثيرة التي وجدها في مقابرها سبيلًا إلى رسم التتابع الزمني١ " Sequence Of Date" لآثار المنطقة وما يماثلها من آثار القطر المعاصرة لها، بعد أن تبين أنه ما من مقبرة من مقابرها خلت من الفخار وأنه ما من صناعة من صناعتها يمكن أن تعبر عن التطور المستمر أفضل من الفخار. واستعان في ترتيب أواني هذا الفخار بملاحظة التطورات الدقيقة في ألوانها وأشكالها ورسومها السطحية والمحفورة. وعمل على تقسيم أنواعها إلى تسع مجموعات رئيسية تتضمن كل منها في داخلها تقسيمات أخرى فرعية، ثم انتهى إلى تقسيم مراحل التطور فيها إلى خمسين مرحلة بدأها بالرقم ٣٠ وانتهى بها إلى رقم ٧٩، وتعمد أن يترك ما قبل الرقم الثلاثين لما يمكن أن يستجد الكشف عنه من آثار حضارات أخرى سبقت حضارة نقادة، واعتبر الرقم ٧٩ بداية للتطور الحضاري في أول العصور التاريخية خلال عصر الأسرة الفرعونية الأولى. وتعرضت تقسيماته هذه لتعديلات كثيرة، ولكن لا زالت فكرتها مقبولة في جملتها حتى الآن. كانت رسوم الفخار في نقادة الأولى رسومًا تخطيطية في مجملها اعتمدت على الخطوط المستقيمة والمائلة وملئت فراغاتها بخطوط أخرى بيضاء متقاطعة، وذلك مما دعا إلى تسمية فخارها باسم White Cross-Lined Pottery وصنعت هذه الأواني ذات الرسوم على هيئات عدة، كانت أطرافها أواني وكئوس بشعبتين، وثلاث شعب، بعضها بأربعة قوائم، وبعضها بقاعدة مرتفعة على هيئة٢ حرف" Y". واستأنف صناعها مراحل

стр. 62

التطور في الرسوم التي سبقتهم، فاستخدموا الطريقة التخطيطية والخطوط اللينة في تصوير طائفة من حيوانات بيئتهم وطائفة من مجالات نشاطهم البشري، وطائفة من التكوينات الزخرفة اللطيفة، ونماذج من قواربهم، في أشكال مختصرة سريعة أخرجوها في حيوية مقبولة. وبقي من مجموعاتها الناجحة ما يصور أربعة من أفراس النهر تدور خلف بعضها حول دائرة في قاع إناء مرة، وما يصورها تدور خلف بعضها حول أربع أسماك في قاع إناء آخر، وتتعاقب بعد بعضها في إطار إناء ثالث١. وصوروا بعض عاداتهم الاجتماعية تصويرًا بدائيًّا، فصوروا راقصين وراقصات يرقصون فرادى وجماعات ويؤدون حركات تمثيلية، ويزين رجالهم رءوسهم بريش طويل٢. ولكن ظل نجاحهم في تقليد ملامح الإنسان أقل من نجاحهم في تصوير هيئة الحيوان، فكانوا يعبرون عن رأس الإنسان بنقطة بيضاء لا تتضمن شيئًا من التفاصيل غير تصوير الشعر القصير للرجل وتصوير الشعر المرسل للأنثى، وعبروا عن الجذع العلوي للرجل بما يشبه هيئة المثلث المقلوب، وعبروا عن ساقيه بخطين متجاورين، وكان عجزهم عن تصوير تفاصيل الجسم البشري تصويرًا سليمًا يشبه عجز أهل العصور البدائية في الحضارات القديمة كلها عن تصوير أنفسهم. وصوروا صيد البر، ومن أطراف ما يستشهد به من مناظرهم، منظر صغير في قلب صفحة يصور صيادًا يحمل قوسه ويشد خلفه أربعة كلاب وينطلق في سبيله لصيد الظباء. وجمع الرسام في تنفيذ هذا المنظر الصغير بين الخطوط الحادة والخطوط اللينة، واتضحت له خلاله عدة محاولات لتوضيح مفردات رسمه، فرتب الكلاب في صف رأسي حتى يظهر كل كلب منها بصورته كاملة، عوضًا عن رسمها على حالها في الطبيعة يختلط بعضها ببعض ويخفى بعضها بعضًا، وعبر عن بيئة الصيد بوسائله البسيطة فصور في محيط منظره مثلثات صغيرة تعبر عن التلال، وصور في طريقه فروعًا نباتية صغيرة تعبر عن الأشجار، وحاول أن يظهر أكبر قسط من جسم الصياد، فصوره من زاويتين، بأن رسم صدره وكتفيه من الأمام، ورسم بقية جسمه من الجانب٣. وجرت أغلب الرسوم الناقدية على المنوال نفسه، في تصوير الإنسان والحيوان، فظلت تصور مفردات رسمها مستقلة عن بعضها، الواحد منها فوق الآخر أو بجانب الآخر، دون أن يخفيه أو يقاطعه. واعتادت على أن تصور ذوات الأربع من الجانب فيما خلا القرنين إذا كانا مقوسين مثل قرون الثيران فقد اعتادت على تصويرهما من الأمام٤. وعلى الرغم من بساطة هذه الوسائل، أصبح بعضها من مستلزمات الرسم المصري في أغلب عصوره، فظل الرجل يصور من أكثر من زاوية واحدة في آن واحد، وظل الرسامون يحرصون على إظهار مفردات رسمهم مستقلة بعضها عن بعض، عن طريق ترتيبها خلف بعضها أو تصويرها على مبعدة من بعضها. وسوف نرى أمثال هذه الوسائل لبقية فنون الأمم الشرقية الأخرى.

стр. 63

وبدأ النقاديون تصوير الدوائر المنتظمة في زخارفهم، وارتقوا برسم الإطارات حول صورهم١. وامتاز بعضهم بدقة الملاحظة وبراعة التسجيل في تصوير قواربهم، وبقيت من صور هذه القوارب صورة قارب رسمه الرسام بمجاديفه في وضع جانبي كامل، وصورة قارب آخر رسمه بمجاذيفه في مسقط أفقي كامل٢، كما لو كان قد وقف فوق الشاطئ ورسم أجزاءه الظاهرة فوق الماء دون أجزائه المختفية تحته. ولم يكن تصوير هذه المساقط بالأمر الهين بالنسبة لعصره. واستغل الفنانون سطوح الصلايات لممارسة فن النقش على الحجر، فنقشوا وخدشوا على بعض سطوحها هيئات الفيلة والتماسيح وغيرها، نقشًا غائرًا أوليًّا متواضعًا٣. ثم واصلوا الخطى البسيطة البطيئة في سبيل النقش البارز والمجسم، فجسموا هيئات أفراس النهر والتماسيح والعظايا الكبيرة على جوانب بعض أوانيهم الفخارية وعلى أغطيتها، وعلى الأطراف العليا لبعض صلاياتهم٤. وحملوا بعض هذه المجسمات عقائدهم الدينية، ومما يستشهد به منها آنية طويلة جسمت على جوانبها رأس وقرن بقرة وذراعان بشريتان تقدمان ثديين، رمزًا لربة الخصب أو ربة مدينة نوبت٥. واعتاد أهل نقادة على أن يميزوا بعض أوانيهم بعلامات مفردة مختصرة تمثل حيوانات ونباتات وخطوطًا مستقيمة ومتقاطعة. ورمزت أغلب هذه العلامات إلى أصحاب الأواني وصناعها، ورمز بعضها إلى معبودات أصحابه٦. كما نم بعضها عن الأوضاع السياسية في عصره، فجسم أحدها هيئة تاج الوجه البحري على وجه آنية لأول مرة في الآثار المصرية٧. وصور آخر صقرًا ينهض فوق إطار مستطيل أصبح يرمز في العصور التالية إلى واجهة قصر الملك الحاكم. واستمرت صناعة التماثيل الصغيرة من الصلصال والفخار، وظل أغلبها لنساء، ربما لأن صناعها الرجال كانوا يؤثرون تمثيل الجنس الآخر شأنهم شأن كل فنان مبتدئ، أو لأن عقائد ما بعد الموت تطلبتها، كما تطلبتها منذ حضارة البداري، كي ترمز إلى الزوجات والجواري اللائي يتمنى المتوفى أن يكفلن له الذراري

стр. 64

في حياته الثانية، أو ترمز إلى الراقصات اللائي يتمناهن لمتعته في الآخرة، أو ترمز إلى الربات اللائي يتمنى أن يسبغن عليه الحماية حين يبعث ثانية. وصنع أهل نقادة تماثيل بدائية أخرى لرجال، مثلوا فيها أسرى قيدت سواعدهم خلف ظهورهم. واستغلوا ليونة الصلصال وسهولة عمل الفخار في تشكيل مجموعات صغيرة متواضعة تمثل ما يقوم به الخدم والأتباع١. وكانوا يضعونها مع المتوفى في قبره أملا في أن تحقق له بعض الفوائد في عالمه الآخر. ثم مارسوا فنهم التشكيلي بأسلوب آخر، فشكلوا بعض صلاياتهم على هيئة أفراس النهر والسلاحف والأسماك، واكتفوا في تشكيلها بتحديد الخطوط العامة للحيوان الذي تمثله٢. ونحتوا من أنياب العاج تماثيل رجال ونساء تبدو ملامح وجوههم أكثر وضوحًا من أمثالها في تماثيل الصلصال. وتمتاز التماثيل النسوية منها باختلاف أوضاع أيديها، فقد تكون اليدان على الجانبين أو تحت الثديين أو تستران العورة في حياء لطيف٣، غير أنها في مجملها تتصف بالنحافة والاستطالة، ربما بما يناسب قطع العاج المستطيلة التي صنعت منها. كما تتصف بالتصاق الساقين بحيث لا يفصلهما في أغلب أحوالهما غير حز طويل أو شق ضيق، رغبة فيما يبدو في تقليل تعرضهما للكسر. وطعم النقاديون عيون بعض تماثيلهم بخرزات ملونة من حجر الدهن وقطع المحار الأبيض وقشر بيض النعام٤، وصوروا قلائدها على أجسامها بالألوان. وهكذا تعددت مجالات الإنتاج أمام صناع الفخار المزخرف والنقوش وصناع التماثيل الأوائل في نقادة وإذا كان المعروف من إنتاجهم لا يصل على حج الإجادة، فإن ذلك قد يرجع إلى عامل الصدفة، وقد تؤدي الكشوف المستقبلة إلى معرفة المزيد من وجوه نشاطهم. والمرجح أن تعدد مجالات إنتاجهم في الكماليات كان يقابله نشاط مماثل في إنتاج الضروريات أيضًا. وصنع النقاديون في أواخر عهدهم خناجر لا تختلف عن خناجر العصور التاريخية في شيء كثير، سواء من حيث هيئتها المسلوبة، أم من حيث تثبيتها في مقابض تناسب قبضة اليد، أم حفظها في قراب من الجلد. وظل أصحابها يصنعون أغلب نصالها من الظران، ولكنها لم تعد كنصال الظران التي صنعها أسلافهم حتى عهد البداري، وإما أصبحت نصالًا ينتقي لها صناعها المحترفون أجود أنواع الظران عن قصد ويسوونها ويرققونها بعناية كبيرة. وصنعوا مع الخناجر سكاكين رقيقة جميلة على هيئة المعين خصصوها للاستعمال الخاص، وبدءوا يصنعون سكاكين أخرى ذات أطراف مقوسة تقويسًا قليلًا وسطوح مموجة على هيئة أوراق الشجر٥. وأمكن ترسم علاقات نقادة الأولى بجيرانها في مصر وخارجها، فدل تجسيم هيئة التاج الأحمر الشمالي

стр. 65

على إحدى أوانيها، على استمرار الصلات بينها في الصعيد وبين حضارات الوجه البحري ووحداته السياسية. وكان سبيل الاتصال ميسرًا بينهما عن طريق البر وعلى متن النيل الذي كانت تسلكه زوارق الفريقين. ورأى هورنبلاور في التماثيل العاجية النقادية شبهًا بتماثيل حضارات فجر التاريخ في بلاد النهرين ودليلًا على قيام الصلات بينهما "وإن سمى هذه الحضارات خطأ باسم الحضارة السومرية"، واستشهد على اعتقاده بتصوير مركب ذات مقدمة مرتفعة على آنية نقادية، وكانت المراكب ذات المقدمات المرتفعة مراكب عراقية في رأيه. وقد لا تستقيم حرفية هاتين القرينتين، ولو أن سبل الاتصال بين مصر وبين الحضارات الآسيوية القريبة كانت ممكنة نظريًّا عن طريق وادي الحمامات والبحر الأحمر بالنسبة لأهل الصعيد، وعن طريق برزخ السويس بالنسبة لأهل الوجه البحري. واعتبر فنكلر رسل هذه الاتصالات من الجانب المصري جماعات من سكان الصحراء الشرقية سماهم باسم أهل الجبال المحليين وتمثلهم في أجداد العبابدة والبشاريين الحاليين وعقد الأواصر بينهم وبين أهل حضارة نقادة الأولى على أساس ظهورهم في صورهم يرتدون قراب العودة مثلهم١.

стр. 66

في حضارة نقادة الثانية: اتسعت مجالات العمل الإقليمي في إقليم نقادة وما حولها في عهدها الثاني اتساعًا نسبيًّا، ثم انتشرت تقاليدها الصناعية والفنية بين بعض جيرانها في شمال الوادي وجنوبه حتى بلغت النوبة. واتسعت اتصالات مصر ببلاد الشرق القديم حينذاك اتساعًا نسبيًّا كذلك وأخذت منها وأعطت لها، وتخلفت حتى الآن من شواهد تعاملها معها تعاملًا مباشرًا أو غير مباشر، قطع من السبج "الأوبسديان" الأسود الثمين الذي يحتمل أنه وصلها من الحبشة، وقطع من اللازورد الذي يحتمل أنه وصلها من الحبشة أيضًا أو من أعالي الفرات، وخرزات من السنباذج والفضة والذهب تختلف الآراء فيما إذا كانت معادنها من مصر أو من خارجها، فضلًا عن أدوات صغيرة عثر عليها في ميناء جبيل "ببلوس" بلبنان تشابهت خصائصها مع خصائص الأدوات المصرية، ويمكن أن يفهم منها قيام التبادل، بين مصر وبين بعض مدن الشام في عهد الحضارة النقادية الثانية١. وتوسع النقاديون في استخدام النحاس في صناعاتهم المحلية، فصنعوا منه ملاعق ومدى وأواني صغيرة وأغطية لبعض القدور وأزاميل ورءوس فئوس وخناجر ورءوس حراب، ونسبت إلى عهدهم رأس فأس نحاسية تزن أكثر من كيلوجرم٢. وعاد نشاد العهد الجديد على أهله برخاء مناسب ظهر أثره في ثراء مقابر نقادة بعض الشيء عن مقابر العهود السابقة، وظهر أثره في ارتقاء أذواق أهلها وتطور مهاراتهم في الرسم والنقش وصناعة التماثيل الصغيرة وصناعة الأسلحة وبناء المساكن والمقابر، وابتداع وسائل تسلية مهذبة.

стр. 67

فلقد ميز أهل نقادة الثانية رسوم أواني الزينة الفخارية بأن زادوا فيها صور الأحياء والنباتات والمراكب، وزخارف حلزونية ومتموجة، وخطوطًا متموجة مفردة ومتشابكة، وملئوا فراغات المثلثات باللون الأحمر عوضًا عن الخطوط البيضاء المتقاطعة التي اعتاد أسلافهم عليها. واستخدموها في أغراض الزخرفة، وفي أغراض أخرى لها صلتها بعقائد الدين وعالم الموتى١. واستمروا يصورون الرجال والنساء في هيئات تخطيطية مختصرة، ولكنهم أضافوا إليها تجديدات يسيرة مثل تصفيف شعر الأنثى على هيئة مستديرة، والتعبير عن نشاط الرجل في حياته العملية بتقديم إحدى ساقيه عن الأخرى "والساق اليسرى بخاصة"، وذلك على عكس ساق الأنثى المتجاورتين، وتصوير يده اليسرى تقبض على عصا أو قوس أو رمح أو مجذاف٢، ثم صوروا النساء والرجال في مجالات الرقص الديني والدنيوي، وكانت الراقصة ترفع يديها حين الرقص فوق رأسها أو تضع يديها على خاصرتها، أو تضع يدًا على خاصرتها وتتماسك بالأخرى مع زميلها أو زميلتها، وترقص منفردة أو مع رفيقاتها ورفاقها. وترقص بغير أصوات تصاحبها، أو ترقص على أصوات المصفقات التي يصفق بها رجال ونساء، وترقص على الأرض أو ترقص على سطح مركب أو داخل قمرتها٣. وأخرج الرسام النقادي فيما بقي من صوره الممتعة الناجحة منظرين: منظرًا مثل راعيًا يسوق قطيعًا من الماعز الجبلي رسمه حول مسطح آنية لا يزيد أوسع قطر لها عن ستة سنتيمترات، والتزم في تصوير القطيع خاصية ترتيب المفردات التي التزمها فنان نقادة الأولى، فصور الماعز تسير واحدة منها تلو أخرى على الرغم من سيرها في الطبيعة جنبًا إلى جنبًا أو مختلطة ببعضها في غير نظام٤. ومنظر لكبشين أقرنين واجه كل منهما الآخر في تحفز وفي حيوية ممتعة وقد وقفا معًا فوق ربوة تنبت الأشجار فوقها داخل نطاق الصورة، وصور على معبدة منها عنزة صغيرة فوق خط يمثل الأرضية التي تقف عليها، عوضًا عن رسمها في الفراغ على نحو ما اعتاد أغلب الرسامين في عهده٥. وظهرت في رسوم نقادة إلى جانب حيواناتها الأليفة طيور مائية طويلة العنق طويلة الساقين، وهي طيور النحام أو البشروش، كانت تعيش بوفرة في البحيرات المصرية الشمالية، وغالبًا ما صورت في مجموعات وفي وضع الوقوف وبخطوطها العامة دون تفصيل٦. وزاد تصوير المراكب على أواني الفخار، ونم ذلك عن زيادة حاجة أهلها إليها وكثرة استخدامهم لها في أغراض السفر في النيل وترعه، وأغراض نقل المنتوجات، فضلًا عن نقل الأفراد ونقل رفات الموتى

стр. 68

من ضفة إلى أخرى. وأضاف W.F. Petrie, Ch. Boreux And H. Kantor، أنها بدأت تستخدم منذ ذلك الحين في الملاحة البحرية أيضًا. وظهرت المراكب في صورها بقمرتين أو "كابينين" من سيقان الغاب والنباتات المجدولة كان يفصل بينهما ممر ضيق مكشوف أو مسقوف، وبجريدة نخل طويلة تراوحت أعداد فروعها من واحد إلى خمسة، وهذه كانت تضفي نصيبًا من الزينة المتواضعة على المركب، وتميز بين كل مركب وأخرى، وتضفي الظل على الملاح الذي يجلس تحتها فوق مقعد متواضع صغير. وكان يميز كل مركب منها صار طويل يرفع فوق قمته رمزًا صغيرًا مشكلًا على هيئة حيوان أو طائر أو نبات أو أداة صيد أو أداة حرب أو مظهر بيئي مثل التلال، ويرمز إلى صاحب المركب أو يرمز إلى بلده ومعبودها١. وبلغت صناعة الأسلحة من الظران ذروة رقيها في عهد نقادة الثاني، وازدادت فيها السكاكين مموجة السطوح ذات الطرف المقوس على هيئة ورق الشجر رقة وجمالًا، وكان بعضها يثبت في مقابض من العاج والخشب، وقد ينقش المقبض بصورة تناسبه ثم يغشى برقائق الذهب٢. واستخدم النقاديون رءوس حراب أو رءوس مزاريق مشرشرة الحواف تنفرج نهايتها في شعبتين على هيئة ذيل السمكة٣. وسايرت الخناجر النحاسية صناعة الخناجر من الظران وسارت في تطورها من القصر والاستعراض إلى الدقة والطول ولكنها ظلت أقل شيوعًا من أسلحة الظران حتى أوائل العصور التاريخية على أقل تقدير. وما لبثت النقوش النقادية حتى طغت على الرسوم واحتلت مكانتها في إشباع أذواق أهلها وفي التعبير عن أفكارهم وأساطيرهم، وحدث ذلك نتيجة لأمرين، وهما: انصراف أذواق الطوائف الثرية والمتوسطة عن أواني الفخار المرسومة إلى أواني الحجر إيثارًا لمتانتها وبعد أن اكتسب صناعها خبرة وافية فصنعوها بوفرة وإتقان. وأن الأواني الحجرية الجدية لم تكن بحاجة إلى التحلية بالرسم وكانت تكفيها جودة الحجر وجودة الصقل وسلامة الذوق. وقد أبدع صناعها نماذجها الغالية بالفعل، وصنعوها من الأحجار دقيقة الحبيبات ذات التموجات متعددة الألوان، وشكلوها على هيئات أسطوانية وشبه بيضية وشبه كرية، وهيئات تشبيهها هيئات القناني الحالي، وهيئات الحمام والأسماك والسلاحف والفيلة وأفراس النهر والكلاب٤. وربما بما

стр. 69

يشبه هيئة الجمل البارك أيضًا وإن لم يخل هذا الشكل الأخير من الشك١. وكان لا بد لوسائل التعبير التصويرية أن تتلمس سبيلًا آخر غير سطوح الفخار وسطوح الأواني الحجرية، وقد وجد أصحابها مسطحات تناسبها على سطوح أمشاط عريضة فاخرة من العاج كانوا يزخرفون بعض رءوسها على هيئات الطيور والحيوانات ووجه الإنسان، وعلى سطوح مقابض عاجية صغيرة كانوا يثبتوت خناجرهم فيها، وعلى سطوح الصلايات الأردوازية الرقيقة، وعلى سطوح رءوس مقاطع القتال الكبيرة الفاخرة. وعبر مهرة الفنانين عن كفايتهم في النقش على هذه السطوح، فنقس أحدهم ٢١٨ صورة دقيقة لحيوانات مختلفة في صفوف أفقية على مقبض سكين لا يتعدى عرضه سنتيمترات قليلة٢. ونقش آخر صورة فيل يطأ ثعبانًا ضخمًا ضمن مجموعة من الحيوانات، فأظهر تفاصيل جسده في دقة بالغة وحيوية فياضة على الرغم من صغر مساحة السطح الذي نقش صورته عليه٣. ومن أمتع ما نقشه الفنان النقادي على سطوح الصلايات صورة ظبيين متقابلين يتناجيان، صورهما في حيوية فريدة وخطوط متمكنة بسيطة٤. ثم صورة صائد يتعقب ثلاث نعامات، وقد تقنع بقناع يشبه رأس النعام ليضللها أو يطمئنها، وأمسك عصا بيسراه وسارت النعامات أمامه في غير خوف وكأنه يرعاها. وصور صانع هذه الصلاية أشكاله في غير تفصيل كبير ولا إتقان كبير، ولكنه أزال طبقة من الأرضيات التي تتخللها فبدت هيئاتها ممتلئة بارزة واضحة، وطعم عيونها بأصداف صغيرة، وشكل حافة الصلاية فوقها على هيئة طائر عظيم مرتفع الجناح واضح الريش وطعم عينيه وريشه بأصداف صغيرة أخرى٥. واستمر الفنانون يعتبرون عالم الحيوانات والنباتات مجالًا خصبًا للتعبير عن أفكار عصرهم وأحداثه وخيلاته وأذواقه. فكرروا نقش صور النخيل والظراف على الصلايات٦، وتفننوا في تصوير آكلات اللحوم بشراستها وبطشها، وتصوير آكلات العشب في مرحها وفي حالات فزعها وضعف حيلتها٧. ثم أضافوا

стр. 70

إليها من بنات أفكارهم كائنات خرافية توهموها تغشى الفيافي الواسعة المحيطة بواديهم، وتخيلوها بحسوم الأسود والفهود وأعناق الزراف والثعابين وأجنحة العقبان، وتخيلوا منها كائنات مخيفة تروع حيوانات بيئاتهم، وكائنات أخرى حارسة أحاطوا بصورها إطارات الموضوعات التي نقشوها على صلاياتهم. وظلت أكثر الخطوط والصور شيوعًا في لوحاتهم هي تصوير حيوانين خرافيين حول بؤرة الصلاية يحيطانها بعنقيهما الطويلتين وتنعقد رأساهما فوقها، أو تصوير حيوانين حول إطاري الصلاية بحيث يطلان برأسيهما فوق حافتيها وكأنهما يحميان مناظرها١. وكان من الطبيعي أن يساير رقي النقاديين النسبي في الصناعة والفن رقي آخر نسبي في بناء مساكنهم وحفر مقابرهم، وفي وسائل التسلية في مجتمعهم. فقد عثر في قبر بالمحاسنة على نموذج صغير من الصلصال الجاف لمسكن مستطيل الشكل مبني من اللبن٢، يذهب الرأي إلى أن بعديه الحقيقيين كانا ٨ أمتار طولًا ٥.٧٠ من الأمتار عرضًا. وكانت واجهته مائلة الجوانب يزداد اتساعها في أسفلها عن اتساعها في أعلاها لمساعدة رصات اللبن على الثبات وتخفيف الضغط العلوي عليها. وتوسطها مدخل ضيق صنع قائماه الجانبيان وعتبه العلوي من الخشب وظهرت له شراعة علوية لإدخال الضوء، ثبتت تحتها طيلة أسطوانية من الخشب كان أصحاب المسكن يلفون عليها حصيرًا يجذبونه إلى أسفل ليستر المدخل وليقوم فيه مقام الباب. وتوسطت الجزء العلوي من الواجهة الخلفية للمسكن نافذتان ضيقتان دعمت كل منهما بعارضة سفلية وعارضة علوية من الخشب. وكان داخل المسكن عبارة عن فناء وبضع حجرات جانبية، وربما قامت في حجراته أعمدة خشبية متواضعة للمساعدة في حمل السقوف المسطحة. وكان تشييد المساكن من قوالب اللبن المنتظمة الشكل مرحلة تقدمية في فن البناء، وظلت هي المادة المفضلة للمساكن العادية خلال العصور التاريخية، لرخص تكاليفها وتوافر موادها الأولية وصلاحيتها للبيئة الحارة. واستمرت المساكن المسدية من البوص وفروع الأشجار تخدم أغراضها إلى جانب البيوت من اللبن ولكنها لم تقتصر على أشكالها المتواضعة القديمة وإنما ظهرت معها مساكن مربعة المساحة مرتفعة مسطحة السقوف صورت نقوش مقبض سكين فاخرة واحدًا منها، فظهر بثلاث مداخل، وتداخلت في تكوين واجهته ألياف البردي مع سيقان الغاب طولًا وعرضًا على هيئة نسيج الحصير، وبرزت الأطراف العليا لسيقان الغاب عمودية فوق الواجهة بشكل لطيف٣. ونسب فلندرز بترى إلى أهل نقادة صورًا طريفة من الرقي الفكري قد لا يبرأ بعضها من الشك والنقد فهو يعتقد على سبيل المثال أن العلامات التي خطوها على أوانيهم الفخارية لترمز إلى أصحابها أو صانعيها،

стр. 71

لم تكن مجرد رموز عشوائية، وإنما كانت علامات كتابية تخطيطية بدأت شخصية ثم شاع بعضها وأصبح أداة خطية من أدوات التفاهم بين الناس. وظهرت٣٠ علامة من هذه العلامات فيما يرى بترى، خلال عهد نقادة الأول، ثم اختفت ست منها في عهد نقادة الثاني وحلت محلها ١٤ علامة جديدة. وعلى حين استخدم بعض أهل نقادة هذه العلامات التخطيطية في تفاهمهم الكتابي، اتجه بعضهم الآخر إلى التعبير عن أغراضه برسوم تصويرية مثل صورة الشمس وهيئة الذراعين المرفوعتين إلى أعلى وهيئة التلال الثلاثة المتجاورة، واستمرت صورهم الكتابية هذه في طريقها حتى طغت على العلامات التخطيطية وأصحبت أكثر قبولًا عنها وأكثر شيوعًا منها، ثم جدت عليها علامات هجائية قليلة منذ أواخر حضارة نقادة الثانية، وورثتهما العصور التاريخية فيما ورثته من تراث العصور السابقة لها. وأضاف بترى أن العلامات التخطيطية لم تختف تمامًا على الرغم من انزوائها، وإنما اقتصر استعمالها على بعض الطبقات العادية وبلغ عددها خلال عصر الأسرة الأولى ٥٣ علامة، واستمرت في هذه الطبقات فيما يعتقد حتى الدولة الوسطى على أقل تقدير، وظهرت معها في تخطيطات عصر الأسرة الثانية عشرة ثلاث علامات جديدة، وكتب بها رجال المناجم في شبه جزيرة سيناء ثم فارقت هذه العلامات موطنها المصري، واحتضنها الكنعانيون الذين تعلموها شيئًا فشيئًا من نصوص سيناء وتعلموا معها النظرية المصرية في استخدام شكل معين للتعبير عن أول حرف هجائي من اسمه، ثم خرجوا مما تعلموه باثنتين وعشرين علامة هجائية كتبوا بها نصوصهم وتعلمها عنهم أهل جنوب شبه الجزيرة العربية، كما اقتبس بعضها منهم قدماء الإغريق وزودوا بها كتابتهم المقطعية القديمة١. وكشفت حفائر المحاسنة عن لوحة من الطين استخدمها صاحبها للعب الدامة "أو السيجة". وقسم سطحها إلى ثلاثة صفوف، وقسم كل صف إلى ستة مربعات، ووضعها فوق قوائم طينية منفصلة٢. وأضاف بترى إلى هذه الوسيلة المتواضعة للتسلية، قوائم مستطيلة صغيرة وجدها في المقابر وصنعها أصحابها من الكوارتز والألباستر والسماق والعقيق الأحمر والحجر الجيري، وعددًا من الكرات الحجرية الصغيرة "تشبه البلي" وقطعًا حجرية صغيرة شكلت على هيئة الأواني المصمتة "وتشبه قطع الشطرنج"، واعتبرها جميعها تؤلف لعبة راقية تنصب فيها ثلاثة قوائم على هيئة البوابة وترص القطع الصغيرة التي تشبه الأواني وراءها، ثم يرمي اللاعب بالكرات من أمام البوابة الصغيرة ليسقط عددًا من الأواني في المرة الواحدة٣. ولا تخلو هذه الصورة التي رسمها بترى لأذواق أهل نقادة ووسائل تسليتهم من شك كبير، لولا أن يبدو أنه ما من سبيل لتخمين الغرض منها على غير النحو الذي تخيله لها. وتنوعت أساليب مقابر نقادة الثانية كما تنوعت أساليب بيوتها. فظلت المقابر العادية على حالها القديم لا تعدو حفرة العمق بيضية أو دائرية أو شبه مستطيلة. بينما سلك التطور سبيلًا آخر في المقابر الثرية.

стр. 72

نوعًا والمتأخرة في الزمن نوعًا، واتجه أكثر ما اتجه نحو تحديد جوانب حفرة المقبرة وتقويتها. واتبع أصحاب المقابر في سبيل تنفيذ هذا الغرض وسائل كثيرة كانت منها تكسية جدرانها الداخلية بطمي سميك ثم بالبوص أو الحصير، أو تكسيتها بألواح خشبية. وتتابعت الخطوات بعد ذلك لتدعيم جوانب الحفرة عن طريق تحديدها من الداخل بجواليص الطين أو قوالب اللبن ثم كساء الجدران نفسها بألواح خشبية أحيانًا١. وأفضت هذه الخطوات إلى تحويل الحفرة إلى حجرات. ثم عاد النقادون الأواخر فاستحبوا تقسيم الحجرة المبنية بقوالب اللبن تحت سطح الأرض إلى حجرات، وبدءوا تقسيمها قبيل بداية العصور التاريخية حجرتين: حجرة كبيرة للجثة وحاجياتها الثمينة، وأخرى صغيرة للأواني العادية٢. وانتقلوا من ذلك إلى تقسيم الحجرة الصغيرة نفسها إلى حجرتين، فأصبحت حجرات المقبرة ثلاثًا٣.

стр. 73

بين الصعيد وبين الدلتا: تشعبت آراء المؤرخين عن أصحاب الحضارة النقادية الثانية وعن موطنهم الأصلي وعن الطريقة التي فرضوا بها حضارتهم على أصحاب الحضارة الأولى. ولن نطيل هنا في عرض هذه الآراء ومناقشتها وإنما يكفي أن نقول إنها اتجهت اتجاهين رئيسيين: اتجاهًا افترض أن أصحابها وفدوا على وادي النيل من منطقة قريبة منه مثل جبال البحر الأحمر وشبه جزيرة سيناء وشمال الحجاز١. واتجاهًا آخر افترض أن أصحابها كانوا من أهل الوجه البحري أي من أهل مصر نفسها٢. وقد أيدنا هذا الاتجاه الأخير في الجزء الأول من كتابنا عن حضارة مصر القديمة وآثارها، بأدلة من نماذج الرسوم وأشكال الأواني الحجرية والفخارية وصور المراكب ورموزها وطرز مقاطع القتال وغيرها٣، ويؤدي بنا هذا الرأي إلى حديث قصير عن الوجه البحري وظروفه القديمة. فقد ظلت مناطق الوجه البحري أقل حظًّا من مناطق الوجه القبلي فيما بقي من آثارها الحضارية القديمة، يستوي في ذلك حظها من آثار فجر التاريخ وحظها من آثار العصور التاريخية نفسها. وترجع أسباب هذه

стр. 74

القلة إلى الظروف الطبيعية والبيئية التي أحاطت بالدلتا القديمة، من حيث انخفاض أرضها، وكثرة فروعها المائية، وشدة طغيان الفيضانات عليها، وكثرة ترسيب الطمي فيها، وانتشار المناقع في مناطقها الشمالية، وما ترتب على ذلك كله من ارتفاع نسبة الرطوبة في تربتها وسرعة تحلل الآثار فيها. ولكن ظروف الدلتا القديمة كان ذات شقين ولم تكن شرًّا كلها، فليس من المستبعد أن كثرة تعرض أراضيها لأخطار الفيضان كانت حافزًا لأهلها على مداومة الكفاح والأخذ بأسباب التعاون والتقارب لدرء هذه الأخطار عن أراضي الزراعة وأراضي المساكن. وليس من المستبعد كذلك أن طمع بدو الصحراوين الشرقية والغربية في خصوبة الدلتا كان دافعًا آخر لأهلها على التعاون لدرء شرهم، وحافزًا لهم على التجمع في وحدات سياسية مبكرة متكاتفة. ويبدو أن قلة المواد الأولية في الدلتا كانت دافعًا ثالثًا شجع أهلها على التعاون لتيسير الحصول عليها من مصادرها، مثل الظران من جنوب الدلتا، والنحاس من شبه جزيرة سيناء والأحجار الملونة من جبال البحر الأحمر، والأصداف من سواحل البحر الأحمر والبحر المتوسط١. وأضاف بعض الباحثين عوامل أخرى نسوقها على شك فيها، ومنها أن اتساع رقعة أراضي الدلتا وانفساحها أديا إلى نوع من رحابة أفق التفكير عند أهلها، بعكس أراضي الصعيد الزراعية الضيقة التي تحدها التلال والجبال. وأن سهولة اتصال الدلتا ببقية حوض البحر المتوسط كانت من دوافع تقدمها على عكس الصعيد قليل الاتصالات٢، "وإن كنا نعلم من جهة أخرى أن حضارات الدلتا والصعيد ظلت في مجموعها أكثر رقيًّا من حضارات البحر المتوسط كله خلال فجر التاريخ، وذلك ما يعني ضعف احتمال استفادة الدلتا منها". وإلى جانب منطقة مرمدة بني سلامة التي نشأت على الحافة الجنوبية الغربية للدلتا في أوائل العصر الحجري الحديث، أدى البحث الأثري إلى الكشف عن مناطق عمران أخرى عند رأس الدلتا القديمة، في عين شمس والمعادي وطرة، وكانت ثلاثتها نقطًا متصلة في سلسلة من مناطق العمران لا تزال أغلب آثارها دفينة في الأرض حتى الآن، وكانت المعادي أهمها٣. ومضت كل من الحضارتين الصعيدية والبحيرية في سبيلها، وتطورت كل منهما بما يناسب بيئتها وثراء أرضها، ومدى الاتصال والترابط بين أقاليمها، ومدى توافر المواد الأولية فيها أو قرب أرضها، حتى انتظمت الأحوال السياسية لأهل الحضارة الشمالية وتجمعت سلطاتها أو سلطات أكبر أقاليمها في يد ملك

стр. 75

وتتوج بتاج أحمر ذي شكل خاص، وصور صناع مملكته تاجه على بعض أوانيهم الفخارية، ووصلت هذه الأواني إلى بعض مناطق الصعيد. ثم ازداد التفوق الحضاري والسياسي لأهل المملكة الشمالية، وشجعهم هذا التفوق على مد نفوذهم إلى الصعيد، وسنحت لهم الفرصة في ظروف نقدم احتمالاتها بعد قليل، فبسطوا نفوذهم على أهله وسودوا حضارتهم على حضارته، واتخذوا عاصمته نوبت مركزًا رئيسيًّا لنفوذهم الحضاري السياسي، وعندما استقرت أمورهم اشتركوا مع الصعايدة أصحاب الحضارة النقادية الأولى في تطوير حضارتيهما وشاركوهم بعض ميراثهم القديم وإن اختلفوا عنهم في بعض آخر.
следующие страницы →