ولم يكن شلما نصر أقل اعتزازًا بخضوع أراميي الجنوب من اعتزازه بانتصارته المتكررة على بني عمومتهم الشماليين في بيت أديني وشمآل، وبني عمومتهم الغربيين في قرقر .... "راجع قصته معهم".
ومرة أخرى استعانت بابل بالكلدانيين ومن شابههم من الأراميين، فضلًا عن العيلاميين، في مهاجمة آشور بعد وفاة ملكها شلما نصر الثالث، ولكنها فشلت وقتل ملكها وخلا عرشها فترة من الزمن، ثم استعادت قواها وعاودت الكرة ضد الآشوريين في عهد ملكهم أداد نيراري الثالث ولكنه اكتسح أرضها وتلقى جزي الكلدانيين. وأصاب بابل بعد ذلك ما أصاب آشور من حيث غموض التاريخ واضطراب الحوادث، وانتهت في ذلك الحين الأسرة البابلية الثامنة، وتلتها الأسرة التاسعة التي عاصرت بداية المرحلة الآشورية الثانية من عصرها الحديث على نحو ما يرد ذكره بعد قليل.
стр. 632
التطور السياسي:
في الفن:
حاول الفن البابلي أن يحتفظ خلال فترات الضعف السياسي هذه بإثارات من تقاليده القديمة تذكر أهله بمجدهم الغابر، مع تلوينها بصبغة حديثة خفيفة تتفق مع اتجاهات عصره والتجديدات الآشورية التي ظهرت فيه. ووجد فن النقش سبيله حينذاك على نصب الهبات ونصب الحدود الإقليمية "كودورو" وعلى النصب التذكارية للملوك. فاحتفظت آثار القرن الحادي عشر ق. م بنصب صغير "من عهد نبوخذ نصر الأول" صور فنانه عليه عددًا من هيئات الأرباب وصور مقاصيرهم ونواويسهم ورموزهم الحيوانية والنجمية والاصطلاحية. وليس للفن نصيب كبير في هذا النصب فيما خلا مجهود ناقشه في تصوير مفرداته الكثيرة على مسطحه الصغير ومحاربه ... طيات الثوب الواسع لصاحب النصب في جلوسه، ولكن بقيت له قيم أخرى معمارية ودينية تمثلت في صور ما ذكرناه من المقاصير والرموز المقدسة، مثل تصوير سقوف المقاصير على هيئات مخروطية ومائلة ومقبية، وتصوير أسطون لولبي بتاج على هيئة رأسي أسدين متدابرين، وقد ظهر له ما يماثله في الفن الإيراني، ومثل وضوح التفرقة بين رموز الثالوث السماوي الكبير، الشمس والقمر والزهرة، فظهر رمز الشمس على هيئة قرص تتوسطه نجمة رباعية تنبعث الأشعة من بؤرتها؛ وظهر رمز القمر على هيئة هلال داخل قرص القمر، وظهر رمز الزهرة على هيئة نجمة مثمنة داخل قرص كبير. وظهر من رموز النصب صورة حيوان بارك يخرج من ظهره خطان لولبيان يعبران فيما يبدو عن تموجات البرق ويرمزان إلى المعبود أداد رب العواصف والبروق١.
واحتفظت آثار القرن التاسع ق. م. بلوحة تذكارية مستطيلة سجلت قصة تجديد معبد شمش في سيبار "أبو حبة الحالية" خلال عهد نابو بالدينا "حوالي عام ٨٧٠ق. م"٢، وظهر شمش في أعلاها بهيئته البابلية التي صورتها له لوحة حمورابي، شيخًا مهيبًا برداء كاس وتاج ذي أربعة أزواج من القرون، مع تحوير
стр. 633
يسير في طريقة تمشيط لحيته الطويلة، وزخارف ثوبه، ووضع عصاه، وزخارف عرشه التي مثلت معبودين يرفعان سقفه، وأشرقت عليه ثلاثة أقراص قد ترمز إلى الثالوث السماوي الكبير، الشمس والقمر والزهرة. وجلس شمش بعرشه داخل ناووس ينحدر سقفه انحدارًا لطيفًا إلى الخلف وتعتمد واجهته على أسطونين صور الفنان أسطونًا منهما مضلع الساق بما يشبه حراشيف النخيل، وشكل قاعدته وتاجه بوحدات نباتية محورة اعتبرها بعض الباحثين سلفًا قديمًا لما سُمي فيما بعد باسم زخارف الأعمدة الدورية وتقدم ناووس شمش صوان استند فوقه رمزه، وهو عبارة عن قرص ضخم ذي قاعدة مزخرفة تتوسطه نجمة رباعية تنبعث الأشعة من بؤرتها. ولم يصور الفنان القرص بجانبه الضيق الظاهر، وإنما صوره بواجهته الواسعة على عادة تقاليد الفن القديم في تصوير الأشياء من أوضح هيئاتها ووجوهها، ولكنه تحرر من ناحية أخرى في تصوير معبودين متجاورين يطلان من السماء على سقف الناووس ويشدان القرص، فصورهما تصويرًا جانبيًّا سليمًا بحيث أخفى أقربهما إلى الرائي جذع زميله، وصور ذراعيهما البعيدتين أكثر انخفاضًا من ذراعيهما القريبتين، وذلك مما ينم عن إحساسه بالفارق بين ما يبدو فوق مستوى النظر وما يبدو تحته. وصور الفنان ملكه يبتغي القربى من ربه في هيئة خاشعة تنم عن إحساسه بعظم الفارق بينه وبينه وتختلف إلى حد كبير عن هيئة حمروابي القديمة أمام ربه، فصوره بحجم صغير يحيي إلهه، متواضعًا يرفع يده ويبسط كفه، ويتقدمه كاهن يأخذ بيده، ويلمس مائدة ربه بيده الأخرى متبركًا بها، وتتبعه راعيته إشتار "؟ ". وصور الفنان هذه الشخصيات الثلاث تصويرًا جانبيًا سليمًا على الرغم من صغر أحجامها، وجعل اختلاف أوضاع أيدي أصحابها سببًا للتنويع ودفع الرتابة في التصوير. ثم فصل بين هذه المجموعة المصورة وبين نصوص اللوحة بفاصل عريض يعبر عن تموجات الماء، ورتب نصوصه تحته في سطور أفقية وزعها على ثلاثة أنهر رأسية وقص فيها نبأ آخر إصلاح للمعبد في عهدي ملكين بابليين سبقا عهد ملكه بأكثر من قرنين وتخرب المعبد بعدهما إلى أن انتهز مولاه فرصة عقد صلح مع آشور والتفت إلى أداء واجباته نحو معابد أربابه.
عاصرت الأسرة البابلية التاسعة بداية المرحلة الآشورية الثانية من عصرها الحديث، ولم تكن ذات أثر هام في حياة بلدها، فدانت بالطاعة لجبروت تيجلات بيليسر الثالث الآشوري. ثم انتقل الحكم منها إلى أسرة حاكمة جديدة خلال عهده، وهي الأسرة البابلية العاشرة منذ عام ٧٣٢ق. م، وكان الحدث الهام في أوائل أيامها هو نجاح مردوك أبال أدين الكلدانى زعيم بيت ياكين في اعتلاء عرش بابل مستغلًا فرصة البابلية التي صاحبت انتقال العرش الآشوري إلى البيت السرجوني منذ عام ٧٢١ق. م، ومدعيًا أنه من سلالة إربا مردوك أحد ملوك الأسرة البابلية الثامنة، هادفًا بذلك إلى صبغ حكمه بصبغة شرعية، ولكن ذلك جر عليه وعلى أسرته عداء البيت السرجوني حتى عهد آشور بانيبال، كما فصلنا ذلك في حينه.
стр. 634
وتركت أواخر القرن الثامن ق. م نصبًا من نصب الهبات "كودورو"، ظهر عليه الملك البابلي يعلن هبته لأحد أتباعه المقربين ويضعها تحت حماية أرباب ظهرت صور مقاصيرهم، وحيواناتهم المقدسة في أعلى النصب١. وصور الفنان ملكه وتابعه تصويرًا جانبيًّا سليمًا لا سيما بالنسبة للصدر الذي لم يلترم بتقليد تصويره باتساعه، وبالنسبة لتصوير قدمي التابع العاريتين اللتين اكتفى بتصوير أصابعهما الظاهرة وحدها، فأظهر الإصبع الكبير لإحداهما والأصابع الخمس للأخرى، ولو أنه تصوير سبقت له أمثلة قديمة أخرى كثيرة. ثم صور ملامح وجه ملكه ومسطح رقبته وصدره ورداء رأسه واستدارة ذراعه بخطوط ناعمة وروح بسيطة تختلف عن الروح الآشورية الرسمية المعاصرة لها في تصوير الملوك.
يقظة بابل وماذي وانهيار آشور:
شكلت علاقات بابل بآشور في أواخر عهد آشور بانيبال وعقب وفاته عدة عوامل، وهي اهتزاز الحدود الآشورية تحت ضغط القبائل الهندوآرية والجبلية من السميريين والسكيثيين والماذيين، واهنزاز العرش الآشوري نتيجة للخلافات الداخلية في البيت المالك، وازدياد حقد البابلين والكلدانيين بعد الانتقامات العنيفة التي أنزلها الآشوريون بهم مرة بعد مرة، ثم انتقال الحكم في بابل إلى أسرة كلدانية قوية استطاعت أن تستغل الظروف المحيطة بها وهي الأسرة الحادية عشرة والأخيرة.
وأسس الحكم البابلي الجديد كلداني يدعى نابو بولاسر "٦٢٦ - ٦٠٤ق. م" يحتمل أنه كان ولدًا لأمير يدعى كاندا لونو عينه آشور بانيبال على بابل بعد مقتل أخيه، وعمل قائدًا في الجيش الآشوري وحاكمًا على الأقاليم الجنوبية، ثم عمل لحسابه فزحف على بابل وولي عرشها بعد تفكك أواصر البيت الآشوري الحاكم، ولكن لم يتعد سلطانه في بداية أمره ما حولها.
وتتابعت الأحداث فيما حول بلاد النهرين، ففي شرقها بدأ الماذيون يلعبون دورهم، وكان هؤلاء "وهم من سماهم الإغريق باسم الميديين" فرعًا من الجماعات الإيرانية ذات الأصل الآري، رددت النصوص الآشورية اسمهم منذ القرن التاسع ق. م على أقل تقدير "وأن كان يحتمل ورود اسم قريب من اسمهم في عهد تجلات بيليسر الأول في أواخر القرن الحادي عشر أيضًا"، ثم ذكرتهم نصوص شلما نصر الثالت هم الفرس "باراسو" في جبال كردستان - وخضع القريبون منها لسلطانها. ثم اتضحت تجمعاتهم وأطماعهم منذ أواخر القرن الثامن ق. م، ومالوا إلى التحرر من نفوذ الآشوريين، وذكرت نصوص سرجون انتصاراته عليهم وأنه نفى بعضهم إلى سوريا وأحل محلهم مهاجرين من سماريا ومن شعوب مغلوبة أخرى، وأشارت الروايات العبرية إلى شيء من ذلك. ثم نجح الماذيون في تحقيق كيانهم المستقل حوالي عام ٧٠٨ق. م بزعامة "دايوكو"، وروت القصص الإغريقية عن هذا الزعيم الذي سمته
стр. 635
دايو كيس أن شعبه انتخبه ملكًا وأنه نجح في توحيد كلمة القبائل الماذية تحت حكمه واتخذ إكباتانا "وهي همدان الحالية" عاصمة. وأقام قصرة داخل حصن تحيط به سبعة أسوار، ثم احتجب عن رعاياه ولم يسمح لهم بأن يتصلوا به اتصالًا مباشرًا١. ولم يكن من المنتظر أن ترضى آشور عن انسلاخ ماذي عنها في عهدها السرجوني العظيم، فتكرر الصدام بينهما، ولكن قضاء الآشوريين على ممكلة إلام في عام ٦٤٤ق. م أراح الماذيين من منافسيهم الخطرين في جنوب إيران الذين قاموا رغبتهم في الاتساع ناحية الجنوب منذ عهد ملكهم فرفارتي " Phraortes" في منتصف القرن السابع ق. م. وهكذا استغلوا الجبال الجنوبية الغنية بمعادنها وأحجارها الكريمة، كما استغلوا مزارع السفوح والوديان في بناء اقتصادهم، ولكنهم ظلوا أقل قوة من الآشوريين، وقُتل ملكهم فرافارتي في الحرب٢.
واتسعت أمام الماذيين فرص الانطلاق بعد أن اهتزت أركان الآشوريين بطرد حاميتهم من مصر وخروج أغلب ولايات الشام عليهم وحدوث الانقسامات الداخلية في دولتهم، فانتظمت قبائل مانداهور الماذية تحت زعامة هواخشير "كيخسرو في الفارسية وأوماكيشتار في البابلية وكياكساريس Cyaxares" في اليونانية". وتوالت هجمات جيشه على آشور منذ العام الأول من حكمه، وحاصر نينوى بعد أن أعاد تنظيم قواته على نسق التنظيم الآشوري، لولا أن اهتز الشرق حينذاك باندفاع السكيثيين الذين أخذوا يضربون شرقًا وغربًا دون هدى، ومالوا في بداية الأمر إلى محالفة الآشوريين، ولكنهم ما لبثوا حتى هاجموا كلًّا من أطراف ماذي وآشور معًا، مما اضطر هواخشير الماذي إلى التراجع عن آشور ليحمي مملكته٣.
وإلى الغرب من آشزر كانت دولة ليديا المتأغرقة تحاول طرد السميريين البرابرة من آسيا الصغرى. والتمس ملكها جيجيس عون آشور في عهد ملكها آشور بانيبال ولكنه لم يجد من معونتها ما كان يبتغيه، فقتل في الحرب ثم انفردت دولته بالمهمة وطردت السميريين من آسيا الصغرى في عهد ولده أرديس. واندفع السميريون في تقهقرهم على الحدود الآشورية فصدتهم عنها جيوش آشور بانيبال بعد جهد جهيد. واقتفى السكيثيون أثر السميريين في الاندفاع إلى الغرب فاقتحموا ممرات طوروس واجتاحوا مناطق غرب الدولة وولاياتها الساحلية دون مقاومة تذكر من الجيوش الآشورية التي أنهكتها الحروب المتواصلة، ولا من الفرق المؤلفة من الشعوب الخاضعة التي لم يكن لها من حسن التدريب ولا من الإخلاص للدولة ما يعوض ضعضعة الآشوريين. بل إن هذه الهزة قد شجعت المدن السورية على أن تنفض ما بقي من النفوذ الآشوري عنها، واحدة إثر الأخرى، بعد أن تبينت ضعف أصحابة. أما السكيثيون فيروي هيرودوت
стр. 636
أنهم أوشكوا أن يصلوا في اندفاعتهم إلى الحدود المصرية لولا أن صرفهم الفرعون بسماتيك عنها بالعطايا، مفضلًا ذلك عن استهلاك قوته الحربية معهم١، "وراجع ص٣٠٢".
وأدلى نابو بولاسر البابلي الكلداني بدوره في أحداث عصره، فاشتبكت جيوشه مع الآشوريين منذ العام العاشر من حكمه على أقل تقدير، في قابلينو ومادانو وعلى نهر الزاب وحول العاصمة آشور نفسها، وفي تكريت "تاكريتين"٢، ولكن دون نتائج حاسمة لأحد الجانبين، لا سيما وأنه لم يلق العون مخلصًا من كل البابليين، كما ظلت بقية القبائل الأرامية المجاورة له حريصة على استقلالها الذاتي بجانبه. وفي ظل هذه الظروف التي أحاطت بآشور وجيرانها، تلفت كل من الطرفين القريبين منها والطامعين فيها، ونعني بهما الكلدانيين والماذيين، كل منها إلى عون الآخر، بعد أن أيقنا أنه لا قبل لأحدهما منفردًا بأن يهدم آشور، فتحالفا وأيدا تحالفهما بمصاهرة البيتين الحاكمين فيهما٣، وابتدأت جيوش الحليفين تدق على أبواب آشور من جديد.
ويفهم من الروايات البابلية أن المصريين كان لهم دور في معاونة الجيوش الآشورية٤، وإذا صح ذلك معناه أن آشور لجأت في محنتها إلى عون مصر خصيمتها العتيدة، وأن مصر استجابت لها حرصًا على الوضع القائم ودفعًا للخطر الثنائي الجديد، ولكن الدفعة التي خرج بها الماذيون المتحفزون والبابليون الكلدانيون الحاقدون على آشور، كانت أقوى من أن تصدها دولة مزقتها الخلافات أو يصدها حليف بعيد الديار. فشدد الماذيون والبابليون حصارهم على نينوى ودمروها تدميرًا عنيفًا في عام ٦١٢ق. م، وقضوا على استقلالها، وقتلوا ملكها "سين شار إشكين" أو دفعوه إلى الاحتراق بنيرانها كما ذكرت الروايات الإغريقية، على نحو ما ملك شمش شوموكين قبل ذلك بست وثلاثين عامًا في نيران بابل. واعترفت الوثائق البابلية بأن أكثر الجهد كان من نصيب الماذيين العتاة، ليس في القضاء على نينوى وحدها، وإنما في اجتياح الأقاليم العراقية التي لم تعترف بالوضع الجديد ولم تنتظم في سلك الزعيم البابلي أيضًا. ولم يأبه الماذيون حين ذاك بمقدسات العراق ومعابدها٥، ويذكر النص البابلي أنهم اكتسحوا ما فوقهم وما تحتهم وما على يمينهم ويسارهم، وكانوا كإعصار الفيضان. ولم يكن في وسع حليفهم البابلي غير السكوت في سبيل القضاء على الغول الآشوري، أو على حد تعبير النصوص البابلية لم يجد أمامه إلا أن يرسب شعره مهوشًا دون تمشيط ويؤثر النوم على الأرض دون المضاجع؛ تدليلًا على براءته من انتهاك حرمه المعابد على أيدي حلفائه٦.
стр. 637
وجمع الآشوريون فلولهم وتحصنوا في حران بقيادة آشور أو بالليط وريث العرش الآشوري، وكانت حران عصبًا رئيسيًّا لأحد الطرق التجارية الكبيرة في بلاد النهرين "وقد يعني اسمها معنى الطريق أيضًا"، ولكنهم ما لبثوا حتى أخلوها تحت ضغط الغزاة، فدخلها البابليون والماذيون وتركوا حامية بها "حوالي عام ٦١٠ق. م". ثم حاول آشور أو بالليط أن يجرب حظه للمرة الأخيرة فاستعان بجيش مصري على حد رواية البابليين وحاصر الحامية البابلية في حران "حوالي عام ٦٠٩ق. م"، ولكن طال حصارها حتى لحقت بها النجدات البابلية والماذية وهزمت جيوشه بعد أن قاومها نحو ثلاث سنوات١.
وبذلك انتهى دور الآشوريين من التاريخ بعد أن أثبتوا أنهم كانوا أعنف قوة عسكرية منظمة شهدها الشرق القديم حتى عصرهم، وبعد أن ضربوا المثل في ضراوة القتال وأساليب العنف لجيرانهم الإيرانيين، لا سيما الماذيين والفرس، وبعد أن شتتوا جهودهم بتوسيع أملاكهم إلى آفاق بعيدة يصعب الاحتفاظ بها ويصعب الدفاع عنها سواء من الشرق أم من الغرب مما أدى إلى تفسخ قواهم، وبعد أن أثاروا حقد بقية بلاد النهرين عليهم بإصرارهم على إذلال بابل والسيطرة عليها على الرغم من سمعتها الواسعة القديمة، وعلى الرغم من استفادتهم من حضارتها.
الاتساع البابلي:
زادت صحوة الكلدانيين البابليين بعد القضاء على الغول الآشوري، واستمروا في تقوية جبهتهم الداخلية والتمسح بالدين عن طريق تعمير المعابد وتشييد الجديد منها، وسيطروا على أواسط بلاد النهرين وجنوبها، ورضوا مؤقتًا بسيطرة الماذيين على شمال العراق وأملاك الآشوريين في شرق دجلة. ثم طمعوا في إحياء الأملاك الآشورية الغربية لحسابهم، وبدءوا يعملون للسيطرة على بادية الشام وسوريا وفلسطين، ولكن طموحهم أثار مخاوف مصر من عودة التنافس على الطرق التجارية في الشام، فخرج الفرعون نيكاو الثاني بجيشه إلى فلسطين وكسر شوكة مملكة يهوذا التي أرادت أن تنتصر في عهد يوشيا٢ للقوة البابلية الجديدة، وواصل طريقة إلى سوريا وأوقف مسيرة الاحتلال البابلي الجديد، ثم واصل طريقة نحو الفرات، ولكن انتصاراته أسكرته وأخذه الزهو فعاد وتوقف بجيوشه فترة طويلة في أرض لبنان، حيث أمر بتسجيل انتصاراته على صخور وادي الكلب "تلك الصخور التي حفلت بنقوش الفاتحين والمنتصرين" فكان توقفه بجيوشه فرصة سانحة اغتنمتها الجيوش البابلية فتجمعت وأزدادت أعدادها بقيادة ولي العهد البابلي نبوخذ نصر، والتقت بالمصريين في موقعة قرقميش عام ٦٠٥ "أو ٦٠٤" ق. م، ونجحت في أن توقف زحفهم٣. وحاول المصريون أن يعيدوا الكرة لمهاجمة مصالح بابل في الشام عن طريق البحر
стр. 638
مرة أو مرتين، ولكن مشروعاتهم لم يكتب لها التوفيق١. ويحتمل أنهم عاودوا إرسال الجيوش بالبر مرة أخرى في عهد بسماتيك الثاني "٥٩٤ - ٥٨٨ق. م" حيث أشارت نصوص عسكرية في أبي سنبل إلى امتداد نفوذه حتى قرقميش. ثم روى هيرودوت أن الفرعون أبريس "واح إب رع" "٥٨٨ - ٥٦٨ق. م" هاجم صيدا وصور برًّا وبحرًا بعد خضوعها للبابليين خوفًا من اتخاذهما سبيلًا لمهاجمة مصر عن طريق البحر٢ "راجع ص٣٠٥".
وواصل بنوخذ نصر الثاني "وصحيح اسمه في البابلية "نابو -كدوري -أوصر" بمعنى "الإله نابو يحمي الحدود" مشروعاته في الشام بعد اعتلائه العرش "٦٠٥ - ٥٦٢ق. م"، وسيطر على لبنان "لبنانو" وبرر عمله فيها بمنطق الفاتحين، فاعتبر نفسه محررها وناشر السلام في ربوعها، وادعى رعايته لأهلها المشردين، وبرر اهتمامه بها بملكية ربه مردوك لغاباتها وحب أربابه العراقيين لأخشابها وروائحها الزكية، ثم وعد أهلها بأن ينقش صورته على سفوح جبالهم حتى لا يعتد معتدٍ عليهم أو يعكر أحد صفو أمنهم٣.
وخلدت التوراة والأساطير حروب نبوخذ نصر مع مدينتين، وهما: أورشليم عاصمة يهوذا، وصور الميناء الحصينة. وقد أسلفنا كيف تذبذبت يهوذا بين مصر وبين بابل في بداية النهضة البابلية، وكيف هزم فرعون نيكاو حاكم أورشليم اليهودي يوشيا عام ٦٠٨ق. م. في مجدو، وكيف عزل ولده من بعده وعين على المدينة يهو ياقيم وألزمه الجزية. وظل الأمر كذلك حتى زال خوف أورشليم من مصر بعد موقعة قرقميش، فعادت إلى ترددها في علاقاتها مع بابل بين الطاعة وبين العصيان، حتى هاجمها نبوخذ نصر حوالي عام ٦٠٠ق. م فاستسلمت له بسهولة، وأعلن له حاكمها يهو ياقيم الطاعة وصار عبده ثلاث سنوات على حد تعبير سفر الملوك، ثم ثار عليه بعدها وكون حلفًا ضده، فهاجمه نبوخذ نصر وضربه بمن خرجوا عن حلفه من أهل الشام و"أرسل ضده جيشًا مؤلفًا من كلدانيين وسوريين ومؤابيين وعمونيين" كما روت التوراة. وانتصر البابليون وأعوانهم في عام ٥٩٧ق. م. وأسروا ملك أورشليم وعدة آلاف من جنوده وأهل دولته، وكان فيهم ألف من الصناع، وأمر نبوخذ نصر بنفي الأسرى جميعًا إلى بابل. وأطلق اليهود على هذا النفي اسم السبي الأول، ويبدو أن صحبهم فيه نبيهم حزقيال.
وعين نبوخذ نصر "صدقيا" اليهودي واليًا على أورشليم، تحت إشرافه، فظلت يهوذا خاضعة للبابليين أحد عشر عامًا، ثم ثارت عليهم، وانقسم أهلها حينذاك شيعتين، أشرنا إليهما في صفحة ٣٠٦، شيعة تزعمها صدقيا وتكلم باسمها النبيء حننيا فدعا إلى كسر نير بابل والثورة عليها باسم الرب، وشيعة أخرى مضادة تزعمها النبي إرميا ودعا معها إلى وضع أعناق الأمة تحت نير ملك بابل بأمر الرب أيضًا٤
стр. 639
وكان في تعارض دعوة النبيين وتمسحهما في أوامر الرب ما دعا كلًّا منهما إلى إنكار نبوة الآخر١. وعاودت جيوش نبوخذ نصر مهاجمة أورشليم في عام ٥٨٨ أو ٥٨٧ق. م. وشددت الحصار عليها، ولكنها اضطرت إلى رفع هذا الحصار، بعد أن تحركت الجيوش المصرية لمساعدتها "في عهد واح إب رع"٢، ثم عاودت حصارها مرة أخرى وضيقت عليها تضييقًا شديدًا نحو عام ونصف العام حتى دخلتها في عام ٥٨٦ أو ٥٨٥ق. م. ودمرتها، وأحرقت هيكل سليمان ونقلت خزائنه، ونفت أربعين ألفًا أو خمسين ألفًا من أهلها إلى بابل لينوحوا عند مياه الفرات على قول التوراة. وأسر البابليون صدقيا عند أريحا، وفعلوا معه ما اعتاد اليهود أن يفعلوه مع بعضهم البعض، بل ومع أنبيائهم أيضًا الذين كانوا يقتلونهم بغير حق، فقتلوا أولاده أمامه ثم فقئوا عينيه ليكون سفك دم أولاده آخر منظر يراه "في ربلة على نهر العاصي". واعتبرت التوراه ما حل باليهود حينذاك عقابًا لهم على "تماديهم في عصيان الرب حتى ثار غضبه على شعبه فأصعد عليهم الكلدانيين"٣. وصدق الله تعالى حين قال في قرآنه الكريم: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا، فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا ... ﴾ ٤، والعلو هنا هو التمادي في الظلم. أما إرميا داعية الخضوع لبابل، فقد لجأ مضطرًا مع جماعة كبيرة ممن نجوا من القتل والتشريد إلى مصر، فوسعتهم رحابة صدرها٥. وتابعت جيوش نبوخذ نصر مهاجمة المدن الفينيقية والسورية، وكانت أشد هذه المدن مقاومة لها مدينة صور التي ظلت على مقاومتها ثلاثة عشر عامًا "٥٨٥ - ٥٧٣ق. م" أبدت فيها من البسالة صورًا كثيرة وساعدها على المقاومة سهولة اتصالاتها بالبحر، ثم رضيت في نهاية الأمر بصلح اعترفت فيه بسيادة البابليين، واضطرت تحت ضغطهم إلى معاونتهم ضد مصر حين أرادوا أن يتخذوها قاعدة لمهاجمة السواحل المصرية عن طريق البحر٦.
стр. 640
العمران والفنون:
أرادت بابل الكلدانية أن تعوض أجيال التبعية الطويلة التي مرت عليها، وقد أسكرتها نشوة النصر على الآشوريين على الرغم من قرابة الجنس والديار بينهما. ووجدت فرصتها الذهبية في طول عهد ملكها نبوخذ نصر الثاني، الذي امتد ثلاثة وأربعين عامًا، وفيما مر بنا من تعدد انتصاراته وأمجاده. فنشطت حركة العمران فيها كما لم تنشط من قبل، وبلغ محيط عمرانها حينذاك نحو ١٨ كيلومترًا، وذكر المؤرخون الإغريق أن أسوارها كانت أسوارًا دائرية عظيمة وأنه أحاطت بها أربعة خطوط دفاعية. أولها هو السور
стр. 641
الداخلي للمدينة وقد بني من اللبن، وكان ذا أبراج، وبلغ سمكه ٧.١٢ من الأمتار، وتلاه على مبعدة اثني عشر مترًا سور آخر خارجي ضخم بلغ محيطه أحد عشر ميلًا ونصف ميل، بني من الأجر وثبت بالقار وبلغ سمكه ٧.٨١ من الأمتار، وأطل على خندق واسع، ودعم أصحابه أساسه بجدار ساند يرتفع بارتفاع الخندق ويبلغ سمكه ٣.٢٥ من الأمتار. أما خطا الدفاع الخارجيان، فسُمي أحدهما باسم السور الماذي، وامتد من الشمال إلى الجنوب من بلدة الحديثة على نهر دجلة حتى أبو حبة على نهر الفرات، وامتد الآخر من خان الناصرية على نهر الفرات حتى مدينة كيش على أحد فروعه.
وتمثلت أهم عمائر ومعالم بابل الكلدانية في قصر نبوخذ نصر؛ وفي زقورة "إ. تمن. آنكي" أو برج بابل كما سماها العبرانيون والإغريق والمسلمون؛ وحدائق المدرجات التي اشتهرت خطأ باسم الحدائق المعلقة، ثم بوابة إشتار "عشتار" فضلًا عن الأسوار الضخمة التي ذكرناها. وتعصب البابليون لتقاليدهم القديمة في تنفيذ أمثال هذه العمائر والمشروعات، وودوا لو اعتبروا تجديدات خصومهم الآشوريين كأنها لم تكن، ولو أن ذلك لم يكن متيسرًا دائمًا. فرجعوا من ناحيتهم بتخطيطات المعابد إلى أصولها البابلية القديمة، وأزادوا استخدام الآجر المحروق والمزجج، وأحلوا محل الرسوم المسطحة التي استحبها الآشوريون نقوشًا غائرة.
توسط قصر نبوخذ نصر الجدار الشمالي للمدينة، وبُني داخل حصن كبير على عادة القصور الملكية في بلده، وتألف من وحدات معمارية كثيرة، وتضمن عدة أفنية، وأحاطت به ملحقاته التي يحتمل أنه كان منها بعض إدارات الدولة، وتميزت فيه قاعة عرشه "التي بلغت مساحتها ٥٢×١٧ مترًا" عن قاعات العروش الآشورية ببساطة طابعها، واحتل عرشها مشكاة كبيرة "أو حنية أو محرابًا ضخمًا" توسطت الجدار المواجه للمدخل. وكسيت جدران بهو القصر الكبير بقوالب الآجر ذات السطوح الخزفيه الزرقاء الداكنة، وزخرفت في أسافلها بإفريز من الأسود الحارسة صورت تصويرًا جانبيًّا "على العكس من أسود خور سباد الآشورية التي تواجه الداخل"، كما زخرفت في أعلاها بما يمثل أساطين ذات تيجان مركبة، تصل بين تيجانها وتعولها زخارف تكوينية تتألف من زهيرات محورة ومعينات صغيرة. وتعاقبت في كل هذه الوحدات الزخرفية ألوان بيضاء وصفراء فوق الأرضية الزرقاء الداكنة فخلعت طابعًا من البهجة على زخارفها الرقيقة١.
بدأ تجديد زقورة "إ. تمن. آنكي" في عهد نابو بولاسر مؤسس الأسرة. وأكدت نصوص الرجل ومناظره أنه استفتى وحي الأرباب في تخطيطها القديم واشترك مع ولديه في وضع أساسها، فحمل أدوات البناء فوق رأسه، وحمل ولي العهد طين اللبنة الأولى، ورفع ولده الآخر "نابوشوم ليشو" معولًا ومجرفة.
وخدمت الزقورة معبد الإله مردوك أساسًا، وهو ذلك الإله البابلي القديم الذي اعتبر أتباعه بقية الأرباب الكبار مجرد صور لنواحي قدرته، وقالوا يمجدونه: "سين قدسيتك، وآنو نصيحتك،
стр. 642
وداجان قيادتك، وإنليل ملكيتك، وأداد قدرتك، وإيا حكمتك" "وكان الآشوريون قد نسبوا مثل هذه الصفات أيضًا إلى ربهم نينورتا في عصرهم الوسيط، وإلى معبودهم الأكبر آشور في عصرهم الحديث". وخدمت زقورة بابل في أربعة معابد أخرى كبيرة أو نحوها، كان منها معبد "نين ماخ" "إي. ماه" ربة الخصب. وهي معابد أخذت في تخطيطها وتنظيم قاعاتها وقواعد تماثيلها بالأسلوب الأكدي القديم دون الأسلوب الآشوري الخصيم١.
ووصف المؤرخ هيرودوت هذه الزقورة إبان اكتمالها وصفًا شائقًا٢، ثم وصفت لوحة من القرن الثالث ق. م. ما بقي منها على أيامها، كما احتفظت لها أجيال الرواة العبرانيين والمسلمين بصورة أسطورية غالية. أما من حيث الواقع فلم يتبق منها ما ينم عنها حتى الآن غير خطوطها الأرضية وأطلال ثلاث درجات تؤدي إلى مسطحها الأول من ناحية الجنوب، وترتب على ذلك أن تعددت النظريات المعمارية في تصوير هيئتها الأولى٢، دون أن تسلم إحداها من شك ونقد. ويحتمل مما أتى به هؤلاء جميعًا أنها بنيت من اللبن وكسيت بالآجر. وأن واجهاتها كلها شكلت فيها مشكاوات رأسية متعاقبة، وأنها توسطت فناء مسورًا عظيم الاتساع "٦٦٧×٣٦٥ مترًا" يقع المدخل الرئيسي لسوره ناحية الشرق، وأن طول ضلع مسطحها الأول بلغ حوالي ١٨٣ مترًا، وربما تعاقبت على جوانبه أعمدة مربعة، بينما بلغ طول ضلع مسطحها الثاني نحو ١٠٦ من الأمتار وتضمن عدة مقاصير لكبار أرباب بابل والمدن المجاروة لها مثل الأرباب: مردوك ونابو وإيا وآنو وسين وتاشمتوم ونوسكو ... ، وعدة مقاصير لكنوز الزقورة. ثم قام في وسط المسطح، وهذا هو الأهم، بناء مدرج تألف من خمسة مسطحات تصغر مساحة كل مسطح منها عما تحته ويصل بينها درج جانبي صاعد يدور حولها حتى يؤدي إلى أعلاها حيث يتوسط المسطح العلوي منها ويتوجه قدس الأقداس الكبير. ويرى المعماريون الآثاريون الأخذ بما رواه هيرودوت وغيره من أن كل مسطح من المسطحات المتعاقبة للزقورة قد لون بلون مختلف عن لون الآخر، ومن الألوان التي يقترحونها لها على التتابع ألوان: الأبيض فالأسود فالبنفسجي فالأزرق فالبرتقالي فالقرمزي فالفضي فالذهبي، ولكن كل هذه الألوان والأصباغ ذهبت معه زقورتها حينما دمر الفرس أغلبها في عهد الملك أخشويرش، وبعد أن استخدم أهل المنطقة معظم لبناتها في مبانيهم المتعاقبة٣.
ووصل بين زقورة بابل وبين "إساجيل" " E-Sag-Il" معبد مردوك الأرضي، طريق للمواكب ارتفعت أرضيته عن مستوى أرض المدينة ورصفت باللبن المكسو بالقار ثم غطيت ببلاطات متسعة من الحجر الجيري وحفت بها مربعات صغيرة من قطع الرخام الزاوي الأحمر "البرشيا"٤. وكان يحف
стр. 643
بالطريق جداران وتطل على جانبيه أبراج متباعدة. ويبدو أن بعض واجهات جدارية كسيت بأفاريز من الخزف الملون نقشت نقشًا بارزًا بما يمثل الكائنات الحارسة وبخاصة الأسود.
ويخترق طريق المواكب بوابة إشتار "قاهرة أعدائها" وكان لها أصل قديم ثم جددت في العصر الكلداني وزيد ارتفاعها حتى بلغ أربعين قدمًا، فأصبحت من معالمه الرئيسية. وتقع في الركن الشمالي الشرقي من الحصن الجنوبي لبابل وتؤدي في الوقت نفسه إلى صرحين كبيرين يرتبط بهما جسر معلق يصلهما بالقصر الملكي. وتألفت البوابة من صرحين رئيسين علتهما زخرفة معمارية مسننة. وكسيت مساحة كبيرة من جوانبها الكلدانية المستحدثة بقوالب الآجر ذات السطوح الخزفية الزرقاء، وتعاقبت على سطوحها هذه تسعة صفوف نقشت بالنقش الغائر، مثل بعضها ثيرانًا ذات أشكال محورة، ومثل بعضها صور حيوانات خرافية متباعدة، وجمع بعضها الآخر في صوره بين أجزاء التنين والنسر والأسد والأفعوان ووحيد القرن. وعبرت هذه الصور في مجموعها عن رموز حيوانية للمعبودين أداد ومردوك، وسمي بعضها باسم سيروش، وتعاقبت في جسومها وشعورها وقرونها وأقدامها ومخالبها ألوان صفراء وخضراء وزرقاء بدرجات متفاوتة، وتعاقبت ظلالها فوق أرضية زرقاء، وبهذا أكسبت بوابتها طابع الجمال وخدمت غرض الدين وغرض الزخرف معًا، وزادها جمالًا أنه أحاطت بها أطر منقوشة تتألف من مربعات زخرفية وزهيرات كبيرة رقيقة. وكانت جدران البوابة القديمة قد تضمنت قبل العصر الكلداني صور الحيوانات نفسها، ولكن بعضها كان منقوشًا فوق الآجر العادي. وعندما رفع رجال نبوخذ نصر مستوى طريق المواكب غطت هذه التعلية على جزء كبير من صور البوابة القديمة، وكان ذلك لحسن حظها إذ بقي عدد منها كاملًا حتى الآن، بينما لم يبق من مناظر الآجر الخزفي التي شكلت في عهد نبوخذ نصر نفسه غير أسافلها التي حالت ألوانها. ويبدو أن الصور القديمة والحديثة قد بلغ عددها حين اكتماله نحو ٥٧٥ صورة.
وصاحب الاهتمام بمعابد العاصمة بابل اهتمام مماثل بمعابد المدن الأخرى ذات الشهرة الدينية، فجددت في مدينة بورسيا "برص نمرود الحالية"، إلى الجنوب الغربي من بابل بنحو سبعة أميال، زقورة تشبه زقورة بابل، كانت بعض مداميك الآجرر فيها مزججة، وكانت مسطحاتها ملونة بألوان مختلفة، وتحدثت نصوص العصر نفسه عن عربة "صغيرة" للربة إنانا "أو إشتار" ربة الوركاء، شدت إليها سبعة أسود. أعادها نبوخذ نصر إلى معبدها "إيانا" بعد أن أبعدها عن أهل المدينة في عهد الملك إربا مردوك أحد ملوك الأسرة البابلية الثامنة وأقاموا لها تمثالًا مزيفًا، وترتب على فعلتهم هذه أن هجرت المعبودة معبدهم واعتكفت في مكان قصي كما روى نص الملك١.
стр. 644
الأفول أمام نهضة الفرس:
كانت انطلاقة بابل الكلدانية أشبه بصحوة الموت بالنسبة للعراق القديم، ولم يكن من المنتظر أن تستمر هذه الانطلاقة أمدًا طويلًا على الرغم من حدتها في عصر ماجت الهضاب الإيرانية المجاورة لها خلالة موجًا شديدًا بتحركات قبائل فتية عاتية أصرت على أن تفرض نفسها على عصرها فرضًا وأن تبدأ فيه من حيث انتهى غيرها. فقد أدى نجاح قبائل مانداهور في زعامة الدولة الماذية وتحطيم القوة الآشورية إلى نتيجتين متضادتين: نتيجة مباشرة، وهي تشجيع بقية الماذيين على مواصلة التوسع والدق العنيف على أبواب جيرانهم، ثم نتيجة لاحقة وهي تشجيع قبائل جبلية أخرى على أن تسلك سبيل الماذيين وتستفيد من تجاربهم بكل ما فيها من فشل ونجاح.
ورث الماذيون أملاك الآشوريين الشمالية والشرقية كما أسلفنا، وابتلعوا مناطق أورارتو شيئًا فشيئًا، وامتدوا شمالًا بغرب حتى بلغوا نهر هاليس في آسيا الصغرى، وهناك اصطدمت أطماعهم بدولة ليديا التي جمعت في سياستها وعلومها وحياة ملوكها بين تقاليد الشرق والغرب معًا واتخذت عاصمتها في مدينة سارديس "راجع أيضًا ص٣٠٨". وتطور التنافس بين الماذيين وبين الليديين بعد فترة إلى صدام مسلح لزمت بابل فيه جانب حلفائها الماذيين، ولكن هذا الصدام توقف بصلح روى المؤرخون الإغريق من أسبابه المباشرة أنه حدث في أحد أيام العام السادس للحرب "وهو ما يوافق يوم ٢٨ مايو عام ٥٨٥ق. م" أن أظلمت السماء فجأة في واضحه النهار فأجفلت جيوش الفريقين واعتبراها نذيرًا من السماء، فتوقفا عن الحرب، وقيل إن ملكيهما اتفقا على توسيط ملكي بابل وكيليكيا بينهما، ثم انتهى الأمر إلى هدنة أيدها البيتان الحاكمان بالمصاهرة، واعتبرا نهر هاليس حدًّا فاصلًا بينهما. وأضاف الإغريق أن الفيلسوف ثاليس "طاليس" الميليتي أبا العلم الإغريقي كان قد تنبأ لقومه بكسوف الشمس في نفس العام١. وهي المرة الأولى التي تنبأ فيها عالم إغريقي بحدوث ظاهرة فلكية تنبأ صحيحًا.
ولكن لم يطل الأمد بالنهضة الماذية، وأحاط بها بعد وفاة ملكها هواخشير "كياكساريس"، ما أحاط بجيرانها أكثر من مرة. ترف مسرف ترتب على كثرة الأسلاب والمغانم، وطغيان سياسي ترتب على غرور الحكام الذين أسكرتهم نشوة انتصاراتهم المتكررة٢، ثم طموح قبلي صدر عن جزء من الدولة للسيطرة على أجزائها الأخرى، وقد صدر في هذه المرة عن إقليم أنشان "في إلام القديمة". وهو إقليم كانت حياة أهله شاقة جافة ويمت حكامه بصلة القرابة أو المصاهرة للبيت المالك الماذي واستطاعوا أن يحتفظوا بمكانتهم إزاءه طوال ثلاث أجيال، ولكنهم ظلوا يعتقدون أنهم أعرق أصالة وأحق بالملك
стр. 645
وأقدر على تحقيق العدالة منه. وحقق حلمهم ذاك أميرهم "قورش" "وذكر أحد الأخبار الإغريقية أن أمه هي ابنة ستياجيس آخر الملوك الماذيين"، فلم شمل الحاقدين على البيت المالك وقضى على عرش ماذي حوالي عام ٥٥٥ق. م١، وبدأ أسرة حاكمة جديدة، أو دولة جديدة ذكرتها المصادر الفارسية الحديثة باسم الدولة الهخامنشية، وأطلقت المصادر اليونانية عليها اسم الدولة الأخمينية، واعتادت المؤلفات الحديثة على أن تذكرها باسم الدولة الفارسية "الأولى" وهو ما سنجري عليه فيما يلي "راجع كذلك ص٣١١". وكان من تمجيد هذا الملك لنفسه قوله "أنا ابن كامبوزيا "قمبيز" الملك العظيم ملك أنشان حفيد قورش الملك العظيم ملك أنشان، سليل شيشبيش الملك العظيم ملك أنشان، من أسرة "مارست" الملكية دائمًا". وقال حفيده أخشويرش ما معناه: أنا ابن الملك دارا الهخامنشي، فارسي ابن فارسي، آري من نسل آري. ورثت الدولة ملك الماذيين، ولم تكن تقف بعزائمها الجديدة عندما وقفوا عنده، فتخوفت نهضتها كل من بابل وليديا ومصر، وكانت ليديا هي البادئة بعد أن بلغت أوج مجدها وثرائها في عهد ملكها كرويسوس Croesus "٥٦٠-٥٤٦ ق. م" وأخضعت المدن الإيونية والأيولية في آسيا الصغرى لنفوذها، حتى امتد سلطانها من نهر هاليس إلى بحر إيحه، وطمعت في أن تستغل البحر وتسيطر على جزره، وأصبحت شيئًا عظيمًا في نظر إغريق الشرق والغرب معًا. ثم أقلقتها نهضة فارس فأرادت أن تكون هي البادئة، وطلبت عون إغريق شبه جزيرة لاكيدايمونيا وزعيمتها إسبارطه، كما طلبت عون بابل ومصر. وتقدمت جيوشها ناحية الشرق، ولكنها ما لبثت حتى تحطمت أمام الطوفان الفارسي، فتراجعت فلولها إلى سارديس ولحق بها قورش وجنوده، فدمروا العاصمة وأسروا ملكها في عام ٥٤٦ق. م. قبل أن يتمكن حلفاؤه من نجدته٢، ... أتت نهايته على غير ما توقع لنفسه وعلى غير ما توقع الإغريق له.
وفي بابل لم تستمر النهضة بعد نبوخذ نصر طويلًا، وتعاقب ثلاثة من أسرته على العرش في مدى سبع سنوات ملؤها التفسخ والقلق، ثم انتقل الحكم منهم إلى "نابونهيد"، وكان من أسرة كهنوتية، أو على الأقل من أسرة يؤيدها الكهنة، ولو أنه لم يعتبر نفسه في نصوصه غريبًا عن الدوحة الحاكمة، فادعى أن الرؤى والآيات تعاقبت لتبشيره بأنه سيكون خليفة نبوخذ نصر ومتبعًا لسنته، برضا مردوك وبقية الأرباب. وأراد الرجل بعد اعتلائه العرش في عام ٥٥٥ق. م٣. أن يحقق حسن ظنه بنفسه، فأسرف في إظهار تقواه إزاء المعبودات بتجديد معابدهم وزيادتها، ومن أشهر ما جدده منها زقورة أور التي اعتبر مشيدها القديم أورنمو من أسلافه، ومعبد الشمس في سيبار الذي اعتبر مشيده نرام سين الأكدي من أجداده، وأسرف في إظهار حب العلم والشغف بجمع اللوحات والآثار القديمة٤، وشاركته هذه الهواية ابنته التي عينها كبرى كاهنات رب القمر وادعى أن الرب اختارها زوجة بنفسه بعد أن هدد الدنيا
стр. 646
باسوداد وجهه، أي بخسوفه. كما شاركته الدعوة إلى رعاية المعابد سيدة عجوز لعلها كانت أمه، تعدت المائة في عهده وكانت لا تزال ذات سلطان وقوة جسدية وعقلية كاملة١.
وجرب نابونهيد أن يكون سياسيًّا، فتظاهر بمناصرة قورش الفارسي ضد الماذيين حلفاء بابل بالأمس، وهدف من ذلك تخليص مدينة حران الآشورية من سلطانهم لحسابه، ونجح في استعادتها فعلًا وجدد معبدها٢، فكانت من الحسنات القليلة التي أداها لدولته. ثم تمادى في الثقة بنفسه فغزا شمال سوريا حتى وصل حماة وجبال أمانوس، وغزا جنوبها حتى إدوم وغزة. ولأمر ما أناب عنه على عرش بابل ولده بال شار أوصر "بعل إحم الملك"، واتجه إلى واحة تيماء٣، ربما ليحيي أهميتها التجارية على الطريق التجاري بين ساحل البحر المتوسط وشمال غرب شبة الجزيرة العربية وبين العراق، ثم ينتفع باقتصادياتها، أو على أمل أن يستعين بها وبوسطها البدوي على تطعيم جيشه بقوات فتية يحيي بها مجد دولته ويستعد بها لمعركة قريبة لا محيص عنها بينه وبين الفرس الطموحين، أو ليتخذها ملجأ أخيرًا له لو عجز أمام الفرس.
ولكن خاب أمل الرجل في هذا كله وخابت سياسته مع تيماء وجيرانها؛ إذ اشتد عليها وقتل ملكها، ثم سورها وأقام بها بضع سنوات في قصر جديد، على الرغم من سوء ظنه بأهلها وسوء ظنهم به، بينما أناب عنه ولي عهده في العاصمة بابل سرة الدولة التي وجب عليه أن يرعاها بنفسه. وعندما عاد إليها في عام ٥٤٥ق. م. كان سوء الإدارة قد عمل عمله فيها، وانتشرت المجاعة حولها٤. وفي هذه الظروف صحت عزيمة الملك الفارسي على ضمها إلى ملكه في بداية تنفيذ مشروعه لغزو الهلال الخصيب كله. وهنا حاول نابونهيد أن يجمع الأحلاف حوله، ولكنه لم ينجح في ذلك غير نجاح قليل، وخشي الآخرون من بطش الفرس العتاة. ويبدو أن كلف نابونهيد بآثار الماضي جعله يكثر من صور وتماثيل آلهة المدن الأخرى القديمة في عاصمته مما جلب عليه كره كهنته. فاستعاض عن ولائهم باستدعاء تماثيل المعبودات إلى بابل ليشتركوا مع إلهها مردوك في حمايتها، ولكنه بمعبوداته كان أقل من أن يقف أمام الطوفان الفارسي فانهزم. ودخل قورش بجيوشه إلى بابل وادعى في نصوصه أنها فتحت أبوابها له ورحبت به ملكًا رد عليها مقومات الحياة، وروى أن أهلها فرشوا طريقه فيها بالرياحين.
وزاد قورش، أو من كتب نصوص النصر على لسانه، فرمى نابونهيد بالكفر والسخافة وتعقيد طقوس الأرباب، بل وبفساد الذوق حتى في اختيار تمثال معبوده الذي بدا وجهه فيه قائمًا كهيئة القمر في المحاق، ووصلت جدائل شعره حتى عرقوبيه. واتهمه بأنه تسبب في قتل نبلائه وتعطيل طرق التجارة
стр. 647
بمشروعاته التوسيعة الفاشلة، حتى غضب عليه كل الأرباب والناس١، وما إلى ذلك من إدعاءات يعجز التاريخ عن تبين حقيقتها لأنها صدرت عن مصدر واحد وعلى لسان منتصر لا منافس له ولا معقب عليه. وزيادة في الاستمتاع بمظاهر النصر أبقى قورش على حياة نابونهيد وبعث به إلى كرمان. ومرة أخرى هلل اليهود للمنتصر وتشفوا في المنهزم وقالوا بلسان النبي دانيال: "قسمت مملكتك وأعطيت للميديين والفرس"، وزعموا أنها كانت نبوءة كتبت على أحد جدران قصر ملك بابل٢.
стр. 648
خاتمة:
انتهى دور بابل في التاريخ القديم كدولة مستقلة في عام ٥٣٩ق. م، كما انتهى قبلها دور آشور بعد عام ٦١٢ق. م، ولكن زوال دورهما السياسي لم يستتبعه إطلاقًا زوال تأثيرهما الحضاري في الشرق والغرب معًا. ولم تكن بابل أقل حظًّا من أختها في ذلك، حتى لقد رأى فيها المؤرخون الإغريق الذين زاروها منذ عصرها الفارسي وخلال عصرها السليوكي، صورة تجمعت فيها المفاخر العقلية للعراق القديم كله، فتحدثوا عن تراثها الفلكي بما فيه من تقسيمات دائرة البروج ورموزها الاثنى عشر، وإضافة وتنظيم شهر النسيء "أو الكبس" فيها على أساس دورة زمنية مقدارها ثمان سنوات ودورة أخرى مقدارها تسعة عشر عامًا، وتحدثوا عن قدرة علمائها على التنبوء بخسوف القمر مستعينين بدورة الثمانية عشر عامًا، وعن معرفتهم بالمزولة الشمسية والمزولة المقعرة ثم بالساعة المائية، مع تقسيم الساعة إلى أجزاء ودقائق ... ، وبراعتهم في استخدام الطريقة الستينية التي توارثوها عن عصورهم القديمة ... إلخ١.
ومن طريف ما صوره أحد البابليين الأواخر، خريطة لما تشغله بابل وجاراتها من العالم المعروف لديه، على لوحة مسمارية سجلت في أعلاها بعض حملات سرجون الأكدي "ولعله أراد أن يفسر بها مواقع هذه الحملات"، فصور العالم على هيئة دائرة تحيط بها دائرة أوسع منها قليلًا، بهرتها بابل العظيمة على هيئة دائرة سوداء صغيرة، ويشقها طولًا الفرات ودجلة إلى حيث يصبان في مياة الخليج. ثم صور مدنًا أخرى وشعوبًا على هيئة دوائر سجل أسماءها فيها وبجوارها "ولكن دون اهتداء إلى توزيعاتها الجغرافية الصحيحة بطبيعة الحال". وصور في شمال البحر الكبير ثماني جزر قال عنها إنها لا ترى الشمس. وصور على أطراف دائرته مثلثات كبيرة تخيلها فيما يبدو جبالًا بعيدة أو رواسي ترتكز قبة السماء عليها.
الموضوعات:
صفحة
مقدمة ١ - ٤
الفصل الأول
التشابه والتنوع في الشرق الأدنى القديم وتأثيرات البيئة في حياة أهله ٥ - ١٨
عموميات "٥" – مصر ووادي النيل "٧" – بلاد النهرين "٩" – بلاد الشام "١١" – شبه الجزيرة العربي "١٣"
الفصل الثاني
الشرق الأدنى ودهوره الحجرية فيما قبل التاريخ ١٩ - ٣٢
في الدهر الحجري القديم الأسفل ١٩
في الدهر الحجري القديم الأوسط ٢١
في الدهر الحجري القديم الأعلى ٢١
قرائن العمران في الدهور القديمة الثلاثة ٢٢
من السلالات البشرية ٢٢
بدايات الزراعة في فجر التاريخ "العصر النيوليثي" ٢٥
تعدد الحرف وبدايات الفنون ٢٧
بداية حرفة الرعي ٢٩
بدايات المعادن "في العصر الخالكوليثي" ٣٠
وضوح التجمعات ٣١
الكتاب الأول
مصر القديمة منذ فجر التاريخ حتى نهاية العصور الفرعونية
تمهيد بتقسيمات عصور مصر القديمة ومصادرها ٣٥ - ٤٢
مصر فجر تاريخها ٤٣ - ٧٦
في الفترة النيوليثية "الحجرية الحديثة": ٤٣
في مرمدة بني سلامة "٤٤" – في الفيوم "٤٥" –في دير تاسا "٤٦".
في الفترة الخالكوليثية "النحاسية الحجرية". ٤٧
في البداري "٤٧" – في حضارة نقادة الأولى "٤٩" – في حضارة نقادة الثانية "٥٤" – بين الصعيد والدلتا "٦٠" – التطور الاجتماعي والسياسي نحو الوحدة "٦٢" – من تطورات الفنون وتعبيراتها "٦٧" – من آثار العقرب "٧٣" – من آثار نعرمز "٧٤".
стр. 665
الفصل الرابع صفحة
بداية الأسرات والعصور التاريخية ٧٧ - ٩٥
معالم الكتابة وتوابعها "٧٧" – الفرعون ونظم الإدارة "٧٩" – في العمران والفكر "٨٦" – النشاط الحدودي والخارجي "٩٣".
الفصل الخامس
عصور الأهرام في الدولة القديمة ٩٦ - ١٤٧
أولا – الرشاقة والابتكار في عصر الأسرة الثالثة. ٩٦ - ١٠٦
بداية العصر "٩٦" – إيمحوتب وشواهد العمارة والفن في سقارة "٩٧" – قصة المجاعة "١٠٣" – التقويم "١٠٤".
ثانيا – الروعة والبنيان الراسخ في عصر الأسرة الرابعة ١٠٧ - ١٢٩
تجديدات عهد سنفرو، وتطور بناء الهرم "١٠٧" – عهد خوفو "١١١" – تعبيرات الهرم الأكبر وتوابعه "١١٢" – هزة مؤقتة في عهد جدف رع "١١٩" – آثار عهد خفرع "١٢١" – أبو الهول "١٢٤" – عواقب الإسراف في عهود منكاورع وشبكاف وخنتكاوس "١٢٥".
ثالثا – التقوى والرفاهة في عصر الأسرة الخامسة ١٣٠ - ١٣٨
دعوى الأصل المقدس وملوك العصر "١٣٠" – معابد الشمس "١٣١" -أهرام العصر ومعابدها "١٣٢" متون الأهرام "١٣٣" - الاتصالات الخارجية "١٣٤" - التطور السياسي والاجتماعي "١٣٥".
رابعا- البيروقراطية والتحرر في عصر الأسرة السادسة ١٣٩ - ١٤٧
شخصيات العصر - نمو البيروقراطية "١٣٩" - أحداث الشمال والتنظيمات العسكرية "١٤١" – العمارة والفن والمجتمع "١٤٢" – رحلات الكشف في الجنوب "١٤٤".
الفصل السادس
عصر الانتقال الأول "عصر اللامركزية الأولى" ١٤٨ - ١٦٢
نهاية دورة "١٤٨" – الثورة الطبقية "١٤٩" – الغموض "١٥٠" – انتفاضة اليقظة في العهود الأهناسية "١٥٣" – ازدهار الفردية "١٥٦" – العصر بين دورتين تاريخيتين "١٦٠" – معالم الفن الإقليمي "١٦١".
الفصل السابع
الدورة التاريخية الثانية – في الدولة الوسطى ١٦٣ - ١٩٠
أولا – عودة الوحدة في عصر الأسرة الحارية عشرة ١٦٣ - ١٧٢
ملوك العصر واسترجاع المركزية "١٦٤" – الاستثمار الحدودي والنشاط الخارجي "١٦٥" – صور من المجتمع "١٦٧" – في العمارة الدينية والفن "١٧٠".
ثانيا – الازدهار والكلاسيكية في عصر الأسرة الثانية عشرة ١٧٣ - ١٩٠
ملوك العصر والسياسة الداخلية "١٧٣" – في العمران "١٧٧" – في الأساليب الفنية "١٨١" – في السياسة الخارجية "١٨٣".
стр. 666
الفصل الثامن صفحة
عصر الانتقال الثاني "عصر اللامركزية الثانية" ١٩١ - ٢٠٣
أولا – عصر الأسرة الثالثة عشرة ١٩١ - ١٩٤
في نصفه الأول "١٩١" – الأفول في نصفه الثاني "١٩٣"
ثانيا – محنة الهكسوس ١٩٥
ثالثا – مراحل الجهاد والتحرير ١٩٩
الفصل التاسع
الدورة التاريخية الثالثة – في الدولة الحديثة ٢٠٤ - ٢٢٨
تمهيد ٢٠٤
أولا – الانطلاق في عصر الأسرة الثامنة عشرة ٢٠٥ - ٢٢٨
في السياسة الداخلية: ملوك العصر "٢٠٥" – من شخصيات الفراعنة "أمنحوتب الأول – تحوتمس الثالث – آخناتون" – دعاوى الأصل المقدس – "في عهود حاتشبسوت وتحوتمس الثالث وتحوتمس الرابع وأمنحوتب الثالث "٢٠٦" – العاصمة طيبة "٢٠٨" – الوزارة "٢٠٩" – إصلاحات حورمحب "٢١٠" – من كبار شخصيات الشعب "٢١١". في السياسة الخارجية: أهدافها "٢١٢" – تطبيقاتها في عهود أحمس الأول "٢١٢" – أمنحوتب الأول "٢١٣" – تحوتمس الأول "٢١٣" – حتشبسوت "٢١٥" تحوتمس الثالث والتقاليد العسكرية "٢١٦" - أمنحوتب الثاني "٢٢٢" – تحوتمس الرابع "٢٢٣" – أمنحوتب الثالث "٢٢٣" – رسائل العمارنة – وآخناتون "٢٢٤" – خلفاء آخناتون "سمنخ كارع – توت عنخ آمون – آي "٢٢٧".
ثانيا – عهود الرعامسة ٢٢٩ - ٢٦٠
عودة الكفاح ثم الرفاهة مع عصر الأسرة التاسعة عشرة ٢٢٩ - ٢٤٢
السياسة الداخلية والخارجية في عهود رمسيس الأول "٢٢٩" – سيتي الأول "٢٢٩" – رمسيس الثاني "٢٢٢" – مونبتاح "٢٣٩" – سيتي الثاني ونهاية الأسرة "٢٤١".
ثالثا – آخر الشوط مع الرعامسة في عصر الأسرة العشرين ٢٤٣ - ٢٦٠
عهود ست نخت "٢٤٣" – رمسيس الثالث "٢٤٣" – عواقب الإسراف في عهود أواخر الرعامسة "٢٤٧" حريحور "٢٥٢" – قصة ونآمون "٢٥٣".
رابعا – الثيوقراطية والفتور في عصر الأسرة الحادية والعشرين ٢٦١ - ٢٦٨
السياسة الداخلية والخارجية في عهود الملوك نس بانب جدة – أمون منيسو – باسبا خع منى – أمنموبة – أسوخوز – باسباخع منى الثاني – كبار الكهنة من سلالة حريحور
سرقات المقابر – مومياوات الملوك والكهنة "٢٦٦"
خامسا – نماذج من الفن والعمارة في الدولة الحديثة ٢٦٩ - ٢٧٩
أربع مراحل لأساليب النحت والتصوير "٢٦٩" – معابد الكرنك وأبو سنبل "٢٧٨"
стр. 667
الفصل العاشر صفحة
الشيخوخة الثالثة في العصور المتأخرة ٢٨٠ - ٣٢٨
أولا – التخبط والتداخل في عهود الأسرات ٢٢ - ٢٤ ٢٨٠ - ٢٨٧
التكوين الجنسي لقبائل الصحراء الغربية والمهجنين "٢٨٠" – عهود الملوك شاشانق – وساركون – ثكرتي "٢٨٤"
ثانيا – دفع النوبة لمصر في عصر الأسرة الخامسة والعشرين ٢٨٨ - ٢٩٩
الأصل العرقي للأسرة "٢٨٨" – عهود كاشت "٢٨٩" – بيعنخي "٢٨٩" – تاف نخت "٢٩٠" – باكن رتف "بوخوريس" وتشريعاته "٢٩١" شاباكا "٢٩٣" – تاهرقه "٢٩٥" تانوات آمون "٢٩٩".
ثالثا – نهضة العصر الصاوي مع الأسرة السادسة والعشرين ٣٠٠ - ٣١٠
عهود بسماتيك الأول "٣٠٠" – نيكاو الثاني "٣٠٣" – بسماتيك الثاني "٣٠٥" – واح إب رع "٣٠٥" – أحمس الثاني "٣٠٧" – فنون العصر "٣٠٩".
رابعا – النكسة مع الغزو الفارسي ٣١١ - ٣١٥
الحكم الفارسي "٣١١" – الثورات المصرية "٣١٤"
خامسا – ابتسامة مبتسرة في عصور الأسرات ٢٨ - ٣٠ ٣١٦ - ٣٢٨
التحرر وعصر الأسرة ٢٨ "٣١٦" – الوثائق الآرامية في جزيرة آيو في أسوان "٣١٧"
عصر الأسرة التاسعة والعشرين – وعهدا نايف عاورود، وهجير "٣٢٢".
عصر الأسرة الثلاثين – وعهود نخت نيف – جدحير – نخت حرحب "٣٢٣"
سادسا – خاتمة المطاف القديم:
الغزو الفارسي الثاني "٣٢٦" – غزروة الإسكندر الأكبر "٣٢٨".
الفصل الحادي عشر
عقائد الدين والآخرة ٣٢٩ - ٣٤٤
أولا – عقائد التأليه ٣٢٩ - ٣٣٨
نشأتها "٣٢٩" – خصائصها "٣٣٠" – في سبيل الترابط "٣٢١" – في سبيل التوحيد "٣٣٣" – دعوة آخناتون "٣٣٥"
ثانيا – عقائد البعث والخلود ٣٣٩ - ٣٤٤
مقوماتها ومسبباتها "٣٣٩" – وسائل تأمين الخلود "٣٤١" متون الأهرام – متون التوابيت – كتب الموتى "٣٤٣ "
الفصل الثاني عشر
من الأدب المصري القديم ٣٤٥ - ٣٦٨
أولا – في أدب الأسطورة والملحمة ٣٤٥ - ٣٤٩
أسطورة أوزير وتوابعها "٣٤٥" – الحق والبهتان "٣٤٨" – بين هلاك البشرية وإنقاذها "٣٤٩"
стр. 668
ثانيا – في أدب القصة ٣٤٩ - ٣٥٩
سنقرو والحكماء "٣٤٩" – قصة خوفو والحكيم جدى "٣٥٠" قصة العاشقين والتمساح "٣٥١" قصة الأخوين "٣٥٢" من قصص المغامرات: نجاة الملاح "٣٥٤" – سنوهى "٣٥٦" – اليائس من الحياة "٣٥٧"
ثالثا – في أدب النصيحة ٣٥٩ - ٣٦٣
بتاح حوتب "٣٥٩" – آنى "٣٦١" – أمنموبي "٣٦١" – من نصائح المعلمين "٣٦٢"
رابعا – في أدب النقد والتوجعات ٣٦٣ - ٣٦٩
إيبولالا والثورة الطبقية "٣٦٣" – القروي الفصيح "٣٦٦"
الكتاب الثاني
العراق
"بلاد النهرين منذ فجر التاريخ حتى نهاية العصر الكلداني"
٣٧٣ - ٣٧٩
الفصل الثالث عشر
فجر التاريخ العراقي
"أ" في الفترة النيوليثية "جرمو – حسونة – حلف" ٣٧٥
"ب" في الفترة الخالكوليثية "حضارة العبيد" ٣٧٦
"ج" قبيل العصر الكتابي "حضارة الوركاء" ٣٧٩
الفصل الرابع عشر
أوائل العصور التاريخية – عصر بداية الأسرات السومري ٣٨٧ - ٤١٦
التكوين الجنسي "٣٨٧" – الكتابة المسمارية "٣٩١" – العمارة الدينية "الزقورات" "٣٩٤" – العقائد "٣٨٧" – التطور السياسي "٤٠١" – الفنون "٤٠٨" – المساكن "٤١٣" – المقابر "٤١٤".
الفصل الخامس عشر
العصر الأكدي ٤١٧ - ٤٢٧
البداية والحياة السياسية ٤١٧
الفنون ٤٢٢
نهاية دولة ٤٢٥
стр. 669
الفصل السادس عشر صفحة
عصر الإحياء السومري ٤٢٨ - ٤٥٩
بدايته: في لجش "٤٢٨" – في أوروك "٤٣١" ٤٢٨
دولة أور: في السياسة والتشريع "٤٣٢" – في الفنون "٤٣٦" ٤٣٢
من الأدب السومري والدين ٤٣٩
نهاية أور ٤٤٧
عصر أين – لارسا ٤٥٠
تشريع إشنونا ٤٥١
إين ٤٥٣
في لارسا ٤٥٥
في الفن ٤٥٦
الفصل السابع عشر
دولة بابل الأولى "أو العصر البابلي القديم" ٤٦٠ - ٤٨٢
بدايتها ٤٦٠
تشريعات حمورابي ٤٦٣
في الفن ٤٧٠
من الأدب البابلي ٤٧٣
أساطير نشأة الوجود "٤٧٣" – جلجميش وقصة الطرفان "٤٧٥" صعود إيتانا إلى السماء "٤٨٢" الحوار في الأساطير "٤٨٢"
الفصل الثامن عشر
العصر الكاسي ٤٨٥ - ٤٩٩
الحياة السياسية: النشأة والسياسة الداخلية "٤٨٥" ٤٨٥
في العمارة والفن ٤٨٨
العلاقات الخارجية: مع الشام ومصر "٤٨٩" ٤٨٩
مع آشور "٤٩٠" – مع الحوريين "٤٩٠" – مع الميتان "٤٩١"
الأفول حتى نهاية الأسرة البابلية السابعة ٤٩٣
من الحياة الفكرية ٤٩٥
الفصل التاسع عشر
آشور ٥٠٠ - ٥٤٧
"أ" المراحل الأولى "العصر العتيق – العصر القديم" ٥٠٠
"ب" العصر الوسيط ٥٠٢
التوسع في المرحلة الأولى "٥٠٣" – الفن "٥٠٤" – الأفول "٥٠٦".
стр. 670
المرحلة الثانية من العصر الوسيط ٥٠٧
التوسع "٥٠٧" – الفن والإدارة "٥٠٩" – التشريعات "٥١٠" – النهاية "٥١٣".
"ج" العصر الآشوري الحديث: ٥١٣
المرحلة الأولى: عهود أداد نيراري –توكلي فينورتا الثاني – آشور ناصر بال الثاني – شلما نصر الثالث "٥١٣" – نهاية مرحلة "٥٢٠".
مرحلة الأمجاد الأخيرة:
التوسع الخارجي: تيجلات بيليسر الثالث "٥٢١" – عهد سرجون "٥٢٣" – خلفاء سرجون: سينا خريب – آشور أخادين – آشور بانيبال "٥٢٨" – مع بابل "٥٢٩" – مع إلام "٥٣٠" مع مصر والشام "٥٣١" – مع عرب البادية "٥٣٥" – بداية النهاية "٥٣٥"
في العمران والفن والأدب ٥٣٦
الفصل العشرون
بابل الكلدانية ٥٤٨ - ٥٦٥
تمهيد: عودة إلى الآراميين والعلاقات مع آشور ٥٤٨
التطور السياسي "٥٤٨" – في الفن "٥٥٠"
يقظة بابل وماذي وانهيار آشور: ٥٥٢
الاتساع البابلي ٥٥٥
العمران والفنون ٥٥٧
الأفول ٥٦١
خاتمة ٥٦٤
الخرائط ٥٦٦
اللوحات ٥٦٨
فهرست بأهم المفردات ٦٠٥