← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 2120

دراسات في النحو

صلاح الدين الزعبلاوي

Полный текст (697 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وهذه (نهض ودلف ونهد) فهي من أفعال (الحركة) على حد تعبير جواد مثل (صمَد) وهي لازمة، ومصادرها النهضوض والدلوف والنهود وهكذا (ذهب) تقول: ذهب ذهاباً وذهوباً. فقد جاء في النوادر (٢/٢٢٦) لأبي مسحل الأعرابي: "ويقال في ثلاثة من المصادر: ذهب ذهاباً وذهوباً وكسد كساداً وكسوداً وفسد فساداً وفسوداً، وزاد ابن خالويه: صلح صلاحاً وصلوحاً" فثبت بذلك أن لا صلة بين مصدر الفعل فعلاً أو فُعولاً، وبين دلالته على الحركة أو السكون. ولو أتى جواد المسألة من وجهها ومأتاها لاتضح له الأمر واستبصر الطريق. مصدر نضج: ومما نحن فيه قول الكتاب (النضوج) وهو مستقيم لو صح ما تصوروه من أن فعله (نضَج) بالفتح، ولم يسمع، فالذي حكته المعاجم (نضِج) بالكسر. فلا سند إذاً لصحة قولهم (النضوج) قياساً، لأن القياس هو (النضَج) بالتحريك للزوم الفعل. أما المحكيّ من مصادره فهو (النضج) بفتح فسكون وضم فسكون و (النضَج) بفتح النون والضاد. ففي المصباح: "نضج اللحم والفاكهة بالكسر نضجاً بفتحتين، من باب تعب، والاسم النضج بالضم، والفتح لغة". وعندي أن (النضج) بالضم هو الاسم، أما (النضج) بالفتح فهو المصدر، وليس الاسم. وقد رأى سيبويه وابن جني مثل هذا حين اعتدا (الحرد) بفتح فسكون مصدراً لـ (حَرِدَ) بالكسر. ذلك أن الصفة قد أتت على (ناضج) و (نضيج) ، ومجيء ناضج من نضج بالكسر، كما قيل حارد من حرِدَ بالكسر، ومصدره (الحرْد) بفتح فسكون. وقد جاء على التحريك فقيل (الحَرَد) بفتحتين، كما قيل (النضَج) بفتحتين. وقد نص التهذيب واللسان والتاج على أن (النُّضج) بالضم، هو الاسم.

стр. 212

وقد عرض الأب أنستاس ماري الكرملي لهذا، في مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق لشهري آذار ونيسان من عام ١٩٤٥، فقال: ".. ويقال أيضاً النضج بفتح فسكون والنضج بضم فسكون، وهما اسما مصدر" أقول: إن الاسم هو (النضج) بالضم، دون (النضج) بالفتح. وقد ذكرنا أن مجيء الصفة على (ناضج) يؤكد اتفاق مصدر النضج بالكسر على (النضج) بفتح فسكون. وهكذا تواءم (ناضج) صفة و (نضج) مصدراً بفتح فسكون، فاقتضى كل منهما الآخر، و (فاعل) من (فعل) بالكسر إنما هو صفة للمتعدي في الأصل، كما أن (الفَعل) بفتح فسكون مصدر له، وكلاهما قياس. وبيان ذلك أن الأصل في (فَعِل) بالكسر إذا كان لازماً ألا يكون منه (فاعل) ، فإذا سمع منه (فاعل) فقد شبه بالمتعدي وحمل عليه، وكذلك (فعل) بفتح فسكون فالأصل أن يكون مصدراً للمتعدي دون اللازم، فإذا سمع مصدراً لفعل لازم فقد حُمل على المتعدي وشُبه به أيضاً، فمجيء ناضج صفة من نضِج اللازم قد واءم مجيء النضج بفتح فسكون مصدراً له واقتضاه. قال ابن سيده في المخصص (١٣/١٢٢) : "فأما سيبويه فقال: حَرِد بالكسر حرْداً بسكون الراء ورجل حرِد بفتح فكسر وحارد، أدخله في باب العمل وقولهم حارد دال على ذلك" وأردف: "يعني أنهم جعلوه بمنزلة المتعدي كحِمده بالكسر حمدًاً بفتح فسكون، وإلا كان حكمه حرِد بالكسر حرَداً بفتحتين، لأنه غير متعد كغضب غضباً. وقوله حارد دليل على ذلك يعني أنه لو كان على باب ما لا يتعدى لكان حَرِداً أو حردان كضجر بفتح فكسر وغضبان"، وقال أيضاً (١٤/١٣٤) : "وقوّى حملهم ذلك على ما يتعدى أنهم قالوا حارد، وكان القياس في مثله أن يكون حرِدَ حرَداً فهو حردان، كما قالوا غضب غضباً فهو غضبان، فأخرجوه من باب غضبان بتخفيف الحرَد وبقولهم حارد. وتخفيف (الحرد) بفتحتين معناه تسكين الراء فيه، وفي المخصص أيضاً (١٤/١٣٤) : "ومثل الحارد بسكون الراء قولهم حميت الشمس تحمى حمياً بفتح فسكون، وهي حامية". وقد حكاه عن سيبويه بلفظه

стр. 213

(الكتاب ٢/٢١٦) . المسّ والمساس: منع الشيخ إبراهيم اليازجي قول القائل (فعلت كذا لمساس الحاجة) بكسر الميم، وقال: "والصواب لمسّ الحاجة أو لمسيسها" وأردف: "وأما المساس بالكسر فهو مصدر ماسَّه على فاعل مثل القتال من قاتل"، وتابعه كثيرون. قال الأستاذ محمد العدناني في معجمه (الأخطاء الشائعة) : "ويقولون مساس الحاجة بالفتح والصواب مسّ الحاجة ومسيسها..". ويفهم مما تقدم أن اليازجي قد قصر الصواب في (مس الحاجة) على المسّ والمسيس، ومنع قول القائل (مساس الحاجة) بالكسر، وطابقه العدناني، وأشار كذلك إلى منع (مساس الحاجة) بالفتح. أقول في الجواب عن ذلك: لا شك أن (المساس) بالكسر هو مصدر (ماسَّه) بالتشديد، تقول (ماسَّه مماسَّة ومِساساً) كقاتله مقاتلة وقتالاً، ولكن (ماسَّه) بمعنى (مسَّه) ، وعلى ذلك تقول: (مساس الحاجة) بالكسر لمسّها ومسيسها. قال الزمخشري في الأساس: "ماسَّه مسَّاً ومسيساً، وماسَّه مماسَّة ومِساساً" فقرن هذا إلى ذلك ولم يفرّق. وقال صاحب المصباح: "وماسَّه مماسَّة ومِساساً من باب قاتل بمعنى مسَّه". وجاء في التنزيل: (قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول: لا مِساس (طه/ ٩٧. بكسر الميم وفتح السين. قال أبو حيان الأندلسي في البحر المحيط: "وقرأ الجمهور لا مِساس بفتح السين والميم المكسورة، ومِساس مصدر ماسَّ كقتال من قاتل.. أي لا تمسُّني ولا أمسُّك" ففسر (لا مِساس) بالقول (لا تمسَّني ولا أمسَّك) . وقال المرزوقي في شرح الحماسة (١٤١٥) : "مثلي ومثلك من مِساس حاجتي إليك وتناهي رغبتي في وصلك والنيل منك.." فجاء بما أنكره اليازجي والعدناني وكثيرون، وتكرر ذلك منه (ص ٣٣٠ و٩٠٧) .

стр. 214

وفي قوله تعالى: (لا مِساس (طه/ ٩٧ قال الإمام البيضاوي في تفسيره: "لا مساس بكسر الميم. وقرئ لا مَساس بفتح الميم كفجار، وهو علَم للمسَّة" فمساس بفتح الميم اسم يدل على ما يدل عليه المصدر ويجري عليه من الأحكام ما يجري على بعض الأعلام من البناء أو المنع من الصرف نحو برة غير مصروف بمعنى المبرة وفجار مبنياً على الكسر بمعنى فجور". وقال الزمخشري في الأساس: "ويقال لا مِساس بكسر الميم ولا مَساس بفتحها". وفي اللسان: "ولا مَساس بفتح الميم أي لا تمسَّني". وفي شرح الحماسة للمرزوقي (٢٣٣) في شرح قول يزيد بن الحكم: مَسِسنا من الآباء شيئاً وكلّنا إلى حسَب في قومه غير واضع "وقول مسسنا يجوز أن يكون: أصبنا واختبرنا، لأن المس باليد قد يقصد به الاختبار. ويجوز أن يكون بمعنى طلبنا. وقد قال بعض الناس في قوله تعالى: لا يمسَّه إلا المطهَّرون، إن المعنى: لا يطلبه.. فمن الأول قولهم مسَّه الكبر، وأفضى الرجل إلى امرأته إفضاء: مسيس، ومن الثاني: مَساس الحاجة. فأما قولهم: به مسّ من جنون يصحّ أن يكون من الأول ومن الثاني جميعاً" فأتى بمَساس بفتح الميم في قوله: (مَساس الحاجة) . وجاء في خطبة شرح الشافية، قال الإمام الرضي: "فإن الشراح قد اقتصروا على شرح مقدمة الإعراب، وهذا مع قرب التصريف من الإعراب، في مَساس الحاجة إليه". فأتى بمساس بفتح الميم أيضاً. المصادر واشتقاق الفعل

стр. 215

الأصل في الأفعال أن تنتزع من أسماء الأعيان. قال ابن مالك في التسهيل: "ويطّرد صوغ فعَل من أسماء الأعيان لإصابتها: نحو جلَده ورأسه، أو أنالتها: نحو شحمه ولحمه أي أطعمه ذلك، أو عمل بها: نحو رمَحَه وسَهَمه أي أصابه بالرمح والسهم". فقد قال العرب جلَده إذا أصاب جلده ورأسه إذا أصاب رأسه، وكبده ودمغه وأذنه وأنفه ونابه ومعده، إذا أصاب ما سُمي بهذه الأحرف من الأعضاء، ومن ذلك رآه إذا أصاب رئته، فاشتقوا بذلك من اسم العين الثلاثي. وقالوا حصاه إذا ضربه بالحصى، ودَبَره إذا تلا دبره، وحنك الدابة إذا جعل الرسن في حنكها، وأسد الرجل إذا أشبه الأسد، وتاس الجدي إلى صار كالتيس. وقالوا عسَله إذا جعل فيه العسل فعلاً أو مجازاً. ففي الحديث: [إذا أراد الله بعبد خيراً عسَله] ، قال صاحب النهاية: "العسل بسكون السين طيب الثناء مأخوذ من العسل بفتحتين". ويقال بدر الغلام إذا تم واستدار تشبيهاً بالبدر في تمامه وكماله، كما في النهاية وقال الراغب في مفرداته: ".. والأقرب عندي أن يجعل البدر أصلاً في الباب، ثم تعتبر معانيه التي تظهر منه، فيقال تارة بدر كذا أي طلع طلوع البدر". وقال الأموي: "سمعتهم يقولون ما أحب أن تشوكك شوكة" وقال الكسائي: "ما أحب أن تشيكك شوكة، وهما لغتان". (النوادر لأبي مسحل- ٢/١١٦) . وتقول عصوته بالعصا وسطته بالسوط وهروته بالهراوة ورمحته بالرمح ونبلته بالنبل إذا طعنه ورماه (٢/١٧٢) . واشتقوا من الثلاثي المزيد بحذف الزائد فقالوا: حنأ لحيته إذا خضبها بالحناء، لكنهم قالوا حنَّأها بالتشديد أيضاً. وقالوا أركت الإبل تأرك إذا لزمت الأراك، والأراك شجر من الحمض يُستاك بقضبانه، والواحدة أراكة.

стр. 216

واشتقوا الثلاثي المزيد من اسم العين الثلاثي فقالوا: تأبَّل إذا اتخذ الإبل وتأرض إذا لصق بالأرض وتخشب صار كالخشب، وهكذا تحجر من الحجر. وقالوا تأسَّد واستأسد، من الأسد، كما قالوا تليَّث إذا أشبه الليث في جرأته وإقدامه، وقالوا تمزّن على قومه إذا تفضَّل عليهم من المزن أي السحاب. ويقال أرض مخلة فيها خُلَّة.. ومُروضة كثيرة الرياض ومُعشبة كثيرة العشب وعاشبة ذات عشب مثل لابن وتامر.. وآهله الله لهذا الأمر أي جعله له أهلاً، وأهَّله.. وفلان يعتصي على عصاه أي يتوكأ، وقالوا: استفيل واستنوق واستيس واستنسر واستذأب واستجمل، من الفيل والناقة والتيس والنسر والذئب. واشتقوا من الرباعي فقالوا ثعلب الرجل إذا راغ، وطحلب الماء إذا علاه الطحلب. واشتقوا من الرباعي المزيد فقالوا قرطس الرامي إذا أصاب القرطاس أي الغرض. وقالوا تنكَّب القوس إذا ألقاها على منكبه فاشتقوا بذلك من اسم العين المشتق، ومن هذا القبيل قولهم: تمنطق وتمدرع وتمسلم وتمسكن.. وكثُر (أفعَل) في اشتقاقهم من أسماء الأمكنة فقالوا أهضب إذا دخل الهضبة وهكذا أصحر وأسهل وأبحر وأبرّ وأغرب وأعرق وأيمن وأعمن وأحرم إذا دخل الحرم وأساف إذا أتى السيف بالكسر، وهو ساحل البحر. وكثر (أفعل) كذلك في اشتقاقهم من أسماء الأزمنة فقالوا أربع وأصاف وأخرف وأشتى وأفجر وأظهر وأعصر وآصل ... واشتقوا من أسماء الأصوات فقالوا من النعيق والخرير والصهيل والحسيس والأزيز والصرير والأنين والزئير والفحيح والطنين والهزيم والعواء والنباح والخوار والثغاء. نعق وخرّ وصهل وحسّ وأزّ ... وليست هذه مصادر الأفعال في الأصل وإنما هي أسماء للأصوات حاكوا بها أصداء الطبيعة مذ كانت اللغة في طراءة سنها وحداثة نشأتها، وكان اتصال الإنسان بالطبيعة اتصالاً لا انفصام له، تنبثق أداته في التعبير من أصدائها وأحداثها، يرعى أذنه فيتسقط حركاتها ويذكي الخاطر فيترصد سكناتها.

стр. 217

ولكن إذا صح أن الأفعال في الأصل إنما انتزعت من أسماء الأعيان، وكان الأمر على هذا جارياً، فما تأويل قول ابن جني في الخصائص (٢/٤٣٣) : "اشتقاق العرب من الجواهر قليل جداً، والأكثر من المصدر"، وقول السيوطي في المزهر (١/٢٠٣- ط. المكتبة الأزهرية) : "والتاسع كون الأصل جوهراً والآخر عرضاً لا يصلح للمصدرية، ولا شأنه أن يشتق منه، فإن الرد إلى الجوهر حينئذ أولى لأنه الأسبق، فإن كان مصدراً تعيَّن الردّ إليه، لأن اشتقاق العرب من الجوهر قليل جداً والأكثر من المصادر". أقول لا شك أنه إذا نظر إلى اشتقاق لفعل بملحظ (نشوئي) فإن أسماء المحسوسات كالجواهر أو أسماء الأعيان، هي الأصل في هذا الاشتقاق فهي الأشياء التي تتناولها الحواس قبل أن تنتهي مدلولاتها إلى آفاق النفس. لكنك إذا اعتبرت كلام الأئمة وجدت أنهم قد نحوا في اشتقاق الفعل منحى آخر، ذلك أنهم لحظوا أن المصدر ألصق بالفعل من حيث بناؤه وما يعتري هذا البناء وما يعترضه من الاتباع والإبدال والقلب والإعلال، فقرنوا هذا إلى ذاك، لأن كلاً أشبه بصاحبه من حيث كيانه وما يمكن أن يتعرض لها في التصريف. وملحظهم هذا ملحظ (صرفي) لا (نشوئي) .

стр. 218

وقد ذهب الدكتور صبحي الصالح في كتابه (دراسات في فقه اللغة/ ١٩٩) إلى أن الأئمة قد بنوا مذهبهم في رد الأفعال إلى المصادر، على اعتقاد وجود أسماء المعاني قبل أسماء الأعيان، وهو محال، ومن ثم وجب رد الأفعال في نشأتها إلى أسماء الأعيان. قال الدكتور الصالح: "إن البداهة تقضي بوجود أسماء الأعيان المشاهدة المرئية التي تناولتها الحواس، قبل أسماء المعاني. لذلك كانت الأعيان، هي أصل الاشتقاق دون المصادر.. كيف وقد امتلأت معاجمنا وكتبنا اللغوية بما لا يُحصى من الجواهر التي تفرعت عنها الصفات والأحوال والمصادر والأفعال". أقول لم يسبق إلى اعتقاد الأئمة أن المصادر قد وضعت قبل أسماء الجواهر البتة، وهذا حالهم حين قالوا الاسم قبل الفعل، فانظر إلى ما قاله ابن جني في الخصائص (١/٤٢٩-٤٣٢. ط- ١٩١٣) : "وإنما يعني القوم بقولهم أن الاسم أسبق من الفعل أنه أقوى في النفس، وأسبق في الاعتقاد من الفعل، لا في الزمان.. فأما الزمان فيجوز أن يكونوا عند التواضع قدموا الاسم قبل الفعل، ويجوز أن يكونوا قدموا الفعل في الوضع قبل الاسم.." وأردف: "فإذا رأيت بعض الأسماء مشتقاً من الفعل، فكيف يجوز أن يعتقد سبق الاسم للفعل في الزمان، وقد رأيت الاسم مشتقاً منه، ورتبة المشتق منه أن يكون أسبق من المشتق نفسه" وانتهى من ذلك إلى القول: "وأيضاً فإن المصدر مشتق من الجوهر كالنبات من النبت وكالاستحجار من الحجر، وكلاهما اسم..".

стр. 219

وهكذا ذهب ابن جني إلى أن المصدر، وهو الأصل في اشتقاق الفعل عند البصريين قد انتزع من الجوهر. وحين بحث الأئمة أسماء الأعيان وأسماء المعاني أيهما أسبق في النشأة وأوغل في القدم قدروا أن الأعيان في الموازنة هي المتقدمة، والمعاني هي المتخلفة حقيقة وأصلاً. فانظر إلى ما ذهب إليه السكاكي في كتابه مفتاح العلوم، فقد جعل الكلم المستقرأة نوعين: الأول ما "يشهد التأمل بتقدمه في باب الاعتبار والثاني ما جاء بخلاف ذلك" وهو المتخلف، فسلك في المتقدم (الجوامد) أي الجواهر، وفي المتخلف (الأفعال وما يتصل بها من الأسماء) أسماء المعاني والصفات. بل أكد أن أكثر ما يتصل بالأفعال من الأسماء هو فرع من الأفعال، وأردف: "إلا المصدر عند أصحابنا البصريين، ﵏/ ١٤" فإنهم يعتدّون الفعل فرعاً عليه. وهو لم يشايعهم فيما انتحوه وقرروه، بل جاز مجاز الكوفيين في مخالفة البصريين، وذهب مذهبهم وجرى مجراهم فاعتد المصدر فرعاً على الفعل. لم يكن كلام الأئمة أقل وضوحاً وأدنى دقة وجلاء حين بحثوا الجوهر والعرض فلم تغم عليهم معرفة في ذلك، أو تستسر حقيقة. فانظر إلى ما حكاه السيوطي في (الأشباه والنظائر/ ١٦٨) عن (الإيضاح في علل النحو للزجاجي) : "قد عرفناك أن الأشباه تستحق المرتبة والتقديم والتأخير على ضروب فنحكم لكل واحد منها بما يستحقه، وإن كانت لم توجد إلا مجتمعة. ألا ترى أنا نقول أن السواد عرض في الأسود، والجسم أقدم من العرض بالطبع والاستحقاق. وأن العرض قد يجوز أن يتوهم زائلاً، والجسم باق! فنقول أن الجسم الأسود قبل السواد، ونحن لم نر الجسم خالياً من السواد الذي هو فيه، ولا رأينا السواد قط عارياً عن الجسم، بل لا يجوز رؤيته لأن المرئيات إنما هي الأجسام الملونة، ولا تدرك الألوان خالية من الأجسام ولا الأجسام غير ملونة". المصدر ولفعل

стр. 220

البصريون والكوفيون على خلاف في أصل الاشتقاق. فقد أكد البصريون أن الفعل فرع على المصدر في الاشتقاق، على أن من هؤلاء من رد الصفات إلى المصدر أيضاً، ومنهم من ردها إلى الفعل. وخالفهم الكوفيون فأكدوا أن الفعل هو الأصل والمصدر هو الفرع. قال سيبويه في الكتاب (١/١) : "وأما الفعل فامثلته أخذت من لفظ أحداث الأسماء. والأحداث نحو الضرب والقتل والحمد.." فجعل أحداث الأسماء وهي المصادر الأصل في الاشتقاق وقال ابن جني في الخصائص (١/١٢٧) : "وإذا ثبت أمر المصدر الذي هو الأصل، لم يتخالج شك في الفعل الذي هو الفرع" فاعتد المصدر هو الأصل والفعل هو الفرع. على أنه رد الصفات إلى الفعل فقال (١/٤٣٢) : ".. قيل يمنع من هذا أشياء، منها وجود أسماء مشتقة من الأفعال، نحو قائم من قام، ومنطلق من انطلق، ألا تراه يصح لصحته ويعتل لاعتلاله نحو ضرب فهو ضارب وقام فهو قائم وناوم فهو مناوم". ولكن ما حجة البصريين في أصلية المصدر وفرعية الفعل؟. الاشتقاق عند البصريين هو اقتطاع فرع من أصل يدور في تصاريفه الأصل. ويراد بالأصل هنا الحروف الموضوعة على المعنى وضعاً أولياً. فالفرع لفظ فيه تلك الحروف مع نوع تغيير، ينضم إليه معنى زائد على الأصل. فالضرب يدل بلفظه على الحركة المعلومة المسماة بهذا الاسم وحدها فهو الأصل، أما ضرب ويضرب وضارب ومضروب فهو الفرع، ذلك أن فيه حروف الأصل وهي الضاد والراء والياء، وزيادات لفظية، وهو ينطوي بهذه الحروف والزيادات على معنى الأصل وهو الضرب ومعنى آخر، وهكذا بنى البصريون رأيهم على أن الفرع ما كان فيه معنى الأصل مع زيادة هي غرض الاشتقاق.

стр. 221

وقد أيد البصريين فيما ذهبوا إليه، واقتاس بهم، وجرى على منهاجهم كثير من الأئمة، وفي مقدمة هؤلاء أبو البركات ابن الأنباري (ت ٥٧٧هـ) في كتابه (الإنصاف في مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين) وأبو البقاء عبد الله بن الحسن بن عبد الله العكبري (ت ٦١٦هـ) في كتابه (التبيين في مسائل الخلاف بين الكوفيين والبصريين) ولم يبق من هذا الكتاب إلا نُقول جاءت في بعض كتب الخلف، ومنها كتاب (الأشباه والنظائر) للسيوطي إذ جاء فيه (١/١٢٨) : "قال أبو البقاء في التبيين: الدليل على أن الفعل مشتق من المصدر طرق، منها: وجود حد الاشتقاق في الفعل، وذلك أن الفعل يدل على حدث وزمان مخصوص فكان مشتقاً وفرعاً على المصدر.. وتحقيق هذه الطريقة أن الاشتقاق يراد لتكثير المعاني، وهذا المعنى لا يتحقق إلا في الفرع الذي هو الفعل، وذلك أن المصدر له معنى واحد، وهو دلالته على الحدث فقط، ولا يدل على الزمان بلفظه، والفعل يدل على الحدث والزمان المخصوص فهو بمنزلة اللفظ المركب فإنه يدل على أكثر مما يدل عليه المفرد، ولا تركيب إلا بعد الإفراد، كما أنه لا دلالة على الحدث والزمان المخصوص إلا بعد الدلالة على الحدث وحده ... " وأردف: "وطريقة أخرى وهي أن تقول: الفعل يشتمل لفظه على حروف زائدة على حروف المصدر، تدل تلك الزيادة على معان زائدة على معنى المصدر، فكان مشتقاً من المصدر.. ومعلوم أن ما لا زيادة فيه أصل لما فيه الزيادة..".

стр. 222

وقال بقول البصريين كثير من المحدثين ومنهم الأستاذعبد الله أمين، كما جاء في مجلة مجمع اللغة العربية القاهري (١/٣٨٢) ، وقد استند في ذلك إلى أن الأنباري صاحب الإنصاف قد ساق في المسألة آراء كل من الجانبين ووازن بينها فلم يدع مقالاً لقائل، وقد خلص إلى الأخذ بمقالة البصريين. قال الأستاذ أمين: "المبحث الأول في أن أصل المشتقات المصدر، كما قال البصريون، لا الفعل، كما قال الكوفيون. وإذ كان الإمام الجليل كمال الدين أبو البركات ابن انباري النحوي، ﵁، قد ساق في المسألة الثامنة والعشرين، في الصفحة الثانية بعد المائة، من كتابه المسمى، الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين، آراء البصريين والكوفيين في أصل المشتقات ووازن بينها ولم يدع فيما جاء به مقالاً لقائل، فإني أكتفي في هذا المبحث بما كتب ونقلت عنه وعولت عليه..". ومن هؤلاء الدكتور صبحي الصالح، إذ رأى في ذلك رأي البصريين ونزع منزعهم واستن بسننهم. فقد استشهد بما جاء في (أصول النحو) للأستاذ سعيد الأفغاني. قال الأفغاني: "المصدر يدل على حدث وزمن، والأسماء المشتقة تدل على حدث وزمن وزيادة ثالثة كالدلالة على الفاعل والمفعول". أقول لم يزد الأفغاني على أن جاء بمقالة البصريين القائمة على أن الفرع ما كان فيه الأصل مع زيادة هي غرض الاشتقاق. فالمصدر هو الأصل لأنه يدل على الحدث مطلقاً والفعل هو الفرع ففيه ما في المصدر من الحدث وزيادة هي الدلالة على الزمن المعين. وكذلك الوصف فالوصف فرع على المصدر كالفعل. وقيل بل الوصف منطو على ما في الفعل من حدث وزمن وزيادة هي الدلالة على الموصوف، فهو فرع على الفعل، فالفعل فرع وأصل، وعليه السيرافي وأبو علي الفارسي وابن جني.

стр. 223

وقصارى ما هناك أننا إذا جرينا مجرى البصريين في قضية الاشتقاق من حيث تعريف (الفرع) المشتق منسوباً إلى (الأصل) المشتق منه بأنه (ما دل على ما دل عليه الأصل وزيادة) انتهينا إلى ما انتهوا إليه، فعلى هذا مدار الكلام ومتصرفه، ولكن هل ثمة ما يوجب اعتبار هذا التعريف الحقيقي بالضرورة، والاقتداء به والانتصار له، أليس هناك موقف فسحة وسعة أخلق بالإيثار وأحرى بالاختيار! قال الأستاذ الشيخ حسين والي عضو المجمع (٢/٢٠٢) : "رجحوا ما رأى أهل البصرة من أن المصدر هو الأصل، بحجة أن شأن الفرع أن يكون فيه ما في الأصل وزيادة، وهي أقوى ما عندهم من الحجج، مع أنه لا يقوم برهان يؤيدها، ولو قام برهان كذلك لأكره عقول أهل الكوفة على قبوله، حتى يرجعوا عن جعلهم المصدر، الذي لا يدل إلا على الحدث فرعاً من الفعل، الذي يدل على الحدث والزمان المعين. فإن في ذلك زيادة الأصل على الفرع. فالمسألة ظن واجتهاد، وبعض الظن والاجتهاد أولى من بعض". وجاء في شرح الأشموني على ألفية ابن مالك (٢/٢٥١) : "وكونه أي المصدر أصلاً في الاشتقاق لهذين أي للفعل والوصف ... هو مذهب البصريين، وخالف بعضهم فجعل الوصف مشتقاً من الفعل فهو فرع الفرع، وذهب الكوفيون إلى أن الفعل أصل لهما، وزعم ابن طلحة أن كلاً من المصدر والفعل أصل برأسه، ليس أحدهما مشتقاً من الآخر"، وأردف: "والصحيح مذهب البصريين لأن شأن الفرع أن يكون فيه ما في الأصل وزيادة، والفعل والوصف مع المصدر بهذه المثابة، إذ المصدر إنما يدل على مجرد الحدث وكل منهما يدل على الحدث وزيادة". وقد عقب على ذلك الإمام الصبان فقال: "قوله لأن من شأن الفرع أن يكون فيه الأصل وزيادة.. ما هنا ليس كذلك، أفاده الدنوشري.. وقد ناقش قولهم أن من شأن الفرع الزيادة على أصل بأنه لا برهان يقتضي ذلك".

стр. 224

فإذا نحن لم نخلد إلى التعريف اللفظي للفرع والأصل، في مقالة البصريين، وفزعنا إلى تعريف حقيقي يكون للماهية فيه تحقق وثبوت، كأن تقول: "الأصل ما سبق تصوره وقيامه في الذهن" كان التعريف أليق بالواقع اللغوي. وإذا كان المدرك الحسي أسبق إلى الذهن من المدرك المعنوي، وأجناس الأعيان أسبق من أجناس المعاني ومنها المصادر، كان المصدر الدال على العموم والجنس والمطلق متخلفاً عما يمكن تصوره من أسماء الأعيان وما انتزع منها من أفعال واشتق من هذه من صفات، وما صح أنه الأسبق هو الأصل. قال ابن جني في الخصائص: "ورتبة المشتق منه أن يكون أسبق من المشتق نفسه". وأشار الكوفيون إلى نحو من هذا فقالوا إن المصدر لا يتصور معناه ما لم يكن فعل فاعل، والفعل وضع له، فعل يفعل، فينبغي أن يكون الفعل الذي يعرف به المصدر أصلاً للمصدر. أما احتجاجهم بأن المصدر يعتل باعتلال الفعل، والاعتلال حكم تسبقه علته، فإذا كان الاعتلال في الفعل أولاً، وجب أن يكون أصلاً، وكذا قولهم بأن الفعل يعمل في المصدر كقولك ضربته ضرباً، والمؤثر أقوى من المؤثر فيه، والقوة تجعل القوي أصلاً لغيره.. أقول احتجاجهم بهذا وذاك احتجاج اعتباري لا يكاد يقف فيه الجدل على وجه يخلد إليه بيقين. وقد بحث المسألة الدكتور مصطفى جواد عضو المجمع العلمي العراقي، ﵀، في كتابه (دراسات في فلسفة اللغة والنحو والصرف) فناقش ووازن وكايل وأدلى بحججه وانتهى من بحثه إلى الأخذ بمذهب الكوفيين، واستدل على صحة دعواه بثلاثة عشر دليلاً فقال: "هذه ثلاثة عشر دليلاً تنتقض دعوى سيبويه أن الفعل صادر عن المصدر، وهي أدلة نحن اهتدينا إليها ولم يقف عليها الكوفيون وغيرهم".

стр. 225

أقول إني لأستسرف دعوى جواد هذه، فإذا كان قد أصاب في ذهابه مذهب الكوفيين وقياسه قياسهم فإن جل ما جاء به من الأدلة على سداده واستقامته، اصطلاحي اعتباري. ويكاد يكون أظهر هذه الأدلة أن الفعل تجسيد والمصدر تجريد والمجسد أسبق إلى الذهن من المجرد، وليس هذا جديداً كما أوضحناه، وكذلك قوله أنك تكتب ثم تسمي فعلك الكتابة وهو ما صرح به الكوفيون حين ذكروا أن المصدر لا يتصور معناه ما لم يكن فعل فاعل. فليس صحيحاً أنه قد تفرد بما ساق من الأدلة فأتى مبتكراً، بما لم تفتح العين على مثله، أو نزع مقترحاً، إلى ما لم يسبق إليه سابق أو ينازعه فيه منازع. وتابع السكاكي أبو يعقوب (ت ٦٢٦هـ) في (مفتاح العلوم) الكوفيين فاقتاس بهم ووطئ مواقع أقدامهم واعتل لأصالة الفعل بأن المصدر يتبع الفعل في إعلاله وتصحيحه، ودليل السكاكي هذا اعتباري اصطلاحي. على أن ثمة منحى يوضح الأمر ويجلوه ويكشف عن مكنونه، ذلك أن اللغات السامية قد اعتدّت الفعل أصلاً للاشتقاق دون المصدر، كما أوضح ذلك الدكتور اسرائيل ولفنسون في كتابه " تاريخ اللغات السامية"/١٤/ إذا قال تتميز اللغات السامية في بعض أحوالها عن أنواع اللغات الأخرى بمميزات وخصائص تجعل من كل من هذه اللغات كتلة واحدة. وأهم تلك المميزات تنحصر: ١-في أن هذه اللغات تعتمد على الحروف الصامتة وحدها ولا تلتفت إلى الحروف الصوتية كما هي الحال في اللغات الآرية.. ٢-وأن أغلب الكلمات يرجع في اشتقاقه إلى أصل ذي ثلاثة أحرف.. ٣-واشتقاق الكلمات من أصل هو الفعل ... " وأردف: "وقد رأى بعض علماء اللغة العربية أن المصدر الاسمي هو الأصل الذي يشتق منه أصل الكلمات والصيغ، لكن هذا الرأي خطأ في رأينا لأنه يجعل أصل الاشتقاق مخالفاً لأصله في جميع أخواتها السامية".

стр. 226

عزا ولفنسون مذهب الأئمة في اعتداد المصدر أصلاً في الاشتقاق، إلى مجاراتهم الفرس فقال: "وقد تسرب هذا الرأي إلى هؤلاء العلماء من الفرس الذين بحثوا في اللغة العربية بعقليتهم الآرية، والأصل في الاشتقاق عند الآريين أن يكون من مصدر اسمي. أما في اللغات السامية فالفعل هو كل شيء فمنه تتكون الجملة، ولم يخضع الفعل للاسم والضمير بل نجد الضمير مسنداً إلى الفعل ومرتبطاً به ارتباطاً وثيقاً". وقد عالج الأستاذ الأفغاني هذا الرأي فقال: "ثم ذكر هذا المستشرق اليهودي أن هذه نظريته الخاصة، إذ لم يشر إليها أحد من علماء الإفرنج. ومع رغبته في أن يعم بنظريته هذه اللغة العربية ولغته العبرية، يجدر بالمتأمل الوقوف وعدم القطع، ما لم يقم عليه البرهان الساطع، فما أكثر الظواهر التي خالفت فيها العربية أخواتها الساميات".

стр. 227

أقول لا بد للغات عامة أن تتغاير فيعزى ما تقارب منها في أصوله إلى فصيلة واحدة، فالذي يقع فيه التغاير بين فصيلة وأخرى إنما هو القواعد والأصول الأخرى كالبنية اللغوية والاشتقاق، دون الأشكال والمفردات. فالذي ذكروه أن العربية خالفت بعض أخواتها في أداة التعريف وعلامة الجمع، كما أورده الدكتور علي عبد الواحد وافي في كتابه (فقه اللغة) والأستاذ محمد عطية الابراشي في كتابه (الآداب السامية) ، ولكنها لم تخالفها في البنية اللغوية وطريقة الاشتقاق، كاعتمادها على الحروف الصامتة دون الصوتية، ورد الكلم إلى أصل ثلاثي، ووحدة الأصل في بنيتها وعدم تعدده كما يتعدد في اللغات الآرية. قال الدكتور علي عبد الواحد وافي في كتابه (علم اللغة/ ١٣٣) : "وقد اعتمدنا في التفرقة بين هاتين الفصليتين- أي السامية والآرية- على أمور تتصل بالقواعد لا بالمفردات، وذلك لأن ناحية القواعد هي أهم ما تمتاز به الفصائل بعضها عن بعض، فمنها تتكون شخصية اللغات وإليها ترجع مقوماتها، وهي التي تمثل المظهر الثابت المستقر في اللغات، فهي لا تكاد تتغير.. فتشابه لغتين في القواعد يدل إذن على انتمائهما إلى فصيلة واحدة، واختلافهما فيها يدل على اختلاف فصيلتيهما..". فإذا استقر الأمر على ما بيناه، صح معه أن مغايرة العربية لأخواتها السامية إنما كانت في الأشكال والفروع، لا في القواعد والأصول، واعتماد اللغات السامية في اشتقاقها على الفعل، إنما هو من هذه القواعد والأصول. هذا ما رأينا أن نعرض له من مذاهب النحاة وآرائهم في مصادر الأفعال والكشف عن دلالاتها وطرائق جمعها وصوغها وقياسها واشتقاقها وأعمالها، فيما صدقت نيات الأوائل في تحري صوابه وابتغاء حقائقه بأفصح لسان وأبلغ بيان. وقد استعنا في البحث بما استقر في هذا الباب من ضوابط وقواعد، ليقطع في الأمر برأي لا يعوزه تدبر، ويقين لا خفاء به ولا ارتياب، هذا وجه مطلبه والوقوع عليه.

стр. 228

ونحن نعتذر مما بسطنا القول فيه ليقف القارئ في كل مسألة على ما استبهم من وجوهها واستغلق من أحنائها، فتخف الكلفة عليه في تحصيلها، ويكون على ثقة من إصابة الرأي فيما تشعبت مذاهب القول في قبوله ورده، واشتدت الحاجة إليه في التعبير والاصطلاح ومسَّت في تحقيق المعاني وضبط دقائقها. ولا بد في مسالك البحث هذه من إنعام الفكر وإنعام الروية ليخلص الرأي من كل شائبة ويصفو من كدر أو معابة، فليس القائل بعلمه واجتهاده كالقائل بظنه وتقليده لا يخالف في رأي أو ينازع في حكم وأرجو أن أكون قد أدركت من بحثي ما أردت فلم أخطئ القصد.

стр. 229

الفعل تعريفه وَأقسامُهُ وأبوابُه تشعبت أقوال النحاة في تعريف الفعل، وتباينت مذاهبهم في اعتماد الحد الذي يعقد عليه هذا التعريف، كما اختلفت كلمتهم في تقسيمه بين البصرية والكوفية. ولابد من بسط الكلام على هذا كله، قبل المضي في البحث عن أبوابه. تعريف الفعل: أقدم ما بلغنا في تعريف الفعل مقالة سيبويه (١٨٣هـ) ، في الكتاب. قال سيبويه في (باب علم ما الكلمُ من العربية ـ ٢/ ١) : "وأما الفعل فأمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء، وبنيت لما مضى، ولما يكون ولم يقع، وماهو كائن لم ينقطع"، وأردف: "فأما بناء ما مضى فذهب وسمع ومُكث وحُمد، وأما بناء ما لم يقع فإنه قولك آمراً: اذهب واقتل واضرب، ومخبراً: يقتل ويذهب ويضرب ويُقتل ويُضرب، وكذلك بناء مالم ينقطع وهو كائن إذا أخبرت"، وختم كلامه فقال: "فهذه الأمثلة التي أخذت من لفظ أحداث الأسماء، ولها أبنية كثيرة، ستبين إن شاء الله". *تعريف الفعل بالمثال: ونلحظ أن هذا التعريف إنما عقد على حد (المثال) إذ قال: "وأما الفعل فأمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء". فالفعل، كما جاء، أمثلة اشتقت من لفظ أحداث الأسماء، أي المصادر. قال سيبويه: "الأحداث نحو الضرب والقتل والحمد". فمن هذه الأمثلة ما اشتق لما مضى، وهو الفعل الماضي، وما اشتق لما يكون ولم يقع، وهو فعل الأمر، وثالث اشتق لما هو كائن لم ينقطع، وهو المضارع، وكل مثال من هذه الأمثلة قد صيغ لزمن من الأزمنة. وممن جرى على منهاج سيبويه هذا في تعريف الفعل فاتخذ (المثال) حداً في التعريف كبير نحاة الأندلس أبو بكر محمد بن الحسن الزُبيدي الإشبيلي الأندلسي (٣٧٩هـ) . وقد عُرف نحاة الأندلس بسلوك طرائق النحاة المشارقة في كثير مما كتبوه في اللغة والأدب، وقد يستدركون عليهم شيئاً مما حققوه. فألَّف الزبيدي مختصر كتاب العين للخليل بن أحمد، وطبقات النحويين واللغويين بالمشرق والأندلس، وكتاب الواضح في العربية. وقد عكف على (الكتاب) مؤلف سيبويه فثقفه ومهره وأحصى مسائله واستقرى دقائقه، لكنه استدرك عليه بعض ما جاء فيه، في كتابه (الأبنية) ، قال الزبيدي في كتاب الواضح: "اعلم أن جميع الكلم ينقسم إلى ثلاثة أقسام: اسم وفعل وحرف جاء لمعنى. فالاسم.. والفعل قولك: ضرب وخرج وانطلق، ويضرب ويخرج، واضرب واسمع، وما أشبه هذا"، فلم يزد في تعريف الفعل على أن جاء بأمثلة منه للماضي والمضارع والأمر. *تعريف الفعل بإحدى دلالتيه الزمن وبدلالتيه الحدث والزمن:

стр. 230

ومن النحاة من اتخذ في تعريف الفعل حد الزمن وحده. فالفعل ما اقترن بزمن والاسم مالم يقترن به. ويُعترض على هذا بأن الزمن واحد من دلالتي الفعل، فقد وضع الفعل ليدل على معنى، الزمن جزء منه، كما وضع الاسم ليدل على معنى، ليس الزمن جزءاً منه. وأقدم تعريف اتخذ مثل هذا الحد، هو ما جاء به الكسائي أبو الحسن علي بن حمزة (١٨٩هـ) . فقد روي عن الكسائي أنه قال: "الفعل ما دل على زمان"، كما ذكره الدكتور الساقي في كتاب (أقسام الكلام العربي/٦٩) . والكسائي إمام الكوفيين في النحو واللغة وأحد القراء السبعة. وقد حذا هذا الحذو أبو الحسن بن كيسان (٢٩٩هـ) ، فقد حكي عنه قوله: "الفعل ما كان مذكوراً لأحد الزمانين: إما ماضٍ أو مستقبل، والحد بينهما"، كما أشار إليه الدكتور الساقي في كتابه (أقسام الكلام العربي/٦٩) . وابن كيسان أحد العلماء البغداديين الذين أخذوا النحو عن إمام البصريين المبرّد أبي العباس محمد بن يزيد (٢٨٥هـ) ، وإمام الكوفيين ثعلب أبي العباس أحمد بن يحيى (٢٩١هـ) . فكان بصرياً كوفياً. وإذا كان الكسائي وابن كيسان قد عرّفا (الفعل) بالزمن فوصفاه بأحد دلالتيه، فقد عمد النحاة بعدهما إلى إحكام تعريفه فوصفوه بدلالتيه (الحدث والزمن) . وأقدم ما جاء من ذلك في تعريف الفعل، ما قاله أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي (٣٣٧هـ) ، في كتابه الإيضاح: "الفعل على أوضاع النحويين ما دل على حدث وزمان ماضٍ أو مستقبل نحو قام يقوم/٥٣". وذكر ذلك في كتاب (الجمل/١٧) . أيضاً. والزجاجي ممن جمعوا علم الكوفة إلى علم البصرة، وقد كان إلى البصرية أميل، لكنه لم يتعصب لأحد المذهبين فيحاكي بغير دليل أو يتابع بغير حجة.

стр. 231

ونهج الفارسي أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار (٣٧٧هـ) . نهج الزجاجي في التعريف فقال: "كل لفظة دلت على معنى مقترن بزمان محصل". ولما وصف المعنى باقترانه بالزمان تحقق أنه الحدث، وفي إشارته إلى اقتران الحدث بزمان محصل زيادة في الإحكام. والفارسي كما هو معروف علم من أعلام البصرة والقياس. ومن مؤلفاته الإيضاح والتكملة والتذكرة وسواها. وجرى النحاة بعد الفارسي على هذه السنة في التعريف فقال جار الله أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري (٥٣٨هـ) ، في كتابه (المفصل/ ٢٤٣) : "الفعل ما دل على اقتران حدث بزمان". والزمخشري من أئمة القياس بعد الفارسي وابن جني، وهو صاحب المفصل والكشاف. وعلى ذلك كلام ابن الحاجب في الكافية (٦٤٦هـ) ، إذ قال: "الفعل ما دل على معنى في نفسه مقترن بأحد الأزمنة الثلاثة". وقد عقب على هذا شارح الكافية الإمام عبد الرحمن محمد الجامي (٨٩٧ هـ) ، فقال: "ولما وصف ذلك المعنى باقترانه بالزمان تعين أن يكون المراد به الحدث". وابن الحاجب هو أبو عمرو عثمان بن عمر. وقد صنف في النحو الكافية وشرحها، وشرح (المفصل) بكتابه (الإيضاح) ، كما صنف في الصرف كتابه (الشافيه) . وهكذا فعل الإمام الرضي في شرحه لكافية ابن الحاجب، إذ قال: "إن هذا اللفظ الدال على معنى مفرد أعني الكلمة، إما أن يدل على معنى في نفسه أو على معنى لا في نفسه، الثاني الحرف ... والأول أي الكلمة الدالة على معنى في نفسها إما أن تقترن بأحد الأزمنة الثلاثة أولاً، الثاني الاسم ... والأول الفعل أي الكلمة الدالة على معنى في نفسها مقترن بأحد الأزمنة الثلاثة ... /٧". والرضي هو الشيخ رضي الدين محمد بن الحسن الاسترباذي (٦٨٦هـ) .

стр. 232

ولا ننسى الإمام ابن عقيل عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله (٧٦٩هـ) ، شارح ألفية ابن مالك، محمد بن عبد الله بن مالك جمال الدين الطائي (٦٧٢هـ) ، إذ قال: "الكلمة إما اسم وإما فعل وإما حرف، لأنها إن دلت على معنى في نفسها غير مقترن بزمان فهي الاسم، وإن اقترن بزمان فهي الفعل، وإن لم تدل على معنى في نفسها بل في غيرها فهي الحرف". أما ابن مالك فقد عرّف الفعل في شرح التسهيل بدلالتيه الحدث والزمان المعين، كما عرّفه في تسهيله وشرحه بشأنه في الإسناد، بل عرَّفه في ألفيته بعلاماته أيضاً، كما سنراه. ولم يخرج السيوطي الإمام الحافظ جلال الدين بن عبد الرحمن بن أبي بكر (٩١١هـ) ، في كتابه (همع الهوامع/٤) ، عما جاء به ابن الحاجب في الكافية والجامي والرضي في شرح الكافية، وابن عقيل في شرحه للألفية. ومضى سائر المتأخرين من النحاة على هذا النهج حتى القرن الرابع عشر الهجري. فقد ثبت بما تقدّم أن النحاة قد نحوا منذ القرن الرابع الهجري إلى تعريف الفعل بدلالتيه الحدث والزمان. وقد اهتدوا إلى ذلك بطبيعة الحال باستقراء مواضع استعمال الفعل العربي في مختلف نصوصه شعراً ونثراً. ولا يعني هذا بالطبع أن أسلافهم قد قصدوا في تعريف الفعل إلى إغفال هاتين الدلالتين وكل ما في الأمر أن كل جماعة قد اتجه اهتمامها إلى صفة أو أكثر من صفات الفعل، أو خاصة أو أكثر من خواصه، أو استرعى نظرها شأن من شؤونه في بناء الجملة، فأبرزت ذلك في تعريفها له. فقد قال سيبويه في تعريف الفعل مثلاً أنه أمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء وبنيت لما مضى ولما يكون، ومادام الفعل قد اشتق من لفظ الأحداث، أي المصادر، وبُني لما مضى ولما يكون فقد اقترن معناه هذا بالزمان فتعيّن بذلك أن يدل على الحدث والزمان جميعاً.

стр. 233

ولا ننسى أن سيبويه قد أشار في تعريفه هذا إلى مذهب البصريين في اشتقاق الفعل من المصدر، فالمصدر هو الأصل والفعل هو الفرع، خلافاً للكوفيين الذين اعتدوا الفعل هو الأصل. وقد استوفى أبو البقاء العكبري عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن الحسين الإمام محب الدين (٦١٦هـ) ، شرح مذهب البصرية هذا. قال السيوطي في (الأشباه والنظائر ـ ١/ ١٢٨) : "قال أبو البقاء في التبيين: الدليل على أن الفعل مشتق من المصدر طرق، منها: وجود حد الاشتقاق في الفعل، وذلك أن الفعل يدل على حدث وزمان مخصوص فكان مشتقاً وفرعاً على المصدر ... وتحقيق هذه الطريقة أن الاشتقاق يُراد لتكثير المعاني، وهذا المعنى لا يتحقق إلا في الفرع الذي هو الفعل، وذلك أن المصدر له معنى واحد، وهو دلالته على الحدث فقط، ولا يدل على الزمان بلفظه، والفعل يدل على الحدث والزمان المخصوص، فهو بمنزلة اللفظ المركب فإنه يدل على أكثر مما يدلّ عليه المفرد، ولا تركيب إلا بعد الإفراد، كما أنه لا دلالة على الحدث والزمان المخصوص إلا بعد الدلالة على الحدث وحده ... "، وأردف: "وطريقة أخرى وهي أن تقول: الفعل يشتمل لفظه على حروف زائدة على حروف المصدر، تدل تلك الزيادة على معاني زائدة على معنى المصدر، فكان مشتقاً من المصدر ... ومعلوم ما لا زيادة فيه أصل لما فيه الزيادة ... ". والعكبري هو صاحب اللباب في علل البناء والإعراب، ومؤلف الإعراب عن علل الإعراب، والبيان في إعراب القرآن، وإعراب الحديث النبوي وسواها. وهو من مصنفاته النحوية محيط بآراء أئمة النحو. وقد أخذ بآراء البصرية عن بيّنة وساق أدلّتهم وحججهم وقام بشرح كثير من مصنفاتهم.

стр. 234

وممن عرّف الفعل بدلالتيه الحدث والزمان أبو حيان الأندلسي أبو عبد الله محمد ابن يوسف بن علي بن يوسف، فقال: "إنه ـ أي الفعل ـ يدل على الحدث بلفظه وعلى الزمان بصيغته". كما حكاه السيوطي في الاقتراح (ص/١٠) ، وقد أشار ابن جني (٣٩٢هـ) إلى هذا في الخصائص (٣/ ٩٨) ، فقال: "ألا ترى إلى ـ قام ـ ودلالة لفظه على مصدره، ودلالة بنائه على زمانه، ودلالة معناه على فاعله، فهذه ثلاث دلائل من لفظه وصيغته ومعناه". فأوحى كلامه هذا بأن تعريف الفعل بدلالتيه أدنى إلى علم الصرف الذي يبحث بنية الكلمة فيعنى بالمفردات من حيث صورها وهيآتها، على حين جاء تعريف الفعل بشأنه في الإسناد، كما سنرى، أدنى إلى علم النحو الذي يُعنى ببناء الكلام وتأليفه فيتناول الإسناد أي نسبة كل من عنصري الجملة اسمين كانا أو اسماً وفعلاً أحدهما إلى الآخر، حقيقة وحكماً. أوليس الإسناد ضم كلمة أو ما يجري مجراها إلى أخرى بحيث يفيد الحكم بأن مفهوم إحداهما ثابت لمفهوم الأخرى أو منفي عنه؟.. وقد قصد بما يجري مجرى الكلمة الجملة الواقعة خبراً عن مبتدأ. قال الشريف علي بن محمد الجرجاني في تعريفه: "الإسناد في عرف النحاة عبارة عن ضم إحدى الكلمتين إلى الأخرى على وجه الإفادة التامة، أي على وجه يحسن السكوت عليه، وفي اللغة إضافة الشيء إلى الشيء /١٤". *تعريف الفعل بشأنه في الإسناد: نحا النحاة في القرن الرابع الهجري نهجاً آخر في تعريف الفعل فعرَّفوه بملاحظة ماله من شأن في الإسناد. فالاسم في بناء الجملة ما يسند ويسند إليه، أي يخبر به ويخبر عنه، والفعل ما يسند ولا يسند إليه أي يخبر به ولا يخبر عنه، أما الحرف فما لا يسند ولا يسند إليه.

стр. 235

وأقدم تعريف اعتمد هذا الحد، في تعريف عناصر الجملة الثلاثة الاسم والفعل والحرف وتمييز أحدهما من الآخر، هو أبو بكر محمد بن السري المعروف بابن السرّاج (٣١٦هـ) . فعلى حين نهج في كتابه (الخط) نهج سيبويه في التعريف، فقال: "الكلام كله اسم وفعل وحرف، فالاسم مثل رجل وفرس والفعل مثل جلس يجلس، والحرف نحو من وحتى والباء في قولك: مررت بزيد، واللام في قولك: لزيد مال..". فقد نهج في كتابه (الموجز) نهجاً طريفاً فقال: "والفعل ماكان خبراً، ولا يجوز أن يخبر عنه"، وأبو بكر هذا قد أخذ النحو واللغة عن المبرَّد أبي العباس محمد بن يزيد، وإليه انتهت رسالة النحو بعد موت الزجاج أبي إسحاق (٣١١هـ) ، ولأبي بكر عدة مؤلفات منها (الخط) و (الأصول) وموجزه، وقد خالف فيها البصريين في مسائل كثيرة. وحذا هذا الحذو في تعريف الفعل شيخ نحاة الأندلس أبو علي عمر بن محمد الإشبيلي المعروف بالشلوبين (٦٤٥هـ) ، فقد حكي عنه قوله: "وأيضاً فإن الاسم يخبر به ويخبر عنه، والفعل لا يكون إلا مخبراً به، والحرف لا يخبر به ولا يخبر عنه". كما جاء في الأشباه والنظائر للسيوطي (١/ ١١٩) ، وللشلوبين كتاب في التعليق على كتاب سيبويه، وآخر في النحو سمَّاه التوطئة وقد شاع نحو من هذا التعريف عند كثير من علماء الأندلس الذين رحلوا إلى الشرق، ومنهم محمد بن عبد الله بن مالك جمال الدين الطائي (٦٧٢هـ) ، وقد نسب إلى (جيَّان) الأندلسية وهي تقع إلى الشرق من قرطبة. ولد ابن مالك في هذه البلدة وانتقل إلى دمشق وتوفي فيها. وقد صاغ في (النحو) ألفيته التي نظمها وسماها بالخلاصة، وذاع صيتها وكثر شراحها، ومن هؤلاء الشراح ابن الناظم بدر الدين بن محمد بن عبد الله بن مالك (٦٨٦هـ) ، وقد جاء في شرح التسهيل لابن مالك قوله: "الكلمة إن لم تكن ركن الإسناد فهي الحرف، وإن كانت ركناً له فإن قبلت الإسناد بطرفيه فهي اسم، وإلا فهي فعل".

стр. 236

وقال الإمام بدر الدين في شرحه للألفية: "الكلمة إما أن يصح أن تكون ركناً للإسناد أولا، الثاني: الحرف، والأول: إما أن يصح أن يسند إليه أولا، الثاني الفعل والأول الاسم". وجرى على ذلك شرّاح الألفية فقال علي بن محمد بن عيسى أبو الحسن الأشموني (نحو ٩٠٠ هـ) : "إن الكلمة إما أن تصلح ركناً للإسناد أو لا، الثاني الحرف، والأول إما أن يقبل الإسناد بطرفيه أو بطرف، الأول الاسم والثاني الفعل"، ولا يخرج كلامه هذا عما جاء به ابن الناظم الإمام بدر الدين. وقد أردف الشيخ الأشموني يقول:"والنحويون مجمعون على هذا، إلا من لا يعتدَّ بخلافه. وقد أرشد بتعريفه إلى كيفية تألف الكلام من الكلم بأنه ضم كلمة إلى كلمة فأكثر على وجه تحصل منه الفائدة ... ". ولاشك أن تعريف الفعل بشأنه في الإسناد كان ثمرة البحث في الجملة المفيدة وما تنطوي عليه من مسند إليه أو مخبر عنه، ومن مسند أو مخبر به، ومن إسناد أو ارتباط للمسند بالمسند إليه ووقوع النسبة بينهما. ولا ريب أن هذا البحث في حقيقة أمره جزء لا ينفك عن مادة النحو، ولو غدا تفصيل القول في أحوال الإسناد والمسند إليه، والمسند، من خصائص علم المعاني الذي عقد موضوعه على البحث في أحوال التراكيب العربية، ويعد الشيخ عبد القاهر الجرجاني (٤٧١هـ) ، صاحب الرسالة الشافعية في الإعجاز ودلائل الإعجاز، أول واضع لهذا العلم. *تعريف الفعل بعلاماته:

стр. 237

وقد عمد بعض أئمة القرن الرابع الهجري إلى تعريف الفعل بما يختص به من علامات يتميز بها من الاسم والحرف. وأقدم من نحا هذا النحو الإمام ابن جني أبو الفتح عثمان (٣٩٢هـ) ، وابن جني أعلم أهل عصره بالنحو والتصريف، وقد تلمذ لأبي علي الفارسي خاصة، وله في الصرف كتب كثيرة، منها اللمع في التصريف، والمنصف في شرح تصريف المازني، والتصريف الملوكي، عدا ما جاء في كتابيه النفيسين: سر صناعة الإعراب والخصائص، مما يتصل بهذا العلم. وقد جاء في كتاب اللمع قوله: "والفعل ما حسن فيه قد، أو كان أمراً، فأما قد فنحو قولك: قد قام وقد قعد، وقد يقوم وقد يقعد، وكونه أمراً نحو قم واقعد". وكتاب اللمع كتاب مشهور عمد كثير من الأئمة إلى شرحه، ومن هؤلاء الثمانيني أبو القاسم عمر بن ثابت (٤٤٢ هـ) ، ومنهم ابن الشجري أبو السعادات هبة الله بن علي (٥٤٢هـ) ، كما شرح كتاب (التصريف الملوكي) . ومنهم ابن الدهان أبو محمد سعيد بن المبارك البغدادي (٥٦٩هـ) ، وقد أسماه الغرَّة، ومنهم محب الدين أبو البقاء عبد الله بن الحسين العكبري (٦١٦هـ) ، وقد أسماه (المتبع في شرح اللمع) . وقد حذا هذا الحذو في التعريف ابن مالك (٦٧٢هـ) ، فقد عرَّف الكلام وما يتألف منه في متن (ألفيته) فقال: كلامُنا لفظ مفيد كاستقم واسم فعل ثم حرف الكلم وميز الاسم من الفعل والحرف فقال: بالجرِّ والتنوين والندا وأل ومسند للاسم تمييز حصل وميَّز الفعل فقال: بتا فعلتَ وأتتْ ويا افعلي ونون اقبلنَّ فعلٌ ينجلي فذكر من علامات الفعل: تاء الفاعل وتاء التأنيث الساكنة وياء المخاطبة ونون التوكيد. ودرج ابن أجروم محمد بن داود الصنهاجي (٧٢٢هـ) ، على هذا في مقدمته المشهورة المعروفة بالأجرومية، فقال: "والفعل يعرف بقد والسين وسوف وتاء التأنيث الساكنة".

стр. 238

وهكذا فعل الإمام أبو محمد جمال الدين بن يوسف ... ابن هشام الأنصاري المصري (٧٦١هـ) ، في كتابه أوضح المسالك، فذكر من علامات الاسم الجر والتنوين والنداء و (أل) غير الموصولة، كما عدَّد من علامات الفعل تاء الفاعل، وتاء التأنيث الساكنة، وياء المخاطبة ونون التوكيد، كما جاء في متن الألفية. وقد ذكر ابن هشام في كتابه (قطر الندى) نحواً من هذا، مقترناً بشيء من التفصيل إذ قال: "وأما الفعل فثلاثة أقسام ماضٍ ويعرف بتاء التأنيث الساكنة، وبناؤه على الفتح كضرب، إلا مع واو الجماعة فيضم كضربوا أو الضمير المرفوع المتحرك فيسكن كضربت ... وأمر ويعرف بدلالته على الطلب مع قبوله ياء المخاطبة ... ومضارع ويعرف بلم وافتتاحه بحرف من حروف أنيت، ويسكن مع نون النسوة ... ويفتح مع نون التوكيد ... ". وقد قام الشيخ خالد الأزهري (٩٠٥هـ) ، يشرح كتاب (أوضح المسالك) ، وجرى عليه في متن (أزهريته) فقال: "وعلامة الفعل قد، نحو قد قام زيد وقد يقوم، والسين نحو سيقول، وتاء التأنيث الساكنة نحو قامت، وياء المخاطبة مع الطلب نحو قومي". وقد أقرَّ ذلك بالشرح الوافي الشيخ حسن بن محمد العطار الشافعي المصري الأزهري (١٢٥٠هـ) ، وله حاشية على الأزهرية، وعلى جمع الجوامع كتاب الإمام السيوطي. ولاشك أن من نهج في تعريف الفعل هذا النهج، فميزه من الاسم والحرف بعلامات فارقة، إنما سلك في ذلك الطريقة التعليمية التي يأخذ بها المصنفون حيناً لترسيخ سمات الشيء في ذهن الدارس، وهي لا تعني أكثر من تعقب الفعل في مواضع استعماله المختلفة واستقراء ما يتصل به فيها من أداة سابقة له أو لاحقة. أزمنة الفعل

стр. 239

مرَّ بنا في تعريف سيبويه للفعل في (الكتاب ـ ١/ ٢) . قوله: "وأما الفعل فأمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء وبنيت لما مضى، ولما يكون ولم يقع، وماهو كائن لم ينقطع"، وقد شرح قوله هذا فقال: "فأما بناء ما مضى فذهب ... ". فقضى بأن أول أزمنة الفعل هو الماضي. وأردف: "وأما بناء مالم يقع فإنه قولك أمراً: اذهب واقتل، ومخبراً: يقتل ويذهب". فأنبنى على هذا أن ثاني الأزمنة عند سيبويه هو المستقبل أمراً كان أو مضارعاً. ومضى يقول: "وكذلك بناء مالم ينقطع وهو كائن إذا أخبرت". أي وكذلك يقتل أو يذهب إذا بني للحال فهو كائن لم ينقطع، فأزمنة الفعل عند سيبويه إذاً ثلاثة: ماض ومستقبل يكون أمراً أو مضارعاً دالاً على الآتي، ومضارع أي حال مستمر. وقد جرى النحاة على هذا فالفعل عندهم ماض ومضارع للحال أو الاستقبال، وأمر مخصص بالاستقبال. *الرأي في قسمة الفعل إلى ماض ومضارع وأمر: لا خلاف بين الأئمة على جريان الفعل على الماضي والمضارع. فالفعل الماضي ما دلَّ على معنى مقترن بالزمان الماضي، والمضارع ما دلَّ على معنى مقترن بزمان يحتمل الحال والاستقبال. أما جريان الفعل على (الأمر) ففيه نظر. ذلك أن الفعل يدل على الحدث مقترناً بزمان، فهل الأمر مقترن بزمان؟ ... أقول (الأمر) صيغة يطلب بها الفعل من الفاعل، فهو صيغة إنشاء طلبي يراد بها طلب القيام بالفعل. فالكلام إما خبر وإما إنشاء. فالخبر قولك كتب زيد ويكتب عمرو. ففي الجملة ها هنا إسناد خبري مقترن بزمان. أما قولك اكتب فهو إسناد إنشائي غير مقترن بزمان فأنت تطلب من المخاطب القيام بفعل الكتابة ولا تخبره بحدث الكتابة مقترناً بزمان. فإذا استجاب المخاطب قامت استجابته فيما يستقبل من الزمان. وإن شئت التفصيل قلت إن معنى (الأمر) غير مقترن بزمان، لأنه لا يخبر بحدث، وإنما المقترن بزمان هو تلفظك به، أي قولك (أكتب) فهو يجري في الحاضر، وكذلك الاستجابة للأمر إذا حدثت فإنها تجري في المستقبل.

стр. 240

وطبيعي أن يكون المعوَّل في الحكم على (الأمر) هو دلالته، لا التلفظ به، وكذلك فعل علماء الأصول، إذا قضوا أن (الأمر) هو طلب الفعل أي طلب القيام به وليس الفعل، أي وليس التلفظ به، قال ابن العيني زين الدين عبد الرحمن بن أبي بكر، في شرح كتاب (المنار) لابن الملك: "ومنه أي من الخاص الأمر لأنه وضع لمعنى معلوم على انفراد، وهو طلب الفعل"، ويمضي في الشرح فيقول: "وخرج بالقول، أي بتعريف ابن الملك، الفعل"، أي خرج بالتعريف أن يكون (الأمر) هو الفعل، أي التلفظ به، لأنه طلب الفعل، أي طلب القيام به. *أزمنة الفعل عند ابن يعيش: قال موفق الدين يعيش بن علي بن يعيش الحلبي (٦٤٣هـ) ، في شرح كتاب (المفصل) ، للزمخشري (ج٢/ ص٧) : "لما كانت الأفعال مساوقة للزمان، والزمان من مقومات الأفعال، توجد عند وجوده، وتنعدم عند عدمه، انقسمت بأقسام الزمان، ولما كان الزمان ثلاثة: ماض وحاضر ومستقبل، وذلك من قبل أن الأزمنة حركات الفلك، فمنها حركة مضت، ومنها حركة لم تأت بعد، ومنها حركة تفصل بين الماضية والآتية، كانت الأفعال كذلك ماض ومستقبل وحاضر. فالماضي ما عدم بعد وجوده، فيقع الإخبار عنه في زمان بعد زمان وجوده، وهو المراد بقوله: الدال على اقتران حدث بزمان قبل زمانك، أي قبل زمان إخبارك، ويريد بالاقتران وقت وجود الحدث، لا وقت الحديث عنه، ولولا ذلك لكان الحد فاسداً ... والمستقبل مالم يكن له وجود بعد، بل يكون زمان الإخبار عنه قبل زمان وجوده. وأما الحاضر فهو الذي يصل إليه المستقبل، ويسري منه الماضي، فيكون الإخبار عنه هو زمان وجوده". فالذي أراده ابن يعيش، أن الفعل مادام مقترناً بزمان، والأزمنة ثلاثة: ماض وحاضر ومستقبل، فالفعل كذلك: ماض وحاضر ومستقبل. لكنه حين قسم الفعل اتبع فيه القسمة الشائعة المعروفة عند النحاة فقال: الفعل ماض ومضارع وأمر، فأين (الأمر) من قسمة الأزمنة أو الأفعال هذه؟ ... *ما القول في فعل الأمر:

стр. 241

كلام ابن يعيش على أزمنة الفعل لا يدع للأمر مكاناً في قسمة الأزمنة بل الأفعال. فالماضي إنما يقع الإخبار عنه بعد زمان وجوده، والمستقبل إنما يقع الإخبار عنه قبل زمان وجوده. أما الحاضر فيخبر عنه زمان وجوده. وهذا يعني أن الفعل الماضي يخبر به عن الحدث الفائت بعد زمان وجوده. ويخبر بالفعل الآتي قبل زمان الحدث الآتي: ويخبر بالفعل الحاضر زمن وقوع حدثه. فالفعل إنما يخبر به عن الأحداث الجارية في هذه الأزمنة الثلاثة. أما (الأمر) فليس مما يخبر به، في الأصل، لأنه صيغة إنشاء، لا إخبار، فلا يصح فيه إذاً حد الفعل. ومن ثم أشكل على النحاة مجيء خبر المبتدأ جملة إنشائية، لأن الإنشاء لا يخبر به، فذهب قوم إلى صحة الإخبار بها على تأويل صفة، فإذا قيل: زيد اضربه، كان كأنه قيل: زيد مطلوب ضربه. والتزم ابن السرَّاج تقدير قول محذوف قبلها، أي زيد أقول لك اضربه. وذهب ابن الأنباري إلى امتناع الإخبار به مطلقاً وتبعه قوم من النحاة ... أما الجملة الخبرية فالإخبار بها هو الأصل الشائع الكثير، وهي إما اسمية نحو زيد أبوه قائم أو فعلية نحو زيد قام أبوه. *الزجاجي وقسمة الفعل بحسب أزمنته: الزجاجي أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق (٣٣٧هـ) ، من علماء بغداد الذين أخذوا من البصرية ومن الكوفية. فما الذي قاله في قسمة الفعل بحسب أزمنته؟ ...

стр. 242

قال الزجاجي في كتابه (الجمل) : "الفعل ما دل على حدث وزمان ماض أو مستقبل، نحو قام يقوم وقعد يقعد، وما أشبه ذلك/١٧". ولا يعني هذا أن الزجاجي قد أسقط من حسابه (الحال) ، فقد ذكر في مواضع آخر من كتابه: "الأفعال ثلاثة: فعل ماض وفعل مستقبل" وأردف:"وفعل في الحال يسمى الدائم"، فجعل (الحال) بين الماضي الذي فات حدثه قبل التلفظ به، والمستقبل الذي ينتظر حدثه بعد التلفظ به. ولاشك أنه تابع في وصف (الحال) بالدائم أمام الصناعة. قال سيبويه في (الكتاب) : "وأما الفعل فأمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء، وبنيت لما مضى، ولما يكون ولم يقع، وماهو كائن لم ينقطع". فالفعل الذي هو كائن لم ينقطع إذا أخبرت به، عند سيبويه، هو الفعل الدائم أو المستمر عند الزجاجي. والزجاجي إذا كان ممن أعجب بسيبويه، فإنه لم يشايعه في كل ما ذهب إليه. ومن ذلك أنه لم يجعل للأمر حيزاً في أقسام الفعل خلافاً لسيبويه حين قال: "وأما بناء مالم يقع فإنه قولك أمراً: اذهب واقتل واضرب". وقد تعجب لِمَ عوَّلَ الزجاجي على (الماضي والمستقبل) ، حيناً دون (الحال) ، والشائع عند النحاة أن صيغة المضارع للحال والاستقبال، وهي للحال أخص، لأنها تستعمل في الحال بغير قرينة وفي الاستقبال بقرينة (السين وسوف) ؟.. أقول عمد الزجاجي إلى الاكتفاء حيناً بذكر (المستقبل) ، دون (الحال) لأنه اعتد (المستقبل) ، أسبق الأفعال، فقد قال في كتابه (الإيضاح /٨٥) : "اعلم أن أسبق الأفعال في التقدم: الفعل المستقبل لأن الشيء لم يكن ثم كان، والعدم سابق ... ثم يصير في الحال ثم يصير ماضياً ... فأسبق الأفعال في المرتبة: المستقبل، ثم فعل الحال، ثم فعل الماضي". وهذا ما حمله أن يستغني حيناً بذكر الماضي والمستقبل، لاسيما وأن (الحال) لا ينفرد ببناء خاص دون المستقبل.

стр. 243

على أن تذرع الزجاجي بالمنطق في تعليل الأحكام اللغوية وتحقيقها ها هنا، ليس مما يعوّل عليه، فلهذه الأحكام معايير أخرى. والزجاجي، مع ذلك، لا يوغل في التعليل الجدلي إيغال كثير من النحاة، كابن الشجري هبة الله أبي السعادات (٥٤٢هـ) ، وابن الأنباري أبي البركات كمال الدين بن عبد الرحمن (٥٧٧هـ) . *الكوفيون وأزمنة الفعل: إذا كان البصريون قد ذهبوا في قسمة الفعل بحسب أزمنته إلى ماض ومضارع وأمر، فقد نحا الكوفيون في ذلك منحى آخر قسموا به الفعل إلى ماض ومضارع أو مستقبل، ولم يجعلوا (الأمر) قسماً ثالثاً، وإنما جعلوه فرعاً على المضارع، وتصوروا أنه مقتطع منه. قالوا: قد دخلت على المضارع لام الأمر فقيل (لتفعل) ثم حذفت اللام وتاء المضارة لكثرة الاستعمال، فآل قولك (لتفعلْ) ، إلى قولك (افعلْ) . ولا يخفى ما في تصور الكوفييين هذا من تكلّف واضح اعتدوا فيه الاحتمال بمنزلة الحقيقة الثابتة، ولا يتساوى في المعنى قولك (افعل) وقولك (لتفعل) ، ولو كانا صيغتين للأمر. وقد تذرّع الكوفيون بمذهبهم هذا في (الأمر) ليعللوا بذلك الوجه في إعرابه، خلافاً للبصريين الذين قالوا ببناء فعل الأمر، على الأصل، فالبناء عندهم أصل في الأفعال مالم تضارع الأسماء، والأمر لا يضارعها كما يضارع ما أسموه بفعل (المضارع) . ذلك أن النحاة قد قضوا بإعراب الأسماء وعللوا ذلك باختلاف معانيها النحوية، فإن للمعاني التي يكتسبها الاسم في التركيب دلالات تكشف عنها مواقعه فيه، فاعلة أو مفعولة أو مضافاً إليها، وليس لصور هذه الأسماء أو أبنيتها علاقة بهذه المعاني، وقد جاءت حركات الإعراب لتكشف عن المعاني النحوية هذه، ولو لم تنفرد في هذا الكشف إذ شاركتها فيه الأدوات الداخلة في التركيب، ولذا سميت هذه الأدوات بحروف المعاني.

стр. 244

وقد أغنى الإعراب أن يلتزموا في التركيب تقديم فاعل أو تأخير مفعول، فاتسعوا في الكلام وتصرّفوا فيه بتقديم وتأخير، فضمنوا بذلك حسن الأداء ودقة التعبير واستجابوا بهذا لضرورات الشعر والسجع، ولو لم يطلقوا العنان لتصرّفهم هذا، إذا لم يستجيزوا التقديم والتأخير في كل موضع. ونجم عن هذا، على كل حال، أنه لم يُغنهم في الكشف عن المعاني النحوية لزوم الرتبة بتقديم الفاعل وتأخير المفعول، كما توجبه اللغات غير المعربة. وانفرد الكوفيون فأضافوا في تعليل إعراب الاسم إلى اختلاف معانيه النحوية في التركيب، اختلاف معانيه اللغوية في الأصل، قبل التركيب. وهكذا قال النحاة بإعراب المضارع مالم تتصل به نون التوكيد المباشرة أو نون النسوة، وعللوا إعرابه باختلاف المعاني عليه، كما اختلفت على الأسماء، فثمة فارق في المعنى بين المضارع مرفوعاً ومجزوماً ومنصوباً. وقد استوجب اختلاف المعاني اختلاف الحركات واختلاف الأداة، وهكذا أتت حركة الإعراب لتنبه على المعنى الذي حملته الأداة. وهكذا قسّم الكوفيون الفعل إلى ماض ومستقبل، ولم يجعلوا الأمر قسيماً لهما، فهل جعلوا للماضي والمستقبل قسيماً آخر؟ أقول ذكر الكوفيون (الفعل الدائم) وجعلوه هذا القسيم، فما الذي عنوه بالفعل الدائم؟ لم يعنِ الكوفيون بالفعل الدائم ما ذهب إليه الزجاجي من أنه الفعل الحاضر، وإنما عنوا بهذه التسمية (اسم الفاعل) . فكيف تصور الكوفيون اسم الفاعل فعلاً ولم أسموه الفعل الدائم؟ ... *الكوفيون والفعل الدائم: أقول قد أسمى الكوفيون (اسم الفاعل) فعلاً لأنه يعمل عمل فعله، وهذا معروف متفق عليه، وهو عند جمهور النحاة شبه الفعل. وأسمى الكوفيون اسم الفاعل فعلاً دائماً، لاشتمال دلالته على الحال والاستقبال حيناً، والماضي حيناً آخر، ولكن متى يدل (اسم الفاعل) على الحال أو الاستقبال، أو يدل على الماضي.

стр. 245

أراد الكوفيون باسم الفاعل هذا، وقد أسموه (الفعل الدائم) أو المستمر، اسم الفاعل المعدّ للعمل، وقد اشترط جمهور النحاة لاسم الفاعل المجرد من (أل) ليعمل فينصب مفعولاً به، أن يدل دلالة المضارع على الحال أو الاستقبال، دون الماضي ويسبق بنفي أو استفهام، أو يكون خبراً أو صلة أو وصفاً فتستحكم المشابهة بينه وبين الفعل. فإذا دل على الماضي ألغي عمله: قال أبو البقاء الكفوي في (الكليات) : (اسم الفاعل إذا كان للاستمرار يصح إعماله نظراً إلى اشتماله على الحال أو الاستقبال، وإلغاؤه نظراً إلى اشتماله على الماضي ـ ٥/ ٣١٧) . وقد ذهب الكسائي أبو الحسن علي بن حمزة إمام الكوفية (١٨٩ هـ) وشايعه جماعة إلى أن (اسم الفاعل) يعمل ولو دل على الماضي. واستدل على ذلك بقوله تعالى: (وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد (الكهف /١٨. فإن زمن حصول الحدث للمخبر عنه سابق لزمن نزول الآية. لكنه أجيب بأن الآية قد أتت لحكاية الحال في الماضي، بدليل قوله تعالى: (وكلبهم باسط (والواو للحال، والذي يحسن بعد واو الحال قولك (وكلبهم يبسط) ، لا (وكلبهم بسط) . وقد تقدّم هذا في الآية، قوله تعالى: (ونقلّبهم ذات اليمين وذات الشمال ... (. فجاء (نقلِّبهم) فعلاً مضارعاً دالاً على الحال أو الاستقبال. وفي هذه الإجابة وجه متقبل سائغ.

стр. 246

لكن الكسائي احتج إلى ذلك بآية أخرى، هي قوله تعالى: (فالق الإصباح وجعل الليل سكناً والشمس والقمر حسباناً ذلك تقدير العزيز العليم (. الأنعام /٩٦ فقد قرئ (وجاعل الليل سكناً (كما قرئ (فَلَق الإصباح (. وقد تقدم هذه الآية، قوله تعالى: (إن الله فالق الحب والنوى (. فقدر في هذا معنى المضي، كما قدَّر فيه معنى الحال. قال أبو البقاء عبد الله العكبري في (إعراب القرآن) : "قوله تعالى (فالق الحب (يجوز أن يكون معرفة لأنه ماضٍ، وأن يكون نكرة على أنه حكاية". أي يجوز أن تكون إضافة (فالق) محضة تفيد التعريف فتفيد المضي فيلغى عمل اسم الفاعل، كما يجوز أن تكون إضافته غير محضة فلا تفيد تعريفاً فتدل على الحال ويكون اسم الفاعل عاملاً. ويمضي العكبري فيقول: "وجاعل الليل مثل فالق الإصباح في الوجهين". أي في كون الإضافة محضة أو غير محضة، وفي إعمال اسم الفاعل أو إلغائه، وإفادة الحال، أو الماضي. وبقي الخلاف في نصب (سكناً) من قوله تعالى: (وجاعل الليل سكناً (. قال العكبري: "وسكناً مفعول جاعل إذا لم تعرفه، وإن عرفته كان منصوباً بفعل محذوف أي جعله سكناً"، أي أن الإضافة إذا لم تكن محضة فاسم الفاعل عامل يفيد الحال، و (سكناً) مفعول لاسم الفاعل. وإذا كانت محضة فاسم الفاعل ملغى يفيد المضي و (سكناً) مفعول لفعل محذوف. وهنا محل الخلاف، فالكسائي قد ذهب إلى أن نصب (سكناً) مع دلالة اسم الفاعل على المضي، دليل على عمل اسم الفاعل ولو أفاد الماضي و (سكناً) مفعول لاسم الفاعل، خلافاً للبصريين الذين اشترطوا لعمل اسم الفاعل أن يدل على الحال أو الاستقبال، دون الماضي، فإذا دل على المضي فقد ألغي عمله، وهذا ما قادهم إلى أن يقدروا فعلاً محذوفاً ينصبون به (سكناً) على المفعولية، بعد أن ألغوا اسم الفاعل حين قدروا فيه معنى المضي. وقد أخذ العكبري في (إعراب القرآن) ، عامة بمذهب البصرية.

стр. 247

ولا يعني ما تقدم من قول العكبري أن لنا أن نقدر في كل (اسم فاعل مضاف) أن تكون إضافته غير محضة فيكون عاملاً ويدل على الحال ولا يفيد التعريف، أو تكون إضافته محضة فيكون ملغى ويدل على الماضي ويفيد التعريف، فإن مرد ذلك إلى القرينة. فقد جاء قوله تعالى: (كل نفس ذائقة الموت (. بإضافة (ذائقة) إلى الموت إضافة غير محضة، وليس ثمة ما يتسع هنا لإضافة (ذائقة) إلى الموت إضافة محضة. قال العكبري في إعراب القرآن: (وإضافة ذائقة غير محضة لأنها نكرة يُحكى بها الحال، وقرئ شاذاً ذائقة الموت بالتنوين والإعمال) . *الفراء واسم الفاعل: نهج الفراء يحيى بن زياد (٢٠٧ هـ) ، وهو عَلَمْ من أعلام الكوفية، نهج الكسائي في اتخاذ أصول الكوفية، وتجلَّى ذلك في كتابه الأول (معاني القرآن) . وقد عمد فيه (١/ ٤٥) . إلى تمييز اسم الفاعل العامل فأسماه (فعلاً دائماً) ، من اسم الفاعل غير العامل، وقد أبقاه على الأصل (اسماً) . قال الفراء في تفسير قوله تعالى: (كل نفس ذائقة الموت (. الأنبياء /٣٥. بإضافة (ذائقة) إلى الموت، قال في كتابه (معاني القرآن) : "ولو نونت ذائقة ونصبت كان صواباً". وهذا يعني أن (ذائقة الموت) بتنوين الأول ونصب الثاني، على إعمال اسم الفاعل، جائز جواز (ذائقة الموت) بالإضافة غير المحضة، فكلاهما يفيد الحال أو الاستقبال. وأردف: "وأكثر ما تختار العرب التنوين والنصب في المستقبل"، ومؤدَّى ذلك أن العرب قد تعني المضي في اسم الفاعل العامل، ولو أن الكثير الغالب أن تعني المستقبل. ويمضي الفراء قائلاً: "فإذا كان معناه ماضياً لم يكادوا يقولون إلا بالإضافة"، وفحوى ذلك أن المضي إنما يعبر عنه غالباً بالإضافة، ولكن قد يعبر عنه بإعمال اسم الفاعل أيضاً، وهذا رأي الكوفية خلافاً للبصرية التي لا ترى في الأعمال إلا دلالة الحال والاستقبال، لكنها ترى في الإضافة دلالة الحال إذا لم تكن محضة، والمضي إذا كانت محضة. *البصريون واسم الفاعل:

стр. 248

ذهب البصريون إلى أن اسم الفاعل إما أن يفيد الماضي، ولا يتأتى ذلك إلا بإضافته إضافة محضة تفيد التعريف، وإما أن تفيد الحال أو الاستقبال، ولا يكون هذا إلا بإعمال اسم الفاعل وتنوينه، أو بإضافته إضافة غير محضة لا تفيد تعريفاً. وقد بسط القول في ذلك القرطبي أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري في تفسير قوله تعالى: (كل نفس ذائقة الموت (. آل عمران/ ١٨٥. قال القرطبي: " (ذائقة الموت (. بالإضافة، وقرأ الأعمش ويحيى وابن أبي إسحاق ذائقة الموت بالتنوين ونصب الموت. قالوا لأنها لم تذق بعد". وأردف: "ذلك أن اسم الفاعل على ضربين: أحدهما أن يكون بمعنى المضي، والثاني بمعنى الاستقبال. فإن أردت الأول لم يكن فيه إلا الإضافة إلى ما بعده، كذلك قولك: هذا ضارب زيد أمس ... لأنه يجري مجرى الاسم الجامد وهو العلم ... "، أي أن الإضافة فيه محضة. وتابع يقول: "وإن أردت الثاني جاز الجر والنصب والتنوين، فيما هذا سبيله هو الأصل، لأنه يجري مجرى الفعل المضارع، فإن كان غير متعدٍ لم يتعدَّ نحو قائم زيد. وإن كان متعدياً عدّيته ونصبت به فتقول: زيد ضارب عمرواً بمعنى يضرب عمرواً. ويجوز حذف التنوين والإضافة تخفيفاً"، ومعنى هذا أن تنوين اسم الفاعل ونصبه المفعول به، كحذف تنوينه مع إضافته، في إفادة الحال، مادامت الإضافة غير محضة. *اسم الفاعل والاستمرار: إذا قيل أن دلالة اسم الفاعل هي (الاستمرار) فسِّر ذلك على أحد وجهين: الأول أن يعني الاستمرار اشتمال هذه الدلالة على الحال أو الاستقبال حيناً وعلى الماضي حيناً آخر. وهذا ما حمل الكوفيين على أن يسمُّوا اسم الفاعل بالفعل الدائم. وقد جاء في الكليات لأبي البقاء: "اسم الفاعل إذا كان للاستمرار يصح إعماله نظراً إلى اشتماله على الحال أو الاستقبال، وإلغاؤه نظراً إلى اشتماله على الماضي ـ ٥/٣١٧"، كما ذكرنا ذلك قبل، ولا ننسى أن الكوفيين قد اعتقدوا اشتماله على الماضي أيضاً، ولو كان عاملاً.

стр. 249

الثاني: أن يعني الاستمرار الثبوت في الأزمنة المختلفة. وقد أشار صاحب الكليات إلى هذا حين قال:"معنى الاستمرار هو الثبوت من غير أن يعتبر معه الحدث في أحد الأزمنة ـ ٥/٣٢٣"، وهو الأصل فيه، إذ قال: "اسم الفاعل يستفاد منه مجرد الثبوت صريحاً بأصل وضعه ـ ٥/١٧٣". ولكن متى يدل اسم الفاعل على الثبوت أي الاستمرار في الأزمنة المختلفة؟ ... أقول يدل اسم الفاعل على الثبوت أو الدوام أو الاستمرار في الأزمنة المختلفة، إذا أضفته إضافة محضة، أي إضافة معنوية أو حقيقية، فجرى مجرى الاسم الجامد، وقد يدل في هذه الحال أيضاً على الماضي، والقرينة تفصل بين الدلالتين. قال الإمام البيضاوي في تفسير قوله تعالى: (فالق الإصباح وجعل الليل سكناً والشمس والقمر حسباناً ذلك تقدير العزيز العليم (الأنعام /٩٦". وقرئ فالق الإصباح بالنصب على المدح وجاعل الليل سكناً ونصبه بفعل دلَّ عليه جاعل لا به، فإنه في معنى الماضي ويدل عليه قراءة الكوفيين وجعل الليل"، أي وقرئ (جاعل الليل ساكناً) ، وقد نصب (سكناً) ، بفعل محذوف لدلالة جاعل على الماضي، لأن عمل اسم الفاعل ونصبه للمفعول مشروط بدلالته على الحال أو الاستقبال، دون الماضي، خلافاً للكسائي، وابن هشام وابن مضاء. ومضى الإمام البيضاوي يقول:"..... وبه على أن المراد منه جعل مستمر في الأزمنة المختلفة". أي وقرئ (وجاعل الليل سكناً) ، على أن المراد جعل الخالق الليل كذلك مستمراً على الدوام. فثبت بهذا أن إضافة اسم الفاعل الإضافة المحضة أو المعنوية الحقيقية قد تنطوي على دلالته على الماضي، كما تنطوي على دلالته على الاستمرار، والقرينة تميز إحداهما من الأخرى.

стр. 250

وانظر إلى ما جاء في شرح الإمام عبد الرحمن بن محمد الجامي لكافية ابن الحاجب. قال ابن الحاجب: "فإن كان للماضي وجب الإضافة معنى، خلافاً للكسائي". فقال الجامي: "فإن كان اسم الفاعل المتعدِّي للزمان الماضي بالاستقلال، أو في ضمن الاستمرار، وأريد ذكر مفعوله وجبت الإضافة، أي إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله معنى أي إضافة معنوية لفوات شرط الإضافة اللفظية مثل زيد ضارب عمرو أمس، خلافاً للكسائي فإنه ذهب إلى عدم وجوب إضافته، لأنه يعمل عنده سواء كان بمعنى الماضي أو الحال أو الاستقبال فيجوز أن يكون منصوباً على المفعولية وعلى تقدير إضافته ليست إضافته معنوية لأنها عنده من قبيل إضافة الصفة إلى معمولها ... "، أي أنه لابد لإعمال اسم الفاعل المتعدِّي ونصبه مفعولاً، من أن يدل على الحال أو الاستقبال دون الماضي، فينون أو يضاف إضافة لفظية، لا معنوية. وقد جاء ذلك في قوله تعالى: (كل نفس ذائقة الموت (. فقرئ (ذائقة) بالإضافة وبالتنوين. فإذا أريد دلالة اسم الفاعل على الماضي أو على الاستمرار فلابد من إضافته. وإضافته ها هنا معنوية كقولك زيد ضارب عمرو أمس، خلافاً للكسائي الذي أجاز إعمال اسم الفاعل، ولو دلَّ على الماضي، فلم ير ضرورة إضافته في هذه الحال الإضافة المعنوية المحضة التي أوجبها البصريون. وهكذا إذا قصد تعريف الصفة المضافة إلى معمولها كاسم الفاعل تعرَّفت بدلالة الوصف على الاستمرار في الأزمنة المختلفة، وكانت إضافتها محضة معنوية، فوصفت بها المعرفة. قال الإمام السيوطي في همع الهوامع: "فإن قصد تعريفها، أي الصفة المضافة إلى معمولها بأن قصد الوصف بها من غير اختصاص بزمان دون زمان تعرَّفت، ولذا وصفت بها المعرفة، في قوله تعالى.... غافر الذنب ـ ٢/ ٤٨".
следующие страницы →