← История

История · id 2113

الشرق الأدنى القديم في مصر والعراق

عبد العزيز صالح

Полный текст (670 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

أعينهم، وإن لم تمنع أمثال هذه المعاملة آشور ناصر بال من أن يشيد بفضل أربابه في تأييده، ويكرر اهتمامه بتقديم القرابين إليهم وحرصه على تخصيص أخشاب أرز جبال أمانوس لإبهاء احتفالات معابدهم. ولسنا مضطرين بطبيعة الحال إلى التسليم بحرفية هذين الضدين من المعلومات، ففي كل منهما مبالغة، مبالغة في تصوير القسوة لتكون عبرة، ومبالغة في تصوير التقوى للتغطية على الأخطاء. وما ينطبق من حكمنا هذا على نصوص آشور ناصر بال ينطبق على نصوص غيره من الملوك القدماء. ويفهم من حوليات هذا الملك أن عملية توطين الآشوريين في المدن المفتوحة ليصبحوا سادتها والمنتفعين بخيراتها وليخمدوا نشاط زعمائها ويكونوا عيونًا عليهم لدولتهم، قد سبقت عهده؛ إذ تحدث أحد نصوصه عن أن جماعة منهم توطئوا في منطقة جبلية شمالية قد أخذهم الغرور وابتغوا أن يتسعوا لحسابهم في المناطق القريبة منهم فعاملهم بقسوة لا تقل عن معاملته لأعدائه الأجانب١. وترك أخيرًا ملكًا موطدًا وترك معه قصرًا عظيمًا في كالح "نمرود" التي اهتم بها اهتمام شلما نصر الأول من قبله ويبدو أنها كانت تعتبر مصيفًا ملكيًّا٢، ولا تزال بقايا قصره فيها من أروع المصادر لفن النقش في عهده مما سنعود فيما بعد إلى ذكره. استفاد شلما نصر الثالث "شلمانواشاريدو" "٨٥٩ - ٨٢٤ق. م" من جهود أبيه آشور ناصر بال وحمية دولته، واستطاع أن يسود غرب آسيا من الخليج العربي حتى جبال أرمينيا، ومن الحدود الميدية حتى سواحل البحر المتوسط٣. ولم يكن أقل اعتزازًا بجبروته من أبيه، فوصفته نصوصه بأنه الأفعوان الكبير أوشوم جال٤ وكان لقب الأفعوان الكبير يوصف به الأرباب وتلقب به حمورابي ثم انتحله الملوك الآشوريون، ولعل فيه بعض الشبه بالصل الملكي المصري، وأنه طحن أعداءه جميعًا كما لو كانوا من صلصال. وأنه المقتدر الذي لا يعرف الرحمة في الحروب ... إلخ. وقد ساعدته الظروف فتدخل في مشكلات عرش بابل، ولم يكن ذلك بغير ثمن لصالحه وصالح دولته، فقد أصبحت له اليد العليا على صاحب عرشها بعد أن ناصره، وسمح له ذلك أن يتعداها بجيوشه إلى كلديا حتى الخليج العربي ويتلقى هدايا ملوكها "أو جزاهم على حد تعبير نصوصه" وقد روت قوله عنها: "هبطت إلى كلديا وقهرت مدنها وسرت حتى البحر الذي يسمونه البحر المالح "الخليج العربي"، وتلقيت في بابِل جزية أديني بن داكوري من الفضة والذهب وخشب أوشو العاج ... " وصور فنانوه جزية بيت داكوري هذه يحملها أهلها بين صفوف النخيل ويشرف عليها حراسه وكتبته. وسجلوا صورها على أبواب قصره المكسوة بصفائح البرونز في يلاوات٥.

стр. 597

وروت نصوصه في اتجاهه بجيوشه ناحية الشمال، أنه اكتسح أرض"مات" خاتي كلها وجعلها تلالًا خربة كأنما اكتسحها فيضان. ولعلها أرادت بمات خاتي هذه أطراف العراق القريبة من آسيا الصغرى، أو المناطق التي انتشر بقايا الحيثيين القدماء فيها بعد أن شتتهم أعداؤهم حول قرقيش١، وكان أبوه قد ادعى قتالهم أيضًا. واعتز شلما نصر بزيارته منابع دجلة في الشمال، وقالت نصوصه على لسان: "وبلغت منبع دجلة بحيث ينبع الماء، وغمست سلاح آشور في مياهه ... ، وأقمت حفلًا سعيدًا، وأمرت "بنقش" نصب باسمي وصورتي". وصور الفنانون هذه الزيارة على أبواب قصره، وهي زيارة اعتبرها L.W.King لأحد روافد دجلة العليا المسمى بالكاليم سو٢. وعلى مقربة من هذه النواحي، ذكرت نصوصه حملة له على أورارتو "أورارتي"، وهو اسم أطلقه الآشوريون فيما يحتمل على المنطقة التي سماها أهلها بياينياس شمال آشور وفيما يتركز حول بحيرة فان الحالية وجبال أرارات شرق آسيا الصغرى، وكانت النصوص الآشورية قد بدأت ذكرها منذ عهد شلما نصر الأول في القرن الثالث عشر ق. م، ولكنها زادت في عهد سميه شلما نصر الثالث فذكرت ملكًا من ملوكها، ثم عادت بعد فترة فذكرت اسم سيدوري قائد أورارتو، وهو اسم ذكرته أقدم نقوش الأورارتيين أنفسهم بلفظ "ساردوري"، ويبدو أن شلما نصر قد أحرز بجيوشه نصرًا هناك مما خلع عليه شيئًا من القداسة وسمح لفنانه بأن ينقش ما يصور تقديم القربان لصورته على سفح جبل قريب من بحيرة فان٣. وكانت لشلما نصر، أو لجيوشه بمعنى أصح، قصة طويلة مع سوريا، امتازت نصوصه عنها بتضمينها عدة أسماء لا تزال حية في أسماء مدتها ومواقعها مع تحريفات وتصحيفات يسيرة مثل أسماء: خالمان عن حلب، وأماة عن حماة، ودمشقي عن دمشق، وخاوراني عن حوران، وأرانتو عن نهر الأورنت "العاصي"، وخمري عن عمري، وقرقرة عن قرقر، وعمون ... وما إليها. غير أن الأهم من ذلك هو تضمينها اسم أريبو أو عريبو بمعنى العرب، وأعراب البادية بخاصة، لأول مرة في النصوص القديمة المعروفة، واسم جنديبو تحريفًا لاسم أمير عربي يدعى جندب أو جندبة، واسم أخابو تحريفًا للاسم العبري أخأب أو أحأب. وتجرأ شلما نصر على مهاجمة دمشق، أكبر الإمارات الأرامية العربية، بعد أن أرهب هو وأبوه الإمارات الأرامية الأخرى التي توزعت بين الفرات وبين قلب الشام ولكن دمشق لم تكن صيدًا سهلًا على الرغم من طول منافساتها مع جيرانها من الأراميين والعبرانيين، فعزمت على الوقوف في وجه جبروت الآشوريين، وجمع أميرها أداد إدري "هداد عذيري؟ " الأحلاف حوله من أهل الشام ومن العرب أو الأعراب ومن العبرانيين الذين تناسى معهم ضغائنهم القديمة في سبيل مواجهة عداء الغزو الآشوري العنيف، وخف بهم إلى قرقر حيث ضم إليه أميرها وجيشه.

стр. 598

وعبرت نصوص شلما نصر عن لقائه "أو لقاء قواته" مع أولئك الأحلاف بتعبيرات مسرفة ولكنها طريفة ولا بأس من الاستشهاد ببعضها كنموذج لأمثالها. فقد روت على لسانه ما يقول: " .... حينما اقتربت من حلب خالمان خشي"أهلها" الحرب وارتموا على قدمي، فتلقيت جزاهم فضة وذهبًا وضحيت أمام أداد حلب، ورجعت من حلب وبلغت مدينتي إرهوليني الحموي، فهاجمتها وهاجمت عاصمته أرجانا واستولت على جزاه وممتلكاته وحرقت قصوره، ثم واصلت المسيرة إلى قرقرة فدمرتها ومزقتها وحرقتها وكان "أميرها" قد استنجد بألفين ومائتي عجلة حربية، وألف ومائتي فارس وعشرين ألفًا من مشاة أداد إدري الأموري "الإمريشو أو الإمريشي"، وسبعمائة عربة فارس وعشرة آلاف من مشاة إرهوليني الحموي، وألفي عربة وعشرة آلاف من مشاة أخاب وأرض إسرائيل "؟ " Akha-Ab-Bu Mat Siri-La-A-A وخمسمائة جندي من قوى، وألف جندي من مصرى، ... وألف "راكب" جمل من جنديبو الأريبي "أي جندب أو جندبة العربي"، و .... ألف من بأسا بن روهوبي العموني ... ، "وكلهم" اثنا عشر ملكًا تأهبوا لملاقاتي في معركة حاسمة، فقاتلتهم بقوات آشور العظيمة التي هيأها لي مولاي آشور، وبالأسلحة التي قدمها لي مرشدي نرجال ... ، وأوقعت بهم الهزيمة بين مدينتي قرقرة وجيلزاو، وذبحت ألفًا وأربعمائة من جنودهم بالسيف، وانحططت عليهم انحطاط أداد حين يرسل عواصفه الممطرة مدرارًا، وبعثرت جثثهم "في كل مكان"، وملأت السهل كله بهم، وأجريت دماءهم ... ، وضاق السهل عن نزول أرواحهم "إلى العالم السفلي" ... ، وجعلت جثثهم معبًرا لي على نهر الأرانتو "الأورنت" ... وهكذا أكد شلما نصر انتصاره على خصومه الأراميين وحلفائهم في موقعة قرقر حوالي عام ٨٣٣ق. م ولكن كانت هذه من المرات النادر بمحض الصدفة التي سجل الأراميون فيها وجهة نظرهم في مواجهة آشور، وقد أكدوا فيما سجلوه عنها أنهم أحرزوا فيها نصرًا كبيرًا. ولن نملك إزاء تضارب المصدرين إلا أن نفترض أن موقعة قرقرة لم تكن حاسمة أي طرف من الطرفين، لا سيما وأن الكتبة الآشوريين قد أعادوا ذكر انتصار ملكهم وتغنوا به مرارًا وتكرارًا في نقوش قصوره وعلى العمد والنصب، وذلك مما يعني تكرار حروب الأراميين معه، أو هو يعني تقديرهم الكبير لقوة الأراميين وحلفائهم واعتبار النصر عليهم، أي نصر، كسبًا كبيرًا ومجدًا عظيمًا. ويبدو أن الحلف الذي استشهدنا بروايته عن شلما نصر، لم يكن الحلف الوحيد الذي نجح الأرميون في تكوينه على الرغم من انسلاخ أخأب الإسرائيلي وقومه عنهم، فقد تحدثت النصوص الآشورية عن تحالف أداد إدري مع أمير حماة واثني عشر ملكًا نسبتهم إلى ساحل البحر حينًا، وإلى ساحل البحر الأعلى والبحر الأسفل حينًا آخر، وضمت إليهم كل ملوك خاتي مرة ثالثة، ثم جعلتهم خمسة عشر ملكًا مرة رابعة. وتبارى الكتبة الآشوريون في تضخيم أعداد قتلى خصومهم الأراميين فيما بين العام السادس والعام الرابع عشر من حكم ملكهم، فتارة هم ألف وأربعمائة، وتارة خمسة وعشرون ألفًا، وتارة عشرون ألفًا وخمسمائة، وتارة عشرون ألفًا وتسعمائة ... إلخ. وعلى أية حال فلم تهن عزيمة دمشق ومن بقي على الولاء لحلفها إلا بعد أن مزقتها الأطماع الداخلية، فاغتيل أداد إدري، وولي بعده حزائيل، وكان ذا كفاية حربية مثله، وإن كانت النصوص الآشورية قد ادعت أنه مجهول الأب.

стр. 599

وروى شلما نصر قصته مع هذا الأمير الجديد قائلًا: "وهلك أداد إدري، وأصبح حزائيل أميرًا على دمشق ... وفي العام الثامن عشر من حكمي عبرت الفرات للمرة السادسة عشرة وكان حزائيل الأموري "خزائيل الأمريشو" قد اطمأن إلى جيشه الكثيف وتحصن في جبل سنر "سا-ني-رو" المواجه للبنان فقاتلته وأنزلت به الهزيمة وقتلت ١٦٠٠٠ من رجاله بالسيف، واستولت على ١٢١١ عربة، و٤٧٠ جوادًا، وسيطرت على معسكره ولكنه فر بنفسه فتتبعته إلى دمشق عاصمته وقطعت بساتينها ... ، وواصلت المسيرة حتى جبال حوران "شادي مات خاوراني" مدمرًا وممزقًا ومحرقًا مدنًا لا عد لها ومستوليًا على أسلاب لا حصر لها ... ، ووصلت حتى جبال بعلي رأسي بجانب البحر وأقمت هنا نصبًا بصورتي، وتلقيت حينذاك جزى أهل صور وصيدا وياهو بن"أو أمير" عمري. ولم تكن هذه هي المرة الوحيدة بين الآشوريين وبين حزائيل، وإنما تكرر لقاؤهما مرات وكانت إحدى هذه المرات في العام الحادي والعشرين من حكم شلما نصر. وترتب على إضعاف دمشق أخيرًا ما يسر للآشوريين بسط سلطانهم على الإقليم الواقع شماليها والممتد فيما بين الفرات وبين البحر المتوسط. وروى ملكهم هذا الأمر بأسلوبه فقال في نصوصه: "اكتسحت مدن أرض أمورو العليا فكانت تلالًا في مهب الريح العاصمة وسرت منتصرًا على طول شاطئ البحر الكبير"١. ويبدو أن مواني فينيقيا آثرت السلامة حرصًا على أمنها التجاري، فراسلت شلما نصر بهدايها واحتراماتها، وإن كان فنانوه قد اعتبروا هذه الهدايا جزى وأسلابًا، فصوورا على أبواب قصره هيئة ميناء صور فوق جزيرة صخرية وسط البحر تنتقل منها قوارب الجزى حتى الشاطئ حيث يساعد على رسوها رجال يجرونها بحبال، ثم صوروا حمولتها تنقل تحت إشراف الحرس الآشوري إلى حيث يستقبلها الملك بنفسه٢. وهناك نحت الآشوريون لملكهم نصبًا تاريخيًّا في سفح جبل يجاور نهر الكلب قرب بيروت، إلى جانب لوحة تاريخية ضخمة للفرعون المصري رمسيس الثاني٣. ثم ضمن الفنانون أغلب أحداث عصرهم نقشًا وتصويرًا على عمود أسود ذي أربعة أوجه يقل قطره إلى أعلى على هيئة جسم المسلة، لولا أن قمته شكلت على هيئة ثلاث درجات صغراها هي أعلاها "على عكس المسلات المصرية المدببة الطرف"، وشغلوا وجوهها الأربعة بنقوش وصور قليلة البروز للغاية، ووزعوا مناظرهم عليها في أربع وعشرين لوحة ضمنوها صور الأسلاب والغنائم والجزى وخضوع الأعداء، وعندما أرادوا أن يعبروا عن خضوع إسرائيل لملكهم صوروا ملكها ياهو بن عمري "وهو في الواقع ليس من بيت عمري وإنما ولاه الكهنة بعد انهيار بيت عمري" ساجدًا بين يدي الملك ويشرف عليه من عل رمز المعبود آشور ورمز المعبود شمش، وكأن خضوعه لم يكن للملك وحده وإنما لأربابه أيضًا. وتضمنت مناظر الغنائم وحدات تقليدية من حملة الجزى وبيئات الصيد، ومن أطرافها تصوير جمال ذات سنامين "من بكتريا"، وفيلة من منطقة مصرى في سوريا، وقردة بوجوه بشرية مفتعلة٤.

стр. 600

نهاية مرحلة: ادعت نصوص شلما نصر الثالث فيما ادعته، أنه قاد اثنتين وثلاثين حملة خلال فترة حكمه التي امتدت خمسة وثلاثين عامًا ولكن نشبت في نهاية عهده فترة ضعف بدأت بخروج ولده عليه بسبب ما هضمه حقه في ولاية العهد وتخطيه إياه إلى أخيه الأصغر شمشي أداد الخامس، ثم حدوث حرب أهلية استمرت نحو ست سنوات. وظلت آشور نحو ثلاثة أرباع القرن من الزمان "٨٢٤ - ٧٤٥ق. م" تتلقى ضربات جيرانها الآراميين والبابليين والميديين والسوريين والفلسطنيين والعبرانيين حينًا، وتضربهم حينًا آخر، ولكن بغير نتائج حاسمة لها أو لجيرانها. وظل ملوكها يدعون أنهم تلقوا خضوع أمراء أركان الدنيا الأربعة من مشرق الشمس عند البحر الكبير إلى مغرب الشمس عند البحر الكبير، ولكن بغير دليل صحيح بل حدث على العكس من ذلك وفي عهد شمشي أداد الخامس بالذات أن تجرأ أهل أورارتو "أرارات وبحيرة فان" فاتجهوا جنوبًا بشرق حتى الحدود الآشورية وسجلوا هناك نصبًا بانتصارهم لكل من لغتهم الخاصة وباللغة الآشورية وفرضوا الجزية على ميليتيا أو ملاطية الحالية وما يجاورها. واحتفظت روايات المؤرخين الإغريق فيما سمعوه عن هذه الفترة وقصة محورة لملكة أطلقوا عليها اسم "سميراميس" تحريفًا فيما يبدو للاسم الآشوري "سمورمات" أو "شميران" وكانت وصية على ولدها أداد نيراري الثالث من زوجها شمشي أداد الخامس رووا أنهم سمعوا أسطورة تقول بأن أمها كانت آلهة تعبد في عسقلان قرب البحر ويرمز لها بصورة نصفها سمكة ونصفها حمامة ولما ولدت ابنتها على هيئة بشرية سوية تركتها للحمام يرعاها، فلهذا سميت محبوبة "رمات" والحمام "سمو" ثم عثر عليها كبير رعاة ملك آشور ورباها وتزوجها حاكم نينوى "أونيس" ولكن ملك آشور العظيم "نينوس" طمع فيها وأجبر زوجها على التخلي عنها فانتحر، ولجأت هي إلى الحيلة تنتقم له ولنفسها، فمكرت بالملك الغاضب وطلبت منه أن يعهد إليها بالعرش والسلطان خمسة أيام فرضي واستغلت هي سلطانها المؤقت وأمرت بسجن الملك ثم قتلته واستأثرت بالعرش بعده أكثر من أربعين عامًا. أما من حيث الواقع فقد استطاع أداد نيراري الثالث "٨١٠ - ٧٨٣ق. م" بعد أن صلب عوده وانتهت وصاية أمه عليه أن يحافظ على القليل الباقي من إرث أجداده وساعده الحظ فهادته أو تمسحت بسلطانه الأسمى بعض إمارات فلسطين ومنها منطقة إيدوم، ويبدو أن غيرتها من جارته دمشق قد رمتها في أحضانه، وكانت النتيجة الطبيعية لذلك هي أن زادت العزلة على دمشق وزادت وهنًا على وهن، وفي هذه الظروف روى كتبت الملك الآشوري أنه أخضع أرض أمورو وأرض عمري وإيدوم وفلسطين "بالاستو، بالاشتو"، وأن ملك دمشق اضطر إلى أن يعتبر نفسه تابعًا له وقدم له جزاه في قصره بدمشق. ويبدو أن مهادنة دمشق له كان لها ظل من الحقيقة فعلًا منذ عام ٨٠٢ق. م١. أما في الشرق والشمال فكان أهم ما تضمنته نصوص أداد نيراري الثالث هذا من أسماء الأقوام التي تلقى جزاها "أو وصلته متاجرها وهداياها بمعنى أصح" اسم أرض الماذيين وفارس "باراسو"، وسوف يكون لهؤلاء وهؤلاء على الترتيب أثر وأي أثر في مستقبل آشور البعيد ومستقبل بلاد النهرين كلها.

стр. 601

ولكن ما لبثت الفتن الأهلية أن عادت بعد عهده، ومزقت وحدة آشور وأضعفت هيبتها، فأفلت منها ما كان قد هادنها أو والاها من بلاد الشام، وتراجعت الجيوش الآشورية مدحورة أمام تقدم نفوذ سارديوس وأرجستوس حاكمي أورارتو، وابتدأت أسباب التقارب بين البطائح الجبلية الشمالية والشمالية الشرقية وبين الماذبين، وانتهزت بابل المغلوبة على أمرها الفرصة فاستعادت انفصالها عن العجلة الآشورية، وإن ظلت على حالها من الضعف القديم. وفي حمأة هذه المشكلات الداخلية والخارجية سجلت النصوص الآشورية حدوث كسوف كلي للشمس وافق عام ٧٦٣ق. م، ورتبت عليه ما شاءت من تعليقات عقائدية وخرافية١. وفي هذه الظروف كذلك طويت صفحة المرحلة الأولى من العصر الآشوري الحديث.

стр. 602

مرحلة الأمجاد الأخيرة من العصر الآشوري الحديث: بدأت المرحلة الثانية للتوسع الآشوري الحديث في عام ٧٤٥ق. م بولاية تيجلات بيليسر الثالث، الذي ذكرته النصوص البابلية باسم "بولو". ويحتمل الاسمان أكثر من تفسر واحد، فقد يكون اسم بولو هو اسمه الشخصي ويدل بهذا على أنه لم يكن من صلب البيت الحاكم أصلًا، وإذا صح هذا أمكن افتراض أنه كان من قادة الجيش نظرًا لما تجلى من مهاراته الحربية فيما بعد، ولما اعتلى العرش تيمن باسم الفاتح القديم تيجلات بيليسر وتسمى باسمه، أو يكون اسم بولو مجرد مرادف بابلي اخترعه البابليون له لغرض ما في نفوسهم. وأراد الحاكم الجديد تيجلات بيليسر أن يثبت قوة شخصيته وأن ينتشل آشور من وهدتها، فاتجه بفتوحه إلى حيث اعتاد الملوك العظام من قبله، وبدأ ببابل القريبة منه فهيمن عليها بعد مشقة وعهد بأمرها إلى صنيعة له يدعى نابو نصر، ثم اتجه بجيوشه إلى سوريا وبعد حروب عامين استعاد أغلبها للنفوذ الآشوري وأراد أن يعقب على ذلك بمواجهة سارديوس أمير أورارتو، ولكن دمشق التي خضعت له على مضض أعلنت ثورة عنيفة ضده عام ٧٣٩ق. م، فأصبح يضرب بجيوشه في الجبهتين واستطاع أن يوهن أورارتو، ولكنه كان أكثر ضرابًا في الشام، وذكرت نصوصه من بلدانها إلى جانب الأسماء القديمة التي رددتها نصوص أسلافه، أسماء عسقلان ومؤاب وغزة التي لجأ حاكمها إلى مصر. ثم تدخل في مشكلات العبرانيين ... عليهم هوشع ملكًا بعد أن خلعوا ملكهم، وجعله صنيعة له بينهم١. والتفت الرجل إلى بابل مرة أخرى، وكانت قد شهدت تنافسًا مسلحًا على عرشها، بعد وفاة نابو نصر العميل الآشوري فيها. وظهر من أشد المتنافسين على حكمها مردوك أباب إدين الثاني الذي ذكرته التوارة باسم مرداك بالادان. فانحطت جيوش تيجلات على المتنافسين وأجبرت مردوك أباب إدين على الفرار،

стр. 603

وخضعت بابل للحكم الآشوري المباشر، ثم تقلد تيجلات تاجها وخلع على نفسه ألقاب ملوكها ولا سيما لقب ملك سومر وأكد، في عام ٧٢٩ أو ٧٢٨ق. م. واتبع تيجلات بيليسر أربع وسائل لتثبيت قبضته على أطراف دولته وممتلكاتها، وهي: تعيين حكام آشوريين على مدنها الكبيرة دون الاكتفاء بحكامها المحليين، وإيفاد مندوبين فوق العادة لتفقدها وتنفيذ مطالب دولته منها، وربما كان من أولئك المندوبين من يلقبون بلقب رابشاق الذي ذكرته بعض قصص التوارة١، وفرض عبادة الرباب الشوريين على بعض أهل المدن العنيدة "مثل غزة" ثم تشريد أغلب أهل المناطق المفتوحة الخطرة، وتهجير أغلب الأيدي العاملة منهم إلى بلاد أخرى بعيدة عنها، حتى لا تقوم لبلادهم قائمة، مع إحلال غيرهم من مناطق بعيدة محلهم حتى يضغطوا على السكان الأصليين أو يظلوا بينهم أغرابًا مستضعفين، وتهجير بعض آخر إلى دولة آشور نفسها حتى يظلوا تحت إشراف حكامها وحتى يمكن استغلالهم في خدمتها استغلالها مباشرًا، فضلًا عمن يستعبدون منهم استعبادًا تامًّا عند خاصة أهلها. وكان من هذا القبيل أن أمر في عامه الثالث بتهجير ثلاثين ألفصا وثلاثمائة شخص من سكان المنطقة السورية التي تمتد بين حماة وبين البحر إلى منطقة تسمى كو ... ، وتهجير ١٢٢٣ آخرين إلى منطقة تدعى الأبا٢ ويبدو أنه أحل محلهم سكانًا جلبهم رجاله من منطقة لولومو في جبال زاجوراس ومن ناييري قرب بحرية فان. وهجر بأمره في عام آخر عدد كبير من أهل "بيت خومريا"٣ أي أرض عمري في منطقة العبرانيين، إلى آشور. بل وروت نصوصه أنه هجر بأمره أكثر من مائة ألف من أنصار ... في بابل نفسها بعد أن أخضعها لحكمه المباشر. ومن أهم ما يرتبط بعهد تيجلات بيليسر، من وجهة النظر العربية، هو صدام جيوشه مع قبائل عربية كثيرة انتشرت على الطريق التجاري القديم في شمال شبه الجزيرة العربية بين البحر الأحمر وبين العراق. وذكرت نصوصه أسماء فريدة نتناولها في بحثنا لتاريخ شبه الجزيرة العربية فيما بعد، ومنها اسمان لمملكتين أطلقت على كل منها لقب "ملكة أريبي" وهما: زبيبي "تحريفًا فيما يبدو عن زبيبة" وقد ذكرت أنها أدت الجزية لآشور واعترفت بالطاعة لملكها، ثم سمسي "تحريفًا عن شمس" وذكرتها النصوص الآشورية في مناسبتين: مناسبة أدت الجزية فيها للملك الآشوري في بداية عهدها، ومناسبة أخرى قلبت له فيها ظهر المجن ونقضت إيمانها بالمعبود شمش، على حد تعبير النصوص الآشورية، فساعدت الأراميين أعداءه، وتركت رجالها يتعرضون لقوافله، فحاربها الآشوريون حتى أجبروها على الفرارا وضيقوا على كثير من أعوانها حتى أهلكهم الجوع، فاضطرت إلى الإذعان وتأدية الجزية، ولكن الملك الآشوري

стр. 604

لم يطمئن إلى إخلاصها فعين رقيبًا أو قيمًا على بلادها، ولقبه بلقب "قيبو" ليشرف على توجيه سياستها ويكتب إليه عن أمرها١. ولم يكتف الآشوريون بأن يسجلوا نصرهم على الملكة شمس بالكتابة وحدها وإنما سجلوه تصويرًا ورمزا أيضًا "راجع فيما بعد". وأدرك تيجلات بيليسر أن أعراب الصحراء لن يتمكن منهم غير واحد منهم، فاستمال إليه بعض شيوخهم، وعين الشيخ أيديبيئيل مشرفًا على منطقة تدعى مصرى٢ يبدو أنها كانت قريبة من الحدود المصرية الشمالية الشرقية عند أطراف سيناء الشمالية الشرقية. ولم يسلم أهل الشام للآشوريين وملكهم تيجلات بيليسر تسليمًا مطلقًا، وإنما انبعثت ثوراتهم من حين إلى آخر، وظلت مصر ملجأ للفارين من وجهه، مثل هانو أمير غزة "خانونو الخزاتي" وزادت هذه الثورات بعد وفاته، فثارت صور ضد ولده شلما نصر الخامس "٧٢٧ - ٧٢٢ق. م" واستعصمت بجزيرتها وأسوارها. وتطلع العبرانيون إلى عون مصر فأعانتهم، ولهذا امتد حصار جيشه لعاصمتهم السامرة "سامرينا" ثلاث سنين دون جدوى، في نفس الوقت الذي استنفذت فيه قوى بقية جيوشه في الشام في إخضاع صور. ولم تكن بابل أقل ضيقًا بالحكم الآشوري، فاستغل الأراميون الكلدانيون تذمرها وسعوا إلى استعادة عرشها. وترتب على ذلك كله أن عرش آشور لم يستمر في أسرة تيجلات بيليسر الثالث غير جيلين, انتقل منها في عام ٧٢١ق. م إلى أسرة شروكين الثاني أو سرجون الثاني على حد شهرته في الكتب التاريخية، وهو رجل لم يكن أقل كفاية من سميه شروكين الأكدي القديم. كان من المشكلات التي واجهت سرجون الثاني في بداية عهده أن انتهز مردوك أبال إدين كبير بيت باكين الكلداني فترة البلبلة التي صحبت تغير الآشورية المالكة، فاستعان بقوات عيلامية على استرداد سلطانه على بابل، وهزم الجيوش الآشورية بمعاونتهم وأعلن نفسه ملكًا في نفس العام الذي اعتلى فيه سرجون عرش آشور أو بعده بعام واحد. وتحالف روزاس ملك أورارتو "وخليفة سارديوس" مع الماذيين في إيران في جانب، ومع الفريجيين في آسيا الصغرى "أو الموشكيين على حد تعبير النصوص الآشورية" في جانب آخر، وبدأ الأحلاف يعملون لحسابهم ويحطمون من بقي على الولاء لآشور من جيرانهم. وانحل الحصار الآشوري من حول السامرة واندلعت نيران الثورة في بقية بلاد الشام ابتداء من غزة حتى حماة وأرواد، وعاوتها مصر هنا وهناك. وأجل سرجون أمر بابل وأورارتو وآسيا الصغرى والماديين أيضًا، وبدأ بفلسطين فأخضعها بجيوشه وأتم فتح السامرة العاصمة الشمالية للعبرانيين وخربها وشرد أهلها وأنهى استقلال دولتها، مما سنعود إلى تفصيله والتعليق عليه بعد قليل. ثم أخذ يضرب بقواته شمالًا وشرقًا، ضد أهل أورارتو، وضد الماذيين،

стр. 605

الذين روى أنه أسر ملكهم دايوكو، وضد أهل إقليم كيليكيا "خيلاكو" الذين حرضهم ضده ميداس الفريجي "أو مينا ملك موشكى". وفرغ سرجون أخيرًا لمشكلة بابل بعد هزيمة جيوشه فيها باثني عشر عامًا أمام الكلدانيين والعيلاميين "الإلاميين". فانفرد بالكلدانيين الذين تركهم حلفاؤهم العيلاميون لمصيرهم، واسترجع التاج، وفر مردوك أبال إدين أمامه إلى الجنوب وأخذ معه أشراف بابل رهائن ليساوم بهم حين الحاجة. أما بابل نفسها فقد سلكت سبيل المدن المغلوبة على أمرها، ففتحت أبوابها لسرجون المنتصر، واعتبرته محررها، واستبدلت السيادة الآشورية بالسيادة الآرامية في عام ٧١٠ق. م. ولم يطل الصراع بين الآشوريين وبين الآرميين بعدها، فاجتاحت جيوش سرجون جنوب العراق وشردت بعض أهل بيت باكين وأحلت محلهم أسرى من أهل الجبال الشماليين، ولكن سرجون عفا عن زعيمهم مردوك أبال إدين واعتبره حاكمًا محليًّا في أرض الجنوب، سواء لإرضاء الآراميين. أو لإظهار نفسه بمظهر المترفع عن ملاحقته بعد أن أفقده عزه وشهرته. وكانت لجيوش آشور في عهد سرجون جولات مع قبائل عربية، ذكرت نصوصه منها قبائل تمودي والسبئيين ومملكة سمسي مما سنعود إلى مناقشته في تفصيل عند معالجتنا لتاريخ شبه الجزيرة العربية. واتبع سرجون طريقة تيجلات بيليسر في معاملة المدن المغلوبة، وهي تهجير عتاة أهلها وإحلال غيرهم محلهم ... هذا الإجراء الأخيرة في عهده أكثر مما وضح في عهد أسلافه، وكان يتخير "عن طريق أعوانه" المهجرين الجدد من مناطق متباعدة حتى لا تتحد كلمتهم عليه، ويتخير من صفوف المبعدين إلى آشور مشاة وفرسانًا يلحقهم بحرسه الخاص أحيانًا ليزيد ارتباطهم بشخصه بعد أن فقدوا ارتباطهم بوطنهم، ومن ذلك على سبيل المثال أن روت نصوصه أنه عمل على تهجير ٢٧.٢٩٠ من أهل السامرة العبرانيين إلى مناطق أخرى بعيدة مثل حران وضفاف الخابور وأطراف ماذي، وعمل على إسكان قوم آخرين مكانهم، بعد أن أمر بإعادة بناء السامرة إلى أفضل مما كانت عليه، وعين عليها حاكمًا جديدًا يؤدي الجزية إليه، وظل يرسل إلى أرضهم من شاء تهجيره من مشاغبي أهل البلاد الخاضعة، فأرسل إليها ٧١٥ من عرب البادية و٧٠٩ من البابلين العصاة. وفعل بالمثل مع منطقة حماة، وتخير من أسراها ٦٠٠ فارس من ذوي الدروع الجلدية والحرب وضمهم إلى حرسه الملكي، وهجر مكانهم إلى حماة ٦٣٠٠ آشوري. ويبدو أنه استن أوضاعًا خاصة للبلاد التابعة له عبرت عنها عبارات مختلة وردت على لسانه في سياق نصوصه، مثل قوله عن أهل أشدود "واعتبرتهم رعايا آشوريين وحملوا نيري" ومثل قوله عن مستوطنين آشوريين في قرقميش "وفرضت نير مولاي آشور فوق رقابهم"١ أكثرت نصوص سرجون من ترديد أخبار انتصاراته على عدد ممن أسلفنا ذكرهم من خصومه العتاة لا سيما حكام حماة وقرقميش وأشدود وغزة، وقائد مصري دعته باسم سيبئه"؟ " فضلًا عن أراميبي بابل

стр. 606

وأمراء أورارتو. ولن نناقش هنا مدى الصحة في أخبار هذه الانتصارات ما دمنا لا نملك دليلًا للأسف على نقضها، فيما خلا حديثه عن مصر من بينها، ولكن حسبنا مما سنذكره عنها ما تنم عنه من صور الغليان في عهده وما تدل عليه من أن اتساع رقعة الدول كان يقتضي عينًا ساهرة على الدوام، وأن شعوب المدن المتحضرة في الهلال الخصيب لم تتقبل التوسع الآشوري راضية، وأن النجاح في بسط النفوذ عن طريق القوة الباطشة شيء، واستقرار أمور الدولة بعد اتساعها شيء آخر. وإن كان مما يعترف به لسرجون بالذات أنه كان سريع التصرف في مواجهة المشاكل ومتاعب الحروب، وأنه كان حريصًا على بث عيونه في أنحاء دولته ليكتبوا له باستمرار عما يجري فيها وما يتوقعونه منها. وتضمنت النصوص الآشورية أخبارًا طريفة عن أولئك الخصوم لا بأس من الاستشهاد ببعضها. فقد بلغ من حقدها على حاكم حماة أن اعتبرته حيثيًّا سوقيًّا ملعونًا مغتصبًا للعرش، وما ذاك إلا أنه حرض مدن أرواد وسميرا ودمشق والسامرة ضد الآشوريين وكون حلفًا يشبه حلف قرقر القديم، بل واتخذ قرقر بالذات مركزًا لنشاطه العسكري. ويحتمل أن مصر أيدته وعاونته. وعندما انتصر الآشوريون عليه سلخوا جلده. ووصفت النصوص الآشورية حاكم قرقميش بالوصف نفسه، فاعتبرته حيثيًّا خائنًا للعهود، وما ذاك إلا لأنه تعاون مع ميداس الفريجي "مينا الموشكي" على تحرير بلديهما من تدخل النفوذ الآشوري. واعتبرت النصوص نفسها أهل أشدود في فلسطين حيثيين أيضًا، وما ذاك إلا لأنه ملكهم امتنع عن دفع الجزية وحرض جيرانه على أن يفعلوا فعلته، فعزله سرجون وولى أخاه الصغير على عرشه، ولكن أهل أشدود كالوا له الصاع صاعين، فعزلوا صنيعته وطردوه وأمعنوا في مضايقته، وعينوا رجلًا من غير الأسرة المالكة؛ اعتبرته المتون الآشورية "إيونيا"١ مغتصبًا للعرش وغير أهل له، ثم روت على لسان سرجون أنه جن جنونه عندما سمع بخبره، فلم ينتظر تجييش جيوشه وركب عربة مدنية وهرع بها هو وحرسه الخاص على حده قوله، واتجه فورًا إلى أشدود، ففزع الإيوني ولجأ إلى الحدود المصرية. وحاصر سرجون المدينة حتى سلمت له هي وجيرانها فغنم منهم ونهب وسبى وعين حاكمًا آشوريًّا على منطقتها ونقل إليها مهجرين من المناطق الشرقية واعتبرهم رعايا آشوريين٢. ولم تبرأ رواية سرجون عن كل ذلك من ادعاء وتهويل، فقد ذكرت رواية آشورية أخرى أن أهل أشدود حصنوا مدينتهم ضده وأحاطوها بخندق عميق يزيد عمقه عن عشرة أمتار، وراسلوا مصر وأمراء جنوب فلسطين وبعض جزر البحر، فخرج سرجون إليهم بجيش كثيف عبر به الدجلة والفرات إبان اشتداد فيضانهما الربيعي٣. وذلك مما يعني أنه لم يفلح في هجومه بحرسه الخاص الذي قص قصته في روايته السابقة، فارتد عن المدينة وعاد إلى بلده واستعان عليه ببقية جنده. وكانت لسرجون قصة قصيرة مع مصر ذكرنا طرفًا منها في سياق التاريخ المصري "ص٢٩١، ٢٩٣" حين استجابت مصر لنداء هانو حاكم غزة الذي لجأ إليها منذ عهد تيجلات بيليسر، وساعدته على تكوين حلف

стр. 607

يناهض الآشوريون، وعهدت بمعاونته إلى قائدها ونائب ملكها، الذي أطلقت المصادر الآشورية عليه اسم "سيبئه"١ ولقب تورنان "أوتورتانو، أوتارتانو"، وهو لقب عسكري وإداري كبير٢ ويبدو أنه كان يقيم في رفح. ولم تذكر المصادر المصرية شيئًا عن هذه الحادثة، ولكن الآشوريين رووا أنهم انتصروا على الحلف وأسروا حاكم غزة٣ ثم زادوا على ذلك فرووا أن الملوك المصريين النوبيين الذين ولوا عرش مصر في ذلك الحين "أولئك الذين لم يتعودوا أن يسألوا عن صحة أجداد سرجون" "اعتدادًا بأنفسهم واستهانة بالآشوريين" آثروا عدم الاصطدام به وتركوا الإيوني حاكم أشدود الهارب لمصيره٤. وأضافت المصادر الآشورية اسمين أثارًا مشكلة عويصة، فروت أن ملكها تلقى جزى برءو "بوعو" ملك مصرو٥، كما روت أنه تلقى اثني عشر جوادًا كبيرًا لا مثيل له هدية من شيلخيني "أوشلكاني" ملك مصرى، وأشارت معها إلى ما سمته باسم مدينة نخل مصر٦. ويبدو أن هذه الأسماء لم تكن لها صلة بمصر بمعناها المعروف حيث ذكرت النصوص الآشورية ذكرت اسم برءو "برعو" ملك مصر ومع رؤساء البادية مثل سمسي ملكة أريبي، وبثع أمر السبئي، وذلك مما قد يعني أن منطقة مصر كانت من مناطق البادية أيضًا، ويغلب على الظن أنها كانت قريبة من البحر الأحمر ومن الحدود المصرية وأنها نفس المنطقة التي روى شلما نصر من قبل أنه عين عليه الشيخ البدوي إديبيئيل. أما اسم برءو فقد يكون تحريفًا لاسم شيخها البدوي في عهده. أو تكون تبعيتها القديمة لمصر قد أغرت الكتبة الآشوريين على اعتبار جزاها من جزى الفرعون المصري نفسه، وكان لقب ينطق في اللغة المصرية برعو فعلًا "وذلك على نحو ما اعتبروا جزى أو هدايا" ... العربية القريبة من حدودها والمتعاملة مع دولة سبأ من جزى الدولة السبئية الجنوبية البعيدة عنها تضخيمًا منهم لشأن ملكهم وامتداد سطوته ولو من قبيل المجاز". أما شيلخيني أو شلكاني ملك مصرى، فقد يكون اسمه تحريفًا لاسم عربي مثل سلحان، كما رأى الباحث ريكمان٧، وليس اسًما لفرعون مصري كما ظن فيدنر٨ لا سيما إذا أضفنا أن مصر لم تشتهر بتربية الخيول الكبيرة التي أشارت إليها نصوص سرجون، وإنما كانت جيادها صغيرة الحجم نسبيًّا على الرغم من تهجينها بسلالة ليبية في العصور المتأخرة.

стр. 608

ويبقى اسم محل مصر، وهذا قد يترجم بمعناه الآشوري بمعنى قناة مصر، أو سيل مصر، ويدل بذلك على جزء من وادي العريش، أو جزء من خليج السويس، كما رأى بعض الباحثين، أو يدل على وادٍ قريب من رفح كما نم عن ذلك نص آخر١، أو يكون له بعض الصلة باسم قرية تخل الخالية في شبه جزيرة سيناء. وكان أشد سرور سرجون من أمجاد عهده، هو سروره بولاء بعض حكام جزيرة قبرص له ورضاهم بإقامة نصب نقشت عليه صورته في جزيرتهم٢. وعبرت نصوصه عن هذه الحال بأسلوبها المبالغ، فروت أن ملكها أخضع سبعة ملوك من إقليم إيا في قبرص "إيادنانا" وسط البحر الغربي على مسافة سبعة أيام، وعلى مبعدة لم يسمع عنها أسلافه ... ٣. ولم تكن آشور بالدولة البحرية التي تستطيع أن تمد نفوذها على قبرص بمجهود يمينها كما ادعت نصوص سرجون، وإنما يبدو أن حكام صور وصيدا الفينيقيين أرباب الملاحة والتجارة، كان لهم نفوذ كبير على جزء من الجزيرة، فلما دانت مدينتاهم صور وصيدا لنفوذ سرجون، سارعوا بالتالي إلى إعلان ولائهم في الجزيرة له حتى لا يتصدى أعوانه لعرقلة نشاطهم التجاري على سواحل الشام وفيما بينها وبين قبرص. واحتفظ عهد سرجون برسائل إدارية تكشف عن مدى سيطرة دولته على أتباعها. وكان يبث عيونًا عليهم يكتبون إليه عن مدى تقاربهم وتباعدهم، ويحرص على أن يتلقى تقارير عيونه أينما ارتحل في أنحاء دولته الواسعة. فحدث أن زار بابل مرة "في عام ٧١٣ق. م" وعهد إلى ولي عهده سينا خريب بتدبير أمور عاصمته، فأرسل ولده إليه يطمئنه على استقرار أمور الدولة، وبدأ رسالته بما يبدأ به التابع العادي رسالته، قائلًا له: "إلى الملك سيدي، من سينا خريب خادمك، سلامًا لملك مولاي، الأمن سائد في آشور وفي المعابد وفي حصون الملك كلها، فليسعد قلب الملك مولاي تمامًا"٤. وشفع سينا خريب رسالته بتقرير مندوبيه ورؤساء حاميات الحدود قرب دولة أورارتو، وتحدثت هذه التقارير عن اشتباكات بين الأراميين وبين السميريين، وانتصار الأخيرين فيها، كما تحدثت عن زيارات ملوك المنطقة "في الشمال والشمال الشرقي" وأمرائها بعضهم لبعض٥. وكان سرجون لا يريد تقارب هؤلاء بعضهم من بعض، فنمى إلى قصره ذات مرة أن ملك أورارتو وأمراءه سيخرجون بعدد من قواتهم العسكرية بحجة زيارة مدينة موتساتسير المقدسة، فكتب ناظر القصر "نيابة عن مولاه" إلى أمير هذه المدينة يبلغه استياء مولاه من سماحه لأولئك الحكام بدخول مدينته بجنودهم دون استئذانه، ولكن رد عليه أمير متساتسير بأنه لن يمانع في زيارة ملك آشور لمدينة بعسكره، فكيف يمنع ملك أورارتو عنها؟ ٦.

стр. 609

وفي نهاية عهد سرجون بدأت نذر هجرة شعوبية عنيفة تمثلت في هجرة قبائل السميريين التي تدفقت بقضها وقضيضها على مملكة أورارتو وهزمت قواتها في عام ٦٠٧ق. م واستمرت في تقدمها حتى لاقاها سرجون بجيشه في عام ٧٠٥ق. م، ويبدو أنه قتل في المعركة أو اغتيل بعدها، ولكن بعد أن نجح جيشه في دفع السميريين ناحية الغرب فاندفعوا إلى آسيا الصغرى وهزموا في طريقهم جيش ميداس ملك فريجيا، "ميتا صاحب موشكى"، أحد أعداء الآشوريين الألداء، مما أدى به إلى الانتحار، وشيئًا فشيئًا أتى السميريون وحلفاؤهم التريرويون على مملكة فريجيا من أساسها١. تتابع من الملوك العظام من أسرة سرجون ثلاثة، وهم: سين أخي ريبا "٧٠٥ - ٦٨١ق. م" الذي اعتادت بعض المؤلفات التاريخية على أن تذكره باسم سينا خريب أو سينا حريب، وآشور أخا دين "٦٨١ - ٦٣٨ق. م" أو أسرحدون أو أسرهدون كما اعتادت بعض الكتب على تسميته، ثم آشور بانيبا "٦٦٨ - ٦٢٦ق. م" الذي ذكره الإغريق باسم ساردانا بالوس. وسوف نذكر أولهم باسمه الأكثر شيوعًا وهو سينا خريب لقربه من اسمه الأصيل. واجهت أولئك الملوك العظام مشكلات ضخمة متعددة ظهرت بوادرها منذ عهد سرجون نفسه، وامتدت جذورها إلى ما قبل عهده. وتوفر لكل منهم أسلوبه الخاص في معالجتها بما يتفق مع إمكانيات دولته ومشاعره الخاصة واتجاهات السياسية في أيامه. وأهم هذه المشكلات هي: ١ - دولة بابل التي ظلت تأنف من الخضوع للآشوريين وظلت في الوقت نفسه مطمعًا للآراميين الكلدانيين. ٢ - استمرار العداء بين الدولتين العنيفتين المتجاورتين، آشور وإلام "أو عيلام"، مع استخدام العيلاميين لكل من الكلدانيين والبابلين للقيام بدور مخلب القط في بعض مراحل هذا العداء٢. ٣ - وقوف المصريين في وجه التوسع الآشوري في الشام، وتأييدهم للمناطق السورية والفلسطينية ضده، مع تذمر هذه المناطق تلقائيًّا مع طابع العنف والتعالي عند الآشورين. ٤ - رغبة آشور في إجبار أعراب الصحاري والبوادي على الطاعة، مع تمرد هؤلاء الأخارى عليها على الرغم من قلة إمكانياتهم. ٥ - اضطراب الأوضاع في الأطراف الشمالية لآشور وفي آسيا الصغرى نتيجة للنزعات الاستقلالية فيها وخشونة طباع سكان جبالها ونزول هجرات هندوآرية جديدة عليها.

стр. 610

مع بابل: سوف نعود إلى تفاصيل العلاقات الآشورية البابلية في تقديمنا لبابل الكلدانية بعد قليل، وتكفي الإشارة هنا إلى أنه عز على بابل أن تنجب زعيمًا من أهلها الأصيليين يستعيد لها مجدها القديم، فتعاقب على حكمها في عهد سينا خريب الآشوري ما لا يقل عن ستة ولاة ليس فيهم بابلي أصيل، وأن هذا الملك لجأ في تعقب أحد حكامها الكلدانيين بعد فراره بأعوانه إلى الشاطئ العيلامي، إلى إنشاء أول أسطول حربي كبير في تاريخ الآشوريين، اشترك في إنشائه صناع من صيدا وصور وقبرص، وعملوا فيه عامًا كاملًا على ضفاف دجلة والفرت، ونقلوا جزءًا منه على طريق البر، وعبر الآشوريون وحلفاؤهم به الخليج العربي وهزموا خصومهم، ثم أتى دور بابل نفسها فخربها رجال سينا خريب تخريبًا عنيفًا وسلطوا مياه نهر الفرات على أنقاضها حتى أغرقوها في عام ٦٨٩ق. م. وبمنطق المنتصرين المعوج، لم يتورع ابن سينا خريب عن تبرير هذا التخريب على حساب البابليين المغلوبين بقوله: "لقد كانوا من قبل يذلون الضعيف وشاع الطغيان في مدينتهم والرشا والنهب. وكان الولد يسب أباه في الطريق، والعبد يهين مولاه، والجارية تعصي سيدتها ... ، ولقد عطلوا القرابين، ووضعوا أيديهم على كنوز إساجيل معبد الأرباب، وباعوا الفضة والذهب والأحجار الكريمة منه إلى عيلام ... ، فغضب مردوك إنليل الآلهة، ودبر أمره على قهر هذا البلد وتشتيت أهله". وكان قتال الآشوريين للكلدانيين في شط العرب بالجنوب موضوعًا للوحة حية صور فنانها منطقة المناقع بأسماكها وحيواناتها المائية الصغيرة، تتخللها أحراج القصب المرتفعة التي آوى الكلدانيون إليها وتجمعوا فيها في جماعات صغيرة يتداولون مصيرهم. وصور قتالًا عنيفًا في مراكب من البوص المجدول المكسو بالقار، وصور السبايا الكلدانيات بثياب طويلة كاسية وشعور مرسلة يستعطفن الغازين١ "وتشبهن للغرابة هيئة الإغريقيات في المناظر اليونانية القديمة". وانكمشت بابل العظيمة على نفسها، حتى ولي عرش آشور، آشور أخادين، وكان فيما يبدو من أم بابلية، وربما ولاه أبوه نائب ملك على بابل في حياته، فانصرفت عواطفه إليها وشجع على إحيائها وولى عليها ولده الأكبر شمش شوموكين، وتجاوز عن سلطان الكلدانيين في أرض البحر مع طاعتهم لولده٢. وربما لم يفعل ذلك بدافع العاطفة وحدها، وإنما بدافع الرغبة أيضًا في التفرغ لتنفيذ حلمه الكبير بغزو مصر. واستقر الأمير الآشوري شمش شوموكين ببابل فترة طويلة ونهض بها خلال حياة أبيه وبعد وفاته، ثم استغل إمكانياته ونفوذه فيها في التضييق على أخيه الأصغر آشور بانيبال الذي نازعه عرش آشور بعد مقتل أبيه، وضم إليه حلفًا قويًّا من العيلاميين والأمراء الكلدانيين في أرض البخر، ولفيفًا من السوريين وأمراء البدو المتذمرين. ولكن ميزان القوى انقلب إلى جانب أخيه الصغير فشددت

стр. 611

جيوشه الحصار على بابل عامين، حتى تفشت فيها الأوبئة والمجاعات واضطرت إلى التسليم وأشعل أميرها النار في قصره وهلك في لهيبها، ثم زادت جيوش آشور بانيبال بابل خرابًا على خراب ودمرتها "عام٦٥٠ق. م" تدميرًا عنيفًا لم تفق منه إلا بعد جيل كامل يوم هبت هبتها الأخيرة للانتقام لنفسها وللقضاء على دولة آشور كلها. والغريب أن أنصار آشور بانيبال لم يتورعوا عن تمثيله على لوحة صغيرة باسمًا مستبشرًا يرفع بيده سلة من الخواص المجدول إلى ما فوق مستوى تاجه الطويل، وسجلوا حوله نصوصًا تشيد بفضله في إعادة بناء "إساجيل" مقر مردوك إله بابل١. واشتد هذا الملك على الكلدانيين الجنوبيين في أرض البحر في العام نفسه، فاضطر واليهم نابو بعل شوماني حليف أخيه إلى الفرار إلى عيلام. وعين آشور بانيبال "دوباشو" بلاطه واليًا عليهم، ووجه إليهم نداءه قال فيه: "أي خدمي ... سلام لكم وهدأت قلوبكم ... اذكروا فضلي عليكم قبل خطيئة نابو بعل شوماني ... وهأنذا أرسل إليكم بعل ابني الدوباشو الخاص بي ليرأسكم ... " ثم طلب منهم الطاعة وهددهم بإرسال جيوشه عليهم إن مالوا إلى العصيان٢. وعاش نابو بعل شوماتي لاجئًا في عيلام لبضع سنوات، ثم حدث لسوء حظه أن اغتيل الملك العيلامي الذي آواه، وولي ملك آخر آثر مهادنة آشور بانيبال فأبدى استعداده لتسليمه إليه، ولما ضاقت السبل باللاجئ الكلداني نابو بعل شوماتي أمر تابعه بأن يقتله بسلاحه حتى لا يعاني تعذيب أعدائه، ولكن هذا لم يمنع الآشوريين من التمثيل بجثته حين سلمت إليهم فقطعوا رأسها وحرموا دفنها. مع إلام "عيلام": استمر العداء ضاربًا أطنابه بين الجارتين اللدودتين آشور وعيلام، وقد آثرنا التعبير عن هذه الأخيرة بنطق إلام وهو أقرب إلى لغة أهلها التي لا تتضمن العين السامية مع إلحاقه في كثير من الحالات أو إبداله باسم عيلام الشائع استخدامه في المؤلفات العربية. وظلت الانتصارات والهزائم الوقتية الخاطفة دولة بين الفريقين، حتى فت في عضد إلام اختلاف حكامها على أنفسهم بحيث انقسموا فريقين ووقفت جيوشهما بعضها لبعض بالمرصاد على ضفتي نهر الهدهد كما ذكر أحد التقارير الآشورية٣. فتدخل الآشوريون في مشاكلهم لزيادة نارها وتأليب فريق على فريق، ثم أتت النهاية السياسية لعيلام على يد "جيش" آشور بانيبال فدمر عاصمتها سوسة تدميًرا شاملًا، وذكرت نصوصه أنه استولى على كل كنوزها ولم يدع في قصورها ملوكها شيئًا إطلاقًا إلا وأمر بحمله معه، حتى أواني الطعام والشراب والغسيل، ولم يدع معبدًا فيها إلا أمر بنهبه وتدميره وأسر معبوداته، ولم يدع مقبرة ملكية فيها إلا وأمر بفتح توابيتها وإخراج عظامها ثم نقلها إلى آشور، حتى يحرمها الخلود في أرضها على حد قوله. وزاد في نصوصه أنه ود لو حمل تراب سوسة معه إلى آشور٤ "حتى يحرمها البقاء على وجه الأرض إلى أبد الآبدين. وبذلك أخذ بثأر البابليين

стр. 612

القدماء عن غير قصد، مما فعله الإلاميون معهم في نهاية القرن الثاني ق. م حينما دمروا عاصمتهم وحرموها كنوزها وآثارها حتى الحجرية منها "كنصب تشريعات حمورابي وأمثاله"١. وظلت انتصاراته على سوسه هذه مجالًا خصبًا لتصورات فنانيه، فأخرجوا لوحات كبيرة مبدعة صوروا فيها ساحة الحرب تموج بالهرج والمرج، يقتتل فيها المشاة والخيالة وفرسان العربات، يدقون الرءوس بالمقامع ويطعنون النحور والظهور بالحراب والسهام ويحزون الرقاب بالسيوف والخناجر. ويهرع بعضهم لنجدة بعض، وينحني بعضهم على جثة قتيل ليسلبه خوذته وسلاحه وجعبة سهامه، بينما يجثو بعض المغلوبين طلبًا للرحمة، ويلقي بعضهم بنفسه في النهر التماسًا للنجاة. وصوروا القلاع فوق قمم الجبال وعند ملتقى الأنهار يهدمها الغزاة ويشعلون النار فيها، فيغادرها أهلها ليلحقوا بأفراد جيشهم الذين ركبهم اليأس وساروا مشاة وفرسانًا يستحث بعضهم بعضًا، وقد تكدس شيوخهم وأطفالهم فوق عربات مرتفعة متسعة لكل منها عجلتان كبيرتان وجواد واحد يستحثه سائقه بصوت طويل. ثم صوروا العاصمة سوسه خاوية على عروشها إلا من أطلال البيوت والنخيل، بيضية يحيط بها خندق ومجرى ماء، ويقع على مبعدة منها نهر كرخا وقد امتلأ مجراه بجثث القتلى والخيول الشاردة والنافقة وبقايا العربات المحطمة. وخرج من المدينة المستضعفون من أهلها رجالًا ونساءً شيوخًا وصغارًا، يصفق بعضهم وينشدون نشيدًا مغتصبًا على أنغام الأوتار ليداروا به بطش الفاتحين، ويمشي بعضهم رافعين أكفهم في ضراعة رتيبة ذليلة، بحيث تحافظ الأم على رفع يدها والتمتمة بفمها بينما تمسك طفلها بيدها الأخرى وتنظر إليه حسيرة كسيرة الفؤاد، أو تنظر إلى من يسير خلفها تسأله عما سيئول إليه مصيرها ... أما رأس تيومان ملك إلام فكانت أداة رصع الفنانون بها صورهم الغريبة، فصوروا ملكهم يقطعها بيده في ساحة القتال، وصورها معلقة في رقبة حليفة دونانو الجمبولي الذي اقتيد إلى العاصمة بعد أن قطع لسانه وسلخ جلده، ثم ذبح كما تذبح الخراف، وصورها مرة ثالثة تتدلى من شجرة في مجلس شراب مولاهم. غير أن انتصار آشور على إلام لم يكن خيرًا كله، فقد تحملت إلام حتى ذلك الحين كبح جماح بقية العشائر الإيرانية من ورائها، ولا سيما الجبلية منها، فلما انزاح هذا الحاجز بزوالها، وقع العبء على آشور وحدها فأحست بأن زيادة التوسع أصبحت تؤدي إلى زيادة المشاكل أمامها. مع مصر والشام: رأينا في سياق بحثنا للتاريخ المصري في صفحة ٢٩٤ وما تلاها، كيف ادعت نصوص الآشوريين أنهم انتصروا على جيوش مصر وحلفائها في الشام انتصارًا مستمرًا، بينما خالفتها قصص التوراة ونصوص المصريين في بعض ما ادعته لأهلها. وأن القصة بدأت بعد أن هاجمت جيوش سينا خريب مملكة العبرانيين

стр. 613

الجنوبية "يهوذا" التي استنجدت بالمصريين، فأعانوها، ليس حبًّا فيها، ولكن رغبة في اتخاذها موقعًا من مواقع دفع الغزو الآشوري. وروت نصوص سينا خريب أنه استولى على ٤٦ مدينة من مدنها الكبرى فضلًا عن أعداد كثيرة من قراها، وقسمها بين أنصاره من حكام عقرون وأشدود وغزة، وأسر أكثر من مائتي ألف من أهلها، وحاصر عاصمتها أورشليم "أورشاليمو"، في عهد ملكها حزقيا ونبيها إشعيا. وصور فنانه في نينوى حصنها ذا خرجات رباعية وصور رماة الآشوريين حولها يعتمدون على ركبة ونصف يسددون السهام عليها وأمام كل منهم ترس كبير. ويبدو أن ملكهم نجح في أسر عدد من المصريين، ومن ثم أرسل عامله "الرابشاق" إلى أورشليم ليدعو حزقيا إلى التسليم بعد أسر بعض حلفائه أو يؤلب قومه عليه ثم روت النصوص أن حزقيا اضطر تحت وطأة الحصار وإزاء ما أصاب النجدة المصرية وانفضاض أتباعه عنه إلى أداء الجزية مضاعفة إلى نينوى ومعها بناته وحظاياه وموسيقييه١. وأسلفنا أنه على العكس من الرواية الآشورية روت أسفار التوارة أن الجيش الآشوري حل به الموت الإلهي وحام ملك الله فوقه ليلًا، وفي بكرة الصباح أصبحوا جثثًا هامدة٢، فارتد الملك الآشوري مدحورا بخزي الوجه إلى أرضه٣، بعد أن أصبح جيشه كالعاصفة في مهب الريح٤. وروى هيرودوت أن المصريين أطلقوا بوحي ربهم جرذانًا على معسكرات الآشوريين فقطعت أوتار قسيهم وأتلفت جعاب سهامهم وأفسدت سبور دروعهم مما سهل تمزيقهم إربًا. وربط بعض الباحثين بين قصة الجرذان هذه وبين الهلاك الإلهي الذي تحدثت عنه التوارة، بأن الجرذان أفشت وباء الطاعون الدملي بين الآشوريين فأهلكت منهم خلقًا كثيرًا مما أجبر بقيتهم على الانسحاب٥. وعقبنا كذلك بأن توقيت هذه القصة لا زال يتأرجح بين تعيينه بعام حصار أورشليم حوالي عام ٧٠١ق. م، وبين تعيينه بعام تخريب سينا خريب لمدينة لاشيش "لخيش" ومحاولته الوصول إلى الحدود المصرية حوالي عام ٦٩٠ق. م، وكان انتصاره في لاشيش هذه موضوعًا للوحة حرة نقشها فنانه في قصر كالح، وتخلى فيها عن الحدود التخطيطية، وملأها ببيئة جبلية تنمو الكروم فوقها، وصور سينا خريب في مركز قيادته في حضن الجبل فوق عرش مرتفع "يشبه كراسي الأرابيسك الشرقية المرتفعة" يتقدم إليه كبير أتباعه ومجموعة من القادة يصعدون من أدنى الجبل واحدًا بعد الآخر، ويتفرق على السفح مجموعة أخرى بين صاعد وهابط وواقف، بينما ارتمى في حضرة الملك جماعة من يهود لاشيش يقبل بعضهم الأرض، ويجثو بعضهم الآخر يستعطفه، وقد تعمد الفنان تحقير شأنهم فصورهم قصار القامة يبدون في جثيهم وسجودهم على هيئة الأطفال٦.

стр. 614

ولم تخل روايات الآشوريين عن بقية ثورات فلسطين من طرافة، حين تحدثت عن صدقيا ملك عسقلان الذي أبى أن ينحني للملك الآشوري على حد قولها، وألب عليه جيرانه، فأسره هو وأهله وأعقابه الذكور. وتحدثت عن أهل عقرون الذين خلعوا ملكهم بادي صنيعة الآشوريين وسلموه إلى حزقيا اليهودي فسجنه، وعندما استرد سينا خريب سيطرته على عقرون أراد أن يكون عادلًا من وجهة نظره، فأمر بقتل الموظفين والنبلاء الذين اشتركوا في خلع ملكهم وتعليق جثتهم على الأعمدة حول مدينتهم، واكتفى باعتبار المواطنين العاديين المتهمين بمشايعة الثوار الكبار، أسرى حرب، ثم غض الطرف عن بقية الجماهير التي لم يثبت عليها سوء السلوك١، على حد تعبير نصوصه. ودافعت صيدا وصور عن كيانهما التجاري المستقل ضد سينا خريب، ولم يكتف لولي ملك صيدا بمحاولة تحقيق استقلال دولته، وإنما حاول أن يعيد إلى حوزتها تلك المنطقة القبرصية التي أعلن حكامها الولاء لسرجون، ولكن محاولته لم تجد أمام قوة آشور، ففر إلى قبرص حيث مات بها. وعين الملك الآشوري خلفًا له على صيدا يدعى إيثت بعل٢. أما صور فقد استعصت أسوارها عليه حتى وفاته. ولم تيأس المدينتان، فاستمر فضالهما، في عهد آشور أخادين "٦٨١ - ٦٦٨ق. م". ولكن فشل مسعاهما نتيجة لعدم تكافؤ القوى بينهما وبين خصومهما، فدك الآشوريون أسوار صيدا ومبانيها، وتعقبوا ملكها عبدى ميلكرته في البحر حتى أسروه، وكلفوا أعدادًا كبيرة من سكان السواحل الفينيقيين وبقايا الحيثيين ببناء مدينة جديدة حلت محلها ونسبوها إلى ملكهم فسموها "كار آشور أخادين"، ثم زودوا هذه المدينة الجديدة بمهاجرين من أهل الجبال وساحل الخليج العربي. وادخروا نهاية قاسية لملك صيدا وأحد حلفائه الأشداء في جنوب آسيا الصغرى "سامواري ملك كوندي وسيزو في كيليكيا" فقطعوا رأسيهما وعلقوهما في عنقي أميرين من أهل صيدا وساقوهما في موكب النصر بنينوى وسط أصوات المزامير٣، وظلت نصوص الملك الآشوري تؤكد سلطانه على ملوك جزر البحر٤. ووجد آشور أخادين متعة كبيرة في تكليف اثنين وعشرين حاكمًا من حكام بلاد الشام وآسيا الصغرى وقبرص، بتوريد كل ما يتطلبه بناء قصره في نينوى ابتداء من الأحجار، وتعمد كتبته أن يسجلوا هذا التكليف في نصوصهم بصورة توحي بأن الحكام كانوا يشاركون في عملية نقل المواد المطلوبة بأنفسهم "مع ما في ذلك من مشقة بالغة"٥. ولم تكن الجيوش الآشورية أقل شدة، أو أقل نشاطًا من وجهة نظرها، في معاملة القبائل العربية مما سنتعرض له بالتفصيل في بحث تاريخ شبه الجزيرة العربية.

стр. 615

وأدى آشور أخادين ما تردد فيه أبوه، فاستعرض عضلاته مع مصر، وكانت مصر تمر حينذاك بفترة من فترت الشيخوخة السياسية والحربية بعد أن أدت دورها الحضاري المجيد قرونًا طويلة، وكانت تسيطر عليها فيما مر بنا "ص٢٨٨" أسرة جمعت دماؤها بين الدم المصري والدم النوبي، وولي عرشها حينذاك تهارقه الذي رددت قصص التوارة اسمه. وكانت الخلافات الداخلية قد فعلت فعلها فيها كما روى العبرانيون عن نبيهم إشعيا حين ينقل عن ربه: "أهيج مصريين على مصريين فيحارب رجل أخاه ورجل صاحبه، مدينة مدينة ومملكة مملكة"١. نجح الآشوريون فيما رأينا في إضعاف حلفاء مصر بالشام ليفتوا في عضدها، وكانت أشد أولئك الأحلاف إخلاصًا مدينة صور التي روت النصوص أن حاكمها "بعلو" "بعل إيلي" أجاب على رسائل الملك الآشوري إجابة جافة، فشدد الآشوريون الحصار حولها، وحاولوا أن يمنعوا اتصالاتها البرية والبحرية٢ إلى أن يفرغوا من حليفته الكبرى، فنجحوا بالنسبة للأولى وطال أمرهم في الثانية. وقد ابتغى آشور أخادين أن يغزو مصر غزوًا مباشرًا؛ أملًا في تحطيم قوتها العسكرية، وطمعًا في ثرائها، وليقطع معونتها عن حلفائها السوريين الذين ما فتئوا يتطلعون إليها على الرغم من تجاوز الحظ عن مشاريعها الحربية أكثر من مرة. ولقد أسلفنا في بحثنا للتاريخ المصري ص٢٩٦ أن غزوه لمصر مر في مرحلتين، مرحلة بدأها عام ٦٧٤ق. م بلغ فيها الحدود المصرية الفلسطينية، وهنا روت المصادر البابلية أن جيشه هزم في معركة دموية بمصر٣، ثم ارتد عنها ليواجه حلفًا من السيكثيين والماذيين الذين هددوا الحدود الآشورية الشمالية الشرقية٤. ثم مرحلة ثانية بدأها عام ٦٧١ق. م واستعان فيها ببعض أعراب الصحراء على تذليل مشقة الطريق عبر سيناء والصحراء الشرقية، وكانت له معارك ضارية في الطرق وإزاء منف، كما كانت له سياسته في ترك الأمراء المحليين في مناصبهم بعد أن ظن رضاهم بسلطانه، ثم خرج من مصر بكنوز طائلة وأعداد كبيرة من الفنيين والمهنيين ليحرم بلدهم منهم وتستفيد بهم دولته، ولكنه لم يهنأ طويلًا بنصره، فثارت مصر ضده وعاونت ملكها تاهرقه على استرجاع سلطانه، فجن جنون آشور أخادين، واعتزم الخروج لمقاومة الثورة بنفسه لولا أن مشكلات وراثة عرشه شغلته عامًا كاملًا أعدم فيه عددًا كبيرًا من كبار دولته، ثم خرج بجيشه قاصدًا مصر ولكنه مات في الطريق وأفل جيشه عائدًا إلى وطنه. وتكفل بمواجهة المقاومة المصرية خلف آشور بانيبال، واستعان على مشروعه ضدها بقوات من الشام ونواحي الفرات خرجت تحت راية اثنين وعشرين ملكًا، على حد رواية نصوصه، واستعان بخبرتهم الملاحية وهاجم مصر من البر والبحر، وانتصر بهم على جيش تاهرقه، ولكن هذا لم يقض على المقاومة، فما لبثت حتى اشتدت كرة أخرى، وعاد آشور بانيبال إليها بجيشه للمرة الثانية وبلغ انتقامه في هذه المرة مداه ودمر طيبة كبرى عواصم العالم القديم، حوالي عام ٦٥٩ق. م "أما عن ظروف إجلاء الآشوريين عن مصر فتراجع عنها ص٢٩٧+، ص٣٠٠+"

стр. 616

وبقيت أمام الملك الآشوري صور الحصينة، ويبدو أنه فت في عضدها سوء حظ حلفائها المصريين وقسوة الحصار عليها من البر والبحر، فاستسلمت للملك الآشوري حين خرج إليها بجيشه الكبير في غزوته الثالثة وتبعتها أرواد. وتبجحت النصوص الآشورية فروت أن ملك صور استرضاه بتقديم ولي عهده وبنته وبنات أخواته إليه بالهدايا، فأعاد إليه ولي عهده واستبقى البنات١، وهكذا فعل مع ملك أرواد الذي لم يخضع لأحد من ملوك أسرته على حد قوله، فقبل ابنته هدية منه. وفعل آشور بانيبال بعرب البادية ما فعله بغيرهم مما سنعود إليه في حينه، وكانت أشد نقمته عليهم لانضمام بعض زعمائهم إلى أخيه ضده، وتقلب عواطفهم معه، وبلغ من شدته معهم أن لجأ إليه أحد زعمائهم "يويطع بن حزائيل" معتذرًا خاضعًا فقبل عذره، ولكنه أمر بوضع مقود في عنقه وقرنه مع كلب ودب لحراسة إحدى بوابات عاصمته نينوى، كما أمر بقرن زعيم آخر من زعمائهم بأمراء عيلام وشدهم جميعًا كالخيول إلى عربته في بعض مواكبه٢. وعلى نحو ما بلغت جيوش آشور بانيبال مداها في بلاد المشرق، استطاعت أن تدق أبوبا مملكة ذات صبغة شرقية غربية في آسيا الصغرى، وهي مملكة ليديا التي اعتمدت في كثير من نشاطها المدني والحربي على الإغريق المستوطنين فيها، وتحالفت مع الآشوريين في عهد ملكها جيجيس ضد قبائل السميريين، ثم تحالفت مع مصر ضدهم، فبادلها الآشوريون عداء بعداء وفتكوا بجيشها، وعندما قتل ملكها جيجيس، عام ٦٥٣ق. م في كفاحه مع السميريين، اضطر ولده أرديس إلى مهادنتهم٣. بداية النهاية: أحاطت بالملوك السرجونيين هالات من المجد شجعتهم على أن يستبدوا بكل من وقعوا تحت طائلتهم، ولكن بنيانهم الداخلي لم يكن سليمًا تمامًا، ونخرت فيه عوامل التنازع الأسري في القصر الملكي منذ عهد سرجون نفسه الذي اغتيل في ميدان القتال أو بعده في عام ٧٠٥ق. م، واغتيل بعده سينا خريب في المعبد بيد أحد أبنائه ومعونة صاحب الليمو عام ٦٨١ق. م، واستمرت الفتنة قائمة في آشور منذ يوم وفاته في ٢٠ تيبتو إلى الثاني من أذارو "آذار"، ثم هدأت وأعلن آشور أخادين نفسه ملكًا في اليوم ١٨. وفرق آشور أخادين بين أولاده، فأوصى لأكبرهم شمشي شوموكين بحكم بابل، وأهمل الثاني، وأوصى للثالث آشور بانيبال بولاية عهد آشور. وعقد إتفاقيات متعددة مع أمراء الولايات والمدن في دولته أخذ عليهم فيها المواثيق بأسماء أربابه وأربابهم أن يظلوا مخلصين لولده هذا قلبًا وقالبًا وإلا حاق الشر بهم في الحياة وبعد الممات هم وكل أهلهم٤. وليس ما يعرف إن كان قد فعل ذلك إيثارًا منه لابن زوجة على ابن زوجة أخرى،

стр. 617

أم فعله تقديرًا منه لاتساع دولته وصعوبة إشراف شخص واحد عليها. على أنه مهما يكن قصده فقد تنمو كل من الأخين المحظوظين للآخر، وانحاز إلى جانب كل منهما فريق من الأمراء والقادة، وتذبذبت عواطف الأب نفسه بين الفريقين، فبدأ باضطهاد أنصار الابن الأكبر الذين احتجوا على مضمون وصيته وأمر بسفك دماء عدد كبير منهم، ثم ... لتحريض من بقي منهم فعاد واضطهد أعوان الابن الأصغر وتغير قلبه عليه ومات وهو على هذا الإحساس نحوه، بينما ظلت أمه "زاكوتو" صاحبة الحظوة في عهد أبيه، والتي حملت في عهده لقب الملكة الوالدة، وفيه عطوفة لحفيدها الأصغر، وعندما خرج يقاتل إخوته وأعوانهم قامت على رعاية شئونه في العاصمة وأصبح كبار حكام الأقاليم يراسلونها باعتبارها الملكة الوالدة والوصية على العرش ويطمئنوها على ولدها "ويعنون حفيدها"، وينهون إليها أخبار أقاليمهم١، وعندما استتب الأمر لحفيدها ظل يتلقى نصائحها٢. ولم يكن للدولة بعد أن أضاع التنافس على السلطان صواب ملوكها، وبعد أن جرأ الابن منهم على أن يغتال أباه، وجرأ الأخ منهم على الفتك بأخيه، إلا أن تتوقع نازلة قريبة تحل بها وتهد بنيانها. ولكن وقبل أن نصل بالدولة إلى هذه النهاية، نستعرض في الصفحات التالية طرفًا مما اتصفت فبه الحياة الآشورية في فترات مجدها إبان عصرها التوسعي الحديث، من مظاهر الحضارة المادية الفنية والفكرية، إلى جانب ما استدعى السياق التاريخي تصويره متفرقًا في الصفحات السابقة من منظر المعارك وفخامة المواكب وصور استمتاع الملوك، ويلحظ القارئ أننا قد نسهب في شرح نماذج فنية عرقية بأكثر مما أسهبنا في شرح النماذج الفنية المصرية على الرغم من كثرتها، وذلك على أساس ما أصدرناه عن هذه الأخيرة من دراسات مستقلة بها. صور من الحضارة: ترك الآشوريون آثارًا عدة في عواصمهم الكبرى آشور ونينوى: وكالح ودورشروكين. وقامت نينوى بالقرب من الموصل الحالية، ووجدت بقايا آثارها في ربوتين رئيسيتين: ربوة قويونجيق في طرفها الشمالي الغربي وهي الأكبر، وربوة النبي يونس في طرفها الجنوبي الشرقي وهي الأصغر. وتوفرت محاجر الألباستر حولها فاستغلها المعماريون فيها في بناء وتزيين قصور ملوكهم. ولعبت المدينة دور العاصمة منذ القرن الثامن عشر ق. م وفيما يعاصر عهد حمورابي، وتجدد حظها في العصر الآشوري الحديث خلال القرن السابع ق. م وفي عهدي سينا خريب وآشور بانيبال بخاصة، حيث بلغ محيط سورها نحو عشرة أميال، وتضمن ما لا يقل عن خمس عشرة بوابة٣. ولا تزال أطلال معالم مشروعات القنوات والحدائق باقية فيها من عهد سينا خريب، وقد ذكرت نصوصه أن رجاله زوعوا له فيه شجيرات ... التي سموها شجيرات الصوف. ولم تكتشف كل ربوة قوبونجيق لاتساعها، ولكن الصورة العامة للمنطقة التي تشغلها هي قيام قصر سينا خريب في جنوبها الغربي، وقصر آشور بانيبال في شمالها، وقد اكتشف كلاهما في أوساط القرن الماضي.

стр. 618

وقدر لايارد مساحة الجدران المنقوشة المكتشفة من قصر سينا خريب حتى عام ١٨٥٣ بنحو عشرة آلاف قدم وإن كان أغلبها قد تهدم في العصور القديمة، ونقل بعض ما بقي منها إلى حوزة المتحف البريطاني. وتناولت نقوشها ما يصور رحلات الصيد الملكية وحياة البلاط وتقارير تفصيلية للمنشآت المعمارية والدفاعية التي تمت في عهده وعمل فيها أسراه. ومثل قصر آشور بانيبال في نينوى مصدرًا آخر للفن الآشوري، ولو أن ما عرف عنه على الرغم من روعته، لا يزال أقل مما عرف عن القصر الأول، ليس فقط لما أصابه من تدميرت متعاقبة، بل ولضياع كثير من نقوش جدرانه وصورها خلال عمليات نقلها في العصر الحديث؛ ولا تزال بقايا مناظر الصيد فيه تمثل ذروة ما بلغه الفن الآشوري في ميدانها. وتخلفت فيما بين القصرين الكبيرين بنينوى بقايا معبدين للإلهين نابو وإشتار. وتحد مدخل المعبد الثاني منهما تماثيل ونقوش تصور الملك منشئ المعبد في طريقه إليه على عرش محمول فوق عجلات ويصحبه أهل بلاطه وحراسه وعدد من الموسيقيين. وأدت كالحو، أو كالح التوراة، أو نمرود الحالية، دور العاصمة الآشورية الثانية. وهي مدينة قامت على الضفة اليسرى لدجلة، إلى الشمال الشرقي من مدينة آشور التي تقع على ضفته اليمنى، وامتد عمراتها فوق لسان خصب بين الدجلة والزاب الأكبر، ونشأت كمركز عسكري، ثم احتلت مكانتها المدنية بتشييد بعض قصور الملوك الآشوريين فيها منذ القرن الثالث عشر ق. م في عهد شلما نصر الأول، ثم زادت أهميتها في العصر الآشوري الحديث، وكشف فيها حتى الآن عن بقايا قصور الملوك الثلاثة الكبار آشور ناصر بال الثاني وشلما نصر الثالث وآشور أخادين. وهي قصور دلت على ما دلت عليه قصور نينوى، من حيث فخامة واجهاتها، وحراسة التماثيل الحيوانية البشرية الحجرية الضخمة لمداخلها "حراسة رمزية"، ومن حيث تعدد الأجنحة والقاعات فيها، وتميز القاعات الرئيسية منها وقاعات العرش بخاصة بمناظر منقوشة تسجل لقطات مختارة من حياة الملوك في الحرب والسلم مع كثير من المبالغات المعتادة، ولوحات منقوشة تنطق بمثل ذلك، كلوحة تصور خضوع ياهو الإسرائيلي أمام شلما نصر الثالث "عام ٨٤١ق. م"، وأخريات تتحدث عن حفل افتتاح قصر آشور ناصر بال في عام ٨٧٩ق. م، بعد جهود طويلة ونفقات طائلة بذلت في تشييده، وأقيم بعدها حفل بلغ عدد المدعويين فيه ٦٩٥٧٤ شخصًا استضافهم الملك لعشرة أيام١، ثم من حيث قرب المعابد والمزارات والزقورات من الأحياء الملكية، وأخيرًا من حيث ما أدت المصادفات إليه من بقاء بعض التحف والطرف فيها مثل قطع العاج الثمينة المشكلة، والأواني المعدنية الفاخرة، واللوحات المسمارية ذات الصبغات الأدبية والإدارية والتنجيمية والتعليمية. وتخير سرجون لنفسه عاصمة جديدة تقع إلى الشمال الشرقي من نينوى بنحو ١٦ كيلومتر، ونسبت إليه في تسميتها "دور شروكين" أي داره أو مدينته، وافتتحها قبل وفاته بنحو خمس سنين.

стр. 619

ثم هجرها العمران بعده بفترة قليلة فغطاها الرديم وحمى لحسن الحظ جزءًا كبيرًا من أطلالها، واحتفظت المصادر العربية بجزء من التسمية القديمة لهذه المدينة مع قليل من التحريف حيث ذكرتها باسم "سرغون" بينما احتفظ اسمها الحالي بنطق آخر أطلقه الساسانيون عليها وهو "خسرو أباد" "أي مدينة خسرو"، مع تحريفه إلى "خور سباد" و"خور صباد" في اللغة الدارجة الحالية. قامت هذه المدينة على خطه شبه مربعة بلغت مساحتها نحو ميل مربع، وأحاطت بها أسوار ضخمة تنفتح في واجهاتها الأربع سبعة مداخل متباعدة، وقيل إنه كان لها ١٥٠ برجًا. وشيد لسرجون فيها قصران من طابق واحد أحدهما كبير في الضلع الشمالي للمدينة والآخر صغير في ضلعها الغربي. وقام الكبير منهما فوق مسطح مرتفع يؤدي إليه طريق صاعد، وتضمن نحو مائتي قاعة بلغت أبعاد القاعات الرئيسية منها نحن ٣٢×٨ أمتار، وبلغت مساحة بهوها الكبير نحو ٩٧٦ مترًا. وخدمت القاعات الصغرى منها أغراض الملحقات وأماكن الإدارية. ويذهب الظن إلى أن عددًا من حجراتها المستطيلة سقفت بعقود وأن عددًا من حجراتها المربعة سقفت بقباب. واتصلت بقصر سرجون عن طريق فنائه الواسع ستة معابد، ثلاثة كبيرة وثلاثة صغيرة، وجاورتها زقورة مشتركة بلغ طول ضلع قاعدتها ١٤٣ قدمًا، وتخلف منها ما يدل على ثلاث طبقات أو أربع، لونت كل طبقة منها بلون مختلف عن لون الأخرى، وبلغ ارتفاع كل واحدة منها ثمانية عشر قدمًا. ويحتمل أن الزقورة بنيت في أصلها مع سبع طبقات وتوجها قدس الأقداس على ارتفاع ١٤٣ قدمًا، أي بما يساوي طول ضلع القاعدة. وكان يدور حولها طريق صاعد مسور يبدأ من القاعدة حتى القمة. وأقيم أكبر المعابد الستة، وهو معبد نابو، فوق مسطح مرتفع يؤدي إليه طريق صاعد، وتقدمت بوابته الداخلية صوار مصفحة بالبرونز تعلوها رموز مقدسة، وكسيت جوانبها بقراميد من القاشاني الملون "أو الطوب المزجج" المزخرف، تصور حيوانات وطيور وأشجار، وقامت في واجهة المعبد أساطين نصفية. واستخدم المعماريون في عمائر سرجون الأحجار بكثرة في الأساسات وقواعد الأساطين وتيجانها وأعتاب الأبواب الرئيسية، وفي رصف الأرضيات وحشو شرفات القصر، وتكسيه أسافل الجدران الكبيرة. بينما استخدموا قوالب اللبن في بناء بقية الجدران، واستخدموا الآجر في بناء الأقبية والعقود المدببة وما يشبهها، واستفادوا في تنفيذ مبانيهم وزخارفها من أساليب المباني الحيثية القديمة والمباني السورية المجاورة لأرضهم. وهكذا كسيت الجوانب الداخلية لمداخل الحصن والقصر الرئيسية بالجص حتى ارتفاع يصل إلى ما بين الخمسة والستة أقادم، وكسيت أكتافها بلوحات حجرية امتدت نحو ١٤ قدمًا طولًا وارتفعت نحو ١٣ قدمًا، ونقشت بصور مجسمة شديدة البروز لكائنات حارسة. وكسيت جوانب فناء القصر الرئيسي وجدران قاعاته الرئيسية بلوحات حجرية أيضًا نقشت بحوليات سرجون وصوره متبوعًا برجال حاشيته، في أحجام كبيرة يزيد بعضها عن الحجم الطبيعي لقامة الإنسان، بينما نقشت لوحات الممر المؤدي إلى قاعة العرش بصور كائنات حارسة. ولعل الآشوريون قد اقتبسوا أسلوب الكساء الحجري في أول الأمر من مباني الحيثيين في بوغازكوي من مباني شمال سوريا في مثل ألالاخ وتل العطشانة الحالية.

стр. 620

وتميزت عمارة القصر الصغير ببناء صفة ذات أساطين تعقب المدخل وتقوم أساطينها الخشبية المرتفعة فوق قواعد حجرية شكلت بعض وجوهها على هيئات الأسود، وشكل بعضها الآخر بما يشبه هيئة الآنية "المصمتة" المزخرفة المنبعجة الجوانب. وكان الآشوريون قد استعاروا أسلوب الصفة وأساطينها ذات القواعد المشكلة من مباني جيرانهم الغربيين واحتفظوا لها باسمها الشائع في شمال سوريا، وهو "بيت خيلاني" ويبدو أن الصفة السورية كانت مجرد تقليد لأصل حيثي، بحيث رأى بعض الآثاريين أن الصفة الآشورية كانت أقرب إلى الأصل الحيثي منها إلى التقليد السوري، وأنها استخدمت كالصفة الحيثية جزءًا من بهو المدخل، بينما كانت تعتبر في سوريا بناية مستقلة بذاتها١. عبر الفن التسجيلي الآشوري عن وجوه عدة من الحياة الحربية والاجتماعية والدينية في عصره، فضلًا عن دلالته الذاتية عن تطور الأساليب والمهارات الفنية عند أصحابه. ووجد هذا الفن مجالاته الرحبة على السطوح المعتادة القديمة مثل سطوح النصب، والجدران المكسورة بالخزف، والأخشاب المصفحة برقائق معدنية، وعلى الأختام وقواعد التماثيل والعروش، فضلًا عن سطوح جديدة على أعمدة تشبه هيئة المسلات وعلى الأفاريز الحجرية لجدران القصور والمعابد وكانت ترتفع إلى نحو سبعة أقدام. وظل هدف الفن على هذه السطوح كلها أكثر احتفالًا بإشباع شهوة الغلبة وحب الزهو والتعاظم عند الملوك، فصورهم يقودون الجيوش ويتقبلون خضوع زعماء خصومهم ويفتكون ببعضهم أو يشهدون التمثيل بهم. وصور ربهم آشور يشاركهم القتال ويصوب سهامه من قرصه المجنح. وصور المشاة والخيالة وفرسان العربات ذات العجلات الغليظة التي يستقلها اثنان أو ثلاثة "ويصحب الملك فيه عادة سائق وتابع مسلح" وصور تحركات الجيوش في ساعات الكر والفر وعمليات مهاجمة الأسوار بالمدببات والسهام والفئوس والعمد الطويلة. وصور هدم المدن وتحريقها، وراحة الجنود في معسكراتهم. كما صور ذلة الأسارة وتهجير المدنيين. وحرص على أن يجعل النصر من نصيب الآشوريون دائمًا، شأنه في ذلك شن كل فن تسجيلي قديم بالنسبة لأهله، وترتب على ذلك أن أصبحت أغلب لوحاته لا تخلو من رتابة ومناظر معادة، زادها افتعالًا مبالغة أغلب الفنانيين في تنميق زخارف السطوح والثياب والشعور واللحى، والمبالغة في إظهار عضلات الشخصيات الرئيسية وهم الملوك في أغلب الأحوال، ثم إخضاع بعض الكائنات الطبيعية لعناصر زخرفية مفتعلة، وعدم مراعاة التناسب أحيانًا بين المكان وشاغليه، سواء في الارتفاع أم في المساحة. ولم يخفف من ثقل هذه الظواهر غير نجاح بعض أولئك الفنانين في إظهار حيوية تحركات الأفراد ولفتاتهم، والتمييز بين ملابس طبقة وأخرى، والتمييز بين ملابس الآشوريين وبين ملابس أعدائهم، والتعبير عن البيئة الطبيعية

стр. 621

بما يناسبها، كمنحدرات الجبال وحدود الجزر وأحراج البوص عند مصبات الأنهار، ثم إظهار طابع الطراوة في صور الولدان الخواص من خدم القصر بحيث تراهم في هيئات تشبه الإناث أو الأغوات وقد يرجع ذلك إلى كثرة الولدان الأجانب والمولدين من جواري أرمينيا وإيران وآسيا الصغرى في بلاطات الملوك وقصور السراة. وعلى نحو ما سجل الفنانون لحظات انتصار ملوكهم، صوروا لحظات صيدهم للأسود والثيران الوحشية. وكان الجنود يحيطون عادة بساحة الصيد الملكية ويؤلفون سورًا حولها بتروسهم الكبيرة، وربما صادوا الأسود من أجماتها، واحتجزوها في أقفاص كبيرة استعدادًا لإطلاقها حين يحين وقت الصيد الملكي وحينئذ كان يعلو قفص الأسد قفص آخر يحتمي فيه حارسه حين يرفع الباب إلى أعلى لإطلاق الأسد من أسره١. وكان الملك يصيد راجلًا وعلى عربته وفوق صهوة جواده، ويكسو ذراعيه وساقيه بجلد سميك ذي شرائط ليتقي به تأثير مخالب الوحوش، أو يصحبه حراسه ليشاركوه الصيد ويناولوه السهام ويجهزوا على الوحوش الجريحة ويدافعوا عنه حين المفاجأة. وقد يسرف الفنان فيصور ملكه يرفع أسدًا صحراويًّا من ذيله، أو يصوره وقد تجمعت أمامه جثث عدد كبير من السباع وهو يطؤها بقدمه ويسكب عليها ماء مقدسًا ليقدمها قربانًا لإشتار ربة الحرب وسط تراتيل الكهان والحراس وأنغام الموسيقى الوترية. ولم يخفف من غلواء الفنانين في تصوير شجاعة ملوكهم إلا البراعة الفائقة من كبارهم في تصوير خصائص الحيوان ومظاهر اندفاعه وغضبه، وتهالكه وألمه، وبلغوا من ذلك حدًّا لم يبلغوه في تصوير الإنسان. وقد وفق فنان عهد آشور بانيبال التوفيق كله في تصوير الحيوانات الجريحة كتصوير لبوءة أدمتها السهام فانطلقت تزأر في ألم ممض وتجر مؤخرتها العاجزة وهي تقاوم نزعها الأخير٢، وتصوير أسد هائل تقوقع على نفسه رافعًا كتفيه متحاملًا بأربعته على الأرض بكل قوته ليقاوم السقوط وهو ينزف دماءه بغزارة من فمه٣، وآخر تدلى لسانه وبرزت أنيابه وتحجرت مآقيه بعد أن لقي حتفه٤. وعبرت المناظر عن الحياة المدنية للملوك، ولكنها صبغتها بصبغة رسمية غالبة، ومن أشهر صورها مناظر آشور ناصربال في كالح في مجالس قصره وفي أعقاب حفلات صيده، يستمتع بالشراب والموسيقى، أو يصب الماء من كأسه على صيده ليقدمه قربانًا لربه٥. ثم مناظر سرجون مع رجال حاشيته عند استقبال مقدمي الهدايا إليه٦، على جوانب أفنية قصره والردهة المؤدية إلى قاعة عرشه. وزيارة

стр. 622

شلما نصر الثالث لمنابع دجلة ودعواته أمام ربها١، وخروج سينا خريب في موكب النصر في عربة مدنية تعلوها مظلة مرتفعة تشبهها مظلات العربات الهندية٢. أما عن الحياة الداخلية الخاصة للملوك، فلعل أشهر مناظرها القليلة الباقية هي صور آشور ناصربال في مناسبات شرابه. وصورة آشور بانيبال وقد تخفف من ثيابه التقليدية واستلقى على سرير مرتفع تحت كرمة أو خميلة، ودلى قلادته من طرف سريره، ووضع سيفه على منضدة تجاوره، وجلست أمامه زوجة بدينة ثقيلة تشاركه الشراب، وأحاط بهما الأتباع والعازفون وخدم المائدة، وتدلت في الوقت نفسه رأس عدوه الألد ملك عيلام من شجرة مرتفعة غير مثمرة٣. وليس من نقوش متميزة يستشهد بها في تصوير حياة الأفراد، وقد يرجع ذلك إلى طغيان شخصيات الملوك وتغطيتها على من سواها، أو يرجع إلى قلة احتفال الأفراد أنفسهم بمقابرهم ومناظرها كما حفل المصريون. غير أن المناظر الملكية تجاوزت في بعض المرات حدود الحياة الملكية إلى تصوير حياة الأتباع، فصورت على سبيل المثال فترات الراحة للجنود، ومن هذا القبيل لقطات من معسكر آشور ناصربال صورت مطابخ الجيش ورجاله، وحظائر الخيول وسياسها، وعمليات إقامة السرادقات وإعدادها لسكنى الضباط٤، ومنظر لركن من أركان معسكر آشور بانيبال بعد انتصاره على مدينة هامان، وقد وقف على باب المعسكر جندي مسلح جلست أمامه امرأة تمازحه، وجلس الجنود في الداخل يعبون من الكاسات ويصطلون٥. وصورت بعض المناظر جوانب من حياة الطبقة الكادحة -عرضًا- كتصوير عمال يشدون خلفهم عربات كبيرة محملة بجذوع أشجار ضخمة، بحبال تنساق فوق أكتافهم كالدواب٦. وظل النقش المسطح المنخفض قليل الروز، أكثر شيوعًا مما سواه. وظل التصوير يؤثر طابع الضخامة والامتلاء بالنسبة للشخصيات الكبيرة، وطابع الرهبة بالنسبة للشخصيات الخرافية. وتقيدت أغلب المناظر بالتقاليد القديمة المألوفة، مثل تقسيم المسطحات إلى صفين أو ثلاثة صفوف، وانتهاء كل موضوع بنهاية صفه، واستقرار الأشخاص فوق خطوط الوقف، وشغل الفراغات بمفردات مناظر ليس من الضروري أن يتوافر الترابط بينهما دائمًا. ولكن شذت عن هذه التقاليد بضع لوحات كبيرة وصغيرة، تجاوز الفنانون في بعضها حدود الخطوط، ورابطوا بين مناظر الصفوف المتعاقبة، ثم تخلوا في بعض آخر عن فكرة الصفوف تمامًا ونجحوا في استخدام المسطح كله لتصوير مراحل متتابعة مترابطة من موضوع واحد، وهو موضوع الحرب في أغلب الأحوال، ويذكر من النماذج الناجحة لهذه الاتجاهات اتصال المناظر لكل صف على الوجوه الأربعة لمسلة آشور ناصربال بحيث ظهرت خلفية الخيول التي تجر العربة الملكية

стр. 623

على وجه وظهرت بقية العربة وتوابعها في موازاة السطر نفسه على وجه آخر١. ثم تصوير قطعان الظباء والحمر الوحشية والخيول البرية وكلاب الصيد، تصوير من شاهدها ودرس خصائصها في أحوال أمنها وساعات فزعها، طليقة لا تتقيد صورها بخطوط الوقف ولا بالأرضية المستقيمة، مما سمح بإظهار العمق في مناظرها٢. واتصال موضوع واحد على ثلاثة صفوف في مناظر الحرب الآشورية العربية، وهي مناظر تموج بالحركة والكر والفر والسرعة، يقاتل الآشوريون فيها بالحراب والسهام، مشاة وفي العربات وعلى صهوات الخيول، ويقاتل الأعراب فيها مشاة وعلى ظهور النجائب، يمتطي كل اثنين بعيرًا، أحدهما يسوقه بعصاه والآخر يرمي عن سوقه أمامًا وخلفًا، وتجري النجائب بسرعة عجيبة لتنقذ راكبها وتنجو بنفسها، حتى لتكاد تقفز أو تطير ... ٣. ثم حرية المناظر في لوحات الحروب الآشورية العيلامية مما بسطناه في سياق حديثنا عن الحرب ذاتها. ويماثلها إلى حد ما منظر مهاجمة لاشيش في عهد سينا خريب ص٥٣٢. وتهيأت المواد الأولية لفن النحت في آشور أكثر مما تهيأت في بابل؛ لقربها من مناطق الجبال وقرب محاجر الألباستر من عاصمتها نينوى، ولاتساع أملاكها الخارجية الغنية بالأحجار والمعادن الصالحة للنحت والتشكيل، لولا أنه لم يبق من التماثيل الآشورية غير قلة لا تتفق مع إمكانيات عصرها. انحصرت نماذجها الناجحة في تماثيل الملوك والأرباب أكثر من تماثيل الأفراد، ولسنا ندري مرة أخرى إن كانت هذه الظاهرة قد ترتبت على محض المصادفة، أم ترتبت على انعدام شخصية الفرد أمام جبروت الملوك. ويستشهد من التماثيل الناجحة للملوك بتمثال حجري صغير لآشور ناصربال يبلغ ارتفاع نحو المتر ولا يخلو من التأثر بالسلوب البابلي، يمثله واقفًا في هيئة رسمية في سن الرجولة بشارب متدلٍ وشعر مرسل طويل ولحية ضخمة مزجلة مستعارة. ولا تخلو جزئيات هذا التمثال من عيوب، كضيق الجبهة، وتحديق العينين، ورقة الشفتين، وفرطحة القدمين، والافتعال في تمثيل اللحية المرجلة، وخشونة الظهر، ولكنه على الرغم ذلك مقبول في مجمله لا سيما ببدنه الملفوف، وانحدار كتفيه، وامتلاء ذراعه العارية، مع نحافة خصره تحت من تأثير ربطة الزنار، والحزور الزخرفية التي تزين ثوبه، وقد شكلت الشارتان اللتان يمسكهما في يدين بالنقش البارز في جسم تمثاله٤ ونقشت بضعة سطور على صدره تشيد باتباع ملكه. وعثر عليه في مشكاة بمعبد نينورتا بعاصمته كالح، باعتباره باني المعبد ليستفيد عن طريق تمثاله بما يقدم إلى أرباب المعبد من صلوات ودعوات وقرابين. وتمثال صغير من الكهرمان كان جزءًا من حلية كبيرة، لملك آشوري

стр. 624

غير معروف، تضمن مزايا التمثال السابق دون عيوبه، وزاد عليها سماحة مظهره، وسلامة تكوين العينين، وصدق تمثيل الشفتين، وطرافة تشكيل الشارب مبروم الطرفين، وانعقاد يديه على صدره، وتحلية صديريته الطويلة بزخارف نباتية لطيفة١. ثم تمثال صغير للمعبود نابو، من أواخر القرن التاسع ق. م، يمثله بجسد ملفوف ذي خطوط بسيطة، وشعر كث مرسل ولحية طويلة وشارب بسيط متدل، وتاج ذي قرون، ووجه لا يخلو من سماحة يزكيها عقد يديه أسفل صدره وتشابك كفيه في ليونة لطيفة٢. وجمعت بين النقش والنحت نقوش شديدة البروز أجيد تفريغ خلفياتها فبدت على هيئة التماثيل الناتئة من جدرانها، وتجلت نماذجها الكبيرة على أفاريز حجرية رجصية كست جوانب مداخل قصر آشور ناصربال، ومعبد نينورتا في كالح، وجوانب مداخل قصر سرجون ومدخل قاعة عرشه في خور سباد. وتراوحت ارتفاعاتها بين الثلاثة وبين الأربعة أمتار، وتجسمت مفرداتها على هيئة كائنات حارسة ذات هيئات بشرية مجنحة، وأخرى ذات هيئات بشرية خالصة، وثيران وأسود مجنحة برءوس بشرية ضخمة متوجة لم ينس الفنانون تفاصيلها الصغيرة حتى الأقراط المتدلية من الآذان. ولعب الخيال الفني والأسطوري دوره في تمثيل بعض هذه الكائنات الضخمة ذات الأجسام الحيوانية والرءوس البشرية بخمس سيقان، اثنتين أماميتين ضخمتين متجاورتين توحيان بطابع الثبات والاستقرار لمن يشاهدهما من الجانب، وتنسجمان مع امتلاء صدر حيوانهما وفخامة رأسه البشرية، ثم ثلاث سيقان أخريات ذوات حجم طبيعي تنسجم مع جسم الحيوان، وتتقدم إحداها الأخرى بحيث توحي في مجموعها بهيئة المشي لمن يشاهدها من الجانب. وامتازت رءوس الكائنات عند مدخل قاعة عرش سرجون بتصويرها من الأمام والتفاتها ناحية الداخلين لتملأهم روعة ورهبة. وسمحت سطوحها المجسمة المتسعة بإظهار تفاصيل تكوين الجسم البشري لا سيما صفحات الوجوه وعضلات الذراعين والساقين، وتفاصيل الثياب والأجنحة، في أناة مستحبة غطت على عيوب طابع المبالغة في تمثيل اللحى الكثة والشعور الطويلة. واستغلت أرضياتها لنقش نصوص تمجد ملك عصرها٣، وهكذا جمعت بين أغراض النقش والنحت والزخرف والتسجيل والرمز بالحماية المقدسة، كما جمعت بين الأسلوب الواقعي والتخيل الأسطوري، وجمعت بين الجمود وبين مظاهر الحركة والحيل الفنية. وأدى فن الرسم الملون دوره، وبقيت منه نماذج قليلة ولكنها متقنة تشهد بتجارب طويلة سابقة، وأشهرها هي رسوم قاعة عرش سرجون والبهو المؤدي إليها؛ وتتألف من شرائط أفقية عريضة، تتكرر في كل شريط منها وحدتان زخرفيتان، إحداهما لحيوان أو كائن خرافي مقدس، والأخرى لزهرة كبيرة أو تخطيط هندسي لطيف، وتفصل بين كل شريط وآخر خطوط متجانسة، ويعلوها كلها ويتوسط اتساعها محراب مزخرف تظهر صورة الملك فيه وهو يحيي تمثال معبوده٤.

стр. 625

وواصلت الفنون الصغرى، أو الفنون التطبيقية، طريقها في زخارف النسيج ونقوش الأختام ونقوش الأواني والكئوس وزخارف، فضلًا عن تشكيل القوائم المعدنية للمشاعل وموائد القربان، وتطعيم وتكفيت اللوحات الخشبية والمرمرية وقطع الأثاث الفاخر. وعبرت وحدات هذه الفنون عن الأذواق الآشورية المعاصرة لها وانتفعت في ذلك بتراث عصرها الوسيط، ولكنها استفادت في الوقت نفسه من محصول الإمبراطورية الواسعة، فظهرت فيها تأثيرات بابلية وحيثية وسورية ومصرية، بل وتأثيرات من أرمينيا، وما حولها أيضًا١. وبلغت زخارف النسيج الآشورية مبلغًا كبيرًا من الرقة والتنوع في ملابس الملوك الخاصة، واعتمد أغلبها على زخارف نباتية اصطلاحية شاعت فيها صورة الشجرة المقدسة أو شجرة الحياة؛ ومناظر أسطورية لكائنات مجنحة خيرة وعاتية، وحيوانات أليفة وضارية٢؛ وتخطيطات هندسية لطيفة تكاد تعتبر الأصل البعيد لتعاشيق الأرابيسك الإسلامية٣. ومن أمتع ما يقرن بزخارف الملابس، تنوع هيئات أغطية الرءوس في المناظر الآشورية، فمنها قلانس تشبه الطاقية، وأخرى تشبه القاووق والطرطور والأسطوانة المرتفعة؛ وغيرها تشبه طربوشًا بلون واحد أو لونين قد يكون مرتفعًا يعلوه ما يشبه القمع المقلوب؛ وقد تتدلى منه عدبة طويلة تصل إلى ما تحت الكتفين، وذلك فضلًا عن التيجان المقدسة ذات الزوجين أو الثلاثة أزواج من القرون. وتنوعت طرز النعال أيضًا؛ فمنها ما يشبه الخف الصوفي؛ ومنها الطويل الذي يشبه ما يسمى الآن التوزلك أو البوت؛ ومنها الصندل العادي ذو الأشرطة؛ ومنها أشكال أخرى لا تحضرنا مرادفات أسمائها في اللغة العربية. وشكلت زخارف بعض اللوحات المرمرية، في قصر سرجون بخورسباد وقصر سينا خريب في قويونجيق بنينوى، بوحدات تشبه وحدات زخارف السجاد الشرقي المألوفة٤، وقد تكون أصلًا لها أو تكون مشتقة من زخارف بسط فرشت بها أرضيات القصور الآشورية فعلًا. وانتفعت نقوش الأختام الأسطوانية والمسطحة من تراث العصر الآشوري الوسيط؛ وأحيت معه عناصر بابلية قديمة؛ واستعارت كذلك بعض الأساليب الحيثية القديمة؛ وامتازت النقوش الجيدة منها بوضوح مناظرها واستقلال مفرداتها وحيوية تفاصيلها النباتية والحيوانية، مثل حراشيف النخيل وسعفه وريش الأجنحة وزخارف الملابس؛ واستطاعت أن تعبر بوضوح عن مضمون بعض الأساطير وبعض مناظر الصيد والتعبد وتقديم القرابين. ونهل الفنانون الآشوريون من فنون سوريا الخاضعة لهم، واتخذوها معبرًا لهم إلى اقتباس فنون الترف المصرية الخالصة، والمحورة منها بالطابع السوري. وكان أمتع هذه الفنون بالنسبة لهم هو تطعيم لوحات

стр. 626

العاج وجوانب الصناديق الفاخرة وتكفيت الصحاف والأواني المعدنية وزخارف المقابض العاجية للمراوح الفاخرة والمرايا المعدنية. واحتفظت أطلال قصورهم بقطع عاجية مطعمة بهيئات كائنات حيوانية زخرفية مجنحة لها رءوس الكباش، ولها أمثالها في الفن الشامي، ومنها مقبض عاجي شكل على هيئة شيخ كنعاني١، ورءوس نسوية جمعت بين الطابع السوري الشمالي والطابع الحيثي المستحدث٢. واحتفظت أطلال قصور الولاة الآشوريين في أرسلان تاش بتحف بارعة أخرى عبرت بزخارفها وموضوعات نقوشها عن بضعة أساليب وأساطير مصرية خليطة مقتبسة٣. وتضمنت قصور كالح وخورسباد نماذج رائعة للفن المصري السوري المقتبس، منها قطعة عاجية تمثل أنثى ذات وجه مصري نحيف طيب سمح تطل من نافذة أو كوة، هي فيما يغلب على الظن حتحور المصرية التي شبهها السوريون بعشتار، وسمتها كتب الفن الحديث "عشتار في النافذة" و"موناليزا العالم القديم"٤. ثم عدد من تماثيل أبو الهول الصغيرة ذات الوجوه المصرية الصميمة. وقطعة عاجية زخرفت بورقيات البردي المصرية وزهور اللوتس وبراعمه المحورة، وتداخلت فيها صور حيوانات سورية مجنحة. وقطعة عاجية أيضًا لصندوق ظهرت عليها صور عازفات ذوات ملامح مصرية وثياب سورية يعزفن على الناي والدف والوتر في حيوية دافقة. ومقبض مروحة شكلت وجوهه الأربعة على هيئة نوبيين بملابس مصرية تعلوهم زهور اللوتس المحورة. ومقبض مرآة على هيئة أنثى تجمع بين الهيئة المصرية والملامح السورية. وصحاف نقشت حوافها العريضة بمناظر صيد مصرية رقيقة قليلة الحشو قليلة التكلف في صور الحيوان والطير والإنسان. وأخرى زخرفت من داخلها بدوائر لولبية متعاقبة حول محور نباتي صغير أحاطت بها زخرفة إنشائية كبيرة تألفت من تكرار صور حيوانين خرافيين متقابلين ذوي طابع مصري يتوج رأس كل منهما التاج المصري المزدوج، وحددت قعري الدائرة أعمدة مصرية شكلت تيجانها على هيئة الجعل المصري المجنح. وتكررت الأعمدة بأحجام صغيرة بين كل حيوانين متقابلين وحف بهما شخصان يتعبدان٥. في الأدب: كان حظ الآشوريين من الخلق الأدبي نصيبًا يسيرًا نسبيًّا، فعاشوا في آداب العصور التي سبقتهم، ولكن قامت لهم مأثرة عليها، وهي تجديدهم لأغلب لوحاتها وحفظهم إياها ونشرهم لها مع بعض التحوير والإضافة أحيانًا، لا سيما منذ أن أنشأ ملكهم سرجون مكتبته في نينوى، وزاد هذه المكتبة وأسس أمثالها أولاده وحفدته، وكان أكثرهم احتفاء بالثقافات القديمة وجمعها في مكتباته هو أشور بانيبال الذي أرسل

стр. 627

رقاعًا إلى ولاته على الأقاليم يأمرهم فيها بالتحري عن الألواح المسمارية القديمة حيثما وجدوها ويقول لكل منهم فيها "لا يجوز لأي إنسان أن يمنع شيئًا من الألواح عنك، وإذا عثرت على أيه لوحة أو رقية لم أعينها لم وتجد فيها صلاحية لقصرنا استول عليها وأرسلها إليَّ". وعثر في أطلال قصره بنينوى على لوحات كثيرة زادت من معرفة الباحثين المحدثين بالآداب القديمة. ولم تكن كل هذه الألواح أدبًا خالصًا ولا علمًا خالصًا وإنما تعلق أغلبها بالعبادات والتمائم والتعاويذ. ووجدت رسالة من هذا الملك إلى واليه في بابل يأمره فيها بأن يبحث جادًا عن لوحات تعاويذ الأنهار والشهور ورقي الوسائد الملكية وتقاويم الأيام ومراسيم رفع الأيدي ومجموعة الكروب ومجموعة سمع أنها معنونة بعنوان "لا تدع السوء يمس الذاهب إلى المزارع أو الداخل إلى القصر"، ثم أمره إلى جانب ذلك بأن يضم أشخاصًا معينين إلى معيته بعد أن سمع عن حيازتهم للوحات ثمينة قديمة١. واتخذت ألواح أخرى صبغة عملية وعلمية، فكان منها ما تحدث عن مركبات الزجاج وأطلية الخزف. ووجدت منها جداول تتضمن بضع مئات من أسماء النباتات تداخل بعضها في بعض، وعبر بعضها عن خصائص نباته وثماره واستعماله، مثل نبات القتب الذي أسموه نبات الغزل ونبات الهموم نظرًا لمفعوله المخدر الذي ينسي الهموم. وتضمنت الألواح تفاصيل عقاقير نباتية رتب كل منها باسم النبات ونوع المرض الذي يعالجه ثم طريقة تعاطيه، فكان منها ما يقول: "العرقسوس لعلاج السعال، يدق ويشرب مختمرًا". "والصبر، دواء للصفراء، يدق ويشرب"٢. وكان في اطلاع بعض الملوك الآشوريين، لا سيما الملكيين آشور أخادين وآشور بانيبال على أشباه هذه العقاقير والوصفات ما جعلهم يبدون اهتمامًا كبيرًا بنشاط أطبائهم ويرسلونهم خصيصًا لعلاج أصدقائهم ثم يتلقون منهم تقارير عنهم وعن علاج ذوي قرباهم بخاصة٣. وكثيرًا ما اختتمت نصوص الألواح بتحذير القارئ من سرقتها أو كسر طابع مكتبتها الخاصة أو العامة، وإلا تعرض لنقمة الآلهة. وانتفع الكتبة الآشوريون بأساليب المعاجم القديمة في بابل، وزادوا مفرداتها ومترادفاتها الأجنبية نتيجة لاتساع صلات دولتهم بجيرانها، وضمنوها مفردات خاتية وكاسية ومصرية ... ، وبعد أن كانوا يؤرخون نصوصهم في عصرهم الآشوري الوسيط بأسماء الشهور: كيناته، وسين، وألاناتو، وشاساراته، وما يشبهها من أسماء غريبة، أصبحوا يذكرون شهورهم في عصرهم الحديث بأسماء: آبو، وتشرين، وتموز، ونيسانو، وأدارو، وأولولو، وهي نفس الأسماء المعروفة للشهور الأرامية الباقية حتى الآن، مع تغييرات طفيفة.

стр. 628

ولم يخل الأدب الآشوري الخالص من مزايا خفيفة في تقاريره وأقاصيصه الحربية بخاصة، فوصف كاتب مدينة السامرة في حوليات العام الثامن لفاتحها سرجون الآشوري، قائلًا على لسانه: "لقد كانت قمة عظيمة ترتفع مثل سن الرمح وتسمو فوق الجبال حتى لكأنها رأس تعتمد السماء عليه، ولها جذور تمتد حتى تصل إلى قلب الجحيم. وكانت من خارجها كالسلسلة الفقرية للسمكة لا تسمح لأحد بالنفاذ منها". ولم يقصد كاتب سرجون بذلك أن يشيد بالمدينة، ولكنه ابتغى أن يشيد بمجهوده في تحطيمها على الرغم من حصانتها؛ إذ أتبع ذلك بوصف مسالكها الوعرة ثم عقب بخططه الحربية في تذليلها بفضل سعة أفقه وما أوحى أربابه به إليه. وعلى الرغم مما حفل به هذا الأدب الحربي من مبالغات وادعاءات ظل ذا قيمة لا تنكر في احتفاظه بأخبار شعوب قديمة لم تترك وثائق مكتوبة تنم عن تاريخها، مثل القبائل العربية الشمالية والقبائل الجبلية الشمالية، وإن كان قد صور أخبارها من وجهة نظره الخاصة. ولعبت العرافة دورها في حياة الآشوريين، وتقبلها ملوكهم قبول حسن، وتكفل بها كهنة وكاهنات كان من أنشطهم كهنة المعبود آشور وكاهنات المعبودة إشتار ... ، ويبدو أنهم كانوا ينطقون بتنبوءاتهم وهم في غيبوبة أو حالة انجذاب فتؤخذ على أنها صادرة من روح المعبود عن طريق وساطتهم، ثم يدونها كتبتهم ويرسلونها إلى القصر إذا كانت تتعلق بشخص الملك ومشروعاته. ومن طريف ما تلقاه آشور أخادين من كاهنة إشتار أنها بعد أن وعدته النصر على أعدائه توقعت ... في تصديق نبوءتها، فقالت له "ماذا في قولي الذي تحدثت به إليك لا تستطيع أن تعتمد عليه ... ؟ وقالت له كاهنة أخرى من أبلا تدعى "بعلة أبيشا" على لسان ربتها إشتار: " .... لِمَ لَمْ تصدق النبوءة السابقة التي تحدثت بها إليك؟ صدق هذه، وادعني يوم اشتداد العاصفة ... ، واشكرني ... " .... حروب آشور بانيبال مع إخوته وفي أنحاء مملكته مجالًا خصبًا لتنبوءات العرافين وأمنيات المتزلفين، فأرسل إليه رجل يذكره برؤيا رآها جده ووعده آشور النصر خلالها، ... ثم دعا له بأن يفتح أقطارًا لم يفتحها أبوه ... ، وأرسل إليه يخبره بأنه رآه في منامه ورأى معه الربة إشتار ودار بينه وبينهما حديث انتهى بطبيعة الحال بتأكيد رعاية الربة له وتأييدها إياه١. هذا عن أدوار المجد الآشوري، أما عن مرحلة انهياره، فهذه نتناولها في صفحات تالية مع مسبباتها المباشرة.

стр. 629

الفصل العشرون: بابل الكلدانية أو العصر البابلي الأخير "٦٢٦ - ٥٣٩ _٢٥ d٩_٢٥٨٢._٢٥d٩_٢٥٨٥ " تمهيد: عودة إلى الآراميين في بابل والعلاقات مع آشور ... الفصل العشرون: بابل الكلدانية أو العصر البابلي الأخير "٦٢٦ - ٥٣٩ق. م" تمهيد- عودة إلى الآراميين في بابل والعلاقات مع آشور: كان الكلدانيون "أو قبائل كالدو" فرعًا من الأراميين الذين مر بنا أنهم جعلوا ضفاف العراق قبلتهم منذ القرن الرابع عشر ق. م أو نحوه. وأحست بابل بخطورتهم على اقتصادياتها منذ القرن الثالث عشر ق. م، حين كتب كل من الملك البابلي كادشمان إيلليل والملك الحيثي خاتوسيل إلى زميله، بتعكيرهم صفو الأمن على الطرق التجارية الواصلة بين الدولتين١. وتسلل الأراميون إلى أرض بابل في أواخر عصرها الكاسي، وعند سقوطه، وشجعهم انتشار بني عمومتهم حول نهري الفرات والخابور، وظهور إماراتهم العديد فيما يجاور آشور وتضييقهم عليها في أواخر عصرها الوسيط. ثم تجدد نشاطهم في دولة بابل في أواخر عصر أسرتها الرابعة، وبلغوا غايتهم منها حين اغتصب زعيمهم أداد أبالدين عرشها في عام ١٠٨٣ق. م. واحتفظ به زهاء عشرين عامًا، وهادن ملك آشور "آشور بعل كالا" وزوجه ابنته وأهداها بائنة كبيرة. ومن البدهي أنه الآراميين مكانتهم في الدولة، فزاد تدفق قبائلهم على أرضها، وسادوا "دور كوريجالزو" قرب بغداد، وانتشرت بعض قبائلهم القوية على الشواطئ الشرقية لدجلة، وكانت أقواها قبائل الحامبولو٢. وأحدثت تحركاتهم هزات عنيفة في الدولة، بحيث تعاقبت على عرشها ثلاث أسر حاكمة في أقل من نصف قرن٣. واستمر الأراميون في توسعهم، فامتدت قبائل كالدو في جنوبي العراق حتى الخليج العربي وكانوا ست إمارات أكبرها "بيت داكوري" و"بيت ياكين"٤. وسيطرت قبائل أخرى على ما بين بابل وبورسيبا، فخافهم أهل المدينتين على مواكبهم الدينية٥. وظهرت آشور حينذاك في ميدان العلاقات

стр. 630

بين الفريقين، وكانت قد بدأت عصرها الحديث في أواخر القرن العاشر فعملت فيها مر بنا آنفًا، على إضعاف جيرانها الأراميين الشماليين ثم تجرأت في عهد أداد نيراري الثاني وهاجمت البابليين وامتد تأثيرها على الأراميين المنتشرين بين بابل وبورسيبا١. وحاولت بابل بعد هدنة قصيرة أن تستخدم الأراميين لحسابها فحرضت بعض طوائف السوتيين على مهاجمة الأطراف الآشورية٢، ولكن خاب مسعاها في عهد أوشكت آشور أن تبلغ فيه قمة من قمم مجدها، وهو عهد ملكها آشور ناصربال الثاني الذي اكتسح بجيشه عددًا كبيرًا من القبائل الأرامية الشمالية الضاربة على حدود العراق والشام وذكرت نصوصه أنه هجر ١٥٠٠ من قبائل الأخلامو من بيت زماني التي قهرها أبوه قرب ديار بكر٣. ولم يكن الآراميون بغير أثر في المجتمع العراقي، على الرغم من تفرقهم واعتمادهم على حضارة البابليين والآشوريين. فقد ترتب على انتشارهم في أجزاء شتى من بلاد النهرين، وتدخلهم في المعاملات عن طريق التجارة، ووجود بعضهم خدمًا وأرقاء في بيوت الأثرياء وضياعهم، أن وجدت لهجاتهم سبيلها إلى السكان الأصليين وكتبها بعض المتعلمين بالخط المسماري، وبلغ من أمرها أن كتبت بها نصوص قصيرة على بعض آثار شلما نصر الثالث وسرجون وسينا خريب في كالح وخورسباد ونينوى ثم نقل بعض الأراميين الغربيين الذين أبعدوا إلى آشور الخط الأرامي الغربي من مواطنه في الشام إلى العراق، ونقلوا معه طريقة الكتابة على البردي التي تعلموها من المصريين والفينيقيين. ويحتمل من أحد مناظر عهد شلما نصر الثالث أن أحد كتبته الأراميين كان يكتب له على البردي، وإذا صح ذلك كان نموذجًا لكثيرين غيره. وعندما دعا صاحب وظيفة "الرابشاقه" ملك اليهود في أورشليم إلى التسليم خاطبه بالأرامية من خارج السور، وذلك مما يعني أن أمثاله من كبار الموظفين الآشوريين كانوا يعرفونها٤. وشهدت بابل حربًا أهلية بين ملكها وأخيه، واستعان ملكها "مردوك زاكير شوم" بالملك الآشوري شلما نصر الثالث فأعانه وأصبحت له اليد العليا على عرشه. وسمح ذلك للآشوري بأن يذهب بجيوشه أو بنفوذه حتى كلديا، وقال في نصوصه فيما استشهدنا به من قبل: "هبطت إلى كلديا وقهرت مدنها وسرت حتى البحر الذي يسمونه البحر المالح "الخليج العربي"؛ وتلقيت في بابل جزية أديني بن داكوري من الفضة والذهب وخشب أوشو والعاج ... ". وصور فنانوه على أبواب قصره المكسو بصفائح البرونز جزى بيت داكوري الكلدانية يحملها أهلها بين صفوف النخيل ويشرف عليها كتبة الملك وحراسة٥.

стр. 631

ولم يكن شلما نصر أقل اعتزازًا بخضوع أراميي الجنوب من اعتزازه بانتصارته المتكررة على بني عمومتهم الشماليين في بيت أديني وشمآل، وبني عمومتهم الغربيين في قرقر .... "راجع قصته معهم". ومرة أخرى استعانت بابل بالكلدانيين ومن شابههم من الأراميين، فضلًا عن العيلاميين، في مهاجمة آشور بعد وفاة ملكها شلما نصر الثالث، ولكنها فشلت وقتل ملكها وخلا عرشها فترة من الزمن، ثم استعادت قواها وعاودت الكرة ضد الآشوريين في عهد ملكهم أداد نيراري الثالث ولكنه اكتسح أرضها وتلقى جزي الكلدانيين. وأصاب بابل بعد ذلك ما أصاب آشور من حيث غموض التاريخ واضطراب الحوادث، وانتهت في ذلك الحين الأسرة البابلية الثامنة، وتلتها الأسرة التاسعة التي عاصرت بداية المرحلة الآشورية الثانية من عصرها الحديث على نحو ما يرد ذكره بعد قليل.

стр. 632

التطور السياسي: في الفن: حاول الفن البابلي أن يحتفظ خلال فترات الضعف السياسي هذه بإثارات من تقاليده القديمة تذكر أهله بمجدهم الغابر، مع تلوينها بصبغة حديثة خفيفة تتفق مع اتجاهات عصره والتجديدات الآشورية التي ظهرت فيه. ووجد فن النقش سبيله حينذاك على نصب الهبات ونصب الحدود الإقليمية "كودورو" وعلى النصب التذكارية للملوك. فاحتفظت آثار القرن الحادي عشر ق. م بنصب صغير "من عهد نبوخذ نصر الأول" صور فنانه عليه عددًا من هيئات الأرباب وصور مقاصيرهم ونواويسهم ورموزهم الحيوانية والنجمية والاصطلاحية. وليس للفن نصيب كبير في هذا النصب فيما خلا مجهود ناقشه في تصوير مفرداته الكثيرة على مسطحه الصغير ومحاربه ... طيات الثوب الواسع لصاحب النصب في جلوسه، ولكن بقيت له قيم أخرى معمارية ودينية تمثلت في صور ما ذكرناه من المقاصير والرموز المقدسة، مثل تصوير سقوف المقاصير على هيئات مخروطية ومائلة ومقبية، وتصوير أسطون لولبي بتاج على هيئة رأسي أسدين متدابرين، وقد ظهر له ما يماثله في الفن الإيراني، ومثل وضوح التفرقة بين رموز الثالوث السماوي الكبير، الشمس والقمر والزهرة، فظهر رمز الشمس على هيئة قرص تتوسطه نجمة رباعية تنبعث الأشعة من بؤرتها؛ وظهر رمز القمر على هيئة هلال داخل قرص القمر، وظهر رمز الزهرة على هيئة نجمة مثمنة داخل قرص كبير. وظهر من رموز النصب صورة حيوان بارك يخرج من ظهره خطان لولبيان يعبران فيما يبدو عن تموجات البرق ويرمزان إلى المعبود أداد رب العواصف والبروق١. واحتفظت آثار القرن التاسع ق. م. بلوحة تذكارية مستطيلة سجلت قصة تجديد معبد شمش في سيبار "أبو حبة الحالية" خلال عهد نابو بالدينا "حوالي عام ٨٧٠ق. م"٢، وظهر شمش في أعلاها بهيئته البابلية التي صورتها له لوحة حمورابي، شيخًا مهيبًا برداء كاس وتاج ذي أربعة أزواج من القرون، مع تحوير

стр. 633

يسير في طريقة تمشيط لحيته الطويلة، وزخارف ثوبه، ووضع عصاه، وزخارف عرشه التي مثلت معبودين يرفعان سقفه، وأشرقت عليه ثلاثة أقراص قد ترمز إلى الثالوث السماوي الكبير، الشمس والقمر والزهرة. وجلس شمش بعرشه داخل ناووس ينحدر سقفه انحدارًا لطيفًا إلى الخلف وتعتمد واجهته على أسطونين صور الفنان أسطونًا منهما مضلع الساق بما يشبه حراشيف النخيل، وشكل قاعدته وتاجه بوحدات نباتية محورة اعتبرها بعض الباحثين سلفًا قديمًا لما سُمي فيما بعد باسم زخارف الأعمدة الدورية وتقدم ناووس شمش صوان استند فوقه رمزه، وهو عبارة عن قرص ضخم ذي قاعدة مزخرفة تتوسطه نجمة رباعية تنبعث الأشعة من بؤرتها. ولم يصور الفنان القرص بجانبه الضيق الظاهر، وإنما صوره بواجهته الواسعة على عادة تقاليد الفن القديم في تصوير الأشياء من أوضح هيئاتها ووجوهها، ولكنه تحرر من ناحية أخرى في تصوير معبودين متجاورين يطلان من السماء على سقف الناووس ويشدان القرص، فصورهما تصويرًا جانبيًّا سليمًا بحيث أخفى أقربهما إلى الرائي جذع زميله، وصور ذراعيهما البعيدتين أكثر انخفاضًا من ذراعيهما القريبتين، وذلك مما ينم عن إحساسه بالفارق بين ما يبدو فوق مستوى النظر وما يبدو تحته. وصور الفنان ملكه يبتغي القربى من ربه في هيئة خاشعة تنم عن إحساسه بعظم الفارق بينه وبينه وتختلف إلى حد كبير عن هيئة حمروابي القديمة أمام ربه، فصوره بحجم صغير يحيي إلهه، متواضعًا يرفع يده ويبسط كفه، ويتقدمه كاهن يأخذ بيده، ويلمس مائدة ربه بيده الأخرى متبركًا بها، وتتبعه راعيته إشتار "؟ ". وصور الفنان هذه الشخصيات الثلاث تصويرًا جانبيًا سليمًا على الرغم من صغر أحجامها، وجعل اختلاف أوضاع أيدي أصحابها سببًا للتنويع ودفع الرتابة في التصوير. ثم فصل بين هذه المجموعة المصورة وبين نصوص اللوحة بفاصل عريض يعبر عن تموجات الماء، ورتب نصوصه تحته في سطور أفقية وزعها على ثلاثة أنهر رأسية وقص فيها نبأ آخر إصلاح للمعبد في عهدي ملكين بابليين سبقا عهد ملكه بأكثر من قرنين وتخرب المعبد بعدهما إلى أن انتهز مولاه فرصة عقد صلح مع آشور والتفت إلى أداء واجباته نحو معابد أربابه. عاصرت الأسرة البابلية التاسعة بداية المرحلة الآشورية الثانية من عصرها الحديث، ولم تكن ذات أثر هام في حياة بلدها، فدانت بالطاعة لجبروت تيجلات بيليسر الثالث الآشوري. ثم انتقل الحكم منها إلى أسرة حاكمة جديدة خلال عهده، وهي الأسرة البابلية العاشرة منذ عام ٧٣٢ق. م، وكان الحدث الهام في أوائل أيامها هو نجاح مردوك أبال أدين الكلدانى زعيم بيت ياكين في اعتلاء عرش بابل مستغلًا فرصة البابلية التي صاحبت انتقال العرش الآشوري إلى البيت السرجوني منذ عام ٧٢١ق. م، ومدعيًا أنه من سلالة إربا مردوك أحد ملوك الأسرة البابلية الثامنة، هادفًا بذلك إلى صبغ حكمه بصبغة شرعية، ولكن ذلك جر عليه وعلى أسرته عداء البيت السرجوني حتى عهد آشور بانيبال، كما فصلنا ذلك في حينه.

стр. 634

وتركت أواخر القرن الثامن ق. م نصبًا من نصب الهبات "كودورو"، ظهر عليه الملك البابلي يعلن هبته لأحد أتباعه المقربين ويضعها تحت حماية أرباب ظهرت صور مقاصيرهم، وحيواناتهم المقدسة في أعلى النصب١. وصور الفنان ملكه وتابعه تصويرًا جانبيًّا سليمًا لا سيما بالنسبة للصدر الذي لم يلترم بتقليد تصويره باتساعه، وبالنسبة لتصوير قدمي التابع العاريتين اللتين اكتفى بتصوير أصابعهما الظاهرة وحدها، فأظهر الإصبع الكبير لإحداهما والأصابع الخمس للأخرى، ولو أنه تصوير سبقت له أمثلة قديمة أخرى كثيرة. ثم صور ملامح وجه ملكه ومسطح رقبته وصدره ورداء رأسه واستدارة ذراعه بخطوط ناعمة وروح بسيطة تختلف عن الروح الآشورية الرسمية المعاصرة لها في تصوير الملوك. يقظة بابل وماذي وانهيار آشور: شكلت علاقات بابل بآشور في أواخر عهد آشور بانيبال وعقب وفاته عدة عوامل، وهي اهتزاز الحدود الآشورية تحت ضغط القبائل الهندوآرية والجبلية من السميريين والسكيثيين والماذيين، واهنزاز العرش الآشوري نتيجة للخلافات الداخلية في البيت المالك، وازدياد حقد البابلين والكلدانيين بعد الانتقامات العنيفة التي أنزلها الآشوريون بهم مرة بعد مرة، ثم انتقال الحكم في بابل إلى أسرة كلدانية قوية استطاعت أن تستغل الظروف المحيطة بها وهي الأسرة الحادية عشرة والأخيرة. وأسس الحكم البابلي الجديد كلداني يدعى نابو بولاسر "٦٢٦ - ٦٠٤ق. م" يحتمل أنه كان ولدًا لأمير يدعى كاندا لونو عينه آشور بانيبال على بابل بعد مقتل أخيه، وعمل قائدًا في الجيش الآشوري وحاكمًا على الأقاليم الجنوبية، ثم عمل لحسابه فزحف على بابل وولي عرشها بعد تفكك أواصر البيت الآشوري الحاكم، ولكن لم يتعد سلطانه في بداية أمره ما حولها. وتتابعت الأحداث فيما حول بلاد النهرين، ففي شرقها بدأ الماذيون يلعبون دورهم، وكان هؤلاء "وهم من سماهم الإغريق باسم الميديين" فرعًا من الجماعات الإيرانية ذات الأصل الآري، رددت النصوص الآشورية اسمهم منذ القرن التاسع ق. م على أقل تقدير "وأن كان يحتمل ورود اسم قريب من اسمهم في عهد تجلات بيليسر الأول في أواخر القرن الحادي عشر أيضًا"، ثم ذكرتهم نصوص شلما نصر الثالت هم الفرس "باراسو" في جبال كردستان - وخضع القريبون منها لسلطانها. ثم اتضحت تجمعاتهم وأطماعهم منذ أواخر القرن الثامن ق. م، ومالوا إلى التحرر من نفوذ الآشوريين، وذكرت نصوص سرجون انتصاراته عليهم وأنه نفى بعضهم إلى سوريا وأحل محلهم مهاجرين من سماريا ومن شعوب مغلوبة أخرى، وأشارت الروايات العبرية إلى شيء من ذلك. ثم نجح الماذيون في تحقيق كيانهم المستقل حوالي عام ٧٠٨ق. م بزعامة "دايوكو"، وروت القصص الإغريقية عن هذا الزعيم الذي سمته

стр. 635

دايو كيس أن شعبه انتخبه ملكًا وأنه نجح في توحيد كلمة القبائل الماذية تحت حكمه واتخذ إكباتانا "وهي همدان الحالية" عاصمة. وأقام قصرة داخل حصن تحيط به سبعة أسوار، ثم احتجب عن رعاياه ولم يسمح لهم بأن يتصلوا به اتصالًا مباشرًا١. ولم يكن من المنتظر أن ترضى آشور عن انسلاخ ماذي عنها في عهدها السرجوني العظيم، فتكرر الصدام بينهما، ولكن قضاء الآشوريين على ممكلة إلام في عام ٦٤٤ق. م أراح الماذيين من منافسيهم الخطرين في جنوب إيران الذين قاموا رغبتهم في الاتساع ناحية الجنوب منذ عهد ملكهم فرفارتي " Phraortes" في منتصف القرن السابع ق. م. وهكذا استغلوا الجبال الجنوبية الغنية بمعادنها وأحجارها الكريمة، كما استغلوا مزارع السفوح والوديان في بناء اقتصادهم، ولكنهم ظلوا أقل قوة من الآشوريين، وقُتل ملكهم فرافارتي في الحرب٢. واتسعت أمام الماذيين فرص الانطلاق بعد أن اهتزت أركان الآشوريين بطرد حاميتهم من مصر وخروج أغلب ولايات الشام عليهم وحدوث الانقسامات الداخلية في دولتهم، فانتظمت قبائل مانداهور الماذية تحت زعامة هواخشير "كيخسرو في الفارسية وأوماكيشتار في البابلية وكياكساريس Cyaxares" في اليونانية". وتوالت هجمات جيشه على آشور منذ العام الأول من حكمه، وحاصر نينوى بعد أن أعاد تنظيم قواته على نسق التنظيم الآشوري، لولا أن اهتز الشرق حينذاك باندفاع السكيثيين الذين أخذوا يضربون شرقًا وغربًا دون هدى، ومالوا في بداية الأمر إلى محالفة الآشوريين، ولكنهم ما لبثوا حتى هاجموا كلًّا من أطراف ماذي وآشور معًا، مما اضطر هواخشير الماذي إلى التراجع عن آشور ليحمي مملكته٣. وإلى الغرب من آشزر كانت دولة ليديا المتأغرقة تحاول طرد السميريين البرابرة من آسيا الصغرى. والتمس ملكها جيجيس عون آشور في عهد ملكها آشور بانيبال ولكنه لم يجد من معونتها ما كان يبتغيه، فقتل في الحرب ثم انفردت دولته بالمهمة وطردت السميريين من آسيا الصغرى في عهد ولده أرديس. واندفع السميريون في تقهقرهم على الحدود الآشورية فصدتهم عنها جيوش آشور بانيبال بعد جهد جهيد. واقتفى السكيثيون أثر السميريين في الاندفاع إلى الغرب فاقتحموا ممرات طوروس واجتاحوا مناطق غرب الدولة وولاياتها الساحلية دون مقاومة تذكر من الجيوش الآشورية التي أنهكتها الحروب المتواصلة، ولا من الفرق المؤلفة من الشعوب الخاضعة التي لم يكن لها من حسن التدريب ولا من الإخلاص للدولة ما يعوض ضعضعة الآشوريين. بل إن هذه الهزة قد شجعت المدن السورية على أن تنفض ما بقي من النفوذ الآشوري عنها، واحدة إثر الأخرى، بعد أن تبينت ضعف أصحابة. أما السكيثيون فيروي هيرودوت
следующие страницы →